Verse. 1971 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَاللہُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّٰىكُمْ۝۰ۣۙ وَمِنْكُمْ مَّنْ يُّرَدُّ اِلٰۗى اَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَـيْــــًٔـا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلِيْمٌ قَدِيْرٌ۝۷۰ۧ
WaAllahu khalaqakum thumma yatawaffakum waminkum man yuraddu ila arthali alAAumuri likay la yaAAlama baAAda AAilmin shayan inna Allaha AAaleemun qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والله خلقكم» ولم تكونوا شيئاً «ثم يتوفاكم» عند انقضاء آجالكم «ومنكم من يرد إلى أرذل العمر» أي أخسه من الهرم والخرف «لكي لا يعلم بعد علم شيئاً» قال عكرمة من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة «إن الله عليم» بتدبير خلقه «قدير» على ما يريده.

70

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: لما ذكر تعالى بعض عجائب أحوال الحيوانات، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس، فمنها ما هو مذكور في هذه الآية وهو إشارة إلى مراتب عمر الإنسان، والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب: أولها: سن النشو والنماء. وثانيهما: سن الوقوف وهو سن الشباب. وثالثها: سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة. ورابعها: سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة. فاحتج تعالى بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض، على أن ذلك الناقل هو الله تعالى والأطباء الطبائعيون قالوا: المقتضي لهذا الانتقال هو طبيعة الإنسان، وأنا أحكي كلامهم على الوجه الملخص وأبين ضعفه وفساده، وحينئذ يبقى أن ذلك الناقل هو الله سبحانه، وعند ذلك يصح بالدليل العقلي ما ذكر الله تعالى في هذه الآية. قال الطبائعيون: إن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني والدم جوهران حاران رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قللت رطوبته وأفادته نوع يبس، وهذا مشاهد معلوم، قالوا: فلا يزال ما في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما فيه من الرطوبة حتى تتصلب الأعضاء ويظهر فيه الانعقاد، ويحدث العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء فإذا تم تكون البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم ومع ذلك فالرطوبات زائدة، والدليل عليه أنك ترى أعضاء الطفل بعد انفصاله من الأم لينة لطيفة وعظامه لينة قريبة الطبع من الغضاريف، ثم إن ما في البدن من الحرارة يعمل في تلك الرطوبات ويقللها، قالوا: ويحصل للبدن ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن تكون رطوبة البدن زائدة على حرارته، وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء، وذلك هو سن النشو والنماء ونهايته إلى ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة. الحالة الثانية: أن تصير رطوبات البدن أقل ما كانت فتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر، وهذا هو سن الوقوف وسن الشباب وغايته خمس سنين، وعند تمامه يتم الأربعون. والحالة الثالثة: أن تقل الرطوبات وتصير بحيث لا تكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية، وعند ذلك يظهر النقصان، ثم هذا النقصان قد يكون خفياً وهو سن الكهولة وتمامه إلى ستين سنة وقد يكون ظاهراً وهو سن الشيخوخة وتمامه إلى مائة وعشرين سنة فهذا هو الذي حصله الأطباء في هذا الباب، وعندي أن هذا التعليل ضعيف ويدل على ضعفه وجوه: الوجه الأول: أنا نقول إن في أول ما كان المني منياً وكان الدم دماً كانت الرطوبات غالبة وكانت الحرارة الغريزية مغمورة وكانت ضعيفة بهذا السبب، ثم إنها مع ضعفها قويت على تحليل أكثر تلك الرطوبات وأبانتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، وعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن قلت الرطوبات فوجب أن تكون للحرارة الغريزية قوة أزيد مما كانت قبل ذلك، فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أزيد من تحللها قبل تولد البدن، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، لأن قبل تولد البدن انتقل جسم المني والدم إلى أن صار عظماً وعصباً، وأما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشره فلو كان تولد هذه الأعضاء بسبب تأثير الحرارة في الرطوبة لوجب أن يكون تحلل الرطوبات بعد كمال البدن أكثر من تحللها قبل تكون البدن، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن تولد البدن إنما كان بتدبير قادر حكيم يدبر أبدان الحيوانات على وفق مصالحها، وأنه ما كان تولد البدن لأجل ما قالوه من تأثير الحرارة في الرطوبة. والوجه الثاني: في إبطال هذا الكلام أن نقول: إن الحرارة الغريزية الحاصلة في بدن الإنسان الكامل إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة أو صارت أزيد مما كانت، والأول باطل، لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة ولا شك أن جرم النطفة كان قليلاً صغيراً، فهذا البدن بعد كبره لو لم يحصل فيه من الحرارة الغريزية إلا ذلك القدر كان في غاية القلة، ولم يظهر منه في هذا البدن أثر أصلاً، وأما الثاني: ففيه تسليم أن الحرارة الغريزية تتزايد بحسب تزايد الجثة والبدن، وإذا تزايدت الحرارة الغريزية ساعة فساعة، وثبت أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة، فوجب أن يبقى البدن الحيواني أبداً في التزايد والتكامل، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن ازدياد حال البدن الحيواني وانتقاصه ليس بحسب الطبيعة، بل بسبب تدبير الفاعل المختار. والوجه الثالث: وهو الذي أوردناه على الأطباء في «كتابنا الكبير في الطب» فقلنا هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت؟ وأن ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان. قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء، فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر في تخفيف الرطوبة الغريزية، فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تقي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحالة ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً، لأن الرطوبة الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي. فالحاصل: أن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية، وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية، ويلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى إلى أن تنتهي إلى حيث لا يبقى من الرطوبة الغريزية شيء، وحينئذ تنطفىء الحرارة الغريزية، ويحصل الموت هذا منتهى ما قالوه في هذا الباب، وهو ضعيف، لأنا نقول: إن الحرارة الغريزية إذا أثرت في تجفيف الرطوبة الغريزية وقلتها، فلم لا يجوز أن يقال: إن القوة الغاذية تورد بدلها. فعند هذا قالوا: القوة الغاذية إنما تقوى على إيراد بدلها لو كانت الحرارة الغريزية قوية، فأما عند ضعفها فلا، فنقول: فههنا لزم الدور، لأن الرطوبة الغريزية إنما تقل وتنقص لو لم تكن القوة الغاذية وافية بإيراد بدلها، وإنما تعجز القوة الغاذية عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل، فثبت أن على القول الذي قالوه يلزم الدور وأنه باطل فثبت أن تعليل انتقال الإنسان من سن إلى سن بما ذكروه من اعتبار الطبائع يوجب عليهم هذه المحاولات المذكورة فكان القول به باطلاً، ولما بطل هذا القول وجب القطع بإسناد هذه الأحوال إلى الإله القادر المختار الحكيم الرحيم الذي يدبر أبدان الحيوانات على الوجه الموافق لمصالحها، وذلك هو المطلوب. وقد كنت أقرأ يوماً من الأيام سورة المرسلات فلما وصلت إلى قوله تعالى: { أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [المرسلات: 20 ـ 24] فقلت: لا شك أن المراد بهؤلاء المكذبين هم الذين نسبوا تكون الأبدان الحيوانية إلى الطبائع وتأثير الحرارة في الرطوبة، وأنا أؤمن من صميم قلبي يا رب العزة بأن هذه التدبيرات ليست من الطبائع بل من خالق العالم الذي هو أحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين. إذا عرفت هذا فقد صح بالدليل العقلي صدق قوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ } لأنه ثبت أن خالق أبدان الناس وسائر الحيوانات ليس هو الطبائع بل هو الله سبحانه وتعالى، وقوله: {ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ } قد بينا أن السبب الذي ذكروه في صيرورة الموت فاسد باطل، وأنه يلزم عليه القول بالدور، ولما بطل ذلك ثبت أن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله، وبتقديره، وقوله: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون علة لانتقال الإنسان من الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة، ومن الصحة إلى الهرم، ومن العقل الكامل إلى أن صار خَرِفاً غافلاً ليس بمقتضى الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار، وإذا ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت صحته بقاطع القرآن. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ذكرناه، وذلك لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة، فهذه الإنفعالات في هذا الإنسان لا يمكن إسنادها إليها. أما إله العالم ومدبره وخالقه، فهو الكامل في العلم، الكامل في القدرة، فلأجل كمال علمه يعلم مقادير المصالح والمفاسد، ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ودفع المفاسد، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم، فلا يمكن إسناده إلى الطبائع، والله أعلم. المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون: والله خلقكم ولم تكونوا شيئاً ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، وهو أردؤه وأضعفه. يقال: رذل الشيء يرذل رذالة وأرذلة غيره، ومنه قوله: { أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ ارذالنا } تفسير : [هود:27] ومنه قوله { أية : وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 111] وقوله: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } هل يتناول المسلم أو هو مختص بالكافر؟ فيه قولان: القول الأول: أنه يتناوله، قيل: إنه العمر الطويل، وعلى هذا الوجه نقل عن علي عليه السلام أنه قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وقال قتادة: تسعون سنة. وقال السدي: إنه الخرف. والقول الأول أولى؛ لأن الخرف معناه زوال العقل، فقوله: {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } يدل على أنه تعالى إنما رده إلى أرذل العمر لأجل أن يزيل عقله، فلو كان المراد من أرذل العمر هو زوال العقل لصار الشيء عين الغاية المطلوبة منه وأنه باطل. والقول الثاني: أن هذا ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على الله تعالى ولا يجوز أن يقال في حقه إنه يرد إلى أرذل العمر، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [التين: 5، 6] فبين تعالى أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى أسفل سافلين. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } قال ابن عباس: يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه {قدير} على ما يريد. المسألة الثالثة: هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار، فهي أيضاً تدل على صحة البعث والقيامة، وذلك لأن الإنسان كان عدماً محضاً فأوجده الله ثم أعدمه مرة ثانية، فدل هذا على أنه لما كان معدوماً في المرة الأولى، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية جائزاً، فكذلك لما صار موجوداً، ثم عدم وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرة الثانية جائزاً، وأيضاً كان ميتاً حين كان نطفة ثم صار حياً ثم مات فلما كان الموت الأول جائزاً كان عود الموت جائزاً، فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة، وجب أن يكون عود الحياة جائزاً في المرة الثانية، وأيضاً الإنسان في أول طفوليته جاهل لا يعرف شيئاً، ثم صار عالماً عاقلاً فاهماً، فلما بلغ أرذل العمر عاد إلى ما كان عليه في زمان الطفولية، وهو عدم العقل والفهم، فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر، فكذلك العقل الذي حصل، ثم زال وجب أن يكون جائز العود في المرة الثانية، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن الذي مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده وعود حياته وعود عقله مرة أخرى ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنشر حق، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} بَيِّن معناه. {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} يعني أردأه وأوضعه. وقيل: الذي ينقص قوته وعقله ويصَيّره إلى الخَرَف ونحوه. وقال ابن عباس: يعني إلى أسفل العمر، يصير كالصبي الذي لا عقل له؛ والمعنى متقارب. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ يقول: «حديث : اللَّهُمّ إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل»تفسير : . وفي حديث سعد بن أبي وَقّاص: «حديث : وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر» تفسير : الحديث. خرّجه البخاري. {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} أي يرجع إلى حالة الطفولية فلا يعلم ما كان يعلم قبلُ من الأمور لفرط الكبر. وقد قيل: هذا لا يكون للمؤمن، لأن المؤمن لا ينزع عنه علمه. وقيل: المعنى لكيلا يعمل بعد علم شيئاً؛ فعبّر عن العمل بالعلم لافتقاره إليه؛ لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه. والمعنى المقصود الاحتجاج على منكري البعث، أي الذي رده إلى هذه الحال قادر على أن يميته ثم يحييه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم، ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم، وهو الضعف في الخلقة؛ كما قال الله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ} الآية، وقد روي عن علي رضي الله عنه: أرذل العمر: خمس وسبعون سنة، وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف، وسوء الحفظ وقلة العلم، ولهذا قال: {لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}، أي: بعد ما كان عالماً، أصبح لا يدري شيئاً؛ من الفند والخرف، ولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور عن شعيب عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «حديث : أعوذ بك من البخل والكسل والهرم، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات» تفسير : وقال زهير بن أبي سلمىٰ في معلقته المشهورة.شعر : سَئِمْت تَكاليفَ الحياةِ ومَنْ يَعِشْ ثمانينَ عاماً لا أبا لَكَ يَسْأَمِ رأيْتُ المَنايا خَبْطَ عَشْواءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْهُ ومَنْ تُخْطِىءْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ } ولم تكونوا شيئاً {ثُمَّ يَتَوَفَّٰكُمْ } عند انقضاء آجالكم {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } أي أخسّه من الهرم والخرف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } قال عكرمة من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بتدبير خلقه {قَدِيرٌ } على ما يريده.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان، وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة، وخصائص القدرة القاهرة، أتبعه بعجائب خلق الإنسان، وما فيه من العبر فقال: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ } ولم تكونوا شيئاً {ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ } عند انقضاء آجالكم {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } يقال: رذل يرذل رذالة، والأرذل والرذالة: أردأ الشيء وأوضعه. قال النيسابوري: واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أولاها سنّ النشوّ، وثانيها: سنّ الوقوف، وهو سنّ الشباب، وثالثها: سنّ الانحطاط اليسير، وهو سنّ الكهولة، ورابعها: سنّ الانحطاط الظاهر، وهو سنّ الشيخوخة. قيل: وأرذل العمر هو عند أن يصير الإنسان إلى الخرف، وهو أن يصير بمنزلة الصبيّ الذي لا عقل له؛ وقيل: خمس وسبعون سنة، وقيل: تسعون سنة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } تفسير : [التين: 4 - 5] ثم علل سبحانه ردّ من يرده إلى أرذل العمر بقوله: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ } كان قد حصل له {شَيْئاً } من العلم، لا كثيراً ولا قليلاً، أو شيئاً من المعلومات إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم. وقيل: المراد: بالعلم هنا العقل، وقيل: المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك. ثم لما بين سبحانه خلق الإنسان وتقلبه في أطوار العمر، ذكر طرفاً من أحواله، لعله يتذكر عند ذلك، فقال: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرّزْقِ } فجعلكم متفاوتين فيه، فوسع على بعض عباده حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفاً مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت إلاّ بسؤال الناس والتكفف لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها، وكما جعل التفاوت بين عباده في المال، جعله بينهم في العقل والعلم والفهم وقوّة البدن وضعفه، والحسن والقبح، والصحة والسقم، وغير ذلك من الأحوال، وقيل: معنى الآية: أن الله سبحانه أعطى الموالي أفضل مما أعطى مماليكهم، بدليل قوله: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضّلُواْ بِرَآدّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } أي: فما الذين فضلهم الله بسعة الرزق على غيرهم برادّي رزقهم الذي رزقهم الله إياه على ما ملكت أيمانهم من المماليك {فَهُمُ } أي: المالكون والمماليك {فِيهِ } أي: في الرزق {سَوَآء } أي: لا يردّونه عليهم بحيث يساوونهم، فالفاء على هذا للدلالة على أن التساوي مترتب على الترادّ، أي: لا يردّونه عليهم رداً مستتبعاً للتساوي، وإنما يردّون عليهم منه شيئاً يسيراً، وهذا مثل ضربه الله سبحانه بعبدة الأصنام، أي: إذا لم يكونوا عبيدكم معكم سواء، ولا ترضون بذلك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء. والحال أن عبيدكم مساوون لكم في البشرية والمخلوقية، فلما لم تجعلوا عبيدكم مشاركين لكم في أموالكم، فكيف تجعلون بعض عباد الله سبحانه شركاء له فتعبدونهم معه؟ أو كيف تجعلون بعض مخلوقاته كالأصنام شركاء له في العبادة؟ ذكر معنى هذا ابن جرير، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ }تفسير : [الروم: 28] وقيل: إن الفاء في {فهم فيه سواء} بمعنى حتى {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ تجحدون} حيث تفعلون ما تفعلون من الشرك، والنعمة هي كونه سبحانه جعل المالكين مفضلين على المماليك. وقد قرىء {يجحدون} بالتحتية والفوقية. قال أبو عبيدة، وأبو حاتم: وقراءة الغيبة أولى، لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً، لكان ظاهره للمسلمين، والاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر، أي: يشركون به، فيجحدون نعمته، ويكون المعنى على قراءة الخطاب أن المالكين ليسوا برادّي رزقهم على مماليكم، بل أنا الذي أرزقهم وإياهم، فلا يظنوا أنهم يعطونهم شيئاً، وإنما هو رزقي أجريه على أيديهم، وهم جميعاً في ذلك سواء، لا مزية لهم على مماليكهم، فيكون المعطوف عليه المقدّر فعلاً يناسب هذا المعنى، كأن يقال: لا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله. ثم ذكر سبحانه الحالة الأخرى من أحوال الإنسان فقال: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} قال المفسرون: يعني النساء فإنه خلق حوّاء من ضلع آدم. أو المعنى: خلق لكم من جنسكم أزواجاً لتستأنسوا بها، لأن الجنس يأنس إلى جنسه، ويستوحش من غير جنسه، وبسبب هذه الأنسة يقع بين الرجال والنساء ما هو سبب للنسل الذي هو المقصود بالزواج، ولهذا قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } الحفدة: جمع حافد، يقال: حفد يحفد حفداً وحفوداً: إذا أسرع، فكل من أسرع في الخدمة، فهو حافد، قال أبو عبيد: الحفد: العمل والخدمة. قال الخليل بن أحمد: الحفدة عند العرب: الخدم، ومن ذلك قول الشاعر، وهو الأعشى:شعر : كلفت مجهولنا نوقا يمانية إذ الحداة على أكتافها حفدوا تفسير : أي: الخدم والأعوان. وقال الأزهري: قيل: الحفدة أولاد الأولاد. وروي عن ابن عباس، وقيل: الأختان. قاله ابن مسعود، وعلقمة، وأبو الضحى، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ومنه قول الشاعر:شعر : فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما تعدّ كثير ولكنها نفس عليّ أبية عيوف لأصهار اللئام قذور تفسير : وقيل: الحفدة الأصهار. قال الأصمعي: الختن: من كان من قبل المرأة، كابنها، وأخيها وما أشبههما. والأصهار منهما جميعاً. يقال: أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر. وقيل: هم أولاد امرأة الرجل من غيره. وقيل: الأولاد الذين يخدمونه. وقيل: البنات الخادمات لأبيهنّ. ورجح كثير من العلماء أنهم أولاد الأولاد، لأنه سبحانه امتنّ على عباده بأن جعل لهم من الأزواج بنين وحفدة. فالحفدة في الظاهر معطوفون على البنين، وإن كان يجوز أن يكون المعنى: جعل لكم من أزواجكم بنين، وجعل لكم حفدة. ولكن لا يمتنع على هذا المعنى الظاهر أن يراد بالبنين من لا يخدم، وبالحفدة من يخدم الأب منهم، أو يراد بالحفدة البنات فقط. ولا يفيد أنهم أولاد الأولاد إلاّ إذا كان تقدير الآية: وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } التي تستطيبونها وتستلذونها، و"من" للتعبيض؛ لأن الطيبات لا تكون مجتمعة إلاّ في الجنة، ثم ختم سبحانه الآية بقوله: {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } والاستفهام للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على مقدّر، أي: يكفرون بالله، فيؤمنون بالباطل، وفي تقدّم {بالباطل} على الفعل دلالة على أنه ليس لهم إيمان إلا به. والباطل: هو اعتقادهم في أصنامهم أنها تضر وتنفع. وقيل: الباطل ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة ونحوهما. قرأ الجمهور {يؤمنون} بالتحتية، وقرأ أبو بكر بالفوقية على الخطاب {وبنعمة الله هم يكفرون} أي: ما أنعم به عليهم مما لا يحيط به حصر. وفي تقديم النعمة، وتوسيط ضمير الفصل دليل على أن كفرهم مختص بذلك، لا يتجاوزه لقصد المبالغة والتأكيد. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } هو معطوف على {يكفرون} داخل تحت الإنكار التوبيخي، إنكاراً منه سبحانه عليهم حيث يعبدون الأصنام، وهي لا تنفع ولا تضرّ، ولهذا قال {مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ شَيْئاً } قال الأخفش: إن {شيئاً} بدل من الرزق. وقال الفراء: هو منصوب بإيقاع الرزق عليه، فجعل {رزقاً} مصدراً عاملاً في {شيئاً}، والأخفش جعله اسماً للرزق. وقيل: يجوز أن يكون تأكيداً لقوله: {لا يملك} أي: لا يملك شيئاً من الملك، والمعنى: أن هؤلاء الكفار يعبدون معبودات لا تملك لهم رزقاً، أيّ رزق، و{من السمٰوات والأرض} صفة لرزق، أي: كائناً منهما، والضمير في {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } راجع إلى "ما"، وجمع جمع العقلاء بناءً على زعمهم الباطل، والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة التملك بطريق من الطرق. فبين سبحانه أنها لا تملك ولا تستطيع. وقيل: يجوز أن يكون الضمير في {يستطيعون} للكفار، أي: لا يستطيع هؤلاء الكفار، مع كونهم أحياء متصرّفين، فكيف بالجمادات التي لا حياة لها ولا تستطيع التصرّف؟ ثم نهاهم سبحانه عن أن يشبهوه بخلقه، فقال: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } فإن ضارب المثل يشبه حالاً بحال وقصة بقصة. قال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له، وكانوا يقولون: إن إلٰه العالم أجلّ من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك، وعلل النهي بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ } عليم {يَعْلَمْ } ما عليكم من العبادة {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ما في عبادتها من سوء العاقبة، والتعرّض لعذاب الله سبحانه، أو أنتم لا تعلمون بشيء من ذلك، وفعلكم هذا هو عن توهم فاسد وخاطر باطل وخيال مختلّ، ويجوز أن يراد فلا تضربوا الله الأمثال إن الله يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك. وقد أخرج ابن جرير عن عليّ في قوله: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } قال: خمس وسبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: هو الخرف. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا }. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس، قال: العالم لا يخرف. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح وغيره أنه كان يتعوّذ بالله أن يردّ إلى أرذل العمر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرّزْقِ } قال: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: هذا مثل لآلهة الباطل مع الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } قال: خلق آدم، ثم خلق زوجته منه. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: {بَنِينَ وَحَفَدَةً } قال: الحفدة: الأختان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: الحفدة: الأصهار، وأخرجا عنه، قال: الحفدة: الولد وولد الولد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الحفدة بنو البنين. وأخرج ابن جرير، عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن قوله: {بَنِينَ وَحَفَدَةً } قال: من أعابك فقد حفدك، أما سمعت الشاعر يقول:شعر : حفد الولائد حولهنّ وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً، قال: الحفدة: بنو امرأة الرجل، ليسوا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } قال: الشرك. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: هو الشيطان {وبنعمة الله} قال: محمد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } الآية، قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها {رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ولا خيراً ولا حياة ولا نشوراً {فَلاَ تَضْرِبُواْ لله ٱلاْمْثَالَ} فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } يعني: اتخاذهم الأصنام. يقول: لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إلٰه غيري.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ومنكم من يرد إلى أرذل العُمرِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أوضعه وأنقصة، قاله الجمهور. الثاني: أنه الهرم، قاله الكلبي. الثالث: ثمانون سنة، حكاه قطرب. الرابع: خمس وسبعون سنة، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. {لكيلا يعلم بعد عِلْمٍ شيئاً} يعني أنه يعود جاهلاً لا يعلم شيئاً كما كان في حال صغره. أو لأنه قد نسي ما كان يعلم، ولا يستفيد ما لا يعلم. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون معناه لكي لا يعمل بعد علم شيئاً، فعبر عن العمل بالعلم لافتقاره إليه، لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه.

