١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان، وذلك أنا نرى أكيس الناس وأكثرهم عقلاً وفهماً يفنى عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك، ونرى أجهل الخلق وأقلهم عقلاً وفهماً تنفتح عليه أبواب الدنيا، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله فإنه يحصل له في الحال، ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيباً، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيباً، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام، كما قال تعالى: { أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الزخرف: 32] وقال الشافعي رحمه الله تعالى: شعر : ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق تفسير : واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح، وهذا بحر لا ساحل له وقد كنت مصاحباً لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه، وكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما حضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده، وما كان يمكنه تناول شيء منها، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة، وما كان يجد ملء بطنه طعاماً، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه. أما قوله: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } ففيه قولان: القول الأول: أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق، وانما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم وحاصل القول فيه أن المقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلاً وأقوى جسماً وأكثر وقوفاً على المصالح والمفاسد من المولى، وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال: { أية : تُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } تفسير : [آل عمران: 26]. والقول الثاني: أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكاً لله تعالى، ثم على هذا القول ففيه وجهان: الأول: أن يكون هذا رداً على عبدة الأوثان والأصنام، كأنه قيل: إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية، والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: إن عيسى ابن مريم ابن الله، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء، فكيف جعلتم عبدي ولداً لي وشريكاً في الإلهية؟ ثم قال تعالى: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ } معنى الفاء في قوله: {فَهُمْ } حتى، والمعنى: فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم، حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك. ثم قال: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: {يَجْحَدُونَ } بالتاء على الخطاب لقوله: {خَلَقَكُمْ وَفَضَّلَ بَعْضُكُمْ } والباقون بالياء لقوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ } واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقرب الخبر عنه، وأيضاً فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحد نعمة الله تعالى. المسألة الثانية: لا شبهة في أن المراد من قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم. فإن قيل: كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام؟ قلنا: فيه وجهان: الوجه الأول: أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله تعالى فمن أثبت لله شريكاً فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحداً لكونها من عند الله تعالى، وأيضاً فإن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى. والوجه الثاني: قال الزجاج: المراد أنه تعالى لما قرر هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل، كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق، فعند هذا قال: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ } في تقريره هذه البيانات وإيضاح هذه البينات {يَجْحَدُونَ }. المسألة الثالثة: الباء في قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ } يجوز أن تكون زائدة لأن الجحود لا يعدى بالباء كما تقول: خذ الخطام وبالخطام، وتعلقت زيداً وبزيد، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} أي جعل منكم غنياً وفقيراً وحراً وعبداً. {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ} أي في الرزق. {بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رُزق شيئاً حتى يستوي المملوك والمالك في المال. وهذا مثل ضربه الله لعبدة الأصنام، أي إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؛ فلما لم يكن يشركهم عبيدهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في عبادة غيره من الأوثان والأنصاب وغيرهما مما عُبد؛ كالملائكة والأنبياء وهم عبيده وخلقه. حكى معناه الطبري، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. وعن ابن عباس أيضاً أنها نزلت في نصارى نَجْران حين قالوا عيسى ابن الله فقال الله لهم: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق حتى يكون المولى والعبد في المال شرعاً سواء، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم فتجعلون لي ولداً من عبيدي. ونظيرها: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} على ما يأتي. ودل هذا على أن العبد لا يملك، على ما يأتي آنفاً.
البيضاوي
تفسير : {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرّزْقِ } فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك. {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدّي رِزْقِهِمْ } بمعطي رزقهم. {عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } على مماليكهم فإنما يردون عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم. {فَهُمْ فِيهِ سَوَآء } فالموالي والمماليك سواء في أن الله رزقهم، فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها، ويجوز أن تكون واقعة موقع الجواب كأنه قيل: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرزق، على أنه رد وإنكار على المشركين فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته في الألوهية ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم. فيما أنعم الله عليهم فيساورهم فيه. {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } حيث يتخذون له شركاء، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم ويجحدوا أنه من عند الله، أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعدما أنعم الله عليهم بإيضاحهم، والباء لتضمن الجحود معنى الكفر. وقرأ أبو بكر «تجحدون» بالتاء لقوله: {خَلَقَكُمْ } و {فَضَّلَ بَعْضَكُمْ }.
ابن كثير
تفسير : يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم يعترفون أنها عبيد له؛ كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فقال تعالى منكراً عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم، كما قال في الآية الأخرى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ} تفسير : [الروم: 28] الآية، قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: يقول: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} وقال في الرواية الأخرى عنه: فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟ وقال مجاهد في هذه الآية: هذا مثل الآلهة الباطلة، وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن ينزه منك. وقوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي: إنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، فجحدوا نعمته، وأشركوا معه غيره. وعن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري: واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق بلاء يبتلي به كلاً، فيبتلي من بسط له كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله، رواه ابن أبي حاتم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرّزْقِ } فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضّلُواْ } أي الموالي {بِرَآدّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ } أي بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم {فَهُمُ } أي المماليك والموالي {فِيهِ سَوَآءٌ } شركاء، المعنى ليس لهم شركاء من مماليكهم في أموالهم فكيف يجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟ {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } يكفرون حيث يجعلون له شركاء؟
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أغنى وأفقر، ووسّع وضيّق. الثاني: في القناعة والرغبة. الثالث: في العلم والجهل. قال الفضيل بن عياض: أجلُّ ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه، وعقل يدله على رشده. وفي التفضيل وجهان: أحدهما: أنه فضل السادة على العبيد، قاله ابن قتيبة ومن يرى أن التفضيل في المال. الثاني: أنه فضل الأحرار بعضهم على بعض، قاله الجمهور. {فما الذين فُضِّلُوا بِرادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانُهم فهم فيه سواء} فيه وجهان: أحدهما: أن عبيدهم لما لم يشركوهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في ملكه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وفي هذا دليل على أن العبد لا يملك. الثاني: أنهم وعبيدهم سواء في أن الله تعالى رزق جميعهم، وأنه لا يقدر أحد على رزق عبده إلا أن يرزقه الله تعالى إياه كما لا يقدر أن يرزق نفسه، حكاه ابن عيسى. {أفبنعمة الله يجحدون} وفيه وجهان: أحدهما: بما أنعم الله عليهم من فضله ورزقه ينكرون. الثاني: بما أنعم الله عليهم من حججه وهدايته يضلون.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} السادة على العبيد، أو الأحرار بعضهم على بعض عند الجمهور {فِى الرِّزْقِ} بالغنى والفقر والضيق والسعة {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} لما لم يشركهم عبيدهم في أموالهم لم يجز أن يشاركوا الله ـ تعالى ـ في ملكه "ع"، أو هم وعبيدهم سواء في أن الله ـ تعالى ـ رزق الجميع، وأن أحداً لا يقدر على رزق عبده إلا أن يرزقه الله ـ تعالى ـ إياه كما لا يقدر على رزق نفسه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {تجحدون} بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد. الآخرون على الغيبة. {من بطون إمهاتكم} ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ. {إمهاتكم} بكسرهما: حمزة. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم. {ألم تروا} على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب {ظعنكم} بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها. الوقوف: {في الرزق} ج لاختلاف الجملتين مع الفاء {سواء} ط {يجحدون} ه {من الطيبات} ط {يكفرون} ه لا للعطف {ولا يستطيعون} ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب {الأمثال} ط {لا تعلمون} ه {وجهراً} ط {هل يستوون} ط {الحمد لله} ط لأن "بل" للإعراض عن الأول. {لا يعلمون} ه {مولاه} لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما {بخير} ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام {والأرض} ط {أقرب} ط {قدير} ه {شيئاً} لا للعطف {والأفئدة} لا لتعلق {لعلكم تشكرون} ه {السماء} ط للفصل بين الاستخبار والإخبار {إلا الله} ط {يؤمنون} ه {إقامتكم} لا لوقوع {جعل} على {أثاثاً} {إلى حين} ه {باسكم} ط {تسلمون} ه {المبين} ه {الكافرون} ه. التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: {والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق} ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً. وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم. وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس. فالفاء في قوله: {فهم فيه سواء} للتعليل. ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟! حديث : عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في العبيد: "إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون"تفسير : فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت {أفبنعمة الله} وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين {يجحدون} أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء. قال أبو عبيدة وأبو حاتم. قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة. الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: {والله جعل لكم من أنفسكم} أي من جنسكم {أزواجاً} ليكون الأنس به أتم. ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه. والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس. قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة. ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر. {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} أصل الحفد الإسراع في الخدمة. والفاعل حافد والجمع حفدة. فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات. وقيل: أولاد الأولاد. وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان. وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة. وقيل: الأولى دخول الكل فيه. ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها. وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة. ثم ختم الآية بقوله: {أفبالباطل يؤمنون} فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة. وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم. وإنما قال ههنا: {وبنعمة الله هم يكفرون} وفي آخر "العنكبوت" {أية : وبنعمة الله يكفرون}تفسير : [الآية: 67] لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب. وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب. ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً} قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك. و {من السموات والأرض} صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق. أما الضمير في {ولا يستطيعون} فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة. والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن تعالى أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك. وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟ {فلا تضربوا لله الأمثال} أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة. وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له. وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص. وعلل النهي بقوله: {إن الله يعلم} ما عليكم من العقاب {وأنتم لا تعلمون} ما في عبادتها من العذاب. وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك. وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون. ثم علمهم كيف تضرب فقال: {ضرب الله مثلاً} ثم أبدل من المثل قوله: {عبداً مملوكاً} لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً. وقوله: {لا يقدر على شيء} ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف. احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: {لا يقدر} حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف. وأيضاً قوله: {ومن رزقناه منا رزقاً حسناً} يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف. فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال. وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً. قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: {ومن رزقناه} موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً. ولا يمتنع أن تكون موصولة. وجمع قوله: {هل يستوون} لأنه أراد الأحرار والعبيد. وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟! وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله. وقيل: العبد هو الصنم لقوله: {أية : إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً}تفسير : [مريم: 93]. والثاني عابد الصنم. والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف. لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!. {الحمد لله} قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد. وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد {بل أكثرهم لايعلمون} أن كل الحمد لي. وقيل: أراد قل الحمد لله. والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف. وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: {الحمد لله} أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة {بل أكثرهم لا يعلمون} قوّتها وظهورها. ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار. أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة. وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر. وقوله: {وهو كلٌّ على مولاه} أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة. يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره. وقوله: {أينما يوجهه} حيثما يرسله {لا يأت بخير} لم ينجح في مطلبه. والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق {هل يستوي هو} أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة. {ومن يأمر} الناس {بالعدل وهو} في نفسه {على صراط مستقيم} على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط. ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور. قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر. قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه. أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه. وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه. وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه. والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة. ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله سبحانه فلذلك مدح نفسه بقوله: {ولله غيب السموات والأرض} أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر} اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: {أو هو أقرب} وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله. ثم أكده بقوله: {إن الله على كل شيء قدير}. ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله: {وجعل لكم} معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم. {والأفئدة} في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها. واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية. وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله تعالى أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية. وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية. فالمراد بقوله: {لا تعلمون شيئاً} أنه لا يظهر أثر العلم عليكم. ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق. ومعنى {لعلكم تشكرون} إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله. وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف {جعل} على {أخرج} أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: {أية : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}تفسير : [البقرة: 7] أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟ ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: {ألم يروا إلى الطير مسخرات} مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء. وفي {جوّ السماء} أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو {ما يمسكهن إلا الله} بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران. ومن جملة أحوال الإنسان قوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف {جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع {تستخفونها} أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل {يوم ظعنكم} أي في وقت ارتحالكم. والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر. {ويوم إقامتكم} لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها {ومن أصوافها} وهي للضأن {وأوبارها} وهي للإبل {وأشعارها} وهي للمعز {أثاثاً} وهو متاع البيت. قال الفراء لا واحد له. وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة. قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة. وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر. قيل: إنه تعالى عطف قوله: {ومتاعاً} على {أثاثاً} فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟ وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء. والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به. قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به {إلى حين} أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة. ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: {وجعل لكم من الجبال أكناناً} هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها. وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب {وسرابيل تقيكم بأسكم} كالدروع والجواشن {كذلك يتم نعمته} أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا {لعلكم تسلمون} قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه. وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب. وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع {فان تولوا} فقد تمهد عذرك {فإنما عليك البلاغ المبين} وليس إليك الهداية. ثم ذمهم بأنهم {يعرفون نعمة الله} التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله {ثم ينكرونها} بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا. ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله. وقيل: نعمة الله نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً. وإنما قال: {وأكثرهم الكافرون} لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون. قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله تعالى أعلم. التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة. فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان. أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} يعني ازدواج الأرواح والأشباح {وجعل لكم من أزواجكم بنين} وهم القلوب {وحفدة} وهن النفوس {أفبالباطل} وهو الزخارف والوساوس {يؤمنون وبنعمة الله} التي أنعم بها على أرباب القلوب {يكفرون} ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى {ما لا يملك لهم زرقاً} من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله {فلا تضربوا لله الأمثال} بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله {ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً} للهوى وللدنيا {ومن رزقناه} ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم. {بل أكثرهم لا يعلمون} أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره. {أحدهما أبكم} هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة. {لا يأت بخير} لأنها أمارة بالسوء {ولله غيب} سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: {أو هو أقرب} وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب {أية : ألست بربكم}تفسير : [الأعراف: 172] وجواب {أية : بلى} تفسير : [الأعراف: 172] وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة. ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله. وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله سبحانه أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً. تجيبونه بقولكم "بلى" {لعلكم تشكرون} فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه {ألم يروا إلى} طير الأرواح {مسخرات في جوّ} سماء القلوب {ما يمسكهن} في سفل الأجساد {إلا الله} بحكمته فلذلك قال: {والله جعل لكم} أيها الأرواح {من بيوتكم} وهي الأجساد {سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام} التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات {بيوتاً} تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية {ومن أصوافها} هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى {أثاثاً} آلات للسير {ومتعاً} ينتفع بها {إلى حين} الوصول والوصال. {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره. و{وجعل لكم من} جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق {يعرفون نعمة الله} بتعريفك {وأكثرهم الكافرون} بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} إِخبار يُرَادُ به العِبْرة وإِنما هي قاعدةٌ بني المثل عليها، والمَثَل هو أن المفضَّلين لا يصحُّ منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أُعْطُوا؛ حتى تستوي أحوالُهم، فإِذا كان هذا في البَشَر، فكيف تنسبون أيها الكَفَرةُ إلى اللَّه؛ أنَّه يسمح بأنْ يشرك في الألوهيَّة الأوثانَ والأصْنَامَ وغيرها ممَّا عُبدَ مِنْ دونه، وهم خَلْقُه ومِلْكُه، هذا تأويلُ الطبريِّ، وحكاه عن ابن عباس قال المفسِّرون: هذه الآية كقوله تعالى: { أية : ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُم هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ... } تفسير : الآية [الروم:28] ثم وقفهم سبحانه على جَحْدهم بنعمته في تنبيهه لهم على مِثْلِ هذا مِنْ مواضِع النظرِ المؤدِّية إلى الإِيمان. وقوله سبحانهُ: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } هذه أيضاً آيةُ تعديدِ نِعَم، «والأزواجُ»؛ هنا: الزوجاتُ، وقوله: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ }: يحتملُ أن يريد خِلْقَةَ حوَّاء من نَفْس آدم، وهذا قول قتادة والأَظهَرُ عندي أنْ يريد بقوله {مِّنْ أَنفُسِكُمْ }، أي: مِنْ نوعكم كقوله: { أية : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة:128] والـ {حَفَدَةً}: قال ابن عباس: هم أولاد البنين وقال الحسن: هم بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ،وقال مجاهد: الـــ {حَفَدَةً} الأنصار والأَعْوان وقيل غير هذا، ولا خلاف أنَّ معنى «الحفْدَ» الخِدْمَةِ والبِرُّ والمشْيُ مسرعاً في الطاعة؛ ومنه في القنوت: «وإِلَيْكَ نَسْعَى ونحْفِدُ»، والحَفَدَانُ أيضاً: خَبَبٌ فوق المَشْي. وقوله سبحانه: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ...} الآية: أي: لا تمثّلوا للَّه الأمثَال، وهو مأخوذٌ من قولك: هذا ضَرِيبُ هَذَا، أي: مثيله، والضَّرْب: النَّوْع.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} الآية. يقول: لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، وكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني؟. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: هذا مثل الآلهة الباطل مع الله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} الآية. قال: هذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد يشارك مملوكه في زوجته وفي فراشه؟! أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن تبرئه من ذلك، ولا تعدل بالله أحداً من عباده وخلقه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء الخراساني في الآية. قال: هذا مثل ضربه الله في شأن الآلهة، فقال كيف تعدلون بي عبادي، ولا تعدلون عبيدكم بأنفسكم، وتردون ما فضلتم به عليهم فتكونون أنتم وهم في الرزق سواء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، اقنع برزقك في الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق، بلاء يبتلى به كلا، فيبتلي به من بسط له، كيف شكره فيه، وشكره لله أداؤه الحق الذي افترض عليه مما رزقه وخوله.
