١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي القرآن {إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} من الدين والأحكام فتقوم الحجة عليهم ببيانك. وعطف {هُدًى وَرَحْمَةً} على موضع قوله: «لِتُبَيِّنَ» لأن محله نصب. ومجاز الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا تبياناً للناس. {وَهُدًى} أي رشداً ورحمة للمؤمنين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ } يا محمد {ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ } للناس {ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } من أمر الدين {وَهُدَىٰ } عطف على «لتبين» {وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } به.
القشيري
تفسير : أنت الواسطة بيننا وبين أوليائنا، ولك البرهان الأعلى والنور الأوفى؛ تُبَلِّغُ عنَّا وتؤدِّي مِنَّا، فأنت رحمةٌ أرسلناك لأوليائنا... فَمَنْ تَبِعَكَ اهتدى، ومَنْ عصاك ففي هلاكه سعى.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما انزلنا عليك الكتاب} اى القرآن لعلة من العلل {الا لتبين لهم} اى للناس {الذين اختلفوا فيه} من التوحيد واحوال المعاد والحلال والحرام والمراد بالمختلفين المؤمنون والكافرون كما فى الكواشى {وهدى ورحمة} معطوفوان على محل لتبين وانتصابهما لانهما فعلا الذى انزل الكتاب بخلاف التبين فانه فعل المخاطب لا فعل المنزل اى وللهداية من الضلالة والرحمة من العذاب {لقوم يؤمنون} وتخصيصهم لانهم المنتفعون بالقرآن. قال سهل بن عبد الله لا يتصل احد بالله حتى يتصل بالقرآن ولا يتصر بالقرآن حتى يتصل بالرسول ولا يتصل بالرسول حتى يتصل بالاركان التى قام بها الاسلام - حكى - عن مالك بم دينار انه قال يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن فى قلوبكم فان القرآن ربيع المؤمن كما ان الغيث ربيع الارض. وعن على بن ابى طالب كرم الله وجهه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : انها ستكون فتنة" قلت ما المخرج منها يا رسول الله قال "كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما كان بعدكم وحكم ما بينكم وهو العلم وهو الفصل ليس بالهزل لا تشبع منه العلماء وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به اجر ومن دعا اليه فقد هدى الى صراط مستقيم"تفسير : ثم ان تبيين احكام القرآن للعامة وحقائقه للخاصة انما هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاصالة والاستقلال ولورثته بعده قرنا بعد قرن بالفرعية والتبعية. فعلماء الظواهر يخلصون الناس من الاختلاف فيما يتعلق بالظواهر بالبيان الصريح. وعلماء البواطن يخلصونهم من الاختلاف فيما يتعلق بالبواطن بالكشف الصحيح ولكل منهم مشرب لا يخيب وارده وهم اساطين الدين وسلاطين المسلمين. واعلم ان الاتعاظ بالمواعظ القرآنية يدخل العبد فى السعادة الباقية ويخلصه من الحظوظ النفسانية - حكى - ان ابراهيم بن ادهم سر ذات يوم بمملكته ونعمته ثم نام فرأى رجلا اعطاه كتابا فاذا فيه مكتوب لا تؤثر الفانى على الباقى ولا تغتر بملكك فان الذى انت فيه جسيم لولا انه عديم فسارع الى امر الله فانه يقول {أية : وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة}تفسير : فانتبه فزعا وقال هذا تنبيه من الله تعالى وموعظة وهدى ورحمة فتاب الى الله واشتغل بالطاعة: قال المولى الجامى قدس سره شعر : هركه دل برعشوه كيتى نهاد برحذر باش از غرور وجهل او دامن او كير كزهمت فشاند آستين بردنبى وبراهل او تفسير : شرفنا الله واياكم بالعصمة عن الهوى وبالتمسك باسباب الهدى {والله انزل من السماء} الى السحاب ومنه الى الارض {ماء} نوعا خاصا من الماء وهو المطر {فاحيا به الارض} اى انبت بسبب المطر فى الارض انواع النباتات {بعد موتها} اى بعد يبسها شبه تهييج القوى النامية فى الارض واحداث نضارتها بانواع النباتات بالاحياء وهو اعطاء