ابن عطية

تفسير : هذا تنبيه على الاعتبار في إيجادنا بعد العدم وإماتتنا بعد ذلك، ثم اعترض بمن ينكث من الناس لأنهم موضع عبرة، و {أرذل العمر} آخرُه الذي تفسد فيه الحواس ويخْتل النطق، وخص ذلك بالرذيلة وإن كانت حال الطفولية كذلك، من حيث كانت هذه لأرجاء معها، والطفولية إنما هي بدأة والرجاء معها متمكن، وقال بعض الناس: أول أرذل العمر خمسة وسبعون سنة روي ذلك عن علي رضي الله عنه. قال القاضي أبو محمد: وهذا في الأغلب، وهذا لا ينحصر إلى مدة معينة وإنما هو بحسب إنسان إنسان، والمعْنى، منكم من يرد إلى أرذل عمره ورب من يكون ابن خمسين سنة وهو في أرذل عمره، ورب ابن مائة وتسعين ليس في أرذل عمره، واللام في {لكي} يشبه أن يكون لام صيرورة، وليس ببين، والمعنى ليصير أمره بعد العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئاً، وهذه عبارة عن قلة علمه لا أنه لا يعلم شيئاً البتة، ولم تحل {لا} بين "كي" ومعمولها لتصرفها، وأنها قد تكون زائدة ثم قرر تعالى علمه وقدرته التي لا تتبدل ولا تحملها الحوادث ولا تتغير، وقوله {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} إخبار يراد به العبرة، وإنما هي قاعدة يبنى المثل عليها، والمثل هو أن المفضلين لا يصح منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أعطوا حتى تستوي أحوالهم، فإذا كان هذا في البشر فكيف تنسبون أنتم أيها الكفرة إلى الله تعالى أنه يسمح بأن يشرك في ألوهيته الأوثان والأنصاب، وهم خلقه وغيرها مما عبد كالملائكة والأنبياء وهم عبيده وخلقه، هذا تأويل الطبري، وحكاه عن ابن عباس وحكي عنه أن الآية مشيرة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام، قال المفسرون: هذه الآية كقوله تعالى {أية : ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} تفسير : [الروم: 28]، ثم وقفهم على جحدهم نعمة الله في تنبيهه لهم على مثل هذا من مواطن النظر المؤدية إلى الإيمان، وقرأ الجمهور وحفص عن عاصم "يجحدون" بالياء من تحت، وقرأ أبو بكر عن عاصم "تجحدون" بالتاء، وهي قراءة أبي عبد الرحمن والأعرج بخلاف عنه، وهي على معنى قل لهم يا محمد. قال قتادة: لا يكون الجحد إلا بعد معرفة، وقوله {والله جعل لكم} الآية، آية تعديد نعم، و"الأزواج" الزوجات، ولا يترتب في هذه الآية الأنواع ولا غير ذلك، وقوله {من أنفسكم} يحتمل أن يريد خلقته حواء من نفس آدم وجسمه، فمن حيث كانا مبتدأ الجميع ساغ حمل أمرهما على الجميع حتى صار الأمر كأن النساء خلقن من أنفس الرجال، وهذا قول قتادة، والأظهر عندي أن يريد بقوله {من أنفسكم} ، أي من نوعكم وعلى خلقتكم، كما قال تعالى {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم} تفسير : [التوبة: 128] وقوله {وجعل لكم من أزواجكم بنين}، ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء، واختلف الناس في قوله {وحفدة} فقال ابن عباس: "الحفدة" أولاد البنين، وقال الحسن: هم بنوك وبنو بنيك، وقال ابن مسعود وأبو الضحى وإبراهيم وسعيد بن جبير: "الحفدة" الأصهار وهم قرابة الزوجة، وقال مجاهد: "الحفدة" الأنصار والأعوان والخدم، وحكى الزجاج أن الحفدة البنات في قول بعضهم، قال الزهراوي لأنهن خدم الأبوين لأن لفظة البنين لا تدل عليهن، ألا ترى أنهن ليس في قول الله تعالى: {أية : المال والبنون زينة الحياة الدنيا} تفسير : [الكهف: 46] وإنما الزينة في الذكور، وقال ابن عباس أيضاً: "الحفدة" أولاد زوجة الرجل من غيره، ولا خلاف أن معنى الحفد الخدمة والبر والمشي مسرعاً في الطاعة ومنه في القنوت: وإليك نسعى ونحفد، والحفدان خبب فوق المشي، ومنه قول الشاعر وهو جميل بن معمر: [الكامل] شعر : حفد الولائد بينهن وأسلمت بأكفهن أرمة الإجمال تفسير : ومنه قول الآخر: [البسيط] شعر : كلفت مجهولها نوقاً ثمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذه الفرق التي ذكرت أقوالها إنما بنيت على أن كل أحد جعل له من زوجه بنون وحفدة، وهذا إنما هو في الغالب وعظم الناس، ويحتمل عندي أن قوله: {من أزواجكم} إنما هو على العموم والاشتراك، أي من أزواج البشر جعل الله لهم البنين، ومنهم جعل الخدمة فمن لم تكن له قط زوجة فقد جعل الله له حفدة، وحصل تحت النعمة، وأولئك الحفدة هم من الأزواج، وهكذا تترتب النعمة التي تشمل جميع العالم، وتستقيم لفظة "الحفدة" على مجراها في اللغة، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة، وقالت فرقة: "الحفدة" هم البنون. قال القاضي أبو محمد: وهذا يستقيم على أن تكون الواو عاطفة صفة لهم، كما لو قال جعلنا لهم بنين وأعواناً أي وهم لهم أعوان، فكأنه قال: وهم حفدة وقوله {ورزقكم من الطيبات} يريد الله: من الأشياء التي تطيب لمن رزقها، ولا يقتصر هنا على الحلال لأنهم كفار لا يكتسبون بشرع، وفي هذه الآية رد على من قال من المعتزلة: إن الرزق إنما يكون الحلال فقط، و {لكم} تعلق في لفظة {من} إذ هي للتبعيض، فيقولون: ليس الرزق المعدد عليهم من جميع ما بأيديهم إلا ما كان حلالاً، وقرأ الجمهور "يؤمنون"، وتجيء الآية على هذه القراءة توقيفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم على إيمانهم بالباطل وكفرهم بنعمة الله، وقرأ أبو عبد الرحمن "تؤمنون" بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم على معنى قل لهم يا محمد، ويجيء قوله بعد ذلك {وبنعمت الله هم يكفرون} إخباراً مجرداً عنهم وحكماً عليهم لا توقيفاً، وقد يحتمل التوقيف أيضاً على قلة اطراد في القول.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَرْذَلِ الْعُمُرِ} أوضعه وأنقصه عند الجمهور، أو الهرم، أو ثمانون سنة، أو خمس وسبعون.

النسفي

تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ } بقبض أرواحكم من أبدانكم {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } إلى أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة أو ثمانون أو تسعون {لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } لينسى ما يعلم أو لئلا يعلم زيادة علم على علمه {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل أو إلى الإفناء من الإحياء {قَدِيرٌ } على تبديل ما يشاء كما يشاء من الأشياء {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرِّزْقِ } أي جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ } في الرزق يعني الملاك {بِرَآدِّي } بمعطي {رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس والمطعم {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ } جملة اسمية وقعت في موضع جملة فعلية في موضع النصب لأنه جواب النفي بالفاء وتقديره: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم في الرزق، وهو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم: أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟ {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } وبالتاء: أبو بكر، فجعل ذلك من جملة جحود النعمة.

