١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} قد تقدّم القول في الأنعام، وهي هنا الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز. {لَعِبْرَةً} أي دلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته. والعِبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء لنعرف حقيقته من طريق المشاكلة، ومنه {أية : فَٱعْتَبِرُواْ} تفسير : [الحشر: 2]. وقال أبو بكر الورّاق: العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم، وتمرّدك على ربك وخلافك له في كل شيء. ومن أعظم العِبَر بريء يحمل مذنباً. الثانية ـ قوله تعالى: {نُّسْقِيكُمْ} قراءة أهل المدينة وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (بفتح النون) من سَقَى يَسْقي. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم (بضم النون) من أسقي يُسقي، وهي قراءة الكوفيين وأهل مكة. قيل: هما لغتان. وقال لَبِيد:شعر : سَقَى قَومِي بني مَجْدٍ وأسقى نُمَيْراً والقبائلَ من هِلالِ تفسير : وقيل: يقال لما كان من يدك إلى فيه سقيته، فإذا جعلت له شِرْباً أو عرضته لأن يشرب بفيه أو يزرعه قلت أسقيته؛ قاله ابن عُزيز، وقد تقدّم. وقرأت فرقة «تسقيكم» بالتاء، وهي ضعيفة، يعني الأنعام. وقرىء بالياء، أي يسقيكم الله عز وجل. والقراء على القراءتين المتقدّمتين؛ ففتح النون لغة قريش وضمها لغة حِمير. الثالثة ـ قوله تعالى: {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} اختلف الناس في الضمير من قوله «مما في بطونه» على ماذا يعود. فقيل: هو عائد إلى ما قبله وهو جمع المؤنث. قال سيبويه: العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد. قال ابن العربيّ: وما أراه عوّل عليه إلا من هذه الآية، وهذا لا يشبه منصبه ولا يليق بإدراكه. وقيل: لما كان لفظ الجمع وهو اسم الجنس يذكر ويؤنث فيقال: هو الأنعام وهي الأنعام، جاز عود الضمير بالتذكير؛ وقاله الزجاج. وقال الكسائيّ: معناه مما في بطون ما ذكرناه، فهو عائد على المذكور؛ وقد قال الله تعالى: {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} وقال الشاعر:شعر : مثـل الفِـراخ نُتِفـتْ حـواصلُـه تفسير : ومثله كثير. وقال الكسائيّ: «مما في بطونِه» أي مما في بطون بعضه؛ إذ الذكور لا ألبان لها، وهو الذي عوّل عليه أبو عبيدة. وقال الفَرّاء: الأنعام والنَّعَم واحد، والنَّعَم يذكر، ولهذا تقول العرب: هذا نَعَم وارد، فرجع الضمير إلى لفظ النّعم الذي هو بمعنى الأنعام. قال ابن العربيّ: إنما رجع التذكير إلى معنى الجمع، والتأنيث إلى معنى الجماعة، فذكّره هنا باعتبار لفظ الجمع، وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة فقال {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} وبهذا التأويل ينتظم المعنى انتظاماً حسناً. والتأنيث باعتبار لفظ الجماعة والتذكير باعتبار لفظ الجمع أكثر من رَمْل يَبْرِين وتَيْهَاء فِلَسْطِين. الرابعة ـ استنبط بعض العلماء الجِلّة وهو القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير، أن لبن الفحل يفيد التحريم، وقال: إنما جيء به مذكّراً لأنه راجع إلى ذكر النَّعم؛ لأن اللبن للذكر محسوب، ولذلك قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن لبن الفحل يحرّم حين أنكرته عائشة رضي الله عنها في حديث أفْلح أخي أبي القُعَيس «حديث : فللمرأة السّقي وللرجل اللقاح» تفسير : فجرى الاشتراك فيه بينهما. وقد مضى القول في تحريم لبن الفحل في «النساء» والحمد لله. الخامسة ـ قوله تعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} نبّه سبحانه على عظيم قدرته بخروج اللبن خالصاً بين الفَرْث والدم. والفَرْثُ: الزّبل الذي ينزل إلى الكَرِش، فإذا خرج لم يُسَمَّ فَرْثاً. يقال: أفْرَثْت الكَرِش إذا أخرجت ما فيها. والمعنى: أن الطعام يكون منه ما في الكَرِش ويكون منه الدّم، ثم يخلص اللبن من الدم؛ فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدّم في العروق. وقال ابن عباس: إن الدابة تأكل العلف فإذا استقرّ في كَرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً، والكبد مسلّط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتمّيزه وتُجريه في العروق، وتجرِي اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكَرِش؛ {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ}. {خَالِصاً} يريد من حمرة الدم وقذارة الفَرْث وقد جمعهم وعاء واحد. وقال ابن بحر: خالصاً بياضه. قال النابغة:شعر : بخَالصـة الأرْدان خُضْـرِ المناكـب تفسير : أي بيض الأكمام. وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شيء بالمصلحة. السادسة ـ قال النقاش: في هذا دليل على أن المَنِيّ ليس بنجس. وقاله أيضاً غيره واحتج بأن قال: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغاً خالصاً كذلك يجوز أن يخرج المني على مخرج البول طاهراً. قال ابن العربي: إن هذا لجهل عظيم وأخذ شنيع. اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة ليكون عبرة، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة، وليس المنِيّ من هذه الحالة حتى يكون ملحقاً به أو مَقِيساً عليه. قلت: قد يعارَض هذا بأن يقال: وأيّ مِنّة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم؛ وقد قال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ}، وقال: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} وهذا غاية في الامتنان. فإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول، قلنا: هو ما أردناه، فالنّجاسة عارضة وأصله طاهر؛ وقد قيل: إن مَخْرَجه غير مخرج البول وخاصّةً المرأة؛ فإن مَدخل الذكر منها ومخرج الولد غيرُ مخرج البول على ما قاله العلماء. وقد تقدّم في البقرة. فإن قيل: أصله دم فهو نجس، قلنا ينتقض بالمسك، فإن أصله دم وهو طاهر. وممن قال بطهارته الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري. قال الشافعيّ: فإن لم يُفْرَك فلا بأس به. وكان سعد بن أبي وَقّاص يفرك المنيّ من ثوبه. وقال ابن عباس: هو كالنُّخامة أمِطْه عنك بإذْخِرة وامسحه بخرقة. فإن قيل: فقد ثبت عن عائشة أنها قالت: كنت أغسل المنيّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. قلنا: يحتمل أن تكون غسلته استقذاراً كالأشياء التي تزال من الثوب لا لنجاسة، ويكون هذا جَمْعاً بين الأحاديث. والله أعلم. وقال مالك وأصحابه والأَوْزاعيّ: هو نجس. قال مالك: غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا، وهو قول الكوفيين. ويروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم. واختلف فيه عن ابن عمر وعائشة. وعلى هذين القولين في نجاسة المني وطهارته التابعون. السابعة ـ في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره، فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس، وذلك أن ضَرْع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذاً من وعاء نجس. فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الإنسان طاهر حياً وميتاً فهو طاهر. ومن قال: يَنْجَس بالموت فهو نجس. وعلى القولين جميعاً تثبت الحرمة؛ لأن الصبي قد يغتذي به كما يغتذي من الحية؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم»تفسير : . ولم يخصّ؛ وقد مضى في «النساء». الثامنة ـ قوله تعالى: {سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} أي لذيذاً هيّناً لا يَغَصّ به من شربه. يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغاً أي سهل مدخله في الحلق، وأساغه شاربه، وسغته أنا أسيغه وأسوغه، يتعدّى ولا يتعدّى، والأجود أسغته إساغة. يقال: أسِغ لي غُصّتي أي أمهلني ولا تُعجلني؛ وقال تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} والسِّواغ (بكسر السين) ما أسغت به غُصّتك. يقال: الماء سِواغ الغُصَص؛ ومنه قول الكُمَيْت:شعر : فكانـت سِوَاغـاً أن جَئـزْت بغُصّـة تفسير : وروي أن اللبن لم يَشْرَق به أحد قطُّ، وروي ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. التاسعة ـ في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده، لكن إذا كان من وجهه ومن غير سَرَف ولا إكثار. وقد تقدّم هذا المعنى في «المائدة» وغيرها. وفي الصحيح عن أنس قال: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله: العسل والنبيذ واللبن والماء. وقد كره بعض القرّاء أكل الفالوذَج واللبن من الطعام، وأباحه عامة العلماء. وروي عن الحسن أنه كان على مائدة ومعه مالك بن دينار، فأتى بفالوذَج فامتنع عن أكله فقال له الحسن: كُلْ! فإنّ عليك في الماء البارد أكثر من هذا. العاشرة ـ روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال:حديث : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل اللَّهُمّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه. وإذا سُقِيَ لبناً فليقل اللّهُمّ بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن»تفسير : . قال علماؤنا: فكيف لا يكون ذلك وهو أوّل ما يغتذي به الإنسان وتَنْمِي به الجثث والأبدان، فهو قوت خليّ عن المفاسد به قِوام الأجسام، وقد جعله الله تعالى علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي خير الأمم أمة؛ فقال في الصحيح: «حديث : فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي جبريل اخترت الفِطرة أما إنك لو اخترت الخمر غَوَتْ أمتك»تفسير : . ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخِصب وظهور الخيرات وكثرة البركات؛ فهو مبارك كله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ} أيها الناس{فِى ٱلأَنْعَـٰمِ} وهي الإبل والبقر والغنم {لَعِبْرَةً} أي: لآية ودلالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهِ} أفردها ههنا عوداً على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان، فإن الأنعام حيوانات، أي: نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان، وفي الآية الأخرى: مما في بطونها، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} تفسير : [عبس: 11-12] وفي قوله تعالى: {أية : وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ} تفسير : [النمل:35-36] أي: المال. وقوله: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا} أي: يتخلص اللبن بياضه وطعمه وحلاوته، ما بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، فيصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر، ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به. وقوله: {لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} أي: لا يغص به أحد، ولما ذكر اللبن، وأنه تعالى جعله شراباً للناس سائغاً، ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه، ولهذا امتن به عليهم فقال: {وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} دل على إباحته شرعاً قبل تحريمه، ودل على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل، والمتخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك. كما قال ابن عباس في قوله: {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} السكر ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما، وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله، يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء وهو الدبس وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد كما وردت السنة بذلك {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ناسب ذكر العقل ههنا، فإنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها، قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَق ٱلأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 34-36].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةً } اعتباراً {نُّسْقِيكُمْ } بيان للعبرة {مّمَّا فِى بُطُونِهِ } أي الأنعام {مِنْ } للابتداء متعلقة بـ(نسقيكم) {بَيْنِ فَرْثٍ } ثُفْلُ الكرْش {وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا } لا يشوبه شيء من الفرث والدم من طعم أو ريح أو لون أو بينهما {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهل المرور في حلقهم لا يُغَصُّ به.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً} عظيمةً وأيَّ عبرةٍ تَحار في دركها العقولُ ويهيم في فهمها ألبابُ الفحول {نُّسْقِيكُمْ} استئنافٌ لبـيان ما أُبهم أولاً من العبرة {مّمَّا فِى بُطُونِهِ} أي بطون الأنعامِ، والتذكيرُ هنا لمراعاة جانبِ اللفظِ فإنه اسم جمع ولذلك عدّه سيبويه في المفردات المبنيّة على أفعال كأكباش وأخلاق كما أن تأنيثه في سورة المؤمنين لرعاية جانب المعنى، ومَن جعله جمعَ نَعَمٍ جعل الضميرَ للبعض فإن اللبَن ليس لجميعها، أو له على المعنى، فإن المرادَ به الجنسُ وقرىء بفتح النون هٰهنا وفي سورة المؤمنين {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا} الفرْثُ فُضالةُ ما يبقىٰ من العلف في الكَرِش المنهضمةِ بعضَ الانهضام وكثيفُ ما يبقىٰ في الأمعاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن البهيمةَ إذا اعتلفت وانطبخ العلفُ في كرشها كان أسفلُه فرثاً، وأوسطُه لبناً، وأعلاه دماً. ولعل المرادَ به أن أوسطَه يكون مادةَ اللبن وأعلاه مادةَ الدم الذي يغذو البدنَ لأن عدم تكونهما في الكرش مما لا ريب فيه، بل الكبِدُ تجذب صفاوة الطعام المنهضمِ في الكرش ويبقى ثفلُه وهو الفرثُ ثم يُمسكها ريثما يهضمها فيُحدثُ أخلاطاً أربعة معها مائيةً فتُميَّز تلك المائيةُ ما زاد على قدر الحاجة من المِرَّتين الصفراءِ والسوداء وتدفعها إلى الكِلْية والمرارة والطّحال، ثم توزِّع الباقي على الأعضاء بحسبها فتُجري على كلَ حقَّه على ما يليق به بتقدير العزيز العليم، ثم إن كان الحيوانُ أنثى زاد أخلاطَها على قدر غذائها لاستيلاء البردِ والرطوبةِ على مزاجها فيندفع الزائدُ أو لا لأجل الجنينِ إلى الرحم فإذا انفصل انصب ذلك الزائدُ أو بعضُه إلى الضروع فيبـيّض لمجاورته لحومَها الغذوية البِـيضِ ويلَذّ طعمُه فيصيرُ لبناً، ومن تدبر في بدائع صنعِ الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبانِ وإعداد مقارّها ومجاريها والأسبابِ الموَلّدة لها وتسخيرِ القُوى المتصرفة فيها كلَّ وقت على ما يليق به اضطُرّ إلى الاعتراف بكمال علمِه وقدرتِه وحكمتِه وتناهي رأفته ورحمتِه. فمِن الأولى تبعيضيةٌ لما أن اللبن بعضُ ما في بطونه لأنه مخلوقٌ من بعض أجزاءِ الدم المتولّدِ من الأجزاء اللطيفةِ التي في الفرث حسبما فصل، والثانيةُ ابتدائية كقولك: سقَيت من الحوض لأن بـين الفرث والدمِ مبدأَ الإسقاء، وهي متعلقةٌ بنُسقيكم وتقديمه على المفعول لما مر مراراً من أن تقديم ما حقُّه التأخيرُ يبعث للنفس شوقاً إلى المؤخر موجباً لفضل تمكّنِه عند ورودِه عليها لا سيما إذا كان المقدمُ متضمناً لوصف منافٍ لوصف المؤخَّر كالذي نحن فيه، فإن بـين وصفَيْ المقدّمِ والمؤخر تنافياً وتنائياً بحيث لا يتراءى ناراهما، فإن ذلك مما يزيد الشوقَ والاستشرافَ إلى المؤخر كما في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} تفسير : [يس: 80]، أو حالٌ من لبناً قُدّم عليه لتنكيره والتنبـيه على أنه موضعُ العبرة {خَالِصًا} عن شائبة ما في الدم والفرثِ من الأوصاف ببرزخٍ من القدرة القاهرة الحاجزةِ عن بغي أحدِهما عليه مع كونهما مكتنفين له {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} سهلَ المرور في حلقهم، قيل: لم يغَصَّ أحدٌ باللبن، وقرىء سيِّغاً بالتشديد وبالتخفيف مثل هيْن وهيِّن.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} [الآية: 66]. قال أبو بكر الوراق: العبرة فى الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم وتمردك على ربك وخلافك له فى كل شىء. قال يحيى بن معاذ: سخر الله تعالى لك الأنعام لتحملك وتحمل أثقالك وهى غير مخاطب ولا محاسب فترى أبدًا بريئًا يحمل مذنبًا.
