١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ} قال الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون؛ فحذف «ما» ودلّ على حذفه قوله: «منه». وقيل: المحذوف شيء، والأمر قريب. وقيل: معنى «منه» أي منْ المذكور، فلا يكون في الكلام حذف وهو أولى. ويجوز أن يكون قوله: «ومِن ثمراتِ» عطفاً على «الأنعام»؛ أي ولكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة. ويجوز أن يكون معطوفاً على «مما» أي ونسقيكم أيضاً مشروبات من ثمرات. الثانية ـ قوله تعالى: {سَكَراً} السَّكَر ما يُسْكِر؛ هذا هو المشهور في اللغة. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر. وأراد بالسَّكَر الخمر، وبالرزق الحسن جميعَ ما يؤكل ويشرب حلالاً من هاتين الشجرتين. وقال بهذا القول ابن جُبير والنَّخعِيّ والشَّعبِيّ وأبو ثور. وقد قيل: إن السَّكَر الخَلُّ بلغة الحبشة، والرزق الحسن الطعام. وقيل: السكر العصير الحلو الحلال، وسُمِّيَ سَكَراً لأنه قد يصير مسكراً إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. قال ابن العربي: «أسَدّ هذه الأقوال قولُ ابن عباس، ويخرج ذلك على أحد معنيين، إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، وإما أن يكون المعنى: أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما حرّم الله عليكم اعتداء منكم، وما أحل لكم اتفاقاً أو قصداً إلى منفعة أنفسكم. والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة؛ فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء، وتحريم الخمر مدني». قلت: فعلى أن السَّكَر الخَلُّ أو العصير الحلو لا نسخ، وتكون الآية محكمة وهو حسن. قال ابن عباس: الحبشة يسمّون الخلّ السَّكَر، إلا أن الجمهور على أن السكر الخمر، منهم ابن مسعود وابن عمر وأبو رزين والحسن ومجاهد وابن أبي لَيْلى والكَلْبِيّ وغيرهم ممن تقدّم ذكرهم، كلهم قالوا: السَّكر ما حرمه الله من ثمرتيهما. وكذا قال أهل اللغة: السكَر اسم للخمر وما يُسكر، وأنشدوا:شعر : بئس الصُّحاة وبئس الشَّربُ شَربهُم إذا جرى فيهم المُزّاء والسّكَر تفسير : والرزق الحسن: ما أحله الله من ثمرتيهما. وقيل: إن قوله «تتخذُون مِنه سَكَراً» خبرٌ معناه الاستفهام بمعنى الإنكار؛ أي أتتخذون منه سكراً وتَدعون رزقاً حسناً الخلَّ والزبيبَ والتمر؛ كقوله: {فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} أي أفهم الخالدون. والله أعلم. وقال أبو عبيدة: السكَر الطُّعم، يقال: هذا سَكَر لك أي طُعم. وأنشد:شعر : جعلـتَ عَيْـبَ الأكْرَمِين سَكَـراً تفسير : أي جعلتَ ذمهم طُعماً. وهذا اختيار الطبري أن السّكَر ما يُطعم من الطعام وحَلّ شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف والمعنى واحد؛ مثل {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف:86] وهذا حسن ولا نسخ، إلا أن الزجاج قال: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على خلافه، ولا حجة له في البيت الذي أنشده؛ لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس. وقال الحنفيون: المراد بقوله: «سَكَراً» ما لا يُسكر من الأنبذة؛ والدليل عليه أن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلَّل لا بمحرَّم، فيكون ذلك دليلاً على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز، وعَضَدوا هذا من السنة بما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : حرم الله الخمر بعينها والسّكر من غيرها»تفسير : . وبما رواه عبد الملك بن نافع حديث : عن ابن عمر قال: رأيت رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الركْن، ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديداً فردّه إلى صاحبه، فقال له حينئذ رجل من القوم: يا رسول الله، أحرام هو؟ فقال: «عليّ بالرجل» فأتِي به فأخذ منه القدح، ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه فقطّب، ثم دعا بماء أيضاً فصبّه فيه ثم قال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية فاكسروا متُونها بالماء»تفسير : . وروي: أنه عليه السلام كان يُنْبَذ له فيشربه ذلك اليوم، فإذا كان من اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخادمَ إذا تغيّر، ولو كان حراماً ما سقاه إياه. قال الطحاوي: وقد روى أبو عَون الثَّقَفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والسّكر من كل شراب؛ خرجه الدارقطنيّ أيضاً. ففي هذا الحديث وما كان مثله، أن غير الخمر لم تحرم عينه كما حرمت الخمر بعينها. قالوا: والخمر شراب العنب لا خلاف فيها، ومن حجتهم أيضاً ما رواه شُريك بن عبد الله، حدثنا أبو أسحاق الهمَداني عن عمرو بن ميمون قال قال عمر بن الخطاب: إنا نأكل لحوم هذه الإبل وليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ. قال شريك: ورأيت الثّورِيَ يشرب النبيذ في بيت حَبْر أهل زمانه مالك بن مِعول. والجواب أن قولهم: إن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده ولا يكون امتنانه إلا بما أحل فصحيح؛ بَيْد أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر كما بيناه فيكون منسوخاً كما قدمناه. قال ابن العربيّ: إن قيل كيف ينسخ هذا وهو خبر والخبر لا يدخله النسخ، قلنا: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقيّ أو عن إعطاء ثواب فضلاً من الله فهو الذي لا يدخله النسخ، فأما إذا تضمن الخبر حكماً شرعياً فالأحكام تتبدّل وتنسخ، جاءت بخبر أو أمر، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ وإنما يرجع إلى ما تضمنه، فإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصّنف الغبيّ الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 101]. المعنى أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء ويكلف ما يشاء، ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أمّ الكتاب. قلت: هذا تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم بالكفار، والمسألة أصولية، وهي أن الأخبار عن الأحكام الشرعية هل يجوز نسخها أم لا؟ أختلف في ذلك، والصحيح جوازه لهذه الآية وما كان مثلها، ولأن الخبر عن مشروعية حكم مّا يتضمن طلب ذلك المشروع، وذلك الطلب هو الحكم الشرعيّ الذي يُستدلّ على نسخه. والله أعلم. وأما ما ذكروا من الأحاديث فالأول والثاني ضعيفان؛ لأنه عليه السلام قد روي عنه بالنقل الثابت أنه قال: «حديث : كل شراب أسكر فهو حرام» تفسير : وقال: «حديث : كل مسكر خمرٌ وكل مسكر حرام» تفسير : وقال: «حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام». تفسير : قال النَّسائيّ: وهؤلاء أهل الثَّبَت والعدالة مشهورون بصحة النقل، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده من أشكاله جماعة، وبالله التوفيق. وأما الثالث وإن كان صحيحاً فإنه ما كان يسقيه للخادم على أنه مسكر، وإنما كان يسقيه لأنه متغير الرائحة. وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه الرائحة، فلذلك لم يشربه، ولذلك تحيّل عليه أزواجه في عسل زينب بأن قيل له: إنا نجد منك ريحَ مغافِير، يعني ريحاً منكرة، فلم يشربه بعدُ. وسيأتي في التحريم. وأما حديث ابن عباس فقد روي عنه خلاف ذلك من رواية عطاء وطاوس ومجاهد أنه قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام، ورواه عنه قيس بن دينار. وكذلك فُتياه في المسكر؛ قاله الدَّارَقُطْنِيّ. والحديث الأول رواه عنه عبد الله بن شدّاد وقد خالفه الجماعة، فسقط القول به مع ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما ماروي عن عمر من قوله: ليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ، فإنه يريد غير المسكر بدليل ما ذكرنا. وقد روى النَّسائيّ عن عتبة بن فَرْقَد قال: كان النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب قد خُلّل. قال النَّسائيّ: ومما يدل على صحة هذا حديثُ السائب، قال الحارث بن مِسْكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم: حدثني مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد، أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطِّلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان مسكراً جلدته، فجلده عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحدّ تاماً. وقد قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّا بعد، أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل. وقد تقدم في «المائدة». فإن قيل: فقد أحلّ شربه إبراهيم النَّخَعِيّ وأبو جعفر الطحاويّ وكان إمام أهل زمانه، وكان سفيان الثوري يشربه. قلنا: ذكر النَّسائيّ في كتابه أن أوّل من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعيّ، وهذه زلة من عالم وقد حذرنا من زلة العالم، ولا حجة في قول أحد مع السنة. وذكر النسائيّ أيضاً عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحاً إلا عن إبراهيم. قال أبو أسامة: ما رأيت رجلاً أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك الشامات ومصر واليمن والحجاز. وأما الطحاويّ وسفيان لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما على من خالفهما من الأئمة في تحريم المسكر مع ما ثبت من السنة؛ على أن الطحاويّ قد ذكر في كتابه الكبير في الاختلاف خلافَ ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد له: قال أبو جعفر الطحاويّ اتفقت الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغَلىَ وقَذف بالزّبَد فهو خمر ومستحلّه كافر. واختلفوا في نَقِيع التمر إذا غلى وأسكر. قال: فهذا يدلّك على أن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب» تفسير : غير معمول به عندهم؛ لأنهم لو قبلوا الحديث لأكفروا مستحلّ نقيع التمر؛ فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرّمة غيرُ عصير العنب الذي قد اشتدّ وبلغ أن يسكر. قال: ثم لا يخلو من أن يكون التحريم معلّقاً بها فقط غير مقيس عليها غيرها أو يجب القياس عليها، فوجدناهم جميعاً قد قاسوا عليها نقيع التمر إذا غَلى وأسكر كثيره وكذلك نقيع الزبيب. قال: فوجب قياساً على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة. قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كل مسكر حرام» تفسير : واستغنى عن سنده لقبول الجميع له، وإنما الخلاف بينهم في تأويله، فقال بعضهم: أراد به جنس ما يسكر. وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده كما لا يسمى قاتلاً إلا مع وجود القتل. قلت: فهذا يدل على أنه محرم عند الطحاوي لقوله، فوجب قياساً على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة. وقد روى الدَّارَقُطْنيّ في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن الله لم يحرّم الخمر لاسمها وإنما حرّمها لعاقبتها، فكلُّ شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر فهو حرام كتحريم الخمر. قال ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في الشيء وجب ردّ ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وما رُوي عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين: إما مخطىء أخطأ في التأويل على حديث سمعه، أو رجل أتى ذنباً لعلّه أن يكثر من الاستغفار لله تعالى، والنبيّ صلى الله عليه وسلم حجة الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة. وقد قيل في تأويل الآية: إنها إنما ذكرت للاعتبار، أي من قدر على خلق هذه الأشياء قادر على البعث، وهذا الاعتبار لا يختلف بأن كانت الخمر حلالاً أو حراماً، فاتخاذ السَّكَر لا يدل على التحريم، وهو كما قال تعالى: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ } متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما، وقوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } استئناف لبيان الإِسقاء أو بـ{تَتَّخِذُونَ }، ومنه تكرير للظرف تأكيداً أو خبر لمحذوف صفته {تَتَّخِذُونَ }، أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه، وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف الذي هو العصير، أو لأن الـ {ثَمَرٰتِ } بمعنى الثمر والـ {ـسكر} مصدر سمي به الخمر. {وَرِزْقًا حَسَنًا} كالتمر والزبيب والدبس والخل، والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة. وقيل الـ {سكر} النبيذ وقيل الطعم قال:شعر : جَعَلْـتُ أَعْـرَاضَ الكِـرَامِ سُكْـراً تفسير : أي تنقلت بأعراضهم. وقيل ما يسد الجوع من السكر فيكون الرزق ما يحصل من أثمانه. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات. {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } ألهمها وقذف في قلوبها، وقرىء {إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } بفتحتين. {أَنِ ٱتَّخِذِي} بأن اتخذي ويجوز أن تكون {أن} مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول، وتأنيث الضمير على المعنى فإن النحل مذكر. {مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} ذكر بحرف التبعيض لأنها لا تبني في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش من كرم أو سقف، ولا في كل مكان منها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتاً تشبيهاً ببناء الإنسان، لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها أحذق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة، ولعل ذكره للتنبيه على ذلك وقرىء {بُيُوتًا } بكسر الباء، وقرأ ابن عامر وأبو بكر {يَعْرُِشُونَ} بضم الراء. {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ } من كل ثمرة تشتهينها مرها وحلوها. {فَٱسْلُكِي} ما أكلت. {سُبُلَ رَبّكِ } في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً من أجوافك، أو {فَٱسْلُكِي} الطرق التي ألهمك في عمل العسل، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك {سُبُلَ رَبّكِ} لا تتوعر عليك. ولا تلتبس. {ذُلُلاً} جمع ذلول وهي حال من السبل، أي مذللة ذللها الله تعالى وسهلها لك، أو من الضمير في أسلكي أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به. {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس، لأنه محل الإِنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم. {شَرَابٌ } يعني العسل لأنه مما يشرب، واحتج به من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلاً، ثم تقىء ادخاراً للشتاء، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادخاراً فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل فسر البطون بالأفواه. {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف سن النحل والفصل. {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه، مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعيض، ويجوز أن يكون للتعظيم. وعن قتـادة «حديث : أن رجـلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: اسقه العسل فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع فقال: اذهب واسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك»تفسير : فسقاه فشفاه الله تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال. وقيل الضمير للقرآن أو لما بين الله من أحوال النحل. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعاً أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه. {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ} بآجال مختلفة. {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ} يعاد. {إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أخسه يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. وقيل هو خمس وتسعون سنة وقيل خمس وسبعون. {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بمقادير أعماركم. {قَدِيرٌ } يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني، وفيه تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم وعدَّل أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَٰبِ } ثمر {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } خمرا يسكر سميت بالمصدر وهذا قبل تحريمها {وَرِزْقًا حَسَنًا } كالتمر والزبيب والخل والدبس {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لأَيَةً } دالة على قدرته تعالى {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتدبرون.
ابن عطية
تفسير : قال الطبري: التقدير {ومن ثمرات النخيل والأعناب} ما {تتخذون}، وقالت فرقة: التقدير {ومن ثمرات النخيل والأعناب} شيء {تتخذون منه}، ويجوز أن يكون قوله: {ومن ثمرات}، عطفاً على {الأنعام} [النحل: 66] أي ولكم من ثمرات النخيل والأنعام عبرة، ويجوز أن يكون عطفاً على {مما} [النحل: 66]، أي ونسقيكم أيضاً مشروبات من ثمرات، والسكر ما يسكر، هذا هو المشهور في اللغة، فقال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، وأراد بالسكر الخمر، وبالرزق الحسن جميع ما يشرب ويؤكل حلالاً من هاتين الشجرتين وقال بهذا القول ابن جبير وإبراهيم والشعبي وأبو زيد، وقال الحسن ابن أبي الحسن: ذكر الله نعمته في السكر قبل تحريم الخمر، وقال الشعبي ومجاهد: السكر السائغ من هاتين الشجرتين كالخل والرب والنبيذ، و"الرزق الحسن" العنب والتمر، قال الطبري: والسكر أيضاً في كلام العرب ما يطعم، ورجح الطبري هذا القول، ولا مدخل للخمر فيه ولا نسخ من الآية شيء، وقال بعض الفرقة التي رأت السكر الخمر: إن هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر، وفي هذه المقالة درك، لأن النسخ إنما يكون في حكم مستقر مشروع، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : حُرمت الخمر بعينها، والسَّكَر من غيرها" تفسير : . هكذا في الرواية الصحيحة بفتح السين والكاف، أي جميع ما يسكر منه حرم على حد تحريم الخمر قليله وكثيره، ورواه العراقيون، و"السُّكْر" بضم السين وسكون الكاف وهذا مبني على فقههم في أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فقليله حلال، وباقي الآية بين، وقوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} الآية، الوحي في كلام العرب إلقاء المعنى من الموحي إلى الموحى إليه في خفاء، فمنه الوحي إلى الأنبياء برسالة الملك، ومنه وحي الرؤيا، ومنه وحي الإلهام، وهو الذي في آياتنا هذه باتفاق من المتأولين، والوحي أيضاً بمعنى الأمر، كما قال تعالى {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : [الزلزلة: 5]. وقرأ يحيى بن وثاب "إلى النّحَل" بفتح الحاء و {أن} في قوله {أن اتخذي} مفسرة، وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع، إما في الجبال وكُواها، وإما في متجوف الأشجار، وإما فيما يعرش ابن آدم من الأجباح والحيطان ونحوها، و"عرش" معناه هيأ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها، ومنه العريش الذي صيغ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ومن هذا هي لفظة العريش، ويقال عرش يعرِش بكسر الراء وضمها، وقرىء بهما، قرأ ابن عامر بالضم وسائرهم بالكسر، واختلف عن عاصم، وجمهور الناس على كسر، وقرأ بالضم أبو عبد الرحمن وعبيد بن نضلة، وقال ابن زيد في قوله: {يعرشون} قال الكروم، وقال الطبري {ومما يعرشون} يعني ما يبنون من السقوف. قال القاضي أبو محمد: وهذا منهما تفسير غير متقن، وقوله تعالى: {ثم كلي من كل الثمرات} الآية، المعنى ثم ألهمها أن كلي، فعطف {كلي} على {اتخذي}، و {من} للتبعيض، أي كلي جزءاً أو شيئاً من كل الثمرات، وذلك أنها إنما تأكل النوار من أشجار، و"السبل" الطرق وهي مسالكها في الطيران وغيرها، وأضافها إلى "الرب" من حيث هي ملكه وخلقه التي يسر لك ربك، وقوله {ذللاً} يحتمل أن يكون حالاً من {النحل} ، أي مطيعة منقادة لما يسرت له، قاله قتادة، وقال ابن زيد: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون وهي تتبعهم، وقرأ {أية : أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} تفسير : [يس: 71-72]، ويحتمل أن يكون حالاً من "السبل" أي مسهلة مستقيمة، قال مجاهد: لا يتوعر عليها سبيل تسلكه، ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة أمر العسل في قوله {يخرج من بطونها}، وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل، وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تحقير الدنيا: أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرف شرابه رجيع نحلة، فظاهر هذا أنه من غير الفم، و"اختلاف الألوان" في العسل بحسب اختلاف النحل والمراعي وقد يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي، ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: جرست نحْلُهُ العرفطَ حين شبهت رائحته برائحة المغافير، وقوله {فيه شفاء للناس} الضمير للعسل، قاله الجمهور: ولا يقتضي العموم في كل على وفي كل إنسان، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض دون بعض وعلى حال دون حال، ففائدة الآية إخبار منبه منه في أنه دواء كما كثر الشفاء به وصار خليطاً ومعيناً للأدوية في الأشربة والمعاجين، وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو شيئاً إلا تداوى بالعسل، حتى إنه كان يدهن به الدمل والضرحة ويقرأ {فيه شفاء للناس} . قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي أنه يرى الشفاء به على العموم، وقال مجاهد: الضمير للقرآن، أي فيه شفاء، وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية إنما يراد بها أهل البيت ورجال بني هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب القرآن والحكمة، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي: فقال له رَجل ممن حضر: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فأضحك الحاضرين، وبُهت الآخر، وظهرت سخافة قوله، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَكَراً} السكر: الخمر، والرزق الحسن: التمر والرطب الزبيب، نزلت قبل تحريم الخمر، أو السكر: ما حرم من شرابه، والرزق الحسن: ما حل من ثمرته، أو السكر: النبيذ، والرزق الحسن: التمر والزبيب، أو السكر: الخل بلغة الحبشة والرزق الحسن: الطعام، أو السكر ما طعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن. شعر : وجعلتَ عيب الأكرمين سكراً تفسير : أي جعلت ذمهم طُعماً.