البقاعي

تفسير : ولما أيقظهم من رقدتهم، ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول العلم، المقتضي للفعل بالاختيار، المحقق للبعث وغيره، من كل ما يريده سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان، وختم ذلك بما هو شفاء، ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك مذكراً بمراتب عمر الإنسان الأربع، وهي سن الطفولية والنمو، ثم سن الشباب الذي يكون عند انتهائه الوقوف، ثم سن الكهولة وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة، ثم سن الانحطاط مع ظهور الضعف وهو الشيخوخة، مضمناً ما لا يغني عنه دواء، حثاً على التفكر في آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث، فيفوت الفوت، ويندموا حيث لا ينفع الندم، فقال: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {خلقكم} فجعلكم بعد العدم أحياء فهّماً خصّماً {ثم يتوفاكم} على اختلاف الأسنان، فلا يقدر الصغير على أن يؤخر، ولا الكبير على أن يقدم، فمنكم من يموت حال قوته {ومنكم من يرد} أي بأيسر أمر منا، لا يقدر على مخالفته بوجه {إلى أرذل العمر} لأنه يهرم فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف مع استقذار غيره له، ولا يرجى بعده {لكي لا يعلم}. ولما كان مقصود السورة الدلالة على تمام القدرة وشمول العلم والتنزه عن كل شائبة نقص، وكان السياق هنا لذلك أيضاً بدليل ختم الآية، نزع الخافض للدلالة على استغراق الجهل لزمن ما بعد العلم، فيتصل بالموت، ولا ينفع فيه دواء ولا تجدي معه حيلة فقال: {بعد علم شيئاً} لا يوجد في شيء من ذلك عند إحلاله شفاء، ولا يمنعه دواء: فبادروا إلى التفكر والاعتبار قبل حلول أحد هذين، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليم قدير *} أي بالغ العلم شامل القدرة، فمهما أراد كان، ومهما أراد غيره ولم يرده هو، أحاط به علمه، فسبب له بقدرته ما يمنعه. ولما ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت، ثنى بالمفاوتة في الأرزاق فقال تعالى: {والله} أي الذي له الأمر كله {فضل بعضكم} أيها الناس {على بعض}. ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة، وكان التفضيل في المعاش الذي يظن الإنسان أن له قدرة على تحصيله، وكانت المفاوتة فيه أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار الذي السياق له، قال تعالى: {في الرزق} أي ولربما جعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار؛ قال الإمام أبو نعيم في الحلية: حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو الخلال قال: سمعت ابن أبي عمر يقول: كنا عند سفيان بن عيينة فذكروا الفضل بن الربيع ودهاءه، فأنشأ سفيان يقول: شعر : كم من قويّ قوي في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق منحرف ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط كأنه من خليج البحر يغترف تفسير : وعن نوادر أبي علي القالي أنه قال: قال أبو بكر بن الأنباري: وحدثني أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم وطالبه بصحبته فرد عليه المائة ألف، وكتب إليه هذه الأبيات: شعر : أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال سخي بنفسي أني لا أرى أحداً يموت هزلاً ولا يبقى على حال فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال والفقر في النفس لا في المال تعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال تفسير : ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظمهم في حقوقهم مع أنه في الحقيقة لا مالك ولا مُلك، فلا يدينون لذلك ولا يدانونه وإن جل الخطب وأدى إلى ذهاب الأرواح، بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته وإن كان أبوه من كان، وإن كانت العبرة عندهم في النسب بالأب، وهذا هو الذي أحوج عنترة إلى قوله: شعر : إني امرؤ من خير عبس منصباً شطري وأحمي سائري بالمنصل تفسير : إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه، نبههم سبحانه على ما وقعوا فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك وملك الملوك بعد ما اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه، فقال تعالى: {فما الذين فضلوا} أي في الرزق {برادّي رزقهم} أي الذي اختصوا به {على ما ملكت أيمانهم} وإن جل نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم {فهم فيه سواء} أي فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء، فهو جواب للنفي - نقله الرمال عن ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم. ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلاً نوع لبس، تسبب عنه الإنكار في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم المؤذن بالمقت: {أفبنعمة الله} أي الذي لا رب غيره {يجحدون *} في جعلهم له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم، فيسوون بينهم وبينه في ذلك وبنعمتهم يعترفون ولها يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب والأموال. ولما ذكر الخلق والرزق، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى: {والله} أي الذي له تمام القدرة وكمال العلم {جعل لكم} ولما كان الأزواج من الجنس، قال: {من أنفسكم} لأن الشيء آلف لنوعه وأقرب إلى جنسه {أزواجاً} أي تتوالدون بها ويبكون السكون إليها سبباً لبقاء نوعكم {وجعل لكم} أي أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره! {من أزواجكم بنين} ولعله قدمهم للشرف؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال: {وحفدة} أي من البنات والبنين وأولادهم والأصهار والأختان، جمع حافد، يخفّون في أعمالكم ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان، وهو الصواب لأن مادة حفد تدور على الإسراع والخفة. حفد: خفّ في العمل وأسرع، والحفد - محركة: الخدم - لخفتهم، ومشي دون الخبب، والحفدة: البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار - لذلك، وصناع الوشي - لإسراعهم فيه وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس، والمحفد - كمجلس ومنبر: شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه، وكمنبر: طرف الثوب لإسراع حركته، وقدح يكال به - لخفته، وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه، وسيف محتفد: سريع القطع، وأحفده: حمله على الإسراع، والفادحة: النازلة، وفوادح الدهر - خطوبه - لإسراعها بالمكروه وإسراع المنزول به ومن يهمه شأنه إلى مدافعتها، ومن ذلك فدحه الأمر: أثقله - لأن المكروه يسرع فيثقل فيكثر اضطراب المنزول به. ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى: {ورزقكم} أي لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في الجنة، بعّض فقال: {من الطيبات} بجعله ملائماً للطباع، شهياً للأرواح، نافعاً للإشباع، فعلم من هذا قطعاً أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص بالجلال، ومن أنكر شيئاً من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، وعبد غيره، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله معرضاً عن خطابهم إعراض المغضب: {أفبالباطل} أي من الأصنام وما جعلوا لهم من النصيب {يؤمنون} أي على سبيل التجديد والاستمرار {وبنعمت الله} أي الملك الأعظم {هم} وله عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - من المنن ما له {يكفرون} حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة والوصيلة والحامي وغيرها لأصنامهم، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره، لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه، ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛ ثم قال عطفاً على ما أنكره عليهم هناك: {ويعبدون} وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال تعالى: {من دون الله} أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية السفول من الأصنام وغيرها {ما لا يملك} أي بوجه من الوجوه {لهم رزقاً} تاركين من بيده جميع الرزق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات؛ ثم بين جهة الرزق فقال تعالى: {من السماوات والأرض} ثم أكد تعميم هذا النفي بقوله - مبدلاً من {رزقاً}، مبيناً أن تنوينه للتحقير -: {شيئاً} ثم أكد حقارتهم بقوله جامعاً لأن ما عجز عند الاجتماع فهو عند الانفراد أعجز: {ولا يستطيعون} أي ليس لهم نوع استطاعة أصلاً، ولك أن تجعله معطوفاً على ما مضى من المعجَّب منه من أقوالهم وأفعالهم في قوله { ويجعلون لله ما يكرهون} ونحوه.

ابو السعود

تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ} لما ذكر سبحانه من عجائب أحوالِ ما ذَكَر من الماء والنبات والأنعام والنحل أشار إلى بعض عجائبِ أحوالِ البشر من أول عمُره إلى آخره وتطوراتِه فيما بـين ذلك وقد ضبطوا مراتبَ العمُر في أربع: الأولى سنُّ النشوء والنماء، والثانية سنُّ الوقوف وهي سن الشباب، والثالثة سنُّ الانحطاط القليل وهي سنُّ الكهولة، والرابعة سنُّ الانحطاط الكبـير وهي سنُّ الشيخوخة {ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ} حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على حِكَم بالغةٍ بآجال مختلفة أطفالاً وشباباً وشيوخاً {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ} قبل توفّيه أي يعاد {إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أي أخسِّه وأحقرِه وهو خمسٌ وسبعون سنة على ما روي عن علي رضي الله عنه، وتسعون سنة على ما نقل عن قتادة رضي الله عنه، وقيل: خمسٌ وتسعون، وإيثارُ الردِّ على الوصول والبلوغِ ونحوهما للإيذان بأن بلوغَه والوصولَ إليه رجوعٌ في الحقيقة إلى الضُّعف بعد القوة كقوله تعالى: { أية : وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّـسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ} تفسير : [يس، الآية 68] ولا عمُرَ أسوأُ حالاً من عمر الهرِمِ الذي يشبه الطفلَ في نقصان العقل والقوة {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ} كثير {شَيْئاً} من العلم أو من المعلومات أو لكيلا يعلم شيئاً بعد علمٍ بذلك الشيء، وقيل: لئلا يعقِلَ بعد عقله الأولِ شيئاً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بمقادير أعماركم {قَدِيرٌ} على كل شيء يميت الشابَّ النشيطَ ويُبقي الهرِمَ الفانيَ، وفيه تنبـيهٌ على أن تفاوتَ الآجالِ ليس إلا بتقدير قادرٍ حكيم ركب أبنيتَهم وعدّل أمزجتَهم على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ التفاوتُ هذا المبلغ.

القشيري

تفسير : خَلَق الإنسانَ في أحسن تركيب، وأملح ترتيب، في الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، والنور والضياء، والفهم الذكاء، ورَزَقَه من العقل والتفكر، والعلم والتبصر، وفنون المناقب التي خُصَّ بها من الرأي والتدبير، ثم في آخر عمره يجعله إلى أرذل العمر مردوداً، ويرى في كل يوم أَلَماً جديداً. ويقال: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}: وهو أن يرد إلى الخذلان بعد االتوفيق؛ فهو يكون في أول أحوال عمره مطيعاً ثم يصير في آخر عمره عاصياً. ويقال أرذل العمر أن يرغب في عنفوان شبابه في الإرادة، ويسلك طريق الله مدةً، ثم تقع له فترةٌ فيفسخ عقد إرادته، ويرجع إلى طلب الدنيا. وعند القوم هذه رِدَّةٌ في هذا الطريق. ويقال أرذلُ العمر رغبةُ الشيخ في طلبٍ. ويقال أرذلُ العمر حُبُّ المرءِ للرياسة. ويقال أرذلُ العمر اجتماع المظالم على الرجل وألا يُرْضِيَ خصومَه.

