١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} وذلك أنها إنما تأكل النوّار من الأشجار. {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} أي طرق ربك. والسّبل: الطرق، وأضافها إليه لأنه خالقها. أي ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر. {ذُلُلاً} جمع ذلول وهو المنقاد؛ أي مطيعة مسخرة. فـ «ذللاً» حال من النحل. أي تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها؛ لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا؛ قاله ابن زيد. وقيل: المراد بقوله «ذُلُلاً» السبل. واليَعْسُوب سيد النحل، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت. قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} فيه تسع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} رجع الخطاب إلى الخبر على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة فقال: «يخرج من بطونها شراب» يعني العسل. وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل؛ وورد عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تحقيره للدنيا: أشرف لباس ابن آدم فيها لعابُ دودة، وأشرب شرابه رَجِيعُ نحلة. فظاهر هذا أنه من غير الفم. وبالجملة فإنه يخرج ولا يدرى من فيها أو أسفلها، ولكن لا يتم صلاحه إلا بحَمْى أنفاسها. وقد صنع أرسطاطاليس بيتاً من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع، فأبت أن تعمل حتى لطخت باطن الزجاج بالطين؛ ذكره الغزنويّ. وقال: «مِن بطونِها» لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن. الثانية ـ قوله تعالى: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر والجامد والسائل، والأم واحدة والأولاد مختلفون دليل على أن القدرة نوّعته بحسب تنويع الغذاء، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي؛ ومن هذا المعنى قول زينب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «جَرَسَتْ نحلُه العُرْفُطَ» حين شبهت رائحته برائحة المغافير. الثالثة ـ قوله تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} الضمير للعسل؛ قاله الجمهور. أي في العسل شفاء للناس. وروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك والفراء وابن كَيْسان: الضمير للقرآن؛ أي في القرآن شفاء. النحاس: وهذا قول حسن؛ أو فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس. وقيل: العسل فيه شفاء، وهذا القول بيّن أيضاً؛ لأن أكثر الأشربة والمعجونات التي يتعالج بها أصلها من العسل. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: من قال إنه القرآن بعيد ما أراه يصحّ عنهم، ولو صح نقلاً لم يصح عقلاً؛ فإن مساق الكلام كلّه للعسل، ليس للقرآن فيه ذكر. قال ابن عطية: وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها أهل البيت وبنو هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب القرآن والحكمة، وقد ذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبي جعفر العباسيّ، فقال له رجل ممن حضر: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فأضحك الحاضرين وبُهِت الآخر وظهرت سخافة قوله. الرابعة ـ اختلف العلماء في قوله تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} هل هو على عمومه أم لا؛ فقالت طائفة: هو على العموم في كل حال ولكل أحد، فروي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً، حتى الدُّمَّل إذا خرج عليه طَلى عليه عسلاً. وحكى النقاش عن أبي وَجْرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستمشي بالعسل ويتداوى بالعسل. وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بالماء، فإن الله تعالى يقول: {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً} ثم قال: ائتوني بعسل، فإن الله تعالى يقول: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} وائتوني بزيت، فإن الله تعالى يقول: {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} فجاءوه بذلك كله فخلطه جميعاً ثم شربه فبرىء. ومنهم من قال: إنه على العموم إذا خلط بالخل ويطبخ فيأتي شراباً ينتفع به في كل حالة من كل داء. وقالت طائفة: إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان، بل إنه خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال؛ ففائدة الآية إخبار منه في أنه دواء لمّا كثر الشفاء به وصار خليطاً ومُعيناً للأدوية في الأشربة والمعاجين؛ وليس هذا بأول لفظ خُصّص فالقرآن مملوء منه ولغة العرب يأتي فيها العام كثيراً بمعنى الخاص والخاص بمعنى العام. ومما يدل على أنه ليس على العموم أن «شفاء» نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللسان ومحقّقي أهل العلم ومختلفي أهل الأصول. لكن قد حملته طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم، فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض، وكانوا يشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان. ابن العربي: ومن ضعفت نيته وغلبته على الدِّين عادته أخذه مفهوماً على قول الأطباء، والكلُّ مِن حِكَم الفَعّال لما يشاء. الخامسة ـ إن قال قائل: قد رأينا من ينفعه العسل ومن يضره، فكيف يكون شفاء للناس؟ قيل له: الماء حياة كل شيء وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يضاده من علة في البدن، وقد رأينا شفاء العسل في أكثر هذه الأشربة؛ قال معناه الزجاج. وقد ٱتَّفق الأطباء عن بَكْرة أبيهم على مدح عموم منفعة السّكنجبين في كل مرض، وأصله العسل وكذلك سائر المعجونات، على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد حَسَم داء الإشكال وأزاح وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل. فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقاً أمره بعود الشراب له فبرىء؛ وقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك». السادسة ـ اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا الحديث فقال: قد أجمعت الأطباء على أن العسل يسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال؛ فالجواب أن ذلك القول حق في نفسه لمن حصل له التصديق بنبيّه عليه السلام، فيستعمله على الوجه الذي عينه وفي المحل الذي أمره بعقد نية وحسن طويّة، فإنه يرى منفعته ويدرك بركته، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل وغيره كما تقدّم. وأما ما حكي من الإجماع فدليل على جهله بالنقل حيث لم يقيّد وأطلق. قال الإمام أبو عبد الله المازَري: ينبغي أن يُعلم أن الإسهال يعرض من ضروب كثيرة؛ منها الأسهال الحادث عن التُّخم والهَيْضات؛ والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن يترك للطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى مُعين على الإسهال أعينت ما دامت القوّة باقية، فأما حبسها فضرر، فإذا وضح هذا قلنا: فيمكن أن يكون ذلك الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهَيْضة فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم بشرب العسل فزاده إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال فوافقه شرب العسل. فإذا خرج هذا عن صناعة الطب أذِن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة. قال: ولسنا نستظهر على قول نبيّنا بأن يصدقه الأطباء بل لو كذّبوه لكذبناهم ولكفّرناهم وصدّقناه صلى الله عليه وسلم؛ فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخريجه على ما يصح إذ قامت الدّلالة على أنه لا يكذب. السابعة ـ في قوله تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} دليل على جواز التعالج بشرب الدواء وغير ذلك خلافاً لمن كره ذلك من جلّة العلماء، وهو يرد على الصوفية الذين يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء، ولا يجوز له مداواة. ولا معنى لمن أنكر ذلك، روى الصحيح عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لكل داء دواء فإذا أصيب دواءُ الداءِ برأ بإذن الله»تفسير : . وروى أبو داود والترمذي عن أسامة بن شُريك قال: حديث : قالت الأعراب: ألا نَتداوَى يا رسول الله؟ قال: «نعم. يا عباد الله تداوَوْا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحداً» قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: «الهرم» تفسير : لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وروي حديث : عن أبي خزامة عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أرأيت رُقىً نسترقيها ودواء نتداوى به وتُقاة نتقيها، هل تَرُدّ من قَدَر الله شيئاً؟ قال: «هي من قدر الله» تفسير : قال: حديث حسن، ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجَم أو شربة من عسل أو لَذْعة بنار وما أحب أن أكْتَوِيَ» تفسير : أخرجه الصحيح. والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى. وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء. روي أن ابن عمر اكتوى من اللَّقْوة ورقي من العقرب. وعن ابن سِيرين أن ابن عمر كان يسقي ولده التّرياق. وقال مالك: لا بأس بذلك. وقد احتج من كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دخلت أمّة بقَضِّها وقَضِيضها الجنة كانوا لا يَسترقُون ولا يَكْتَوُون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون»تفسير : . قالوا: فالواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاماً بالله وتوكلاً عليه وثقة به وانقطاعاً إليه؛ فإن الله تعالى قد علم أيام المرض وأيام الصحة فلو حَرَص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا؛ قال الله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}. وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل الفضل والأثر، وهو قول ابن مسعود وأبي الدرداء رضوان الله عليهما. دخل عثمان بن عفان على ابن مسعود في مرضه الذي قبض فيه فقال له عثمان: ما تشتكي؟ قال ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال رحمة ربي. قال: ألا أدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني... وذكر الحديث. وسيأتي بكماله في فضل الواقعة إن شاء الله تعالى. وذكر وكيع قال: حدثنا أبو هلال عن معاوية بن قُرّة قال: مرِض أبو الدّرداء فعادوه وقالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أضجعني. وإلى هذا ذهب الربيع بن خَيْثم. وكره سعيد بن جُبير الرُّقََى. وكان الحسن يكره شرب الأدوية كلها إلا اللبن والعسل. وأجاب الأوّلون عن الحديث بأنه لا حجة فيه، لأنه يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من الكي مكروه بدليل كي النبيّ صلى الله عليه وسلم أُبَيّاً يوم الأحزاب على أكحله لما رُمِي. وقال: «حديث : الشفاء في ثلاثة» تفسير : كما تقدّم. ويحتمل أن يكون قصد إلى الرقي بما ليس في كتاب الله، وقد قال سبحانه وتعالى {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ} على ما يأتي بيانه. ورَقَى أصحابَه وأمرهم بالرُّقية؛ على ما يأتي بيانه. الثامنة ـ ذهب مالك وجماعة أصحابه إلى أن لا زكاة في العسل وإن كان مطعوماً مُقتاتاً. واختلف فيه قول الشافعي، والذي قطع به في قوله الجديد: أنه لا زكاة فيه. وقال أبو حنيفة بوجوب زكاة العسل في قليله وكثيره؛ لأن النصاب عنده فيه ليس بشرط. وقال محمد بن الحسن: لا شيء فيه حتى يبلغ ثمانية أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلاً من أرطال العراق. وقال أبو يوسف: في كل عشرة أزقاق زق؛ متمسكاً بما رواه الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : في العسل في كل عشرة أزقاق زق» تفسير : قال أبو عيسى: في إسناده مقال، ولا يصح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شيء. التاسعة ـ قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي يعتبرون؛ ومن العبرة في النحل بإنصاف النظر وإلطاف الفكر في عجيب أمرها. فيشهد اليقين بأن ملهمها الصنعة اللطيفة مع البنية الضعيفة، وحذقها باحتيالها في تفاوت أحوالها هو الله سبحانه وتعالى؛ كما قال: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}. الآية ثم أنها تأكل الحامض والمُرّ والحلو والمالح والحشائش الضارة، فيجعله الله تعالى عسلاً حلواً وشفاء، وفي هذا دليل على قدرته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ فَٱسْلُكِى } ادخلي {سُبُلَ رَبّكِ } طرقه في طلب المرعى {ذُلُلاً } جمع (ذلول)، حال من (السبل) أي مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا تضلي عن العود منها وإن بعدت وقيل من الضمير في «اسلكي» أي منقادة لما يراد منك {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ } وهو العسل {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } من الأوجاع قيل لبعضها كما دل عليه تنكير (شفاء) أو لكلها بضميمته إلى غيره أقول وبدونها بنيته وقد أمر به صلى الله عليه وسلم من استطلق عليه بطنه رواه الشيخان {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في صنعه تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {ذُلُلاً} مذللة، أو مطيعة، أو لا يتوعر عليها مكان تسلكه، أو الذلل صفة للنحل بانقيادها إلى أصحابها وذهابها حيث ذهبوا. {مُّخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ} لاختلاف أغذيته {فِيهِ شِفَآءٌ} الضمير للقرآن، أو للعسل.
النسفي
تفسير : {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ } أي ابني البيوت ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها {فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ} فادخلي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها {ذُلُلاً } جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله تعالى ذللها وسهلها، أو من الضمير في {فاسلكي} أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ } يريد العسل لأنه مما يشرب تلقيه من فيها {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } منه أبيض وأصفر وأحمر من الشباب والكهول والشيب أو على ألوان أغذيتها {فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } لأنه من جملة الأدوية النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل. وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض كما أن كل دواء كذلك، وتنكيره لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء لأن النكرة في الإثبات تخص، وشكا رجل استطلاق بطن أخيه فقال عليه السلام: «حديث : اسقه عسلاً»تفسير : فجاءه وقال: زاده شراً فقال عليه السلام: «حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلاً»تفسير : فسقاه فصح. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: حديث : العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل تفسير : ومن بدع الروافض أن المراد بالنحل عليّ وقومه. وعن بعضهم أن رجلاً قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم. فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي، وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في عجيب أمرها فيعلمون أن الله أودعها علماً بذلك وفطنها كما أعطى أولي العقول عقولهم .