النسفي
تفسير : ويتعلق {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ } بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما وحذف لدلالة {نسقيكم} قبله عليه وقوله {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء، أو تتخذون ومنه من تكرير الظرف للتوكيد، والضمير في {منه} يرجع إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير، والسكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً. ثم فيه وجهان: أحدهما أن الآية سابقة على تحريم الخمر فتكون منسوخة، وثانيهما أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إلى حد السكر، ويحتجان بهذه الآية وبقوله عليه السلام: «حديث : الخمر حرام لعينها والسكر من كل شراب»تفسير : وبأخبار جمة {وَرِزْقًا حَسَنًا } هو الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وألهم {أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا } هي «أن» المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول. قال الزجاج: واحد النحل نحلة كنخل ونخلة والتأنيث باعتبار هذا، و«من» في {من الجبال} {وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } يرفعون من سقوف البيت أو ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تعسل فيها للتبعيض لأنها لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش والضمير في {يعرشون} للناس، وبضم الراء: شامي وأبو بكر
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا...} الآية: «السَّكَر»: ما يُسْكِرُ؛ هذا هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس: نزلَتْ هذه الآية قبل تحريمِ الخَمْرِ، وأراد بـــ« السَّكَر»: الخمرَ، وبـــ «الرِّزْق الحسن» جميعَ ما يُشْرَبُ ويؤكل حلالاً من هَاتَيْنِ الشجرتَيْن، فالحَسَنُ؛ هنا: الحلال، وقال بهذا القولِ ابنُ جُبَيْر وجماعة وصحَّح ابنُ العربيِّ هذا القولِ، ولفظه: والصحيحُ أَنَّ ذلك كان قبل تحريمِ الخَمْرِ، فإِن هذه الآية مكِّيَّة بٱتفاقِ العلماء، وتحريمُ الخَمْر مدنيٌّ انتهى من «أحكام القرآن»، وقال مجاهد وغيره: السكر المائعُ من هاتَيْنِ الشجرتَيْنِ، كالخَلِّ، والرّبِّ، والنَّبِيذِ، والرزقُ الحَسَنُ: العنبُ والتمرُ. قال الطبريُّ: والسّكَر أيضاً في كلام العرب ما يُطْعَم، ورجَّح الطبريُّ هذا القول، ولا مدخَلَ للخَمْر فيه، ولا نَسْخَ في الآية. وقوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ...} الآية: الوحْيُ؛ في كلام العرب: إلقاء المعنى من المُوحى إلى الموحى إِليه في خفاءٍ، فمنه الوحْيُ إِلى الأنبياء برسالةِ المَلَكِ، ومنه وَحْيُ الرؤيا، ومنه وَحْيُ الإِلهام، وهو الذي في آيتنا؛ بٱتفاقٍ من المتأوِّلينِ، والوحْيُ أيضاً بمعنى الأمر؛ كما قال تعالى: { أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة:5]، وقد جعل اللَّه بيوتَ النحل في هذه الثلاثة الأنواعِ: إمَّا في الجبالِ وكُوَاها، وإِما في متجوَّفِ الأشجار، وإِما فيما يَعْرِشُ ابنُ آدَمَ من الأَجْبَاحِ والحِيطان، ونحوها، وعَرَشَ: معناه: هيَّأ، والـ {سُبُلَ} الطرقُ، وهي مسالكها في الطيران وغيره، و{ذُلُلاً }: يحتمل أن يكون حالاً من «النحل»، أي: مطيعةً منقادةً، قاله قتادة. قال ابن زَيْد: فهم يخرجون بالنحْل ينتجعون، وهي تتبعهم وقرأ: { أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَـٰماً... } تفسير : [يس:71] الآية، ويحتملُ أنْ يكون حالاً من «السُّبُل»، أي: مسَّهلةً مستقيمةً؛ قاله مجاهد، لا يتوعَّر عليها سبيلٌ تسلُكُه. ثم ذكر تعالى؛ على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العِبْرة - أمْرَ العَسَل في قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ}، وجمهور الناس على أنَّ العسل يخرُجْ من أفواهِ النَّحْلِ، واختلافُ الألوان في العسل بحسب اختلاف النَّحْلِ والمَرَاعِي، أيُّ والفصول. * ت *: قال الهرويُّ: قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ }، وذلك أنه يستحيلُ في بطونها، ثم تمجُّه من أفواهها انتهى. وقوله: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ } الضمير للعَسَل؛ قاله الجمهور: قال ابن العربيِّ في «أحكامه»؛ وقد روى الأئمة، واللفظُ للبخاريّ، عن عائشة، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الحْلَوَاءَ والعَسَل، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ: "حديث : أنَّ رجلاً أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكى بَطْنَهُ فَقَالَ: « ٱسقِهِ عَسَلاً»، ثم أتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ:« ٱسْقِهِ عَسَلاً»، ثُمَّ أتاه فَقَالَ: فَعَلْتُ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ ٱسْتِطْلاَقاً، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: « صَدَق اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، ٱسقِهِ عَسَلاً » فسَقَاهُ، فَبَرأ"تفسير : وروي أنَّ عوف بنَ مالك الأشْجَعِيَّ مَرِضَ، فقيل له: ألا نُعَالِجُكَ؟ فَقَالَ: ٱئْتُوني بمَاءِ سَمَاءٍ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ: { أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً مُّبَـٰرَكاً } تفسير : [ق:9] وٱئتوني بعَسَلٍ؛ فإن اللَّه تعالى يقول: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ } وٱئتوني بزيت؛ فإن اللَّه تعالى يقولُ: { أية : مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } تفسير : [النور:35] فجاءوه بذلك كلِّه فخَلَطَهُ جميعاً، ثم شَرِبَهُ، فَبّرأَ انتهى. وقوله سبحانه: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}، وأرذلُ العَمَر الذي تَفْسُدُ فيه الحواسُّ، ويختلُّ العَقْل، وخص ذلك بالرذيَلةِ، وإن كانَتْ حالة الطُّفُولة كذَلِكَ مِنْ حيثُ كانَتْ هذه لا رَجَاءَ معها، وقال بعضُ الناس: أول أرذَلِ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سنةً، روي ذلك عن علي رضي الله عنه. قال * ع *: وهذا في الأغْلَبِ، وهذا لا ينحصرُ إِلى مدَّة معيَّنة، وإِنما هو بحَسَبِ إِنسانٍ إِنسانٍ، ورُبَّ مَنْ يكون ابْنَ خمسينَ سنَةً، وهو في أرذلِ عمره، وربَّ ابن تسعينَ ليس في أرذَلِ عمره، واللامُ في {لِكَيْ} يشبه أنْ تكون لامَ الصيرورةِ، والمعنى: ليصير أمره بعْدَ العِلْم بالأشياء إلى ألاَّ يعلم شيئاً، وهذه عبارة عن قلَّة علمه، لا أنه لا يعلم شيئاً البتَّة.
ابو السعود
تفسير : {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ} متعلقٌ بما يدل عليه الإسقاء من مطلق الإطعامِ المنتظمِ لإعطاء المطعومِ والمشروبِ فإن اللبن مطعومٌ كما أنه مشروبٌ أي ونطعمكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب أي من عصيرهما، وقوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} استئنافٌ لبـيان كُنه الإطعامِ وكشفِه. أو بقوله: تتخذون منه، وتكريرُ الظرفِ للتأكيد، أو خبر لمبتدأ محذوفٍ صفتُه تتخذون أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمرٌ تتخذون منه، وحَذْفُ الموصوف ـ إذا كان في الكلام كلمةُ مِنْ ـ سائغٌ نحو قوله تعالى: { أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164] وتذكيرُ الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوفِ أعني العصير أو لأن المراد هو الجنسُ والسَّكَر مصدرٌ سُمّي به الخمرُ، وقيل: هو النبـيذُ، وقيل: هو الطعم {وَرِزْقًا حَسَنًا} كالتمر والدبس والزبـيب والخلّ، والآية إن كانت سابقةَ النزول على تحريم الخمر فدالّةٌ على كراهتها وإلا فجامعةٌ بـين العتاب والمِنّة {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً} باهرةً {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولَهم في الآيات بالنظر والتأمل. {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} أي ألهمها وقذف في قلوبها وعلّمها بوجوه لا يعلمها إلا العليمُ الخبـير وقرى بفتحتين {أَنِ ٱتَّخِذِى} أي بأن اتخذي على أنّ أنْ مصدريةٌ ويجوز أن تكون مفسرةً لما في الإيحاء من معنى القول، وتأنيثُ الضمير مع أن النحلَ مذكر للحمل على معنى الجمع أو لأنه جمعُ نحلة، والتأنيثُ لغة أهل الحجاز {مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا} أي أوكاراً مع ما فيها من الخلايا، وقرىء بـيوتاً بكسر الباء {وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} أي يعرِشه الناسُ أي يرفعه من كرْم أو سقف، وقيل: المرادُ به ما يرفعه الناسُ ويبنونه للنحل، والمعنى اتخذي لنفسك بـيوتاً من الجبال والشجر إذا لم يكن لك أرباب وإلا فاتخذي ما يعرِشونه لك، وإيرادُ حرفِ التبعيض لما أنها لا تُبْنَىٰ في كل جبل وفي كل شجر وكل عرش ولا في كل مكان منها. {ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} من كل ثمرة تشتهينها حُلوِها ومُرِّها {فَٱسْلُكِى} ما أكلتِ منها {سُبُلَ رَبّكِ} أي مسالكَه التي برَأها بحيث يُحيل فيها بقدرته القاهرة النَّوَر المرَّ عسلاً من أجوافك أو فاسلكي الطرقَ التي ألهمك في عمل العسلِ أو فاسلكي راجعةً إلى بـيوتك سبلَ ربك لا تتوعّر عليك ولا تلتبس {ذُلُلاً} جمع ذَلول وهو حال من السبل أي مذللة غيرَ متوعرة ذللها الله سبحانه وسهلها لك، أو من الضمير في اسلكي أي اسلكي منقادةً لما أُمرتِ به {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} استئناف عُدل به عن خطاب النحلِ لبـيان ما يظهر منها من تعاجيب صنعِ الله تعالى التي هي موضعُ العبرة بعد ما أُمِرتْ بما أمرتْ {شَرَابٌ} أي عسل لأنه مشروب، واحتج به وبقوله تعالى: {كُلِى} من زعم أن النحلَ تأكلُ الأزهار والأوراقَ العطِرة فتستحيل في بطنها عسلاً ثم تقيءُ ادّخاراً للشتاء، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاءً قليلةً حُلوة صغيرة متفرقةً على الأزهار والأوراق وتضعها في بـيوتها، فإذا اجتمع فيها شيءٌ كثيرٌ يكون عسلاً فسّر البطونَ بالأفواه {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أبـيضُ وأسودُ وأصفرُ وأحمرُ حسب اختلاف سنِّ النحل أو الفصلِ أو الذي أخذت منه العسل {فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ} إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض، إذ قلما يكون معجونٌ لا يكون فيه عسلٌ، مع أن التنكيرَ فيه مُشعرٌ بالتبعية، ويجوز كونه للتفخيم، وعن قتادةَ حديث : أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال عليه الصلاة والسلام: «اسقِه العسلَ» فذهب ثم رجع فقال: قد سقَيتُه فما نفع، فقال: «اذهبْ فاسقِه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطنُ أخيك» فسقاه فبرِىء كأنما أُنْشِط من عِقالتفسير : ، وقيل: الضميرُ للقرآن أو لِما بـين الله تعالى من أحوال النحل. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: « حديث : العسلُ شفاءٌ لكل داء، والقرآنُ شفاء لما في الصدور » « حديث : فعليكم بالشفاءَين العسلِ والقرآنِ » تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر من أعاجيب آثار قدرةِ الله تعالى {لآيَةً} عظيمة {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فإن من تفكر في اختصاص النحلِ بتلك العلومِ الدقيقة والأفعالِ العجيبةِ المشتملةِ على حسن الصنعةِ وصِحة القسمة التي لا يقدر عليها حُذّاقُ المهندسين إلا بآلات دقيقةٍ وأدواتٍ أنيقة وأنظار دقيقة، جزم قطعاً بأن له خالقاً قادراً حكيماً يلهمها ذلك ويهديها إليه جل جلاله.