ابو السعود
تفسير : {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرّزْقِ} أي جعلكم متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضلَ مما أعطى مماليكَكم {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضّلُواْ} فيه على غيرهم {بِرَآدّى رِزْقِهِمْ} الذي رزقهم الله {عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ} على مماليكهم الذين هم شركاؤُهم في المخلوقية والمرزوقية {فَهُم} أي المُلاّك والمماليك {فِيهِ} أي في الرزق {سَوَآء} أي لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم في التصرف ويشاركونهم في التدبـير، والفاء للدِلالة على ترتيب التساوي على الرد أي لا يردونه عليهم ردًّا مستتبعاً للتساوي، وإنما يردون عليهم منه شيئاً يسيراً فحيث لا يرضَون بمساواة مماليكِهم لأنفسهم ـ وهم أمثالُهم في البشرية والمخلوقية لله عز سلطانُه ـ في شيء لا يختصّ بهم بل يعُمهم وإياهم من الرزق الذي هم أُسوةٌ لهم في استحقاقه، فما بالُهم يشركون بالله سبحانه وتعالى ـ فيما لا يليق إلا به من الألوهية والمعبوديةِ الخاصّة بذاته تعالى لذاته ـ بعضَ مخلوقاته الذي هو بمعزل من درجة الاعتبار وهذا كما ترى مثَلٌ ضُرب لكمال قباحةِ ما فعله المشركون تقريعاً عليهم كقوله تعالى: {أية : هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء} تفسير : [الروم، الآية 128] الآية {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} حيث يفعلون ما يفعلون من الإشراك فإن ذلك يقتضي أن يضيفوا نعم الله سبحانه الفائضةَ عليهم إلى شركائهم ويجحدوا كونَها من عند الله تعالى، أو حيث أنكروا أمثالَ هذه الحجج البالغةِ بعد ما أنعم الله بها عليهم، والباء لتضمين الجحودِ معنى الكفر نحوُ { أية : وَجَحَدُواْ بِهَا} تفسير : [النمل: 14] والفاء للعطف على مقدر وهي داخلةٌ في المعنى على الفعل أي أيشركون به فيجحدون نعمته، وقرىء تجحدون على الخطاب، أو ليس الموالي برادّي رزقهم على مماليكهم بل أنا الذي أرزقهم وإياهم فلا يحسبوا أنهم يعطونهم شيئاً وإنما هو رزقي أُجريه على أيديهم فهم جميعاً في ذلك سواءٌ لا مزيةَ لهم على مماليكهم، ألا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله؟ فهو ردّ على زعم المفضَّلين أو على فعلهم المؤذِن بذلك أو ما المفضَّلون برادّي بعضِ فضلهم على مماليكهم فيتساووا في ذلك جميعاً مع أن التفضيلَ ليس إلا ليبلوَهم أيشكرون أم يكفرون، ألا يعرِفون ذلك فيجحدون نعمةَ الله تعالى؟ كأنه قيل: فلم يردوه عليهم، والجملةُ الاسميةُ للدلالة على استمرارهم على عدم الرد. يحكى عن أبـي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إنما هم إخوانُكم فاكسُوهم مما تلبَسون وأطعِموهم مما تَطعَمون » تفسير : فما رؤيَ عبدُه بعد ذلك إلا ورداؤُه رداؤُه وإزارُه إزاره من غير تفاوت. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من جنسكم {أَزْوٰجاً} لتأنَسوا بها وتقيموا بذلك جميعَ مصالحِكم ويكون أولادُكم أمثالَكم، وقيل: هو خلقُ حواءَ من ضِلْع آدمَ عليه الصلاة والسلام {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم} وضع الظاهرُ موضعَ المضمر للإيذان بأن المرادَ جعلَ لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره {بنيـن} وبأن نتيجةَ الأزواج هو التوالد {وَحَفَدَةً} جمعُ حافد وهو الذي يسرع في الخِدمة والطاعة، ومنه قولُ القانت: «وإليك نسعى ونحفد» أي جعل لكم خدماً يسرعون في خدمتكم وطاعتِكم. وقيل: المرادُ بهم أولادُ الأولاد، وقيل: البناتُ عبّر عنهن بذلك إيذاناً بوجه المنة بأنهن يخْدُمن البـيوت أتمَّ خدمة، وقيل: أولادُ المرأة من الزوج الأول، وقيل: البنون، والعطفُ لاختلاف الوصفين، وقيل: الأختان على البنات، وتأخيرُ المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر من التشويق وتقديمُ المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر بعَود منفعةِ الجعلِ إليهم إمداداً للتشويق وتقويةً له، أي جعل لمصلحتكم مما يناسبكم أزواجاً وجعل لمنفعتكم من جهة مناسبةٍ لكم بنين وحفَدة {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} من اللذائذ أو من الحلالات، ومن للتبعيض إذ المرزوقُ في الدنيا أنموذجٌ لما في الآخرة {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ} وهو أن الأصنامَ تنفعهم وأن البحائرَ ونحوها حرامٌ والفاء في المعنى داخلةٌ على الفعل وهي للعطف على مقدر أي أيكفرون بالله الذي شأنُه هذا فيؤمنون بالباطل؟ أو أبعد تحقّقِ ما ذُكر من نعم الله تعالى بالباطل أو أبعد تحققِ ما ذكر من نعم الله تعالى بالباطل يؤمنون دون الله سبحانه {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهُ} تعالى الفائضةِ عليهم مما ذكر ومما لا يحيط به دائرةُ البـيان {هُمْ يَكْفُرُونَ} حيث يضيفونها إلى الأصنام، وتقديمُ الصلة على الفعل للاهتمام أو لإيهام الاختصاص مبالغةً أو لرعاية الفواصل، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باستيجاب حالِهم للإعراض عنهم وصرفِ الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيباً لهم مما فعلوه.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} [الآية: 71]. قال إبراهيم الخواص: منهم من جعل رزقه فى الطلب ومنهم من جعل رزقه فى القناعة ومنهم من جعل رزقه فى التوكل ومنهم من جعل رزقه فى الكفاية ومنهم من جعل رزقه فى المشاهدة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنى أظل عند ربى يطعمنى ويسقينى ". تفسير : قال الفضيل بين عياض: "أجل ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه وعقلاً يدله على رشده".
القشيري
تفسير : أرزاق المخلوقات مختلفة؛ فَمِنْ مضَيَّقٍ عليه رزقُه، ومَنْ مُوَسَّع عليه رزقه، ومِنْ أرزاق هي أرزاق النفوس، وأرزاقٍ للقلوب وأرزاق للأرواح، وأرزاق للأسرار؛ فأرزاقُ النفوسِ لقوم بتوفيق الطاعات، ولآخرين بخذلان المعاصي. وأرزاق القلوب لقومٍ حضورُ القلب باستدامة الفكر، ولآخرين باستيلاء الغفلة ودوام القسوة. وأرزاق الأرواح لقوم صفاء المحبة، ولآخرين اشتغال أرواحهم بالعلاقة بينهم وبين أشكالهم، فيكون بلاؤهم في محبتهم لأمثالهم. وأرزاق الأسرار لا تكون إلا بمشاهدة الحقِّ، فأمَّا من لم يكن من هذه الجملة فليس من أصحاب الأسرار.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} الارزاق منقسمة على اهل سلوك المعارف الارزاق لبعضهم طاعات ولبعضهم ارادات ولبعضهم مقامات ولبعضهم حالات ولبعضهم مكاشفات ولبعضهم مشاهدات ولبعضهم معرفة ولبعضهم محبة ولبعضهم توحيد ولبعضهم تفريد فرزق الاشباح بالحقيقة العبودية ورزق الارواح بالحقيقة رؤية انوار الربوبية ورزق العقول الافكار ورزق القلوب الاذكار وكلهم مشفقون على ارزاقهم غرثان الى قوتهم من الحقائق عطشان الى مشاربهم بعد سقيهم بحار القربة والمشاهدة لا يطيقون رؤية غيرهم من المريدين ان يكونوا معهم فى الشرب والطعم غيرة على احوالهم قال تعالى {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} قال ابراهيم الخواص منهم من جبل رزقه فى الطلب ومنهم من جعل رزقه فى القناعة ومنهم من جعل رزقه فى التوكل ومنهم من جعل رزقه فى الكفاية ومنهم من جعل رزقه فى المشاهدة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم انى اظل عند ربى يطعمنى ويسقينى وقال الفضيل اجل ما رزق الانسان معرفة تدله