الحياة وهى صفة تقتضى الحس والحركة وشبه يبوستها بعد نضارتها بالموت بعد الحياة وما يفيده الفاء من التعقيب العادى لا ينافيه ما بين المعطوفين من المهلة {ان فى ذلك} اى فى انزال الماء من السماء واحياء الارض الميتة به {لآية} دالة على وحدته تعالى وعلمه وقدرته وحكمته اذ الاصنام وغيرها لا تقدر على شئ {لقوم يسمعون} هذا التذكير ونظائره سماع تفكر وتدبر فكأنه من ليس كذلك اصم لا يسمع: وفى المثنوى شعر : جون سليمان سوى مرغان سبا يك صفيرى كرد آن جمله را جز مكر مرغى كه بدبى جان وبر باجو ما هى كنك بدازاصل كر نى غلط كفتم كه كركر سرنهد بيش وحى كبريا سمعش دهد تفسير : وقال بعضهم{والله انزل من السماء ماء} قرآنا هو سبب حياة المؤمنين فاحيي به قلوب الميتة بالجهل {ان فى ذلك لآية لقوم يسمعون} القرآن بسمع يسمع به كلام الله من الله فان الله تعالى متكلم بكلام ازلى ابدا ولا يسمع كلامه الامن اكرمه الله بسمع يسمع كلامه كقوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم والحق تعالى تارة يتلو عليك الكتاب من الكبير الخارج وتارة يتلو عليك من نفسك فاسمع وتأهب لخطاب مولاك اليك فى أي مقام كنت وتحفظ من الوقر والصمم فالصمم آفة تمنعك عن ادراك تلاوته عليك من الكتاب الكبير وهو الكتاب المعبر عنه بالفرقان والوقر آفة تمنعك من ادراك تلاوته عليك من نفسك المختصرة وهو الكتاب المعبر عنه بالقرآن اذا الانسان محل الجمع لما تفرق فى العالم الكبير وعلامة السامعين المتحققين فى سماعهم انقيادهم إلى كل عمل مقرب الى الله تعالى من جهة سماعه اعنى من التكليف المتوجه على الاذن من امرا ونهى كسماعه للعلم والذكر والثناء على الحق تعالى والموعظة الحسنة والقول الحسن. ومن علامته ايضا التصامم عن سماع الغيبة والبهتان والسوء من القول والخوض فى آية الله والرفث والجدال وسماع القينات وكل محرم حجر الشارع عليك سماعه قال الله تعالى {أية : واذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره انكم اذا مثلهم}تفسير : فالكافر الخائض والمنافق الجليس له المستمع لخوضه كذلك من جالس الصديقين والعارفين فى مجالسهم المطهرة وانديتهم المقدسة فانه شريك لهم فى كل خير ينالون من الله تعالى وقد قال النبى عليه الصلاة والسلام فيهم "حديث : انهم القوم لا يشقى بهم جليسهم"تفسير : فالمرؤ مع من جالس فى الدنيا بالطاعة والادب الشرعى وفى الآخرة بالمعاينة والقرب المشهدى نسأل الله تعالى ان يجعلنا مع الصلحاء فى الدنيا والآخرة انه الفياض الوهاب.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إِنَّا {ما أنزلنا عليك الكتاب} يعني القرآن {إِلا} وأردنا منك ان تبين {لهم} وتكشف لهم {الذي اختلفوا فيه} من دلالة التوحيد والعدل وصدق الرسل وما أوجبت فيه من الحلال والحرام {وهدى ورحمة} اي أنزلته هدى ودلالة على الحق لقوم يؤمنون. {وهدى ورحمة} نصب على انه مفعول له، ويجوز ان يكون رفعا على الابتداء، وانما اضافه الى المؤمنين خاصة لانتفاعهم بذلك، وان كان دليلا وحجة للجميع، كما قال في موضع آخر {أية : هدى للمتقين}تفسير : وقال {أية : إنما أنت منذر من يخشاها}تفسير : وان انذر من لم يخشاها. ثم اخبر تعالى على وجه، مَنّ نعمه على خلقه، فقال {والله} المستحق للعبادة هو الذي {أنزل من السماء ماء} يعني غيثاً ومطراً {فأحيا به} يعني بذلك الماء {الأرض بعد موتها} اي احياها بالنبات بعد جدوبها وقحطها، ففي ذلك اعظم دلالة واجل آية {لقوم يسمعون} ذلك ويفكرون فيه ويعتبرون به.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} لمّا علمت انّ غاية النّبوّة الدّلالة على الولاية ولولا الولاية لما كان للنّبوّة غاية وانّ الّذى هو معظم ما اختلفوا فيه هو النّبأ العظيم الّذى هم فيه مخلتفون علمت انّ المعنى لتبيّن لهم الولاية {وَهُدًى وَرَحْمَةً} عطف على الفعل المؤوّل {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يذعنون بالله وبالآخرة او يؤمنون بالايمان العامّ والبيعة النّبويّة، واطلاق التّبيين لكونه عامّاً ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حىّ عن بيّنة، وتقييد الهداية والرّحمة لاختصاصهما بمن استحقّهما.