القشيري
تفسير : سَخَّرَها لكم، وهيأها للانتفاع بلحمها وشحمها، وجِلْدِها وشَعْرِها ودَرِّها، وأصلها ونَسْلِها. ثم عجيبٌ ما أظهر من قدرته من إخراج اللبن - مع صفائه وطعمه ونَفْعِه - من بين الروث والدم، وذلك تقدير العزيز العليم. والذي يقدر على حفظ اللبن بين الروث والدم يقدر على حفظ المعرفة بين وحشة الزَّلَّةِ من وجوهها المختلفة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً} الخطاب للعارفين الذين يشربون البان المحبة من بين بطون الافعاليات ما يحصل من بين فرث ودم من الايات من لطائف الصفات تشرب منها القلوب والارواح والاسرار على قدر مزاجها من القرب وايضا تشرب الارواح ما يحصل فى العقول الصافية من بين النفس والقلب من زلال بحر المشاهدة فهنالك منازل اعتبار المعتبرين قال ابو بكر الوراق العبرة فى الانعام تسخيرها لاربابها وطاعتها لهم وتمردك على ربك وخلافك له فى كل شئ وما يتعلق بما ذكرنا من حقائق الاشارات قوله سبحانه {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} اى مما يتخذ الارواح والاسرار من ثمرات نخيل القلوب واعناب العقول شراب المحبة المسكرة صميمها وشراب الانس المتخذ من صفاء انوار الذكر الذى هو رزق حسن لتربية وجودها وذلك الشراب والسكر من تواثير مياه تجلى الجمال والجلال وصفاؤهما من صفو الوصال فاذا شربتهما صارت سكرانه من شوق الحق مستانسة بوجه الحق سبحانه وفى هذا الاشارات اعتبار ومعرفة لالباء الحقيقة بقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} قال الاستاد الرزق الحسن ما كان حلالا ويقال هو ما اتاك من حيث لا تحتسب وبيّن سبحانه موضع الحقيقة لاهل المعرفة فى منازل وحيه واختصاصه مما خلق به واكرمه بذلك بقوله {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} صرّح ببيان الحق موضع خاصية وحيه من النحل وامثالها مما فيه الحياة فانه تعالى اعطى من فيض فعله ونور صفته ورحمة ذاته كل ذى روح روحا يعيش بها ويكون مستعدا لقبول وحيه بها ومنها يعرف صانعه وخالقه ويعرف مكان رزقه ويعبد الخالق بما يفعل من عبوديته وربوبيته بقدر قوته فى تلقف الالهام منه بلا واسطة فهو تعالى الهم الجمهور بنفسه لانهم موضع اسراره لا يطلع عليها جميع العقلاء وبقدر لو نور الالهام يتولد منهم حقائق الاشياء الغيبية === الهام والالهام على مراتب الفعل والصفات فمن كان مشربه من الهام الافعال فصنوف === ومن كان مشربه من الهام الصفاتى فمواليده اصفى وانور الا ترى الى النحل كيف يكون === شفاء كل عليل لان الهامه تختص بالصفة دون الفعل فامرها باكل الطيبات من كل ثمرات خواص === والانوار واتخاذها طيبات المساكن من الجبال والاشجار فعلى قدر صفاء ثمرة الاشجار ولطفها === يكون العسل فكل ثمرة اصفى مما تاكل منها عسله اصفى فاوحى الحق نحل الارواح ان تتخذ اماكنها من جبال انوار الذات واشجار انوار الصفات وانوار عرش الافعال ولا تسكن غيرها من مواضع الحدثان حتى لا تتعود علاتها ولا يلتصق عليها غبارها الا ترى الى قوله عليه السّلام الارواح فى يمين الرحمن والقلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء يقلب بحر القلوب والارواح والاسرار والعقول فى جبال انوا رالذات واشجار انوار الصفات وعروش انوار الافعال ويكلمها بغرائب خطابه باكل ثمار انوار الصفات والذات والافعال بقوله {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} اى من ثمرات تلك الاشجار الصفاتية ونور بها وانوار الذاتية وازهار انوار الافعالية ثم امره لسلوك سبيل الازال ولاباد والقدم والبقاء بنعوت الفناء بقوله {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} لتعرف فى طيرانها وسيراتها ثمار اشجار غيبه وتاكل رياحين انسه وتطير فى صحارى قدسه وتعرف جلال وجوده تعالى الله عن كل علة فاذا تم دورها فى بساتين العيوب {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ} شراب معرفته بقدم جلاله وعز بقائه وانوار ذاته فاختلاف الوانه باختلاف رؤيتها انوار كل صفة فعلى قدر رؤية الصفات يكون الوانها فمن لون المحبة ومن لون العشق ومن لون الانس ومن لون الفكر ومن لون القبض والبسط ومن لون الخوف والرجاء ومن لون البسط والانبساط فى هذه المقامات شفاء لكل مريض المحبة وسقيم الالفة وملدوغ الشوق وسليم المعرفة ومن شان ذلك العسل لون نورى من بهاء الله وطعم حلاوى من حلاوة وصلة الله فاذا حصل ذلك العسل من مشاهدة الله فى حواصل تلك النحل يحصل من قبلك العسل الذى صدر من تجلى الربوبية لها شمع العبودية فاذا قهر عليه نيران المحبة تميز بين الربوبية والعبودية فيصير عسل الربوبية موضع ذوق مقام الانس كقوله عليه السّلام ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى فمن شرب قطرة منه بنعت الجذب ومتابعته بنعت المحبة يشفيه من كل سقم من على الشهوات النفسانيّة === الشيطانية ويصير مربّى صحيحا بانوار الربوبية فحالاته شراب الوصال يليق بالمخمودين بخمار الارادة ويكون شمعة اوصاف العبودية الخالصة ليعرجه من نور كواشفه ومعارفه فيضئ لكل سالك طريقه وكل سائل رشده قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله قال ابن عطا الهمها ودلها على الموضع وعلمها كيف يضع ما فى بطنها لا يضعها الا على حجر صان ان خشب نظيف لا يخلطه طين ولا تراب ثم قال كلى من كل الثمرات اى من الذى جعلته رزقك ثم امره بالتواضع فقال فاسلكى سبل ربك ذللا ثم قال يخرج من بطونها شراب مختلفة الوانه فيه شفاء للناس للنفوس لا للقلوب فمن اراد صلاح قلبه فليعرف موارد ما يرد على قلبه فى الاوقات ويحيل قلبه فى جميع الاحال وما يبدو فى قلبه فى كل زمان ثم ليلزم مع ذلك التواضع والخلوة فهذا غذاء القلب وذلك غذاء النفس وغذاء الروح اعز وهو مشاهدة الحق والسّماع منه وترك الالتفات الى المكونات بحال وقال ابن عطا جعل ما يخرج من النحل شيئين ممزوجين لا يصفيهما الا النار فاذا اصفاهما النار صار عسلا وشمعا فالعسل هو غذاء الخلق وشفاؤهم والشمع للحرق لا غير كذلك اذا اخلص العبد عمله خلص له عمله وما خالطه برياء وشرك فلا يصلح الا للنار وقال ابو بكر الوراق النحلة لما اتبعت الامر وسلكت سبيلها على ما امرة به جعل لعابها شفاء للناس كذلك المؤمن اذا اتبع الامر وحفظ السر واقبل على ربه جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق ومن نظر اليه اعتبر ومن سمع كلامه اتعظ ومن جالسه سعد ويقال ان الله سبحانه اجرى لسنته ان يخفى كلشئ عزيز فى شئ حقير جعل الا بريم فى الدود وهو اصغر الحيوانات واضعفها والعسل فى النحل وهى اضعف الطيور وجعل فى الدر الصدف وهو اوحش حيوان من حيوانات البحر كذلك اودع الذهب والفضة والفيروز فى الحجر كذلك اودع المعرفة والمحبة لئن قلوب المؤمنين وفيهم من يعصى وفيهم من يخطى.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان لكم} ايها الناس {فى الانعام} جمع نعم بالتحريك وهى الانواع الاربعة التى هى الابل والبقر والضأن والمعز. والمعنى بالفارسية [در وجود جهار بايان]{لعبرة} دلالة يعبر بها من الجهل الى العلم كأنه قيل كيف العبرة فقيل {نسقيكم}[مى آشامانيم شمارا] قال الزجاج سقيته واسقيته بمعنى واحد. وفى الاسئلة المقحمة يقال اسقيته اذا جعلت له سقيا دائما وسقيته اذا اعطيته شربه {مما فى بطونه} من للتبعيض لان اللبن بعض ما فى بطونه والضمير يعود الى بعض الانعام وهو الاناث لان اللبن لا يكون للكل او الى المذكور اى فى بطون ما ذكرنا قاله الكسائى. والمعنى بالفارسية [بعضى از آنجه كه در شكمهاى ذوات ألبانست ازجنس نعم] {من بين فرث ودم لبنا} من ابتدائية متعلقة بنسقيكم لان بين الفرث و الدم مبدأ الاسقاء والفرث فضالة العلف فى الكرش وثقله والكرش للحيوان بمنزلة المعدة للانسان {خالصا} صافيا ليس عليه لو الدم ولا رائحة الفرت {سائغا} بالفارسية [كوارنده] {للشاربين} ايى هسل المرور فى حلقهم قيل لم يغص احد باللبن قط وليس فى الطعام والشراب انفع منه ألا يرى الى قوله عليه السلام "حديث : اذا كل احدكم عاما فليقل اللهم بارك لنا فيه واطعمنا خيرا منه واذا شرب للنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فانى لا اعلم شيئًا انفع فى الطعام والشراب منه"تفسير : . قال فى الكواشى المعنى خلق الله اللبن فى مكان وسط بين الفرث والدم وذلك ان الكرش اذا طبخت العلف صار اسفله فرثا وواسطه لبنا وسط خالصا لا يشوبه شىء واعلاء دما وبينه وبينهما حاجز من قدرة الله لا يختلط احدهما بالاخر بلون ولا طعم ولا رائحة مع شدة الاتصال ثم تسلط الكبد على هذه الاصناف الثلاثة تقسمها فتجرى الدم فى العروق واللبن فى الضروع ويبقى الفرث فى الكرش ثم ينحدر. فان قلت ان اللبن والدم لا يتولدان فى الكرش اذ البهائم اذا ذبحت لم يوجد فى كشرها لبن ولا دم. قلت المراد كان اسفله مادة الفرث واوسطه مادة اللبن واعلاه مادة الدم فالمنحدر الى الضروع مادة اللبن لا مادة الدم وقول بعضهم ان الدم ينحدر الى الضروع فيصير لبنا ببرودة الضرع بدليل ان الضرع اذا كانت فيه آفة يخرج منه الدم مكان اللبن مدفوع بانه يجوز ان يتلون اللبن بلون الدم بسبب الآفة وهو اللائح بالبال ومن بلاغات الزمخشرى شعر : كما يحدث بين الخبيثين ابن لا يؤبن الفرث والدم يخرج منهما اللبن تفسير : اى كما ان اللبن الطيب الطاهر يخرج من بين الخبيثين اللذيثن هما الفرث والدم بحيث لا يشوبه شئ من اوصافهما مع كمال الاتصال والا كتناف كذلك يخرج الابن الطيب الطاهر الذى لا يعاب بشئ اصلا من بين الابوين الخبيثين بحيث لا يوجد فيه شئ من اوصافهما الخبية شعر : مى زغوره شود شكر ازنى عسل ازنحل حاصلست بقى مكوزنهاراصل عود جوبست به بين دودش جه مستثنى وخوبست تفسير : - وسئل - شقيق عن الاخلاص فقال تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم [در قوت القلوب فرموده كه تمامى نعمت بخلوص لبن است يعنى اكر دروى يكى از وصفين فرث ودم باشد تمام نعمت نبود وطبع اورا قبول نكند همجنين معامله بندكان باحق بايدكه خالص بود اكر بشوب فرث ريا ودم هوا آميخته كردد از خلوص دور واز نظر قبول مهجور خواهد بود زيرا كه ريا در عمل شرك خفيست وصفاى عمل بسبب شوب هوا منتفى در ريا نظر بردم است ودر هوا برغرض خود وبر