اسماعيل حقي

تفسير : {والله} المحيط بكل شئ علما وقدرة {خلقكم} اوجدكم واخرجكم من العدم الى الوجود. وبالفارسية {ازظلمت آباد نا بود بصحراى انوار وجود آورد] {ثم يتوفاكم} اى يقبض ارواحكم على اختلاف الاسنان صبيانا وشبانا وكهولا فلا يقدر الصغير على ان يؤخر ولا الكبير على ان يقدم فمنكم من يموت حال قوته {ومنكم من يرد} قبل توفيه اى يعاد {الى ارذل العمر} اخسه واحقره وهو الهرم والخرف الذى يعود فيه كهيئته الاولى فى اوان طفوليته ضعيف البنية ناقص القوة والعقل قليل الفهم وليس له حد معلوم فى الحقيقة لانه رب ابن ستين انتهى الى ارذل العمر ورب ابن مائة لم يرد اليه. وقال قتادة اذا بلغ تسعين سنة يتعطل عن العمل والتصرف والاكتساب والحج والغزو ونحوها ولذا دعا محمد بن على الواسطى لنفسه فقال شعر : يا رب لا تحينى الى زمن اكون فيه كلا على احد تفسير : خذ بيدى قبل ان اقول لمن القاه عند القيام خذ بيدى وسأل الحجاج شيخا كيف طعمك قال اذا اكلت ثقلت واذا تركت ضعفت فقال كيف نومك قال انام فى المجمع واسهر فى المهجع فقال كيف قيامك وقعودك قال اذا قعدت تباعدت عنى الارض واذا قمت لزمتنى فقال كيف مشيك قال تعقلنى الشعرة وتعثرنى البعرة {لكيلا يعلم بعد علم شيئًا} ليصير الى حالة شبيهة بحال الطفولية فى سوء الفهم والنسيان وان يعلم شيئًا ثم يسرع فى نسيانه فلا يعلمه ان سئل عنه فمؤدى الكلام لينسى ما يعلم وهو يستلزم ان لا يعلم زيادة علم على علمه لانه اذا كان حاله بحيث ينسى ما علم فكيف يزيد علمه واللام فى لكى هى لا م كى دخلت على كى للتأكيد وهى متعلقة بيرد. وقال بعضهم اللام جارة وكى حرف مصدرى كأن وشيئًا مفعول لا يعلم {ان الله عليم} بمقادير اعمالكم. قال الكاشفى [داناست وجهل بردانايى او طارى نشود]{قدير}[تواناست وعجز برتوانايى اوراه نيايد] اى قدير على كل شئ يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفانى: قال الشيخ سعدى قدس سره. شعر : اى بسا اسب تيزروكه بماند كه خرلنك جان بمنزل برد بس كه درخاك تن درستانزرا دفن كردند وزخم خورده نمرد تفسير : وفيه تنبيه على ان تفاوت الآجال ليس الا بتقدير قادر حكيم ركب ابنيتهم وعدل امزجتهم على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ التفاوت هذا المبلغ. قالوا اسنان الانسان سبعة اطوار. طور الفضولية الى سبع سنين. ثم الصبى الى اربع عشرة سنة. ثم الشباب الى اثنتين وثلاثين سنة ثم الكهولة. ثم الشيخوخة. ثم الهرم الى منتهى العمر. وفى الارشاد ضبطوا مراتب العمر فى اربع الاولى سن النشو والنماء. والثانية سن الوقوف وهى سن الشباب. والثالثة سن الانحطاط القليل وهى سن الكهولة. والرابعة سن الانحاط الكثير وهى سن الشيخوخة ولا عمر اسوأ حالا من عمر الهرم الذى يشبه الطفل فى نقصان العقل والقوة وعند اخلاله لا يوجد له شفاء ولا يمنعه دواء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو "حديث : اعوذ بك من البخل والكسل وارذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات"تفسير : قال بعضهم حكم الهرم انما يظهر فى حق الكافر لان المسلم يزداد عقله لصلاحه فى طول عمره كرامة له وفى الحديث "حديث : من قرأ القرآن لم يردّ الى ارذل العمر"تفسير : وكذا من يتدبره ويعمل به كما فى تفسير العيون. يقول الفقير لا شك ان الجنون والعته ونحوهما من صفات النقصان فالله تعالى لا يبتلى كامل الانسان انبياء واولياء فالمراد بقولهم ان العلماء لا يعرض لهم العته وان بلغوا الى ارذل العمر علماء الآخرة والعلماء بالله لا مطلق العلماء كما لا يخفى اذ قد شاهدنا من علماء زماننا من صار حاله الى حال الطفولية ثم ان ارذل العمر وان كان اشد الازمان واصعبها لكنه اوان المغفرة ورفعه الدرجة وفى الحديث "حديث : اذا بلغ المرء ثمانين سنة انبتت حسناته ومحيت سيآته واذا بلغ تسعين سنة غفر الله ذنبه ما تقدم منه وما تأخر وكان اسير الله فى الارض وشفيعا لاهل بيته يوم القيامة"تفسير : - روى - حديث : ان رجلا قال للنبى عليه الصلاة والسلام اصابنى فقر فقال "لعلك مشيت امام شيخ"تفسير : واول من شاب من ولد آدم ابراهيم عليه السلام فقال يا رب ما هذا قال هذا نورى فقال رب زدنى من نورك ووقارك وكان الرجل فى القرون الاولى لا يحتلم حتى يأتى عليه ثمانون سنة. وعن وهب ان اصغر من مات من ولد آدم ابن مائتى سنة. قال بعض المشايخ هذه الامة وان كانت اعمارهم قصار قليلة لكن امدادهم كثيرة وهم ينالون فى زمن قصير ما ناله الاقدمون فى مدة طويلة من المرتبة وهذا فضل من الله تعالى. قال حكيم ان خير نصفى عمر الرجل آخره يذهب جهله ويثوب حلمه ويجتمع رأيه وشر نصفى عمر المرأة آخره يسوء خلقها ويحد لسانها ويعقم رحمها وفى الحديث "حديث : خير شبابكم من تشبه بكهولكم وشر كهولكم من تشبه بشبابكم"تفسير : . يقول الفقير هذا يشمل التشبه بانواعه فى الاقوال والاحوال والافعال والقيام والقعود واللباس ونحوها فالصوفى شيخ فى المعنى لان مراده الفناء عن الاوصاف كلها فينبغى له ان يلبس لباس الكهول وان كان شابا وفى الحديث "حديث : من اتى عليه اربعون سنة لم يغلب خيره شره فليتجهز الى النار " تفسير : قال يحيى بن معاذ رحمه الله مقدار عمرك فى جنب عيش الآخرة كنفس واحد فاذا ضيعت نفسك فخسرت الابد انك لمن الخاسرين. وفى الاية اشارة الى الفناء والبقاء فالمتوفى هو الفانى عن اثبات وجوده والمردود هو الباقى بوجود موجود وجوده وقوله {لكيلا لا يعلم بعد علم شيئًا} اى ليكون عاقبة امره ان لا يعلم بعد فناء علمه شيئًا بعلمه بل يعلم بربه الاشياء كما هى كما فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {والله خلقكم}: أظهركم إلى عالم الشهادة، {ثم يتوفاكم}: يردكم إلى عالم الغيب عند انتهاء آجالكم، {ومنكم مَن يُردُّ إلى أرذَلِ العُمُرِ} أي: أخسه، يعني: الهِرَم والخرف، الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. وقيل: هو خمس وتسعون سنة، وقيل: خمس وسبعون سنة، والتحقيق: أن ذلك لا ينضبط بسن. {لكي لا يَعْلَم بعد عِلْمٍ شيئًا}؛ ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية، في نقصان العقل والنسيان وسوء الفهم. وليس المراد نفي العلم بالكلية، بل عبارة عن قلة العلم؛ لغلبة النسيان. وقيل: المعنى: لئلا يعلم زيادة على علمه شيئًا. قال عكرمة: (من قرأ القرآن لم يصر بهذه المنزلة). قلت: جاء في بعض الأحاديث ما يقتضي تخصيص القارئ للقرآن بالمتبع له، وأنه الذي يُمتعه الله بعقله حتى يموت، وهو الذي يشهد له الحس، أي: الوجود في الخارج، بالصدق، لوجود الخرف في كثير ممن يحفظه. قاله في الحاشية. {إن الله عليم قدير} أي: عليم بمقادير الأشياء وأوقاتها، قدير على إيجاد الأشياء وإعدامها، عند انتهاء آجالها، فيميت الشاب النشط عند تمام أجله، ويبقى الهرم الفاني إلى انقضاء أجله. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن تفاوت أعمار الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم، وعدل أمزجتهم، على قدر معلوم، ولو كان في ذلك بمقتضى الطبائع لم يقع التفاوت إلى هذا المبلغ. هـ. الإشارة: الخلق والتوفي هو من جملة الظهور والبطون، عند أهل التوحيد الخاص، والرد إلى أرذل العمر لا يلحق العارفين بالله. وقد قيل، في استثناء قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [العَصر: 3] من الرد إلى أسفل سافلين: إن الصالح لا يدركه الخَرف وإن أدركه الهرم. وذلك دليل على سعادته، وعدم تشويه صورته في الآخرة، والله تعالى قادر على وقاية أوليائه مما يشين به أعداءه عاجلاً. وفي الحديث: "حديث : إذا قرأ الرجلُ القرآنَ، واحتْشَى من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي: امتلأ - وكانتْ هناك غزيرةٌ - يعني: فقه نفس ومعرفة -، كان خليفةً من خلفاء الأنبياء ". تفسير : ثمَّ سفَّه رأي من أشرك بعد هذه الدلائل فقال: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ...}.

الطوسي

تفسير : هذه الآية فيها تعديد لنعم الله تعالى على عباده، شيئاً بعد شيء، ليشكروه عليها، وبحسبها يقول الله: إِني أنا الذي خلقتكم وأخرجتكم من العدم إِلى الوجود وأنعمت عليكم بضروب النعم، دينيّة ودنياوية، ثم الذي خلقكم يتوفاكم ويقبضكم أي يميتكم {ومنكم من يرد إِلى أرذل العمر} وهو أرداه وأوضعه، يقال منه: رذل الشيء يرذل رذالة، وأرذلته ان ارذالاً يريد به حال الذم. وقيل انه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة - في قول علي (ع). وقوله {لكي لا يعلم بعد علم شيئاً} اخبار منه تعالى انه إِنما يردّه إِلى أرذل العمر، ليرجع إِلى حال الطفولية بنسيان ما كان علم للكبر، فكأنه لا يعلم شيئاً، مما كان علم. وفي ذلك أعظم دلالة وأبين اعتبار على قادر مصرف للخلق من حال إِلى حال. ثم أخبر {إن الله عليم} بمصالح عباده، قادر على ما يشاء من تدبيرهم وتغيير أحوالهم.

الجنابذي

تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} بآجالكم {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وهو وقت الهرم، وفى الخبر: اذا بلغ العبد مائة سنة فذلك ارذل العمر، وفى خبر آخر: ان يكون عقله مثل عقل ابن سبع سنين {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} لا يعلم ما علمه قبل ذلك، وفى الخبر: انّ هذا ينقص منه جميع الارواح وينقص روح الايمان وليس يضرّه شيئاً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بما ينبغى وانّ الموت قبل ارذل العمر خير لكم ولذلك لا يصل اكثركم الى ارذل العمر {قَدِيرٌ} على الايصال الى ارذل العمر.

