١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوات والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية، وثنى بالإنسان، وثلث بالحيوان، وربع بالنبات، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولاً بذكر الفلكيات فقال: {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } والمعنى: أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سبباً لحياة الأرض، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر، وينفع بعد أن كان لا ينفع، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مراراً كثيرة. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع. والنوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ } قد ذكرنا معنى العبرة في قوله: {أية : لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [آل عمران: 13] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي: {نُّسْقِيكُمْ } بضم النون، والباقون بالفتح، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: {أية : وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } تفسير : [الإنسان: 21] وقال: {أية : وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ } تفسير : [الشعراء: 79] وقال: {أية : وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } تفسير : [محمد: 15] ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شراباً كقوله: {أية : وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّاء فُرَاتاً } تفسير : [المرسلات: 27] وقوله: {أية : فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } تفسير : [الحجر: 22] والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت. المسألة الثانية: قوله: {مما في بطونه} الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، وذكر النحويون فيه وجوهاً: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع، كالرهط والقوم والبقر والنعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد، وهو التذكير، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو التأنيث، فلهذا السبب قال ههنا {فِي بُطُونِهِ }، وقال في سورة المؤمنين: {أية : فِى بُطُونِهَا } تفسير : [المؤمنون: 21]. الثاني: قوله: {فِي بُطُونِهِ } أي في بطون ما ذكرنا، وهذا جواب الكسائي. قال المبرد: هذا شائع في القرآن. قال تعالى: {أية : فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بازغةً قَالَ هَـٰذَا رَبّى } تفسير : [الأنعام: 78] يعني هذا الشيء الطالع ربي. وقال: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } تفسير : [المدثر: 54، 55] أي ذكر هذا الشيء. واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي، أما الذي يكون تأنيثه حقيقياً، فلا يجوز، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة. الثالث: أن فيه إضماراً، والتقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن. المسألة الثالثة: الفرث: سرجين الكرش. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو، فذاك هو قوله تعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا } لا يشوبه الدم ولا الفرث. ولقائل أن يقول: الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحاً متوالياً، وما رأى أحد في كرشها لا دماً ولا لبناً، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنساناً، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً، وذلك هو الهضم الثاني، ويكون ذلك الدم مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، وهي العروق النابتة من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن. فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟ قلنا: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حاراً يابساً، ومزاج الأنثى يجب أن يكون بارداً رطباً، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أن الولد إنما يتولد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد. والثاني: أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلاً للتمدد حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلاً للتمدد، فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة، ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير. إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي لأجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق. إذا عرفت هذا التصوير فنقول: المفسرون قالوا: المراد من قوله: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ } هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد، فالفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسط، وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وذلك باطل قطعاً. وأما نحن فنقول: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش، وهذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولاً، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانياً، فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة، وخلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبناً موافقاً لبدن الطفل، فهذا ما حصلناه في هذا المقام، والله أعلم. المسألة الرابعة: اعلم أن حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقاً لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة وأسرار بديعة، يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثقل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنقذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ ويترك منه ذلك الثقل، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى، بحسب الحاجة وتقدير المنفعة، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم. الثاني: أنه تعالى أودع في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة. ولو كان الأمر بالعكس لاختلفت مصلحة البدن ولفسد نظام هذا التركيب. الثالث: أنه تعالى أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دماً، ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الطحال قوة جاذبة للسوداء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن. وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم. الرابع: أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصباباً موافقاً للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم. والخامس: أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة ومسام ضيقة، وجعلها بحيث إذا اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة، ولما كانت تلك المسام ضيقة جداً، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل، والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة، والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل ولم يخرج، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصاً موافقاً لبدن الصبي سائغاً للشاربين. السادس: أنه تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي. السابع: أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم، وإنما خلق الدم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان فالشاة لما تناولت العشب والماء فالله تعالى خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائية يكون بارداً رطباً، وما فيه من الجبنية يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضها بعضاً ولا يشاكل بعضها بعضاً، وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ورحمته، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. أما قوله: {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } فمعناه: جارياً في حلوقهم لذيذاً هنيئاً. يقال: ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه، ومنه قوله: {أية : وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } تفسير : [إبراهيم: 17]. المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبر تدبيراً، فقلب ذلك الطين نباتاً وعشباً، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك العشب دماً، ثم دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدم لبناً، ثم دبر تدبيراً آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل: بم تعلق قوله: {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ }. قلنا: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه. وقوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء. المسألة الثانية: قال الواحدي: {الأعناب} عطف على الثمرات لا على النخيل، لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى. المسألة الثالثة: في تفسير السكر وجوه: الأول: السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو: رشد رشداً ورشداً، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب. فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام؟ أجابوا عنه من وجهين: الأول: أن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة. الثاني: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع، وخاطب المشركين بها، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضاً على تحريمها، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن لا يكون السكر رزقاً حسناً، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسناً بحسب الشريعة، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة. القول الثاني: أن السكر هو النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله إلى حد السكر، ويحتج بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام قال عليه السلام: «حديث : الخمر حرام لعينها»تفسير : وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ. والقول الثالث: أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة: واحتج عليه بقول الشاعر: شعر : جعلت أعراض الكرام سكراً تفسير : أي جعلت ذمهم طعاماً لك، قال الزجاج: هذا بالخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنك جعلت تتخمر بأعراض الكرام، والمعنى: أنه جعل شغفه بغيبة الناس وتمزيق أعراضهم جارياً مجرى شرب الخمر. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه، وتعديد للنعم العظيمة من وجه آخر، قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } والمعنى: أن من كان عاقلاً، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ} أي السحاب. {مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} عاد الكلامُ إلى تعداد النعم وبيان كمال القدرة. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} أي دلالة على البعث وعلى وحدانيته؛ إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئاً، فتكون هذه الدلالة. {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} عن الله تعالى بالقلوب لا بالآذان؛ {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ } بالنبات {بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لأَيَةً } دالة على البعث {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع تدبر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً} الآية اعلم أنَّ المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيَّات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة: تقرير الإلهيَّات، فلهذا السَّبب كلَّما امتد الكلام في فصل من الفصول، عاد إلى تقرير الإلهيَّات، فههنا لمَّا امتد الكلام في وعيد الكفار، عاد إلى تقرير الإلهيَّات، فقال: {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً} وقد تقدَّم تقرير هذه الدَّلائلِ. وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع إنصاف وتدبُّر؛ والمراد: سماع القلوب لا سماع الآذان. والنوع الثاني من الدَّلائلِ: الاستدلالُ بعجائب أحوالِ الحيواناتِ. قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ} والعِبرةُ: العِظةُ. قرأ ابن كثير، و أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي "نُسْقِيكمْ" بضمِّ النون هنا، وفي المؤمنين، والباقون بفتح النون فيهما. وهذه الجملة يجوز أن تكون مفسِّرة للعبرة، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل: نسقيكم من بين فرثٍ، ودم لبناً خالصاً، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ، [مضمر]، والجملة جواب لذلك السؤال، أي: هي، أي: العبرة نسقيكم، ويكون كقوله: "تَسْمعُ بالمُعيْديِّ خَيرٌ مِنْ أن تَراهُ". واختلف النَّاس: هل سَقَى، وأسْقَى لغتان بمعنى واحدٍ، أم بينهما فرقٌ؟. خلافٌ مشهورٌ، فقيل: هما بمعنى واحد، وأنشد جمعاً بين اللغتين فقال: [الوافر] شعر : 3333- سَقَى قَومِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْراً والقَبائِلَ من هِلال تفسير : دعى للجميع بالسقي، والخصب، و "نُمَيْراً" هو المفعول الثاني، أي: ما نميراً، وقال أبو عبيدة: مَنْ سقى الشَّفة: "سقى" فقط، ومن سقى الشجر والأرض: "أسقى"، وللداعي لأرض بالسقيا وغيرها: أسقى فقط. وقال الأزهري - رحمه الله -: العرب تقول لكلِّ ما كان من بطُونِ الأنعام، ومن السَّماء، أو نهر يجري أسقيته، أي: جعلته شرباً له، وجعلت له منه مسقى، فإذا كان للمنفعة قالوا: "سَقَى"، ولم يقولوا: "أسْقَى". وقال الفارسيُّ: "سَقيْتهُ حتَّى رَوِيَ، وأسْقَيتهُ نَهْراً جَعَلتهُ لَهُ شرباً". وقيل: سقاهُ إذا ناوله الإناء؛ ليشرب منه، ولا يقال من هذا أسقاه. وقرأ أبو رجاء "يُسْقِيكُمْ" بضمِّ الياء من أسفل، وفي فاعله وجهان: أحدهما: هو الله - تعالى -. والثاني: أنه ضمير النَّعم المدلول عليه بالأنعام، أي: نعماً يجعل لكم سقياه. وقرىء: "تَسْقِيكُمْ" بفتح التاء من فوق. قال ابن عطيَّة: وهي ضعيفة. قال أبو حيَّان: "وضعفها عنده - والله أعلم - أنه أنَّث في: "نُسقِيكُم" وذكر في قوله: "ممَّا في بطُونهِ"، ولا ضعف من هذه الجهة؛ لأنَّ التَّذكير، والتَّأنيث باعتبارين". قال شهابُ الدِّين: وضعفها عنده من حيث المعنى، وهو أنَّ المقصود الامتنان على الخلقِ، فنسبة السقي إلى الله هو الملائمُ لا نسبته إلى الأنعام. قوله: {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} يجوز أن تكون "مِنْ" للتبعيض، وأن تكون لابتداء الغاية وعاد الضمير ها هنا على الأنعام مفرداً مذكراً. قال الزمخشريُّ: ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم "ثَوْب أسْمَال"، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً، وأمَّا {أية : فِي بُطُونِهَا} تفسير : [المؤمنون: 21] في سورة المؤمنين، فلأنَّ معناه الجمع، ويجوز أن يقال في "الأنعام" وجهان: أحدهما: أن يكون جمع تكسير: "نَعَم" كأجْبَال في جَبَل. وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمعِ، فإذا ذكر، فكما يذكر "نَعَم" في قوله: [الرجز] شعر : 3334- في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ يَحْوُونَهُ يُلْقِحهُ قَومٌ ويَنتِجُونَهُ تفسير : وإذا أنَّث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم، وأنه في معنى الجمع. قال أبو حيَّان: أمَّا ما ذكرهُ عن سيبويه، ففي كتابه في هذا الباب، ما كان على مثال مفاعل، ومفاعيل ما نصُّه: "وأمَّا أجمال، وفلوس فإنَّها تنصرف، وما أشبهها؛ لأنها ضارعت الواحد، ألا ترى أنك تقول: أقْوَال، وأقَاوِيل، وأعْرَاب، وأعَارِيب، وأيْدٍ، وأيَادٍ فهذه الأحرف تخرج إلى مثال: مفَاعِل، ومفَاعِيل كما يخرج إليه الواحد، إذا كسر الجمع، وأما مفاعل، ومفاعيل، فلا يكسر؛ فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا البناء؛ لأنَّ هذا البناء هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت". ثمَّ قال: وكذلك الفعول لو كسرت مثل الفلوس؛ لأن يجمع جمعاً لأخرجته إلى فَعائِل كما تقول: جَدُود، وجَدائِد، ورَكُوب، ورَكائِب، وركاب. ولو فعلت ذلك بمفاعل، ومفاعيل، لم يجاوز هذا البناء، ويقوي ذلك أنَّ بعض العرب تقول: "أُتي" للواحد فيضم الألف، وأمَّا أفعال؛ فقد تقع للواحد، من العرب من يقول: "هو الأنعامُ"، قال - الله عزَّ وجلَّ -: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}. وقال أبو الخطَّاب: سمعت من العرب من يقول: هذا ثوب أكياش. قال: والذي ذكره سيبويه: هو الفرق بين مفاعل ومفاعيل، وبين أفعال وفُعول وإن كان الجميع أبنية للجمع من حيث إنَّ مفاعل، ومفَاعِيل لا يجمعان، وأفعالٌ وفعولٌ قد يخرجان إلى بناء شبه مفاعل، أو مفاعيل فلما كانا قد يخرجان إلى ذلك انصرفا، ولم ينصرف "مفاعل" و "مفاعيل" لشبه ذينك بالمفرد من حيث إنه يمكن جمعها وامتناع هذين من الجمع، ثمَّ قوي شبههما بالمفرد بأن بعض العرب يقول في "أَتى" "أُتى" بضم الهمزة، يعني أنه قد جاء نادراً فعول، من غير المصدر للمفرد، وبأن بعض العرب قد يوقع أفعالاً للمفرد من حيث أفرد الضمير فيقول: هو الأنعامُ، وإنَّما ذلك على سبيل المجاز؛ لأنَّ الأنعام في معنى النعم والنَّعَم يفرد؛ كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3335- تَركْنَا الخَيْلَ والنَّعَمَ المفدَّى وقُلْنَا للنِّساءِ بها: أقِيمِي تفسير : ولذلك قال سيبويه: "وأمَّا أفعال فقد يقع للواحد" فقوله: "قد يقع للواحد" دليلٌ على أنه ليس ذلك بالوضع، فقول الزمخشريُّ: "إنَّه ذكره في الأسماءِ المفردةِ على أفعال" تحريف في اللفظ، وفهم عن سيبويه ما لم يرده، ويدلُّ على ما قلناه: أنَّ سيبويه حين ذكر أبنية الأسماء المفردة نص على أنَّ أفعالاً ليس من أبنيتها. قال سيبويه في باب ما لحقته الزِّيادة من بنات الثلاثة: "وليس في الكلام أفعيل، ولا أفْعَول، ولا أُفْعَال، ولا أفْعِيل، ولا أفعالُ إلا أن تكسِّر عليه اسماً للجمع"، قال: "فهذا نصٌّ منه على أنَّ أفعالاً لا يكون في الأسماء المفردة". قال شهاب الدِّين: الَّذي ذكره الزمخشريَّ، وهو ظاهر عبارة سيبويه، وهو كافٍ في تسويغ عودِ الضمير مفرداً، وإن كان أفعالاً قد يقع موقع الواحد مجازاً، فإنَّ ذلك ليس بصائرٍ فيما نحن بصدده، ولم يحرِّف لفظه، ولم يفهم عنه غير مراده لما ذكرناه من هذا المعنى الذي قصده. وقيل: إنَّما ذكر الضمير؛ لأنه يعود على البعض، وهو الإناثُ؛ لأنَّ الذُّكور لا ألبان لها، والعبرة إنَّما هي في بعض الانعام. وقال الكسائي - رحمه الله -: "أي في بطون ما ذُكِر". قال المبرِّد: وهذا سائغ في القرآن، قال تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} تفسير : [عبس: 11، 12]، أي: هذا الشيء الطَّالع، ولا يكون هذا إلاَّ في التَّأنيث المجازي. ولا يجوز: جاريتك ذهب، وغلامك ذهبت، وعلى هذا خرج قوله: [الرجز] شعر : 3336- فِيهَا خَطوطٌ من سَوادٍ وبَلقْ كأنَّهُ في الجِلْدِ تَوليعُ البَهَقْ تفسير : أي: كأن المذكور. وقيل: جمع التكسير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة، ومعاملة الجمع. ففي هذه السورة اعتبر معنى الجمع، وفي سورة المؤمنين، اعتبر معنى الجماعة، ومن الأوَّل قول الشَّاعر: [الرجز] شعر : 3337- مِثْلُ الفِراخِ نُتفَتْ حَواصِلُه تفسير : وقيل: لأنه يسدُّ مسدَّ الواحد يُفهم الجمع فإنه يسد مسده نعم، ونعم يفهم الجمع؛ ومثله قول الشاعر: [الرجز] شعر : 3338- وطَابَ ألبَانُ اللِّقاحِ وبَرَد تفسير : لأنه يسد مسدَّها "لبن". ومثله قولهم هو أحسن الفتيان، وأجمله أي: أحسن فتى إلاَّ أنَّ هذا لا ينقاس عند سيبويه وأتباعه. وذكر أبو البقاء ستَّة أوجهٍ تقدم منها في غضون ما ذكر خمسة، والسادس: أنه يعود على الفحل؛ لأنَّ اللبن يكون من طرق الفحلِ الناقة، فأصل اللَّبن من الفحل. قال: "وهذا ضعيف؛ لأنَّ اللبن، وإن نسب إلى الفحل، فقد جمع البطون وليس في فحل الأنعام إلاَّ واحداً، ولا للواحد بطون، فإن قيل: أراد الجنس، فقد ذكر". يعني أنه قد تقدَّم أنَّ التَّذكير باعتبار جنس الأنعام، فلا حاجة إلى تقدير عوده على فحلٍ المراد به الجنس، وهذا القول نقله مكي عن إسماعيل القاضي - رحمه الله - ولم يعقبه بنكير. قال القرطبي: واستنبط القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير أن لبن الفحل يقبل التَّحريم. وقال: إنَّما جيءَ به مذكَّراً؛ لأنَّه راجع إلى ذكر النِّعم؛ لأنَّ اللَّبن للذَّكرِ محسوب ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ اللبن محرِّمٌ حين أنكرته عائشة - رضي الله عنها - في حديث: "حديث : أفْلحَ أخي أبِي القعيس فلِلمَرْأةِ السَّقيُ وللرَّجُلِ اللِّقاحُ ". تفسير : قوله: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} يجوز فيه أوجه: أحدها: أنَّه متعلق بالسّقي على أنَّها لابتداء الاية، فإن جعلنا ما قبلها كذلك، تعين أن يكون مجرورها بدلاً من مجرور "من" الأولى، لئلا يتعلَّق عاملان متَّحدان لفظاً ومعنى [بمعمول] واحد، وهو ممتنع إلا في بدل الاشتمال؛ لأنَّ المكان مشتملٌ على ما حلَّ فيه، وإن جعلتها للتَّبعيض هان الأمر. الثاني: أنَّها في محل نصبٍ على الحالِ من "لَبناً"، إذ لو تأخَّرت، لكانت مع مجرورها نعتاً. قال الزمخشريُّ: "وإنَّما قدِّم؛ لأنه موضع العِبرة، فهو قمنٌ بالتَّقدم". الثالث: أنَّها مع مجرورها حالٌ من الضمير الموصول قبلها. والفَرْثُ: فضالة ما يبقى من العلفِ في الكرشِ، وكثيفُ ما يبقى من الأكل في الأمعاء، ويقال: فرث كبده، أي: فتَّتها، وأفرث فلانٌ فلاناً؛ أوقعه في بليَّة يجرى مجرى الفرث. روى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أنه قال: "إذا استقرَّ العلف في الكرش، صار أسفله فرثاً، وأعلاه دماً، وأوسطه لبناً، فيجري الدَّمُ في العروقِ واللبن في الضَّرع، ويبقى الفرث كما هو". قوله: "لَبَناً" هو المفعول الثاني للسَّقي. وقرىء: "سَيِّغاً" بتشديد الياءِ، بزنة "سَيِّد" وتصريفه كتصريفه. وخفف عيسى بن عمر، نحو "مَيْتٍ"، و "هَيْنٍ"، ولا يجوز أن يكون فعلاً، إذ كان يجب أن يكون سوغاً كقول. ومعنى: "سَائغاً للشَّاربينَ"، أي هنيئاً يجري بسهولة في الحلق، وقيل: إنه لم [يشرق] أحدٌ باللَّبن قطُّ. فصل قال ابن الخطيب: اللَّبنُ والدَّم لا يتولدان ألبتَّة في الكرشِ، والدَّليلُ عليه الحسُّ، فإنَّ هذه الحيوانات تذبحُ ذبحاً متوالياً، وما رأى أحدٌ في كرشها لا دماً، ولا لبناً، ولو كان تولد الدَّم، واللَّبن في الكرش؛ لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، والشيء الذي دلَّت المشاهدة على فساده؛ لم يجز المصير إليه، بل الحق أنَّ الحيوان إذا تناول الغذاء، ووصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنساناً، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها، فإذا طبخ، وحصل الهضمُ الأول فيه، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً، نزل إلى الأمعاء، ثمَّ ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها، ويصير دماً، وذلك هو الهضم الثاني، ويكون ذلك الدم مخلوطاً بالصَّفراءِ، والسَّوداء، وزيادة المادة المائية، أمَّا الصفراء، فتذهب إلى المرارة، والسَّوداءُ إلى الطحالِ، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، وهي العروقُ النابتة من الكبدِ، وهناك يحصل الهضمُ الثالث، وبين الكبد، وبين الضَّرع عروق كثيرة، فينصبُّ الدَّم من تلك العروق إلى الضَّرع والضرع لحمٌ غدديٌّ رخو أبيض، فيقلب الله - تعالى - الدم عند إصبابه إلى ذلك اللَّحم الغددي الرَّخو الأبيض، من صورة الدَّم إلى صورة اللَّبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن. فإن قيل: هذه المعاني حاصلةٌ في الحيوان الذَّكر، فلم لم يحصل منه اللَّبنُ؟ قلنا: الحكمة الإلهيَّة قد اقتضت تدبير كلِّ شيءٍ على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذَّكر من كلِّ حيوان يجب أن يكون حاراً يابساً، ومزاج الأنثى يجب أن يكون بارداً رطباً، والحكمة فيه أنَّ الولد إنَّما يتكوَّن في داخل بدن الأنثى؛ فوجب أن يكون بدن الأنثى مختصاً بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أنَّ الولد إنما يتولَّد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد. والثاني: أنَّ الولد إذا كبر، وجب أن يكون بدن الأم قابلاً للتَّمدد؛ حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرُّطوبات غالبة على بدنِ الأم، كان بدنها قابلاً للتَّمدد؛ فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه - تعالى - خصَّ بدن الأنثى من كل حيوانٍ بمزيد الرُّطوبات لهذه الحكمة، ثم إنَّ تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، فعند انفصال الجنين، تنصب إلى الثَّدي، والضرع، ليصير مادَّة لغذاءِ ذلك الطفل الصَّغير، فظهر أنَّ السبب الذي لأجله يتولَّد اللَّبن من الدَّم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذَّكر، فظهر الفرقُ. وقد تقدَّم ما نقل عن ابن عباس - رضي الله عنه - في أنَّ الفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، و اللبن يكون في الوسطِ، وبيَّنَّا أنَّ هذا القول على خلاف الحس والتجربة. واعلم أنَّ حدوث اللَّبن في الثدي، واتِّصافه بالصِّفات الموافقة لتغذية الطفل مشتمل على حكم عجيبة، يشهد صريح العقل بأنَّها لا تحصل إلاَّ بتدبير الفاعل الحكيمِ والمدبر الرحيم، وبيانه من وجوه: الأول: أنه - تعالى - خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثقل الغذاءِ فإذا تناول الإنسان غذاء، أو شربة رقيقة؛ انطبق ذلك المنفذُ انطباقاً كليًّا، لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول، والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة، وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ، وينزل منه ذلك الثقل، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم؛ لأنه متى كانت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم من المعدة انفتح فحصل الانطباق تارة، و الانفتاح أخرى، بحسب الحاجة، وتقدير المنفعة ممَّا لا يتأتَّى إلا بتدبير الفاعل الحكيم. الثاني: أنه - تعالى - أودع في الكبدة قوةً، تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول، والمشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاءِ قوَّة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، ولا تجذب الأشياء اللطيفة ألبتَّة، ولو كان الأمر بالعكس، لاختلفت مصلحة البدن، ولفسد نظامُ هذا التركيب. الثالث: أنه - سبحانه وتعالى - أودع في الكبد قوَّة هاضمة طابخة، حتَّى إنَّ تلك الأجزاء اللطيفة؛ تنطبخُ في الكبد، وتنقلب دماً، ثمَّ إنه - تعالى - أودع في المرارة قوَّة جاذبة للصَّفراء، وفي الطحال قوَّة جاذبة للسَّوداء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائيَّة، حتى يبقى الدم الصَّافي الموافق لتغذية البدن، وتخصيص كلِّ واحد من هذه الأعضاء بتلك القوَّة الحاصلة، لا يمكن إلا بتدبير الحكيم العليم. الرابع: أنَّ في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة تنمي أعضاء ذلك الولد، وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرَّحم ينصب ذلك النَّصيب إلى جانب الثَّدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر ذلك الولد لم ينصب ذلك النَّصيب لا إلى الرَّحم، ولا إلى الثدي، بل ينصبُّ على مجموع بدن المتغذي، فانصبابُ ذلك الدَّم في كلِّ وقتٍ إلى عضوٍ آخر انصباباً موافقاً للمصلحة، والحكمة لا يتأتَّى إلاَّ بتدبير الفاعل المختار الحكيم. الخامس: أنَّ عند تولد اللَّبن في الضرع أحدث - تعالى - في حلمة الثَّدي ثُقوباً صغيرة ومسامًّا ضيِّقة، وجعلها بحيث إذا اتَّصل المصُّ، أو الحلب بتلك الحلمة، انفصل اللَّبن عنها من تلك المسامِّ الضيِّقة، ولما كانت هذه المسامُّ ضيِّقة جدًّا، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصَّفاء، واللَّطافة، وأمَّا الأجزاء الكثيفة فإنَّه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيِّقة فتبقى في الدَّاخل، والحكمة في إحداث تلك الثُّقوب الصَّغيرة والمنافذ الضيِّقة في رأسِ الحلمة؛ لكي تكون كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وما كان كثيفاً؛ احتبس في الدَّاخلِ، فبهذا الطريق يصير ذلك اللَّبن خالصاً موافقاً لبدن الصَّبي "سَائِغاً للشَّاربينَ". السادس: أنه - تعلى - ألهم ذلك الصبي إلى المص؛ فإنَّ الأم إذا ألقت حلمة الثَّدي في فم الصبي، فذلك الصبيُّ في الحال يأخذ في المص، ولولا أنَّ الفاعل المختار الرحيم قد ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، وإلا لم يحصل تخليق ذلك اللبن في الثَّدي. السابع: أنَّا بيَّنا أنه - تعالى - إنَّما خلق اللَّبن من فضلة الدَّم، وإنما خلق الدَّم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان، فالشَّاة لمَّا تناولت العشب، وتولَّد منه الدم، وتولَّد اللبن من بعض أجزاء ذلك الدَّم، ثمَّ إنّ اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائيَّة يكون بارداً رطباً، وما كان فيه من الجبنية يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في العشب الذي تناولته الشَّاة، فظهر بهذين أنَّ هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة، مع أنَّه لا يناسب بعضه بعضاً، ولا يشاكل بعضه بعضاً، وعند ذلك فإنَّ هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل مختار حكيم رحيم، يدبِّر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العبادِ. قال المحققون - رضي الله عنهم-: اعتبار حدوث اللَّبن كما يدلُّ على وجود الصَّانع المختار، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر؛ لأنَّ العشب الذي يأكله الحيوان إنَّما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبَّر تدبيراً آخر، فقلب ذلك العشب دماً، ثم دبَّر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدَّم لبناً خالصاً، ثمَّ أحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، وهذا الاستقرار يجل على أنه - تعالى - قادرٌ على تقليب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة، وإذا كان كذلك، لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على قلب أجزاء أبدان الموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فبهذا الاعتبار يدلُّ من هذا الوجه على أنَّ البعث والقيامة أمرٌ ممكنٌ غير ممتنع. قوله: {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه متعلق بمحذوف، فقدَّره الزمخشري: ونسقيكم من ثمرات النَّخيل والأعناب، أي: من عصيرها؛ وحذف لدلالة "نُسْقِيكُمْ" قبله عليه قال: "وتتَّخِذون بيان وكشف عن كيفية الإسقاء". وقدَّره أبو البقاء: خلق لكم أو جعل لكم وما قدَّره الزمخشري أليقُ. لا يقال: لا حاجة إلى تقدير نسقيكم، بل قوله: "ومِنْ ثَمراتِ" عطف على قوله: "ممَّا في بُطونهِ" فيكون عطف بعض متعلقات الفعل الأوّل على بعض؛ كما تقول: سَقيْتُ زيْداً من اللَّبنِ ومن العسَلِ، فلا يحتاج إلى تقدير فعل قَبْل قولك: من العسل. لا يقال ذلك؛ لن "نُسْقِيكُمْ" الملفوظ به وقع تفسير لـ "عِبْرَة" الأنعام، فلا يليق تعلُّق هذا به؛ لأنه ليس من العبرة المتعلِّقة بالأنعام. قال أبو حيان: وقيل: متعلق بـ "نُسْقِيكُمْ" فيكون معطوفاً على "ممَّا في بُطونهِ" أو: بـ "نسقيكم" محذوفة دلَّ عليها "نُسْقِيكُمْ" انتهى. ولم يعقبه تنكير، وفيه ما تقدَّم. الثاني: أنه متعلق بـ "تتَّخذُونَ"، و "مِنْهُ" تكرير للظرف توكيداً؛ نحو: زيْدٌ في الدَّار فيها، قاله الزمخشري - رحمه الله تعالى - وعلى هذا فالهاء في "مِنْهُ" فيها ستَّة أوجه: أحدها: أنها تعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير؛ كما رجع في قوله تعالى: {أية : أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 4] إلى الأهل المحذوف. الثاني: أنها تعود على معنى الثمرات؛ لأنها بمعنى الثَّمر. الثالث: أنها تعود على النَّخيل. الرابع: أنها تعود على الجنس. الخامس: أنها تعود على البعض. السادس: أنها تعود على المذكور. الوجه الثالث من الأوجه الأول: أنه معطوف على قوله: "فِي الأنعَام" فيكون في المعنى خبراً عن اسم إنَّ في قوله - عز وجل-: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} التقدير: وإن لكم في الأنعام ومن ثمرات النخيل لعبرة، ويكون قوله: "تَتَّخِذُون" بياناً وتفسيراً للعبرة، كما وقع "نُسْقِيكُمْ" تفسيراً لها أيضاً. الرابع: أن يكون خبراً لمبتدإ محذوف، فقدَّره الطبري: ومن ثمرات النَّخيل والأعناب ما تتَّخذون. قال أبو حيان: "وهو لا يجوز على مذهب البصريِّين". قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لأنَّ له أن يقول: ليست "ما" هذه موصولة، بل نكرة موصوفة، وجاز حذف الموصوف والصِّفة جملة؛ لأنَّ في الكلام "مِنْ"، ومتى كان في الكلام "مِنْ" اطرد الحذف، نحو: "مِنَّا ظَعَنَ ومنَّا أقَامَ"؛ ولهذا نظَّره مكيٌّ بقوله - تعالى -: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164]، أي: إلاَّ من له مقام معلوم، قال: فحذفت "مَنْ" لدلالة "مِنْ" عليها في قوله: "ومَا منَّا إلاَّ لهُ". ولمَّا قدَّر الزمخشري الموصوف، قدره: "ثمر تتَّخذون منه"؛ ونظَّره بقول الشاعر: [الرجز] شعر : 3339- يَرْمِي بكفَّي كان مِنْ أرْمَى البَشرْ تفسير : تقديره: بكفَّي رجلٍ، إلا أنَّ الحذف في البيت شاذٌّ؛ لعدم "مِنْ". ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه؛ قال: "وقيل: هو صفة لمحذوفٍ تقديره: شيئاً تتخذون منه بالنصب، أي: وإن من ثمرات النَّخيل وإن شئت "شيءٌ" - بالرفع - على الابتداء، و "مِنْ ثمراتِ" خبره". قال الواحدي: "و "الأعْنابِ" عطف على الثَّمرات لا على "النَّخيل"؛ لأنَّه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والعنب نفسه ثمرة وليس له ثمرة أخرى". والسَّكرُ: بفتحتين فيه أقوال: أحدها: أنه من أسماء الخمر؛ كقول الشاعر: [البسيط] شعر : 3340- بِئْسَ الصُّحَاةُ وبِئْسَ الشَّرْبُ شَرْبُهُم إذَا جَرَى فِيهِمُ المُزَّاءُ والسَّكرُ تفسير : الثاني: أنه في الأصل مصدر، ثم سمِّي به الخمر، يقال: سَكرَ يَسْكَرُ سُكْراً وسَكَراً؛ نحو: رَشِد يَرشَدُ رُشْداً ورَشَداً؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3341- وجَاءُونَا بِهمْ سَكَرٌ عَليْنَا فأجْلَى اليَومُ والسَّكرانُ صَاحِي تفسير : قاله الزمخشري. الثالث: أنه اسم للخلِّ بلغة الحبشة؛ قاله ابن عبَّاس. الرابع: أنه اسم للعصير ما دام حلواً؛ كأنَّه سمِّي بذلك لمآله لذلك لو ترك. الخامس: أنه اسم للطعم، قاله ابو عبيدة؛ وأنشد: [الرجز] شعر : 3342- جَعَلتُ أعْراضَ الكِرامِ سَكَرَا تفسير : أي: تنقلتُ بأعراضهم. وقيل في البيت بأنه من الخمر، وأنه إذا انتهك أعراض النَّاس كان يخمر بها. وقال الضحاك والنَّخعي ومن يبيحُ شرب النبيذ: السَّكر هو النبيذ؛ وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتدَّ، والمطبوخ من العصير. ومن حرَّمه يقول: المراد من الآية: الإخبار لا الإحلال. قوله: {وَرِزْقًا حَسَنًا} يجوز أن يكون من عطف المتغايرات، وهو الظاهر؛ كما قال المفسرون: إنه كالزَّبيب والخلِّ والدِّبس ونحو ذلك وأن يكون من عطف الصِّفات بعضها على بعضٍ، أي: تتَّخذون منه ما يجمع بين السَّكر والرِّزق الحسن؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 3343 - إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ................... تفسير : فصل ذهب ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد إلى أن السَّكر الخمر، والرزق الحسن الخلُّ والربُّ والتَّمر والزَّبيب. قالوا: وهذا قبل تحريم الخمر؛ لأن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة. قال بعضهم: ولا حاجة إلى التزام النَّسخ؛ لأنه - تعالى - ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع، وخاطب المشركين بها؛ لأنها من أشربتهم، فهي منفعة في حقِّهم. ثم إنه - تعالى - نبَّه في هذه الآية أيضاً على تحريمها؛ لأنه ميَّز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أنَّ السَّكر لا يكون رزقاً حسناً؛ وهو حسن بحسب الشَّهوة، فوجب أن يقال: بأن الرجوع عن كونه حسناً بحسب الشَّريعة، وإنَّما يكون كذلك إذا كانت محرَّمة. ثم إنه - تعالى - لمَّا ذكر هذه الوجوه الَّتي هي دلائل على التَّوحيد من وجه، وتعديد للنِّعم العظيمة من وجه آخر - قال - جل ذكره-: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: من كان عاقلاً، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله - تعالى -، فيحتجُّ بأصولها على وجود الإله القادر الحكيم.
البقاعي
تفسير : ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكباراً وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار، وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} قوله جامعاً في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي: {والله} أي الذي له الأمر كله {أنزل من السماء} في الوقت الذي يريده {ماء} بالمطر والثلج والبرد {فأحيا به الأرض} الغبراء. ولما كانت عادته بذلك مستمرة، وكان السياق لإثبات دعائم الدين، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائماً في زرع أو شجر في بعض الأراضي، أعرى الظرف من الجار لأن المعنى به أبلغ فقال: {بعد موتها} باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلاً ورأساً. ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع، قال تعالى {إن في ذلك} الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم {لآية لقوم يسمعون *} هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها، والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق، وترك العناد والجهل، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة، استعمالاً للشيء في حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها بـ" يبصرون" لئلا يظن أن ذلك من البصيرة، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح. ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور، المحتوية على عجائب المقدور، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلاً في قوام عيشهم، فقال: {وإن لكم} أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم! {في الأنعام} ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل إلى العلم قال: {لعبرة} فكأنه قيل: ما هي؟ فقيل: {نسقيكم} بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائماً من نهر أو لبن وغيرهما، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: من سقاه - إذا ناوله شيئاً فشربه. ولما كان الأنعام اسم جمع، فكان مفرداً كما نقل ذلك سيبويه، وذكر المسقي وهو اللبن، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث لذلك، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير، قال تعالى: {مما} أي من بعض الذي {في بطونه} فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون. ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره، قدم قوله تعالى: {من بين فرث} وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً {ودم لبناً خالصاً} من مخالط منهما أو من غيرهما يبغي عليه بلون أو رائحة؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثاً، وأوسطه لبناً، وأعلاه دماً. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش. {سائغاً} أي سهل المرور في الحقل {للشاربين *} ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال تعالى معلقاً بـ" نسقيكم" {ومن ثمرات النخيل والأعناب}. ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم يه أصلاً، أسند الأمر إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي عنه في قوله مستأنفاً: {تتخذون} أي باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه الجملة كان لا بد من قوله: {منه} أي من مائه، وعبر عن السكر بالمصدر إبلاغاً في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو المحرك، يقال: سكر سكْراً وسكَراً مثل رشد رشْداً ورشَداً، ونحل نحْلاً ونحَلاً، فقال تعالى: {سكراً} أي ذا سكر منشّياً مطرباً سادّاً لمجاري العقل قبيحاً غير مستحسن للرزق {ورزقاً حسناً} لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئاً من المجاري، بل ربما فتحها كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل الذي لا أحسن منه فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه - عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم. والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر. الثاني ما أطعم من الطعام. الثالث السكون. الرابع المصدر من السكر، وأصله انسداد المجاري مما يلقي فيها، ومنه السكر - يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالاً؛ والآية من الاحتباك: ذكر السكر أولاً دال على الفتح ثانياً، وذكر الحسن دال القبيح أولاً، فالآية أدل ما في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على الحرام، ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من هذه المنافع {لآية} ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ووحدانيته قال تعالى: {لقوم يعقلون *}.