التستري
تفسير : قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}[67] قال: هذه الآية نسخت بآية الخمر، كذا قال إبراهيم والشعبي. قال سهل: السكر عندي ما يسكر النفس في الدنيا، ولا تؤمن عاقبته في الآخرة. وقد دخل على سهل أبو حمزة الصوفي فقال: أين كنت يا أبا حمزة؟ قال: كنا عند فلان أخبرنا أن السكر أربعة. فقال: اعرضها علي. فقال: سكر الشراب وسكر الشباب وسكر المال وسكر السلطنة. فقال: وسكرتان لم يخبرك بهما. فقال: ما هما؟ فقال: سكر العالم إذا أحب الدنيا وسكر العابد إذا أحب أن يشار إليه.
القشيري
تفسير : مَنَّ على العباد بما خَلَقَ لهم من فنون الانتفاع بثمرات النخيل كالتمر والرطب واليابس.. وغير ذلك. والرزق الحسن ما كان حلالاً. ويقال هو ما أتاك من حيث لا تحتسب، ويقال هو الذي لا مِنَّة لمخلوقٍ فيه ولا تَبِعَةَ عليه. ويقال هو ما لا يعصي الله مكتسبُه في حال اكتسابه. ويقال هو ما لا يَنْسَى الله فيه مُكْتَسِبُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن ثمرات النخيل والاعناب}[ومى آشامانيم شمارا از كونه ميوهاوى درختان خرما ودرختان انكورها] ونسقيكم ايها الناس من عصيرها ونطعمكم ثم بين كنه الاسقاء والاطعام وكشفه بقوله {تتخذون منه} اى من عصيرها {سكرا} قال فى القاموس السكر محركة الخمر ونبيذ يتخذ من التمر. فالآية سابقة على تحريم الخمر دالة على كراهتها حيث قوبل السكر بالرزق الحسن ومقابل الحسن لا يكون حسنا {ورزقا حسنا} كالتمر والدبس والزبيب والرب والخل وفى الحديث "حديث : خير خلكم خل خمركم" تفسير : قال فى الروضة خطب المأمون بمرو فسعل الناس فنادى بهم ألامن كان له سعال فليتداو بشرب خل الخمر ففعلوا فانقطع سعالهم. قال بعضهم انظرا الى الاخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن لما كان اللبن لا يحتاج الى معالجة من الناس اخبر عن نفسه بقوله {أية : نسقيكم}تفسير : ولما كان السكر والرزق الحسن يحتاج الى معالجة قال {تتخذون} (فاخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق الحسن {ان فى ذلك) الاسقاء {لآية} باهرة {لقوم يعقلون} يستعملون عقولهم فى الآيات بالنظر والتأمر وفى التأويلات النجمية ومن ثمرات نخيل الطاعات واعناب المجاهدات تتخذون من ثمرات الطاعات والمجاهدات وهى المكاشفات والمشاهدات ووقائع ارباب الطلب واحوالهم العجيبة سكرا ورزقا حسنا السكر ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران وتارة تظهر رعوناتها بالافعال والاقوال رياء وسمعة وشهرة والرزق الحسن ما يكون منها شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب كما قال بعضهم شعر : شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت تفسير : وقالوا شعر : سقانى شربة احيى فؤادى بكأس الحب من بحر الوداد تفسير : ان فى ذلك الاعتبار لدلالة لقوم يدركون بالعقل اشارات الحق ويفهمونها انتهى مافى التأويلات قال اهل التحقيق العقل شجرة ثمرها العلم والحلم فشرف الثمر دال على شرف المثمر وصاحب العقل فى قومه كالنبى فى امته. قال بعض العلماء قسم العقل بالفى جزء الف للانبياء والرسل والملائكة وتسعمائة وتسعة وتسعون جزءاً لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن الواحد اربعة دوانق للعلماء ودانق لعامة الرجال ونصف دانق للنساء ونصف لأهل القرى والرساتيق. والدانق بفتح النون وكسرها سدس الدرهم. قال حكيم العمر فى الدنيا قليل والحسرة فى الآخرة طويلة والعبد بعمل نفسه فى الآخرة اما عزيز واما ذليل. فعلى كل عاقل واجب ان يجتهد فى اصلاح نفسه قبل ان يأتيه اليقين ويأخذ اشارة من كل رطب ويابس وغث وسمين ويصحو من سكر الغفلة والهوى ويشرب من مشرب التيقظ والهدى: وفى المثنوى شعر : عقل جزؤى را وزير خود مكير عقل كل را ساز اى سلطان وزير كين هوابر حرص وحالى بين بود عقل را انديشه يوم الدين بود
الجنابذي
تفسير : {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} من ثمرات النّخيل امّا عطف على ما فى بطونه بدون التّقدير ان كان نسقيكم مستأنفاً او على نسقيكم بتقدير نسقيكم ان كان حالاً وحينئذٍ يكون تتّخذون حالاً او مستأنفاً جوباً لسؤال مقدّر وامّا مستأنف متعلّق بتتّخذون ولفظة منه تكون حينئذٍ تأكيداً للاوّل وامّا مبتدء وتتّخذون خبره بجعل من التّبعيضيّة لقوّة معنى البعضيّة فيها قائمة مقام الاسم المبتدء من دون تقدير او تقدير موصوف محذوف او بجعله اسماً مبتدء بنفسه اى بعض من ثمرات النّخيل تتّخذون منه اى من ذلك البعض، وافراد الضّمير امّا باعتبار تقدير مضاف قبل الثّمرات او بلحاظ معنى البعضيّة فى من والمراد بالسّكر الخمر ولا ينافى حرمتها ذكرها فى مقام الامتنان لانّ حرمتها شرعيّة وكونها نعمة امر عرفىّ عقلىّ، على انّ فيها منافع باستعمالها من غير شربٍ لها، ولمّا دلّ الامتنان بها على اباحتها ورد فى الخبر: انّها منسوخة بآية حرمة الخمر، وقيل: فيها اشياء اُخر لكنّ الاتيان بقوله {وَرِزْقاً حَسَناً} بعده يدلّ على انّ المراد به الخمر وانّها غير حسن {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لا يكفى فيه السّماع والايمان وان كان لا يحتاج الى استعمال المفكّرة.
اطفيش
تفسير : {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ} عطف على مما فى بطونها كأَنه قيل ونسقيكم من ثمرات النخيل والأَعناب عصيراً أو نسقيكم من عصير ثمرات النخيل والأَعناب أو متعلق بنسقيكم المحذوف مستأْنفاً والمراد ما يتخذ من ذلك من أنواع الخمر والخل كما استأْنف فى بيان ذلك قوله {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ} أى مما ذكر وهو الثمرات أو من الثمرات لأَنه فى معنى الثمر والثمر يجوز إِفراده وتذكيره أو من العصير الذى قدر مفعولا أو مضافاً للثمرات كما رأيت ويجوز أن يتعلق من ثمرات بتتخذ محذوفا على الاشتغال أى وتتخذون من ثمرات النخيل والأَعناب تتخذون منه أى مما ذكر أو من الثمرات بمعنى الثمر أو من العصير المقدر مضافا للثمرات أو يتعلق بيتخذ المذكور بعده ومنه تأْكيد لفظى أو بمحذوف خبر لمبتدأ موصوف بتتخذون أو موصول به أى ومن ثمرات النخيل والأَعناب ثمر تتخذون منه أو ما تتخذون منه أو يقدر هكذا ولكن من ثمرات النخيل والأَعناب ثم تتخذون منه أو ما تتخذون منه فيتعلق من ثمرات باستقرار لكم والإِشكال فى هاء منه على هذه الأَوجه الأَربعة {سَكَراً} خمراً سميت باسم المصدر. {وَرِزْقاً حَسَناً} الأَشربة المتخذة من التمر والعنب كالخل والرب والنبيذ أو السكر الخمر والرزق الحسن تلك الأَشربة ونحوها وما يدخر من التمر والزبيب أى تتخذون من ثمرات النخيل والأعناب خمراً ونفقة حسنة هى ما أبقى تمرا أو زبيباً وما عمل شراباً، وتفسير السكر بالخمر لقول ابن مسعود وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعى وابن أبى ليلى والزجاج وابن قتيبة وهو قول الجمهور، وبه قال ابن عباس وصححه ابن العرابى وإن قلت فى الآية امتنان والخمر محرمة كيف يمتن بها. قلت: قال بعض: إِنها قبل تحريم الخمر فتلحيل الخمر فيها منسوخ ولا يرد على ذلك أن ذلك إِخبار ولا يدخله النسخ لأَن المنسوخ ما تفهمه الآية من إِباحة الخمر وأيضاً هى بمنزلة قولك اشربوها فإِنها حلال وهذا غير خبر، قال ابن العرابى: الصحيح أن ذلك قبل تحريم الخمر فإن هذه الآية مكية باتفاق العلماء وتحريم الخمر مدنى انتهى، وحرمت فى سورة المائدة وبذلك قال الشعبى والنخعى: أو الآية جامعة بين العتاب والمنة على تقدير أنها نزلت بعد التحريم، قال القاضى إِن نزلت قبل تحريم الخمر فدالة على كراهيتها وإِلا فجامعة بين العتاب والمنة. ا هـ. وفى دلالتها على الكراهة بعد وخفاء ولا مانع عندى من أن تكون امتناناً بعد التحريم بما قد حل لهم قبل وقيل السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إِذا طبخ حتى يذهب بلبابه ثم ينزل حتى يشتد وهو حلال عندنا وعند أبى حنيفة وأبى على الجبائى شيخ الزمخشرى وعند الضحاك والنخعى وقيل السكر الطعم فإِن السكر فى كلام العرب أيضاً ما يطعم ورجحه الطبرى، وبه قال أبو عبيدة يقال: هذا سكر لك أى طعم لك وقيل ما يسد الجوع من قولك سكرت النهر أى سددته وسكر الله عنى بمنه وكرمه باب الشر أى غلقه وعلى هذه الأَقوال الثلاثة يكون الرزق الحسن أثمان الثمرات أو هو سائر الأَشربة غير النبيذ على تفسير السكر بالنبيذ أو سائرها مع ما يدخر من ثمار للأَكل أو هو الأَشربة على تفسير السكر بالطعم وعلى تفسيره بما يسد الجوع وما صدقهما واحد وذكر الموافى أن السكر الخل بلغة الحبشة ويجوز أن يكون السكر والرزق الحسن شيئاً واحداً بمنزلة عطف الصفة كما تقول جاء زيد العلامة والورع، تريد بالعلامة والورع زيداً كأَنه قيل تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن، {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور وهو الثمار وما يتولد منها {لآيَةً} دلالة واضح. {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أى يستعملون عقولهم بالتأَمل فى كلام الله ومخلوقاته يستدلون بذلك على كمال قدرة لله سبحانه وتعالى ووجوده ووحدانيته عز وجل فائدة ثبت فى بعض الأَحاديث أنه يجعل التمر فى الماء صبحاً ويشرب عشاء وفى بعضها يجعل فيه ثلاثة أيام لا أكثر فيكون الحديث الأَول بياناً لما يصنع لحاجة يوم لا حصراً.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ} متعلق بقوله: {تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} ومنه توكيد لفظى لقوله: من ثمرات بتأويل ما ذكر، أو تأويل الثمرات بالثمر، كأنه قيل: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون من ثمراتها، أو نسقيكم محذوفًا أو بالمذكور بواسطة العطف أو اماء للعصير المحذوف على المعنى: ومن عصير ثمرات إلخ، أو الثمرات بمعنى التمر، أو للنخيل أو للجنس، أو للبعض أو للمذكور، أو عطف من ثمرات على فى الأنعام، والتقدير وإن لكم فى الأنعام، ومن ثمرات النخيل والأعناب لعبرة، فأخر وتتخذون للبيان، كما أن نسقيكم للبيان، أو خبر لمحذوف منعوت يتخذون منه، أى ومن ثمرات النخيل والأعناب تمر تتخذون منه سكرا وهو الخمر، سميت بالمصدر برد الهاء إلى ثمر المقدر. وإنما أمتن الله بها قبل تحريمها، إذ حرمت بالمدينة بعد أُحُد أو قبلها، والسورة مكية، وعلى فرض أن الآية مدنية بعد تحريم الخمر يكون المعنى على أنه عابهم بالجمع بين الخمر والرزق الحسن، أو جمع لهم بين المنة والعقاب أى أحللناها لكم قبل تحريمها، ولم تشكروها، وقيل: هو من أسماء الخمر، وقيل: السكر: الخل بلغة الحبشة، ينطق بها العرب، وقيل: اسم للعصير ما لم يحمض تسمية له بما يئول إليه، وقيل: النبيذ، وقيل: الطعام، كقوله: شعر : * جعلت أعراض الكرام سكرا * تفسير : أى طعامًا، واستظهر بعض أنه فى البيت الخمر، وقيل: السكر فى الآية ما يسد الجوع من السكر بفتح وإسكان، وهو سد الشئ كسددت الكوة، كقوله تعالى: "أية : إنما سكرت أبصارنا"تفسير : [الحجر: 15] والرزق الحسن التمر والزبيب والدبس، وهو عسل النخل بالخاء المعجمة، والخل إن لم تقمر بالسكرية، أو الرزق الحسن ما ينتفع به من أثمان ذلك. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم بالتأمل فيما أوحى الله، وفى الدلائل ختم الكلام بيعقلون لما تقدم من ذكر العبرة لأنه إنما يعتبر أولو العقل.
الالوسي
تفسير : {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ} متعلق بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما، وحذف لدلالة {نُّسْقِيكُمْ} قبله عليه، وقوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} بيان وكشف عن كنه الإسقاء أو ـ بتتخذون ـ و {مِنْهُ} من تكرير الظرف للتأكيد كما في قولك زيد في الدار فيها أو خبر لمحذوف صفته {تَتَّخِذُونَ} أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه، وضمير {مِنْهُ} عائد إما على المضاف المقدر أو على الثمرات المؤولة بالثمر لأنه جمع معرفة أريد به الجنس، وفائدة الصيغة الإشارة إلى تعداد الأنواع أو على ثمر المقدر، و {السكر} الخمر قال الأخطل:شعر : بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاء والسكر تفسير : وهو في الأصل مصدر سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً. واستشهد له بقوله:شعر : وجاؤنا بهم سكر علينا فأجلى اليوم والسكران صاحي تفسير : وفسروا الرزق الحسن بالخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك، وإليه ذهب صاحب «الكشاف» وقد ذكر في توجيه إعرابها ما ذكرناه، وقدم الوجه الأول من أوجه الثلاثة وهو ظاهر في ترجيحه وصرح به الطيبـي وبينه بما بينه، وأخر الثالث وهو ظاهر في أنه دون أخويه. وفي «الكشف» بعد نقل كلامه في الوجه الأول فيه إضمار العصير وأنه لا يصلح عطفاً في الظاهر على السابق لأنه لا يصلح بياناً للعبرة في الأنعام، وفيه أن {تَتَّخِذُونَ} لا يصلح كشفاً عن كنه الإسقاء كيف وقد فسر الرزق الحسن بالتمر والزبيب أيضاً وأي مدخل للعصير وأين هذا البيان من البيان بقوله تعالى: {أية : نُّسْقِيكُمْ} تفسير : [النحل: 66] ليجعل مدركاً لترجيحه فهذا وجه مرجوح مؤول بأنه عطف على مجموع السابق، وأوثر الفعلية لمكان قربه من {نُّسْقِيكُمْ } وقوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} تم البيان عنده ثم أتى بفائدة زائدة، وأظهر الأوجه ما ذكر آخراً أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون ليكون عطفاً للاسمية على الاسمية أعني قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً } تفسير : [النحل: 66] ولما لم يكن العبرة فيه كالأول اكتفى بكونه عطفاً على ما هو عبرة ولم يصرح، وأفيد بالتبعيض/ أن من ثمراتها ما يؤكل قبل الإدراك وما يتلف ويأكل الوحوش وغير ذلك اهـ، وما ذكره في التأويل من بيان البيان عند {سَكَرًا} محوج إلى جعل {رِزْقاً} معمولاً لعامل آخر ولا يخفى بعده، والظاهر أنه لا ينكره، وما ذكره من الوجه الأظهر ذكره الحوفي كصاحبه، ولا يرد عليه أن فيه حذف الموصوف بالجملة لأن ذلك إذا كان الموصوف بعضاً من مجرور من أوفى المقدم عليه مطرد نحو منا أقام ومنا ظعن أراد فريق، وقد يحذف موصوفاً بالجملة في غير ذلك كقول الراجز:شعر : مالك عندي غير سهم وحجر وغير كبداء شديد الوتر جادت بكفي كان من أرمى البشر تفسير : أراد رجل نعم قال الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك لا يجوز على مذهب البصريين وكأنه اعتبر {مَا} موصولة وحذف الموصول مع إبقاء الصلة لا يجوز عنهم، ولعلهم يفرقون بين الموصول والموصوف فيما ذكر، وقال العلامة ابن كمال في بعض "رسائله": لا وجه لما اختاره صاحب «الكشاف» يعني به تعليق الجار ـ بنسقيكم ـ محذوفاً وتقدير العصير مضافاً لأنه حينئذ لا يتناول المأكول وهو أعظم صنفي ثمراتها يعني النخيل والأعناب والمقام مقام الامتنان ومقتضاه استيعاب الصنفين ثم قال: والعجب منه وممن اتبعه كالبيضاوي كيف اتفقوا على تفسير الرزق الحسن بما ينتظم التمر والزبيب ومع ذلك يقولون: إن المعنى ومن عصيرهما تتخذون سكراً ورزقاً حسناً فإنه لا انتظام بين هذين الكلامين فالوجه أن يتعلق الجار ـ بتتخذون ـ ويكون منه تكرير الظرف للتأكيد اهـ وهو الذي استظهره أبو حيان وقد سبقت الإشارة إلى الاعتراض بما تعجب منه مع الجواب بما فيه بعد، ونقل عنه أنه جعله متعلقاً بما في الإسقاء من معنى الإطعام أي نطعمكم من ثمرات النخيل والأعناب لينتظم المأكول منهما