الأعقم

تفسير : {والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي أحسنه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة، وقيل: سبعون سنة {لكيلا يعلم بعد علم شيئاً} ليصير إلى حال يشبهه بحال الطفولية في النسيان وأن يعلم شيئاً شيئاً، ثم يسرع في نسيانه، فلا يعلم إن سئل عنه، وقيل: لئلا يعقل بعد عقله {والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق} فرزقهم أكثر مما رزق مماليكهم، وهم بشر مثلكم، وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تساووْا في الملبس والمطعم، كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : هم اخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" تفسير : {أفبنعمة الله يجحدون} فجعل ذلك من جملة مجرد النعمة، وقيل: هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم: ساوَوْن بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولاتجعلوا له فيه شرك، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء، وقيل: المعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً {فهم فيه} في رزقي {سواء} فلا تحسب الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عبيدهم شيئاً من الرزق فإنما ذلك رزقي أجريه اليهم على أيديهم {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} جمع حافد وهوالذي يحفد أي يسرع في الطاعة والخدمة قيل: هم أولاد الأولاد، وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأول، وقيل: هم الاختان وهم أزواج البنات، قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله} يعني الأوثان {ما لا يملك لهم رزقاً} أي لا يقدر عليه {من السماوات والأرض شيئاً} يعني من السماء المطر ومن الأرض النبات والأشجار، وقيل: لا يزيد في رزقهم ولا ينقص {ولا يستطيعون} دفع ضرر عن أنفسهم فإذا كان هذا حاله فكيف تعبدوه وتتخذوه إلهاً؟ {فلا تضربوا لله الأمثال} أيظهر الحق فلا تجعلوا لله أشباه فإنه لا مثل له ولا شبيه {إن الله يعلم}، قيل: وعيد لهم يعلم ما عليكم من المضرة في غيره {وأنتم لا تعلمون}، وقيل: هو يعلم خطأ ما أنتم عليه.

الهواري

تفسير : قوله: { وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} أي: يميتكم. {وَمِنكُم مَّن يُّرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ} أي: إلى الهرم {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} أي: يصير بمنزلة الطفل الذي لا يعقل شيئاً. {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. قوله: {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}. يقول: هل منكم من أحد يكون هو ومملوكه في أهله وماله سواء؛ أي: إنكم لا تفعلون ذلك بمملوكيكم حتى تكونوا في ذلك سواء، فالله أحق أن لا يُشرك به أحد من خلقه. وهو كقوله: (أية : ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مَّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) تفسير : [الروم:28] أي: كخيفة بعضكم بعضاً. قال: فهذا مثل ضربه الله. يقول: فهل أحد منكم يشارك مملوكه في زوجته وفراشه وماله، أَفتعدلون بالله خلقه؟. قال: { أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ} على الاستفهام، أي: قد جحدوا نعمة الله.

اطفيش

تفسير : {وَاللهُ خَلَقَكُم} أوجدكم بعد العدم {ثُمَّ يَتَوَفَّاكُم} يميتكم بآجالكم واحدا بعد واحد ومقترنين صغارا وأوساطا وكبارا غير واصلين أرذل العمر {وَمِنْكُم مَن يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} أى أخسه لما فيه من هرم وخرف بنقص الحواس واللسان والقوى والجسم والعقل قال على بن أبى طالب أرذل العمر خمس وسبعون سنة وقيل ثمانون سنة وقال قتادة تسعون سنة بالمثناة أولا وقيل خمس وتسعون كذلك وإِنما قال يرد لأَنه فى حال طفوليته والصغر مثله فى حال كونه فى أرذل العمر فالتعبير بالرد وهو الإِرجاع إِلى الشىء بعد الصرف عنه يتضمن أن عمر الطفولية أيضا أرذل عمر، وصرح بالرذالة فى أواخر العمر دون أوائله لأَن الإِنسان فى أوائله على زيادة قوة وعقل ونقص رذالة، وفى أواخره ينعكس ذلك ولا رجاء معها ولا ينحصر ذلك انحصاراً كليا فى مدة فرب ابن خمسين فى أرذل عمر ورب ابن تسعين ليس فى أرذله. قال عكرمة من قرأ القرآن لم يرد إِلى أرذل العمر بحيث لا يعلم شيئا فإِنه إِن رد لم يكن بهذه الحيثية، كما قال ابن عباس ليس هذا فى المسلمين لأَن المسلم لا يزداد فى طول العمر إِلا كرامة عند الله وعقلا ومعرفة. قال ابن عباس فى قوله تعالى {أية : ثم رددناه أسفل سافلين}تفسير : يريد الكافرين وقال فى قوله تعالى: {أية : إِلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : هم المؤمنون استثنوا من أرذل العمر وقال عكرمة هم الذين قرءُوا القرآن وقيل عمر الإِنسان أربع: سن النشوء وهو أول العمر إلى ثلاث وثلاثين وهو غاية سن الشباب وبلوغ الأشد وسن الوقوف وهو ما بعد الثلاث والثلاثين إِلى أربعين وهو مدة لا يزيد فيها قوة بزيادة السن ولا ينقص بها وأما العقل فيتم بتمام الأَربعين وسن الكهولة وهو ما بعد الأَربعين إلى ستين يشرع الإِنسان فيه فى النقصان لكن ينقص نقصا خفيفاً لا يظهر وسن الشيخوخة وهو ما بعد ستين وفيه يتبين النقص ويقع الهرم والخوف فى الجملة. قال: أنس كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول "حديث : اللهم إِنى أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات"تفسير : . رواه البخارى ومسلم وفى صحيحى الذى جعلته تماماً لمسند الربيع بن حبيب زيادة فى ذلك {لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ} اللام لام الصيرورة كما يدل عليه قول ابن قتيبة أن المعنى حتى لا يعلم {بَعْدَ عِلْمٍ} أى بعد علمه بالأُمور {شَيْئاً} مفعول يعلم وذلك للهرم وكما يدل عليه قول الزجاج إِن المعنى إِن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا فيصير جاهلا بعد أن كان عالما وتحتمل البقاء على التعليل أى يرد إِلى أرذل العمر لأَجل أن لا يعلم شيئاً فيصير بذلك كحاله فى الطفولية فى نقص عقل وقوة وقلة حفظ وسوء الفهم وفى كثرة النسيان وإِن قلت إِن من كان فى أرذل العمر قد يعرف شيئاً فما معنى الآية، قلت المعنى أنه لا يعرف شيئا ما من الأَشياء التى يحتاج فى معرفتها إِلى تدقيق وكذا أو النفى عبارة عن قلة علمه: لا نفى للعلم البتة أو المعنى لئلا يعلم زائداً على علمه السابق له وقد مر كلام ابن عباس وقيل العلم العقل أى لئلا يزداد عقلا بعد عقله الأَول {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ} بمقادير أعماركم وتدبير الخلق وبكل شىء وقيل عليم بما صنع بأَوليائه وأعدائه {قَدِيرٌ} على ما يريد من إِماتة الشاب أثناء الهرم وغير ذلك ولو حق الآية إِلى أن تفاوت الآجال إِنما هو بتقدير قادر حكيم ركب أبنيتهم وعدل أمزجتهم أو غلب بعضها تغليباً غير مفوت على قدر معلوم تنقضى حياتهم إِلى ذلك القدر بتغليب بعض الأَمزجة مع واسطة الملك ولو شاء لأَحياهم مع عدم اعتدال المزاج ولو شاء لأَماتهم مع اعتداله ولو كان الموت بمقتضى الطبيعة فقط كما قد يقوله كافر لم يبلغ التفاوت هذا المقدار من موت أحد شابا وآخر هرما.

اطفيش

تفسير : {وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} لآجالكم المختلفة، وقد يتفق بعض ببعض. {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُرِ} عطف على محذوف دل عليه ذكر التوفى بلا ذكر لأرذل العمر، وذكره بعد أى منكم من يتوفى قبل أرذل العمر، ومنكم من يرد إِلى أَرذل العمر، وهو أخسه بالضعف والهرم، كالطفل فى عدم القوة والعقل وباعتبار كونه قد كان طفلا قال: يرد وقد شبّه تصييره ضعفًا بالرد إِلى ضعف الطفولية، استعارة، أو استعمل الرد بمعنى مطلق التصيير مجازًا مرسلا لعلاقة الإطلاق والتقييد، وذلك خمس وسبعون سنة، أو تسعون سنة، أو خمس وتسعون. {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} كالطفل فى النسيان وسوء الفهم ينشأ وينمو إِلى ثلاثين أو ثلاث وثلاثين، أو خمس وثلاثين، ويقف إِلى تمام أربعين، وكهولة بانحطاط يسير إِلى سبعين، والانحطاط العظيم إلى مائة وعشرين، وقيل: يقوى الانحطاط من الستين، واللام لعاقبة، ولا مانع من كونها للتعليل، وكى بعد اللام مصدرية ناصبة لا تعليلية، ويفيد التعليل أو العاقبة اللازم، ويبعد أنها تأكيد لتعليل اللام، وأن الجر باللام والنصب بإن وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به، وليس المراد استغراق النفى، بل المراد لا يعلم شيئًا بعد أن علمه لنسيانه أو لا يعلم علمًا زائدًا على علمه الأول أو لا يعلم شيئًا واحداً بعد علمه أشياء، وهو بعيد، وهو مبنى على الاستغراق، كما أن الاستغراق قول بدون تقدير قولك بعد علمه أشياء، أو لا يعلم شيئًا مَّا علما ثابتًا بل كل ما علم لم يثبت، أو لا يعقل بعد عقله الأول شيئًا. وفيه دلالة على وقوفه. {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ} عظيم العلم، أو كثيره، بما هو أقل من ذرات أزمانهم وأحوالهم. {قَدِيرٌ} عظيم القدرة أو كثيرها، والقدرة من صفات الله، عائدة إلى متعلقاتها، وإلا فصفاته هو لا تقبل التعدد، وهو يميت الشاب الصحيح إِذا شاء، ويبقى الهرم إذا شاء، خلق كلا وبناه على أجله كالتأثير للطبع وكالغيرة، والمؤثر هو الله جل جلاله، وبطل قول الطبيعيين لفهم الله: إن الموت والحياة بمقتضى الطباع.