هروجه عمل خالى از آلود كى نيست شعر : طاعت آلوده نيايد بكار مشك جكر سوده نيايد بكار هركة ز آلود كى افتاد باك بيش نظرها نبود تا بناك تفسير : وفى الآية اشارة الى اعتبار العاقل فيما سقاه الله مما فى بطون انعام النفوس فانها كالانعام من بين فرث الخواطر الشيطانى ودم الخواطر النفسانى لبنا خالصا من الالهام الربانى جائزا لاهل هذا الشرب على الصراط المستقيم من غير تلعثم كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: سقى وأسقى: لغتان، على المشهور. والضمير في {بطونه}: للأنعام، وذكِّره باعتبار ما ذكر، كقوله: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} تفسير : [عَبَسَ: 11، 12]، أو: باعتبار الجنس، وعَدَّه سيبويه في المفردات المبنية على: أفعال، كأخلاق وأكباش، فهو، عنده، اسم جمع، كقوم ورهط، فلفظه مفرد ومعناه جمع، فذكَّره هنا؛ مراعاة للفظه، وأنثه، في سورة المؤمنين؛ مراعاة لمعناه. ومن قال: إنه جمع "نعَم"، جعل الضمير للبعض؛ فإن اللبن لبعضها دون جميعها. و {من} في قوله: "مما"؛ للتبعيض، و {من بين فرث}؛ لابتداء الغاية، و {من ثمرات}: يتعلق بمحذوف، أي: ونسقيكم من ثمرات النخيل، يدل عليه {نُسقيكم} الأول. و {تتخذون}: استئناف لبيان الإسقاء، أو يكون {ثمرات}: عطفًا على {مما في بطونه}، أو يتعلق {من ثمرات} بتتخذون، أي: تتخذون من ثمرات النخيل سَكَرًا. وكرر {منه} للتأكيد، أو يكون {تتخذون}: صفة لمحذوف، أي: شيء تتخذون منه سكرًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإنّ لكم} أيها الناس، {في الأنعام} وهي: الإبل والبقر والغنم، {لعبرةً} ظاهرة تدل على كمال قدرته، وعجائب حكمته، وهي أنا {نُّسْقيكم مما في بطونه} أي: بعض ما استقر في بطونه من الغذاء، {من بين فَرْثٍ}؛ وهو ما في الكرش من القذر، {ودمٍ}؛ وهو ما تولد من لباب الغذاء، {لبنًا خالصًا} من روائح الفرث، صافيًا من لون الدم. والمعنى: أن الله يخلق اللبن متوسطًا بين الفرث والدم يكتنِفَانِه، ومع ذلك فلا يُغير له لونًا ولا طعمًا ولا رائحة. وعن ابن عباس: "إن البهيمة إذا اعتلفت، وانطبخ العلف في كرشها، كان أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا، وأعلاه دمًا). ثم وصفه بقوله: {سائغًا للشاربين}؛ سهل المرور في حلقهم، حتى قيل: لم يغصَّ أحدٌ قَط من اللبن. ورُوِيَ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. {و} نُسقيكم، أيضًا، {من ثمرات النخيلِ والأعنابِ} أي: من عصيرهما. ثم بيَّن كيفية الإسقاء فقال: {تتخذون منه} أي: مما ذكر {سَكَرًا} يعني: الخمر، سميت بالمصدر، ونزل قبل تحريم الخمر، فهي منسوخة بالتحريم. وقيل: هي على وجه المنة بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرُّض فيها لتحليل الخمر ولا تحريم، وهذا هو الصحيح. وفي دعوى النسخ نظر؛ لأن النسخ إنما يكون في الأحكام المشروعة المقررة، وهنا ليس كذلك، إنما فيه امتنان واعتبار فقط. {و} تتخذون من ثمراتها {رزقًا حسنًا}؛ كالتمر، والزبيب، والدبْس - وهو ما يسيل من الرطب -، والخلُّ، والربُّ، وقيل: السَّكَرُ: المائع من هاتين الشجرتين؛ كالخل، والرُّب، والرزق الحسن: العنب والتمر. {إنَّ في ذلك لآية} دالة على كمال قدرته تعالى، {لقوم يعقلون}؛ يستعملون عقولهم بالتأمل، والنظر في الآيات. الإشارة: كما استخرج الحق، جلّ جلاله، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، استخرج مذهب أهل السنة، القائلين بالكسب، من بين مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة، بين قوم أفرطوا، وقوم فرطوا. واستخرج أيضًا مذهب الصوفية - أعني: المحققين منهم - من بين الواقفين مع ظاهر الشريعة والمتمسكين بمجرد الحقيقة، بين قوم تفسقوا وقوم تزندقوا، بين قوم وقفوا مع عالم الحكمة، وقوم وقفوا مع شهود القدرة من غير حكمة، وهو، إن لم يكن عن غلبة سُكْرٍ، كُفْرٌ. واستخرج، أيضًا، مذهب أهل التربية من بين سلوك محض وجذب محض، فاهل السلوك المحض محجوبون عن الله، وأهل الجذب المحض غائبون عن طريق الله، وأهل التربية برزخ بين بحرين، الجذب في بواطنهم، والسلوك على ظواهرهم. ولا يعرف هذا إلا من شرب مشربهم، قد أخذوا من ثمرات نخيل الشرائع وأعناب الحقائق، سَكَرًا في قلوبهم، بشهود محبوبهم، ورزقًا حسنًا؛ معرفة في أسرارهم، وعبودية في ظواهرهم، فصاروا جامعين بين جذب الحقائق وسلوك الشرائع، كل واحد في محله. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر دليلاً آخر فقال: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم {نسقيكم} بفتح النون الباقون بضمها. والفرق بين اسقينا وسقينا أنّ معنى اسقيناه جعلنا له شراباً دائماً من نهر أو لبن او غيرهما، وسقيناه شربة واحدة، ذكره الكسائي قال لبيد: شعر : سقي قومي بني مجد وأسقى نُميراً والقبائل من هلال تفسير : فعلى هذا هما لغتان، والأظهر ما قال الكسائي. عند اهل اللغة. وقال قوم: سقيته ماء كقوله {أية : وسقاهم ربهم شراباً طهوراً}تفسير : واسقيته سألت الله ان يسقيه وانشد لذي الرّمة: شعر : وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثَّه تكلمني أحجاره وملاعبه تفسير : وقيل ان ما كان من الأنهار وبطون الأودية، فبالضم. وقال ابو عبيدة: إِذا سقاه مرة يقال سقيته، واذا سقاه دائماً يقال أسقيته. يقول الله تعالى لخلقه المكلفين {إِن لكم في الأنعام} يعني الابل والبقر والغنم {لعبرة} ودلالة لأنّا {نسقيكم مما في بطونه} وقيل في تذكيره ثلاثة اقوال: احدها - انه ردّ الى واحد. لان النعم والانعام بمعنى، قال سيبويه: والاسم الواحد يجيء على (افعال) يقال هو الانعام. قال تعالى {في بطونه} ذهب الى أنه اسم واحد بلفظ الجمع، كما أن الخيل اسم مؤنث، لا واحد له، والنعم اسم مذكر للجماعة، لا واحد له، وقال الراجز: شعر : وطاب ألبان اللقاح فبرد تفسير : رده الى اللبن. الثاني - انه حمل على المعنى، والتقدير بطون ما ذكرنا، كما قال الصلتان العبدي: شعر : إِن السماحة والمرؤة ضمنا قبراً بمرو في الطريق الواضح تفسير : كأنه قال شيئان ضمنا. الثالث - لانه في موضع (اي) كأنه قال {نسقيكم مما في بطونه} اي من اي الانعام وكان في بطونه اللبن، لأنه ليس كلها مما فيه لبناً. وقوله {من بين فرث ودم لبناً خالصاً} فالفرث الثفل الذي ينزل الى الكرش فبين انه تعالى يخرج ذلك اللبن الصافي، اللذيذ، المشهى من بين ذلك، وبين الدم الذي في العرق النجس {سائغاً للشاربين} أي مريئاً لهم لا ينفرون منه، ولا يشرقون بشربه، وذلك من عجيب آيات الله ولطف تدبيره وبديع حكمته، الذي لا يقدر عليه غيره، ولا يتأتى من احد سواه. ثم قال {ومن ثمرات} وهو جمع ثمرة، وهو ما يطعمه الشجر، ما فيه اللذة والثمرة خاصة طعم الشجر مما فيه اللذة يقال: اثمرت الشجرة إِثماراً اذا حملت كالنخلة والكرمة وغيرهما من اصناف الشجر. وقوله {يتخذون منه سكراً} قيل في معنى السكر قولان: احدهما - تتخذون منه ما حل طعمه من شراب او غيره، ذكره الشعبي وغيره. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة: ان السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن ما احل منه. والسكر في اللغة على اربعة اقسام: احدها ما اسكر، والثاني ما طعم من الطعام كما قال الشاعر: شعر : جعلت عيب الاكرمين سكرا تفسير : اي طعماً، الثالث السكون قال الشاعر: شعر : وجعلت عين الحرور تسكر تفسير : والرابع، المصدر من قولك سكر سكراً، واصله انسداد المجاري بما يلقى فيها, ومنها السكر. وقوله {منه} الكناية راجعة الى محذوف، قال قوم: تقديره ومن ثمرات النخيل والاعناب ما تتخذون منه، فالهاء كناية عن (ما) المحذوفة وقال آخرون: تقديره ومن ثمرات النخيل والاعناب شيء تتخذون منه. وقد استدل قوم بهذه الآية على تحليل النبيذ بأن قالوا: امتن الله علينا به وعدّه من جملة نعمه علينا أن خولنا الثمار نتخذ منها السكر، والرزق الحسن. وهو لا يمتنّ بما هو محرم. وهذا لا دلالة فيه لأمور: احدها - انه خلاف ما عليه المفسرون، لأن احداً منهم لم يقل ذلك، بل كلّ التابعين من المفسرين، قالوا: اراد ما حرم من الشراب؛ وقال الشعبي منهم: انه أراد ما حل طعمه من شراب وغيره. والثاني إِنه لو اراد بذلك تحليل السكر، لما كان لقوله {ورزقاً حسناً} معنى، لأن ما احله واباحه، فهو ايضا رزق حسن، فلم فرق بينه وبين الرزق الحسن والكل شيء واحد؟؟ وانما الوجه فيه انه خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها فاتخذتم انتم منها ما هو محرم عليكم، وتركتم ما هو رزق حسن. واما وجه المنّة فبالامرين معاً ثابتة، لأن ما اباحه واحله فالمنّة به ظاهرة لتعجل الانتفاع به وما حرمه الله فوجه المنّة ايضا ظاهر به، لانه إِذا حرّم علينا، واوجب الامتناع منه ضمن في مقابلته الثواب الذي هو اعظم النعم، فهو نعمة على كل حال. والثالث - اذا كان مشتركاً بين المسكر وبين الطعم، وجب أن يتوقف فيه ولا يحمل على احدهما إِلا بدليل، وما ذكرناه مجمع على أنه مراد، وما ذكروه ليس عليه دليل، على انه كان يقتضي ان يكون ما اسكر منه يكون حلالاً، وذلك خلاف الاجماع، لانهم يقولون: القدر الذي لا يسكر هو المباح، وكان يلزم على ذلك أن يكون الخمر مباحاً، وذلك لا يقوله احد؛ وكذلك كان يلزم ان يكون النقيع حلالاً، وذلك خلاف الاجماع. وقوله {إِن في ذلك لآية لقوم يعقلون} معناه إِن فيما ذكره دلالة ظآهرة للذين يعقلون عن الله ويتفهمون ويفكرون فيه.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ} ايّها المؤمنون او ايّها النّاس {فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} استيناف او حال وتذكير الضّمير ههنا وتوحيده امّا لكون الانعام مفرداً فى معنى الجمع او لرجوعه الى البعض وانّثه فى سورة المؤمنون على اعتبار اللّفظ او المعنى {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} من الدّم والفرث وآثارهما {سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} عن رسول الله (ص): "حديث : ليس احد يغصّ بشرب اللّبن لانّ الله يقول: لبناً خالصاً سائغاً للشّاربين"تفسير : ، وقوله انّ لكم فى الانعام لعبرة خطاباً للمسلمين او للنّاس اجمعين وقع موقع ان فى ذلك لآية لقوم يؤمنون او لقوم يشعرون.
اطفيش
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} عبورا من الجهل إلى العلم ومن الباطل إلى الحق وبين موجب العبرة بقوله {نُّسْقِيكُمْ} بفتح النون عند نافع وابن عامر وأبى بكر ويعقوب وضمها عند الباقين وكذا فى سورة المؤمنين {مِّمَّا فِى بُطُونِهِ} أفرد من تبعيضية لأَن ما فى البطون بعضه اللبن ضمير الإِنعام لأَن الإِنعام اسم جمع وقد عده سيبويه فى الأَسماء المفردة الواردة على وزن أفعال بفتح الهمزة كثوب أخلاق وثوب أسمال وبرمة عشار وثوب اكياش مغزول مرتين فالإِفراد والتذكير هنا باعتبار اللفظ والتأنيث فى سورة المؤمنين لدلالته على الجماعة وذلك قول أبى عبيد والأَخفش وقيل جمع نعم فقال الكسائى أفرد وذكر للتأْويل بما ذكر وقيل باعتبار الجنس فإِن الجنس مفرد مذكر وقيل الضمير لواحده أو للبعض فإِن اللبن لبعضها دون جميعها، {مِن بَيْنِ فَرْثٍ} ما فى الكرش التفل ويسمى أيضاً فرتا بعد خروج الكرش لا ما خرج منه فإِنه يسمى بعرا أو روثاً. {وَدَمٍ} ومن للابتداء لأَن بين الفرث والدم محلا يبتدىء منه الإسقاء متعلقة بنسقيكم أو بمحذوف حال من بين قدم عليه لتنكيره وللتنبيه أنه موضع العبرة ويجوز كون من فى الموضعين معاً ابتدائية؛ فيكون من بين فرث ودم بدلا من قوله مما فى بطونها وقوله {لَّبَناً} مفعول نسقيكم {خَالِصاً} عن الدم والفرث ولونهما ورائحتهما وطعمهما وعما يصحبه من الاجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه وهو ثقات صغار ومشام ضيقة لا يخرج منها إِلا ما لطف من اللبن بالمص أو الحلب ويحتبس الكثيف فى البدن واللبن متولد من أجزاء الدم المتولد من أجزاء الفرث اللطيفة المنهضمة بعض انهضام وذلك إِنما أكلت إِذا طبخ فى كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبنا وأعلاه دماً، كذا قيل عن ابن عباس بمعنى أن اللبن يتولد من الوسط والدم المغذى للبدن من أعلاه بأن يجذب الكبد خلاصة الطعام المنهضم ويهضمها ثانياً فيطلقها وقد أحدث فيها أخلاطا أربعة منها مائية وتمييز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من مدة هضم الطعام فى الكرش وهضمه مع الكبد ويدفعها إِلى الكلية والمرارة والطحال ثم توزع الباقى على الأعضاء بحسب ما يليق بكلٍ وذلك كله بتقدير العزيز الحكيم والأُنثى تزيد خلاطها على غذائها لتغلب البرد والرطوبة عليها فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لأَجل الجنين فإِذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع فيبيض بمجاورة لحومها الغذذية البيض فيصير لبنا واللبن هو المسلط على ذلك يقسمها بتقدير الله عز وجل فيجرى الدم فى العروق واللبن فى الضروع ويبقى التفل يخرج روثاً وبعراً فليس اللبن والدم متولدين فى الكرش. قال الفخر الرازى عن الحكماء بدليل الحسن فإِن الحيوانات تذبح ذبحاً متوالياً وما رأى أحد فى كروشها لبنا ولا دماً بل يصل العلف إِلى المعدة وإِن كان الحيوان من الأَنعام وصل إِلى الكروش فإِذا طبخ وانهضم فينجذب ما صفا إِلى الكبد وينزل الكثف إِلى الأمعاء وينهضم ما انجذب إِلى الكبد انهضاماً ثانياً ويصير دماً ويخلط بالصفراء والسوداء وزيادة المائية فتذهب الصفراء إِلى الكلية ومنها إِلى المثانة والدم إِلى العروق البائنة من الكبد وبين الكبد والضرع عروق كثيرة يحصل أقول هضم ثالث فينصب الدم منها إلى الضرع والضرع لحم غذوى أبيض رخو فى قلبه فيقلبه الله عز وجل عند انصبابه إِليه لبناً فاللبن تولد من بعض أجزاء الدم والدم بعض من الأَجزاء اللطيفة من الأَشياء المأكولة فاللبن تولد أولا من الفرث وثانياً من الدم فذلك معنى كونه من بين فرث ودم، {سَائِغاً لَّلشَّارِبِينَ} سهل المرور فى حلوقهم حتى أنه قيل لم يغص أحد باللبن قط ولا شىء أنفع للبدن من اللبن الذى لم يمخض ولا أشد مبادرة فى ظهور صلاحه ويليه اللحم واللحم سيد الطعام على الإِطلاق والثريد سيد ما عدا اللحم من الطعام واللبن سيد الشراب، روى أبو داود والترمذى وابن ماجه وعن ابن عباس عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال "حديث : ليس شئ يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن لأَنه قال: من أطعمه الله طعاماً فليقل: "اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه". ومن سقاه الله لبناً فليقل: "اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه"" تفسير : وقرأ سيغا بفتح السين وإِسقاط الأَلف بعدها وكسر الياء مشددة وبفتحها وإِسقاط الأَلف وإِسكن الياء والمعنى واحد. قال صاحب الكشاف وقد احتج بعض من يرى أن المنى طاهر على من جعله نجساً لجريه فى مسلك البول بهذه الآية وليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً.
اطفيش
تفسير : {وإِنَّ لَكُمْ فِى الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} انتِقالا من جهل إِلى علم، والعبرة العبور وأصله المشى فى الماء من جانب إِلى جانب، أو على نحو فنظرة مجاز فى غير ذلك، وقيل حقيقة فى الكل، ولا شك أنه ليس فى الأنعام نفس انتقال الناس إلى العلم إلا توسعا، أو على التجريد البديعى، وليس فى الأنعام عبرة، بل هى نفسها عبرة، فبولغ فى ذلك حتى ولد منها ما هو عبرة هذا كله قبل قوله: {نُسْقِيكُمْ} إِلخ، ولك أن تقول أطلق المسبب وهو العبور على سببه، وهو ما به العبور، وهو السقى من لبن فيها، من بين فرث ودم، فقوله: نسقيكم إِلخ مستأنف للبيان كأنه قيل: ما هى؟ فقال: نسقيكم أو بيان للنكرة بالمعرفة التى هى مصدر مؤول نسقيكم على تقدير حرف المصدر، الذى حذف ورفع الفعل بعد حذفه، أى سقيًا لكم أو ينزل مرفوعًا منزلة الاسم كما هو فى قول تسمع بالمعيدى إلخ، وما ذكرته من الإطلاق مجاز فى الأصل، وهو حقيقة عرفية فى اللغة لا حقيقة فى أَصل اللغة. {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} أَى بطون الأنعام، وذكر ضميره، وأفرد لأنه اسم جمع كرهط، وما كذلك يذكر باعتبار اللفظ، ويؤنث باعتبار المعنى كما فى "أية : قد أفلح"تفسير : [المؤمنون: 1 ، الأعلى: 14، الشمس: 9] ولو كان جمعا كما هو قول لتعين التأنيث، هكذا مما فى بطونها، وقيل: ذكر باعتبار ما ذكر على أنه جمع نعم، وقيل: باعتبار معنى البعض، وهو الإناث فإِن ذكورها لا لبن لها، أو باعتبار الواحد فإن العبرة فى كل واحد على حدة، وهذا الواحد الحيوان الذى هو أنثى من الأنعام، والذى فى كتاب سيبويه أن الأنعام اسم مارد على وزن أفعال كأخلاق وأسمال للثوب البالى، وأكياس للثوب المخصوص الذى غزل غزله مرتين، وفى المثل: عليك بالثوب الأكباش، فإنه من ثياب الأكياس وأعشار لبرمة مركبة من حجارة، وقال الكسائى: أفرد لتأويل ما ذكر، وذكر بعض أن جمع غير العاقل نحو أفراده وتذكيره بتأويل الجمع وتأنيثه بتأويل الجماعة. {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} من الأولى للتبعيض، لأن اللبن بعض ما فى بطنها، وإن جعلت للابتداء كالثانية، فالثانية ومدخولها بدل اشتمال من الأولى، ومدخولها والرابط محذوف أى من فرث ودم فيه. {لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشّارِبِينَ} فلا يختنق أحد باللبن، ولو اختنق لم يشكل، لأنه فى الجملة سائغ، والفرث ما أكلته الدابة، وهضم ما دام فى البطن، وإذا خرج فروث، وقبل الخروج أوث، بمجاز الأول وبعده فرث بمجاز ما كان عليه الشئ، ومن للابتداء متعلق بنسقى، ولبنًا مفعول ثان لنسقى، ومعنى خالصاً لا يخالطه بعض فرث أو بعض دم بنفسه، أو لونه أو ريحه أو طعمه، مع أنه بينهما، ولا شئ من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه، وإن وجد فيه الدم غالبًا نجس اللبن سبل شقيق عن الإخلاص فقال تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم، ومعنى سائغًا سهل المرور فى الحلق، وإذا هضم الطعام فصافية يذهب إلى الكبد، والكثيف ينزل إلى الأمعاء، وما جبذ إلى الكبد يصير ماء بهضم ثان، ويخلط بصفراء تذهب إِلى المرارة، وبسوداء ذهب إِلى الطحال، وبزيادة المائية تذهب إلى الكلية، ومنها إلى المثانة. وأما الدم فيدخل فى العروق النابتة من الكبد فيحصل هضم ثالث، وبين الكبد والضرع عروق وينصب الدم منها إلى الضرع، فيقلب الله عز وجل الدم لون الضرع، وذلك هو معنى من بين فرث ودم، وإلا فلا يرى أحد فى الكرش مثلا دما ولا لبنا فمعنى البينية التولد منهما، لا كما قيل إن معنى الآية أن الثلاثة فى موضع واحد، الفرث أسفل، والدم أعلى، واللبن بينهما، ولو تولد الدم فى أعلى المعدة، لكان الحيوان يعنى الدم لا أن يقال يستحيل الدم إلى لون القئ عند خروجه، فتبقى الآية على ظاهرها، وهو أولى. ألا ترى أنه يذبح الذكر ولا توجد النطفة فى بيضته، ولا يوجد الدم فيمن مات حتف أنفه فى لحمه، كذا قيل، أو يقال: المراد أن أوسطه يكون مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم، وذلك أن ذلك لا يجتمع فى الكرش أو المعدة بل الكبد فيجد صفاوة الطعام ويمسكها حتى تهضم فيها هضما ثانيا، فتحدث أخلاط أربعة معها مائية فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من الصفراء والسوداء، ويدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال، ثم يوزع الباقى علىالأعضاء بحبسها، فيجرى إلى كل واحد حقه على ما يليق بقدرة العزيز الحيكم. وإن كان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء الرطوبة والبرودة على مزاجها، فيدفع الزائد أولا إِلى الرحم للجنين، فإذا انفصل انصب الزائد أو بعضه للضرع، فيبيض بمجاورة لحومها البيض، فيصير لبنا أبيض، والمنفذ ينطبق من الإنسان والحيوان، فحين كمال الهضم انفتح المخرج لخروجه. وأما ما قيل من أن بعض من يوثق به شاهد خروج الدم بعد اللبن فى مبالغة الحلب فلا دليل فيه، لإمكان أن يكون، فحصول الجرح بالحلب الشديد والتثنية على ظاهر الآية مجازبة بمعنى أنه يحصل اللبن بهما.