اطفيش
تفسير : {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} القرآن {إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ} من التوحيد والقدر والبعث والجزاء وغير ذلك من أمر الدين وكان فيهم من يذكر ذلك وكان عبدالمطلب يقوى البعث، والضميران فى قوله تعالى {إِلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه} للناس فيما قيل والظاهر أنهما لكفار قريش والتبيين لهم تبيين لغيرهم لأَنه إِذا بين لهم بين من آمن منهم للناس مطلقا أو يؤخذ التبيين لغيرهم من غير هذه الآية {وَهُدًى وَرَحْمَةً} منصوبان على التعليل معطوفان على مجموع الجار والمجرور فى قوله لتبيين وأعنى بالمجرور المصدر الذى يسبك من الفعل وإِنما نصبا لأَن فاعل الهداية والرحمة وفاعل الإِنزال واحد وهو الله سبحانه وتعالى بخلاف التبيين ففاعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجر باللام وكأَنه قيل وأنزلناه هداية ورحمة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خصهم بالذكر لأَنهم المنتفعون بالقرآن نفعنا الله الكريم به.
الالوسي
تفسير : {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} شديد الملائمة على هذا الوجه لقوله سبحانه هنالك: {أية : لِيُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } تفسير : [النحل: 39]، ولقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44] وفيه أن من استبان له الهدى بهذا البيان استغنى عن ذلك البيان حيث لا ينفعه إلا العلم بكذبه وهذا أنسب لتأليف النظم اهـ. وأنت تعلم أن احتمال العطف بعيد، والمراد بالكتاب القرآن فإنه الحقيق بهذا الاسم، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي ما أنزلناه عليك لعلة من العلل إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من البعث وقد كان فيهم من يؤمن به وأشياء من التحليل والتحريم والإقرار والإنكار ومقتضى رجوع الضمائر السابقة إلى الأمم السالفة أن يرجع ضمير {لَهُمُ} و {ٱخْتَلَفُواْ} إليهم أيضاً لكن منع عنه عدم تأتي تبيين الذي اختلفوا فيه لهم فمنهم من جعله راجعاً إلى قريش لأن البحث فيهم ومنهم من جعله راجعاً إلى الناس مطلقاً لعدم اختصاص ذلك بقريش ويدخلون فيه دخولاً أولياً. {وَهُدًى وَرَحْمَةً} عظيمين {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خصهم بالذكر لكونهم المغتنمين آثاره. والإسمان ـ قال أبو حيان:ـ في موضع نصب على أنهما مفعول من أجله والناصب {أَنزَلْنَا} ولما اتحد الفاعل في العلة والمعلول وصل الفعل لهما بنفسه، ولما لم يتحد في {لِتُبَيّنَ} لأن فاعل الإنزال هو الله تعالى لا الرسول عليه الصلاة والسلام وصلت العلة بالحرف. وقال الزمخشري: هما معطوفان على محل {لِتُبَيّنَ} وهو ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً فيعطف منصوب عليه، ألا ترى أنه لو نصب لم يجز لاختلاف الفاعل اهـ. وتعقب بأن معنى كونه في محل نصب أنه في محل لو خلا من الموانع ظهر نصبه وهو هنا كذلك لمن تأمل فقوله: ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً ليس على ما ينبغي. وقال الحلبـي: إن ذلك ممنوع إذ لا خلاف في أن محل الجار والمجرور النصب ولذا أجازوا مررت بزيد وعمراً بالعطف على المحل، وللخفاجي هٰهنا كلام إن أردته فارجع إليه وراجع، ولعله إنما قدمت علة التبيين على علتي الهدى والرحمة/ لتقدمه في الوجود عليهما.