الالوسي

تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ} حسبما تقتضيه مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة بآجال مختلفة، والقرينة على إرادة ذلك قوله سبحانه: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} ولذا قيل: إنه معطوف على مقدر أي فمنكم من تعجل وفاته ومنكم الخ، وأرذل العمر أخسه وأحقره وهو وقت الهرم الذي تنقص فيه القوى وتفسد الحواس ويكون حال الشخص فيه كحاله وقت الطفولية من ضعف العقل والقوة، ومن هنا تصور الرد فهذا كقوله تعالى: {أية : وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّـسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ } تفسير : [يس: 68] ففيه مجاز، وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أن {أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} خمس وسبعون سنة؛ وعن قتادة أنه تسعون، وقيل: خمس وتسعون واختار جمع تفسيره بما سبق وهو يختلف باختلاف الأمزجة فرب معمر لم تنتقص قواه ومنتقص القوى لم يعمر، ولعل التقييد بسن مخصوص مبني على الأغلب عند من قيد. والخطاب إن كان للموجودين وقت النزول فالتعبير بالماضي والمستقبل فيه ظاهر، وإن كان عاماً فالمضي بالنسبة إلى وقت وجودهم، والاستقبال بالنسبة إلى الخلق، وعلى التقديرين الظاهر أن {مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}/ يعم المؤمن مطلقاً والكافر، وقيل: إنه مخصوص بالكافر والمسلم لا يرد إلى إرذل العمر لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [التين: 5-6] وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة أنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، والمشاهدة تكذب كلا القولين فكم رأينا مسلماً قارىء القرآن قد رد إلى ذلك، والاستدلال بالآية على خلافه فيه نظر، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البخاري وابن مردويه عن أنس «حديث : أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات»تفسير : . {لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} اللام للصيرورة والعاقبة وهي في الأصل للتعليل وكي مصدرية والفعل منصوب بها والمنسبك مجرور باللام والجار والمجرور متعلق ـ بيرد ـ، وزعم الحوفي أن اللام لام كي دخلت على كي للتوكيد وليس بشيء، والعلم بمعنى المعرفة، والكلام كناية عن غاية النسيان أي ليصير نساءً بحيث إذا كسب علماً في شيء لم ينشب أن ينساه ويزل عنه علمه من ساعته يقول لك: من هذا؟ فتقول: فلان فما يلبث لحظة إلا سألك عنه، وقيل: المراد لئلا يعلم زيادة علم على علمه، وقيل: لئلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً فالعلم بمعنى العقل لا بمعناه الحقيقي كما في سابقه، وفيه دلالة على وقوفه وأنه لا يقدر على علم زائد، والوجه المعتمد الأول، ونصب ـ شيئاً ـ على المصدرية أو المفعولية، وجوز فيه التنازع بين يعلم وعلم، وكون مفعول ـ علم ـ محذوفاً لقصد العموم أي لا يعلم شيئاً ما بعد علم أشياء كثيرة. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بكل شيء ومن ذلك وجه الحكمة في الخلق والتوفي والرد إلى أرذل العمر {قَدِيرٌ} على كل شيء ومنه ما يشاؤه سبحانه من ذلك، وقيل: عليم بمقادير أعماركم قدير على كل شيء يميت الشاب النشيط ويبقي الهرم الفاني، وفيه تنبيه على أن تفاوت الآجال ليس إلا بتقدير قادر حكيم رتب الأبنية وعدل الأمزجة على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ هذا المبلغ، وقيل: إنه تعالى لما ذكر ما يعرض في الهرم من ضعف القوى والقدرة وانتفاء العلم ذكر أنه جل شأنه مستمر على العلم الكامل والقدرة الكاملة لا يتغيران بمرور الأزمان كما يتغير علم البشر وقدرتهم، ويفيد الاستمرار الجملة الاسمية، والكمال صيغة فعيل، وقدم صفة العلم لتجاوز انتفاء العلم عن المخاطبين مع أن تعلق صفة العلم بالشيء أول لتعلقه صفة القدرة به، ولا يخفى عليك ما هو الأولى من الثلاثة فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال بدقائق صنع الله على وحدانيته إلى الاستدلال بتصرّفه في الخلق التصرّفَ الغالب لهم الذي لا يستطيعون دفعهُ، على انفراده بربوبيّتهم، وعلى عظيم قدرته. كما دلّ عليه تذييلها بجملة {إن الله عليم قدير} فهو خَلقهم بدون اختيار منهم ثم يتوفّاهم كَرهاً عليهم أو يردّهم إلى حالة يكرهونها فلا يستطيعون ردّاً لذلك ولا خلاصاً منه، وبذلك يتحقّق معنى العبودية بأوضح مظهر. وابتدئت الجملة باسم الجلالة للغرض الذي شرحناه عند قوله تعالى: {أية : والله أنزل من السماء ماء} تفسير : [سورة النحل: 65]. وأما إعادة اسم الجلالة هنا دون الإضمار فلأن مقام الاستدلال يقتضي تكرير اسمَ المستدلّ بفتح الدال على إثبات صفاته تصريحاً واضحاً. وجيء بالمسند فعلياً لإفادة تخصيص المسند إليه بالمسند الفعلي في الإثبات، نحو: أنا سعيت في حاجتك. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {والله أنزل من السماء ماء}. فهذه عبرة وهي أيضاً منّة، لأن الخلق وهو الإيجاد نعمة لشرف الوجود والإنسانية، وفي التوفّي أيضاً نعم على المتوفّى لأن به تندفع آلام الهَرم، ونعم على نوعه إذ به ينتظم حال أفراد النوع الباقين بعد ذهاب من قبلهم، هذا كلّه بحسب الغالب فرداً ونوعاً، والله يخصّ بنعمته وبمقدارها من يشاء. ولما قوبل «ثم توفّاكم» بقوله تعالى: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} علم أن المعنى ثم يتوفّاكم في إبان الوفاة، وهو السنّ المعتادة الغالبة لأن الوصول إلى أرذل العمر نادر. والأرذل: تفضيل في الرذالة، وهي الرداءة في صفات الاستياء. و{العمر}: مدة البقاء في الحياة، لأنه مشتقّ من العَمْر، وهو شغل المكان، أي عَمر الأرض، قال تعالى: {أية : وأثاروا الأرض وعمروها } تفسير : [سورة الروم: 9]. فإضافة {أرذل} إلى {العمر} التي هي من إضافة الصّفة إلى الموصوف على طريقة المجاز العقلي، لأن الموصوف بالأرذل حقيقة هو حال الإنسان في عمره لا نفسُ العُمر. فأرذل العمر هو حال هرم البدن وضعف العقل، وهو حال في مدة العمر. وأما نفس مدّة العمر فهي هي لا توصف برذالة ولا شرف. والهرم لا ينضبط حصوله بعدد من السنين، لأنه يختلف باختلاف الأبدان والبلدان والصحة والاعتلال على تفاوت الأمزجة المعتدلة، وهذه الرذالة رذالة في الصحّة لا تعلّق لها بحالة النفس، فهي مما يعرض للمسلم والكافر فتسمّى أرذل العمر فيهما، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يردّ إلى أرذل العمر. ولام التعليل الداخلة على (كي) المصدرية مستعملة في معنى الصيرورة والعاقبة تشبيهاً للصيرورة بالعلّة استعارة تشير إلى أنه لا غاية للمرء في ذلك التعمير تعريضاً بالناس، إذ يرغبون في طول الحياة؛ وتنبيهاً على وجوب الإقصار من تلك الرغبة، كأنه قيل: منكم من يردّ إلى أرذل العمر ليصير غير قابل لعلم ما لم يعلمه لأنه يبطىء قبولُه للعلم. وربّما لم يتصوّر ما يتلقاه ثم يسْرع إليه النسيان. والإنسان يكره حالة انحطاط علمه لأنه يصير شبيهاً بالعجماوات. واستعارة حرف العلّة إلى معنى العاقبة مستعملة في الكلام البليغ في مقام التوبيخ أو التخطئة أو نحو ذلك. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} تفسير : في سورة آل عمران: (178). وقد تقدّم القول قريباً في ذلك عند قوله تعالى: {أية : إذا فريق منكم بربّهم يشركون ليكفروا بما ءاتيناهم} تفسير : في هذه السورة [54 - 55]. وتنكير {علم} تنكير الجنس. والمعنى: لكيلا يعلم شيئاً بعد أن كان له علم، أي ليزول منه قبول العلم. وجملة {إن الله عليم قدير} تذييل تنبيهاً على أن المقصود من الجملة الدلالة على عظم قدرة الله وعظم علمه. وقدم وصف العليم لأن القدرة تتعلّق على وفق العلم، وبمقدار سعة العلم يكون عظم القدرة، فضعيف القدرة يناله تعب من قوة علمه لأن همّته تدعوه إلى ما ليس بالنائل، كما قال أبو الطيّب:شعر : وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر. وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، وخص بالرذيلة لأن حال لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد. بخلاف حال الطفولة، فإنهاحاله ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في سورة الحج. {أية : وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً}تفسير : [الحج: 5]، وقوله في الروم: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً}تفسير : [الروم: 54] الآية. وأشار إلى ذلك أيضاً بقوله: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} تفسير : [فاطر: 11]، وقوله في سورة المؤمن: {أية : ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ}تفسير : [غافر: 67]. وقال البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الآية الكريمة: باب قوله تعالى: {أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}تفسير : [النحل: 70] حدثنا موسى بن إسماعيل،، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو "حديث : أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات"تفسير : اهـ وعن علي رضي الله تعالى عنه: أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة, وعن قتادة: تسعون سنة. والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين. وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص. فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدناً وعقلاً، وأشد خرفاً - من آخر ابن تسعين سنة، وظاهر قول زهير في معلقته:- شعر : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبالك يسأم تفسير : أن ابن الثمانين بالغ أرذل العمر، ويدل له قول الآخر: شعر : إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان تفسير : وقوله: {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} أي يرد إلى أرذل العمر، لأجل أن يزول ما كان يعلم من العلم أيام الشباب، ويبقى لا يدري شيئاً. لذهاب إدراكه بسبب الخرف. ولله في ذلك حكمة. وقال بعض العلماء: إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف، وضياع العلم والعقل من شدة الكبر. ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [التين: 5-6] الآية.