والمشروب المتخذ من عصيرهما. وفيه من البعد ما فيه. وأنت تعلم أن تقدير العصير على الوجه الأول عند من يراه لازم، وتقديره على الوجه الثاني جائز عند ذاك أيضاً ولا يجوز عند المعترض. واختار أبو البقاء تعليقه بخلق لكم أو جعل وليس بذاك، وقيل: إنه معطوف على {أية : ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [النحل: 66] على معنى ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرة {وَتَتَّخِذُونَ} بيان لها وهو غير الوجه الذي استظهره صاحب "الكشف" وكان الظاهر ـ في ـ بدل من وضمير {مِنْهُ} لا يتعين فيه ما سمعت كما لا يخفى عليك بعد أن أحطت خبراً بما قيل في ضمير {أية : بُطُونِهِ} تفسير : [النحل: 66]. وتفسير السكر بالخمر هو المروي عن ابن مسعود وابن عمر وأبـي رزين والحسن ومجاهد والشعبـي والنخعي وابن أبـي ليلى وأبـي ثور والكلبـي وابن جبير مع خلق آخرين، والآية نزلت في مكة والخمر إذ ذاك كانت حلالاً يشربها البر والفاجر وتحريمها إنما كان بالمدينة إتفاقاً واختلفوا في أنه قبل أحد أو بعدها والآية المحرمة لها {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ } تفسير : [المائدة: 90] على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها، وروى ذلك غير واحد ممن تقدم كالنخعي وأبـي ثور وابن جبير، وقيل: نزلت قبل ولا نسخ بناء على ما روي عن ابن عباس أن {السكر} هو الخل بلغة الحبشة أو على ما نقل عن أبـي عبيدة أن {السكر} المطعوم المتفكه به كالنقل وأنشد:شعر : جعلت أعراض الكرام سكراً تفسير : وتعقب بأن كون السكر في ذلك بمعنى الخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنه لشغفه بالغيبة وتمزيق الأعراض جرى ذلك عنده مجرى الخمر المسكرة، وكأنه لهذا قال الزجاج: إن قول أبـي عبيدة لا يصح، وفيه أن المعروف في الغيبة جعلها نقلاً ولذا قيل: الغيبة فاكهة القراء وإلى عدم النسخ ذهب الحنفيون وقالوا: المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة، واستدلوا عليه بأن الله تعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ولا يقع الامتنان إلا بمحلل فيكون ذلك دليلاً على جواز شرب ما دون المسكر/ من النبيذ فإذا انتهى إلى السكر لم يجز وعضدوا هذا من السنة بما روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : حرم الله تعالى الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب» تفسير : أخرجه الدارقطني، وإلى حل شرب النبيذ ما لم يصل إلى الإسكار ذهب إبراهيم النخعي: وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه. وسفيان الثوري وهو من تعلم وكان عليه الرحمة يشربه كما ذكر ذلك القرطبـي في "تفسيره" والبيضاوي بعد أن فسر السكر بالخمر تردد في أمر نزولها فقال: إلا أن الآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهيتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة، ووجه دلالتها على الكراهية بأن الخمر وقعت في مقابلة الحسن وهو مقتضٍ لقبحها والقبيح لا يخلو عن الكراهة وإن خلا عن الحرمة، واعترض عليه بأن تردده هنا في سبقها على تحريم الخمر ينافي ما في سورة البقرة حيث ساق الكلام على القطع على أنه جزم في أول هذه السورة بأنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها. وفي «الكشاف» بعد أن فسر السكر أيضاً بما ذكر قال: وفيه وجهان. أحدهما: أن تكون منسوخة. والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة، ونقل صاحب «الكشف» أن القول بكونها منسوخة أولى الأقاويل، ثم قال: وفي الآية دليل على قبح تناولها تعريضاً من تقييد المقابل بالحسن، وهذا وجه من ذهب إلى أنه جمع بين العتاب والمنة، وعلى الأول يكون رمزاً إلى أن السكر وإن كان مباحاً فهو مما يحسن اجتنابه اهـ. واستدل ابن كمال على نزولها قبل التحريم بأن المقام لا يحتمل العتاب فإن مساق الكلام على ما دل عليه سياقه ولحاقه في تعداد النعم العظام، وذكر أن كلام الزمخشري ومن تبعه ناشئ عن الغفلة عن هذا، ولعل عدم وصف السكر بما وصف به ما بعده لعلم الله تعالى أنه سيكون رجساً يحكم الشرع بتحريمه. وجوز الزمخشري أن يجعل السكر رزقاً حسناً كأنه قيل: تتخذون منه ما هو مسكر ورزق حسن أي على أن العطف من عطف الصفات. وأنت تعلم أن العطف ظاهره المغايرة. هذا ولما كان اللبن نعمة عظيمة لا دخل لفعل الخلق فيه أضافه سبحانه لنفسه بقوله تعالى {أية : نُّسْقِيكُمْ} تفسير : [النحل: 66] بخلاف اتخاذ السكر وقد صرح بذلك في "البحر" فتأمل. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً} باهرة {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل بالآيات فالفعل منزل منزلة اللازم، قال أبو حيان: ولما كان مفتتح الكلام {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً } تفسير : [النحل: 66] ناسب الختم بقوله سبحانه: ـ يعقلون ـ لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول. وأنا أقول: إذا كان في الآية إشارة إلى الحط من أمر السكر ففي الختم المذكور تقوية لذلك وله في النفوس موقع وأي موقع حيث إن العقار كما قيل للعقول عقال:شعر : إذا دارها بالأكف السقاة لخطابها أمهروها العقولا تفسير : فافهم ذاك والله تعالى يتولهم هداك.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وإن لكم في الأنعام لعبرة }تفسير : [سورة النحل: 66]. ووجود {من} في صدر الكلام يدلّ على تقدير فعل يدلّ عليه الفعل الذي في الجملة قبلها وهو {أية : نسقيكم} تفسير : [النحل: 66]. فالتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب. وليس متعلقاً بــــ{تتخذون}، كما دلّ على ذلك وجود (من) الثانية في قوله: {تتخذون منه سكراً} المانع من اعتبار تعلّق {من ثمرات النخيل} بــــ{تتخذون}، فإن نظم الكلام يدل على قصد المتكلم ولا يصحّ جعله متعلقاً بــــ{تتخذون} مقدماً عليه، لأنه يبعد المعنى عن الامتنان بلطف الله تعالى إذ جعل نفسه الساقي للناس. وهذا عطف منّة على منّة، لأن {نسقيكم} وقع بياناً لجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة}. ومفاد فعل {نسقيكم} مفاد الامتنان لأن السقي مزية. وكلتا العِبرتين في السقي. والمناسبةُ أن كلتيهما ماء وأن كلتيهما يضغط باليد، وقد أطلق العرب الحَلْب على عصير الخمر والنبيذ، قال حسّان يذكر الخمر الممزوجة والخالصة:شعر : كلتاهما حَلَب العصير فعاطني بِزُجاجة أرخاهما للمفصل تفسير : ويشير إلى كونهما عبرتين من نوع متقارب جَعْل التذييل بقوله تعالى: {إن في ذلك لآية} عقب ذكر السقيين دون أن يُذيّل سقي الألبان بكونه آية، فالعبرة في خلق تلك الثمار صالحة للعصر والاختمار، ومشتملة على منافع للناس ولذّات. وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}. فهذا مرتبط بما تقدم من العبرة بخلق النبات والثمرات من قوله تعالى: {أية : ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل} تفسير : [سورة النحل: 11] الآية. وجملة {تتخذون منه سكراً} الخ في موضع الحال. و(من) في الموضعين ابتدائية، فالأولى متعلّقة بفعل {نسقيكم} المقدر، والثانية متعلقة بفعل {تتخذون}. وليست الثانية تبعيضية، لأن السكر ليس بعض الثمرات، فمعنى الابتداء ينتظم كلا الحرفين. والسكر ــــ بفتحتين ــــ: الشراب المُسْكِر. وهذا امتنان بما فيه لذّتهم المرغوبة لديهم والمتفشّية فيهم (وذلك قبل تحريم الخمر لأن هذه الآية مكّية وتحريم الخمر نزل بالمدينة) فالامتنان حينئذٍ بمباح. والرزق: الطعام، ووصف بــــ{حسناً} لما فيه من المنافع، وذلك التمر والعنب لأنهما حلوان لذيذان يؤكلان رطبين ويابسين قابلان للادخار، ومن أحوال عصير العنب أن يصير خلاً ورُبّاً. وجملة {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} تكرير لتعداد الآية لأنها آية مستقلة. والقول في جملة {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} مثل قوله آنفاً: {أية : إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} تفسير : [سورة النحل: 65]. والإشارة إلى جميع ما ذكر من نعمة سقي الألبان وسقي السكر وطعم الثمر. واختير وصف العقل هنا لأن دلالة تكوين ألبان الأنعام على حكمة الله تعالى يحتاج إلى تدبّر فيما وصفته الآية هنا، وليس هو ببديهي كدلالة المطر كما تقدم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}. جمهور العلماء على أن المراد بالسكر في هذه الآية الكريمة: الخمر، لأن العرب تطلق اسم السكر على ما يحصل به السكر، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم. والعرب تقول: سكر "بالكسر" سكراً "بفتحتين" وسكراً "بضم فسكون". وقال الزمخشري في الكشاف: والسكر: الخمر. سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً، نحو رشد رشداً ورشداً. قال: شعر : وجاءونا بهم سكر علينا فأجلى اليوم والسكران صاحي - أهـ تفسير : ومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر: شعر : بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاء والسكر تفسير : وممن قال: بأن السكر في الآية الخمر: ابن عباس، و ابن مسعود، وابن عمر، وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، والكلبي، وابن جبير، وأبو ثور، وغيرهم. وقيل: السكر: الخل. وقيل الطعم وقيل: العصير الحلو. وإذا عرفت أن الصحيح هو مذهب الجمهور، وأن الله امتن على هذه الأمة بالخمر قبل تحريمها - فاعلم أن هذه الآية مكية، نزلت بعدها آيات مدنية بينت تحريم الخمر، وهي ثلاث آيات نزلت بعد هذه الآية الدالة على إباحة الخمر. الأولى - آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها، ولم يجزم فيها بالتحريم، وهي قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}تفسير : [البقرة: 219] وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها، وشربها آخرون للمنافع التي فيها. الثانية - آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة، كما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح، وما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر، وهي قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}تفسير : [النساء: 43] الآية. الثالثة - آية المائدة الدالة على تحريمها تحريماً باتاً، وهي قوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [المائدة: 90] إلى قوله - {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91]. وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها. لأنه تعالى صرح بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها أمراً جازماً في قوله {فاجتنبوه} واجتناب الشيء: هو التباعد عنه، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه. وعلق رجاء الفلاح على اجتنابها في قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ويفهم منه - أنه من لم يجتنبها لم يفلح، وهو كذلك. ثم بين بعض مفاسدها بقوله: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [المائدة: 91]. ثم أكد النهي عنها بأن أورده بصيغة الاستفهام في قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} فهو أبلغ في الزجر من صيغة الأمر التي هي "انتهوا" وقد تقرر في فن المعاني: أن من معاني صيغة الاستفهام التي ترد لها الأمر. كقول: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}، وقوله: {أية : وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ>} تفسير : [آل عمران: 20] الآية. أي أسلموا. والجار والمجرور في قوله: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ}تفسير : [النحل: 67] الآية - يتعلق بـ {تّتَّخِذُونَ} وكرر لفظ "من" للتأكيد، وأفرد الضمير في قوله {منه} مراعاة للمذكور. اي تتخذون منه، أي مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب. ونظيره قول رؤبة: شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : فقوله "كأنه" أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق. وقيل: الضمير راجع إلى محذوف دل المقام عليه. أي ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، أي عصير الثمرات المذكورة وقيل: قوله {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ} معطوف على قوله {أية : مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}تفسير : [النحل: 66] أي نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل. وقيل: يتعلق بـ {أية : نُّسقِيكُم}تفسير : [النحل: 66] محذوفة دلت عليها الأولى. فيكون من عطف الجمل. وعلى الأول يكون من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل. وقيل: معطوف على "الأنعام" وهو أضعفها عندي. وقال الطبري: التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكراً. فحذف "ما". قال أبو حيان (في البحر): وهو لا يجوز على مذهب البصريين. وقيل: يجوز أن، يكون صفة موصوف محذوف، أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه. ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز: شعر : مالك عندي غير سوط وحجر وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي كان من أرمى البشر تفسير : أي بكفي رجل كان "الخ" ذكر الزمخشري وأبو حيان. قال مقيده عفا الله عنه: أظهر هذه الأقوال عندي: أن قوله: {وَمِن ثَمَرَاتِ} يتعلق بـ {تتَّخذون} أي تتخذون من ثمرات النخيل، وأن "من" الثانية توكيد للأولى. والضمير في قوله {مِنْهُ} عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات، والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم - أن التحقيق على مذهب الجمهور: أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله جل وعلا: {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ} [النحل:67] منسوخة بآية المائدة المذكورة. فما جزم به صاحب مراقي السعود فيه وفي شرحه (نشر البنود) من أن تحريم الخمر ليس نسخاً لإباحتها الأولى بناء على أن إباحتها الأولى إباحة عقلية، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، وهي ليست من الأحكام الشرعية. فرفعها ليس بنسخ. وقد بين في المراقي: أنها ليست من الأحكام الشرعية بقوله: - شعر : وما من البراءة الأصلية قد أخذت فليست الشرعية تفسير : وقال أيضاً في إباحة الخمر قبل التحريم: - شعر : أباحها في أول الإسلام براءة ليست من الأحكام تفسير : كل ذلك ليس بظاهر، بل غير صحيح. لأن إباحة الخمر قبل التحريم دلت عليها هذه الآية الكريمة، التي هي قوله: {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً}. الآية، وما دلت على إباحته آية من كتاب الله لا يصح أن يقال: إن إباحته عقلية، بل هي إباحة شرعية منصوصة في كتاب الله، فرفعها نسخ. نعم! على القول بأن معنى السكر في الآية: الخل أو الطعم أو العصير. فتحريم الخمر ليس نسخاً لإباحتها، وإباحتها الأولى عقلية. وقد بينا هذا المبحث في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب). فإن قيل: الآية واردة بصيغة الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ كما تقرر في الأصول: فالجواب - أن النسخ وارد على ما يفهم من الآية من إباحة الخمر، والإباحة حكم شرعي كسائر الأحكام قابل للنسخ. فليس النسخ وارداً على نفس الخبر، بل على الإباحة المفهومة من الخبر. كما حققه ابن العربي المالكي وغيره. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَرِزْقاً حَسَناً} أي التمر والرطب والعنب والزبيب، والعصير ونحو ذلك. تنبيه آخر اعلم - أن النَّبيذ الذي يسكر منه الكثير لا يجوز أن يشرب منه القليل الذي لا يسكر لقلته. وهذا مما لا شك فيه. فمن زعم جواز شرب القليل الذي لا يسكر منه كالحنفية وغيرهم - فقط غلط غلطاً فاحشاً. لأن ما يسكر كثيره يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه مسكر، والنًّبي صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : كل مسكر حرام"تفسير : وقد ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"تفسير : . ولو حاول الخضم أن ينازع في معنى هذه الأحاديث - فزعم أن القليل الذي لا يسكر يرتفع عنه اسم الإسكار فلا يلزم تحريمه. قلنا: صرح صلى الله عليه وسلم بأن "حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام"تفسير : . وهذا نص صريح في محل النزاع لا يمكن معه كلام. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام"تفسير : رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن. وعن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام" تفسير : رواه أحمد وابن ماجه، والدارقطني وصححه. ولأبي داود وابن ماجه والترمذي مثله سواء من حديث جابر. وكذا لأحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وكذلك الدارقطني من حديث الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. حديث : وعن سعد بن ابي وقاص: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن قليل ما أسكر كثيره" تفسير : رواه النسائي والدارقطني وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أتاه قوم فقالوا: يا رسول الله، إنا ننبذ النَّبيذ فنشربه على غدائنا وعشائنا؟ فقال: اشربوا فكل مسكر حرام. فقالوا: يا رسول الله، إنا نكسره بالماء؟ فقال: "حرام قليل ما أسكر كثيره"تفسير : رواه الدارقطني.اهـ. بواسطة نقل المجد في (منتقي الأخبار). فهذه الأحاديث لا لبس معها في تحريم قليل ما أسكر كثيره. وقال ابن حجر (في فتح الباري) في شرح قوله صلى الله عليه وسلم عند البخاري: "حديث : كل شراب أسكر فهو حرام"تفسير : ما نصه: فعند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام"تفسير : . وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وسنده إلى عمرو صحيح. ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعاً "حديث : كل مسكر حرام. وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام"تفسير : . ولابن حبان والطحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال؟: "حديث : أنهاكم عن قليل ما أسكره كثيره"تفسير : وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث - إلى أن قال -: وجاء أيضاً عن علي عند الدارقطني، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق والطبراني، وعن خوات بن جبير عند الدارقطني والحاكم والطبراني، وعن زيد بن ثابت عند الدارقطني. وفي أسانيدها مقال. لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة. قال أبو المظفر بن السمعاني (وكان حنفياً فتحول شافعياً): ثبتت الأخبار عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر. ثم ساق كثيراً منها: ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافها. فإنها حجج قواطع. قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب، ورووا فيه أخباراً معلولة، لا تعارض هذه الأخبار بحال. ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب مسكراً فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير. وإنما الذي شربه كان حلواً ولم يكن مسكراً. وقد روى ثمامه بن حزن القشيري: أنه سأل عائشة عن النَّبيذ؟ فدعت جارية حبشية فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكئه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه. أخرجه مسلم. وروى الحسن البصري عن أمه عن عائشة نحوه. ثم قال: فقياس النَّبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النَّبيذ - إلى أن قال: وعلى الجملة، فالنصوص المصرح بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية عن القياس. والله أعلم. وقد قال عبد الله بن مبارك: لا يصح في حل النًّبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين. إلا عن إبراهيم النخعي. انتهى محل الغرض من (فتح الباري) بحذف ما لا حاجة إليه. قال مقيدة عفا الله عنه: تحريم قليل النَّبيذ الذي يسكر كثيره لا شك فيه. لما رأيت من تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن "حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام ". تفسير : واعلم - أن قياس النَّبيذ المسكر كثيره على الخمر بجامع الإسكار لا يصح. لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن "حديث : كل مسكر حرام" تفسير : والقياس يشترط فيه ألا يكون حكم الفرع منصوصاً عليه كحكم الأصل. كما أشار له في مراقي السعود بقوله: شعر : وحيثما يندرج الحكمان في النص فالأمران قل سيان تفسير : وقال ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اهـ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن ثمرات النخيل والأعناب: أي ومن بعض ثمرات النخيل والأعناب ثمرٌ تتخذون منه سكراً أي خمرا ورزقاً حسناً أي والتمر والزبيب والخل والدبس الرزق الحسن. وأوحى ربك إلى النحل: أي ألهمها أن تفعل ما تفعله بإلهام منه تعالى. ومما يعرشون: أي يبنون لها. سبل ربك ذللاً: أي طرق ربك مذللةً فلا يعسر عليك السير فيها ولا تضلين عنها. شراب: أي عسل. فيه شفاء للناس: أي من الأمراض إن شرب بنية الشفاء، أو بضميمته إلى عقار آخر. إلى أرذل العمر: أي أخَسَّه من الهرم والخرف، والخرف فساد العقل. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته الموجبة لعبادته وحده والمقررة لعقيدة النبوة والبعث الآخر. قال تعالى في معرض بيان ذلك بأسلوب الامتنان المقتضي للشكر {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} ورزقاً حسناً أي ومن بعض ثمرات النخيل والأعناب ثمرٌ تتخذون منه سكراً أي شراباً مسكراً. وهذا كان قبل تحريم الخمر {وَرِزْقاً حَسَناً} وهو الزبيب والخل من العنب والتمر والدبس العسل من النخل وقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي أن فيما ذكرنا لكم لآية أي دلالة واضحة على قدرتنا وعلمنا ورحمتنا لقومٍ يعقلون الأمور ويدركون نتائج المقدمات، فذو القدرة والعلم والرحمة هو الذي يستحق التأليه والعبادة.. وقوله: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} هذا مظهر آخر عظيم من مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته يتجلى بإعلامه حشرة النحل كيف تلد العسل وتقدمه للإِنسان فيه دواء من كل داء، فقوله {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ} أيها الرسول {إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} بأن ألهمها {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ} أيضاً بيوتاً، {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} أي ومما يعرش الناس لَكِ أي يبنون لَكِ، اتخذي من ذلك بيوتاً لَكِ إذ النحلة تتخذ لها بيتاً داخل العريش الذي يعرش لها تبنيه بما تفرزه من الشمع وقوله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} أي ألهمها أن تأكل من كل ما تحصل عليه من الثمرات من الأشجار والنباتات أي من أزهارها ونوارها وقوله لها {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} بإلهام منه تسلك ما سخر لها وذلك من الطرق فتنتقل من مكان إلى آخر تطلب غذاءها ثم تعود إلى بيوتها لا تعجز ولا تضل وذلك بتذليل الله تعالى وتسخيره لها تلك الطرق فلا تجد فيها وعورة ولا تنساها فتخطئها. وقوله تعالى {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} أي بطون النحل {شَرَابٌ} أي عسل يشرب {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} ما بين أبيض وأحمر وأسود، أو أبيض مشرب بحمرة أو يضرب إلى صفرة. وقوله تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} أي من الأدواء، هذا التذكير في قوله شفاء دال على بعض دون بعض جائز هذا حتى يضم إليه بعض الأدوية أو العقاقير الأخرى، أمَّا مع النية أي أن يشرب بنية الشفاء من المؤمن فإنه شفاء لكل داء وبدون ضميمة أي شيء آخر له. وفي حديث الصحيح وخلاصته أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استطلاق بطن أخيه أي مشي بطنه عليه فقال له اسقه عسل، فسقاه فعاد فقال ما أراه زاده إلا استطلاقاً فعاد فقال مثل ما قال أولاً ثلاث مرات وفي الرابعة او الثالثة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الله وكذب بطن اخيك اسقه العسل فسقاه فقام كأنما نشط من عقال. وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي المكذور من إلهام الله تعالى للنحل وتعليمها كيف تصنع العسل ليخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس لدلالة واضحة على علم الله وقدرته ورحمته وحكمته المقتضية عبادته وحده وتأليهه دون سواه ولكن لقوم يتفكرون في الأشياء وتكوينها وأسبابها ونتائجها فيهتدون إلى المطلوب منهم وهو أن يذكروا فيتعظوا فيتوبوا إلى خالقهم ويسلموا له بعبادته وحده دون سواه وقوله تعالى في الآية الأخرى [70] {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} هذه آية أخرى أجل وأعظم في الدلالة على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته، وهي موجبة لعبادته وحده وملزمة بالإِيمان بالبعث الآخر فخلق الله تعالى لنا وحده وهو واحد ونحن لا يحصى لنا عد، ثم إماتته لنا موتاً حقيقياً يقبض أرواحنا ولا يستطيع أحد أن لا يموت ولا يتوفى أبداً ثم من مظاهر الحكمة أن يتوفانا من أجالٍ مختلفة اقتضها الحكمة لبقاء النوع واستمرار الحياة إلى نهايتها. فمن الناس من يموت طفلاً ومنهم من يموت شاباً، وكلها حسب حكمة الابتلاء والتربية الإِلهية، وآية أخرى ان منا من يرد إلى أرذل عمره، أي أردأه وأخسَّه فيهرم ويخرف فيفقد ما كان له من قوة بدنٍ وعقل ولا يستطيع أحد أن يخلصه من ذلك إلا الله، مظهر قدرة ورحمة أرأيتم لو شاء الله أن يرد الناس كلهم إلى أرذل العمر ولو في قرنٍ أو قرنين من السنين فكيف تصبح حياة الناس يؤمئذٍ؟ وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تقرير لعلمه وقدرته، إذ ما نتج وما كان ما ذكره من خلقنا ووفاتنا ورد بعضنا إلى أرذل العمر إلا بقدرة قادر وعلم عالم وهو الله العليم القدير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان منة الله تعالى على العباد بذكر بعض أرزاقهم لهم ليشكروا الله على نعمه. 2- بيان آيات الله تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته في خلق شراب الإنسان وغذائه ودوائه. 3- فضيلة العقل والتعقل والفكر والتفكر. 4- تقرير عقيدة الإِيمان باليوم الآخر الدال عليه القدرة والعلم الإلهيين، إذ من خلق وأمات لا يُستنكر منه أن يخلق مرة أخرى ولا يميت.
د. أسعد حومد
تفسير : {ثَمَرَاتِ} {وَٱلأَعْنَابِ} (67) - وَيَتَّخِذُ النَّاسَ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ أَشْرِبَةً، مِنْهَا النَّبِيذُ المُسْكِرُ (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ)، وَمِنْهَا الرِّزْقُ الحَسَنُ: كَالدِّبْسِ وَالعَصِيرِ وَالخَلِّ ... إلخ وَفِي ذلِكَ آيَةٌ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَعِبْرَةٌ لَهُمْ بَالِغَةُ الدَّلاَلَةِ عَلَى بَدِيعِ صُنْعِ اللهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّكَرُ هَوُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتَي النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ، وَالرِّزْقُ الحَسَنُ هُوَ مَا أُحِلَّ مِنْهُمَا). السَّكَرُ - المُسْكِرُ أَوِ الخَمْرُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ثمرات النخيل هي: البلح. والأعناب هو: العنب الذي نُسمّيه الكَرْم. والتعبير القرآني هنا وإن امتنَّ على عباده بالرزق الحسن، فإنه لا يمتنّ عليهم بأن يتخذوا من الأعناب سكراً: أي مُسْكِراً، ولكن يعطينا الحق سبحانه هنا عبرةً فقد نزلتْ هذه الآيات قبل تحريم الخمر. وكأن الآية تحمل مُقدّمة لتحريم الخمر الذي يستحسنونه الآن ويمتدحونه؛ ولذلك يقول العلماء: إن الذي يقرأ هذه الآية بفِطنة المستقْبِل عن الله يعلم أن لله حُكْماً في السَّكر سيأتي. كيف توصَّلوا إلى أن لله تعالى حُكْماً سيأتي في السَّكر؟ قالوا: لأنه قال في وصف الرزق بأنه حسن، في حين لم يَصِفْ السَّكر بأنه حسن، فمعنى ذلك أنه ليس حسناً؛ ذلك لأننا نأكل ثمرات النخيل (البلح) كما هو، وكذلك نأكل العنب مباشرة دون تدخُّل مِنّا فيما خلق الله لنا. أما أنْ نُغيّر من طبيعته حتى يصير خمراً مُسْكراً، فهذا إفساد في الطبيعة التي اختارها الله لنا لتكون رزقاً حَسناً. وكأنه سبحانه يُنبّه عباده، أنَا لا أمتنُّ عليكم بما حرَّمْتُ، فأنا لم أُحرِّمه بَعْد، فاجعلوا هذا السَّكر - كما ترونه - متعةً لكم، ولكن خذوا منه عبرة أَنِّي لم أَصِفْه بالحُسْن؛ لأنه إنْ لم يكُنْ حَسَناً فهو قبيح، فإذا ما جاء التحريم فقد نبهتكم من بداية الأمر. ثم يقول تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67]. لأن العقل يقتضي أنْ نُوازِنَ بين الشيئين، وأن نسأل: لماذا لم يوصف السَّكر بأنه حَسَن؟ .. أليس معناه أن الله تعالى لا يحب هذا الأمر ولا يرضاه لكم؟ إذن: كأن في الآية نِيّة التحريم، فإذا ما أنزل الله تحريم الخمر كان هذا تمهيداً له. والآية هي: الأمر العجيب الذي يُنبئكم الله الذي خلق لكم هذه الأشياء لسلامة مبانيكم وقوالبكم المادية، قادر ومأمون على أن يُشرّع لكم ما يضمن سلامة معانيكم وقلوبكم القيمية الروحية. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} السَّكَرُ: الحَرامُ والحَسَنُ: الرِّزقُ الحَلالُ. ويقال: السَّكَرُ: الطَّعمُ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 491 : 8 : 1 - سفين عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفين عن بن عباس في قوله {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} قال، السكر ما حرم من ثمرتها. والرزق الحسن ما أحل من ثمرتها. [الآية 67] 492 : 9 : 5 - سفين عن أبي حصين عن سعيد بن جبير {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} قال، السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال.
همام الصنعاني
تفسير : 1495- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}: [الآية: 67]، قال: السَّكَر خُمورُ الأعاجِمِ، ونُسِخَتْ في سورةِ المائدة، والرزق الحسن ما يَنْتَبِذُون ويتخللون وَيَأْكُلُون. 1496- عبد الرزاق، عن الثّوري، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، قال: سُئِلَ عن هذه الآية: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}: [الآية: 67]، قال: السكر: ما حرّم من خمرها، والرزق الحسن: ما حُلَّ من ثمرها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):