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة القسم. والمناسبة أن القرآن أنزل لإتمام الهداية وكشف الشبهات التي عرضت للأمم الماضية والحاضرة فتَرَكَتْ أمثالها في العرب وغيرهم. فلما ذكرت ضلالاتهم وشبهاتهم عقّب ذلك ببيان الحكمة في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن إليه، فالقرآن جاء مبيّناً للمشركين ضلالهم بياناً لا يترك للباطل مسلكاً إلى النفوس، ومفصحاً عن الهدى إفصاحاً لا يترك للحَيرة مجالاً في العقول، ورحمةً للمؤمنين بما جازاهم عن إيمانهم من خير الدنيا والآخرة. وعبّر عن الضلال بطريقة الموصولية {الذين اختلفوا فيه} للإيماء إلى أن سَبَب الضلال هو اختلافهم على أنبيائهم، فالعرب اختلفت ضلالتهم في عبادة الأصنام، عبدت كل قبيلة منهم صنماً، وعبد بعضهم الشمس والكواكب، واتّخذت كل قبيلة لنفسها أعمالاً يزعمونها ديناً صحيحاً. واختلفوا مع المسلمين في جميع ذلك الدّين. والإتيان بصيغة القصر في قوله تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين} لقصد الإحاطة بالأهمّ من غاية القرآن وفائدته التي أنزل لأجلها. فهو قصر ادعائي ليرغب السامعون في تلقّيه وتدبّره من مؤمن وكافر كلّ بما يليق بحاله حتى يستووا في الاهتداء. ثم إن هذا القصر يعرّض بتفنيد أقوال من حسبوا من المشركين أن القرآن أنزل لذكر القِصص لتعليل الأنفس في الأسمار ونحوها حتى قال مضلّهم: أنَا آتيكم بأحسن مما جاء به محمد، آتيكم بقصة (رستم) و (اسفنديار). فالقرآن أهم مقاصده هذه الفوائد الجامعة لأصول الخير، وهي كشف الجهالات والهدى إلى المعارف الحقّ وحصول أثر ذيْنِك الأمرين، وهو الرحمة الناشئة عن مجانبة الضلال وإتباع الهدى. وأدخلت لام التعليل على فعل «تبين» الواقع موقع المفعول لأجله لأنه من فعل المخاطب لا من فعل فاعل {أنزلنا}، فالنبي هو المباشر للبيان بالقرآن تبليغاً وتفسيراً. فلا يصحّ في العربية الإتيان بالتبيين مصدراً منصوباً على المفعولية لأجله إذ ليس متّحداً مع العامل في الفاعل، ولذلك خولف في المعطوف فنُصب {هدى ورحمةً} لأنهما من أفعال مُنْزِل القرآن، فالله هو الهادي والراحم بالقرآن، وكل من البيان والهدى والرحمة حاصل بالقرآن فآلت الصفات الثلاث إلى أنها صفات للقرآن أيضاً. والتعبير بــــ{لقوم يؤمنون} دون للمؤمنين، أو للذين آمنوا، للإيماء إلى أنهم الذين الإيمان كالسّجية لهم والعادة الراسخة التي تتقوّم بها قوميّتهم، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164). وهاته الآية بمنزلة التذييل للعبر والحجج الناشئة عن وصف أحوال المخلوقات ونِعم الخالق على الناس المبتدئة من قوله تعالى: {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق} تفسير : [سورة النحل: 17].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 64- وما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين به للناس الحق فيما كان موضع خلافهم من الدين، وليكون هداية تامة، ورحمة عامة لقوم يؤمنون بالله وبالكتاب الذى أنزله. 65- والله أنزل من السماء ماء يحمله السحاب، فجعل الأرض منبتة فيها حياة، بعد أن كانت قاحلة لا حياة فيها. إن فى ذلك لدليلاً واضحاً على وجود مدبر حكيم. 66- وإن لكم - أيها الناس - فى الإبل والبقر والغنم لموعظة تعتبرون بها، وتنتقلون بتدبر عطائها إلى العلم بالصانع المبدع الحكيم، ونسقيكم من بعض ما فى بطونها من بين فضلات الطعام والدم لبناً صافياً لذيذاً سهل التناول للشاربين. 67- ومن ثمرات النخيل والأعناب التى أنعمنا بها عليكم ومكناكم منها تتخذون عصيراً مسكراً غير حسن، وطعاماً طيباً حسناً، إن فى ذلك لعلامة دالة على القدرة والرحمة لقوم ينتفعون بعقولهم. 