الالوسي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً} أي معبراً يعبر به من الجهل إلى العلم، وأصل معنى العبر والعبور التجاوز من محل إلى آخر، وقال الراغب: العبور مختص بتجاوز الماء بسباحة ونحوها، والمشهور عمومه فإطلاق العبرة على ما يعتبر به لما ذكر لكنه صار حقيقة في عرف اللغة والتنكير للتفخيم أي لعبرة عظيمة {نُّسْقِيكُمْ} استئناف بياني كأنه قيل كي العبرةُ فيها؟ فقيل: نسقيكم {ممّا في بُطُونِهِ} ومنهم من قدر هنا مبتدأ وهو هي نسقيكم ولا حاجة إليه، وضمير {بُطُونِهِ} للأنعام وهو اسم جمع واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه وتأنيثه وجمعه باعتبار معناه، ولذا جاء بالوجهين في القرآن وكلام العرب كذا قيل. ونقل عن سيبويه أنه عد الأنعام مفرداً وكلامه رحمه الله تعالى متناقض ظاهراً فإنه قال في باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل ما نصه: ((وأما أجمال وفلوس فإنها تنصرف وما أشبهها لأنها ضارعت الواحد، ألا ترى أنك تقول: أقوال وأقاويل وأعراب وأعاريب وأيد وأَياد فهذه الأحرف تخرج إلى [مثال] مفاعل ومفاعيل [إذا كُسّر للجمع] كما يُخْرَج الواحد إليه إذا كُسّر للجمع، وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسّر فيُخرج الجمع إلى بناء غير هذا لأن هذا [البناء] هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت، ثم قال: وكذلك الفعول لو كُسّرت مثل الفلوس فإنك تخرجه إلى فعائل كما تقول جَدود وجَدائد ورَكوب وركائب. ولو فعلت ذلك بمفاعل ومفاعيل لم يجاوز هذا البناء، ويقوي ذلك أن بعض العرب تقول: أُتي للواحد فيضمُ الألف، وأما أفعال فقد يقع للواحد ومن العرب من يقول هو الأنعام قال جل ثناؤه: {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ} وقال أبو الخطاب. سمعت العرب تقول: هذا ثوب أكياس)) انتهى. وقال رحمه الله تعالى في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة وليس في الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعال ولا أفعل ولا أفعال إلا أن تكسر عليه أسماء للجمع انتهى، وقد اضطرب الناس في التوفيق بين كلاميه فذهب أبو حيان إلى تأويل الأول وإبقاء الثاني على ظاهره من أن أفعالاً لا يكون من أبنيته المفرد فحمل قوله أولاً وأما أفعال فقد يقع للواحد الخ: على أن بعض العرب قد يستعمله فيه مجازاً كالأنعام بمعنى النعم كما قال الشاعر:شعر : تركنا الخيل والنعم المفدى وقلنا للنساء بها أقيمي تفسير : وليس مراده أنه مفرد صيغة ووضعاً بدليل ما صرح به في الموضع الآخر من أنه لا يكون إلا جمعاً. واعترض عليه بأن مقصود سيبويه بما ذكره أولاً الفرق بين صيغتي منتهى الجموع وأفعال وفعول حيث منع الصرف للأول دون الثاني بوجوه. منها أن الأولين لا يقعان على الواحد بخلاف الآخيرين كما أوضحه فلو لم يكن وقوع أفعال على الواحد بالوضع لم يحصل الفرق فلا يتم المقصود. نعم لا كلام في تدافع كلاميه، وأيضاً لو كان كذلك لم يختص ببعضهم؛ وأيضاً إن التجوز بالجمع عن الواحد يصح في كل جمع حتى صيغتي منتهى الجموع وتعقبه الخفاجي بقوله: والحق أنه لا تدافع بين كلاميه فإنه فرق بين صيغتي منتهى الجموع والصيغتين الأخيرتين بأن الأولتين لا تجمعان والأخيرتان تجمعان فاشبهتا الآحاد ثم قوى ذلك بأن قوماً من العرب استعملت أتى وهو على وزن فعول مفرداً حقيقة، ومنهم من استعمل الأنعام وهو على وزن أفعال كذلك، وقد أشار إلى أن ذلك لغة نادرة ببعض، ومن وما ذكره بعد بناء على اللغة المتداولة، وقوله: إن مقصوده أولاً الفرق بوجوه لا وجه له كما يعرفه/ حملة الكتاب انتهى، ويعلم منه أن رجوع الضمير المفرد المذكور إلى الأنعام عند سيبويه باعتبار أنه مفرد على لغة بعض العرب ومن قال: إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض إما المقدر أي بعض الأنعام أو المفهوم منها أو للأنعام باعتبار بعضها وهو الإناث التي يكون اللبن منها أو لواحدة كما في قول ابن الحاجب: المرفوعات هو ما اشتمل على علم الفاعلية أو له على المعنى لأن أل الجنسية تسوي بين المفرد والجمع في المعنى فيجوز عود ضمير كل منهما على الآخر. وفي «البحر» أعاد الضمير مذكراً مراعاة الجنس لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده عليه مذكراً كقولهم هو أحسن الفتيان وأبتله لأنه يصح هو أحسن فتى وإن كان هذا لا ينقاس عند سيبويه؛ وقيل جمع التكثير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة ومعاملة الجمع فيعود الضمير عليه مفرداً كقوله:شعر : مثل الفراخ نتفت حواصله تفسير : وقال الكسائي: أفرد وذكر على تقدير المذكور كما يفرد اسم الإشارة بعد الجمع كقوله:شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : وهو في القرآن سائغ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} تفسير : [المدثر: 54-55] {أية : فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قالَ هَـٰذَا رَبّى } تفسير : [الأنعام: 78] ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازي فلا يجوز جاريتك ذهب. واعترض بأنه كيف جمع ـ نعم ـ وهي تختص الإبل والأنعام تقال للبقر والإبل والغنم مع أنه لو اختص كان مساوياً. وأجيب بأن من يراه جمعاً له يخص الأنعام أو يعمم النعم ويجعل التفرقة ناشئة من الاستعمال ويجعل الجمع للدلالة على تعدد الأنواع. وقرأ ابن مسعود بخلاف عنه والحسن وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن عامر ونافع وأبوبكر وأهل المدينة {نسقيكم} بفتح النون هنا وفي المؤمنين [21] على أنه مضارع سقى وهو لغة في أسقى عند جمع وأنشدوا قول لبيد:شعر : سقى قومي بني مجد وأسقى نميراً والقبائل من هلال تفسير : وقال بعض: يقال سقيته لشفته وأسقيته لماشيته وأرضه، وقيل: سقاه بمعنى رواه بالماء وأسقاه بمعنى جعله شراباً معداً له، وفيه كلام بعد فتذكر. وقرأ أبو رجاء {يسقيكم} بالياء مضمومة والضمير عائد على الله تعالى. وقال صاحب «اللوامح» ويجوز أن يكون عائداً على النعم وذكر لأن النعم مما يذكر ويؤنث، والمعنى وإن لكم في الأنعام نعماً يسقيكم أي يجعل لكم سقياً، وهو كما ترى. وقرأت فرقة منهم أبو جعفر {تسقيكم} بالتاء الفوقية مفتوحة قال ابن عطية: وهي قراءة ضعيفة انتهى، ولم يبين وجه ضعفها، وكأنه والله تعالى أعلم عنى به اجتماع التأنيث في {تسقيكم} والتذكير في {بطونه} وغفل أن مثل ذلك لا ضعفاً لأن التأنيث والتذكير باعتبار وجهين. {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا } الفرث على ما في «الصحاح» السرجين ما دام في الكرش والجمع فروث. وفي «البحر» كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش أو المعي، و {بَيْنَ} تقتضي متعدداً وهو هنا الفرث والدم فيكون مقتضى ظاهر النظم توسط اللبن بنيهما، وروى ذلك الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن البهيمة إذا اعتلفت وأنضج العلف في كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً. وروي نحوه عن ابن جبير فالبينية على حقيقتها وظاهرها وتعقب ذلك الإمام الرازي بقوله: ولقائل أن يقول: اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه الحس فإن الحيوانات تذبح دائماً ولا يرى في كرشها شيء من ذلك ولو كان تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده/ لم يجز المصير إليه بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل إلى معدته [إن كان إنساناً] وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء ثم ذلك الذي يحصل في الكبد ينطبخ ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني ويكون ذلك مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والماء إلى الكلية ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة والعروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم فيه إلى صورة اللبن، لا يقال: إن هذه المعنى حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟ لأنا نقول: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته فأوجبت أن يكون مزاج الذكر حاراً يابساً ومزاج الأنثى بارداً رطباً فإن الولد إنما يتولد في داخل بدن الأنثى فكان اللائق بها اختصاصها بالرطوبة لتصير مادة للتولد وسبباً لقبول التمدد فتتسع للولد، ثم إن تلك الرطوبة بعد انفصال الجنين تنصب إلى الضرع فتصير مادة لغذائه كما كانت كذلك قبل في الرحم، ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها وتسخير القوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه سبحانه وقدرته وحكمته وتناهي رأفته ورحمته.شعر : حكم حارت البرية فيها وحقيق بأنها تحتار تفسير : وحاصل ما ذكروه أنه إذا ورد الغذاء الكرش انطبخ فيه وتميزت منه أجزاء لطيفة تنجذب إلى الكبد فينطبخ فيها فيحصل الدم فتسري أجزاء منه إلى الضرع ويستحيل لبناً بتدبير الحكيم العليم، وحينئذ فالمراد أن اللبن إنما يحصل من بين أجزاء الفرث ثم من بين أجزاء الدم فالبينية على هذا مجازية وفي "إرشاد العقل السليم" وغيره لعل المراد بما روي عن ابن عباس أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذو البدن فإن عدم تكونهما في الكرش مما لا ريب فيه والداعي إلى ذلك مخالفة ما يقتضيه الظاهر للحس ولما ذكره الحكماء أهل التشريح. ويؤيد ما ذكروه ما أخبرني به من أثق به من أنه قد شاهد خروج الدم من الضرع بعد اللبن عند المبالغة في الحلب والله تعالى أعلم. و {مِنْ} الأولى تبعيضية لما أن اللبن بعض ما في بطون الأنعام لأنه مخلوق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث حسبما سمعت، وهي متعلقة ـ بنسقيكم ـ و {مِنْ} الثانية ابتدائية وهي أيضاً متعلقة ـ بنسقيكم ـ فإن بين الدم والفرث المحل الذي يبتدأ منه الإسقاء وتعلقهما بعامل واحد لاختلاف مدلوليهما و {لَّبَنًا} مفعول ثان ـ لنسقيكم ـ وتقديم ذلك عليه لما مر مراراً من أن تقديم ما حقه التأخير يبعث للنفس شوقاً إلى المؤخر موجباً لفضل تمكنه عند وروده عليها لا سيما إذا كان المقدم متضمناً لوصف مناف لوصف المؤخر كالذي نحن فيه، فإن بين وصفي المقدم والمؤخر تنافياً وتنائياً بحيث لا يتراآى ناراهما فإن ذلك مما يزيد الشوق والاستشراف إلى المؤخر، وجوز أن يكون {مِن بَيْنِ} حالاً من {لَّبَنًا} قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة. وجوز أن تكون {مِنْ} الأولى ابتدائية كالثانية فيكون {مِن بَيْنِ} بدل اشتمال مما تقدم. {خَالِصًا} مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه أو صافياً لا يستصحبه لون الدم ولا رائحة الفرث {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ}/ سهل المرور في حلقهم لدهنيته. أخرج ابن مردويه عن يحيى بن عبد الرحمن ابن أبـي لبيبة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما شرب أحد لبناً فشرق إن الله تعالى يقول {لبناً خالصاً سائغاً للشاربين}»تفسير : . وقرأت فرقة {سيغاً} بتشديد الياء. وقرأ عيسى بن عمر «سيغاً» مخففاً من سيغ كهين المخفف من هين. واستدل بالآية على طهارة لبن المأكول وإباحة شربه، وقد احتج بعض من يرى على أن المني طاهر على من جعله نجساً لجريه في مسالك البول بها أيضاً وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً وفي «التفسير الكبير» قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيراً انقلب به لبناً ثم دبر تدبيراً آخر حدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة؛ فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع.
ابن عاشور
تفسير : هذه حُجّة أخرى ومنّة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام، أدمج في منّتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله تبعاً لقوله تعالى: {أية : والأنعام خلقها لكم فيها دفء}تفسير : [سورة النحل: 5] إلى قوله: {أية : لرؤوف رحيم} تفسير : [سورة النحل: 7]. ومناسبة ذكر هذه النّعمة هنا أن بألبان الأنعام حياة الإنسان كما تحيا الأرض بماءِ السماء، وأن لآثار ماء السماء أثراً في تكوين ألبان الحيوان بالمرعى. واختصّت هذه العبرة بما تنبّه إليه من بديع الصّنع والحكمة في خلق الألبان بقوله: {مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً}، ثم بالتذّكير بما في ذلك من النّعمة على الناس إدماجاً للعبرة بالمنّة. فجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة} معطوفة على جملة {أية : إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} تفسير : [سورة النحل: 65]، أي كما كان القوم يسمعون عِبرة في إنزال الماء من السماء لكم في الأنعام عبرة أيضاً، إذ قد كان المخاطبون وهم المؤمنون القومَ الذين يسمعون. وضمير الخطاب التفات من الغيبة. وتوكيدها بـ {إن} ولام الابتداء كتأكيد الجملة قبلها. و{الأنعام}: اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز. والعبرة: ما يُتّعظ به ويُعتبر. وقد تقدم في نهاية سورة يوسف. وجملة {نسقيكم مما في بطونه} واقعة موقع البيان لجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة}. والبطون: جمع بطن، وهو اسم للجوف الحاوية للجهاز الهضمي كله من معدة وكبد وأمْعاء. و(من) في قوله تعالى: {مما في بطونه} ابتدائية، لأن اللبن يفرز عن العلف الذي في البطون. وما صْدَقُ «ما في بطونه» العلف. ويجوز جعلها تبْعيضية ويكون ما صْدقُ «ما في بطونه» هو اللبن اعتداداً بحالة مُروره في داخل الأجهزة الهضمية قبل انحداره في الضرع. و{من} في قوله تعالى: {من بين فرث} زائدة لتوكيد التوسّط، أي يفرز في حالة بين حالتي الفرث والدم. ووقع البيان بــــ{نسقيكم} دون أن يقال: تشربون أو نحوه، إدماجاً للمنّة مع العبرة. ووجه العبرة في ذلك أن ما تحتويه بطون الأنعام من العلف والمرعى ينقلب بالهضم في المعدة، ثم الكَبِد، ثم غدد الضرع، مائعاً يسقى وهو مفرز من بين أفراز فرث ودم. والفرث: الفضلات التي تركها الهضم المَعِدي فتنحدر إلى الأمعاء فتصير فَرثا. والدمّ: إفراز تفرزه الكبد من الغذاء المنحدر إليها ويصعد إلى القلب فتدفعه حركة القلب الميكانيئية إلى الشرايين والعروق ويبقى يَدور كذلك بواسطة القلب. وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى: {أية : حرّمت عليكم الميتة والدم} تفسير : في سورة العقود (3). ومعنى كون اللّبن من بين الفرث والدم أنه إفراز حاصل في حين إفراز الدّم وإفراز الفرث. وعلاقته بالفرث أن الدم الذي ينحدر في عروق الضرع يمرّ بجوار الفضلات البوليّة والثفلية، فتفرزه غدد الضرع لبَناً كما تفرزه غدد الكليتين بَولاً بدون معالجة زائدة، وكما تفرز تكاميش الأمعاء ثَفلاً بدون معالجة بخلاف إفراز غدد المثانة للمَنِيّ لتوقّفه على معالجة ينحدر بها الدم إليها. وليس المراد أن اللّبن يتميّع من بين طبقتيّ فرث ودم، وإنما الذي أوهم ذلك مَن تَوهمه حمْله {بينَ} على حقيقتها من ظرف المكان، وإنما هي تستعمل كثيراً في المكان المجازي فيراد بها الوسط بين مرتبتين كقولهم: الشجاعة صفة بين التهوّر والجبن. فمن بلاغة القرآن هذا التعبيرُ القريب للأفهام لكل طبقة من الناس بحسب مبالغ علمهم، مع كونه موافقاً للحقيقة. والمعنى: إفراز ليس هو بدم لأنه أليَنُ من الدم، ولأنه غير باقٍ في عروق الضرع كبقاء الدّم في العروق، فهو شبيه بالفضلات في لزوم إفرازه، وليس هو بالفضلة لأنه إفراز طاهر نافع مغذّ، وليس قذراً ضاراً غير صالح للتغذية كالبول والثفل. وموقع {من بين فرث ودم} موقع الصفة لــــ{لبناً}، قدمت عليه للاهتمام بها لأنها موضع العبرة، فكان لها مزيد اهتمام، وقد صارت بالتقديم حالاً. ولما كان اللبن يحصل في الضرع لا في البطن جعل مفعولاً لــــ{نَسقيكم}، وجعل {مما في بطونه} تبييناً لمصدره لا لمَورده، فليس اللبن مما في البطون؛ ولذلك كان {مما في بطونه} متقدماً في الذكر ليظهر أنه متعلق بفعل {نسقيكم} وليس وصفاً لِلْلّبن. وقد أحاط بالأوصاف التي ذكرناها لِلْلّبن قوله تعالى: {خالصاً سائغاً للشاربين}. فخلوصه نزاهته مما اشتمل عليه البول والثفل، وسوغه للشاربين سلامته مما يشتمل عليه الدم من المضار لمن شَربه، فلذلك لا يسيغه الشارب ويتجهّمه. وهذا الوصف العجيب من معجزات القرآن العلمية، إذ هو وصف لم يكن لأحد من العرب يومئذٍ أن يعرف دقائق تكوينه، ولا أن يأتي على وصفه بما لو وَصف به العالم الطبيعي لم يصفه بأوجز من هذا وأجمعَ. وإفراد ضمير الأنعام في قوله تعالى: {مما في بطونه} مراعاة لكون اللفظ مفرداً لأن اسم الجمع لفظ مفرد، إذ ليس من صيغ الجموع، فقد يراعى اللفظ فيأتي ضميره مفرداً، وقد يراعى معناه فيعامل معاملة الجموع، كما في آية سورة المؤمنين (21){أية : نسقيكم مما في بطونها}.تفسير : والخالص: المجرّد مما يكدّر صفاءه، فهو الصافي. والسائغ: السهل المرور في الحلق. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب {نسقيكم} ــــ بفتح النون ــــ مضارع سَقى. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ــــ بضم النون ــــ على أنه مضارع أسْقى، وهما لغتان، وقرأه أبو جعفر بمثناة فوقية مفتوحة عوضاً عن النون على أن الضمير للأنعام.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن في الأنعام عبرة دالة على تفرد من خلقها، وأخلص لبنها من بين فرث ودم- بأنه هو وحده المستحق لأن يعبد، ويطاع ولا يعصى. وأوضح هذا المعنى أيضاً في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 21]، وقوله: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}تفسير : [النحل: 5] وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [يس: 71-73]، وقوله: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}تفسير : [الغاشية: 17]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد دلت الآيات المذكورة على أن الأنعام يصح تذكيرها وتأنيثها. لأنه ذكرها هنا في قوله: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} وأنثها "في سورة (قد أفلح المؤمنون)" في قوله: {أية : نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ}تفسير : [المؤمنون: 21] ومعلوم في العربية: أن أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير نظراً إلى اللفظ، والتأنيث نظراً إلى معنى الجماعة الداخلة تحت اسم الجنس. وقد جاء في القرآن تذكير الأنعام وتأنيثها كما ذكرناه آنفاً. وجاء فيه تذكير النخل وتأنيثها. فالتذكير في قوله: {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} تفسير : [القمر: 20]. والتأنيث في قوله: {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 7]، ونحو ذلك, وجاء في القرآن تذكير السماء وتأنيثها. فالتذكير في قوله: {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18]. والتأنيث في قوله: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}تفسير : [الذاريات: 47] الآية، ونحو ذلك من الآيات. وهذا معروف في العربية، ومن شواهده قول قيس بن الحصين الحارثي الأسدي وهو صغير في تذكير النعم: شعر : في كل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه تفسير : وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم "نسقيكم" بفتح النون. والباقون بضمها، كما تقدم بشواهده "في سورة الحجر". مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى - استنبط القاضي إسماعيل من تذكير الضمير في قوله: {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}: أن لبن الفحل يفيد التحريم. وقال: إنما جيء به مذكراً لأنه راجع إلى ذكر النعم. لأن اللبن للذكر محسوب، ولذلك حديث : قضى النَّبي صلى الله عليه وسلم "أن لبن الفحل يحرم" تفسير : حيث أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس، فللمرأة السقي، وللرجل اللقاح. فجرى الاشتراك فيه بينهما اهـ. بواسطة نقل القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه: أما اعتبار لبن الفحل في التحريم فلا شك فيه، ويدل له الحديث المذكور في قصة عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس. فإنه متفق عليه مشهور. وأما استنباط ذلك من عود الضمير في الآية فلا يخلو عندي من بعد وتعسف. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية - استنبط النقاش وغيره من هذه الآية الكريمة: أن المني ليس بنجس، قالوا: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغاً خالصاً، كذلك يجوز أن يخرج المني من مخرج البول طاهراً. قال ابن العربي: إن هذا لجهل عظيم، وأخذ شنيع! اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة، ليكون عبرة. فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة. وليس المني من هذه الحالة حتّى يكون ملحقاً به، أو مقيساً عليه. قال القرطبي بعد أن نقل الكلام المذكور: قلت: قد يعارض هذا بأن يقال: وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم؟ وقد قال تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} تفسير : [الطارق: 7] وقال: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} تفسير : [النحل: 72] وهذا غاية في الامتنان. فإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول. قلنا: هو ما أردناه. فالنجاسة عارضة وأصله طاهر اهـ محل الغرض من كلام القرطبي. قال مقيدة عفا الله عنه: وأخذ حكم طهارة المني من هذه الآية الكريمة لا يخلو عندي من بعد. وسنبين إن شاء الله حكم المني: هل هو نجس أو طاهر، وأقوال العلماء في ذلك، مع مناقشة الأدلة. اعلم - أن في مني الإنسان ثلاثة أقوال للعلماء: الأول - أنه طاهر، وأن حكمه حكم النخامة والمخاط. وهذا هو مذهب الشافعي، وأصح الروايتين عن أحمد، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وحكاه العبدري وغيره عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم. كما نقله النووي في "شرح المهذب" وغيره. القول الثاني - أنه نجس، ولا بد في طهارته من الماء سواء كان يابساً أو رطباً. وهذا هو مذهب مالك، والثوري والأوزاعي. القول الثالث - أنه نجس، ورطبه لا بد له من الماء، ويابسه لا يحتاج إلى الماء بل يطهر بفركه من الثوب حتّى يزول منه. وهذا هو مذهب أبي حنيفة. واختار الشوكاني في (نيل الأوطار): أنه نجس، وأن إزالته لا تتوقف على الماء مطلقاً. أما حجة من قال إنه طاهر كالمخاط فهي بالنص والقياس معاً، ومعلوم في الأصول: أن القياس الموافق للنص لا مانع منه، لأنه دليل آخر عاضد للنص، ولا مانع من تعاضد الأدلة. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يذهب فيصلي فيه". أخرجه مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة والإمام أحمد. قالوا: فركها له يابساً، وصلاته في الثوب من غير ذكر غسل - دليل على الطهارة. وفي رواية عند أحمد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه. وفي رواية عن عائشة عند الدارقطني: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً" وعن إسحاق بن يوسف قال: حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، "حديث : عن ابن عباس قال: سئل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب فقال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة ". تفسير : قال صاحب (منتقى الأخبار) بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا: رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. قلت: وهذا لا يضر. لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته. قال مقيده عفا الله عنه: ما قاله الإمام المجد رحمه الله (في المنتقى) من قبول رفع العدل وزيادته، هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بيناه مراراً، إلى غير ذلك من الأحاديث في فرك المني وعدم الأمر بغسله. وأما القياس العاضد للنص فهو من وجهين: أحدهما - إلحاق المني بالبيض. بجامع أن كلاً منهما مائع يتخلق منه حيوان حي طاهر، والبيض طاهر إجماعاً. فيلزم كون المني طاهراً أيضاً. قال مقيده عفا الله عنه: هذا النوع من القياس هو المعروف بالقياس الصوري، وجمهور العلماء لا يقبلونه، ولم يشتهر بالقول به إلا إسماعيل بن علية. كما أشار له في مراقي السعود بقوله: شعر : وابن علية يرى للصوري كالقيس للخيل على الحمير تفسير : وصور القياس الصوري المختلف فيها كثيرة. كقياس الخيل على الحمير في سقوط الزكاة، وحرمة الأكل للشبه الصوري. وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان الطاهر من كل منهما في طهارته. وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب أو الندب لتشابههما في الصورة. وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في الوجوب لتشبهها بها في الصورة. وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم. وكإلحاق خنزير البحروكلبه بخنزير البر وكلبه، إلى غير ذلك من صوره الكثيرة المعروفة في الأصول. واستدل من قال بالقياس الصوري - بأن النصوص دلت على اعتبار المشابهة في الصورة في الأحكام. كقوله: {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ}تفسير : [المائدة: 95]. والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور. وكبدل القرض فإنه يرد مثله في الصورة. وقد استسلف صلى الله عليه وسلم بكراً ورد رباعياً كما هو ثابت في الصحيح. وكسروره صلى الله عليه وسلم بقول القائف المدلجي في زيد بن حارثة وابنه أسامة: هذه الأقدام بعضها من بعض. لأن القيافة قياس صوري، لأن اعتماد القائف على المشابهة في الصورة. الوجه الثاني من وجهي القياس المذكور - إلحاق المني بالطين، بجامع أن كلاً منهما مبتدأ خلق بشر. كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً}تفسير : [المؤمنون: 12-13] الآية. فإن قيل: هذا القياس يلزمه طهارة العلقة، وهي الدم الجامد. لأنها أيضاً مبتدأ خلق بشر. لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} تفسير : [المؤمنون: 14] والدم نجس بلا خلاف. فالجواب - أن قياس الدم على الطين في الطهارة فاسد الاعتبار، لوجود النص بنجاسة الدم. أما قياس المني على الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني. وأما حجة من قال بأن المني نجس فهو بالنص والقياس أيضاً. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يخرج إلى الصَّلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء". متفق عليه. قالوا: غسلها له دليل على أنه نجس. وفي رواية عند مسلم حديث : عن عائشة بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصَّلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه" . تفسير : قال مقيده عفا الله عنه: وهذه الرواية الثابتة في صحيح مسلم تقوي حجة من يقول بالنجاسة. لأن المقرر في الأصول: أن الفعل المضارع بعد لفظة "كان" يدل على المداومة على ذلك الفعل، فقول عائشة في رواية مسلم هذه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل" تدل على كثرة وقوع ذلك منه، ومداومته عليه، وذلك يشعر بتحتم الغسل. وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضاً: أن رجلاً نزل بها فأصبح يغسل ثوبه. فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه. فإن لم تر، نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلِّي فيه. اهـ قالوا: هذه الرواية الثابته في الصحيح عن عائشة صرحت فيها: بأنه إنما يجزئه غسل مكانه. وقد تقرر في الأصول (في مبحث دليل الخطاب) وفي المعاني (في مبحث القصر): أن "إنما" من أدوات الحصر. فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل. فدل ذلك على أن الفرك لا يجزىء دون الغسل، إلى غير ذلك من الأحاديث الدلة على غسله. وأما القياس - فقياسهم المني على البول والحيض، قالوا ولأنه يخرج من مخرج البول، ولأن المذي جزء من المني. لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة. وأما حجة من قال: أنه نجس، وإن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند الدار قطني الذي قدمناه آنفاً: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً". وقال المجد (في منتقى الأخبار) بعد أن ساق هذه الرواية ما نصه: قلت: فقد بان من مجموع النصوص جواز الأمرين. قال: مقيده عفا الله عنه: إيضاح الاستدلال بهذا الحديث لهذا القول: أن الحرص على إزالة المني بالكلية دليل على نجاسته، والاكتفاء بالفرك في يابسه يدل على أنه لا يحتاج إلى الماء. ولا غرابة في طهارة متنجس بغير الماء. فإن ما يصيب الخفاف والنعال من النجاسات المجمع على نجاستها يطهر بالدلك حتى تزول عينه، ومن هذا القبيل قول الشوكاني: إنه يطهر مطلقاً بالإزالة دون الغسل، لما جاء في بعض الروايات من سلت رطبه بإذخرة ونحوها. ورد من قال: إن المني طاهر احتجاج القائلين بنجاسته، بأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فلا ملازمة بين الغسل والتنجيس لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين ونحوه يصيب البدن أو الثوب. قالوا: ولم يثبت نقل بالأمر بغسله، ومطلق الفعل لا يدل على شيء زائد على الجواز. قال ابن حجر (في التلخيص): وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحة، رواه ابن الجارود (في المنتقى) عن محسن بن يحيى، عن أبي حذيفة عن سفيان، عن منصور، عن ابراهيم، عن همام بن الحارث قال: كان عند عائشة ضيف فأجنب، فجعل يغسل ما أصابه. فقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بحته - إلى أن قال: وأما الأمر بغسله فلا أصل له. وأجابوا عن قول عائشة: "إنما يجزئك أن تغسل مكانه" لحمله على الاستحباب، لأنها احتجت بالفرك. قالوا: فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما أرادت الإنكار عليه في غسل كل الثوب فقالت: "غسل كل الثوب بدعة منكرة، وإنما يجزئك في تحصيل الأفضل والأكمل أن تغسل مكانه..." الخ. وأجابوا عن قياس المني على البول والدم بأن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين أشبه، بخلاف البول والدم. وأجابوا عن خروجه من مخرج البول بالمنع، قالوا: بل مخرجهما مختلف، وقد شق ذكر رجل بالروم، فوجد كذلك، لا ننجسه بالشك. قالوا: ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة. لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر. وأجابوا عن دعوى أن المذي جزء من المني بالمنع أيضاً قالوا: بل هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية الخروج. لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، وأما المذي فعكسه، ولهذا من به سلس المذي لا يخرج منه شيء من المذي. وهذه المسألة فيها للعلماء مناقشات كثيرة، كثير منها لا طائل تحته. وهذا الذي ذكرنا فيها هو خلاصة أقوال العلماء وحججهم. قال مقيده عفا الله عنه: أظهر الأقوال دليلاً في هذه المسألة عندي والله أعلم - حديث : أن المني طاهر. لما قدمنا من حديث إسحاق الأزرق، عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة"تفسير : . وهذا نص في محل النزاع. وقد قدمنا عن صاحب (المنتقى) أن الدارقطني قال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، وأنه هو قال: قلت: وهذا لا يضر لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته.انتهى. وقد قدمنا مراراً:أن هذا هو الحق. فلو جاء الحديث موقوفاً من طريق، وجاء مرفوعاً من طريق أخرى صحيحة حكم برفعه. لأن الرفع زيادة، وزيادات العدول مقبولة، قال في مراقي السعود:- شعر : والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبوله عند إمام الحفظ - إلخ تفسير : وبه تعلم صحة الاحتجاج برواية إسحاق المذكور المرفوعة، ولا سيما أن لها شاهداً من طريق أخرى. قال ابن حجر (في التلخيص) ما نصه: فائدة: - روى الدارقطني، والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: سئل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب؟ قال:"حديث : إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق - وقال - إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة وإذخرة"تفسير : ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعاً، ورواه هو البيهقي من طريق عطاء عن ابن عباس موقوفاً، قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح انتهى. فقد رأيت الطريق الأخرى المرفوعة من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد عن ابن عباس، وهي مقوية لطريق إسحاق الأزرق المتقدمة. واعلم أن قول البيهقي رحمه الله: والموقوف هو الصحيح لا يسقط به الاحتجاج بالرواية المرفوعة. لأنه يرى أن وقف الحديث من تلك الطريق علة في الطريق المرفوعة. وهذا قول معروف لبعض العلماء من أهل الحديث والأصول، ولكن الحق: أن الرفع زيادة مقبولة من العدل، وبه تعلم صحة الاحتجاج بالرواية المرفوعة عن ابن عباس في طهارة المني، وهي نص صريح في محل النزاع، ولم يثبت في نصوص الشرع شيء يصرح بنجاسة المني. فإن قيل: أخرج البزار، وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما، وابن عدي في الكامل، والدارالقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء، وأبو نعيم في المعرفة من حديث"حديث : عمار بن ياسر رضي الله عنهما: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مر بعمار فذكر قصة، وفيها: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء يا عمار. ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء ". تفسير : فالجواب - أن في إسناده ثابت بن حماد، عن علي بن زيد بن جدعان، وضعفه الجماعة المذكورون كلهم إلا أبا يعلى بثابت بن حماد، واتهمه بعضهم بالوضع. وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه وقال البزار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث. وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع. قاله ابن حجر في (التلخيص). ثم قال: قلت ورواه البزار، والطبراني من طريق ابراهيم بن زكريا العجلي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد. انتهى. وبهذا تعلم أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على نجاسة المني والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة - قال القرطبي: في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره. فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به. لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس. وذلك أن ضرع الميتة نجس، واللبن طاهر. فإذا حلب صار مأخوذاً من وعاء نجس. فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الإنسان طاهر حياً وميتاً فهو طاهر. ومن قال: ينجس بالموت فهو نجس. وعلى القولين جميعاً تثبت الحرمة. لأن الصبي قد يتغذى به كما يتغذى من الحية. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم"تفسير : ولم يخص - انتهى كلام القرطبي.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْعَامِ} {سَآئِغاً} {لِلشَّارِبِينَ} (66) - وَإِنَّ لَكُمْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فِي الأَنْعَامِ لآيَةً وَعِبْرَةً، وَدَلاَلَةً عَلَى حِكْمَةِ الخَالِقِ، وَرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ. فَهُوَ تَعَالَى يَسْقِي النَّاسَ مِمَّا فِي بُطُونِ هذِهِ الأَنْعَامِ لَبَناً خَالِصاً صَافِياً، طَيِّبَ المَذَاقِ وَالطَّعْمِ، لاَ يَغَصُّ بِهِ شَارِبٌ، وَلاَ تَشْمَئِزُّ مِنْهُ نَفْسُهُ (سَائِغاً)، بَعْدَ أَنْ يَتَحَوَّلَ طَعَامُ الحَيَوَانِ فِي بَطْنِهِ إِلَى دَمٍ وَلَبَنٍ وَفَضَلاتٍ (فَرْثٍ)، فَيَجْرِي كُلٌّ إِلَى مَوْضِعِهِ خَالِصاً لاَ يَشُوبُهُ الآخَرُ وَلاَ يُخَالِطُهُ، وَلاَ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِ. فَرْثٌ - مَا فِي الكَرْشِ مِنَ الثُّفْلِ. لَعِبْرَةً - لَعِظَةً وَدَلاَلَةً عَلَى قُدْرَةِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الكون الذي خلقه الله تعالى فيه أجناس متعددة، أدناها الجماد المتمثل في الأرض والجبال والمياه وغيرها، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان. وفي الآية السابقة أعطانا الحق - تبارك وتعالى - نموذجاً للجماد الذي اهتزَّ بالمطر وأعطانا النبات، وهنا تنقلنا هذه الآية إلى جنس أعلى وهو الحيوان. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ..} [النحل: 66]. والمقصود بالأنعام: الإبل والبقر والغنم والماعز، وقد ذُكِرتْ في سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [الأنعام: 143-144]. هذه هي الأنعام. وقوله سبحانه: {لَعِبْرَةً} العِبْرة: الشيء الذي تعتبرون به، وتستنجون منه ما يدلكم على قدرة الصانع الحكيم سبحانه وتعالى، وتأخذون من هذه الأشياء دليلاً على صِدْق منهجه سبحانه فتصدقونه. ومن معاني العبرة: العبور والانتقال من شيء لآخر .. أي: أن تأخذ من شيء عبرة تفيد في شيء آخر. ومنها العَبْرة (الدمعة)، وهي: شيء دفين نبهْتَ عنه وأظهرتَهُ. والمراد بالعبرة في خلق الأنعام: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66]. مادة: سقى جاءت في القرآن مرة "سقى". ومرة "أَسْقى"، وبعضهم قال: إن معناهما واحد، ولكن التحقيق أن لكل منهما معنًى، وإن اتفقا في المعنى العام. سقى: كما في قوله تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21]. أي: أعطاهم ما يشربونه .. ومضارعه يَسقي. ومنها قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {أية : فَسَقَىٰ لَهُمَا ..} تفسير : [القصص: 24]. أما أسقى: كما في قوله تعالى: {أية : فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} تفسير : [الحجر: 22]. فمعناه أنه سبحانه أنزل الماء من السماء لا يشربه الناس في حال نزوله، ولكن ليكون في الأرض لمن أراد أنْ يشربَ .. فالحق تبارك وتعالى لم يفتح أفواه الناس أثناء نزول المطر ليشربوا منه .. لا .. بل هو مخزون في الأرض لمن أراده. والمضارع من أَسْقى: يُسقي. إذن: هناك فَرْق بين الكلمتين، وإنِ اتفقنا في المعنى العام .. وفرْق بين أن تُعطي ما يُستفَادُ منه في ساعته، مثل قوله: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ ..} تفسير : [الإنسان: 21]. وبين أنْ تعطي ما يمكن الاستفادة منه فيما بعد كما في قوله: {أية : فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ..} تفسير : [الحجر: 22]. لذلك يقولون: إن الذي يصنع الخير قد يصنعه عاجلاً، فيعطي المحتاج مثلاً رغيفاً يأكله، وقد يصنعه مؤُجّلاً فيعطيه ما يساعده على الكسْب الدائم ليأكل هو متى يشاء من كسْبه. والحق - تبارك وتعالى - أعطانا هذه الفكرة في سورة الكهف، في قصة ذي القرنين، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} تفسير : [الكهف: 93]. فما داموا لا يفقهون قَوْلاً .. فكيف تفاهم معهم ذو القرنين، وكيف قالوا: {أية : يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} تفسير : [الكهف: 94]. نقول: الذي يريد أن يفعل الخير والمعروف يسعى إليه ويحتال للوصول إليه وكأنه احتال أنْ يفهمهم، وصبر عليهم حتى توصّل إلى طريقة للتفاهم معهم، في حين أنه كان قادراً على ترْكهم والانصراف عنهم، وحُجّته أنهم لا يفقهون ولا يتكلمون. فلما أراد ذو القرنين أن يبني لهم السد لم يَبْنِ هو بنفسه، بل علَّمهم كيف يكون البناء، حتى يقوموا به بأنفسهم متى أرادوا ولا يحتاجون إليه .. فقال: {أية : آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} تفسير : [الكهف: 96]. إذن: علَّمهم وأحسن إليهم إحساناً دائماً لا ينتهي. وقوله: {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ..} [النحل: 66]. أي: مما في بطون الأنعام، فقد ذكَّر الضمير في (بطونه) باعتبار إرادة الجنس. وقد أراد الحق سبحانه أن يخرج هذا اللبن: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً ..} [النحل: 66]. والفَرْث في كرش الحيوان من فضلات طعامه. فالعبرة هنا أن الله تعالى أعطانا من بين الفَرْث، وهو رَوَثُ الأنعام وبقايا الطعام في كرشها، وهذا له رائحة كريهة، وشكل قذر مُنفّر، ومن بين دم، والدم له لونه الأحمر، وهو أيضاً غير مُسْتساغ؛ ومنهما يُخرِج لنا الخالق سبحانه لبناً خالصاً من الشوائب نقياً سليماً من لون الدم ورائحة الفَرْث. ومَنْ يقدر على ذلك إلا الخالق سبحانه؟ ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله واصفاً هذا اللبن: {لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66]. أي: يسيغه شاربه ويستلذّ به، ولا يُغَصُّ به شاربه، بل هو مُسْتساغ سَهْل الانزلاق أثناء الشُّرْب؛ لأن من الطعام أو الشراب ما يحلو لك ويسُوغ وتهنأ به، ولكنه قد لا يكون مريئاً. ولذلك، فالحق سبحانه يقول: {أية : فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. هنيئاً أي: تستلِذّون به، ومريئاً: أي نافعاً للجسم، يمري عليك؛ لأنك قد تجد لَذة في شيء أثناء أَكْله أو شُرْبه، ثم يسبِّب لك متاعب فيما بَعْد، فهو هَنِيءٌ ولكنه غير مَرِيء. فاللبن من نِعَم الله الدالة على قدرته سبحانه، وفي إخراجه من بين فَرْث ودم عبرة وعِظَة، وكأن الحق سبحانه يعطينا هذه العبرة لينقلنا من المعنى الحسيِّ الذي نشاهده إلى المعنى القيميّ في المنهج، فالذي صنع لنا هذه العبرة لإصلاح قالبنا قادرٌ على أن يصنعَ لنا من المنهج ما يُصلِح قلوبنا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِن ثَمَرَاتِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الأنعام وبالعبرة من الأنعام بقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [النحل: 66] الإيقان في قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [النحل: 66] إشارة إلى اعتبار العاقل فيما سقاه الله مما في بطون أنعام النفوس فإنها {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل: 66] كالأنعام {مِن بَيْنِ فَرْثٍ} [النحل: 66] الخواطر الشيطانية {وَدَمٍ} [النحل: 66] الخواطر النفسانية {لَّبَناً خَالِصاً} [النحل: 66] من الإلهام الرباني {سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] جائزاً لأهل الشرب على الصراط المستقيم من غير تلعثم. {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ} [النحل: 67] أي: نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ} [النحل: 67] من ثمراتها أي: من ثمرات الطاعات المجاهدات، وهي المكاشفات والمشاهدات ووقائع أرباب الطلب وأحوالهم العجيبة {سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} [النحل: 67] السكر: ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأقوال رياءً وسمعةً وشهرةً، والرزق الحق ما يكون: شعر : شربت الحبَّ كأسًا بعد كأس فما نفدَ الشرابُ وما رويتُ تفسير : وقالوا: شعر : سَقاني شربةً أحيا فؤادي بكأس الحبِّ من بحرِ الودادِ تفسير : {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} [النحل: 67] أي: في ذلك الاعتبار {لآيَةً} [النحل: 67] دلالة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67] يدركون بالعقل إشارات الحق من كلماته ويفهمونها. ثم أخبر عن فهم النحل حين ألهمها مع عدم العقل بقوله: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ} [النحل: 68] إلى قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 74] وفي قوله: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} إشارة إلى أن تصرف كل حيوان في الأشياء مع كثرتها واختلاف أنواعها إنما هو تصرف الله تعالى وإلهامه على قانون حكمته وإرادته القديمة؛ لأمر طبعه وهواه. وإنما خص النحل بالوهي وهو الإلهام والرشد من بين سائر الحيوانات لأنها أشبه شيء بالإنسان لا بأهل السلوك، فإن من دأبهم وهجرانهم {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} اعتزالاً عن الخلق وتبتلاً إلى الله، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحنث إلى حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، وأن من شأنهم النظافة في المواضع والملبوس والمأكول كذلك النحل من نظافتها تضع ما في بطنها على الحجر الصافي أو على خشب نظيف؛ لئلا يخالطه طين أو تراب ولا يقعد على جيفة ولا على نجاسة احترازاً عن التلوث كما يتحترز الإنسان عنه، وفيه إشارة أخرى إلى أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً {وَمِنَ ٱلشَّجَرِ} القلوب {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68]. وقال للسالكين: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} تفسير : [المؤمنون: 51] يعني: قال للأرواح {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} [النحل: 69] فثمرات البدن: الأعمال الصالحة، وثمرات النفوس: الرياضات والمجاهدات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب: ترك الدنيا وطلب العقبى، والتوجه إلى حضرة المولى، وثمرات الأسرار: شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، فهذه كلها أغذية الأرواح فإنها قوتها {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} أي: مذللة ومستهلة لها لتسلك فيها إلى أن تصل مقعد صدق عند مليكها فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها فحينئذٍ {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} [النحل: 69] من الحكم والمواعظ {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [النحل: 69] من المعاني والأسرار والدقائق في الحقائق والمعارف {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] أي: للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله، {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} [النحل: 69] أي: أحوال النحل {لآيَةً} [النحل: 69] دلالة {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69] فيها فيخرجون منها أسرار السلوك والوصول. ثم قال: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ} [النحل: 70] أي: أخرجكم من العدم إلى الوجود {ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} [النحل: 70] أي: يرجعكم من الوجود إلى العدم فيه إشارة إلى الفناء بإفنائه {مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} [النحل: 70] يشير إلى البقاء بإبقائه بعد الإفناء {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} [النحل: 70] أي: لتكون عاقبة أمره ألا يعلم بعد فناء علمه شيئاً بعلمه؛ بل يعلم بربه الأشياء كما هي {ٱللَّهَ عَلِيمٌ} [النحل: 70] بها {قَدِيرٌ} [النحل: 70] على أن يجعله عليماً بها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ } التي سخرها الله لمنافعكم { لَعِبْرَةً } تستدلون بها على كمال قدرة الله وسعة إحسانه حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم، فأخرج من بين ذلك لبنا خالصا من الكدر سائغا للشاربين للذته ولأنه يسقي ويغذي، فهل هذه إلا قدرة إلهية لا أمور طبيعية. فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح لبنا خالصا سائغا للشاربين؟ وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد، ومصالح من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريًّا ونضيجا وحاضرا ومدخرا وطعاما وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها، ومن السكر الذي كان حلالا قبل ذلك، ثم إن الله نسخ حلَّ المسكرات، وأعاض عنها بالطيبات من الأنبذة، وأنواع الأشربة اللذيذة المباحة. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } عن الله كمال اقتداره حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة وعلى شمول رحمته حيث عم بها عباده ويسرها لهم وأنه الإله المعبود وحده حيث إنه المنفرد بذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):