القطان

تفسير : ارذل العمر: أخسه وهو الهرم مع فقدان الذاكرة، لان كثيرا من المعمرين يبلغون مرحلة كبيرة في السن ويبقون بصحة وذاكرة جيدة. ما ملكت ايمانكم: العبيد. حفدة: جمع حفيد، ابن الابن وابن البنت. فلا تضربوا لله الامثال: لا تجعلوا له اشباها ونظائر. بعد ان ذكر الله عجائبَ أحوال ما ذكر من النبات والماء والأنعام والنحل - أشار هنا الى بعض عجائب أحوال البشَر من أول عُمر الإنسان الى آخره وتطوراته فيما بين ذلك. {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. ان الله خلقكم أيها لناس ولم تكونوا شيئا، ثم قدّر لكم آجالاً مخلتفة، منكم من يتوفّاه مبكِّرا ومنك من يهرَم ويصير إلى أرذل العمر فتنقص قواه، ويكون في عقله وقوّتِه كالطِفل، فتكون عاقبته أن يفقدَ ذاكرته ولا يعود يعلم شيئا، حتى انه لا يستطيع التمييز بين أهله وأولاده وأقربائه، (وقد رأينا أناساً بهذه الحالة) ان الله عليم بأسرار خلقه، قادر على كل شيء. ثم بعد ان ذكَر اللهُ تفاوتَ الناس في الأعمار ذكر تفاوتَهم في الأرزاق فقال: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}. والله جعلكم متفاوتين في أرزاقكم، فمنكم الغنيُّ ومنكم الفقير، فما الذين فُضِّلوا بالرزق وأعطاهم الله المالَ الكثير بمعطين قِسماً من أموالهم لعبيدهم المملوكين لهم حتى يصيروا مشاركين لهم في الرزق ومساوين لهم، مع أنهم إخوانُهم وبشرٌ مثلهم وهم اعوانهم. فما بالكم ايها المشركون بالله، وهو الذي خَلَقَكم ورزقكم وأنعم عليكم! كيف تجحدون بنعمة الله وتشركون به غيره. قراءات: قرأ ابو بكر: "تجحدون" بالتاء والباقون بالياء. ثم ذكر ضرباً آخر من ضروب نِعمه على عباده تنبيهاً الى جليل إِنعامه بها إذ هي زينةُ الحياة فقال: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}. واللهُ أنعمَ عليكم نِعماً لا تحصى، منها ان خلَق لكم أزواجاً لتسكُنوا اليها، وأكبر نعمةٍ على الانسان هي الزوجةُ الصالحة، فهي جنّةُ البيت. وجعل لكم من أزواجكم بنينَ وأبناءَ البنين والبنات، كما رزقكم من الأرزاق الطيبة التي تنعَمون بها، وهذه من زينة الحياة الدنيا. {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ؟}. ابعدَ كل هذه النِعم، وكل هذه الدلائل البينة يُشركون بالله، ويكفرون بهذه النعم!! {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}. ومع كل هذِه النعم التي أنعم الله بها عليهم فإنهم يعبدون الأصنامَ التي لا تملِك شيئا، ولا تستطيع أن ترزقَهم أيَّ رزقٍ، سواء كان كان هذا الرزقُ آتياً من السماء كالماء أم من الارض كالنبات والشجر. {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. لا تجعلوا لله مَثَلاً ولا تشبّهوه بخلْقِه، ولا تعبدوا غيره، فانه لا شبيه له ولا مثيل: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى:11].

د. أسعد حومد

تفسير : {يَتَوَفَّاكُمْ} (70) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَصَرُّفِهِ فِي عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الذِي أَنْشَأَهَمُ مِنَ العَدَمِ، وَوَقَّتَ أَعْمَارَهُمْ بِآجَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ يَتَوَفَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، حِينَمَا تَحِينُ آجَالُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَعْجَلُ وَفَاتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَتَأَخَّرُ، حَتَّى يُدْرِكَهُ الهَرَمُ فَيَصِيرَ إِلَى أَرْذَلِ العُمْرِ، فَتَضْعُفَ قُوَاهُ، وَتَضْعُفَ ذَاكِرَتُهُ، وَيُصِيبَهُ الخَرَفُ، فَيَنْسَى مَا كَانَ يَحْفَظُ، وَتَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الأُمُورُ لِضَعْفِ قُوَاهُ العَقْلِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ عَالِماً. وَاللهُ عَلِيمٌ بِكُلَِّ شَيءٍ، قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. أَرْذَلِ العُمُرِ - أَرْدَؤُهُ وَأَخَسُّهُ (الخَرَفُ أَوِ الهَرَمُ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ..} [النحل: 70]. هذه حقيقة لا يُنكرها أحد، ولم يَدّعِها أحدٌ لنفسه، وقد أمدّكم بمقوِّمات حياتكم في الأرض والنبات والحيوان، والأنعام التي تعطينا اللبن صافياً سليماً سائغاً للشاربين، ثم النحل الذي فيه شفاء للناس. فالحق سبحانه أعطانا الحياة، وأعطانا مُقوِّمات الحياة، وأعطانا ما يُزيل معاطبَ الحياة .. وما دُمْتم صدَّقتم بهذه المحسَّات فاسمعوا: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ..} [النحل: 70]. وساعة أن نسمع (خلقكم)، فنحن نعترف أن الله خلقنا، ولكنْ كيف خلقنا؟ هذه لا نعرفها نحن؛ لأنها ليستْ عملية معملية .. فالذي خلق هو الحق سبحانه وحده، وهو الذي يُخبرنا كيف خلق .. أما أنْ يتدخَّل الإنسان ويُقحِمَ نفسه في مسألة لا يعرفُها، فنرى مَنْ يقول: إن الإنسان أَصلْه قرد .. إلى آخر هذا الهُراء الذي لا أَصْلَ له في الحقيقة. ولذلك، فالحق سبحانه يقول لنا: إذا أردتُمْ أن تعرفوا كيف خُلِقْتُم فاسمعوا مِمَّنْ خلقكم .. إياكم أنْ تسمعوا من غيره؛ ذلك لأنني: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ..} تفسير : [الكهف: 51]. هذه عملية لم يُطلع الله عليها أحداً: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. أي: ما اتخذتُ مساعداً يعاونني في مسألة الخَلْق. وما هو المضلّ؟ المضِلّ هو الذي يقول لك الكلام على أنه حقيقة، وهو يُضلُّك. إذن: ربنا سبحانه وتعالى هنا يعطينا فكرة مُقدّماً: احذروا، فسوف يأتي أناس يُضلونكم في موضوع الخَلْق، وسوف يُغيّرون الحقيقة، فإياكم أنْ تُصدِّقوهم؛ لأنهم ما كانوا معي وقت أنْ خلقتكم فيدَّعُون العلم بهذه المسألة. ونفس هذه القضية في مسألة خَلْق السمٰوات والأرض، فالله سبحانه هو الذي خلقهما، وهو سبحانه الذي يُخبرنا كيف خلق. فحين يقول سبحانه: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ..} [النحل: 70]. فعلينا أن نقول: سَمْعاً وطاعة، وعلى العين والرأس .. يا ربِّ أنت خلقتنا، وأنت تعلم كيف خلقتنا، ولا نسأل في هذا غيرك، ولا نُصدِّق في هذا غير قَوْلك سبحانك. ثم يقول تعالى: {ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ..} [النحل: 70]. أي: منه سبحانه كان المبدأ، وإليه سبحانه يعود المرجع .. وما دام المبدأ من عنده والمرجع إليه، وحياتك بين هذين القوسين؛ فلا تتمرد على الله فيما بين القوسين؛ لأنه لا يليق بك ذلك، فأنت منه وإليه .. فلماذا التمرد؟ ربُّنا سبحانه وتعالى هنا يُعطينا دليلاً على طلاقة قدرته سبحانه في أمر الموت، فالموت ليس له قاعدة، بل قد يموت الجنين في بطن أمه، وقد يموت وهو طفل، وقد يموت شاباً أو شيخاً، وقد يُرَدُّ إلى أرذلِ العُمر، أي: يعيش عمراً طويلاً .. وماذا في أرذل العمر؟! يُرَدُّ الإنسان بعد القوة والشباب، بعد المهابة والمكان، بعد أنْ كان يأمر وينهى ويسير على الأرض مُخْتالاً، يُرَدُّ إلى الضَّعْف في كل شيء، حتى في أَمْيز شيء في تكوينه، في فكره، فبعد العِلْم والحِفْظ وقوة الذاكرة يعود كالطفل الصغير، لا يذكر شيئاً ولا يقدر على شيء. ذلك لتعلم أن المسألة ليست ذاتية فيك، بل موهوبة لك من خالقك سبحانه، ولتعلم أنه سبحانه حينما يقضي علينا بالموت فهذا رحمة بنا وستْر لنا من الضعف والشيخوخة، قبل أن نحتاج لمن يساعدنا ويُعينُنا على أبسط أمور الحياة ويأمر فينا مَنْ كُنّا نأمره. ومن هنا كان التوفّي نعمة من نِعَم الله علينا، ولكي تتأكد من هذه الحقيقة انظر إلى مَنْ أمدّ الله في أعمارهم حتى بلغوا ما سماه القرآن "أرذل العمر" وما يعانونه من ضعف وما يعانيه ذووهم في خدمتهم حتى يتمنى له الوفاة أقرب الناس إليه. الوفاة إذن نعمة، خاصة عند المؤمن الذي قدّم صالحاً يرجو جزاءه من الله، فتراه مُسْتبشراً بالموت؛ لأنه عمَّر آخرته فهو يُحب القدوم عليها، على عكس المسرف على نفسه الذي لم يُعِدّ العُدّة لهذا اليوم، فتراه خائفاً جَزِعاً لعلمه بما هو قادم عليه. و(ثُمَّ) حَرْف للعطف يفيد الترتيب مع التراخي .. أي: مرور وقت بين الحدثين .. فهو سبحانه خلقكم، ثم بعد وقت وتراخٍ يحدث الحدَث الثاني (يتوفّاكم). على خلاف حرف (الفاء)، فهو حرف عطف يفيد الترتيب مع التعقيب أي: تتابع الحدثين، كما في قوله تعالى: {أية : أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}تفسير : [عبس: 21]. فبعد الموت يكون الإقبار دون تأخير. وقوله تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ..} [النحل: 70]. وأرذل العمر: أردؤه وأقلّه وأخسُّه؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئاً، فقال: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ..} تفسير : [النحل: 78]. وهذه هي وسائل العلم في الإنسان، فإذا رُدَّ إلى أرذل العمر فقدتْ هذه الحواسّ قدرتها، وضَعُفَ عملها، وعاد الإنسان كما بدأ لا يعلم شيئاً بعد ما أصابه من الخَرف والهرم، فقد توقفتْ آلات المعرفة، وبدأ الإنسان ينسى، وتضعف ذاكرته عن استرجاع ما كان يعلمه. وقوله: {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ..} [النحل: 70]. لذلك يُسمُّون هذه الحواس الوارث. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [النحل: 70]. لأنه سبحانه بيده الخَلْق من بدايته، وبيده سبحانه الوفاة والمرجع، وهذا يتطلَّب عِلْماً، كما قال سبحانه: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ..} تفسير : [الملك: 14]. فلا بُدَّ من عِلم، لأن الذي يصنع صَنْعة لا بُدَّ أن يعرفَ ما يُصلحها وما يُفسِدها، وذلك يتطلَّب قدرة للإدراك، فالعلم وحده لا يكفي. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه الذي خلق العباد ونقلهم في الخلقة، طورا بعد طور، ثم بعد أن يستكملوا آجالهم يتوفاهم، ومنهم من يعمره حتى { يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } أي: أخسه الذي يبلغ به الإنسان إلى ضعف القوى الظاهرة والباطنة حتى العقل الذي هو جوهر الإنسان يزيد ضعفه حتى إنه ينسى ما كان يعلمه، ويصير عقله كعقل الطفل ولهذا قال: { لِكَيلا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } أي: قد أحاط علمه وقدرته بجميع الأشياء ومن ذلك ما ينقل به الآدمي من أطوار الخلقة، خلقا بعد خلق كما قال تعالى: {أية : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ }.