١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
68
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة، وبينات باهرة على أن لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً حكيماً، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } يقال وحى وأوحى، وهو الإلهام، والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول: أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار. والثاني: أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة، أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا يبقى فيما بينها فرج ضائعة، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب. والثالث: أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران، وذلك أيضاً من الأعاجيب. والرابع: أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها، وهذا أيضاً حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم قال تعالى في حقها: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ }. واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً } تفسير : [الشورى: 51] وفي حق الأولياء أيضاً قال تعالى: { أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين } تفسير : [المائدة: 111] وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى: { أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 7] وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص، والله أعلم. المسألة الثانية: قال الزجاج: يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلاً، لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره النحل يذكر ويؤنث، وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله تعالى، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. ثم قال تعالى: {أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: {أَنِ ٱتَّخِذِى } هي «أن» المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول، وقرىء: {بُيُوتًا } بكسر الباء {وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } أي يبنون ويسقفون، وفيه لغتان قرىء بهما، ضم الراء وكسرها مثل يعكفون ويعكفون. واعلم أن النحل نوعان: النوع الأول: ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس. والنوع الثاني: التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس، فالأول هو المراد بقوله: {أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ }. والثاني: هو المراد بقوله: {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } وهو خلايا النحل. فإن قيل: ما معنى «من» في قوله: {أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟ قلنا: أريد به معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر، بل في مساكن توافق مصالحها وتليق بها. المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: {أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا } أمر، وقد اختلفوا فيه، فمن الناس من يقول لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول، ولا يبعد أن يتوجه عليها من الله تعالى أمر ونهي. وقال آخرون: ليس الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال، والكلام المستقصى في هذه المسألة مذكور في تفسير قوله تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } تفسير : [النمل: 18]. ثم قال تعالى: {ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ } لفظة «من» ههنا للتبعيض أو لابتداء الغاية، ورأيت في «كتب الطب» أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه، وهو أنه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة. أما القسم الثاني: فهو مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الطرفاء في بعض البلدان وذلك محسوس. وأما القسم الأول: فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل حتى أنها تلتقط تلك الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئاً من تلك الأجزاء وذهبت بها إلى بيوتها ووضعتها هناك، لأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذاك هو العسل، ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة أشياء، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلاً، ثم إنها تقيء مرة أخرى فذاك هو العسل، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة إلى الاستقراء، فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا ههنا. وأيضاً فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما يتغذى بالعسل، ولذلك فإنا إذا استخرجنا العسل من بيوت النحل نترك لها بقية من ذلك لأجل أن تغتذي بها فعلمنا أنها إنما تغتذي بالعسل وأنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الأجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها. إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: {ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } كلمة (من) ههنا تكون لابتداء الغاية، ولا تكون للتبعيض على هذا القول. ثم قال تعالى: {فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبّكِ } والمعنى: ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها فاسلكي سبل ربك في الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو يكون المراد: فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك. أما قوله: {ذُلُلاً } ففيه قولان: الأول: أنه حال من السبل لأن الله تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: { أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً } تفسير : [الملك: 15] الثاني: أنه حال من الضمير في {فَٱسْلُكِى } أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة. ثم قال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } وفيه بحثان: البحث الأول: أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال: إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه. البحث الثاني: أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول: العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار، فيلقطها الزنبور بفمه، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } أي من أفواهها، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطناً، ألا ترى أنهم يقولون: بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ، وكذا ههنا يخرج من بطونها أي من أفواهها، وأما على قول أهل الظاهر، وهو أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقيء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر. ثم قال تعالى: {شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة: فالصفة الأولى: كونه شراباً والأمر كذلك، لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه الأشربة. والصفة الثانية: قوله: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } والمعنى: أن منه أحمر وأبيض وأصفر. ونظيره قوله تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } تفسير : [فاطر: 27] والمقصود منه: إبطال القول بالطبع، لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة، دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار، لا لأجل إيجاد الطبيعة. والصفة الثالثة: قوله: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } وفيه قولان: القول الأول: وهو الصحيح أنه صفة للعسل. فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة؟ قلنا: إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل، وأيضاً فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع. والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد: أن القرآن شفاء للناس، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } ثم ابتدأ وقال: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة، مثل هذا الذي في قصة النحل. وعن ابن مسعود: أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: {شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق، فهو غير مناسب. والثاني: ما روى أبو سعيد الخدري: أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: «حديث : اسقه عسلاً» تفسير : فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : اذهب واسقه عسلاً » تفسير : فذهب فسقاه، فكأنما نشط من عقال، فقال: « حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك » تفسير : وحملوا قوله: « حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك » تفسير : على قوله: {فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل. فإن قال قائل: ما المراد بقوله عليه السلام: « حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك » تفسير : . قلنا: لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان هذا جارياً مجرى الكذب، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه: الأول: اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها. والثاني: اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق. والثالث: خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} قد مضى القول في الوَحْي وأنه قد يكون بمعنى الإلهام، وهو ما يخلقه الله تعالى في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، وهو من قوله تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَافَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس: 7-8]. ومن ذلك البهائم وما يخلق الله سبحانه فيها من درك منافعها واجتناب مضارها وتدبير معاشها. وقد أخبر عز وجل بذلك عن الموات فقال: {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}. قال إبراهيم الحَرْبيّ: لله عز وجل في الموت قدرة لم يُدْرَ ما هي، لم يأتها رسول من عند الله ولكن الله تعالى عرّفها ذلك؛ أي ألهمها. ولا خلاف بين المتأولين أن الوحي هنا بمعنى الإلهام. وقرأ يحيى بن وَثّاب «إلى النَّحَلِ» بفتح الحاء. وسُمِّيَ نحلاً لأن الله عز وجل نحله العسل الذي يخرج منه؛ قاله الزجاج. الجوهريّ: والنحل والنحلة الدّبْر يقع على الذكر والأنثى، حتى يقال: يَعْسُوب. والنحل يؤنث في لغة أهل الحجاز، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. وروي من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الذِّبان كلّها في النار يجعلها عذاباً لأهل النار إلا النحل» تفسير : ذكره الترمذيّ الحكيم في (نوادر الأصول). وروي عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النملة والنحلة والهُدْهُد والصُّرَد، خرّجه أبو داود أيضاً، وسيأتي في «النمل» إن شاء الله تعالى. الثانية ـ قوله تعالى: {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ} هذا إذا لم يكن لها مليك. {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع، إما في الجبال وكِوَاها، وإما في متجوّف الأشجار، وإما فيما يعرِش ابن آدم من الأجباح والخلايا والحيطان وغيرها. وعرَش معناه هنا هيّأ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها؛ ومنه العريش الذي صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ومن هذا لفظة العرش. يقال: عرش يَعْرِش ويعرُش (بكسر الراء وضمها)، وقرىء بهما. قرأ ابن عامر بالضم وسائرهم بالكسر، واختلف في ذلك عن عاصم. الثالثة ـ قال ابن العربيّ: ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدّسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك أن الأشكال من المثلّث إلى المعشر إذا جُمع كلّ واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينهما فُرج، إلا الشكل المسدّس؛ فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة.
ابن كثير
تفسير : المراد بالوحي هنا الإلهام والهداية، والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها بحيث لا يكون في بيتها خلل، ثم أذن لها تعالى إذناً قدرياً تسخيرياً أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها، أي: مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم، والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من فيها، وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها. وقال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} أي: مطيعة، فجعلاه حالاً من السالكة، قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: {أية : وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } تفسير : [يس: 72] قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل ببيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم، والقول الأول هو الأظهر، وهو أنه حال من الطريق، أي: فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد، وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح. وقد قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا مكين بن عبد العزيز عن أبيه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عمر الذباب أربعون يوماً، والذباب كله في النار إلا النحل»تفسير : وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} ما بين أبيض وأصفر وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها. وقوله: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} أي: في العسل شفاء للناس، أي: من أدواء تعرض لهم، قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال: فيه الشفاء للناس، لكان دواء لكل داء، ولكن قال: فيه شفاء للناس، أي: يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار، والشيء يداوى بضده. وقال مجاهد وابن جرير في قوله: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} يعني: القرآن، وهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر ههنا من سياق الآية، فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله ههنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الإسراء: 82] وقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مَّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 57] والدليل على أن المراد بقوله تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} هو العسل، الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: «حديث : اسقه عسلاً»تفسير : فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: يارسول الله سقيته عسلاً، فما زاده إلا استطلاقاً، قال: «حديث : اذهب فاسقه عسلاً» تفسير : فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: يارسول الله ما زاده إلا استطلاقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً» تفسير : فذهب فسقاه عسلاً، فبرىء. قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلاً، وهو حار، تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاده إسهالاً، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره، وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه، فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن، استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام. وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الحلواء والعسل، هذا لفظ البخاري وفي صحيح البخاري من حديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي»تفسير : وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة، سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن كان في شيء من أدويتكم، أو يكون في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي» تفسير : ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة عن جابر به. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا عبد الله بن الوليد عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : ثلاث إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية تصيب ألماً، وأنا أكره الكي ولا أحبه» تفسير : ورواه الطبراني عن هارون بن سلول المصري عن أبي عبد الرحمن المقري، عن عبد الله بن الوليد به، ولفظه: «حديث : إن كان في شيء شفاء فشرطة محجم» تفسير : وذكره، وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه القزويني في سننه: حدثنا علي بن سلمة، هو التغلبي، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله، هو ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن» تفسير : وهذا إسناد جيد تفرد بإخراجه ابن ماجه مرفوعاً، وقد رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن سفيان هو الثوري به موقوفاً، وله شبه. وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء، فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة، وليغسلها بماء السماء، وليأخذ من امرأته درهماً عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلاً، فليشربه بذلك، فإنه شفاء: أي: من وجوه، وقال الله تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الإسراء: 82] وقال: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَـٰرَكاً} تفسير : [ق: 9] وقال: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4] وقال في العسل: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ}. وقال ابن ماجه أيضاً: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سعيد بن زكريا القرشي، حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي عن عبد الحميد بن سالم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «حديث : من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء» تفسير : الزبير بن سعيد متروك. وقال ابن ماجه أيضاً: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي، حدثنا عمرو بن بكير السكسكي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة، سمعت أبا أبي بن أم حرام، وكان قد صلى القبلتين، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : عليكم بالسنا والسنُّوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام» تفسير : قيل: يارسول الله وما السام؟ قال: «حديث : الموت» تفسير : قال عمرو: قال ابن أبي عبلة: السنُّوت: الشبت. وقال آخرون: بل هو العسل الذي في زقاق السمن، وهو قول الشاعر:شعر : هُمُ السَّمْنُ بالسّنُّوتِ لا لَبْسَ فيهم وَهُمْ يَمْنَعْونَ الجار أَنْ يُقَرَّدا تفسير : كذا رواه ابن ماجه، وقوله: لا لبس فيهم، أي: لا خلط. وقوله: يمنعون الجار أن يقردا، أي: يضطهد ويظلم، وقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة، إلى السلوك في هذه المهامه، والاجتناء من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل، وهو من أطيب الأشياء، لآية لقوم يتفكرون في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وحي إلهام {أَن} مفسرة أو مصدرية {ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا } تأوين إليها {وَمِنَ ٱلشَّجَرِ } بيوتا {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } أي الناس يبنون لك من الأماكن وإلا لم تأو إليها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وأوحى ربك إلى النحل} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الوحي إليها هو إلهاماً، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: يعني أنه سخرها، حكاه ابن قتيبة. الثالث: أنه جعل ذلك في غرائزها بما يخفى مثله على غيرها، قاله الحسن. {أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشُون} فذكر بيوتها لما ألهمها وأودعه في غرائزها من صحة القسمة وحسن المنعة. {ومما يعرشون} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الكرم، قاله ابن زيد. الثاني: ما يبنون، قاله أبو جعفر الطبري. {ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك} أي طرق ربك. {ذللاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: مذللة، قاله أبو جعفر الطبري. الثاني: مطيعة، قاله قتادة. الثالث: أي لا يتوعر عليها مكان تسلكه، قاله مجاهد. الرابع: أن الذلل من صفات النحل وأنها تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا، قاله ابن زيد. {يخرج من بطونها شرابٌ} يعني العسل. {مختلف ألوانُهُ} لاختلاف أغذيتها. {فيه شفاءٌ للناس} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك عائد إلى القرآن، وأن في القرآن شفاء للناس أي بياناً للناس، قاله مجاهد. الثاني: أن ذلك عائد إلى الاعتبار بها أن فيه هدى للناس، قاله الضحاك. الثالث: أن ذلك عائد إلى العسل، وأن في العسل شفاء للناس، قاله ابن مسعود وقتادة. روى قتادة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أن أخاه اشتكى بطنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذهب فاسق أخاك عسلاً"، تفسير : ثم جاء فقال: ما زاده إلا شدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اذهب فاسق أخاك عسلاً". تفسير : ثم جاء فقال له: ما زاده إلا شدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذهب فاسق أخاك عسلاً، صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فكأنه نشط من عِقال "
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَوْحَى} ألهمها، أو سخرها أو جعله في غرائزها بما يخفي مثله على غيرها {يَعْرِشُونَ} يبنون، أو الكروم.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} لما ذكر الله سبحانه وتعالى دلائل قدرته، وعجائب صنعته الدالة على وحدانيته من إخراج اللبن من بين فرث، ودم وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل، والأعناب ذكر في هذه الآية إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من دابة ضعيفة، وهي النحلة فقال سبحانه وتعالى وأوحى ربك إلى النحل الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به كل فرد من الناس ممن له عقل، وتفكر يستدل به على كمال قدرة الله ووحدانيته وأنه الخالق لجميع الأشياء المدبر لها بلطيف حكمته، وقدرته وأصل الوحي الإشارة السريعة وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز، والتعريض وقد يكون بصوت مجرد ويقال للكلمة الإلهية التي يلقيها الله إلى أنبيائه وحي وإلى أوليائه إلهام وتسخير الطير لما خلق له ومنه قوله تعالى {وأوحى ربك إلى النحل} يعني أنه سخرها لما خلقها له، وألهمها رشدها وقدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتاً على شكل مسدس من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة، أو غير ذلك من الأشكال لكان فيما بينها خلل ولما حصل المقصود فألهمها الله سبحانه وتعالى، أن تبنيها على هذا الشكل المسدس الذي لا يحصل فيه خلل وفرجة خالية ضائعة وألهمها الله تعالى أيضاً أن تجعل عليها أميراً كبيراً نافذ الحكم فيها وهي تطيعه، وتمتثل أمره ويكون هذا الأمير أكبرها جثة وأعظمها خلقة ويسمى يعسوب النحل يعني ملكها كذا حكاه الجوهري وألهمها الله سبحانه وتعالى أيضاً أنها تخرج من بيوتها، فتدور وترعى ثم ترجع إلى بيوتها، ولا تضل عنها. ولما امتار هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة، الدالة على مزيد الذكاء والفطنة دل ذلك على الإلهام الإلهي فكان ذلك شبيهاً بالوحي، فلذلك قال تبارك وتعالى: وأوحى ربك إلى النحل، والنحل زنبور العسل ويسمى الدبر أيضاً، قال الزجاج: يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلاً لأن الله سبحانه وتعالى، نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها بمعنى أعطاهم. وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز، وكذا أنثها الله تعالى فقال {ثم كلي من كل الثمرات} يعني من بعض الثمرات لأنه لا تأكل من جميع الثمار فلفظه كل هاهنا ليست للعموم {فاسلكي سبل ربك} يعني الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها، وتدخلي فيها لأجل طلب الثمرات {ذللاً} قيل إنها نعت للسبل يعني أنها مذللة لكل الطرق مسهلة لك مسالكها. قال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان تسلكه. وقيل: الذلل نعت للنحل يعني أنها مذللة مسخرة لأربابها مطيعة منقادة لهم حتى أنهم ينقلونها من مكانها إلى مكان آخر حيث شاؤوا! وأرادوا لا تستعصي عليهم {يخرج من بطونها شراب} يعني العسل {مختلف ألوانه} يعني ما بين أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل. وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار، ويستحيل في بطونها عسلاً بقدرة الله تعالى ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب، وزعم الإمام فخر الدين الرازي أنه رأى في بعض كتب الطب، أن العسل طل من السماء ينزل كالترتجبين فيقع على الأزهار, وأوراق الشجر فتجمعه النحل فتأكل بعضه، وتدخر بعضه في بيوتها لأنفسها لتتغذى به فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير، فذلك هو العسل وقال هذا القول أقرب إلى العقل لأن طبيعة الترنجبين تقرب من طبيعة العسل، وأيضاً فإنا نشاهد أن النحل تتغذى بالعسل وأجاب عن قوله تعالى: يخرج من بطونها بأن كل تجويف في داخل البدن يسمى بطناً، فقوله: يخرج من بطونها يعني من أفواهها، وقول أهل الظاهر أولى وأصح لأنا نشاهد أنه يوجد في طعم العسل طعم تلك الأزهار التي تأكلها النحل، وكذلك يوجد لونها وطعمها فيه أيضاً, ويعضد هذا قول بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم له: أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. قالت: جرست نحلة العرفط. العرفط شجر الطلح، وله صمغ يقال لهم المغافير كريه الرائحة فمعنى جرست نحلة العرفط أكلت ورعت من العرفط الذي له الرائحة الكريهة، فثبت بهذا الدليل صحة أهل الظاهر من المفسرين، وأنه يوجد طعم العسل، ولونه وريحه طعم ما يأكله النحل ولونه وريحه لا ما قاله الأطباء من أنه طل لأنه لو كان طلاًّ لكان على لون واحد وطبيعة واحدة. وقله: إنه طبيعة العسل تقرب من طبيعة الترنجبين فيه نظر، لأن مزاج الترنجبين معتدل إلى الحرارة، وهو ألطف من السكر ومزاج العسل حار يابس في الدرجة الثانية فبينهما فرق كبير. وقوله: كل تجويف في داخل البدن يسمى بطناً فيه نظر، لأن لفظ البطن إذا أطلق لم يرد إلا العضو المعروف مثل بطن الإنسان، وغيره والله أعلم. وقوله تعالى {فيه} يعني في الشراب الذي يخرج من بطون النحل {شفاء للناس} وهذا قول ابن عباس وابن مسعود إذ الضمير في قوله فيه شفاء للناس، يرجع إلى العسل، وقد اختلفوا في هذا الشفاء هل هو على العموم لكل مرض، أو على الخصوص لمرض دون مرض، على قولين: أحدهما أن العسل فيه شفاء من كل داء وكل مرض، قال ابن مسعود: "العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور" وفي رواية أخرى عنه "عليك بالشفائين القرآن والعسل" وروى نافع أن ابن عمر ما كانت تخرج به قرحة، ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل ويقرأ {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسقه عسلاً فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً فقال له: ثلاث مرات ثم جاء الرابعة: فقال: اسقه عسلاً، فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فبرأ"تفسير : وقد اعترض بعض الملحدين، ومن في قلبه مرض على هذا الحديث. فقال: إن الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال فنقول في الرد على هذا المعترض الملحد الجاهل بعلم الطب أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة منها التخم، والهيضات، وقد أجمع الأطباء في مثل هذا على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية فأما حبسها فمضر عندهم، واستعجال مرض فيحتمل أن يكون إسهال الشخص المذكور في الحديث أصابه من امتلاء أو هيضة، فدواؤه بترك إسهاله على ما هو عليه أو تقويته فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم العسل فزاده إسهالاً, فزاده عسلاً إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال و يكون الخلط الذي كان به يوافقه شرب العسل، فثبت بما ذكرناه أن أمره صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل بشرب العسل جار على صناعة الطب، وأن المعترض عليه جاهل لها ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء: بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم بذلك وإنما ذكرنا هذا الجواب الجاري على صناعة الطب، دفعاً لهذا المعترض بأنه لا يحسن صناعة الطب التي اعترض بها والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك"تفسير : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم، علم بالوحي الإلهي أن العسل، الذي أمره بشربه سيظهر نفعه بعد ذلك فلما لم يظهر نفعه في الحال عندهم قال: صدق الله يعني فيما وعد به من أن فيه شفاء وكذب بطن أخيك يعني باستعجالك للشفاء في أول مرة والله أعلم بمراده، وأسرار رسوله صلى لله عليه سلم فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس، وهو يضر بأصحاب الصفراء ويهيج الحرارة ويضر بالشباب المحرورين ويعطش، قلنا: في الجواب عن هذا الاعتراض أيضاً: إن قوله فيه شفاء للناس مع أنه يضر بأصحاب الصفراء، ويهيج الحرارة أنه خرج مخرج الأغلب، وأنه في الأغلب فيه شفاء، ولم يقل: إنه شفاء لكل الناس لكل داء ولكنه في الجملة دواء, وإن نفعه أكثر من مضرته، وقل معجون من المعاجين إلا وتمامه به. والأشربة المتخذة من العسل نافعة لأصحاب البلغم والشيوخ المبرودين، ومنافعه كثيرة جداً، والقول الثاني: أنه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه وهذا قول السدي وقال مجاهد: في قوله فيه شفاء للناس يعني القرآن لأنه شفاء من أمراض الشرك، والجهالة والضلالة وهو هدى ورحمة للناس، والقول الأول أصح لأن الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات، وأقربها قوله تعالى يخرج من بطونها شراب وهو العسل فهو أولى أن يرجع الضمير إليه لأنه أقرب مذكور. وقوله سبحانه وتعالى {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} يعني فيعتبرون ويستدلون بما ذكرنا على وحدانيتنا وقدرتنا. قوله عز وجل {والله خلقكم} يعني أوجدكم من العدم وأخرجكم إلى الوجود ولم تكونوا شيئاً {ثم يتوفاكم} يعني عند انقضاء آجالكم إما صبياناً وإما شباناً وإما كهولاً {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} يعني أراده وأضعفه وهو الهرم قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب أولها من النشوء والنماء، وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، وهو غاية سن الشاب وبلوغ الأشد ثم المرتبة الثانية: سن الوقوف، وهو من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة، وهو غاية القوة وكمال العقل ثم المرتبة الثالثة: سن الكهولة، وهو من الأربعين إلى الستين، وهذه المرتبة يشرع الإنسان في النقص لكنه يكون نقصاً خفياً لا يظهر ثم المرتبة الرابعة: سن الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر، وفيها يتبين النقص، ويكون الهرم والخوف. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وقيل ثمانون سنة وقال قتادة تسعون سنة (ق) عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : اللهم أني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات"تفسير : . وفي رواية أخرى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذه الدعوات: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات"تفسير : وقوله تعالى: {لكيلا يعلم بعد علم شيئاً} يعني الإنسان يرجع إلى حالة الطفولية بنسيان ما كان علم بسبب الكبر، وقال ابن عباس: لكي يصير كالصبي لا عقل له. وقال ابن قتيبة: معناه حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئاً لشدة هرمه. وقال الزجاج: المعنى وإن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفاً فيصير بعد أن كان عالماً جاهلاً، ليريكم الله من قدرته أنه كما قدر على إماتته وإحيائه، أنه قادر على نقله من العلم إلى الجهل هكذا، وجدته منقولاً عنه ولو قال: ليريكم من قدرته أنه كما قدر على نقله من العلم إلى الجهل، أنه قادر على إحيائه بعد إماتته ليكون ذلك دليلاً على صحة هذا البعث، بعد الموت لكان أجود. قال ابن عباس: ليس هذا في المسلمين لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله وعقلاً ومعرفة. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئاً. وقال في قوله: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هم الذين قرؤوا القرآن وقال ابن عباس في قوله تعالى: ثم رددناه أسفل سافلين يريد الكافرين ثم استثنى المؤمنين فقال تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقوله تعالى {إن الله عليم} يعني بما صنع بأوليائه وأعدائه {قدير} يعني على ما يريد قوله تعالى {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} يعني أن الله سبحانه وتعالى بسط على واحد, وضيق وقتر على واحد وكثر لواحد وقلل على آخر، وكما فضل بعضكم على بعض في الرزق، كذلك فضل بعضكم على بعض في الخلق والخلق والعقل والصحة والسقم والحسن، والقبح والعلم والجهل وغير ذلك. فهم متفاوتون ومتباينون في ذلك كله، وهذا مما اقتضته الحكمة الإلهية والقدرة الربانية {فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} يعني من العبيد حتى يستووا فيه هم وعبيدهم يقول الله سبحانه وتعالى هم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني يلزم بهذه الحجة المشركين حيث جعلوا الأصنام شركاء لله قال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل. يقول: هل منكم أحد يرضى أن يشركه مملوكه في جميع ماله فكيف تعدلون بالله خلقه وعباده، وقيل: في معنى الآية أن الموالي والمماليك الله رازقهم جميعاً {فهم فيه} يعني في رزقه {سواء} فلا تحسبن أن الموالي يردون رزقهم على مماليكهم من عند أنفسهم، بل ذلك رزق الله أجراه على أيدي الموالي للمماليك، والمقصود منه بيان أن الرازق هو الله سبحانه وتعالى لجميع خلقه وأن الموالي والمماليك في الرزق سواء وأن المالك لا يرزق المملوك، بل الرازق للمماليك والمالك هو الله سبحانه وتعالى. وقوله {أفبنعمة الله يجحدون} فيه إنكار على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى - {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} الآية لما بيَّن أن إخراج الألبان من النَّعم، وإخراج السَّكر من ثمرات النَّخيل والأعناب دلائلٌ قاهرة على أنَّ لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً حكيماً فكذلك إخراج العسل من النحل دليلٌ قاطع على إثبات هذا المقصود. اعلم أنه - تعالى - قال: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} يقال: وحَى وأوْحَى وهو هنا الإلهام، والمعنى: أنَّه - تعالى - قرَّر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول: أنها تبني البيوت مسدَّسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرَّد طبائعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل: المسطرة والبيكار. الثاني: أنه ثبت في الهندسة أنَّ تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدَّسات، فإنه يبقى بالضَّرورة فيما بين تلك البيوت فرجٌ خالية ضائقة أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة، فإنه لا يبقى فيها فرج خالية ضائقة فاهتداء ذلك الحيوان الضَّعيف إلى تلك الحكمة الخفيَّة الدَّقيقة اللَّطيفة من الأعاجيب. الثالث: أن النَّحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرَّئيس للبقيَّة، وذلك الواحد يكون أعظم جثَّة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على البقيَّة وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه، وذلك أيضاً من الأعاجيب. الرابع: أنها إذا نفرت وذهبت من وكرها مع الجماعة إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها، ضربوا الطبول وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردِّها إلى أوكارها، وهذه أيضاً حالةٌ عجيبةٌ، فلمَّا امتاز هذا الحيوان بهذه الخواصِّ العجيبة الدالَّة على مزيد الذَّكاء والكياسة، ليس إلا على سبيل الإلهام، وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم قال - سبحانه وتعالى - في حقِّها: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}. فصل قال أبو العباس أحمد بن علي المقري - رحمه الله -: الوحي يردُ على ستَّة أوجه: الأول: الرِّسالة؛ قال - تعالى -: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [النساء: 163]، أي: أرسلنا إليك. الثاني: الإلهام؛ قال - تعالى -: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} [النحل: 68]. الثالث: الإيماءُ، قال - تعالى -: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ} تفسير : [مريم: 11] أي: أومأ إليهم. الرابع: الكتابة، قال - تعالى -: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} تفسير : [الأنعام: 121] أي: يكتبون إليهم. الخامس: الأمر، قال - تعالى -: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5]، أي: أمرها. السادس: الخلق، قال - تعالى -: {أية : وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} تفسير : [فصلت: 12]، أي: خلق. قال القرطبي: الإلهام هو ما يخلقه الله - تعالى - في القلب ابتداء من غير سبب ظاهرٍ؛ قال - تعالى -: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس: 7، 8] ومن غير ذلك البهائم وما يخلقه الله فيها من إدراك منافعها، واجتناب مضارِّها، وتدبير معاشها، وقد أخبر الله - تعالى - عن الأرض فقال: {أية : تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 4، 5]. واعلم أن الوحي قد ورد في حقِّ الأنبياء؛ قال - تعالى -: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الشورى: 51]، وفي حقِّ الأولياء؛ قال - تعالى -: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} تفسير : [المائدة: 111] وبمعنى الإلهام في حقِّ بقية البشر؛ قال - تعالى-: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 7] وفي حقِّ سائر الحيوانات بمعنى خاصّ. قال الزجاج: يجوز أن يقال: سمِّي هذا الحيوان نحلاً؛ لأن الله - تعالى - نحل النَّاس العسل الذي يخرج من بطونها. وقال غيره: النَّحل يذكَّر ويؤنث على قاعدة أسماء الأجناس، فالتأنيث فيها لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله - تعالى - وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلاَّ الهاء. وقرأ ابن وثَّاب: "النَّحَل" بفتح الحاء، فيحتمل أن يكون لغة مستقلة، وأن يكون إتباعاً. قوله "أن اتَّخذِي" يجوز أن تكون مفسِّرة، وأن تكون مصدريَّة. واستشكل بعضهم كونها مفسِّرة، قال: لأنَّ الوحي هنا ليس فيه معنى القول؛ إذ هو الإلهام لا قول فيه. وفيه نظر؛ لأن القول لكل شيء بحسبه. و "مِنَ الجِبالِ" "من" فيه للتبعيض؛ إذ لا يتهيَّأ لها ذلك في كل جبلٍ ولا شجر، وتقدَّم القول في "يَعْرِشُون" ومن قرأ بالكسر والضم في الأعراف. والمراد بـ "ممَّا يَعْرِشُونَ" ما يبنون لها من الأماكن التي تأوي إليها، وقرىء: "بِيُوتاً" بكسر الباء. فصل اعلم أن النَّحل نوعان: أحدهما: ما يسكن الجبال والغياض ولا يتعهَّدها أحد من النَّاس. والثاني: ما يسكن البيوت ويتعهَّدها الناس، فالأول هو المراد بقوله عز وجل: {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ}. والثاني هو المراد بقوله - عز وجل - {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} وهو خلايا النحل، واختلفوا فيه. فقال بعضهم: لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول مخصوصة، بحيث يمكن أن يتوجَّه عليها أمر الله ونهيه. وقال آخرون: المراد منه أنه - تعالى - خلق غرائز وطبائع توجبُ هذه الأحوال، وسيأتي الكلام على ذلك في قوله - تعالى -: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ} تفسير : [النمل: 18] إن شاء الله - تعالى -. ثم قال - تعالى -: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} "مِنْ" هنا للتبعيض؛ لأنها لا تأكل من كلِّ الثمرات؛ فهو كقوله: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 23] أو لابتداء الغاية. قال ابن الخطيب: رأيتُ في كتب الطبِّ أن الله - تعالى - دبَّر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طلٌّ لطيف في الليل، ويقع ذلك الطّلُّ على أوراق الأشجار، وقد تكون الأجزاء الطليَّة لطيفة صغيرة متفرِّقة على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجمع منها أجزاء متساوية محسوسة كالترنجبين، فإنه طلٌّ ينزل من الهواء يجتمع على أطراف أوراق الشَّجر في بعض البلدان، وذلك محسوس، فالقسم الأول: هو الذي ألهم الله - تعالى - هذا النَّحل، حتى أنَّها تلتقط تلك الذرات من الأزهار والأوراق والأشجار بأفواهها، وتأكلها وتتغذى بها، فإذا شبعت، التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئاً من تلك الأجزاء، ثم تذهبُ بها إلى بيوتها وتضعها هناك كأنها تدَّخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير، فذلك هو العسل. ومنهم من يقول: إنَّ النَّحل تأكل من الزهار الطَّيبة والأوراق العطرة أشياء، ثم إنه - تعالى - يقلِّب تلك الأجسام في داخل أبدانها عسلاً، ثمَّ إنها تقيء مرَّة أخرى؛ فذلك هو العسل. والأول أقربُ، ولا شكَّ أنه طلٌّ يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار، فكذلك ههنا، ونحن نشاهد أن النَّحل إنَّما يتغذَّى بالعسل؛ ولذلك إذا أخرجوا العسل من بيوت النَّحل تركوا لها بقية من العسل لأجل أن يتغذى بها، فعلمنا أنها تتغذَّى بالعسل، وأنَّها إنما تقع على الأشجار والأزهار؛ ليتغذى بتلك الأجزاء الطلِّية العسليَّة الواقعة من الهواء، وإذا كان ذلك، فقوله: "مِنْ كلِّ الثَّمراتِ" أن "مِنْ" هنا لابتداء الغاية لا للتبعيض. قوله: {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} أي: إذا أكلت من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو اسلكي في طلب تلك الثَّمرات سبل ربك. قوله تعالى: "ذُلُلاً" جمع ذَلُول، ويجوز أن يكون حالاً من السبل، أي: ذلَّلها لها الله - تعالى -؛ كقوله - عز وجل -: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} تفسير : [الملك: 15] وأن يكون حالاً من فاعل "اسْلُكِي"، أي: مطيعة منقادة، بمعنى أنَّ أهلها ينقلونها من مكانٍ إلى مكانٍ ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت. وانتصاب "سُبُل" يجوز أن يكون على الظرفية، أي: فاسْلُكِي ما أكلت في سبل ربك، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النوار ونحوه عسلا، وأن يكون مفعولاً به أي: اسلكي الطُّرق التي أفهمك وعلَّمك في عمل العسل. قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} التفات وإخبار بذلك، والمقصود منه أن يحتجَّ المكلف به على قدرة الله وحكمته وحسن تدبيره. واعلم أنَّا إذا حملنا الكلام على أنَّ النَّحل تأكل الأوراق والثَّمرات ثم تتقيَّأ، فذلك هو العسل فظاهرٌ، وإذا ذهبنا إلى أنَّ النحل يلتقط الأجزاء الطلية بفمه، فالمراد من قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا}، أي: من أفواهها، فكل تجويف في داخل البدن يسمى بطناً، كقولهم: بُطونُ الدِّماغِ، أي: تجاويف الدماغ، فكذا قوله - تعالى - {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} أي: من أفواهها. قوله: {شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أنَّه تارة يشرب وحده، وتارة نتَّخذ منه الأشربة، و {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أبيض وأحمر وأصفر. وقوله - تعالى-: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ}، أي: في العسل. روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: حديث : جَاءَ رجلٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ أخِي اسْتطلقَ بَطْنهُ، فقال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: اسْقِه عَسَلاً، فَسَقاهُ، ثمَّ جَاءَ فقال: إني سَقيْتهُ فَلمْ يزِدهُ إلاَّ اسْتِطلاقاً، فقَال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اسْقِهِ عَسلاً ثَلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابعة، فقال صلوات الله وسلامه عليه: اسْقهِ عَسَلاً فقال: قد سَقيْتهُ فلمْ يَزدْهُ إلا اسْتِطْلاقاً فقَال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ الله وكَذبَ بَطْنُ أخِيك، فَسقاهُ فَبَرأ" ". تفسير : وقال عبد الله بن مسعود: "العَسلُ شِفاءٌ من كُلِّ داءٍ". فإن قيل: كيف يكون شفاء للناس وهو يضرُّ بالصفراء ويهيج المرار؟. فالجواب: أنه - تعالى - لم يقل: إنه شفاءٌ لكلِّ الناس وشفاء لكل داءٍ في كلِّ حال، بل لمَّا كان شفاء للبعض ومن بعض الأدواء، صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاءٌ؛ والذي يدل على أنه شفاء في الجملة: أنه قلَّ معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل، والأشربة المتَّخذة منه في الأمراض البلغميَّة عظيمة النَّفع. وقال مجاهد - رحمه الله-: المراد بقوله - تعالى -: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ} القرآن؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 57]. وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : عَلَيكُم بِالشِّفاءَيْنِ: العَسلِ والقُرآنِ ". تفسير : وعلى هذا تمَّ الكلام عند قوله: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}، ثم ابتدأ وقال: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ} أي: في هذا القرآن. وهذا القول ضعيف؛ لما تقدم من الحديث؛ ولأنَّ الضمير يجب عوده إلى أقرب مذكور وهو الشَّراب، وأما عوده إلى غير مذكور، فلا يناسب. فإن قيل: ما المراد بقوله - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : وكَذبَ بَطْنُ أخِيكَ "تفسير : فالجواب: لعلَّه - صلوات الله وسلامه عليه - علم بالوحي أنَّ ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلمَّا لم يظهر نفعه في الحال - مع أنه - عليه الصلاة و السلام - كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك - كان هذا جارياً مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ. ثم إنه - تعالى - ختم الآية بقوله - تعالى-: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: ما ذكرنا من اختصاص النَّحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة؛ مثل بناء البيوت المسدَّسة واهتدائها إلى جمع تلك الأجزاء الواقعة من جو الهواء على أطراف أوراق الأشجار بعد تفرُّقها، فكل ذلك أمور عجيبة دالَّة على أنَّ إله هذا العالم رتَّبه على رعاية الحكمة والمصلحة. قوله - تعالى -: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} الآية لمَّا ذكر - تعالى - عجائب أحوال الأنهار والنَّبات والأنعام والنَّحل، ذكر بعض عجائب أحوال الناس في هذه الآية. واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع مراتب: أولها: سنُّ النشوء والنَّماء. وثانيها: سن الوقوف وهو سنُّ الشباب. وثالثها: سن الانحطاط القليل، وهو سنُّ الكهولة. ورابعها: الانحطاط الكبير، وهو سن الشيخوخة. فاحتجَّ - تعالى - بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض، على أن ذلك النَّاقل هو الله - تعالى - ثم قال: {ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} عند قضاء آجالكم صبياناً، أو شباباً، أو كهولاً أو شيوخاً. {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}، أي: أردأه لقوله - عزَّ وجلَّ-: {أية : وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 111] وقوله - تعالى-: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} تفسير : [هود: 27]. قال مقاتل: يعني الهرم. وقال قتادة: تسعون سنة. وقيل: ثمانون سنة. قيل: هذا مختصٌّ بالكافر؛ لأن المسلم لا يزداد بطول العمر إلا كرامة على الله، ولا يجوز أن يقال إنه رده إلى أرذل العمر؛ لقوله - تعالى -: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [التين: 5، 6]، فبيَّن أن الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات ما ردُّوا إلى أسفل سافلين. وقال عكرمة: من قرأ القرآن، لم يردَّ إلى أرذل العمر. قوله: "لِكَيْلا" في هذه اللاَّم وجهان: أحدهما: أنَّها لام التعليل، و "كَيْ" بعدها مصدرية ليس إلا وهي ناصبة بنفسها للفعل بعدها، وهي منصوبة في تأويل مصدر مجرور باللام، واللام متعلقة بـ "يُرَدُّ". قال الحوفيُّ: إنها لام "كَيْ"، و "كَيْ: للتأكيد. وفيه نظر؛ لأنَّ اللام للتَّعليل و "كَيْ" بعدها مصدريَّة لا إشعار لها بالتَّعليل والحالة هذه، وأيضاً فعملها مختلف. والثاني: أنها لام الصَّيرورة. قوله: "شَيْئاً" يجوز فيه التنازع؛ لأنه تقدمه عاملان: يعلمُ وعِلْم، أي: الفعل والمصدر، فعلى رأي البصريِّين - وهو المختار - يكون منصوباً بـ "عِلْمٍ" وعلى رأي الكوفيين يكون منصوباً بـ "يَعْلمَ". وهو مردود؛ إذ لو كان كذلك لأضمر في الثاني، فيقال: لكيلا يعلم بعد علم إيَّاه شيئاً. ومعنى الآية: لا يعقل بعد عقله الأوَّل شيئاً، إن الله عليم قدير. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه، "قَدِيرٌ" على ما يريد. فصل هذه الآية كما دلَّت على وجود الإله العالم القادر الفاعل المختار، فهي أيضاً تدلُّ على صحَّة البعث والقيامة؛ لأنَّ الإنسان كان معدوماً محضاً، ثمَّ أوجده الله، ثم أعدمه مرَّة ثانية، فدلَّ على أنَّه لمَّا كان معدوماً في المرة الأولى، وكان عوده إلى العدم في المرَّة الثانية جائزاً؛ فلذلك لمَّا صار موجوداً ثم عدم، وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرَّة الثانية جائزاً، وأيضاً: كان ميّتاً حين كان نطفة، ثم صار حيًّا، ثمَّ مات فلما كان الموت الأوَّل جائزاً، كان عود الموت جائزاً؛ وكذلك لمَّا كانت الحياة الأولى جائزة، وجب أن يكون عود الحياة جائزاً في المرَّة الثانية، وأيضاً الإنسان في أول طفولته جاهلٌ لا يعرف شيئاً، ثم صار عالماً عاقلاً، فلما بلغ أرذل العمر، عاد إلى ما كان عليه في زمان الطفولة؛ وهو عدم العقل والفهم فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر، فكذلك العقل الذي حصل ثمَّ زال، وجب أن يكون جائز العود في المرَّة الثانية، وإذا ثبتت هذه الجملة، ثبت أنَّ الذي مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده، وعود حياته، وعود عقله مرَّة أخرى، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنَّشر حقٌّ. قوله: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} الآية هذا اعتبار بحال أخرى من أحوال الإنسان؛ لأنَّا نرى أكيس النَّاس وأكثرهم عقلاً يفني عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسَّر له ذلك، ونرى أجلاف النَّاس وأقلهم عقلاً وفهماً ينفتح عليه أبواب الدنيا، وكلُّ شيءٍ خطر بباله أو دار في خياله، فإنه يحصل له في الحال، ولو كان السَّببُ هو جهد الإنسان وعقله، لوجب أن يكون العاقل أفضل في هذه الأحوال، فلمَّا رأينا أن الأعقل الأفضل أقلُّ نصيباً، والأجهل الأخس أوفر نصيباً - علمنا أنَّ ذلك بسبب قسمة القسام؛ كما قال - تعالى -: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 32] وهذا التفاوت غير مختصٍّ بالمال، بل حاصل في الذَّكاء والبلادة، والحسن والقبح، والعقل والحمق والصحة والسقم وغير ذلك. قوله: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} فيه قولان: الأول: أنَّ المراد من هذا الكلام تقرير ما تقدَّم من أن السَّعادة والنُّحوسة لا يحصلان إلا من الله - تعالى -، والمعنى: إنا رزقنا الموالي والمماليك جميعاً، فهم في رزقي سواء، فلا يحسبنَّ الموالي أنَّهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً، وإنما ذلك رزقي أجريته على أيديهم إلى مماليكهم. والحاصل: أن الرَّزاق هو الله - تعالى -، وأن المالك لا يرزق العبد؛ وتحقيق القول فيه: أنه ربما كان العبد أكمل عقلاً، وأقوى جسماً، وأكثر وقوفاً على المصالح والمفاسد من المولى؛ وذلك يدلُّ على أن ذلَّة العبد وعزة ذلك المولى من الله؛ كما قال جل ذكره -: {أية : وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 26]. الثاني: أن المراد من الآية: الرد على من أثبت شريكاً لله - عزَّ وجلَّ -، وعلى هذا القول ففيه وجهان: الأول: أن يكون هذا ردًّا على عبدة الأصنام؛ كأنه قيل: إنَّه - تعالى - فضَّل الملوك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقدر على ملكٍ مع مولاه، فإذا لم يكن عبيدكم معكم سواءً في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في العبودية. والثاني: قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه-: "نزلتْ هذه الآية في نصارى نجران، حين قالوا: إنَّ عيسى ابن مريم ابن الله"، والمعنى: أنكم لا تشركوني عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء، فكيف جعلتم عبدي ولداً وشريكاً لي في هذه الألوهية؟. قوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} في هذه الجملة أوجه: أحدها: أنَّها على حذف أداة الاستفهام، تقديره: أفهم فيه سواء، ومعناه النفي، أي: ليسوا مستوين فيه. الثاني: أنها إخبار بالتَّساوي، بمعنى أنَّ ما يطعمونه ويلبسونه لمماليكهم، إنَّما هو رزقي أجريته على أيديهم فهم فيه سواءٌ. الثالث: قال أبو البقاء: إنَّها واقعة موقع الفعل، ثم جوز في ذلك الفعل وجهين: أحدهما: أنه منصوب في جواب النَّفي، تقديره: فما الَّذين فضَّلوا برادِّي رزقهم على ما ملكتْ أيمانهم، فيستووا. الثاني: أنه معطوفٌ على موضع "بِرَادِّي" فيكون مرفوعاً، تقديره: فما الذين فضِّلوا يردُّون، فما يستوون. قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} [فيه وجهان: أحدهما: لا شبهة في أن المراد من قوله {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم. الثاني]: الباء في قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} يجوز أن تكون زائدة؛ لأنَّ الجحود لا يتعدَّى بالباء؛ كما تقول: خُذِ الخِطامَ وبالخِطَام، وتعلَّقت زيداً وبِزَيْدٍ، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر، فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: "تَجْحَدُونَ" بالخطاب؛ لقوله: "بَعضَكُم" و "خَلقَكُمْ"، والباقون بالغيبة؛ مراعاةً لقوله - عزَّ وجلَّ-: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ} وقوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم؛ لقرب المخبر عنه، وأيضاً فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحد النّعمة، وهذا إنكار على المشركين. فإن قيل: كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام؟. فالجواب من وجهين: الأول: أنَّه لمَّا كان المعطي لكل الخيرات هو الله - تعالى -، فالمثبت له شريكاً، فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات، فكان جاحداً لكونها من عند الله، وأيضاً فإنَّ أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النِّعم إلى الطبائع وإلى النُّجوم، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من عند الله. الثاني: قال الزجاج: إنه - تعالى - لمَّا بين الدلائل، وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل، كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق، فعند ذلك قال: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} في تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه البينات "يَجْحدُونَ". قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} الآية هذا نوع آخر من أحوال الناس استدلَّ به على وجود الإله المختار الحكيم، وتنبيهاً على إنعام الله على عبيده بمثل هذه النعم، وهذا الخطاب للكلِّ، فتخصيصه بآدم وحوَّاء - صلوات الله وسلامه عليهما - خلافٌ للدَّليل، والمعنى: أنه - تعالى - خلق النِّساء ليتزوج بها الذُّكور، ومعنى "مِنْ أنْفُسِكُمْ" كقوله - تعالى -: {أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 54] وقوله: {أية : فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [النور: 61]، أي: بعضكم بعضاً؛ ونظيره: {أية : وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} تفسير : [الروم: 21]. قال الأطباء وأهل الطبيعة: المنيُّ إذا انصبَّ إلى الخصية اليمنى من الذَّكر، ثم انصبَّ منه إلى الجانب الأيمن من الرَّحم، كان الولدُ ذكراً تامًّا، وإن انصبَّ إلى الخصية اليسرى، ثمَّ انصبَّ منها إلى الجانب الأيسر من الرَّحم، كان الولد أنثى تامًّا في الأنوثة، وإن انصبَّ منها إلى الخصية اليمنى، وانصبَّ منها إلى الجانب الأيسر من الرَّحم، كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن انصبَّ إلى الخصية اليسرى، ثم انصبَّ إلى الجانب الأيمن من الرَّحم، كان هذا الولدُ أنثى في طبيعة الذُّكور. وحاصل كلامهم: أن الذُّكور الغالب عليها الحرارة واليبوسة، والغالب على الإناثِ البرودة والرطوبة، وهذه العلَّة ضعيفة، فإنَّا رأينا في النِّساء من كان مزاجه في غاية السُّخونة، وفي الرِّجالِ من كان مزاجه في غاية البرودة، ولو كان الموجب للذُّكورة والأنوثة ذلك، لامتنع ذلك؛ فثبت أنَّ خالق الذَّكر والأنثى هو الإله القادر الحكيم. قوله: "وَحفَدةً" فيه أوجه: أظهرها: أنه معطوف على "بَنِينَ" بقيد كونه من الأزواج، وفسِّر هذا بأنَّه أولاد الأولاد. الثاني: أنه من عطف الصفات لشيء واحد، أي: جعل لكم بنين خدماً، والحفدة: الخدم. الثالث: أنه منصوب بـ "جَعَلَ" مقدَّرة، وهذا عند من يفسِّر الحفدة بالأعوان والأصهار، وإنما احتيج إلى تقدير "جَعَلَ"؛ لأن "جَعَلَ" الأولى مقيَّدة بالأزواج، والأعوانُ والأصهارُ ليسوا من الأزواج، والحفدة: جمع حافدٍ؛ كخادمٍ وخَدم. قال الواحدي - رحمه الله-: "ويقال في جمعه: الحفد بغير هاءٍ؛ كما يقال: الرَّصد، ومعنى الحفدة في اللغة: الأعوان والخدم". وفيهم للمفسِّرين أقوال كثيرة، واشتقاقهم من قولهم: حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْداً وحُفُوداً وحَفَداناً، أي: أسرع في الطَّاعة، وفي الحديث: "حديث : وإليك نَسْعَى ونَحْفِدُ"تفسير : ، أي: نُسرع في طَاعتِكَ؛ وقال الآخر: [الكامل] شعر : 3344- حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلهُنَّ وأسْلِمَتْ بأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ تفسير : ويستعمل "حَفَدَ" أيضاً متعدياً؛ يقال: حَفدنِي فهو حافدٌ؛ وأنشد أيضاً: [الرمل] شعر : 3345- يَحْفدُونَ الضَّيْفَ في أبْيَاتهِمْ كَرماً ذلِكَ مِنهُمْ غَيْرَ ذُلْ تفسير : وحكى أبو عبيدة أنه يقال: أحفد رباعيًّا، وقال بعضهم: الحَفدةُ الأصهارُ؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 3346- فَلوْ أنَّ نَفْسِي طَاوعَتْنِي لأصْبحَتْ لهَا حَفدٌ ممَّا يُعَدُّ كَثِيرُ ولَكنَّهَا نَفْسٌ عليَّ أبيَّةٌ عَيُوفٌ لإصْهَارِ اللِّئامِ قَذُورُ تفسير : ويقال: سَيفٌ مُحْتَفِدٌ، أي: سريعُ القطع؛ وقال الأصمعي: أصل الحفد مقاربة الخُطَى. قوله: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} ولمَّا ذكر إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح، ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطبية، و"مِنْ" في "مِنَ الطَّيباتِ" للتبعيض. ثم قال {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه - يعني: بالأصنام وقال مقاتل: يعني: بالشيطان، وقال عطاء: يصدِّقون أن لي شريكاً وصاحبة وولداً. {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} أي: بأن يضيفوها إلى غير الله ولا يضيفونها إلى الله، وقيل: يكفرون بالتَّوحيد والإسلام. وقيل: يحرِّمون على أنفسهم طيِّباتٍ أحلَّها الله لهم؛ مثل: البَحيرَة والسَّائبةِ والوَصِيلَة والحَامِ، ويبيحون لأنفسهم محرَّمات حرمها الله عليهم، وهي الميتة ولحم الخنزير {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} تفسير : [المائدة: 3]، أي: يجحدون ويكفرون إنعام الله في تحليل الطيِّبات وتحريم الخبائث، ويحكمون بتلك الأحكام الباطلة. قوله - تعالى-: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً} الآية لمَّا شرح الدَّلائل الدالة على صحَّة التَّوحيد، وأتبعها بذكر أقسام النِّعم العظيمة، أتبعها بالردِّ على عبدة الأصنام؛ قال {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَاتِ} يعني: المطر والأرض، ويعني النَّبات والثِّمار. قوله تعالى: {مِّنَ ٱلسَّمَٰوَاتِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق بـ "يَمْلِكُ"، وذلك على الإعرابين الأولين في نصب "شَيْئاً". الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "رِزْقاً". الثالث: أن يتعلق بنفس "رِزْقاً" إن جعلناه مصدراً. وقال ابن عطية - بعد أن ذكر إعمال المصدر منوناً-: والمصدر يعمل مضافاً باتِّفاق؛ لأنه في تقدير الانفصال، ولا يعمل إذا دخله الألف واللاَّم؛ لأنه قد توغَّل في حال الأسماء وبعد عن الفعليَّة، وتقدير الانفصال في الإضافة حسن عمله؛ وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشاعر: [المتقارب] شعر : 3347- ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْدَاءَهُ ................... تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 3348-................... .......... فَلمْ أنْكُلْ عَنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا تفسير : قال أبو حيَّان: أما قوله: "باتِّفاقٍ" إن عنى به من البصريين، فصحيحٌ، وإن عنى به من النَّحويين، فليس بصحيحٍ؛ إذْ قد ذهب بعضهم إلى أنَّه وإن أضيف لا يعمل، فإن وجد بعده منصوب أو مرفوع قدَّر له عاملاً، وأما قوله: "في تقدير الانفصال" فليس كذلك، إلا أن تكون إضافته غير محضة؛ كما قال به ابن الطراوة وابن برهان، ومذهبهما فاسد؛ لأن هذا المصدر قد نعت وأكد بالمعرفة، وقوله: "لا يعمل... إلى آخره" ناقضه بقوله: "وقد جاء عاملاً... إلى آخره". قال شهاب الدِّين: فغاية ما في هذا أنَّه نحا إلى أقوال قال بها غيره، وأمَّا المناقضة، فليست صحيحة؛ لأنه عنى أولاً أنَّه لا يعمل في السَّعة، وثانياً أنه قد جاء عاملاً في الضرورة، ولذلك قيَّده فقال: "في قول الشَّاعر". قوله: "شَيْئاً" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: انه منصوبٌ على المصدر، أي: لا يملك لهم ملكاً، أي: شيئاً من الملك. والثاني: أنه بدلٌ من "رِزْقاً" أي: لا يملك لهم رزقاً شيئاً، وهذا غير مقيَّد؛ إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء، ويؤيِّد ذلك أن البدل يأتي لأحد معنيين: البيان أو التَّأكيد، وهذا ليس فيه بيان؛ لأنه أعمٌّ، ولا تأكيد. الثالث: أنه منصوب بـ "رِزْقاً" على أنه اسمُ مصدر، واسم المصدر يعمل عمل المصدر، على خلاف في ذلك. ونقل مكِّي: أن اسم المصدر لا يعمل عند البصريين إلا في شعر، وقد اختلف النقلة عن البصريِّين؛ فمنهم من نقل المنع، ومنهم من نقل الجواز. وقد ذكر الفارسي انتصابه بـ "رِزْقاً" كما تقدَّم. ورد عليه ابن الطراوة: بأن الرِّزق اسم المرزوق، كالرِّعي، والطحن. وردَّ على ابن الطراوة؛ بأنّ الرزق بالكسر أيضاً مصدر، وقد سمع فيه ذلك، وظاهر هذا أنه مصدر بنفسه لا اسم مصدر. قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} يجوز في الجملة وجهان: العطف على صلة "مَا"، والإخبار عنهم بنفي الاستطاعة على سبيل الاستئناف، ويكون قد جمع الضمير العائد على "مَا" باعتبار معناها؛ إذ المراد بذلك آلهتهم. ويجوز أن يكون الضمير عائداً على العابدين. فإن قيل: قال - تعالى -: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ} فعبَّر عن الأصنام بصيغة "ما" وهي لغير العاقل، ثم جمع بالواو والنون فقال: "ولا يَسْتَطِيعُون"، وهو مختص بأولي العلم. فالجواب: أنه عبَّر عنها بلفظ "مَا" اعتباراً باعتقادهم أنَّا آلهة، والفائدة في قوله: "ولا يَسْتَطِيعُونَ" أنَّ من لا يملك شيئاً قد يوصف باستطاعته أن يمتلكه بطريقٍ من الطرق فبيَّن - تعالى - أنَّ هذه الأصنام لا تملك وليس لها استطاعة تحصيل الملك. ثم قال - تعالى -: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} يعني: الأشباه فتشبهونه بخلقه وتجعلون له شريكاً؛ فإنه واحد لا مثل له - سبحانه وتعالى -. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} يعني: أن الله يعلم ما عليكم من العقاب العظيم، وأنتم لا تعلمون خطأ ما تضربون من الأمثال، وحذف مفعول العلم اختصاراً أو اقتصاراً.
البقاعي
تفسير : ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة أعجب مما تقدم وأنفس، ثلث به وأخره لأنه أقل الثلاثة عندهم، وغير الأسلوب وجعله من وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن فقال تعالى: {وأوحى ربك} أي المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة وغيرها من الأماكن وبغير ذلك من المنافع، الدال على الفعل بالاختيار وتمام الاقتدار {إلى النحل} أي بالإلهام؛ قال الرازي في اللوامع: فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فبعضها بالتسخير المجرد كالجمادات، وبعضها بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون، وهي دويبة تتخذ بيتاً من دقاق العيدان فتدخله وتموت - والعنكبوت، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد كالملائكة، وبعضها بكل ذلك والفكر والتمييز والأعمال المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان. ولما كان في الإيحاء معنى القول، أتى بـ "أن" المفسرة فقال تعالى: {أن اتخذي} أي افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ {من الجبال بيوتاً} أيّ بيوت! ما أعجبها! {ومن الشجر} أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحارى {ومما يعرشون *} أي يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها، وبدأ بالبيوت لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة الإحكام وتمام التناسب. ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من همّ المقيل الأكل، ثنى به، ولما كان عاماً في كل ثمر، ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها، فقال تعالى: {ثم كلي} وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى: {من كل الثمرات} قالوا: من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل، وقال بعضهم: من نفس الأزهار والأوراق. ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه، نبه على خرقه للعادة في تيسيره لها فقال تعالى: {فاسلكي} أي فتسبب عن الإذن في الأكل الإذن في السير إليه {سبل ربك} أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل الأكل ذاهبة إليه وراجعة إلى بيوتك حال كون السبل {ذللاً} أي موطأة للسلوك مسهلة كما قال تعالى{أية : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً}تفسير : [الملك: 15] وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم إحسانه في تربيتها لما اهتدت إلى ذلك؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جواباً لمن كأنه قال: ماذا يكون عن هذا كله؟ فقال تعالى: - {يخرج من بطونها} - بلفت الكلام لعدم قصدها إلى هذه النتيجة {شراب} أيّ شراب! وهو العسل لأنه مع كونه من أجلّ المآكل هو "مما يشرب" {مختلف ألوانه} من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك، اختلافاً دالاً على أن فاعله مع تمام قدرته مختار، ثم أوضح ذلك بقوله تعالى: {فيه} أي مع كونه من الثمار النافعة والضارة {شفاء للناس} قال الإمام الرازي في اللوامع: إذ المعجونات كلها بالعسل، وقال إمام الأولياء محمد بن علي الترمذي: إنما كان ذلك لأنها ذلت لله مطيعة وأكلت من كل الثمرات: حلوها ومرها محبوبها ومكروهها، تاركة لشهواتها، فلما ذلت لأمر الله، صار هذا الأكل لله، فصار ذلك شفاء للأسقام، فكذلك إذا ذل العبد لله مطيعاً، وترك هواه، صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة - انتهى. وكونه شفاء - مع ما ذكر - أدل على القدرة والاختيار من اختلاف الألوان، لا جرم وصل به قوله تعالى: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من أمرها كله {لآية} وكما أشار في ابتداء الآية إلى غريب الصنع في أمرها، أشار إلى مثل ذلك في الختم بقوله تعالى: {لقوم يتفكرون *} أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة واللطائف الخفية بالبيوت المسدسة، والاهتداء إلى تلك الاجزاء اللطيفة من أطراف الأشجار والأوراق - وغير ذلك من الغرائب حيث ناطه بالفكر المبالغ فيه من الأقوياء، تأكيداً لفخامته وتعظيماً لدقته وغرابته في دلالته على تمام العلم وكمال القدرة، وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين، تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوطها تارة بالعقل وتارة بالفكر، وتارة بالذكر وتارة بغيرها. وقد جعل الإمام الرباني أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح لذلك باباً بعد أن جعل أسنان الألباب مثل أسنان الأجساد ما بين تمييز واحتلام وشباب وكهولة وغيرها كما تقدم نقله عنه في سورة براءة عند قوله تعالى { أية : ومنهم الذين يؤذون النبي}تفسير : [براءة: 61] فقال: الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق الأحوال لأسنان القلوب في القرآن - أي فإن لذلك مراتب في العلم والأفهام -: اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به أدرك معناها، ويؤنب عليها من تقاصر عنها، وينفي منالها عمن لم يصل إليها، وهي أطوار أظهرها آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار، لأن الخلق كله إنما هو عَلَم للاعتبار منه، لا أنه موجود للاقتناع به { أية : ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} تفسير : [ يونس:7-8] اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسباً لأنفسهم حتى صار عندهم وعند أتباعهم آيتهم، لا آية خالقه{ أية : أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون}تفسير : [الشعراء:128]، {والله خلقكم وما تعملون} ثم يلي آيات الاعتبار ما ينال إدراك آيته العقل الأدنى ببداهة نظره {أية : وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} تفسير : [النحل:12] جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان، ثم يلي ما يدرك ببداهة العقل ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى لشغل الحواس بمنفعته عن التفكر في وجه آيته { أية : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} تفسير : [النحل:10] أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء ووحدة الانتفاع انتهاء؛ ثم يلي ما يدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل بالإيمان ويكون آية أمر قائم على خلق، وهو مما يدرك سمعاً لأن الخلق مرئي والأمر مسموع { أية : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} تفسير : [النحل: 63-64-65] هذه آية حياة القلوب بنور العلم والحكمة الذي أخذ سمعاً عند تقرر الإيمان، وعند هذا الحد يتناهى العقل إلى فطرة الأشد وتعلو بداهته وتترقى فطره إلى نظر ما يكون آية في نفس الناظر لأن محار غيب الكون يرد إلى وجدان نقص الناظر، وكما أن الماء آية حياة القلوب صار الشرابان: اللبن والخمر، آيتين على أحوال تخص القلوب بما يغذوها من الله غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر، منبعثاً من بين فرث ودم ونزول الخلق المقام عن الأمر القائم عليه {وإن لكم في الأنعام لعبرة} - الآيتين إلى قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} وهذا العقل الأعلى، وأفرد الآية لانفراد موردها في وجد القلب، وكما للعقل الأدنى فكرة تنبىء عن بداهته فكذلك للعقل الأعلى فكرة تنبىء عن عليّ فطرته { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر} - إلى قوله: {لآية لقوم يتفكرون} وهذا العقل الأعلى هو اللب الذي عنه يكون التذكر بالأدنى من الخلق للأعلى من الأمر{ أية : وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون}تفسير : [النحل: 13] وفي مقابلة كل من هذه الأوصاف أضداد يرد البيان فيها بحسب مقابلتها، وكذلك حكم وصف المسلمين فيها يظهر أن "لا أنجى للعبد من إسلامه نفسه لربه" ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ظاهر حسه {أية : آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}تفسير : [ البقرة: 1-2] من استغنى بما عنده من وجدٍ لم يتفرغ لقبول غيب { أية : يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله} تفسير : [ الحديد: 28]، {أية : إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا} تفسير : [ المائدة: 93]، { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}، { ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" {أية : وفي خلقكم وما يبث من دابة ءايات لقوم يوقنون} تفسير : [ الجاثية: 4] { أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} تفسير : [الأنعام: 75] ولجملة هذه الأوصاف أيضاً أضداد يرد بيان القرآن فيها بحسب تقابلها ويجري معها إفهامه، وما أوصله خفاء المسمع والمرأى إلى القلب هو فقهه، ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم وعينه بالعمى، ونفى الفقه عن قلبه، ونسب إلى البهيمية، ومن لم تنل فكرته أعلام ما غاب عيانه نفي عنه العلم { أية : الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً } تفسير : [ الكهف: 101]، { أية : لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} تفسير : [ الأعراف: 179]، { أية : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} تفسير : [المنافقون:8] -إلى قوله: {أية : ولكن المنافقين لا يعلمون} تفسير : [المنافقون: 8]، {يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} - الآية إلى قوله تعالى: { ولكن المنافقين لا يفقهون} نفي العلم فيما ظهرت أعلامه والفقه فيما خفي أمره، ومراد البيان عن أضدادها هذه الأوصاف بحسب تقابلها، وهذا الباب لمن يستفتحه من أنفع فواتح الفهم في القرآن - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} قال: ألهمها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: النحل دابة أصغر من الجندب، ووحيه إليها قذف في قلوبها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} قال: ألهمها إلهاماً، ولم يرسل إليها رسولاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} قال: أمرها أن تأكل من كل الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {فاسلكي سبل ربك ذللاً} قال: طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {فاسلكي سبل ربك ذللاً} قال: مطيعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: الذلول الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه. قال: فهم يخرجون بالنحل وينتجعون بها. ويذهبون وهي تتبعهم. وقرأ {أية : أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم} تفسير : [يس: 71-72] الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {فاسلكي سبل ربك ذللاً} قال: ذليلة لذلك. وفي قوله: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} قال: هذا العسل {فيه شفاء للناس} يقول: فيه شفاء الأوجاع التي شفاؤها فيه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} يعني العسل. وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} قال: هو العسل فيه الشفاء، وفي القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن العسل فيه شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن. وأخرج ابن ماجه وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بالشفاءين العسل والقرآن ". تفسير : وأخرج البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكي ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أخي استطلق بطنه، فقال: "اسقه عسلاً" فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً: قال: "اذهب فاسقه عسلاً" فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً" فذهب فسقاه فبرأ . تفسير : وأخرج ابن ماجه وابن السني والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن مالك قال: بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وعك كان بي ألتمس منه دواء أو شفاء، فبعث إليّ بعَكَّة من عسل. وأخرج حميد بن زنجويه، عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً حتى الدُّمَّلَ إذا كان به طلاه عسلاً، فقلنا له: تداوي الدُمَّلَّ بالعسل؟ فقال أليس يقول الله: {فيه شفاء للناس}. وأخرج أحمد والنسائي، عن معاوية بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن كان في شيء شفاء ففي شرطة من محجم أو شربة من عسل أو كية بنار تصيب ألماً، وما أحب أن أكتوى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن حشرم المجمري: أن ملاعب الأسنة عامر بن مالك بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الدواء والشفاء من داء نزل به؟ فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعسل أو بعكة من عسل. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمر وقال: مثل المؤمن كمثل النحلة تأكل طيبا وتضع طيباً. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الزهري قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النمل والنحل. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل بلالٍ كمثل النحلة، غدت تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم، ثم قال: إنما مثل المؤمن كمثل النحلة رتعت فأكلت طيباً ثم سقطت فلم تؤذ ولم تكسر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع. وأخرج الخطيب في تاريخه، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد. وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : عمر الذباب أربعون يوماً، والذباب كله في النار، إلا النحل ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف من طريق مجاهد، عن عبيد بن عمير أو ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل الذباب في النار إلا النحل" تفسير : وكان ينهى عن قتلها. وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الذباب كلها في النار إلا النحل ". تفسير : وأخرج ابن جرير، عن علي رضي الله عنه في قوله: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} قال: خمس وسبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} الآية. أرذل العمر هو الخوف. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ {لكي لا يعلم بعد علم شيئاً}. وأخرج ابن أبي شيبة، عن طاوس قال: إن العالم لا يخرف. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير قال: كان يقال أن أبقى الناس عقولاً قراء القرآن. وأخرج البخاري وابن مردويه، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو، "حديث : أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا وفتنة الممات ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعوذ بالله من دعاء لا يسمع ومن قلب لا يخشع ومن علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع. ومن الخيانة فإنها بئست البطانة. وأعوذ بك من الكسل والهرم والبخل والجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدجال وعذاب القبر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدعو "حديث : اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المولود حتى يبلغ الحنث ما يعمل من حسنة أثبت لوالده أو لوالديه، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث وجرى عليه القلم أمر الملكان اللذان معه فحفظاه وسددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام، آمنه الله من البلايا الثلاثة: من الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين ضاعف الله حسناته، فإذا بلغ ستين رزقه الله الانابة إليه فيما يحب، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ تسعين سنة غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفعه في أهل بيته وكان اسمه عنده أسير الله في أرضه، فإذا بلغ إلى أرذل العمر {لكي لا يعلم بعد علم شيئاً} كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه ".
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} [الآية: 68]. قال ابن عطاء: ألهمها ودلها على الموضع وعلمها. كيف تصنع ما فى بطنها ولا تضعه إلا على حجر صاف أو خشب نظيف لا يخالطه طين ولا تراب.
القشيري
تفسير : أوحى إلى النحل: أراد به وحي إلهام.. ولما حَفِظَ الأمر وأكل حلالاً، طَابَ مأكلُه وجعل ما يخرج منه شفاءً للناس. ثم إن الله - سبحانه - عَرَّفَ الخَلْقَ أَنَّ التفصيل ليس من جهة القياس والاستحقاق؛ إذ أن النحلَ ليس له خصوصية في القامة أو الصورة أو الزينة، ومع ذلك جعل منه العَسَلَ الذي هو شفاء للناس. والإنسان مع كمال صورته، وتمام عقله وفطنته، وما اختص به الأنبياء عليهم السلام والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى... فأيُّ فضيلةٍ للنحل؟ وأيُّ ذنبٍ لإنسان؟ ليس ذلك إلا اختياره - سبحانه. ويقال إن الله - سبحانه - أجرى سُنَّتَه أَنْ يُخْفِيَ كلَّ شيء عزيز في شيءٍ حقير؛ فجعل الإبْرَيَسْمَ في الدود وهو أضعف الحيوانات وجعل العسل في النحل وهو أضعف الطيور، وجعل الدُّرَّ في الصدف وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر، وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج في الحجر... كذلك أودع المعرفة به والمحبة له في قلوب المؤمنين وفيهم من يعصي وفيهم من يخطئ.
اسماعيل حقي
تفسير : {واوحى ربك} يا محمد {الى النحل} هو ذباب العسل وزنبوره اى الهمها وقذف فى قلوبها وعلمها بوجه لا يعلمه الا هو مثل قوله {بان ربك اوحى لها} والوحى يقع على كل تنبيه خفى والله تعالى ألهم كل حيوان ان يلتمس منافعه ويجتنب مضاره وقد الهم الله الغراب ان يبحث فى الارض ليرى قابيل كيف يوارى سوءة اخيه هابيل: كما فى المثنوى شعر : بس بجنكال اززمين انكيخت كرد زود زاغ مرده را دركور كرد دفن كردش بس بيوشيدش بخاك زاغ از الهام حق بد علمناك تفسير : قال الزجاج سميت نحلا لان الله تعالى نحل الناس العسل الذى يخرج منها إذ النحلة العطية وكفاها شرفا قول الله تعالى {واوحى ربك الى النحل} وكل ذباب فى النار الا ذباب العسل قال فى عجائب المخلوقات يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة وفي اوحى ربك الى النحل صنعة العسل. قال فى حياة الحيوان يحرم اكل النحل. وان كان العسل حلالا كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام ويكره قتلها واما بيعها فى الكوارة فصحيح ان يشاهد جميعها والا فهو بيع غائب فان باعها وهى ظاهرة. ففى التتمة يصح. وفى التهذيب عكسه. وقال ابو حنيفة لا يصح بيع النحل كالزنبور وسائر الحشرات ويجوز بيع دود القز من الذى يصنع به {ان اتخذى} لنفسك اى بان اتخذى فان مصدرية وصيغة التأنيث لان النحل يذكر ويؤنث {من الجبال} [ازشكاف كوهها]{بيوتا} [خانه هاى مسدس] اى مساكن تأوى اليها وسمى ما تبينه لتعسل فيه بيتا تشبيها ببناء الانسان لما فى بيوته المسدسة المتساوية بلا بركار ومسطر من الحذاقة وحسن الصنعة التى لا يقوى عليها حذاق المهندسين الا بآلات وانظار دقيقة واختارت المسدس لانه اوسع من المثلث والمربع والمخمس ولا يبقى بينهما فرج خالية كما تبقى بين المدورات وما سواها من المضلعات ومن للتبعيض لانها لا تبنى فى كل جبل وكذا قوله {ومن الشجر} لانها لا تبنى فى كل شجر. والمعنى بالفارسية [وازميان درخاتن نيز خانه كيريد يعنى در بعضى شجر جاى كنيد درجانب كوه وقتى كه مالكى وصاحبى نداشته باشد] وكذا فى قوله {ومما يعرشون} لانها لا تبنى فى كل ما يعرشه الناس اى يرفعه من الاماكن لتعسل فيها وهذا اذا كان لملاك. وقال بعضهم ومما يعرشون من كرم أو سقف او جدران او غير ذلك ولما كان اهم شئ للحيوان بعد الراحة من هم المقيل الا كل ثنى به ولما كان عاما فى كل ثمر ذكره بحرف التراخى اشارة الى عجيب الصنع فى ذلك وتيسره لها فقال{ثم كلى} واشارة الى كثرة الرزق بقوله {من كل الثمرات} فهو للتكثير كقوله تعالى {وأوتيت من كل شيء} أو من كل الثمرات المشتهاة عندك من حلوها وحامضها ومرها وغير ذلك فهو عام مخصوص بالعادة {فاسلكى} جواب شرط محذوف اى فاذا اكلت الثمار فى المواضع البعيدة من بيوتك فادخلى {سبل ربك} فى الجبال وفى خلال الشجر اى طرق ربك التى الهمك وعرفك الرجوع فيها الى مكانك من الخلية بعد بعدك عنها حال كون السبل {ذللا} جمع ذلول اى موطأة للسلوك مسهلة وذلك انها اذا اجدب عليها ما حولها سافرت الى المواضع البعيدة فى طلب النجعة ثم ترجع الى بيوتها من غير التباس وانحراف واشارة باسم الرب الى انه لولا عظيم احسانه فى تربيتها لما اهدت الى ذلك وهذا كما يقال فى القطا وهو طائر معروف يضرب به المثل فى الهداية ويقال "اهدى من قطاة" وذلك انه يترك فراخه ثم يطلب الماء من مسيرة عشرة ايام واكثر فيرده فيما بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس ثم يرجع فلا يخطأ لا صادراً ولا وارداً اى ذهاباً واياباً كذا فى شرح الشفاء ثم اتبعه نتيجة ذلك جوابا لمن قال ماذا يكون من هذا كله فقال {يخرج من بطونها} اى بطون النحل بالقيئ {شراب} اى عسل لانه مشروب وذلك ان النحل تأكل الاجزاء اللطيفة الطلية الحلوة الواقعة على اوراق الاشجار والازهار وتمص من الثمرات الرطبة والاشياء العطرة ثم تقيئ فى بيوتها ادخارا للشتاء فينعقد عسلا باذن الله تعالى والى هذا اشار ظهير الفاريابى بقوله شعر : بدان طمع كه دهن خوش كنى زغايت حرص نشسته مترصد كه فى كند زنبور تفسير : واما قول على رضى الله عنه فى تحقير الدنيا اشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة واشرف شرابه رجيع نحلة فوارد على طريق التقبيح وان كان العسل فى نفسه ما يستلذ ويستطاب على ان اطلاق الرجيع عليه انما هو لكونه مما يحويه البطن. وفى حياة الحيوان قد جمع الله تعالى فى النحل السم والعسل دليل على كمال قدرته واخرج منها العسل ممزوجا بالشمع وكذلك عمل المؤمن ممزوج بالخوف والرجاء وهى تأكل من كل الشجرة لا يخرج منها الا حلو اذ لا يغيرها اختلاف مآكلها والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه: وفى المثنوى شعر : اين كه كرمناست وبالاميرود وحيش از زنبور كى كمتر بود جونكه اوحى الرب الى النحل آمدست خانة وحيش براز حلوا شدست او بنور وحى حق عز وجل كرد عالم را براز شمع وعسل تفسير : وللعسل اسماء كثيرة. منها الحافظ الامين لانه يحفظ ما يودع فيه فيحفظ الميت ابدا واللحم ثلاثة أشهر والفاكهة ستة اشهر وكل ما اسرع اليه الفساد اذا وضع فى العسل طالت مدة مقامه وكان عليه السلام يحب الحلواء والعسل. قال العلماء المراد بالحلواء ههنا كل حلو وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام وفيه جواز اكل لذيذ الاطعمة والطيبات من الرزق وان ذلك لا ينافى الزهد والمراقبة لا سيما اذا حصل انفاق وفى الحديث "حديث : اول نعمة ترفع من الارض العسل"تفسير : . وقال على رضى الله عنه انما الدنيا ستة اشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم. فاشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب. واشرف المشروبات الماء يستوى فيه البر والفاجر. واشرف الملبوسات الحرير وهو نسيج دودة. واشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال. واشرف المشمومات المسك وهو دم حيوان. واشرف المنكوحات المرأة وهى مبال فى مبال {مختلف الوانه} من ابيض واخضر واصفر واسود بسبب اختلاف سن النحل فالابيض يلقيه شباب النحل والاصفر كهولها والاحمر شيبها وقد يكون الاختلاف بسبب اختلاف لون النور. قال حكيم يونان لتلامذته كونوا كالنحل فى الخلايا وهى بيوتها قالوا وكيف النحل فى خلاياها قال انها لا تترك عندها بطالا الا نفته واقصته عن الخلية لانه يضيق المكان ويفنى العسل وانما يعمل النشيط لا الكسل. وعن ابن عمر رضى الله عنهما مثل المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتصنع طيبا ووجه المشاهبة بينهما حذق النحل وفطنته وقلة اذاه ومنفعته وتنزهه عن الاقذر وطيب اكله وانه لا يأكل من كسب غيره وطاعته لا ميره وان للنحل آفات تقطعه عن عمله منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار وكذلك المؤمن له آفات تغيره عن عمله ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام وماء السفه ونار الجوى {فيه} اى فى الشراب وهو العسل {شفاء للناس} اى شفاء الاوجاع التى يعرف شفاؤها منه يعنى انه من جملة الاشفية المشهورة النافعة لامراض الناس وليس المراد انه شفاء لكل مرض كما قال فى حياة الحيوان. قوله {فيه شفاء للناس}. لا يقتضى العموم لكل علة وفى كل انسان لانه نكرة فى سياق الاثبات بل المراد انه يشفى كما يشفى غيره من الادوية فى حال دون حال وكان ابن مسعود وابن عمر رضى الله عنهم يحملانه على العموم. قال البيضاوى {فيه شفاء للناس} اما بنفسه كما فى الامراض البلغمية او مع غيره كما فى سائر الامراض اذ قلما يكون معجون الا والعسل جزؤ منه واما السكر فمختص به بعض البلاد وهو محدث ولم يكن فيما تقدم من الازمان يجعل فى الاشربة والادوية الا العسل - روى - حديث : ان رجلا جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ان اخى قد اشتكى بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه عسلا فما زاده الا استطلاقا فعاد الى النبى عليه الصلاة والسلام فذكر له ذلك فقال اسقه عسلا فسقاه ثانيا فما زاد الا استطلاقا ثم رجع فقال يا رسول الله سقيته فما نفع فقال "اذهب فاسقه عسلا فقد صدق الله وكذب بطن اخيك" فسقاه فشفاه الله فبرئ كانما نشط من عقال تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله جعل الشفاء فى اربعة الحبة السوداء والحجامة والعسل وماء السماء"تفسير : وجاء رجل الى على بن ابى طالب كرم الله وجهه وشكا له سوء الحفظ فقال أترجع الى اهل قال نعم فقال قل لها تعطيك من مهرها درهمين عن طيب نفس فاشتر بهما لبنا وعسلا واشربهما مع شربة من ماء المطر على الريق ترزق حفظا. فسئل الحسن بن الفضل عن هذا فقال اخذه من قوله تعالى {أية : وانزلنا من السماء ماء مباركا}تفسير : وفى اللبن {خالصا سائغا للشاربين} وفى العسل {فيه شفاء للناس} وفى المهر {أية : فكلوه هنيئاً مريئاً}تفسير : فاذا اجتمعت البركة والشفاء والهنيئ والمريئ والخالص السائغ فلا عجب ان ينفع - روى - عن عوف بن مالك انه مرض فقال ائتونى بماء فان الله تعالى قال {أية : وانزلنا من السماء ماء مباركا}تفسير : ثم قال ائتونى بعسل وقرأ الاية ثم قال ائتونى بزيت من شجرة مباركة فخلط ثم شربه فشفى. وكان بعضهم يكتحل بالعسل ويتداوى به من كل سقم واذا خلط العسل الذى لم يصبه ماء ولا نار ولا دخان بشئ من المسك واكتحل به نفع من نزول الماء فى العين والتلطخ به يقتل القمل. والمطبوخ منه نافع للسموم ولعقه علاج لعضة الكلب. قال امام الاولياء محمد بن على الترمذى قدس سره انما كان العسل شفاء للناس لان النحل ذلت لله مطيعة واكلت من كل الثمرات حلوها ومرها محبوبها ومكروهها تاركة لشهواتها فلما ذلت لامر الله صار هذا الا كل كله لله فصار ذلك شفاء للاسقام. فكذلك اذ اذل العبد لله مطيعا وترك هواه صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة انتهى. وفى العسل ثلاثة اشياء الشفاء والحلاوة واللبن. وكذلك المؤمن قال الله تعالى {أية : ثم تلين جلودهم وقوبهم الى ذكر الله}تفسير : ويخرج من الشاب خلاف ما خرج من الكهل والشيخ كذلك حال المقتصد والسابق. وعن ابن مسعود رضى الله عنه العسل شفاء من كل داء اى فى الابدان والقرآن شفاء فما فى الصدور فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل شعر : ريح اكر بسيار شد كى غم خورم جون شفاوى جان بيمارم تويى تفسير : {ان فى ذلك} اى فى امر نحل العسل {لآية} حجة ظاهرة دالة على القدرة الربانية {لقوم يتفكرون} اى للذين تفكروا فعلموا ان النحلة على صغر جسمها وضعف خلقتها لا تهتدى لصنعة العسل بنفسها فان ذلك بصانع صنعها خالف بينها وبين غيرها من الحشرات الطائرة فاستدل بذلك على خالق واحد قادر لا شريك له ولا شبيه. قال الكاشفى {لقوم يتفكرون} [مر كروهى را كه تفكر كنند داراختصاص بصنايع دقيقه وامور رقيقه وهر آينه اينها بوجود نكيرد الااز الهام توانايى ودانايى كه جندين حكمت درجانورى ضعيف وديعت نهد انقيادى دارند كه ازراه فرمان منحرف نشوند امانتى كه ميؤه تلخ خورند وعسل شيرين بازهند ورعى كه جز باك وبا كيزه نخورند طاعتى كه هركز خلاف فرمان نكنند تمكنى كه فرسنكها بروندوباز با وطن خود رجوع نمايند طهارتى كه هركز برقازورات ننشينند وازان نخورند وصناعتى كه اكر همه بنايان عالم جميع شوند همجو خانهاى مسدس ايشان نتوانند ساخت بس همجنانجه ازعسل ايشان شفاى الم ظاهر حاصل شود ازتفكر احوال ايشان شفاء مرض باطن كه جهلست دست دهد] شعر : فكر دلرانيك وهم نمكين كند كام جانرا جون عسل شيرين كند شربت فكر اربكام جان رسد جاشنئ آن بماند تاابد تفسير : قال القشيرى رحمه الله ان الله تعالى اجرى سنته ان يخفى كل عزيز فى شئ حقير جعل الابريسم فى الدود وهو اصغر الحيوانات واضعفها والعسل فى النحل وهو اضعف الطيور وجعل الدر فى الصدف وهو اوحش حيوان من حيوانات البحر واودع الذهب والفضة والفيروزج فى الحجر وكذلك اودع المعرفة والمحبة فى قلوب المؤمنين وفيهم من يخطى وفيهم من يعصى ومنهم من يعرف ومنهم من يجعل امره شعر : كسى راكه نزديك ظنت بداوست ندانى كه صاحب ولايت هم اوست تفسير : قال فى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى ان تصرف كل حيوان فى الاشياء مع كثرتها واختلاف انواعها انما هو بتعريف الله تعالى اياه والهامه على قانون حكمته وارادته القديمة لا من طبعه وهواه.وانما خص النحل بالوحى وهو الالهام والرشد من بين سائر الحيونات لانها اشبه شئ بالانسان لا سيما باهل السلوك فان من دأبهم وهجيراهم ان يتخذوا من الجبال بيوتا اعتزالا عن الخلق وتبتلا الى الله تعالى كما كان حال النبى صلى الله عليه وسلم حيث كان يتحنث الى حراء اسبوعا واسبوعين وشهرا وان من شأنهم النظافة فى الموضع والملبوس والمأكول كذلك النحل من نظافتها تضع ما فى بطنها على الحجر الصافى او على خشب نظيف لئلا يخالطه طين او تراب ولا تقعد على جيفة ولا على نجاسة احترازا عن التلوث كما يحترز الانسان عنه وثمرات البدن الاعمال الصالحة وثمرات النفوس الرياضات والمجاهدات ومخالفات الهوى وثمرات القلوب ترك الدنيا وطلب العقبى والتوجه الى حضرة المولى وثمرات الاسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب الى الله فهذه كلها اغذية الارواح والله تعالى قال للنحل {كلى من كل الثمرات} وقال مثله للسالكين {كلوا من الطيبات واعملوا صالحا}.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أن اتخذي}: مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، أو مصدرية، أي: بأن اتخذي. و {من}: للتبعيض في الثلاثة مواضع، {ثم كُلِي}: عطف على {اتخذي}. و {من}: للتبعيض؛ لأنها لا تأكل من جميع الشجر، وقيل: من كل الثمرات التي تشتهيها، فتكون للبيان. و {ذُللاً}: حال من السبل، أو من الضمير في {اسلكي}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأوْحَى ربك إلى النحل} أي: ألهمها، وقذف في قلوبها ذلك. والوحي على ثلاثة أقسام: وحْيُ إلهام، ووحيُ منام ووحْيُ أحكام. وقال الراغب: أصل الوحي: الإشارة السريعة، إما بالكلام؛ رمزًا، وإما بصوت مجرد عن التركيب، أو بإشارة ببعض الجوارح، والكناية. ويقال للكلمة الإلهية التي تُلقى إلى الأنبياء: وحي، وذلك أضْرُبٌ؛ إما برسول مشاهَد، وإما بسماع كلام من غير معاينة، كسماع موسى كلام الله، وإما بإلقاءٍ في الروع، وإما بإلهام، نحو: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} تفسير : [القَصَص: 7]، وإما تسخير، كقوله: {وأوحى ربك إلى النحل}، أو بمنام، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : انقطع الوحي، وبقي المبشرات؛ رؤيا المؤمن "تفسير : . ثم بيَّن ما أوحي إليها فقال: {أنِ اتخذي}، أو بأن اتخذي {من الجبال بيوتًا} تأوين إليها، كالكهوف ونحوها، {ومن الشجر} بيوتًا، كالأجْبَاح ونحوها، {ومما يَعرِشُون} أي: يهيئون، أو يبنون لك الناس من الأماكن، وإلا لم تأو إليها. وذكرها بحرف التبعيض؛ لأنها لا تُبنى في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش؛ من كرْم أو سقف، ولا في كل مكان منها. وإنما سمي ما تبنيه، لتتعسل فيه، بيتًا؛ تشبيهًا ببناء الإنسان؛ لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسْمة، التي لا يقوى عليها حُذَّاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة. ولعل ذكره: للتنبيه على ذلك. قاله البيضاوي. قلت: وليس للنحل فعل في الحقيقة، وإنما هو صنع العليم الحكيم في مظاهر النحل. ثم قال لها: {ثم كُلِي من كل الثمرات} التي تشتهيها، حلوها ومرها. قيل: إنها ترعى من جميع النوار إلا الدفلة. {فاسْلُكي} أي: ادخلي {سُبل ربك}؛ طُرقه في طلب المرعى، أو: فاسلكي؛ راجعة إلى بيوتك، سبلَ ربك، لا تتوعر عليك ولا تلتبس. وأضافها إليه؛ لأنها خلقه وملْكه. {ذُللاً}: مطيعة منقادة لما يراد منك، أو اسلكي طرقَه؛ مذللة مسخرة لكِ، فلا تعسر عليك وإن توعرت، ولا تضل عن العْود منها وإن بَعُدت. قال مجاهد: لم يتوعَّر على النحل قط طريق. {يخرجُ من بطونها شرابٌ} وهو العسل، عَدل عن خطاب النحل إلى خطاب الناس: لأنه محل الإنعام عليهم، والمقصود من خلق النحل وإلهامه؛ لأجلهم. وسماه شرابًا؛ لأنه مما يشرب. وظاهر الآية أن العسل يخرج من بطون النحل، وهو ظاهر كلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تحقيره للدنيا، قال: (أشرف لباس ابن آدم فيها نفثة دود، وأشرف شراب فيها رجيع نحلة - أو قيء نحلة-، وأشرف لذة فيها مَبَال في مبال). وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل. قاله ابن عطية. قلت: والذي ألفيناه، ممن يتعاطاهم، أنه يخرج من دبرهم. وقوله: {مختلفٌ ألوانه} أي: أبيض، وأحمر، وأسود، وأصفر، بحسب اختلاف سن النحل، ومراعيها. وقد يختلف طعمه ورائحته باختلاف مرعاه. ومنه قول عائشة للنبي - عليه الصلاة والسلام -: (جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ) وهو نبت مُنتن الرائحة، شُبهت رائحته برائحة المغافير. ثم قال تعالى: {فيه شفاء للناس}؛ إما بنفسه، كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره، كما في سائر الأمراض، إذ قلما ما يكون معجون إلا والعسل جزء منه. قاله البيضاوي. قال السيوطي: قيل: لبعضها، كما دل عليه تنكير شفاء، أو لكلها بضميمةٍ إلى غيره - أقول: وبدونها، بنية - وقد أمر به صلى الله عليه وسلم من استطلق بطنه، رواه الشيخان. هـ. قال ابن جزي: لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل؛ كالمعاجن، والأشربة النافعة من الأمراض. وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء، فكأنه أخذه من العموم. وعلى ذلك يدل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلاً جاء إليه فقال: أَخي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فقال: "حديث : اسْقِهِ عَسَلاً، فَذَهَب ثُمَ رَجَع، فقال: قَدْ سَقَيْتُهُ فَما نَفعَ، قال: "فاذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلاً، فَقَدً صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ"تفسير : ، فَسَقَاهُ فشفاه الله عزّ وجلّ". {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}؛ فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر، عَلِمَ، قطعًا، أنه لا بدّ له من قادر مدبر حكيم، يلهمها ذلك ويحملها عليه، وهو الحق تعالى. الإشارة: إنما كان العسل فيه شفاء للناس؛ لأن النحل ترعى من جميع العشب، فتأخذ خواص منافعها. وكذلك العارف الكامل يأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، فإذا كان بهذه المنزلة، كان فيه شفاء للقلوب، كل من صحبه، بصدق ومحبة، شفاه الله، وكل من رآه، بتعظيم وصدق، أحياه الله. وقد قالوا في صفة العارف: هو الذي يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيب منه شيئًا، يصفو به كدر كل شيء، ولا يكدر صفوه شيء، قد شغله واحد عن كل شيء، ولم يشغله عن الواحد شيء... إلى غير ذلك من نعوته. وقال الورتجبي: قال أبو بكر الوراق: النحلة لَمَّا تبعت الأمر، وسلكت سبيلها على ما أمرت به، جعل لعابها شفاء للناس، كذلك المؤمن، إذا اتبع الأمر، وحفظ السر، وأقبل على مولاه، جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق، ومن نظر إليه اعتبر، ومن سمع كلامه اتعظ، ومن جالسه سعد. هـ. ثمَّ ذكر دلالة أخرى على قدرته وهي الإحياء والإماتة: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ...}
الطوسي
تفسير : قرىء {يعرشون} بضم الراء وكسرها، وهما لغتان ومعناه: وما يبنونه من السقوف. وقال ابن زيد: يعني الكروم، قال ابن عباس ومجاهد: يعني {وأوحى ربك إلى النحل} ألهمها الهاماً، وقال الحسن: جعل ذلك في غرائزها اي ما يخفى مثله عن غيرها، وذلك ايحاء في اللغة. وقال ابو عبيد: (الوحي) على وجوه في كلام العرب: منها وحي النبوة، ومنها الإلهام، ومنها الإِشارة، ومنها الكتاب، ومنها الأسرار: فالوحي في النبوة ما يوحي الله إِلى الانبياء، كقوله {أية : إِلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإِذنه } تفسير : والوحي بمعنى الإلهام، قوله {وأوحى ربك إلى النحل} وقوله{أية : وأوحينا إلى أم موسى}تفسير : وفي الارض {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : ووحي الاشارة كقوله {أية : فأوحى إليهم أن سبحوا}تفسير : قال مجاهد: اشار اليهم، وقال الضحاك: كتب لهم. واصل الوحي عند العرب هو إِلقاء الانسان إِلى صاحبه ثيابا للاستتار والاخفاء. ووحي الاسرار مثل قوله {أية : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً}تفسير : فاما ما روي عن ابن عباس انه قال: لا وحي إِلاّ القرآن اراد ان القرآن هو الوحي الذي نزل به جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم، دون ان يكون انكر ما قلناه. ويقال: أوحى له وأوحى اليه قال العجاج: شعر : أوحى لها القرار فاستقرت تفسير : قال المبرد: ما روي عن ابن عباس إِنما قاله لما سئل عما كان وضعه المختار وسماه الوحي، فقال ابن عباس: لا وحي إِلا القرآن جواباً عما أحدثه المختار وادعى تنزيله اليه. وواحد {النحل} نحلة، والمعنى ان الله تعالى ألهم النحل اتخاذ المنازل والادكار، والبيوت في الجبال، وفي الشجر وغير ذلك {ومما يعرشون} يعني سقوف البيوت {ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً} معناه انه تعالى ألهمها ايضاً أن تأكل من الثمرات وسائر الاشجار التي تحويها؛ والذلل جمع ذلول، وهي الطرق الموطأة للسلوك. وقيل: طرق لا يتوعّر عليها سلوكها عن مجاهد. وقال قتادة: معنى {ذللاً} اي مطيعة، ويكون من صفة النحل. وقال غيره: هو من صفات الطريق ومعنى {ذللاً} إنه قد ذللها لك وسهل عليك سلوكها وفي ذلك اعظم العبر واظهر الدلالة على توحيده تعالى وأنه لا يقدر عليه سواه. ثم قال {يخرج من بطونها} يعني بطون النحل {شراب مختلف ألوانه} من أصفر وأبيض وأحمر، مع أنها تأكل الحامض والمر فيحيله الله عسلاً حلواً لذيذاً {فيه شفاء للناس} لما شفائها فيه، واكثر المفسرين على ان (الهاء) راجعة إِلى العسل، وهو الشراب الذي ذكره، وأن فيه شفاء من كثير من الأمراض، وفيه منافع جمة. وقال مجاهد (الهاء) راجعة إِلى القرآن {وفيه شفاء للناس}، لما فيه من بيان الحلال، والحرام، والفتيا، والأحكام، والأول أوثق. ثم اخبر تعالى ان فيما ذكره آيات واضحات، ودلالات بينات، لمن يتفكر فيه ويهتدي بهديه، وانما قال {من بطونها} وهو خارج من فيها، لان العسل يخلقه الله في بطون النحل ويخرجه إِلى فيه. ثم يخرجه من فيه، ولو قال: من فيها لظن أنها تلقيه من فيها، وليس بخارج من البطن.
الجنابذي
تفسير : {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} وحى الهام فطرىّ تكوينىّ بمعنى انّه اودع فى وجوده التّدبير الّذى يعجز عن مثله العقلاء فانّ تدبير بيوتها مسدّسة مثلاً صفّة بحيث لا يكون بينها فرجة، ونظامها فى خروجها ودخولها فى طاعة يعسوبها، وعدم وقوعها على الاشياء المنتنة أمر يتحيّر فيه العقلاء، ولمّا كان الآية شاملة بجميع المراتب من التّنزيل والتّأويل كان الوحى بالنّسبة الى الانبياء (ع) على معناه الّذى هو الالقاء بتوسّط الملك، وبالنّسبة الى الائمّة والاولياء (ع) التّحديث والالهام، وبالنّسبة الى النّحل الصّوريّة ايداع قوّة بها يقع هذا النّحو من التّدبير {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} من الكروم الّتى يعرشونها ومن السّقوف الّتى يرفعونها.
فرات الكوفي
تفسير : {وأوحى ربك إِلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر و مما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس 68و69} فرات قال: حدّثني محمد [بن الحسن بن إِبراهيم] معنعناً: عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن عن قول الله [تعالى. ر]: {وأوحى ربّك إِلى النحل [أن اتخذي من الجبال بيوتاً}. ر] قال: هم الأوصياء. قال: قلت: قوله: {أن اتخذي من الجبال بيوتاً} قال: [يعني. أ، ب] قريشاً [ر، أ: قريش] قال: قلت: قوله: {ومن الشجر} قال: يعني من العرب [ظ]. قال: قلت: قوله: {ومما يعرشون} قال: يعني من الموالي قال: قلت: قوله: {فاسلكي سبل ربَّكِ ذللاً} قال: هو السبيل الذي نحن عليه من دينه. [فقلت. ب، أ. ر: قلت. قوله. ب]: {فيه شفاء للناس} قال: يعني ما يخرج من علم [أمير المؤمنين. ب، ر] علي [بن أبي طالب. ب، ر] عليه السلام فهو الشفاء كما قال [الله. ب، أ]: {أية : شفاء لما في الصدور}!تفسير : [الآية، ب، 57 يونس].
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} وهذا وحي إلهام. {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} أي: ومما يبنون. { ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} يعني طرق ربك التي جعل الله لك ذللاً، أي: مطيعة. وقال مجاهد: {اسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} أي: ذلّلت لها السبل لا يتوعَّر عليها مكان [سلكته]. { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} يعني العسل {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ} أي: دواء. ذكروا أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنَّ أخي يشتكي بطنه. قال: حديث : اذهب فاسقه عسلاً. فذهب فسقاه فلم ينفعه شيئاً. فأتى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله سقيته فلم ينفعه شيئاً. قال: فاذهب فاسقه عسلاً. فذهب فسقاه فلم ينفعه شيئاً. فأتى النبي فقال: يا رسول الله سقيته فلم ينفعه شيئاً. قال: "فاذهب فاسقه عسلاً". فذهب فسقاه فلم يغن عنه شيئاً. فأتى النبي فأخبره؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمفي الثالثة أو الرابعة: "صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً". فذهب فسقاه فبَرَأ بإذن الله . تفسير : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} أرسل إِليها بالإِلهام معافى فى نفسها وسخرها لرشدها وقرأ يحيى بن وثَّاب بفتح الحاء كالنون، والنحل يُذكر ويُؤنث وقد أنث بعد وقيل هو مذكر وإِنما أنث فى الآية على معنى الجماعة والظاهر الأَول، قال بعض والتأنيث لغة الحجاز، وقيل سمى نحلا لأَن الله عز وجل نحل لنا العسل منه أى أعطاناه أو لأَنها تنحله أى تعطيه موضعها إِياه وهو زنبور العسل ويسمى الدبى أيضاً والهمها الله أيضاً إِلى تجعل على أنفسها أميراً كبيراً نافذ الحكم فيها وهى تطيعه وتمتثل أَمره ويكون أكبرها جنة ويسمى أميرها يعسوب النحل وفى طبعها الطاعة لأَميرها والانقياد والنظافة وما مات منها أخرجته ورمته ولتنظفها تجعل العسل فى الموضع النقى من بيوتها وعندها الطرب وتحب الأَصوات اللذيذة ولها آفات تقطعها كالظلمة والغيم والريح والمطر والدخان والنار، وكذا المؤمن له آفات تقطعه ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام ونار الهوى وليس لها نظر فى العواقب ولها معرفة بفصول السنة وأوقاتها وأوقات المطر والخطاب بالكاف للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويلتحق به غيره ويسرى إِليه الخطاب، هو لكل من يصلح له من كل من له عقل وتفكر يستدل به على كمال قدرة الله تعالى ووحدانيته وأنه المدبر بلطيف حكمته حيث ألهم حيواناً ضعيفاً إلى بناء لا يقدر عليه إِلا حذاق البنائين بآلات دقاق وأخرج منها العسل الذى هو من الحلاوة بمكان مع أن مطعمها ليس بأَفضل من مطعم الإِنسان ولا مساو، {أَنِ اتَّخِذِى} أن مفسرة لأَن فى الإِيحاء معنى القول دون حروفه أو هى مصدرية على تقدير الياء أى بأن اتخذى. {مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً} وقرأه قالون وابن كثير وعامر والكوفيون غير عاصم بكسر الباء لأجل الياء بعدها. {وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} بضم الراء، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بكسرها أى وما يبنى الناس لك لأَنها إِنما تَأوى إِلى بناء بنى لها لا إِلى بناء لم يبن لها وقيل المعنى ومما يرفعون من سقف أو شجرة عنب، والعطف على من الجبال وقوله بيوتاً فى نية التأْخير أى أن اتخذى من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون بيوتاً أو فى نية التقديم أى أن اتخذى بيوتاً من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون والأَول أولى لما قال بعض إِن المفعول بواسطة الجار أحق بالتقديم من المفعول المنصوب بلا واسطة وإِنما ذكر من التبعيضية لأَنها لا تبنى فى كل جبل وشجر وعريش ولا فى كل مكان من ذلك، ولذلك لم يقل أن اتخذى الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ولا أن اتخذى فى الجبال بيوتاً وفى الشجر وفيما يعرشون، وليس ما تبنيه لتتعسل فيه أو لتسكن فيه بيتاً حقيقياً بل سماه بيتاً تشبيهاً للبيت الذى يبنيه الإِنسان فى الشكل وحسن الصنعة وصحة القسمة التى لا يقوى عليها حذاق المهندسين إِلا بآلات وأنظار دقيقة، قيل تبنى البيت على شكل مسدس من أضلاعه متساوية لا يزيد بعضها على بعض لمجرد طباعها ولو كان مدوراً أو مثلثاً أو مربعاً أو غير ذلك لكان فيما بينها خلل وفرجة ضائعة خالية قيل أنها تبنى من الشمع بيتاً مسدساً لا يوجد فيه اختلاف كالقطعة الواحدة قيل إِنها تقسم الأَعمال فبعضها يعمل البيوت وبعضها يعمل الشمع وبعضها يعمل العسل وهى وحشية وهى التى تسكن الجبال والشجر وإِنسية وهى التى تأْوى إِلى البيوت ويربيها الناس عندهم وقد ذكر ذلك فى الآية.
اطفيش
تفسير : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} ألهمها، شبِّه الإلهام بما وضع له الإيحاء وهو الكلام الخفى، كما أخرج اللبن من بين الفرث والدم، كذلك أخرج العسل من النحل، وزعمت الصوفية المبطلة - قبحهم الله - أن لسائر الحيوانات أنبياء ورسلا ووحيًا من الله عز وجل بالملائكة إليها، وكذا زعم بعض الحكماء أن لها نفوسًا ناطقة. {أَنْ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} أن تفسيرية لأن فى الإيحاء بمعنى الإلهام معنى القول دون حروفه، فإنه يفيد ما يفيد القول فلا تهم، والمراد بالإلهام خلق الميل إلى الموحى به، أو مصدرية مع ياء الملابسة أى بأَن اتخذى من الجبال بيوتًا مسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض، بحيث لا يحصل فيها خلل ولا فرجة ضائعة وبيوتًا مثلثة ومربعة ومخمسة، وألهمها أيضا أن تجعل على أنفسها أميرًا أعظمها جثة لا تعصيه، ويسمى يعسوب النحل أى ملكها، وأن تجعل على باب كل خلية بوابًا لا يمكِّن غير أهلها من دخولها، وأن تخرج للمرعى، وترجع إلى بيوتها، ولا تضل، ويقال تبنيها بالشمع، وتلقى العسل داخلها، وإذا نفرت عن وكرها ارتدت بالطبل والموسيقا والأصوات الحسنة. ومن بمعنى فى، وليست تبنيه بحجر الجبل، فلا حاجة إِلى جعلها للتبعيض، ولو أمكن باعتبار أن موضع بنائها بعض من الجبل، وعلى كل حال المراد جنس الجبل لا الجبال كلها، ولا الجبل كله تبنى فى الجبل وفى الشجر فى غير العمران، كما قال الله جل وعلا: {وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} أى وفيما يبنى لها فى العمران لتأوى إليه، وتبنى فيه بالشمع من كرم أو سقف، وذلك أمر تكوين إذ لا قدرة لها على العروق أو أمر على ظاهر، وليس فى مضمونه ما يترتب عليه من دخول العروق وإلا لم تأو، وذلك ثلاثة أنواع سميت بيوتًا استعارة لأنها بناء وتأوى إِليه، وتتردد إِليه كما يتردد الإِنسان إلى بيته، كلها متقنة كأنها عمل مهندس ماهر بالدابد ونحوه من الآلات، بل أعظم من عمله، وقولهم أو بنتها مثلثة أو مربعة لكان فيها فضاء بلا نفع غير مسلم، ويقدر بيوتًا بعد يعرشون، أو بيوتًا للذكور شامل لها، كأنه قيل أن اتخذى من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون بيوتًا، وعلى كل حال آخر وفصل بمن الفاصلة، ولمغايرة الاتخاذ فيه لنوع الاتخاذ الأول.
الالوسي
تفسير : {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} الهمها وألقى في روعها وعلمها بوجه لا يعلمه إلا اللطيف الخبير؛ وفسر بعضهم الإيحاء إليها بتسخيرها لما أريد منها، ومنعوا أن يكون المراد حقيقة الإيحاء لأنه إنما يكون للعقلاء وليس النحل منها. نعم يصدر منها أفعال ويوجد فيها أحوال يتخيل بها أنها ذوات عقول وصاحبة فضل تقصر عنه الفحول، فتراها يكون بينها واحد كالرئيس هو أعظمها جثة يكون نافذ الحكم على سائرها والكل يخدمونه ويحملون عنه وسمي اليعسوب والأمير، وذكروا أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت بجمعيتها إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا لها الطبول وآلات الموسيقى/ ورودها بواسطة تلك الألحان إلى وكرها، وهي تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية والعقلاء لا يمكنهم ذلك إلا بآلات مثل المسطرة والفرجار وتختارها على غيرها من البيوت المشكلة بأشكال أخر كالمثلثات والمربعات والمخمسات وغيرها، وفي ذلك سر لطيف فإنهم قالوا: ثبت في الهندسة أنها لو كانت مشكلة بأشكال أخر يبقى فيما بينها بالضرورة فرج خالية ضائعة؛ ولها أحوال كثيرة عجيبة غير ذلك قد شاهدها كثير من الناس وسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. والصوفية على ما ذكره الشعراني في غير موضع لا يمنعون إرادة الحقيقة، وقد أثبتوا في سائر الحيوانات رسلاً وأنبياء والشرع يأبى ذلك. وذهب بعض حكماء الإشراق إلى ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات وأكاد أسلم لهم ذلك ولم نسمع عن أحد غير الصوفية القول بما سمعت عنهم، والنحل جنس واحده نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال سبحانه: {أَنِ ٱتَّخِذِى } وقرأ ابن وثاب {ٱلنَّحْلِ } بفتحتين وهو يحتمل أن يكون لغة وأن يكون اتباعاً لحركة النون، و {أن} إما مصدرية بتقدير باء الملابسة أي بأن اتخذي أو تفسيرية وما بعدها مفسر للإيحاء لأن فيه باعتبار معناه المشهور معنى القول دون حروفه، وذلك كاف في جعلها تفسيرية: وقد غفل عن ذلك أبو حيان أو لم يعتبره فقال: إن في ذلك نظراً لأن الوحي هنا بمعنى الإلهام إجماعاً وليس في الإلهام معنى القول. {مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا } أوكاراً، وأصل البيت مأوى الإنسان واستعمل هنا في الوكر الذي تبنيه النحل لتعسل فيه تشبيهاً له بما يبنيه الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة كما سمعت. وقرىء {بُيُوتًا } بكسر الباء لمناسبة الياء وإلا فجمع فعل على فعول بالضم. {وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } أي يعرشه الناس أي يرفعه من الكروم كما روي عن ابن زيد وغيره أو السقوف كما نقل عن الطبري أو أعم منهما كما قال البعض، و {مِنْ } في المواضع الثلاثة للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء فإن النحل لا يبني في كل شجر وكل جبل وكل ما يعرش ولا في كل مكان من ذلك، وبعضهم قال: إن {مِنْ } للتبعيض بحسب الأفراد فقط، والمعنى الآخر معلوم من خارج لا من مدلول {مِنْ } إذ لا يجوز استعمالها فيهما ولمولانا ابن كمال تأليف مفرد في المسألة فليراجع، وأياً ما كان ففيه مع ما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى من البديع صنعة الطباق، وتفسير البيوت بما تبنيه هو الذي ذهب إليه غير واحد، وقال أبو حيان: الظاهر أنها عبارة عن الكوى التي تكون في الجبال وفي متجوف الأشجار والخلايا التي يصنعها ابن آدم للنحل والكوى التي تكون في الحيطان، ولما كان النحل نوعين منه ما مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ومنه ما يكون في بيوت الناس ويتعهده في الخلايا ونحوها شمل الأمر بالاتخاذ البيوت النوعين.
ابن عاشور
تفسير : عَطْف عبرة على عبرة ومنّة على منّة. وغُيّر أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى، إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه الصّنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة، كما أودع في الأنعام ألبانها وأودع في ثمرات النخيل والأعناب شراباً، وكان ما في بطون النّحْل وسطاً بين ما في بطون الأنعام وما في قلب الثمار، فإن النّحل يمتصّ ما في الثمرات والأنوار من المواد السكّرية العسليّة ثم يخرجه عسلاً كما يَخْرج اللبن من خلاصة المرعى. وفيه عبرة أخرى وهي أن أودع الله في ذبابة النحل إدراكاً لصنع محكم مضبوط منتج شراباً نافعاً لا يحتاج إلى حلب الحالب. فافتتحت الجملة بفعل {أوْحى} دون أن تفتتح باسم الجلالة مثل جملة {أية : والله أنزل} تفسير : [سورة النحل: 65]، لما في {أوحى} من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيراً عجيباً وعملاً متقناً وهندسة في الجبلة. فكان ذلك الإلهام في ذاته دليلاً على عظيم حكمة الله تعالى فضلاً على ما بعده من دلالة على قدرة الله تعالى ومنّة منه. والوحي: الكلام الخفيّ والإشارة الدّالة على معنى كلاميّ. ومنه سمّي ما يلقيه الملك إلى الرسول وَحْياً لأنه خفيّ عن أسماع الناس. وأطلق الوحي هنا على التكوين الخفيّ الذي أودعه الله في طبيعة النحل، بحيث تنساق إلى عمل منظّم مرتّب بعضه على بعض لا يختلف فيه آحادها تشبيهاً للإلهام بكلام خفيّ يتضمّن ذلك الترتيب الشّبيه بعمل المتعلّم بتعليم المُعلّم، أو المؤتمر بإرشاد الآمر، الذي تلقّاه سرّاً، فإطلاق الوحي استعارة تمثيليّة. و{النّحل}: اسم جنس جمعي، واحده نحلة، وهو ذباب له جِرم بقدرِ ضعفي جِرم الذّباب المتعارف، وأربعة أجنحة، ولون بطنه أسمر إلى الحمرة، وفي خرطومه شوكة دقيقة كالشوكة التي في ثمرة التين البربري (المسمى بالهندي) مختفية تحت خرطومه يلسع بها ما يخافه من الحيوان، فتسمّ الموضع سمّاً غير قوي، ولكن الذبابةَ إذا انفصلت شوكتُها تموت. وهو ثلاثة أصناف: ذكر وأنثى وخنثى، فالذكور هي التي تحرس بيوتها ولذلك تكون محوّمة بالطيران والدّوي أمام البيت وهي تُلقح الإناث لقاحاً به تلد الإناث إناثاً. والإناثُ هي المسمّاة اليعاسيب، وهي أضخم جرماً من الذكور. ولا تكون التي تلد في البيوت إلا أنثى واحدة، وهي قد تلد بدون لقاح ذكر؛ ولكنّها في هذه الحالة لا تلد إلا ذكوراً فليس في أفراخها فائدة لإنتاج الوالدات. وأما الخنثى فهي التي تفرز العسل، وهي العواسل، وهي أصغر جرماً من الذكور وهي معظم سكان بيت النّحل. و{أنْ} تفسيرية، وهي ترشيح للاستعارة التمثيلية، لأنّ {أنْ} التفسيريّة من روادف الأفعال الدالة على معنى القول دون حروفه. واتّخاذ البيوت هو أوّل مراتب الصنع الدّقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل فإنها تبني بيوتاً بنظام دقيق، ثم تقسم أجزاءَها أقساماً متساوية بأشكال مسدّسة الأضلاع بحيث لا يتخلّل بينها فراغ تنساب منه الحشرات، لأن خصائص الأشكال المسدّسة إذا ضُمّ بعضها إلى بعض أن تتّصل فتصير كقطعة واحدة، وما عداها من الأشكال من المثلّث إلى المعشّر إذا جمع كلّ واحد منها إلى أمثاله لم تتّصل وحصلت بينها فُرج، ثم تُغشي على سطوح المسدّسات بمادة الشمع، وهو مادة دهنية متميّعة أقربُ إلى الجمود، تتكوّن في كيس دقيق جداً تحت حلقة بطن النحلة العاملة فترفعه النحلة بأرجلها إلى فمها وتمضغه وتضع بعضه لصق بعض لبناء المسدّس المسمى بالشُهْد لتمنع تسرّب العسل منها. ولما كانت بيوت النحل معروفة للمخاطبين اكتفي في الاعتبار بها بالتّنبيه عليها والتذكير بها. وأشير إلى أنها تتّخذ في أحسن البقاع من الجبال أو الشجر أو العُرُش دون بيوت الحشرات الأخرى، وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصّنعة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى في ضدّها: {أية : وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} تفسير : [سورة العنكبوت: 41]. وتقدم الكلام على الجبال عند قوله تعالى: {أية : ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} تفسير : في سورة البقرة (260). و{من} الداخلة على {الجبال} وما عطف عليها بمعنى (في)، وأصلها {مِن} الابتدائية، فالتعبير بها دون (في) الظرفية لأن النحل تبني لنفسها بيوتاً ولا تجعل بيوتَها جُحور الجِبال ولا أغصان الشجر ولا أعواد العريش وذلك كقوله تعالى: {أية : واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى} تفسير : [سورة البقرة: 125]. وليست مثل (من) التي في قوله تعالى: {أية : وجعل لكم من الجبال أكناناً} تفسير : [سورة النحل: 81]. {ومما يعرشون} أي ما يجعلونه عروشاً، جمع عَرش، وهو مجلس مرتفع على الأرض في الحائط أو الحقل يتّخذ من أعواد ويسقف أعلاه بورق ونحوه ليكون له ظل فيجلس فيه صاحبه مُشْرفاً على ما حوله. يقال: عرش، إذا بنى ورفع، ومنه سمّي السرير الذي يَرتفع عن الأرض ليجلس عليه العظماء عَرشاً. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وهو الذي أنشأ جنات معروشات} تفسير : في سورة الأنعام (141)، وقوله تعالى: {أية : وما كانوا يعرشون} تفسير : في سورة الأعراف (137). وقرأ جمهور القراء بكسر راء {يعرشون}. وقرأه ابن عامر ــــ بضمّها ــــ. و{ثم} للترتيب الرتبي، لأن إلهام النحل للأكل من الثمرات يترتّب عليه تكوّن العسل في بطونها، وذلك أعلى رتبة من اتخاذها البيوت لاختصاصها بالعسل دون غيرها من الحشرات التي تبني البيوت، ولأنه أعظم فائدة للإنسان، ولأن منه قوتها الذي به بقاؤها. وسُمّي امتصاصها أكلاً لأنها تقتاته فليس هو بشرب. و{الثمرات}: جمع ثمرة. وأصل الثمرة ما تخرجه الشجرة من غلّة، مثل التّمْر والعنب؛ والنحلُ يمتصّ من الأزهار قبل أن تصير ثمرات، فأطلق {الثمرات} في الآية على الأزهار على سبيل المجاز المرسل بعلاقة الأول. وعطفت جملة {فاسلكي} بفاء التفريع للإشارة إلى أن الله أودع في طبع النحل عند الرعي التنقّل من زهرة إلى زهرة ومن روضة إلى روضة، وإذا لم تجد زهرة أبعدت الانتجاع ثم إذا شبعت قصدت المبادرة بالطيران عقب الشبع لترجع إلى بيوتها فتقذف من بطونها العسل الذي يفضل عن قوتها، فذلك السلوك مفرع على طبيعة أكلها. وبيان ذلك أن للأزهار وللثمار غدداً دقيقة تفرز سائلاً سكرياً تمتصّه النحل وتملأ به ما هو كالحواصل في بطونها وهو يزداد حلاوة في بطون النحل باختلاطه بمواد كيميائية مودعة في بطون النحل، فإذا راحت من مرعاها إلى بيوتها أخرجت من أفواهها ما حصل في بطونها بعد أن أخذ منه جسمها ما يحتاجه لقوته، وذلك يشبه اجترار الحيوان المجترّ. فذلك هو العسل. والعسل حين القذف به في خلايا الشَهد يكون مائعاً رقيقاً، ثم يأخذ في جفاف ما فيه من رطوبة مياه الأزهار بسبب حرارة الشمع المركّب منه الشهد وحرارة بيت النحل حتى يصير خاثراً، ويكون أبيض في الربيع وأسمر في الصيف. والسلوك: المرور وسط الشيء من طريق ونحوه. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} تفسير : في سورة الحجر (12). ويستعمل في الأكثر متعدّياً كما في آية الحِجر بمعنى أسلكه، وقاصراً بمعنى مَرّ كما هنا، لأن السّبل لا تصلح لأن تكون مفعول (سلك) المتعدي، فانتصاب {سبل} هنا على نزع الخافض توسعاً. وإضافة السبل إلى {ربك} للإشارة إلى أن النحل مسخّرة لسلوك تلك السبل لا يَعدلها عنها شيء، لأنها لَوْ لَمْ تسلكها لاختلّ نظام إفراز العسل منها. و{ذللاً} جمع ذلول، أي مذلّلة مسخّرة لذلك السلوك. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ذلول تثير الأرض} تفسير : في سورة البقرة (71). وجملة {يخرج من بطونها شراب} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن ما تقدم من الخبر عن إلهام النحل تلك الأعمال يثير في نفس السامع أن يسأل عن الغاية من هذا التكوين العجيب، فيكون مضمون جملة {يخرج من بطونها شراب} بياناً لما سأل عنه. وهو أيضاً موضع المنّة كما كان تمام العبرة. وجيء بالفعل المضارع للدّلالة على تجدّد الخروج وتكرّره. وعبّر عن العسل باسم الشراب دون العسل لما يومىء إليه اسم الجنس من معنى الانتفاع به وهو محل المنّة، وليرتب عليه جملة {فيه شفاء للناس}. وسمّي شراباً لأنه مائع يشرب شرباً ولا يمضغ. وقد تقدم ذكر الشراب في قوله تعالى: {أية : لكم منه شراب} تفسير : في أوائل هذه السورة [النحل: 10]. ووصفه بـ {مختلف ألوانه} لأن له مدخلاً في العبرة، كقوله تعالى: {أية : يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} تفسير : [سورة الرعد: 4]، فذلك من الآيات على عظيم القدرة ودقيق الحكمة. وفي العسل خواص كثيرة المنافع مبيّنة في علم الطب. وجعل الشّفاء مظروفاً في العسل على وجه الظرفية المجازية. وهي الملابسة للدلالة على تمكّن ملابسة الشفاء إياه، وإيماء إلى أنه لا يقتضي أن يطّرد الشفاء به في كل حالة من أحوال الأمزجة، أو قد تعرض للأمزجة عوارض تصير غير ملائم لها شرب العسل. فالظرفية تصلح للدّلالة على تخلّف المظروف عن بعض أجزاء الظرف، لأن الظرف يكون أوسع من المظروف غالباً. شبه تخلّف المقارنة في بعض الأحوال بقلّة كمية المظروف عن سعة الظرف في بعض أحوال الظروف ومظروفاتها، وبذلك يبقى تعريف الناس على عمومه، وإنما التخلّف في بعض الأحوال العارضة، ولولا العارض لكانت الأمزجة كلها صالحة للاستشفاء بالعسل. وتنكير {شفاء} في سياق الإثبات لا يقتضي العموم فلا يقتضي أنه شفاء من كل داء، كما أن مفاد (في) من الظرفية المجازية لا يقتضي عموم الأحوال. وعمومُ التعريف في قوله تعالى: {للناس} لا يقتضي العموم الشمولي لكل فرد فرد بل لفظ (الناس) عمومه بَدَلي. والشفاء ثابت للعسل في أفراد الناس بحسب اختلاف حاجات الأمزجة إلى الاستشفاء. وعلى هذا الاعتبار محمل ما جاء في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: حديث : أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ أخي استُطلق بطْنه، فقال: اسقه عسلاً. فذهب فسقاه عسلاً. ثم جاء، فقال: يا رسول الله سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً؛ قال: اذهب فاسقه عسلاً، فذهب فسقاه عسلاً ثم جاء، فقال: يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقاً. فقال رسول الله: «صدَق الله وكذبَ بطْن أخيك؛ فذهب فسقاه عسلاً فبرىء»تفسير : . إذ المعنى أن الشفاء الذي أخبر الله عنه بوجوده في العسل ثابت، وأن مزاج أخي السائل لم يحْصل فيه معارض ذلك، كما دلّ عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه أن يسقيه العسل، فإن خبره يتضمّن أن العسل بالنسبة إليه باقٍ على ما جعل الله فيه من الشفاء. ومن لطيف النّوادر ما في «الكشاف»: أن من تأويلات الروافض أن المراد بالنحل في الآية عليّ وآله. وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعَل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فضحك المهدي وحدّث به المنصور فاتّخذوه أضحوكة من أضاحيكهم. قلت: الرجل الذي أجاب الرافضي هو بَشّار بن برد. وهذه القصّة مذكورة في أخبار بشّار. وجملة {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} مثل الجملتين المماثلتين لها. وهو تكرير لتعداد الاستدلال، واختير وصف التفكّر هنا لأن الاعتبار بتفصيل ما أجملته الآية في نظام النحل محتاج إلى إعمال فكر دقيق، ونظر عميق.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}. المراد بالإيحاء هنا: الإلهام. والعرب تطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية. ولذا تطلقه على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى الإلهام. ولذلك قال تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} أي ألهمها. وقال: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً}تفسير : [مريم: 11] الآية. أي أشار إليهم. وسمى أمره للأرض إيحاء في قوله: {أية : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 4-5] ومن إطلاق الوحي على الكتابة قول لبيد في معلقته: - شعر : فمدافع الريان عرى رسمها خلقاً كما ضمن الوحي سلامها تفسير : فـ "الوحي" في البيت (بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء) جمع وحي بمعنى الكتابة. وسيأتي لهذه المسألة إن شاء الله زيادة إيضاح.
د. أسعد حومد
تفسير : (68) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ أَلْهَمَ النَّحْلَ، وَأَرْشَدَهَا (أَوْحَى إِلَيْهَا) أَنْ تَجْعَلَ لَهَا بُيُوتاً فِي الجِبَالِ تَأْوِي إِلَيْهَا، وَفِي الأَشْجَارِ، أَوْ فِيمَا يَعْرِشُهُ النَّاسُ مِنَ الأَشْجَارِ المَرْفُوعَةِ عَلَى العَرَائِشِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى وَمِمَّا يَعْرِشُونَ هُوَ مِمَّا يَبْنِي النَّاسُ مِنَ الخَلاَيَا لِلنَّحْلِ). أَوْحَى - أَلْهَمَ وَأَرْشَدَ وَسَخَّرَ. بُيُوتاً - أَوْكَاراً تَبْنِيهَا لِتَضَعَ العَسَلَ فِيهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : النحل خَلْق من خَلْق الله، وكل خَلْق لله أودع الله فيه وفي غرائزه ما يُقيم مصالحه، يشرح ذلك قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 2-3]. أي: خلق هذه كذا، وهذه كذا حَسْب ما يتناسب مع طبيعته؛ ولذلك تجد ما دون الإنسان يسير على منهج لا يختلف .. فالإنسان مثلاً قد يأكل فوق طاقته، وقد يصل إلى حَدِّ التُّخْمة، ثم بعد ذلك يشتكي مرضاً ويطلب له الدواء. أما الحيوان فإذا ما أكل وجبته، وأخذ ما يكفيه فلا يزيد عليه أبداً، وإنْ أجبرته على الأكل؛ ذلك لأنه محكوم بالغريزة الميكانيكية، وليس له عقل يختار به. وضربنا مثلاً للغريزة في الحيوان بالحمار الذي يتهمونه دائماً ويأخذونه مثلاً للغباء، إذا سُقْتَه ليتخطى قناة ماء مثلاً وجدته ينظر إليها وكأنه يقيس المسافة بدقة .. فإذا ما وجدها في مقدوره قفزها دون تردد، وإذا وجدها فوق طاقته، وأكبر من قدرته تراجع ولم يُقدِم عليها، وإنْ ضربتَه وصِحْتَ به .. فلا تستطيع أبداً إجباره على شيء فوق قدرته. ذلك لأنه محكوم بالغريزة الآلية التي جعلها الله سبحانه فيه، على خلاف الإنسان الذي يفكر في مثل هذه الأمور ليختار منها ما يناسبه، فهذه تكون كذا، وهذه تكون كذا، فنستطيع أن نُشبِّه هذه الغريزة في الحيوان بالعقل الألكتروني الذي لا يعطيك إلا ما غذَّيته به من معلومات .. أما العقل البشري الرباني فهو قادر على التفكير والاختيار والمفاضلة بين البدائل. يقول الحق سبحانه: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ..} [النحل: 68]. الحق تبارك وتعالى قد يمتنّ على بعض عبادة ويُعلّمهم لغة الطير والحيوان، فيستطيعون التفاهم معه ومخاطبته كما في قصة سليمان عليه السلام .. والله سبحانه الذي خلقها وأبدعها يُوحِي إليها ما يشاء .. فما هو الوحي؟ الوحي: إعلام من مُعْلِم أعلى لمُعْلَم أدنى بطريق خفيّ لا نعلمه نحن، فلو أعلمه بطريق صريح فلا يكون وَحْياً. فالوَحْي إذنْ يقتضي: مُوحِياً وهو الأعلى، ومُوحَىً إليه وهو الأَدْنَى، ومُوحًى به وهو المعنى المراد من الوَحْي. والحق - تبارك وتعالى - له طلاقة القدرة في أنْ يُوحي ما يشاء لما يشاء من خَلْقه .. وقد أوحى الحق سبحانه وتعالى إلى الجماد في قوله تعالى: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 1-5]. أعلمها بطريق خفيّ خاص بقدرة الخالق في مخلوقه. وهنا أوحى سبحانه إلى النحل. وأوحى الله إلى الملائكة: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} تفسير : [الأنفال: 12]. وأوحى إلى الرسل: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ..}تفسير : [النساء: 163]. وأوحى إلى المقربين من عباده: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ..} تفسير : [المائدة: 111]. وقد أوحى إليهم بخواطر نورانية تمرُّ بقلوبهم وأوحى سبحانه إلى أم موسى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..} تفسير : [القصص: 7]. هذا هو وَحْي الله إلى ما يشاء من خَلْقه: إلى الملائكة، إلى الأرض، إلى الرسل، إلى عباده المقرّبين، إلى أم موسى، إلى النحل .. الخ. وقد يكون الوحي من غيره سبحانه، ويُسمَّى وَحْياً أيضاً، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ..} تفسير : [الأنعام: 121]. وقوله:{أية : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ..}تفسير : [الأنعام: 112]. لكن إذا أُطلِقَتْ كلمة (الوَحْي) مُطْلقاً بدون تقييد انصرفتْ إلى الوحي من الله إلى الرسل؛ لذلك يقول علماء الفقه: الوحي هو إِعلامُ الله نبيه بمنهجه، ويتركون الأنواع الأخرى: وَحْي الغرائز، وَحْي التَكوين، وَحْي الفطرة .. الخ. وقوله: {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68]. كثير من الباحثين شغوفون بدراسة النحل ومراحل حياته منذ القدم، ومن هؤلاء باحث تتبّع المراحل التاريخية للنحل، فتوصّل إلى أن النحل أول ما وُجِد عاش في الجبال، ثم اتخذ الشجر، وجعل فيها أعشاشه، ثم اتخذ العرائش التي صنعها له البشر، وهي ما نعرفه الآن باسم الخلية الصناعية أو المنحل، ووَجْه العجب هنا أن هذا الباحث لا يعرف القرآن الكريم، ومع ذلك فقد تطابق ما ذهب إليه مع القرآن تمام التطابق. وكذلك توصَّل إلى أن أقدمَ أنواع العسل ما وُجِد في كهوف الجبال، وقد تَوصَّلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق حَرْق العسل وتحويله إلى كربون، ثم عن طريق قياس إشعاع الكربون يتم التوصّل إلى عمره .. وهكذا وجدوا أن عسل الكهوف أقدم أنواع العسل، ثم عسل الشجر، ثم عسل الخلايا والمناحل. إذن: أوحى الله تعالى إلى النحل بطريق خفيّ لا نعلمه نحن، وعملية الوحي تختلف باختلاف الموحِي والموحَى إليه، ويمكن أنْ نُمثّل هذه العملية بالخادم الفَطِن الذي ينظر إليه سيده مُجرد نظرة فيفهم منها كل شيء: أهو يريد الشراب؟ أم يريد الطعام؟ أم يريد كذا؟ ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ كُلِي مِن ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} أي ألْهَمَها إِلهَاماً ولَم يُرسِلْ إِليها رَسولاً. تفسير : وقوله تعالى: {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} معناه يَجعَلُونهُ عَرْشاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : في خلق هذه النحلة الصغيرة، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها، وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة. فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه.
همام الصنعاني
تفسير : 1497- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}: [الآية: 68]، قال: قذف في أنفسها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):