68- وألهم ربك - أيها النبى - النحل أسباب حياتها، ووسائل معيشتها، بأن تتخذ من الجبال بيوتاً فى كهوفها، ومن فجوات الشجر، ومن عرائش المنازل والكروم بيوتاً كذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (64) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ القُرْآنَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ دِينِ اللهِ، وَلِيَعْرِفُوا الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ، وَيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ التِي بَعَثَهُ اللهُ بِهَا. وَالقُرْآنُ هُدًى لِلْقُلُوبِ الضَّالَّةِ، وَرَحْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ مِنَ المُؤْمِنينَ، وَهُوَ فَاصِلٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالكتاب هو القرآن الكريم. وقَوْل الحق سبحانه: {لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ..} [النحل: 64]. دليل على أن أتباع الرسل السابقين نشأ بينهم خلاف، فأيُّ خلاف هذا طالما أنهم تابعون لنبي واحد؟ ما سببه؟ قالوا: سبب هذا الخلاف ما يُسمُّونه بالسلطة الزمنية .. ولتوضيح معنى السلطة الزمنية نضرب مثلاً بواحد كان شيخاً لطريقة مثلاً، فلما مات تنازع الخلافة أبناؤه من بعده .. كُلٌ يريدها له، وأخذ يجمع حوله مجموعة من أتباع أبيه .. فلو كانت مسألة الخلافة هذه واضحة في أذهانهم ما حدث هذا الخلاف. وكذلك السلطة الزمنية حدثت في أتباع الرسل الذين أخذوا يكتبون الصكوك، ويذكرون ما يحبون وما يرونه صواباً من وجهة نظرهم، كل هؤلاء كان لهم نفوذ بما نُسميه السلطة الزمنية. فكيف - إذن - يتركون محمداً صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم هذه السلطة، ويُضيع عليهم ما هم فيه من سيادة، فقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم لِيُبيّن لهم. أي: يردّهم إلى جَادّة الحق، وإلى الطريق المستقيم. وقوله تعالى: {وَهُدًى وَرَحْمَةً ..} [النحل: 64]. الهدى: معناه بيان الطريق الواضح للغاية النافعة، والطريق لا يكون واضحاً إلا إذا خَلا من الصِّعاب والعقبات، وخلا أيضاً من المخاوف، فهو طريق واضح مأمون سهل، وأيضاً يكون قصيراً يُوصّلك إلى غايتك من أقصر الطرق. وضد الهدى: الضلال. وهو أنْ يُضلّك، فإنْ أردتَ طريقاً وجَّهك إلى غيره، ودَلّك على سواه، أو دَلّك على طريق به مخاوف وعقبات. أما الرحمة، فقد وصف الحق تبارك وتعالى القرآن بأنه رحمة فقال: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} تفسير : [الإسراء: 82]. فكيف يكون القرآن شفاءً؟ وكيف يكون رحمة؟ الشفاء: إذا أصابنا داء ربنا سبحانه وتعالى يقول: طيّبوا داءكم وداووا أمراضكم بكذا وكذا، ورُدُّوا الحكم إلى الله .. هذا شفاء. أما الرحمة: فهي أن يمنع أن يأتي الداء مرة أخرى، فتكون وقاية تقتلع الداء من أصله فلا يعود. ومِثْل هذا يحدث في عالم الطب، فقد تذهب إلى طبيب لِيُعالجك من داء معين .. بثور في الجلد مثلاً، فلا يهتم إلا بما يراه ظاهراً، ويصف لك ما يداوي هذه البثور .. ثم بعد ذلك تُعاودك مرة أخرى. أما الطبيب الحاذق الماهر فلا ينظر إلى الظاهر فقط، بل يبحث عن سببه في الباطن، ويحاول أن يقتلع أسباب المرض من جذورها، فلا تُعاودك مرة أخرى. ولذلك، لو نظرنا إلى قصة أيوب - عليه السلام - وما ابتلاه الله به نرى فيها مثالاً رائعاً لعلاج الظاهر والباطن معاً، فقد ابتلاه ربُّه ببلاء ظهر أثره على جسمه واضحاً، ولما أذن له سبحانه بالشفاء قال له: {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} تفسير : [ص: 42]. (مُغْتَسَلٌ): أي. يغسل ويُزيل ما عندك من آثار هذا البلاء. (وَشَرَابٌ): أي. شراب يشفيك من أسباب هذا البلاء فلا يعود. وكذلك الحال في علاج المجتمع، فقد جاء القرآن الكريم وفي العَالَم فساد كبير، وداءاتٌ متعددة، لا بُدَّ لها من منهج لشفاء هذه الداءاتِ، ثم نعطيها مناعاتٍ تمنع عودة هذه الداءات مرة أخرى. وقوله تعالى: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]. أي: أن هذا القرآن فيه هدى ورحمة لمَنْ آمن بك وبرسالتك؛ لأن الطبيب الذي ضربناه مثلاً هنا لا يعالج كل مريض، بل يعالج مَنْ وثق به، وذهب إليه وعرض عليه نفسه ففحصه الطبيب وعرف عِلّته. وهكذا القرآن الكريم يسمعه المؤمن به، فيكون له هدىً ورحمة، ويترك في نفسه إشراقاتٍ نورانية تتسامى به وترتفع إلى أعلى الدرجات، في حين يسمعه آخر فلا يَعي منه شيئاً، ويقول كما حكى القرآن الكريم: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} تفسير : [محمد: 16]. وقال: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ ..} تفسير : [فصلت: 44]. {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..} تفسير : [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد، ولكن الاستقبال مختلف. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَهُدًى وَرَحْمَةً} في موضع نصب على أنهما مفعول من أجله وانتصبا لاتحاد الفاعل في الفعل وفيهما لأن المنزل هو الله تعالى وهو الهادي والراحم ودخلت اللام في لتبين لاختلاف الفاعل لأن المنزل هو الله تعالى والتبيين مسند للمخاطب وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الزمخشري: معطوفان على محل لتبين "انتهى". ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً فيعطف منصوب عليه ألا ترى أنه لو نصبه لم يجز لاختلاف الفاعل. {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً} الآية، لما ذكر تعالى إنزال الكتاب المبين كان القرآن حياة الأرواح وشفاء لما في الصدور من علل العقائد ولذلك ختم بقوله: يؤمنون أي يصدقون والتصديق محله القلب ذكر إنزال المطر الذي هو حياة الأجسام وسبب لبقائها ثم أشار بإِحياء الأرض بعد موتها إلى إحياء القلوب بالقرآن كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ}تفسير : [الأنعام: 122] فكما تصير الأرض خضرة بالنبات نضرة بعد همودها كذلك القلب يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتاً بالجهل ولذلك ختم بقوله: يسمعون، أي هذا التشبيه المشار إليه والمعنى سماع أنصاف وتدبر ولملاحظة هذا المعنى والله أعلم لم يختم بقوله: يبصرون، وان كان إنزال المطر مما يبصر ويشاهد. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} الآية، لما ذكر تعالى إحياء الأرض بعد موتها ذكر ما ينشأ عن المطر وهو حياة الانعام التي هي مألوف العرب بما تتناوله من النبات الناشىء عن المطر ونبه على العبرة العظيمة وهو خروج اللبن من بين فرث ودم والفرث كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش أو الأمعاء وذكر في قوله: مما في بطونه ولا ضعف في ذلك من هذه الجهة لأن التأنيث والتذكير باعتبار وجهين وأعاد الضمير مذكراً مراعاة للجنس لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده عليه مذكراً كقولهم هو أحسن الفتيان وأنبله لأنه يصح هو أحسن فتى وإن كان هذا لا ينقاس عند سيبويه إنما يقتصر فيه على ما قالته العرب. قال الزمخشري: ذكر سيبويه الانعام في باب ما لا ينصرف من الأسماء المفردة على أفعال كقولهم: ثوب أكياش ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً "انتهى". قال سيبويه: وأما أفعال فقد يقع للواحد فقول سبيويه فقد يقع للواحد دليل على أنه ليس ذلك بالوضع وقول الزمخشري أنه ذكره في الأسماء المفردة على أفعال تحريف في اللفظ وفهم عن سيبويه ما لم يرده ويدل على ما قلناه أن سيبويه حين ذكر أبنية الأسماء المفردة نص على أن أفعالاً ليس من أبنيتها. قال سيبويه في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة وليس في الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعيل ولا أفعال إلا أن يكسر عليه أسماء للجميع "انتهى". فهذا نص منه على أن أفعالاً لا يكون في الأبنية المفردة ولما ذكر تعالى ما من به من بعض منافع الحيوان ذكر ما مّن من بعض منافع النبات. {وَمِن ثَمَرَاتِ} متعلق بتتخذون ومنه بدل من قوله: من ثمرات لأنه جمع يقع مكانه المفرد كأنه قيل ومن ثمر النخيل كما ذكرنا في إفراد الضمير في قوله: مما في بطونه لوقوع لنعم مكان الانعام والسكر في اللغة الخمر. قال الشاعر: شعر : بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى منهم المراء والسكر تفسير : وان لكم في الانعام لعبرة ناسب الختم بقوله: يعقلون لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [الزمر: 21] وانظر إلى الاخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة من الناس أخبر عن نفسه بقوله: نسقيكم ولما كان السكر والرزق الحسن يحتاج إلى معالجة قال: تتخذون، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق الحسن ولأمر ما عجزت العرب العرباء عن معارضته ولما ذكر تعالى المنة باللبن المشروب وغيره أتم النعم بذكر العسل ولما كانت المشروبات من اللبن وغيره هو الغالب في الناس أكثر من العسل قدم اللبن وغيره عليه وقدم اللبن على ما بعده لأنه المحتاج إليه كثيراً وهو الدليل على الفطرة ولذلك اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسرى به وعرض عليه اللبن والخمر والعسل وجاء ترتيبها في الجنة لهذه الآية ففي إخراج اللبن من النعم والسكر والرزق الحسن من ثمرات الخيل والأعناب والعسل من النحل دلائل باهرة على الألوهية والقدرة والاختبار والإِيحاء هنا الإِلهام والإِلقاء في روعها وتعليمها على وجه أعلم بكنهه لا سبيل إلى الوقوف عليه والنحل جنس واحد نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال: ان اتخذي، وان تفسيرية لأنه تقدم معنى القول وهو أوحى أو مصدرية أي باتخاذ ومن للتبعيض لأنها لا تبني في كل جبر وكل شجرة وكل ما يغرس ولا في كل مكان والظاهر أن البيوت هنا عبارة عن الكوى التي تكون في الجبال وفي متجوف الأشجار وأما مما يعرش ابن آدم فالخلايا التي يصنعها للنحل ابن آدم والكوى التي تكون في الحيطان ولما كان النحل نوعين منها ما مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ومنها ما يكون في بيوت الناس ويتعهده في الخلايا ونحوها يشمل الأمر باتخاذ البيوت نوعين وظاهره العطف بالفاء في فاسلكي انه يعتقب الأكل أي فإِذا أكلت فاسلكي سبل ربك أي طرق ربك إلى بيوتك راجعة والسبل إذ ذاك مسالكها في الطيران وربما أجدب مكانها فانتجعت المكان البعيد ثم عادت إلى مكانها الأول وأضاف السبل إلى رب النحل من حيث أنه سبحانه وتعالى هو خالقها ومالكها والناظر في تهيئة مصالحها ومعاشها. {ذُلُلاً} أي غير متوعرة عليها سبيل تسلكه فعلى هذا ذللاً حال من سبل ربك قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً}تفسير : [الملك: 15] أو حال من الضمير في فاسلكي متذللة. {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} وهو العسل وسماه شراباً لأنه مما يشرب وقوله: من بطونها لا يدل على تعيين المكان الذي يخرج منه أمن الفم أو من المخرج. {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} بالخمرة والبياض والسمرة ونكر شفاء إما للتعظيم فيكون المعنى فيه شفاء أي شفاء واما لدلالته على مطلق الشفاء أي فيه بعض شفاء للناس ليس على عمومه لأن بعض الأمراض لا يصلح فيها العسل ولما كان أمر النحل عجيباً في بنائها تل كالبيوت المسدسة وفي أكلها من أنواع الأزهار والأوراق الحامض والمر والضار وفي طواعيتها لأميرها ولمن يملكها في نقلها معه وكان النظر في ذلك يحتاج إلى تأمل وزيادة تدبر ختم بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} نبه تعالى على قدرته التامة في إنشائنا من العدم وإماتتنا وتنقلنا في حال الحياة من حالة الجهل إلى حالة العلم وذلك كله دليل على القدرة التامة والعلم الواسع ولذلك ختم تعالى بقوله: {عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس ويختل النطق والفكر وخص بالرذيلة لأنها حالة لا رجاء بعدها لإِصلاح ما فسد واللام في لكي لتعليل الردّ إلى أرذل العمر وهي حرف جر وكي هنا ناصبة بنفسها بمعنى أن ينسبك منها مع ما بعدها مصدر فالتقدير لا يبقى علمه شيئاً بعد أن كان علمه ولما ذكر تعالى خلقنا ثم أماتتنا وتفاوتنا في الرزق وان رزقنا