القشيري
تفسير : أحياء بماء التوفيق قلوبَ العابدين فَجَنَحَتْ إلى جانب الوفاق، وأحيا بماء التحقيق أرواح العارفين فاستروحت على بساط الوصال، وأحيا بماء التجريد أسرار الموحدين فتحررت من رِقِّ الآثار، وانفردت بحقائق الاتصال.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {والله أنزل من السماء ماءً؛ مطرًا {فأحيا بِهِ الأرض بعد موتها}؛ أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها، فكانت هامدة غبْراءٍ، غير منبتة، شبيهة بالميت، فصارت، بعد إنزال المطر، مخضرة مهتزة رابية شبيهة بالحي. {إن في ذلك لآيةً لقوم يسمعون} سماع تدبر وإنصاف؛ فإن هذه الآية ظاهرة، تُدرك بأدنى تنبيه وسماع، غير محتاجة إلى كثرة تفكر واعتبار. الإشارة: والله أنزل من سماء الغيوب ماء العلوم النافعة، فأحيا به أرض النفوس الميتة بالغفلة والجهل، فصارت مبتهجة بأنوار التوحيد وأسرار التفريد، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : إنَّ عرفَان ذي الجلال لعزٌ وضياءٌ وبهجة وسُرور وعلى العارفين أيضًا بَهَاءٌ وعليهمْ من المحبَّة نُور فَهنيئًا لمــن عرفـك إلهـي هو والله دهرَه مسرورُ تفسير : ثمَّ ذكر دليلاً آخر.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} بانبات الحبوب الّتى تحت ترابها والعروق الّتى فيها وكذلك احياؤكم بعد موتكم حالكونكم نطفة وجماداً وبعد موتكم عن الحياة الحيوانيّة واحياؤكم فى النّشور {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} دالّة على بعثكم وعلى علم الله وقدرته {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يستسلمون فانّ السّماع اوّل مراتب الايمان ثمّ بعده الايمان ثمّ العقل ثمّ الفكر، والتّذكّر يأتى فى كلّ من المراتب، والمراد بالسّماع الانقياد كما فى قوله {أية : لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق:37] ولمّا كان دلالة انزال الماء وانبات عروق الارض وحبوبها على علمه وقدرته واحياء الموتى يكفيها الخروج من العناد والدّخول فى مقام الانقياد اكتفى فيها بالسّماع.
اطفيش
تفسير : {واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بأَن إِخراج نباتها وما زرع فيها وموتها كناية عن يبسها وعدم تولد شىء منها وإِحياءها كناية عن إِخراج ما ذكر {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور من إِحيائها بعد موتها، {لآيَةً} دلالة على أن الله سبحانه قادر على إِحياء الموتى، {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع إِنصات وتفكر فمن لم يسمع بقلبه كأَنه أصم.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} السماء على ظاهره، أو السحاب، قيل أو الفلك. {مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} شبه عدم إنباتها أو يبسها بالموت أى عدم الحياة مطلقًا أو بعد الحياة، وإنباتها بالإحياء، وذلك إنبات بعد يبس ففى الآية استعارتان تبعيتان، والمراد نبات مثل ما يبس لا إعادة ما يبس، والفاء للسرعة، فإن النبات يسرع الخروج من الأرض عقب المطر، والموجود منه يسرع النمو بالمطر. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور من الإنزال والإحياء {لآيَة} دلالة على البعث وكمال قدرته تعالى ووحدته. {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع فهم، وقبول، ولم يقل يبصرون لأن ما ذكر، وإن كان من المبصرات لكن هذا القول المبين المذكور من المسموعات، فكان ختم الكلام بما يناسب الابتداء مناسبة فى الدورة العليا، إِذ قابله فيكون كالجمع بين الإبصار والسمع، وفى ذلك إحياء قلوب القائلين كما أحيا الأرض بالماء.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء} تقدم الكلام في مثله، وهذا على ما قيل تكرير لما سبق تأكيداً لمضمونه وتوحيداً لما يعقبه من أدلة التوحيد {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} بما أنبت به فيها من أنواع النباتات {بَعْدَ مَوْتِهَا} بعد يبسها فالإحياء والموت استعارة للإنبات واليبس، وليس المراد إعادة اليابس بل إنبات مثله، والفاء للتعقيب العادي فلا ينافيه ما بين المتعاطفين من المهلة، ونظير ذلك تزوج فولد له ولد، والآية دليل لمن قال: إن المسببات بالأسباب لا عندها ومن قال به أول {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض الميتة {لآيَةً } وأية آية دالة على وحدته سبحانه وعلمه وقدرته وحكمته جل شأنه، والإشارة بما يدل على البعد إما لتعظيم المشار إليه أو لعدم ذكره صريحاً {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} قال المولى ابن الكمال: أريد بالسمع القبول كما في "سمع الله لمن حمده" أي لقوم يتأملون فيها ويعقلون وجه دلالتها ويقبلون مدلولها، وإنما خص كونها آية لهم لأن غيرهم لا ينتفع بها وهذا كالتخصيص في قوله تعالى: {أية : هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [النحل: 64] وبما قررناه تبين وجه العدول عن ـ يبصرون ـ إلى {يَسْمَعُونَ} انتهى، وقال الخفاجي: اللائق بالمقام ما ذكره الشيخان وبيانه أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل إلى الأمم السالفة رسلاً وكتباً فكفروا بها فكان لهم خزي في الدنيا والآخر عقبه بأنه أرسله صلى الله عليه وسلم بسيد الكتب فكان عين الهدى والرحمة لمن أرسل إليه إشارة إلى أن مخالفة أمته لمن قبلهم تقربهم من سعادة الدارين وتبشيراً له عليه الصلاة والسلام بكثرة متابعيه وقلة مناويه وأنهم سيدخلون في دينه أفواجاً أفواجاً ثم أتبع ذلك على سبيل التمثيل لإنزاله تلك الرحمة التي أحيت من موتة الضلال إنزال الأمطار التي أحيت موات الأرض {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} تفسير : [الشورى: 28] ولولا هذا لكان قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء} كالأجنبـي عما قبله وبعده. وقوله سبحانه: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } الخ تتميم لقوله تعالى: {أية : وَمَا أَنزَلْنَا } تفسير : [النحل: 64] الخ وللمقصود بالذات منه فالمناسب {يَسْمَعُونَ} لا يبصرون ولو كان تتميماً لملاصقه من الإنبات لم يكن ـ ليسمعون ـ بمعنى يقبلون مناسبة أيضاً، ثم قال: ومن لم يقف على محط نظرهم قال في جوابه: يمكن أن يحمل على يسمعون قولي والله أنزل الخ فإنه مذكر وحامل على تأمل مدلوله انتهى، وفي قوله عقبه: بأنه أرسله صلى الله عليه وسلم بسيد الكتب فكان عين الهدى والرحمة إشارة الخ خفاء كما لا يخفى، ومتى كان تتميماً لقوله تعالى: {أية : وَمَا أَنزَلْنَا } تفسير : [النحل: 64] الخ لم يظهر جعل المشار إليه ما سمعت وهو الظاهر، وفي «البحر» أنه تعالى لما ذكر إنزال الكتاب للتبيين كان القرآن حياة للأرواح وشفاء لما في الصدور من علل العقائد ولذلك ختم بقوله سبحانه {أية : لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [النحل: 64] أي يصدقون والتصديق محله القلب ذكر سبحانه إنزال المطر الذي هو حياة الأجسام وسبب بقائها ثم أشار سبحانه بإحياء الأرض بعد موتها إلى