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} [الآية: 69]. أى من الذى جعلته رزقك ثم أمره بالتواضع. فقال: {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} [الآية: 69]. ثم قال: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} [الآية: 69]. للنفوس لا للقلوب فمن أراد صلاح قلبه فليتعرف موارد ما يرد على قلبه فى الأوقات ومحل قلبه فى جميع الأحوال وما يسر فى قلبه فى كل زمان ثم ليلزم مع ذلك التواضع والخلوة فهذا غذاء للقلب وذاك غذاء النفس وغذاء الروح أعز وهو مشاهدة الحق والسماع منه وترك الالتفات إلى المكونات بحاله. وقال ابن عطاء: جعل ما يخرج من النحل شيئين ممزوجين لا يصفيهما إلا النار فإذا صفيتهما النار صار عسلاً وشمعًا فالعسل هو غذاء الخلق وشفاؤهم والشمع للحرق لا غير ذلك كذلك العبد إذا أخلص عمله خلص له عمله، وما خالطه برياء وشرك لا يصلح إلا للنار. قوله عز وجل: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}. قال أبو بكر الوراق: النحلة لما اتبعت الأمر وسلكت سبيلها على ما أمرت به جعل لعابها شفاء للناس، كذلك المؤمن إذا اتبع الأمر وحفظ السر وأقبل على ربه جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق فمن نظر إليه اعتبر ومن سمع كلامه اتعظ ومن جالسه سعد.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} لطيفها وخالصها {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} الّتى الهمك سلوكها الى البيوت، او فاسلكى السّبل الّتى الهمك لعمل العسل، او فاسلكى سبل ربّك من البيوت الّتى هى مسالك لادخال العسل {ذُلُلاً} حال كون السّبل ذلك يسهل السّلوك فيها بتسهيل الله او حالكونك منقادة لامر ربّك {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} وهو العسل باختلاف الوانه بالابيضاض والاصفرار والاحمرار والاسوداد {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} منفرداً او منضّماً الى غيره لمبرودى المزاج ومحروريه والعجب انّه يخرج من محلّ السمّ ما فيه شفاء، وفى الخبر: نحن والله النّحل الّذى اوحى اليه ان اتّخذى من الجبال بيوتاً امرنا ان نتّخذ من العرب شيعةً، ومن الشّجر يقول من العجم وممّا يعرشون يقول من الموالى، والّذى يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه اى العلم الّذى يخرج منّا اليكم، وفى رواية اخرى: والشّيعة هم النّاس، وغيرهم الله اعلم بهم، ولو كان كما تزعم انّه العسل الّذى يأكله النّاس اذن ما أكل منه ولا شرب ذو عاهة الاّ شفى لقول الله تعالى: فيه شفاء للنّاس ولا خلف لقول الله وانّما الشّفاء فى علم القرآن {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ} تفسير : [الإسراء:82] لاهله لا شكّ ولامرية واهله ائمّة الهدى الّذين قال الله {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر:32] ولمّا كان النّحل وتدبيرها وشراب بطنها مظاهر للائمّة (ع) وتربيتهم للشّيعة وعلمهم كان التّفسير بالنّحل والبيوت المسدّسة وعسلها فى محلّه، ولمّا كان الوقوف على ظاهر الآية وحصر المقصود فى النّحل الصّوريّة واستقلال النّحل بالقصد منافياً لمقصود الآية من كون القصد الى النّحل من حيث كونها مظهراً لا اصالة وكون المقصود استقلالاً هو رؤساء الدّين كان انكار التّفسير بالنّحل الصّوريّة فى محلّه {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فانّه لا يكفى فيه السّماع والايمان ولا العقل والتّذكّر لكثرة دقائقه وخفاء طريق الانتقال الى قدرة بارئها والى ما يمثّل بها له.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} أى التى تشتهيها لأَن من الثمرات ما لا تأْكله فهو كقوله تعالى تدمر كل شىء أى كل شىء أُمرت به فخرج ما لم تؤمر به كالجبال فإِن الريح لم تدمرها، أو المراد بكل الثمرات أنواعها كحلو ومر وأصفر وأبيض وأحمر أو المراد أنه أبيح لك كل ثمرة فكلى ما شئت وذكر بعض أنها إِذا طارت ارتفعت ونزلت على الأَماكن النظيفة وأكلت نوار الزهر والأَشياء الحلوة وشربت من الماء الصافى ثم أتى فأخرج ذلك فأَول ما يخرج الشمع ليكون كالوعاء ثم العسل. {فَاسْلُكِى} ادخلى. {سُبُلَ رَبِّكِ} أى طرقه فى طلبك المرعى، {ذلُلاً} جمع ذليلة على تأْنيث السبيل أو دليل على تذكيره أو تَأنيثه لأَن ذليلا فعيل بمعنى فاعل يصلح للمؤنث ولو بلا تاء والنصب على الحال من السبل أى ادخلى طرق المرعى غير مستصعبة عليك ولا عسرة بل سهلة مسخرة ولو توعرت ولا تضل عن مكانك إِذا رجعت عنها ولو بعدت ذكروا أنها ربما أجذبت عليها ما حولها فتسافر إِلى البلد البعيد فى طلب المرعى أو فاسلكى الطرق التى الهمك فى عمل العسل حال كون تلك الطرق غير مستصعبة عليك بل يسهل عليك عملها أو اسلكى من سلك المتعدى والسبل مسالك المرعى فى بطونها التى يستحيل فيها النور المر مثلا بقدرة الله سبحانه وتعالى أى أدخلى بفتح الهمزة وكسر الخاء ما أكلت فى مسالكه التى يستحيل فيها عسلا حال كون تلك المسالك غير مستصعبة وبجواز كون ذلك على تلك الأَوجه كلها حالا من الياء جمع ذليل أو ذليل وعلى وجه آخر وهو مطاوعتها الله عز وجل فيما أمرها به ولأربابها وانقيادها لهم حتى أنهم ينقلونها من مكان لآخر من مكان إلى مكان ولا تستعصى، قال ابن زيد يخرجون بالنحل يطلبون المرعى وهى تتبعهم، {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} هو العسل لأَنه مما يشرب عدل عن خطاب النحل إِذ لم يقل واخرجى من بطونك شراباً بفتح الهمزة وكسر الراء وألقى الكلام عنها إِلى الناس لأَنه محل الإِنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإِلهامه والظاهر من الآية أن ما تَأكل يستحيل فى بطونها عسلا ثم تخرجه من بطونها لكن من فمها كاللعاب ولذلك يسمى فى الزنابير قئ الزنابير قال بعضهم تأْكل الأَزهار والأَوراق العطرة فتستحيل فى باطنها عسلا ثم تقئ ادخاراً للشتاء ويدل ذلك أنه يوجد طعم ما تأكل وريحه قيل ولونه فى العسل وذلك قول الجمهور، وقال بعضهم إِنه يخرج من غير فمه وعلى كل من القولين أصله ما تَأْكل يستحيل عسلا ويدل له قصة المغافير التى سأذكرها إِن شاء الله فى سورة التحريم من "حديث : أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما شرب العسل عند زوجته حفصة قال بعض أزواجه أكلت مغافير، فقال: لا. قالت: فما هذا الريح الذى أجد منك؟ سقتنى حفصة شربة عسل. قالت: أكلت نحلة العرفط شجر الطلح والمغافير"تفسير : ، صمغه له رائحة كرائحة كريهة زعم بعض الأَطباء أنها تلتقط من شجرة مباركة فجىء بذلك كله فخلطه جميعاً ثم شربه فبرىء ومرض شخص فقال ائتونى بماء وعسل فأتوه بذلك فخلطه وشربه فشفى ومن خلط العسل الخالص بمسك خالص واكتحل به نفع من نزول الماء فى العين والتلطخ به يقتل القمل ولعقه نافع لعضة الكلب والمطبوخ منه نافع للمسموم وتنكير شفاء للتعظيم كأَنه قيل شفاء عظيم، وقيل إِن المراد فى الآية إِلى أن العسل شفاء لبعض الأَمراض وبعض الناس دون بعض فتنكير الشفاء للتبعيض وإِطلاق الناس باعتبار أنه نافع فى الجملة وبهذا أيضاً يزول اعتراض المعترض ولا يخفى أن نفعه أكثر من مضرته وقل معجون من المعالجين إِلا وبه تمامه والأَشربة المتخذة منه نافعة لأَصحاب البلغم والشيوخ المبرودين وهو كما قال السدى شفاء للأَوجاع التى شفاؤها فيه وقيل إِنه شفاء بنفسه كما فى الأَمراض البلغمية أو مع غيره كما فى سائر الأَمراض قيل أو بنفسه مع نية غيره فهو أيضا على ذلك شفاء لكل مرض ولكل أحد وزعم الروافض قبحهم الله أن المراد بالنحل على وقومه وذكر بعض الروافض بحضرة المهدى أن النحل بنو هاشم يخر من بطونهم العلم، فقال له رجل من الحاضرين جعل الله طعامك وشرابك يخرج من بطونهم، فضحك المهدى وحدث به المنصور واتخذه أُضحوكة من أضاحيكهم وفى رواية قال له جعل الله سبحانه وتعالى ما يخرج من بطون بنى هاشم غذاء للأَبعد يعنى ذلك الرافضى وفى رواية أن بعضهم حضر مجلس المنصور فقال: المراد من قوله تعالى يخرج من بطونها شراب {مُّخْتَلفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ} أهل البيت فإِنهم النحل والشراب القرآن فقال له بعض من حضر من اللطفاء جعل الله طعامك وشرابك ما يخرج من بطون بنى هاشم فضحك الحاضرون عليه وأبهته والصحيح ما ذكرنا من رجوع الهاء فى قوله سبحانه وتعالى {فيه شفاء للناس} إلى الشراب المذكور وهو العسل لأَنه أقرب وهو قول ابن عباس وابن مسعود وقال مجاهد الهاء راجعة إِلى القرآن لأَنه شفاء من أمراض الشرك والجهل والضلالة والصحيح ما ذكرت ويليه أن يقال إِنها عائدة إِلى ما ذكر من أحوال النحل المبينة فى الآية فإِنها داعية إِلى التوحيد والعبادة فهى شفاء من الإِشراك بالله سبحانه وتعالى وسيادة غيره ولا مانع من أن يقال إِن العسل شفاء للشرك والجهل بالتفكر فيه وللمرض بأَكله وللجوع وكان سول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب الحلوى والعسل، رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن عائشة رضى الله عنها. والمراد بالحلوى كل حلو كالتمر والزبيب والتين والعسل فعطفه عليها عطف خاص على عام لمزيته وليس ذلك على معنى كثرة التشهى لها ونزع النفس إِليها وتأَنق الصنعة فى اتخاذها وإِنما ذلك أنه إِذا قدم إِليه ذلك نال منه نيلا صالحا من غير تقدير فيعلم بذلك أنه قد أعجبه طعمها وحلاوتها وفهم بعض أن المراد بالحلوى خصوص أشياء تخلط فاستدل به على جواز اتخاذ الحلاوات والأَطعمة من أخلاط شتى {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً} دلالة عظيمة على وجود الله جل جلاله وعلى وحدانيته وكمال قدرته إِذ ألهم الحيوان الضعيف علوماً دقيقة وأفعالاً عجيبة {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} يتدبرون حق التدبر فى صنع الله تعالى.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ كُلِى مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} التى تشتهيها حلوة ومرة النوار والأوراق، ويأتى عسلها كله حلوا، وأل للاستغراق العرفى، تقول: جمع الأمير العلماء والصاغة، تريد ما يتعارف له منهم، لا علماء الدنيا وصاغتها كلهم، وليس المراد أنها تأكل من تمر الدنيا كلها، لأن الأمر هنا للتخلية والإباحة بمعنى كلى مما شئت، كما قيل: المراد ثمرة تشتهيها، وقيل: تأكل النوار، ولا يخفى أن النوار ثمرة تولدت من الشجر إلا أنه غير معروف، وكذلك لا يعرف أن الأوراق ثمرات، فالمراد بالثمرات الشجر، وذكر المعرى أكلها من النوار فى قوله: شعر : والنحل يجنى المر من زهور الرجا فيكون شهدا فى طريق رضابه تفسير : ويكون للنحل أيضا بيوت فى كوى الحيطان، وفى بيوت الناس، وما عرف من الشجر وغير ذلك، ولا حصر فى الآية، ومن فى المواضع الأربعة للابتداء لأن معنى اتخذى حصِّلى وكلى إلخ. {فَاسْلُكِى} ادخلى بفتح الهمزة وكسر الخاء ما أكلت من الثمرات. {سُبُلَ رَبِّكِ} طرق ربك التى خلقها طرقا للغذاء، وهى الأجواف والعروق التى يجعل فيها المر وغيره عسلا، لأن لها عملا يبنى الله عليه ذلك، فلا يشكل بأن لا اختيار لها فى خلق الله تعالى ذلك، أو طرق ربك التى جعلها الله طريقا لطلب المرعى، ولكن هذا يفسر له قوله عز وجل: {ثم كلي} بمعنى ثم اقصدى أو طرق ربك التى ألهمك فى عمل العسل، تخرج العسل من فيها فى مشمع من بيوتها، أو طرق ربك فى الرجوع إلى بيوتك لا تضل عنها، ولو بعد مرعاها بجذب ما قرب منها، أو غير ذلك، وأضاف السبل التى لله كأنه خالقها وخالق المرعى لها، واسلك على الأول متعدٍّ، والفاء للعطف فى الوجه الأول، وعلى غيره فى جواب الشرط أى إذا أكلتها فاسلكى. {ذُلُلاً} جمع ذلول حال من سبل بمعنى حال كونها غير متوعرة، لا تعسر عليها، أو من ياء اسلكى بمعنى اسلكى حال كونك منقادة لما قضى الله منك لا تتخلفين عنه، أو لما أراد أهلك كنقلك من موضع لآخر، فإنها لا تتعاصى أو لما أراد يعسوبك فإنه يستعمل بعضها فى عمل الشمع، وبعضا فى عمل العسل، وبعضا فى سقى الماء وصبه فى البيت، وبعضا فى بناء البيوت أو لذلك كله. {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ} مما يشرب ولا يعتاد أن يقال أكلت الشراب. {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} مستأنف على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، إذ لم يقل يخرج من بطونك يخرج العسل من بطونها على طريق أفواهها كأنه لعاب، كما قال الشاعر: شعر : تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن ذممت تقول فئ الزنابير تفسير : وقيل من أدبارها كما قال علىّ: أشرف لباس ابن آدم لعاب دودة، وأشرف شرابه رجيع نحل ومنه: أما العسل فونيم ذباب، والونيم ما يخرج من أسفل الذباب، ويقال: إن سليمان والإسكندر وأرسطو صنعوا لهما بيوتًا من زجاج لينظروا كيف تصنع، ومم يخرج فلم تضع العسل حتى لطخت الزجاج بالطين، فلا تُشاهد، وجعل الله العسل مستحيلا من نبات حامض ومر وحار ومالح وحشائش ضارة، وغير ذلك مختلفًا بصفرة وحمرة وبياض، باختلاف سنها أو الفصول، أو باختلاف ما تأكل من النوار، ولا دليل غير الاستقراء على ما قيل: إن الأبيض لفتيتها، والأصفر لكهلها، والأحمر لمسنها، وهى القدرة على ترتيبها، وتنكير شفاء للتعظيم، أو للتعبيض كما تقول: جاء رجال بالتنكير أى جماعة منهم، أولهما بمعنى بعض عظيم من الشفاء. وليس شفاء لكل داء، فإنه يزيد أصحاب الصفراء وأصحاب الحرارة والإسهال ضرٌّ لأنه حار مسهل، وينفع أصحاب البلغم والبرد، والنكرة فى الإثبات لا تعم عمومًا استغراقيا. وفى البخارى ومسلم والترمذى عن أبى سعيد الخدرى، "حديث : أنه جاء رجل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخى استطلق بطنه، فقال صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلاً فسقاه، ثم جاءه فقال: إِني سقيته عسلاً فلم يزد إلا استطلاقًا، فقال له ثلاثًا، وجاء الرابعة فقال: اسقه عسلاً فقال: سقيته فلم يزد إِلا استطلاقًا، فقال صلى الله عليه وسلم: صدق الله أى وعد الشفاء وكذب بطن أخيك"تفسير : أى فى استعجال الشفاء، أو مخالفة ظاهر الآية، أو فى أنه ليس إسهالا حقيقيا فسقاه فبرئ، وكأنه نشط من عقال. علم الله جل وعلا أن شفاء هذا الرجل بالعسل، ولو كان للرجل إسهال، وللعسل إسهال، وأيضًا أعانه على الإسهال حتى فرغ بدنه منه. ومن الطب المجمع عليه ترك الإسهال على حاله أو إعانته إذا كان من تخم أو امتلاء أو هيضة، وحبسه مُضر فيعان ما دامت القوة قابلة له، وإذا لم تبق كان الدواء أخذًا من الصحة والآية على الغالب والإمكان، وليس فيها أنه شفاء لكل داء فى كل أحد، وقيل: إنها على العموم فينظر الطبيب كما قيل إن فى أكثر المعجونات عسلا فهو إما شفاء بنفسه كما فى الأمراض البلغمية، وإما مع غيره كما فى سائر الأمراض. قال ابن مسعود رضى الله عنه: "العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما فى الصدور"، وعنه: "عليكم بالشفاءين القرآن والعسل" وكان ابن عمر لا تخرج له قرحة ولا شئ إلا لطخ الموضع بالعسل، وحتى الدملة، وقرأ: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} وقول هو دواء لكل شئ بالنية. وذكر النقاش فى تفسيره الذى ألفه فى الأندلس عن أبى وجرة، أنه كان يكتحل بالعسل، ويستنشق به، ويتداوى به، وقال عوف بن مالك، وقد أصابه قرص: إبقونى بماء قال الله عز وجل: "أية : ونزلنا من السماء ماء مباركاً"تفسير : [ق: 9] وبعسل قال الله تعالى: "فيه شفاء للناس"، وبزيت قال الله جل وعلا: "أية : من شجرة مباركة"تفسير : [النور: 35] فأتى بهن فخلطهن فشربهن فشفى. وقيل على العموم إِلا لعارض، والعسل يشرب بالذات أو بالماء، وذكر بعض أنه شفاء على العموم، إِذا خلط بخل وبطيخ، والأظهر أن يجعل الطبخ مكان البطيخ. وقيل: ها فيه للقرآن أو لأحوال النحل، فإن فيهما هدى من الضلال، ويرده أن أقرب مذكور هو العسل، فإليه الضمير، وأنه صلى الله عليه وسلم فسره بالعسل إذ قال: "حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك"تفسير : ، وقيل: تقيئه ادخاراً لها لتأكله شتاء، وزعم بعض أنه ينزل فى الليالى طل لطيف على الأوراق والأزهار، فتأكله وإِذا شبعت حملت فى أفواهها ذرات من بقية ذلك إلى بيوتها، فيكون بإذن الله عسلا، وعلى هذا يكون بطون بمعنى أفواه، ويرده قوله عز وجل: {ثم كلي} وإنه يدل أن للأكل تأثيراً فى العسل وتفسير الالتقاط بالأكل تعسف. وقول علىّ: أشرف لباس ابن آدم لعاب دودة، وأشرف شرابه رجيع نحلة أى لعابها أيضًا، والقول بأَنه تمثيل تعسف أيضًا. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} فيما ذكر من النحل وشأنه. {لآيَةً لِقَوْمٍ} شامل للنساء بالتبع. {يَتَفَكَّرُونَ} فى أفعال الله، فيستدلون بها على وجوده وسائر صفاته.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} أي من جميعها، وهي جمع ثمرة محركة حمل الشجر، وأخذ بظاهر ذلك ابن عطية فقال: إنما تأكل النوار من الأشجار، وتقال الثمرة للشجرة أيضاً كما في «القاموس»، قيل: وهو المناسب هنا إذ التخصيص بحمل الشجر خلاف الواقع لعموم أكلها للأوراق والأزهار والثمار. وتعقب بأنه لا يخفى أن إطلاق الثمرة على الشجرة مجاز غير معروف وكونها تأكل من غيرها غير معلوم وغير مناف للاقتصار على أكل ما ينبت فيها والعموم في كل على ما يشير إليه كلام البعض عرفي، وجوز أن يكون مخصوصاً بالعادة أي كلي من كل ثمرة تشتهينها، وقيل: {كُلِّ} للتكثير، قال الخفاجي: ولو أبقي على ظاهره أيضاً جاز لأنه لا يلزم/ من الأمر بالأكل من جميع الثمرات الأكل منها لأن الأمر للتخلية والإباحة، وأياً ما ـ فمن ـ للتبعيض. وقال الإمام: رأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد تكون تلك الأجزاء لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة وهذا مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على الأطراف في بعض البلدان، وأما القسم الأول فهو الذي ألهم الله تعالى النحل حتى تلتقطه من الأزهار أوراق الأشجار بأفواهها وتغتذي به فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئاً من تلك الأجزاء وذهبت به إلى بيوتها ووضعته هناك كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها فالمجتمع من ذلك هو العسل، ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة أشياء ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلاً ثم تقيئه، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة للاستقراء، فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا هٰهنا، وأيضاً فنحن نشاهد أن النحل تتغذى بالعسل حتى إنا إذا أخرجنا العسل من بيوتها تركنا لها بقية منه لغذائها، وحينئذ فكلمة من لابتداء الغاية اهـ. وأنت تعلم أن ظاهر {كُلِى } يؤيد القول الثاني وهو أشد تأييداً له من تأييد مشابهة الترنجبين للعسل في الطعم والشكل للقول الأول لا سيما وطبيعة العسل والترنجبين مختلفة فقد ذكر بعض أجلة الأطباء أن العسل حار في الثالثة يابس في الثانية والترنجبين حار في الأولى رطب في الثانية أو معتدل. نعم لتلك المشابهة يطلق عليه اسم العسل فإن ترنجبين فارسي معناه عسل رطب لا طل الندا كما زعم وإن قالوا: هو في الحقيقة طل يسقط على العاقول بفارس ويجمع كالمن، ويجلب من التكرور شيء يسمى بلسانهم طنبيط أشبه الأشياء به في الصورة والفعل لكن أغلظ، والأمر في مشاهدة تغذيها بالعسل سهل فإنه ليس دائمياً، وينقل عن بعض الطيور التي تكمن شتاء التغذي بالرجيع. ويؤيد المشهور ما روي عن الأمير علي كرم الله تعالى وجهه في تحقير الدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة وأشرف شرابه رجيع نحل، وجاء عنه كرم الله تعالى وجهه أيضاً أما العسل فونيم ذباب، وحمله على التمثيل خلاف الظاهر وعلى ذلك نظمت الأشعار فقال المعري:شعر : والنحل يجني المر من زهر الربا فيعود شهداً في طريق رضا به تفسير : وقال الحريري:شعر : تقول هذا محجاج النحل تمدحه وإن ترد ذمه قيء الزنابير تفسير : وأخبرني من أثق به أنه شاهد كثيراً حملها لأوراق الأزهار بفمها إلى بيوتها وهو مما يستأنس به للأَكل، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضاً ما يؤيده. {فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبّكِ } أي طرقه سبحانه راجعة إلى بيوتك بعد الأكل، فالمراد بالسبل مسالكها في العود، ويحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فانتجعت الأماكن البعيدة للمرعى ثم تعود إلى بيوتها لا تضل عنها، وفي إضافة السبل إلى الرب المضاف إلى ضميرها إشارة إلى أنه سبحانه هو المهيـىء لذلك والميسر له والقائم بمصالحها ومعايشها، وقيل: المراد من السبل طرق الذهاب إلى مظان ما تأكل منه، وحينئذ فمعنى {كُلِى} اقصدي الأكل، وقيل: السبل مجاز عن طرق العمل وأنواعها أي فاسلكي الطرق التي ألهمك ربك في عمل العسل، وقيل: مجاز عن طرق إحالة الغذاء عسلاً، و {اسلكي} متعد من/ سلكت الخيط في الإبرة سلكاً لا لازم من سلك في الطريق سلوكاً، ومفعوله محذوف أي فاسلكي ما أكلت في مسالكه التي يستحيل فيها بقدرته النَّوْر المر عسلاً من أجوافك. وتعقب بأن السلك في تلك المسالك ليس فيه لها اختيار حتى تؤمر به فلا بد أن يكون الأمر تكوينياً، ورد بأنه ليس بشيء لأن الإدخال باختيارها فلا يضره كون الإحالة المترتبة عليه ليست اختيارية وهو ظاهر فليس كما زعم {ذُلُلاً} أي مذللة ذللها الله تعالى وسهلها لك فهو جمع ذلول حال من السبل وروي هذا عن مجاهد. وجعل ابن عبد السلام وصف السبل بالذلل دليلاً على أن المراد بالسبل مسالك الغذاء لا طرق الذهاب أو الإياب قال: لأن النحل تذهب وتؤب في الهواء وهو ليس طرقاً ذللاً لأن الذلول هو الذي يذلل بكثرة الوطء والهواء ليس كذلك وفيه نظر. وقال قتادة: أي مطيعة منقادة فهو حال من الضمير في {فَٱسْلُكِى}. {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} استئناف عدل به عن خطاب النحل إلى الكلام مع الناس لبيان ما يظهر منها من تعاجيب صنع الله تعالى التي هي موضع عبرتهم بعد ما أمرت بما أمرت {شَرَابٌ} يعني العسل، وسمي بذلك لأنه مما يشرب حتى قيل: إنه لا يقال: أكلت عسلاً وإنما يقال: شربت عسلاً، وكأنه سبحانه إنما لم يعبر بالإخراج مسنداً إليه تعالى اكتفاءاً بإسناد الإيحاء بالمبادي إليه جل شأنه وفيه إيذان بعظيم قدرته عز وجل بحيث إن ما يشعر بإرادة الشيء كاف في حصوله. و {مِنْ} لابتداء الغاية، وذكر سبحانه مبدأ الغاية الأولى وهي البطون ولم يذكر سبحانه مبدأ الغاية الأخيرة والجمهور على أنه يخرج من أفواهها، وزعم بعضهم أنه أبلغ في القدرة، وبيت الحريري على ذلك وكذا قول الحسن: لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم، وقيل: من أدبارها وهو ظاهر ما روي عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى وجهه. وقال آخرون: لا ندري إلا ما ذكره الله تعالى. وحكي أن سليمان عليه السلام والإسكندر وأرسطو صنعوا لها بيوتاً من زجاج لينظروا إلى كيفية صنيعها وهل يخرج العسل من فيها أم من غيره فلم تضع من العسل شيئاً حتى لطخت باطن الزجاج بالطين بحيث يمنع المشاهدة، وقال بعضهم: المراد بالبطون الأفواه، وسمي الفم بطناً لأنه في حكمه ولأنه مما يبطن ولا يظهر، وهذا تأويل من ذهب إلى أنها تلتقط الذراة الصغيرة من الطل وتدخرها في بيوتها وهو العسل. وأنت تعلم أن الظاهر من البطن الجارحة المعروفة فالآية تؤيد القول المشهور في تكون العسل. وفي «الكشف» أن في قوله تعالى: {ثُمَّ كُلِى} إشارة إلى أن لمعدة النحل في ذلك تأثيراً وهو المختار عند المحققين من الحكماء، ومن جعل العسل نباتياً محضاً وفسر البطون بأفواه النحل فليت شعري ماذا يصنع بقوله سبحانه: {ثُمَّ كُلِى} وأجيب بأنه يفسر الأكل بالالتقاط وهو كما ترى أن دفع الفساد لا يدفع الاستبعاد، ومن الناس من زعم أنها تجتني زهراً وطلا فالمجتنى من الزهر نفسه يكون عسلاً والمجتنى من الطل يكون موماً والعقل يجوز العكس ولعله أقرب من ذلك {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} بالبياض والصفرة والحمرة والسواد إما لمحض إرادة الصانع الحكيم جل جلاله وإما لاختلاف المرعى أو لاختلاف/ الفصل أو لاختلاف سن النحل، فالأبيض لفتيها والأصفر لكهلها والأحمر لمسنها والأسود للطاعن في ذلك جداً. وتعقب بأنه مما لا دليل عليه، وقد سألت جمعاً ممن أثق بهم قد اختبروا أحوالها فذكروا أنهم قد استقرؤا وسبروا فرأوا أقوى الأسباب الظاهرة لاختلاف الألوان اختلاف السن بل قال بعضهم: ما علمنا لذلك سبباً إلا هذا بالاستقراء، وحينئذٍ يكون ما ذكر مؤيداً للقول المشهور في تكون العسل كما لا يخفى على من له أدنى ذوق. {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض إذ قلما يكون معجون لا يكون فيه عسل فله دخل في أكثر ما به الشفاء من المعاجين والتراكيب، وقيل عليه: إن دخوله في ذلك لا يقتضي أن يكون له دخل في الشفاء بل عدم الضرر إذ قيل: إن إدخاله في التراكيب لحفظها ولذا ناب عنه في ذلك السكر، والذي رأيناه في كثير من كتب الطب أنه يحفظ قوى الأدوية طويلاً ويبلغها منافعها، ولا يخفى على المنصف أن ما يحفظ القوى ويبلغ منافع الدواء يصدق عليه أن له دخلاً في الشفاء، ولم يشتهر أن السكر ينوب منابه في ذلك. وفي «البحر» أن العسل موجود كثيراً في أكثر البلاد وأما السكر فمختص به بعض البلاد وهو محدث مصنوع للبشر، ولم يكن فيما تقدم من الأزمان يجعل في الأدوية والأشربة إلا العسل اهـ، وفي «شرح الشمائل» أنه عليه الصلاة والسلام لم يأكل السكر، وذكر غير واحد أنه ليس المراد بالناس هنا العموم لأن كثيراً من الأمراض لا يدخل في دوائها العسل كأمراض الصفراء فإنه مضر للصفراوي، ولو يسلم أن السكنجبين الذي هو خل وعسل كما ينبـىء عنه أصل معناه نافع له، والنافع نوع آخر من السكنجبين فإنه نقل إلى ما ركب من حامض وحلو، وله أنواع كثيرة ألفت في جمعها الرسائل حتى قالوا بحرمة تناوله عليه وإنما المراد بالناس الذين ينجع العسل في أمراضهم. والتنوين في {شِفَآءٌ} إما للتعظيم أي شفاء أي شفاء، وإما للتبعيض أي فيه بعض الشفاء فلا يقتضي أن كل شفاء به ولا أن كل أحد يستشفى به. ولا يرد أن اللبن أيضاً كذلك بل قلما يوجد شيء من العقاقير إلا وفيه شفاء للناس بهذا المعنى لما قيل: إن التنصيص على هذا الحكم فيه لإفادة ما يكاد يستبعد من اشتمال ما يخرج على اختلاف ألوانه من هذه الدودة التي هي أشبه شيء بذوات السموم ولعلها ذات سم أيضاً فإنها تلسع وتؤلم وقد يرم الجلد من لسعها وهو ظاهر في أنها ذات سم على {شِفَآء لِلنَّاسِ} ويفهم من ظاهر بعض الآثار أن الكلام على عمومه. فقد أخرج حميد بن زنجويه عن نافع أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً حتى الدمل إذا كان به طلاه عسلاً فقلنا له: تداوى الدمل بالعسل؟ فقال: أليس الله تعالى يقول: {فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ}؟. وأنت تعلم أنه لا بأس بمداواة الدمل بالعسل فقد ذكر الأطباء أنه ينقي الجروح ويدمل ويأكل اللحم الزائد. والحق أنه لا مساغ للعموم إذ لا شك في وجود مرض لا ينفع فيه العسل، والآثار المشعرة بالعموم الله تعالى أعلم بصحتها. وأما ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه «حديث : عن أبـي سعيد الخدري أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه فقال: اسقه عسلاً فسقاه عسلاً ثم جاء فقال: سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً قال: اذهب فاسقه عسلاً فسقاه عسلاً ثم جاء فقال: ما زاده إلا/ استطلاقاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله تعالى وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلاً فذهب فسقاه فبرأ» تفسير : فليس صريحاً في العموم لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام قد علمه الله سبحانه أن داء هذا المستطلق مما يشفى بالعسل فإن بعض الاستطلاق قد يشفي بالعسل. ففي "طبقات الأطباء" أنه إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه علم أن في معدة المريض رطوبات لزجة غليظة قد أزلقت معدته فكلما مر به شيء من الأدوية القابضة لم يؤثر فيها والرطوبات باقية على حالها والأطعمة تزلق عنها فيبقى الإسهال فلما تناول العسل جلا تلك الرطوبات وأحدرها فكثر الإسهال أولاً بخروجها وتوالى ذلك حتى نفذت الرطوبة بأسرها فانقطع إسهاله وبرىء، فقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق الله تعالى» تفسير : يعني بالعلم الذي عرف نبيه عليه الصلاة والسلام به، وقوله: «حديث : كذب بطن أخيك»تفسير : يعني ما كان يظهر من بطنه من الإسهال وكثرته بطريق العرض وليس هو بإسهال ومرض حقيقي فكان بطنه كاذباً اهـ. وقال بعضهم: المراد ـ بصدق الله تعالى ـ صدق سبحانه في أن العسل فيه الشفاء، وقوله عليه الصلاة والسلام: «كذب بطن أخيك» من المشاكلة الضدية كقولهم: من طالت لحيته تكوسج عقله، وهو على الأول استعارة مبنية على تشبيه البطن بالكاذب في كون ما ظهر من إسهالها ليس بأمر حقيقي وإنما هو لما عرض لها، وعلى ذلك قول الأطباء: زحير كاذب وزحير صادق. وأنكر بعضهم هذا النوع من المشاكلة وقال: إنها ليست معروفة وإنه إنما عبر به لأن بطنه كأنه كذب قول الله تعالى بلسان حاله وهو ناشىء من قلة الاطلاع. وقد وقع نظير هذه القصة في زمن المأمون، وذلك أن ثمامة العبسي وكان من خواصه مرض بالإسهال فكان يقوم في اليوم والليلة مائة مرة وعجز الأطباء عن علاجه فعالجه يزيد بن يوحنا طبيب المأمون بالمسهل أيضاً فبرىء وكان قد ظن الأطباء أنه يموت بسبب ذلك ولا يبقى لغده، وذكر الطبيب حين سأله المأمون عن وجه الحكمة فيما فعل فذكر أنه كان في جوف الرجل كيموس فاسد فلا يدخله غذاء ولا دواء إلا أفسده فعلمت أنه لا علاج له إلا قلع ذلك بالإسهال، ومنه يعلم أن ما فعله النبـي صلى الله عليه وسلم كان من معجزاته الدالة على علمه بدقائق الطب من غير تعليم، وكذا يعلم أن ما طعن به بعض الملحدين ومن في قلبه مرض من أنه كيف يداوي الإسهال بالعسل وهو مسهل باتفاق الأطباء ناشىء عن الجهل بالدقائق وعدم الوقوف على الحقائق. ونقل عن مجاهد والضحاك والفراء وابن كيسان وهو رواية عن ابن عباس والحسن أن ضمير {فِيهِ} للقرآن والمراد أن في القرآن شفاء لأمراض الجهل والشرك وهدى ورحمة، واستحسن ذلك ابن النحاس. وقال القاضي أبو بكر بن العربـي: أرى هذا القول لا يصح نقله عن هؤلاء ولو صح نقلاً لم يصح عقلاً فإن سياق الكلام كله للعسل ليس للقرآن فيه ذكر، ورجوع الضمير للكتاب في قوله سبحانه: {أية : وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } تفسير : [النحل: 64] مما لا يكاد يقوله أمثال هؤلاء الكرام والعلماء الأعلام. نعم كون القرآن شفاء مما لا كلام فيه، وقد أخرج الطبراني وغيره عن ابن مسعود «حديث : عليكم بالشفاءين العسل والقرآن».تفسير : هذا وقدم سبحانه الإخبار عن إنزال الماء لما أن الماء أتم نفعاً وأعظم شأناً وهو أصل أصيل لتكون اللبن وما بعده، ثم ذكر اللبن لأنه يحتاج إليه أكثر من غيره مما ذكر بعده، وقد يستغنى بشربه عن شرب الماء كما شاهدنا ذلك من بعض متزهدي زماننا فقد ترك شرب الماء عدة من السنين مكتفياً بشرب اللبن، وسمعنا نحو ذلك عن بعض رؤساء الأعراب، وهو الدليل على الفطرة ولذلك اختاره صلى الله عليه وسلم حين أسري به وعرض عليه مع الخمر والعسل، ثم الخمر لأنها أقرب إلى الماء من العسل فإنها ماء العنب ولم يعهد/ جعلها إداماً كالعسل فإنه كثيراً ما يؤدم به الخبز ويؤكل، وبينها وبين اللبن نوع مشابهة من حيث أن كلاً منهما يخرج من بين أجزاء كثيفة وما أشبه ثفله بالفرث، وإذا لوحظ السوغ في اللبن وعدمه في الخمر بناءً على ما يقولون: إنها ليست سهلة المرور في الحلق ولذا يقطب شاربها عند الشرب وقد يغص بها كان بينهما نوع من التضاد، ويحسن إيقاع الضد بعد الضد كما يحسن إيقاع المثل بعد المثل، وإذا لوحظ مآل أمرهما شرعاً رأيت أن الخمر لم يسغ شربها بعد نزول الآية فيه وشرب اللبن لم يزل سائغاً وبذلك يقوى التضاد، ويقويه أيضاً أن اللبن يخرج من بطن حيوان ولا دخل لعمل البشر فيه والخمر ليست كذلك. وأما ذكر الرزق الحسن بعد الخمر وتقديمه على العسل فالوجه فيه ظاهر جداً، ولعل ما اعتبرناه في وجه تقديم الخمر على العسل وذكره بعد اللبن أقوى مما يصح اعتباره في العسل وجهاً لتقديمه على الخمر وذكره بعد اللبن، فلا يرد أن في كل جهة تقديماً فاعتبارها في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، وقد جاء ذكر الماء واللبن والخمر والعسل في وصف الجنة على هذا الترتيب قال تعالى: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} تفسير : [محمد: 15] فتأمل فلمسلك الذهن اتساع والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور من آثار قدرة الله تعالى {لآيَةً} عظيمة {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فإن من تفكر في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة التي مرت الإشارة إليها وخروج هذا الشرب الحلو المختلف الألوان وتضمنه الشفاء جزم قطعاً أن لها رباً حكيماً قادراً ألهمها ما ألهم وأودع فيها ما أودع، ولما كان شأنها في ذلك عجيباً يحتاج إلى مزيد تأمل ختم سبحانه الآية بالتفكر. ومن بدع تأويلات الرافضة على ما في "الكشاف" أن المراد بالنحل علي كرم الله تعالى وجهه وقومه. وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم فقال له رجل: جعل الله تعالى طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهما، وستسمع إن شاء الله تعالى ما يقوله الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في باب الإشارة. ثم إنه سبحانه لما ذكر من عجائب أحوال ما ذكر من الماء والنبات والأنعام والنحل أشار إلى بعض عجائب أحوال البشر من أول عمره إلى آخره وتطوراته بين ذلك فقال عزَّ قائلاً: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ...}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 69- ثم هداها - سبحانه - للأكل من كل ثمرات الشجر والنبات، وسهَّل لها أن تسلك لذلك طرقاً هيأها لها ربها مذللة سهلة، فيخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن فى ذلك الصنع العجيب لأدلة قوية على وجود صانع قادر حكيم، ينتفع بها قوم يستعملون عقولهم بالتأمل فيفوزون بالسعادة الدائمة. 70- والله خلقكم، وقدر لكم آجالا مختلفة، منكم من يتوفاه مبكراً، ومنكم من يبلغ أرذل العمر، فيرجع بذلك إلى حال الضعف، إذ تأخذ حيويته فى الضعف التدريجى، فيقل نشاط الخلايا وتهن العظام والعضلات والأعصاب فتكون عاقبته أن يفقد كل ما عليه. إن الله عليم بأسرار خلقه، قادر على تنفيذ ما يريده. 71- والله فضَّل بعضكم على بعض فى الرزق. فجعل رزق السيد المالك أفضل من رزق مملوكه، فما الذين كثر رزقهم من السادة بمعطين نصف رزقهم لعبيدهم المملوكين لهم، حتى يصيروا مشاركين لهم فى الرزق على حد المساواة، وإذا كان هؤلاء الكفار لا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فى الرزق الذى جاء من عند الله، مع أنهم بشر مثلهم، فكيف يرضون أن يشركوا مع الله بعض مخلوقاته فيما لا يليق إلا به تعالى، وهو استحقاق العبادة؟ فهل تستمر بعد كل هذا بصائر هؤلاء المشركين مطموسة، فيجحدوا نعمة الله عليهم بإشراكهم معه غيره؟.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلثَّمَرَاتِ} {أَلْوَانُهُ} (69) - ثُمَّ هَدَاها اللهُ إِلَى أَنْ تَأْكُلَ مِنَ كُلِّ الثَمَرَاتِ، وَأَنْ تَسْلُكَ الطُّرُقَ التِي جَعَلَهَا اللهُ مُذَلَّلَةً لَهَا مُسَهَّلَةً عَلَيْهَا، حَيْثُ شَاءَتْ فِي الفَضَاءِ الوَاسِعِ، وَأَرْشَدَهَا اللهُ إِلى الاهْتِدَاءِ إِلى أَوْكَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا. وَيَخْرُجُ مِنْ بُطُونِ هَذِهِ النَّحْلِ شَرَابٌ (عَسَلٌ)، مُخْتَلِفُ الأَلْوَانِ، بِحَسَبِ المَرَاعِي التِي يَأْكُلُ مِنَهَا النَّحْلُ، وَهَذَا العَسَلُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَمْرَاضٍ تَعْرِضُ لَهُمْ. وَفِي إِلْهَامِ اللهِ لِهَذِهِ الحَيَوَانَاتِ الضَّعِيفَةِ الخِلْقَةِ، إِلَى بِنَاءِ البُيُوتِ وَجَمْعِ العَسَلِ وَالشَّمْعِ ... آيَةٌ لِقَوْمٍ يِتَفَكَّرُونَ فِي ذلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ القَادِرِ الحَكِيمِ. ذُلُلاً - مُذَلَّلَةً مُسَهَّلَةً لَكِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عِلّة كَوْن العسل فيه شفاء للناس أنْ يأكلَ النحل من كُلِّ الثمرات ذلك لأن تنوُّع الثمرات يجعل العسل غنيّاً بالعناصر النافعة، فإذا ما تناوله الإنسان ينصرف كل عنصر منه إلى شيء في الجسم، فيكون فيه الشفاء بإذن الله. ولكن الآن ماذا حدث؟ نرى بعض الناس يقول: أكلتُ كثيراً من العسل، ولم أشعر له بفائدة .. نقول: لأننا تدخّلنا في هذه العملية، وأفسدنا الطبيعة التي خلقها الله لنا .. فالأصل أن نتركَ النحل يأكل من كُلّ الثمرات .. ولكن الحاصل أننا نضع له السكر مثلاً بدلاً من الزَّهْر والنوار الطبيعي، ولذلك تغيّر طعم العسل، ولم تَعُدْ له مَيْزته التي ذكرها القرآن الكريم. لذلك؛ فالمتتبع لأسعار عسل النحل يجد تفاوتاً واضحاً في سعره بين نوع وآخر، ذلك حَسْب جودته ومدى مطابقته للطبيعة التي حكاها القرآن الكريم. والحق سبحانه يقول: {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ..} [النحل: 69]. أي: تنقّلي حُرّة بين الأزهار هنا وهناك؛ ولذلك لا نستطيع أنْ نبنيَ للنحل بيوتاً يقيم فيها، لا بُدَّ له من التنقُّل من بستان لآخر، فإذا ما جَفَّتْ الزراعات يتغذَّى النحل من عسله، ولكن الناس الآن يأخذون العسل كله لا يتركون له شيئاً، ويضعون مكانه السكر ليتغذَّى منه طوال هذه الفترة. وقوله تعالى: {ذُلُلاً ..} [النحل: 69]. أي: مُذلَّلة مُمهّدة طيِّعة، فتخرج النحلة تسعى في هذه السُّبل، فلا يردها شيء، ولا يمنعها مانع، تطير هنا وهناك من زهرة لأخرى، وهل رأيت شجرة مثلاً رَدَّتْ نحلة؟! .. لا .. قد ذَلَّلَ الله لها حياتها ويسَّرها. ومن حكمته تعالى ورحمته بنا أنْ ذلَّلَ لنا سُبُل الحياة .. وذلَّل لنَا ما ننتفع به، ولولا تذليله هذه الأشياء ما انتفعنا بها .. فنرى الجمل الضخم يسوقه الصبي الصغير، ويتحكَّم فيه يُنيخه، ويُحمّله الأثقال، ويسير به كما أراد، في حين أنه إذا ثار الجمل أو غضب لا يستطيع أحدٌ التحكم فيه .. وما تحكَّم فيه الصبي الصغير بقوته ولكن بتذليل الله له. أما الثعبان مثلاً فهو على صِغَر حجمه يمثِّل خطراً يفزع منه الجميع ويهابون الاقتراب منه، ذلك لأن الله سبحانه لم يُذلِّلْه لنا، فأفزعنا على صِغَر حجمه .. كذلك لو تأملنا البرغوث مثلاً .. كم هو صغير حقير، ومع ذلك يقضّ مضاجعنا، ويحرمنا لذة النوم في هدوء .. فهل يستطيع أحدٌ أنْ يُذلِّل له البرغوث؟! وفي ذلك حكمة بالغة وكأن الحق سبحانه يقول لنا: إذا ذللتُ لكم شيئاً، ولو كان أكبر المخلوقات كالجمل والفيل تستطيعون الانتفاع به، وإنْ لم أُذلِّله لكم فلا قدرة لكم على تذليله مهما كان حقيراً صغيراً .. إذن: الأمور ليست بقدرتك، ولكن خُذْها كما خلقها الله لك. {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا ..} [النحل: 69]. ذلك أن النحلة تمتصّ الرحيق من هنا ومن هنا، ثم تتم في بطنها عملية طَهْي ربانية تجعل من هذا الرحيق شَهْداً مُصفَّى؛ لأنه قد يظن أحدهم أنها تأخذ الرحيق، ثم تتقيؤه كما هو .. فلم يَقُلْ القرآن: من أفواهها، بل قال: من بطونها .. هذا المعمل الإلهي الذي يعطينا عسلاً فيه شفاء للناس. {شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ..} [النحل: 69]. ما دام النحل يأكل من كُلّ الثمرات، والثمرات لها عطاءاتٌ مختلفة باختلاف مادتها، واختلاف ألوانها، واختلاف طُعومها وروائحها .. إذن: لا بُدَّ أن يكون شراباً مختلفاً ألوانه. {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ..} [النحل: 69]. لذلك وجدنا كثيراً من الأطباء، جزاهم الله خيراً يهتمون بعسل النحل، ويُجْرون عليه كثيراً من التجارب لمعرفة قيمته الطبية، لكن يعوق هذه الجهود أنهم لا يجدون العسل الطبيعي كما خلقه الله. ومع ذلك ومع تدخّل الإنسان في غذاء النحل بقيت فيه فائدة، وبقيت فيه صفة الشفاء، وأهمها امتصاص المائية من الجسم، وأيّ ميكروب تريد أنْ تقضيَ عليه قُمْ بامتصاص المائية منه يموت فوراً. فإذا ما توفَّر لنا العسل الطبيعي الذي خلقه الله تجلَّتْ حكمة خالقه فيه بالشفاء، ولكنه إذا تدخّل الإنسان في هذه العملية أفسدها .. فالكون كله الذي لا دَخْلَ للإنسان فيه يسير سَيْراً مستقيماً لا يتخلَّف، كالشمس والقمر والكواكب .. إلخ إلا الإنسان فهو المخلوق الوحيد الذي يخرج عن منهج الله. فالشيء الذي لك دَخْلٌ فيه، إما أنْ تتدخّل فيه بمنهج خالقه أو تتركه؛ لأنك إذا تدخلْتَ فيه بمنهج خالقه يعطيك السلامة والخير، وإنْ تدخلْتَ فيه بمنهجك أنت أفسدتَه. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} تفسير : [البقرة: 11]. إنهم لا يعرفون .. لا يُفرِّقون بين الفساد والصلاح. وفي القرآن أمثلة للناس الذين يُفسِدون في الأرض ويحسَبون أنهم يُحسِنون صُنْعاً، يقول تعالى: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-104]. فالذي اخترع السيارة وهذه الآلات التي تنفث سمومها وتُلوّث البيئة التي خلقها الله .. صحيح وفَّر لنا الوقت والمجهود في الحمل والتنقُّل، ولكن انظر إلى ما أصاب الناس من عَطَب بسبب هذه الآلات .. انظر إلى عوادم السيارات وآثارها على صحة الإنسان. كان يجب على مخترع هذه الآلات أنْ يوازنَ بين ما تؤديه من منفعة وما تُسبِّبه من ضرر، وأضف إلى الأضرار الصحية ما يحدث من تصادمات وحوادث مُروّعة تزهق بسببها الأرواح .. وبالله هل رأيت أن تصادمَ جملان في يوم من الأيام .. فلا بُدَّ إذن أن نقيسَ المنافع والأضرار قبل أنْ نُقدِم على الشيء حتى لا نُفِسد الطبيعة التي خلقها الله لنا. وقوله تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ..} [النحل: 69]. الناس: جَمْعٌ مختلفُ الداءات باختلاف الأفراد وتعاطيهم لأسباب الداءات، فكيف يكون في هذا الشراب شفاءٌ لجميع الداءات على اختلاف أنواعها؟ .. نقول: لأن هذا الشراب الذي أعدَّه الله لنا بقدرته سبحانه جاء مختلفاً ألوانه .. من رحيق مُتعدِّد الأنواع والأشكال والطُّعوم والعناصر .. ليس مزيجاً واحداً يشربه كل الناس، بل جاء مختلفاً متنوعاً باختلاف الناس، وتنوّع الداءات عندهم .. وكأن كل عنصر منه يُداوِي داءً من هذه الدَّاءات. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69]. التفكّر: أنْ تُفكّر فيما أنت بصدده لتستنبطَ منه شيئاً لستَ بصدده، وبذلك تُثري المعلومات؛ لأن المعلومات إذا لم تتلاقح، إذا لم يحدث فيها توالد تقف وتتجمّد، ويُصاب الإنسان بالجمود الطموحي، وإذا أصيب الإنسان بهذا الجمود توقّف الارتقاء؛ لأن الارتقاءات التي نراها في الكون هي نتيجة التفكُّر وإعمال العقل. لذلك فالحق سبحانه يُنبِّهنا حينما نمرُّ على ظاهرة من ظواهر الكون، ألاّ نمر عليها غافلين مُعرضين، بل نفكر فيها ونأخذها بعين الاعتبار .. يقول تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. ففي الآية حَثٌّ على التفكّر في ظواهر الكون، وفيها تحذير من الإعراض والغفلة عن آيات الله، فبالفكر نستنبط من الكون ما نستفيد به. ولو أخذنا مثلاً الذي اخترع الآلة البخارية .. كيف توصل إلى هذا الاختراع الذي أفاد البشرية؟ نجد أنه توصل إليه حينما رأى القِدْر الذي يغلي على النار يرتفع غطاؤه مع بخار الماء المتصاعد أثناء الغليان .. فسأل نفسه: لماذا يرتفع الغطاء؟ واستعمل عقله وأعمل تفكيره حتى توصَّل إلى قوة البخار المتصاعد، واستطاع توظيف هذه القوة في تسيير ودفع العربات. وكذلك أرشميدس - وغيره كثيرون - توصلوا بالاعتبار والتفكُّر في ظواهر الكون، إلى قوانين في الطبيعة أدت إلى اختراعات نافعة نتمتع نحن بها الآن، فالذي اخترع العجلة، كم كانت مشقة الإنسان في حَمْل الأثقال؟ وما أقصى ما يمكن أنْ يحمله؟ فبعد أنْ اخترعوا العجلات واستُخدِمت في الحمل تمكّن الإنسان من حَمْل وتحريك أضعاف أضعاف ما كان يحمله. الذي اخترع خزانات المياه .. كم كانت المشقة في استخراج الماء من البئر؟ أو من النهر؟ فبعد عمل الخزانات وضَخِّ المياه أصبحنا نجد الماء في المنازل بمجرد فَتْح الصنبور. هذه كلها ثمرات العقل حينما يتدبَّر، وحينما يُفكِّر في ظواهر الكون، ويستخدم المادة الخام التي خلقها الله وحثَّنا على التفكُّر فيها والاستنباط منها .. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لقد أعطيتكم ضروريات الحياة، فإنْ أردتُم ترفَ الحياة وكمالياتها فاستخدموا نعمة العقل والتفكير والتدبّر لتصلوا إلى هذه الكماليات. وهنا الحق سبحانه يلفتنا لَفْتةً أخرى .. وهي أنه سبحانه يجعل من المحسّات ما يُقرّب لنا المعنويّات ليلفتنا إلى منهجه سبحانه؛ ولذلك ينقلنا هذه النَّقْلة من المحسوس إلى المعنوي، فيقول تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} [الآية: 69] يقول: لا يتوعر عليها كل مكان سلكته. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ} [الآية: 71]. يعني مثل آلهة الباطل مع الله. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {بَنِينَ وَحَفَدَةً} [الآية: 72]. يعني: أَنصاراً وأَعواناً وخدماً.
همام الصنعاني
تفسير : 1498- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذُلُلاً}: [الآية: 69]، قال: مُطِيعَةً. 1499- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ}: [الآية: 69]، قال: حديث : جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأخبره أنَّ أخَاً [اشتكى] بطنه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب، فاسق أخاك عَسَلاً، ثم جاءه، فقال: ما زاده إلا شِدَّةً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب، فاسْقِ أخَاكَ عَسَلاً، فقد صَدَقَ اللهُ، وكذب بطنُ أخيكَ، فسَقَا له، فكأنما نُشِطَ منْ عِقَال فبرأ .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):