أفضل من رزق المماليك وهم بشر مثلنا والتفاضل بالرزق يكون بالكثرة والقلة ثم نفى تعالى أن يكون من فضل في الرزق رادّاً رزقه على مملوكه إذ ذاك الرزق الذي يطعمه مملوكه هو رزق الله والكل مرزوقون لله تعالى بالرزق الذي قدّره للمالك والمملوك ولذلك قال تعالى: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} أي الملاك والمملوكون في الرزق سواء ولذلك قال بعض الأدباء: شعر : ولا تقولن لي فضل على أحد الفضل لله ما للناس أفضال تفسير : ثم استفهم عن جحودهم نعمه استفهام إنكار وأتى بالنعمة الشاملة للرزق وغيره من النعم التي لا تحصى أي أن من يفضل عليكم بالنشأة أولاً ثم بما فيه قوام حياتكم جدير بأن يشكر نعمه ولا يكفر ولما ذكر تعالى امتنانه بالإِيجاد ثم بالرزق المفضل فيه ذكر امتنانه بما يقوم بمصالح الإِنسان مما يأنس به ويستنصر به ويخدمه واحتمل من أنفسكم أن يكون المراد من جنسكم ونوعكم واحتمل أن يكون ذلك باعتبار خلق حوّاء من ضلع من أضلاع آدم صلى الله عليه وسلم فنسب ذلك إلى بني آدم وكلا الاحتمالين مجاز، والظاهر عطف حفدة على بنين كون الجميع من الأزواج وأنهم غير البنين. فقال الحسن: الحفدة هم بنو الابن والحفدة والأعوان والخدم ومن يسارع في الطاعة يقال حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفدانا ومنه إليك نسعى ونحفد أي نسرع في الطاعة وقال الشاعر: شعر : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الاجمال تفسير : وقال الأزهري الحفدة أولاد الأولاد ولما ذكر تعالى ما امتن به من جعل الأزواج وما ينتفع به من جهتهن ذكر تعالى منته بالرزق والطيبات عام في النبات والثمار والحبوب والأشربة. {وَيَعْبُدُونَ} استئناف اخبار عن حالهم في عبادة الأصنام وفي ذلك تبيين لقوله تعالى: {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} نعى عليهم فساد نظرهم في عبادة ما لا يمكن أن يقع منه ما يسع عابده في تحصيله منه وهو الرزق ولا هو في استطاعته ففي أولاً أن يكون شىء من الرزق في ملكهم ونفى ثانياً قدرتها على أن تحاول ذلك وما لا يملك عام في جميع من عبد من دون الله من ملك أو آدمي أو غير ذلك وأجازوا في شيئاً انتصابه بقوله: رزقاً. قال ابن عطية: والمصدر يعمل مضافاً باتفاق لأنه في تقدير الانفصال ولا يعمل إذا دخله الألف واللام لأنه قد توغل في حال الأسماء وبعد عن الفعلية وتقدير الانفصال في الاضافة حسن عمله وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قوله: ضعيف النكاية اعداءه البيت وقوله: شعر : لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعاً تفسير : انتهى أما قوله يعمل مضافاً باتفاق ان عنى من البصريين فصحيح وان عنى من النحويين فغير صحيح لأن بعض النحويين ذهب إلى أنه وان أضيف لا يعمل وان نصب ما بعده أو رفعة إنما هو على إضمار الفعل المدلول عليه بالمصدر وأما قوله: لأنه في تقدير الانفصال فليس كذلك لأنه لو كان في تقدير الانفصال لكانت الاضافة غير محضة وقد قال بذلك أبو القاسم ابن برهان وأبو الحسين ابن الطراوة ومذهبهما فاسد لنعت هذا المصدر المضاف وتوكيده بالمعرفة. وأما قوله: ولا يعمل إلى آخره فقد ناقض في قوله آخراً وقد جاء عاملاً مع الألف وأما كونه لا يعمل مع الألف واللام فهو مذهب منقول عن الكوفيين ومذهب سيبويه جواز اعماله. قال سيبويه: وتقول عجبت الضرب زيداً كما تقول عجبت من الضارب زيداً تكون الألف واللام بمنزلة التنوين والظاهر عود الضمير في يستطيعون على ما على معناها لأنه يراد بها آلهتهم بعد ما أعاد على اللفظ في قوله: لا يملك فأفرد وجاز أن يكون داخلاً في صلة ما وجاز أن لا يكون داخلاً بل اخبار عنهم بانتفاء الاستطاعة أصل لأنهم أموات وأما قول الزمخشري أنه يراد بالجمع بين نفي الملك والاستطاعة التوكيد فليس كما ذكر لأن نفي الملك مغاير لنفي الاستطاعة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):