إحياء القلوب بالقرآن كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122] فكما تصير الأرض خضرة بالنبات نضرة بعد همودها كذلك القلب يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتاً بالجهل ولذلك ختم تعالى بقوله سبحانه: {يَسْمَعُونَ} أي يسمعون هذا التشبيه المشار إليه والمعنى سماع إنصاف وتدبر، ولملاحظة هذا المعنى والله تعالى أعلم لم يختم سبحانه ـ بلقوم يبصرون ـ وإن كان إنزال المطر مما يبصر ويشاهد انتهى. وفيه أيضاً من التكلف ما فيه، وأقول: لعل الأظهر أن المشار إليه ما ذكر من الإنزال والإحياء والسماع على ظاهره والكلام تتميم لملاصقه والعدول عن يبصرون إلى {يَسْمَعُونَ} للإشارة إلى ظهور هذا المعتبر فيه وأنه لا يحتاج إلى نظر ولا تفكر وإنما يحتاج المنبه إلى أن يسمع القول فقط، ويكفي في ربط الآية بما قبلها تشارك الكتاب والمطر/ في الإحياء لكن في ذاك إحياء القلوب وفي هذا إحياء الأرض الجدوب فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : انتهى الكلام المعترض به وعاد الكلام إلى دلائل الانفراد بالخلق مع ما أدمج فيه ذلك من التذكير بالنّعم. فهذه منّة من المنن وعبرة من العبر وحجّة من الحجج المتفرّعة عن التذكير بنعم الله والاعتبار بعجيب صنعه. عاد الكلام إلى تعداد نعم جمّة ومعها ما فيها من العبر أيضاً جمعاً عجيباً بين الاستدلال ووصلاً للكلام المفارَق عند قوله تعالى: {أية : وبالنجم هم يهتدون} تفسير : [سورة النحل: 16]، كما علمته فيما تقدم. فكان ذكر إنزال الماء في الآية السابقة مسوقاً مساق الاستدلال، وهو هنا مسوق مساق الامتنان بنعمة إحياء الأرض بعد موتها بالماء النازل من السماء. وبهذا الاعتبار خالفت هذه النّعمة النّعمة المذكورة في قوله سابقاً {أية : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر} تفسير : [سورة النحل: 10] باختلاف الغرض الأوّلي، فهو هنالك الاستدلال بتكوين الماء وهنا الامْتنان. وبناء الجملة على المسند الفعلي لإفادة التخصيص، أي الله لا غيره أنزل من السماء ماء. وذلك في معنى قوله تعالى: {أية : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} تفسير : [سورة الروم: 40]. وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار الذي هو مقتضى الظاهر لقصد التّنويه بالخبر إذ افتتح بهذا الاسم، ولأن دلالة الاسم العلم أوضح وأصرح. فهو مقتضى مقام تحقيق الانفراد بالخلق والإنعام دون غيره من شركائهم، لأن المشركين يقرّون بأن الله هو فاعل هذه الأشياء. وإحياء الأرض: إخراج ما فيه الحياة، وهو الكلأ والشجر. وموتها ضد ذلك، فتعدية فعل (أحيا) إلى الأرض تعدية مجازية. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فأحيا به الأرض بعد موتها} تفسير : في سورة البقرة (164)، وتقدّم وجه العبرة في آية نزول المطر هنالك. وجملة {إن في ذلك لآية} مستأنفة. والتأكيد بــــ {إنّ} ولام الابتداء لأن من لم يهتد بذلك إلى الوحدانية ينكرون أن القوم الذين يسمعون ذلك قد علموا دلالته على الوحدانية، أي ينكرون صلاحية ذلك للاستدلال. والإتيان باسم الإشارة دون الضمير ليكون محل الآية جميعَ المذكورات من إنزال المطر وإحياء الأرض به وموتها من قبل الإحياء. والكلام في «قوم يسمعون» كالكلام في قوله آنفاً: {أية : لقوم يؤمنون }تفسير : [سورة النحل: 64]. والسمع: هنا مستعمل في لازم معناه على سبيل الكناية، وهو سماع التدّبر والإنصاف لما تدبّروا به. وهو تعريض بالمشركين الذين لم يفهموا دلالة ذلك على الوحدانية. ولذلك اختير وصف السمع هنا المراد منه الإنصاف والامتثال لأن دلالة المطر وحياة الأرض به معروفة مشهورة ودلالة ذلك على وحدانية الله تعالى ظاهرة لا يصدّ عنها إلا المكابرة.
القطان
تفسير : الأنعام: يطلق على الجمع ويذكر ويؤنث ولذلك قال هنا مما في بطونه وفي سورة المؤمنين {ونسقيكم مما في بطونها} بالتأنيث "الآية 21" من بين فرث ودم، الفرث: ما يبقى في كرش الحيوان من بقايا الاكل. سائغا: سهل المرور في الحلق. تتخذون منه سكرا: خمرا. ورزقا حسنا: كل ما يستخلص من الثمرات من انواع المربى وغيره. يعرشون: بضم الراء وكسرها. يرفعون العرائش من الكروم وغيرها. ذللا: مفردها ذلول: الطائع المنقاد. {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. هذه الآية من الحجج الدالّةِ على توحيد الله، وقد ذُكرتْ في سورة البقرة 22 و 164 والانعام 99 وسورة الرعد 19، وسورة ابراهيم 32 وفي سورة النحل هذه 10. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ}. ان لكم أيها الناسُ في الأنعام من الإبلِ والبقر والغنَم لموعظة دالّة على قدرة الخالق، إذ يُخرج اللبنَ السائغ اللذيذ الطعم من بين الفرْثِ والدم، فالعشبُ الذي يأكله الحيوان يتولَّد من الماء والتراب، فهذا الطينُ يصير نباتاً وعشباً، ثم يأكله الحيوانُ فيتحول الى لبنٍ سائغ للشاربين.. وفي هذا كلِّه أكبرُ وأعظمُ دليل على قدرة الخالق سبحانه. قراءات: قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: "نسقيكم" بفتح النون والباقون: "نسقيكم" بضمها والمعنى واحد، سقاهُ وأسقاه. {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. ومن هذه النِعم التي أنعم اللهُ بها عليكم ما تتخذون من العنب والتمر، فتصنعون منه خَمْرا، (وكان هذا في مكةَ وقبل تحريم الخمر)، ورزقاً حسَناً من الثمار وما تعملون منه من شراب ومربَّى وغير ذلك. وفي هذه آية دالة على قدْرة الله ورحمته بكم لعلّكم تسمعون فتعقلون. {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}. وألهَمَ اللهُ النحل أسبابَ حياتها، ووسائلَ معيشتها، فهي تتَّخِذ بيوتاً في كهوف الجبال، وفي الشجر، وفي عرائشِ الكروم وغيرها. ومن يرى خليَّةَ النحل وما فيها من نظامٍ وتدبير وهندسة بيوتٍ يجد العَجَبَ في هذه القدرةِ الفائقة والترتيب العجيب. وقد كُتب في ذلك مؤلفاتٌ عديدة، فالخليّة مملكة قائمةٌ بذاتها، لها ملكة واحدة، وعددٌ كبير من الشغّالين منهم من يطعم الملكة التي تبيض لهم، ومنهم من يخدم الصغار ويربيهم، ومنهم من يحرس الخلية، ومنهم من يصنع العسلَ والشمع الذي تُبنى منه البيوتُ السداسية الشكل العجيبةُ في الدقة والصنع. قراءات: قرأ ابو بكر وابن عامر: "يعرُشون" بضم الراء. و الباقون: "يعرِشون" بكسر الراء. {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. ثم هداها الله للأكل من جميع أنواع الثمرات والنبات، وأن تسلكَ الطرق التي هيأها لها الله. وبعد ان تتغذى من شتّى أنواع الثمار تهضم ذلك كلَّه ثم يخرج من بطونها شراب مختلف الالوان، جعل الله فيه شفاءً عظيما للناس، وغذاءً لا مثيل له. ومنيرة العسل انه يُستعمل غذاء ودواء. وقد أُلفت فيه مؤلفاتٌ عديدة، وكان العسل هو الوسيلةَ للتحلية من أقدم العصور الى ان صار السكّر سلعةً تجارية هامة. وكما قلتُ: ان عسل النحل مغذٍّ ويمتصه الجسم بسهولة، وينتفع به، ويحتوي على 70 - 80% سكراً، والبقية ماء، واملاح معدنية، وآثار من البروتين والأحماض ومواد اخرى.
د. أسعد حومد
تفسير : (65) - بَعْدَ أَنْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ وَأَوْعَدَ الكُفَّارَ بِالنَّارِ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ، عَادَ تَعَالَى إِلَى التَّذْكِيرِ بِالدَّلاَئِلِ عَلَى وُجُودِهِ سُبْحَانَهُ، وَعَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، فَقَالَ: وَكَمَا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ حَيَاةً لِلقُلُوبِ المَيِّتَةِ، كَذَلِكَ جَعَلَ اللهُ المَاءَ حَيَاةً لِلأَرْضِ، فَهُوَ يُنْزِلُ المَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَيُنْبِتُ فِيهَا الزُّرُوعَ وَالأَشْجَارَ وَالنَّبَاتَ، وَيُخْرِجُ الثِّمَارَ وَالحُبُوبَ، وَفِي ذَلِكَ آيَةٌ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ الكَلاَمَ، وَيَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً} يعني المطر {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} جدوبها ودروسها { إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} بسمع القلوب ولا بسمع الآذان. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} لعظة {نُّسْقِيكُمْ}. قرأ أهل المدينة وابن عامر ونافع وعاصم بفتح النون. وقرأ الباقون بضمه. واختاره أبو عبيد قال: لأنه شراب دائم. وحكى عن الكسائي أن العرب تقول: أسقيته نهراً وأسقيته لبناً إذا جعلت له سقياً دائماً، فإذا أراد أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناه. وقال غيره: هما لغتان يدل عليه قول لبيد في صفة السقاية: شعر : سقى قومي بني مجد وأسقى نميراً والقبائل من هلال تفسير : فجمع بين اللغتين. {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} ولم يقل بطونها والأنعام جميع، قال المبرد: كناية إلى النعم والنعم والأنعام واحد ولفظ النعم، واستشهد لذلك برجز بعض الأعراب. شعر : إذا رأيت أنجما من الأسد جبهته أو الخراة والكند بال سهيل في الفضيح ففسد وطاب ألبان اللقاح فبرد تفسير : ولم يقل فبردت لانه رد إلى [اللبن أو الخراة]. قال أبو عبيدة والأخفش: النعم يذّكر ويؤنث فمن أنّث فلمعنى الجمع، ومن ذكر فلحكم اللفظ، ولأنه لا واحد له من لفظه. وقال الشاعر يذكره: شعر : أكل عام نِعَم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه تفسير : إن له نخيل فلا يحمونه. وقال الكسائي: ردَّ الكناية إلى المراد في بطون ماذكر. وقال بعضهم: أراد بطون هذا الشيء، كقول الله: {أية : فَلَماَّ رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} تفسير : [الأنعام: 78] وقوله: {أية : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } تفسير : [النمل: 35] الآية {أية : فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ} تفسير : [النمل: 36] ولم يقل: جاءت. وقال: الصلتان العبدي. شعر : إن السماحة والمرؤة ضمّنا قبراً بمرو على الطريق الواضح تفسير : وقال الآخر: شعر : وعفراء أدنى الناس مني مودة وعفراء عني المعرض المتواني تفسير : وقال الآخر: شعر : إذا الناس ناس والبلاد بغبطة وإذ أُم عمّار صديق مساعف تفسير : كل ذلك على معنى هذا الشخص وهذا الشيء. وقال المؤرج: الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه اللبن، إذ ليس لكلّها لبن وإنما يسقى من ذوات اللبن، فاللبن فيه مضمر. {مِن بَيْنِ فَرْثٍ} وهو ما في الكرش فإذا أُخرج منه لا يسمى فرثاً {وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} خلص من الفرث والدم ولم يختلط بهما {سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} جاهزاً هنيئاً يجرى في الحلق ولا يغص شاربه، وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. قال ابن عبّاس: إذا أكلت الدابة العلف واستقرّ في كرشها لحينه، وكان أسفله فرث وأوسطه لبن وأعلاه دم الكبد [فما كان] على هذه الأصناف الثلاثة يقسم فيجري الدم في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو. {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ} يعني ذلكم أيضاً عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ} الكناية في قوله: {مِنْهُ} عائدة إلى المذكورين. {سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} . قال قوم: السكر: الخمر، والرزق الحسن: الخل والعنب والتمر والزبيب، قالوا: وهذا قول تحريم الخمر، وإلى هذا القول ذهب ابن مسعود وابن عمرو وسعيد بن جبير وأيوب وإبراهيم والحسن ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والكلبي، وهي رواية عمرو بن سفيان البصري عن ابن عبّاس قال: السكر: ماحرم من ثمرتها، والرزق الحسن: ما حل من ثمرتهما. أما السكر فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن فما تنتبذون وما تخلّلون وما تأكلون. قال: ونزلت هذه الآية ولم يحرم الخمر يومئذ، وإنما نزل تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة. وقال الشعبي: السكر: ما شربت، والرزق الحسن: ما أكلت. وروى العوفي عن ابن عبّاس: أن الحبشة يسمّون الخل السكر. وقال بعضهم: السكر: النبيذ المسكر وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، والمطبوخ من العصير وهو قول الضحاك والشعبي برواية مجالد وأبي روق وقول النخعي ورواية الوالبي عن ابن عبّاس، وقيل: هو نبيذ التمر. قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الخمر ما اتخذ من العنب، والسكر من التمر، والبتع من العسل، والمزر من الذرة [والبيرا] من الحنطة، وأنا أنهاكم عن كل مسكر ". تفسير : وقال أبو عبيدة: السكر: الطعم، يقال: هذا سكر لك، أي طُعم لك. وأنشد: شعر : جعلت عيب الأكرمين سكراً تفسير : {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} أي ألقى [على مسامعها] أو قذف في أنفسها ففهمته، والنحل: زنابير العسل، واحدها نحلة {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} يبنون، وقال ابن زيد: هو الكرم. {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} ليس معنى الكل العموم وهو كقوله: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 23] وقوله: {أية : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} تفسير : [الأحقاف: 25]. { فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} فأدخلي طرق ربك {ذُلُلاً}. قال بعضهم: الذلل يعني الطرق، ويقول هي مذللة للنحل. قال مجاهد: [لا يتوعر عليها مكان سلكته]. قال آخرون: الذلل نعت [النحل]. قال قتادة وغيره: يعني مطيعة منقادة. {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أبيض وأحمر وأصفر {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ}. يروى حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: "اسقه عسلاً" فذهب ثمّ رجع فقال: سقيته فلم يغن عنه شيئاً. فقال عليه الصلاة والسلام: "إذهب واسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك" فسقاه فكأنما نشط من عقالتفسير : ، [رواه] عطية عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري. وقال مجاهد: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} أي في القرآن. والقول الأوّل أولى بالصواب وأليق بظاهر الكتاب. روى وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء مافي الصدور. الأعمش عن خيثم عن الأسود قال: قال عبد الله: عليكم بالشفائين: العسل والقرآن. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي فيما ذكرنا {لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} فيعتبرون {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} صبياناً وشباباً وكهولاً { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أي أردؤه، يقال منه: (ذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا). قال ابن عبّاس: يعني إلى أسفل العمر. مقاتل: وابن زيد: يعني الهرم. قتادة: أرذل العمر سبعون سنة. وروى الأصبغ بن نباتة عن علي (رضي الله عنه) قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} أي لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئاً. { إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} نظيرها في سورة الحج. {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ} في الرزق { بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من العبيد حتّى يستووا هم وعبيدهم في ذلك، يقول الله جل ثناؤه: فهم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني. يلزم بهذا المثل الحجة على المشركين، وهذا مثل ضربه الله عزّوجل، فما منكم من يشرك مملوكه في زوجته وقرابته وماله أفتعدلون بالله خلقه وعباده، فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أحق أن ينزه من ذلك ولا تعدل به أحدا من عباده وخلقه. عبد الله بن عبّاس: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن الله، يقول: لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق حتّى يكون [المولى والملوك] في المنال شرعاً سواء فكيف ترضون لي مالا ترضون لانفسكم نظيرها في سورة الروم {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [الروم: 28] [مثلا تعاينه]. قال {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} بالاشراك به. قرأ عاصم: بالتاء على الخطاب، لقوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ} {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. وقرأ الباقون: بالياء لقوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} [النحل: 71] واختاره أبو عبيد وأبو حاتم: لقرب المخبر منه. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} يعني أنه خلق من آدم زوجته حوّاء {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً}. ابن عبّاس والنخعي وابن جبير وأبو الأضحى: هم الأصهار أختان الرجل على بناته. روى شعبة عن عاصم: بن بهدلة قال: سمعت زر بن حبيش وكان رجلاً غريباً أدرك الجاهلية قال: كنت أمسك على عبد الله المصحف فأتى على هذه الآية قال: هل تدري ما الحفدة، قلت: هم حشم الرجل. قال عبد الله: لا، ولكنهم الأختان. وهذه رواية الوالبي عن ابن عبّاس. وقال عكرمة والحسن والضحاك: هم الخدم. مجاهد وأبو مالك الأنصاري: هم الأعوان، وهي رواية أبي حمزة عن ابن عبّاس قال: من أعانك حفدك. وقال الشاعر: شعر : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهنّ أزمّة الأجمال تفسير : وقال عطاء: هم ولد الرجل يعينونه ويحفدونه ويرفدونه ويخدمونه. وقال قتادة: [مهنة يمتهنونكم] ويخدمونكم من أولادكم. الكلبي ومقاتل: البنين: الصغار، والحفدة: كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله. مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إنهم ولد الولد. ابن زيد: هم بنو المرأة من الزوج الأوّل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس: هم بنو امرأة الرجل الأوّل. وقال العتبي: أصل الحفد: مداركة الخطر والإسراع في المشي. فقيل: لكل من أسرع في الخدمة والعمل: حفدة، واحدهم حافد، ومنه يقال في دعاء الوتر: إليك نسعى ونحفد، أي نسرع إلى العمل بطاعتك. وأنشد ابن جرير [للراعي]: شعر : كلفت مجهولها نوقاً يمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا تفسير : {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ}. قال ابن عبّاس: بالأصنام. {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} يعني التوحيد الباطل فالشيطان أمرهم بنحر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} بما أحلّ الله لهم {هُمْ يَكْفُرُونَ} يجحدون تحليله. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ} يعني المطر {وَٱلأَرْضِ} يعني النبات. {شَيْئًا}، قال الأخفش: هو بدل من الرزق وهو في معنى: ما لا يملكون من الرزق شيئاً قليلاً ولا كثيراً. قال الفراء: نصب [شيئاً] بوقوع الرزق عليه. كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْواتاً} تفسير : [المرسلات: 25-26] أي يكفت الأحياء والأموات. ومثله قوله تعالى: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} تفسير : [البلد: 14-15]. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} ولا يقدرون على شيء، {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} يعني الأشباه والأشكال فيشبهوه بخلقه ويجعلون له شريكاً فإنه واحد لا مثيل له {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} خطأ ما يضربون له من الأمثال {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} صواب ذلك من خطأه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق تبارك وتعالى في هذه الآية ينقلنا إلى آية مادية مُحسّة لا ينكرها أحد، وهي إنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض الميتة بهذا المطر؛ ليكون ذلك دليلاً محسوساً على قدرته تعالى، وأنه مأمون على خَلْقه. وكأنه سبحانه يقول لهم: إذا كنتُ أنا أعطيكم كذا وكذا، وأُوفّر لكم الأمر المادي الذي يفيد عنايتي بكم، فإذا أنزلتُ لكم منهجاً ينفعكم ويُصلح أحوالكم فصدّقوه. فهذا دليل ماديّ مُحَسّ يُوصِّلهم إلى تصديق المنهج المعنوي الذي جاء على يد الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} تفسير : [الإسراء: 82]. وقوله: {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً ..} [النحل: 65]. هذه آية كونية مُحسَّة لا ينكرها أحد. ثم يقول: {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} [النحل: 65]. موت الأرض، أي حالة كَونْها جدباء مُقفرة لا زرعَ فيها ولا نبات، وهذا هو الهلاك بعينه بالنسبة لهم، فإذا ما أجدبتْ الأرض استشرفوا لسحابة، لغمامة، وانتظروا منها المطر الذي يُحيي هذه الأرض الميتة .. يُحييها بالنبات والعُشْب بعد أنْ كانت هامدة ميتة. فلو قبض ماء السماء عن الأرض لَمُتُّمْ جوعاً، فخذوا من هذه الآية المحسَّة دليلاً على صدق الآية المعنوية التي هي منهج الله إليكم على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، فكما أمِنْتَنِي على الأولى فأْمَنِّي على الثانية. وقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65]. مع أن هذه الآية تُرَى بالعين ولا تُسْمع، قال القرآن: {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65]. .. لماذا؟ قالوا: لأن الله سبحانه أتى بهذه الآية لِيلْفتَهم إلى المنهج الذي سيأتيهم على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا المنهج سَيُسمع من الرسول المبلّغ لمنهج الله. ومثال ذلك أيضاً في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} تفسير : [القصص: 71]. فالضياء يُرى لا يُسمع .. لكنه قال: {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} لأنه يتكلم عن الليل، ووسيلة الإدراك في الليل هي السمع. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى زلال توحيده {أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ} أي: الطبيعة الهيولانية {مَآءً} أي: معارف وحقائق وعلوماً لدنية {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} أي: الطبيعة الهيلاونية {بَعْدَ مَوْتِهَآ} أي: بعدما كانت عدماً صرفاً، فاتصفت بالعلوم الإدراكات الجزئية، وترقت منها متدرجاً إلى أن وصلت إلى مرتبة التوحيد المسقط للإضافات مطلقاً {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التبيين والتذكير {لآيَةً} دلائل وشواهد دالة على توحيد الحق {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65] سمع قبول وتأمل وتدبر. {وَإِنَّ لَكُمْ} أيضاً أيها المتأملون المتدبرون {فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} لو تعتبرون بها، وتتفكرون فيها حق التفكر والتدبر لانكشفتم بعجائب صنعنا، وكمال قدرتنا، ومتانة حكمتنا، وحيطة علمنا وإرادتنا؛ إذ {نُّسْقِيكُمْ} ونُشربكم {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} أي: مما في بطون بعض الأنعام مستخرجاً {مِن بَيْنِ فَرْثٍ} أي: أخلاط وفضلات مستقرة في كرشها {وَدَمٍ} نجس سائل، سارٍ في العروق والشرايين {لَّبَناً} طاهراً {خَالِصاً} صافياً عن كدورات كلا الطرفين، بحيث لا يشوبه شيء منهما، لا من لون الدم، ولا من ريح الفرث {سَآئِغاً} سهل المرور والانحدار، هنيئاً مرئياً {لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] بلا تسعر لهم في شربه ولا كلفة. {وَمِن} نسقيكم أيضاً أيها المعتبرون {ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ} بحيث {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ} أي: من عصير كل منهما {سَكَراً} خمراً، يترتب على شرب السكر المسكر، وهو وإن كان حراماً شرعاً، إلاَّ أنه يدل على عجائب صنع الله، وبدائع حكمته، وغرائب إبداعه واختراعه {وَ} تتخذون من كل منها {رِزْقاً حَسَناً} كالتمر والزبيب، والدبس والخل، وأنواع الأدم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الاتخاذ {لآيَةً} دالة على كما قدرة الله وحكمته {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [المحل: 67] أي: يستعملون عقولهم بالنظر والتفكر في آلاء الله ونعمائه؛ كي يتفطنوا إلى وحدة ذاته. {وَ} من عجائب المبدعات، وغرائب المخترعات التي يجب العبرة الاعتبار عنها: {أَوْحَىٰ} وألهم {رَبُّكَ} يا أكمل الرسل {إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} الضعيف المنحول المستحقر إظهاراً لكمال قدرته وحكمته {أَنِ ٱتَّخِذِي} أي: بأن اتخذي - أنثها باعتبار المعنى، وإن كان لفظ النحل مذكراً - {مِنَ} شقوق {ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} تأوين إليها {وَ} كذا {مِنَ} شقوق {ٱلشَّجَرِ} في الآجام {وَ} كذا {مِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] ويبنون لك من الأبنية والأماكن، واصنعي فيها بالهام الله إياك بيوتات من الشمعة المتخذة من أنواع الأزهار والنباتات التي لا علم لنا بتعيينها وإحصائها كلها مسدسات، متساويات الأضلاع والزوايا، بحيث لا تفاوت بين أضلاعها وزواياها أصلاً، بحيث عجز عن تصويرها حذّاق المهندسين، فيكف عن تحقيقها وكنهها، تاهت في بيداء ألوهيته أنظار العقل وآراؤه. {ثُمَّ} بعدما تم بناؤك {كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} التي ألهمناك أكلها {فَٱسْلُكِي} في اتخاذ العسل منها {سُبُلَ رَبِّكِ} أي: السبل التي ألهمك ربك بسلوكها على وجهها بلا انحراف واعوجاج {ذُلُلاً} مسخرة في حكمه بلا تصرف صدرت عنك. ثمَّ لما عملتْ على مقتضى ما أوحيت وألهمت {يَخْرُجُ} لكم أيها المكلفون بالإيمان والمعارف {مِن بُطُونِهَا} أي: بطون البيونات {شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أبيض وأسود، وأخضر وأصفر {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} عن الأمراض البلغمية بالأصالة، وعن غيرها بالتبعية {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الإلهام والوحي والخطاب على الزنبور الضعيفة بأوامر عجز عنه فحول العقلاء، الكاملين في القوة النظرية والعلمية، وامتثالها وصنعها على الوجه الأمور بلا فوت شيء منها {لآيَةً} أي: دليلاً واضحاً، وبرهاناً قاطعاً لائحاً على قدرة القادر العليم، والصانع الحكيم الذي ألهمها وأوصاها ما أوصاها {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69] ويتدبرون في الأمور، ويتعمقون فيها متدبرين في أنيتها؛ كي يصلوا إلى لميتها. ثمَّ قال سبحانه: {وَٱللَّهُ} القادر المتقدر للإحياء والإماتة {خَلَقَكُمْ} وأظهركم من كتم العدم إظهاراً إبداعياً، وإيحاءً اختراعياً مقدراً مدة معينة لبقائكم في النشأة الأولى {ثُمَّ} بعد انقضاء المدة المقدرة {يَتَوَفَّاكُمْ} أي: يميتكم ويفنيكم {وَمِنكُم مَّن} يقدر لبقائه في هذه النشأة مدة متطاولة، بحيث {يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وأخسِّه وأسوئه، وإنما يرد بعض التاس إليه {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ} ويفهم {بَعْدَ} تعلق {عِلْمٍ} منه بمعلومٍ مخصوصٍ {شَيْئاً} من أحوال ذلك المعلوم؛ يعني: يرجع إلى مرتبة الطفولية بعد كمال العقل، وإنما رده سبحاه إظهاراً للقدرة الكاملة، وتذكيراً وعبرةً للناس؛ لئلا يطلبوا من الله طول الأعمار، وبُعد الآجال {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لأمور عباده {عَلِيمٌ} بمصالحهم ومفاسدهم {قَدِيرٌ} [النحل: 70] مقدر مقتدر للأصلح لهم تفضلاً وامتناناً. {وَٱللَّهُ} المقدر لمصالحكم أيضاً {فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} بأن قدر للبعض غنى، وللبعض فقراً، وللبعض كفايةً، على حسب تفاوت مراتبهم واستعداداتهم في علم الله، ولوح قضائه، وقدر البعث مالكاً للبعض، والبعض مملوكاً له {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ} بسعة الرزق والبسطة من الموالي والملاك {بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ} أي: بعض ما رزقهم الله {عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من المماليك بأن يقدّر للماليك في قسمة الله رزق، بل {فَهُمْ} أي: المماليك والموالي {فِيهِ} أي: في تقدير الرزق وقسمته {سَوَآءٌ} أي: كما قدّر للمُلاََك قدَّر للماليك أيضاً، غاية ما في الباب: إن الرزق المقدر للمماليك إنما يصل إليهم من يد المولي {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71] ينكرون ويكفرون بإسناد أرزاق المماليك إلى الموالي، لا إلى الله الرزاق لجميع العباد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : عن الله مواعظه وتذكيره فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، لأنه المنعم بإنزال المطر وإنبات جميع أصناف النبات، وعلى أنه على كل شيء قدير، وأن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات وأن الذي نشر هذا الإحسان لذو رحمة واسعة وجود عظيم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):