على ربه وعقله يدله على رشده ثم بين سبحانه حلاوة ذلك الرزق وطيبه وطهارته بقوله {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} اجل طيبات الرِّزق مشاهدته ولقاؤه لانها هى الرزق بالحقيقة الذى يعيش به الارواح فى المعرفة والاشباح فى العبودية والعقول بالتفكر والقلوب بالتذكر والاسرار بادراك علم الربوبية وذلك الرزق اطيب الطيبات وهو بالحقيقة طيب لانه قديم ازلى منزه عن علل الحدثان وما دونه غير طيب بالحقيقة لانه معلول والمعلول كيف يكون طيبا وصورة الرزق الطيب ما يوافق حال العارف لا يحجبه عن صفاء الوقت حين صدر من الغيب قال المحاسبى هو الفئ والغنيمة وقال احمد بن على الحوارى الطيبات المباحات فى البوادى وقال ابن الجلا ما يفتح لك من غير طلب ولا استشراف ثم نزه بما اولاه من رزق مشاهدة ومعرفة قدس جلال وافرز وجوده وجوده من مشابهة الحدثان وامر العباد ان ينزهوه عن التشبيه والتصوير والاضداد بقوله {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} بين قدس القدم وافرده عن شواهد الالتباس فى مقام المحبة والعشق والشوق حيث دارت الهمة فى طلب الحق فى روية لكون ظهوره فى لباس افعاله ليعرف العارفون مقام افراد القدم عن الحدوث ويدركوا بفهم الفهم تنزيه الصفة عن الفعل وقدس الذات عن الاوهام والاشارات والعبارات وضرب الامثال بحقيقة ذاته فانه قائم بنفسه ممتنع بذاته بالحقيقة عن درك الخليقة فكل مثل حقيقى يقع بالحقيقة فاذا تراه يقع على غير ذاته وصفاته فانه منزه عن ان يدخل جلاله تحت العبارات والاشارات او يباشر انوار ذاته وصفات لباس الحدوثية فالشاهدون يشهدون على انفسهم بالحقيقة وهو تعالى يعرف حقيقة ذاته والخلق صغر لون عن ادراك انوار صفاته وحقائق ذاته بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} لكن يجوز ضرب المثل فى طريق معرفته ومحبته والسير فى عالم ربوبيته وتسهيلا للسلوك وتيسيرا للعلم والادراك ومن لطيف الاشارات انه تعالى اعلم المحبين والعارفين الذين هم فى مقام مشاهدته بنعت الالتباس انهم اذا افترت اوقات حالاتهم وانصرم انوار وارداتهم وغابت انوار شهود الحق عنهم وبقوا فى محل الاشتياق اليه ان لا ينشؤا من انفسهم مخائيل الصورية والامثال الحدثية لما وجدوا منه ليتذكروا بها زمان الوصلة لئلا يقعوا فى محض التشبيه ويغلطوا ويعلموا مثل الحق من امثالهم كانه قا للا تضربوا لما تجدون الامثال فانكم لا تقدرون ذلك ولكن انا اضرب الامثال لما ترون منى بالحقيقة مثلا تدركوننى بلباسه وانا قادر بذلك ولستم بذلك قادرين قال والله يعلم وانتم لا تعلمون الا ترى الى قوله فى ضرب مثل الله نور السماوات والارض مثل نوره وقوله ويضرب الله الامثال للناس وقوله وله المثل الاعلى فى السماوات والاض اى اذا كان المثل الا على يجوز ان يضرب به كانه قال فلا تضربوا لله الامثال للتشبيه ولكن اضربوا الامثال للدلالة عليه والامثال تصوير ما فى الغائب معنويا ل صوريا قال ابن عطا لا تضربوا لله الامثال فى ذاته وماهيته لان الذات لا يمكن نعقله بحال وقال الواسطى الاشياء كلها اقل من الهباء فى الهواء كيف تظهر فى الذات قال الله فلا تضربوا لله الامثال فى ذاته وكيفيته لانه ليس كمثله شئ وامّا صفاته التى اظهرها للخلق كسوة لهم ابقاء وعزا وقال لا تضربوا لله الامثال فى صفاته وذاته لان الصمدية ممتنع عن الوقوف على ماهية ذاته وكيفية صفاته وقال انما ضرب الامثال واكثر فيها من المقال جذبا للسرائر وان تفنى عن حضورها فيما اسند اليها ثم ان الله سبحانه ضرب مثل عبدين المنفق والممسك بقوله {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ} ان العبد المملوك لنفسه اسيرا فى يدها عاجزا عن قهرها لا يقدر ان يميتها ويرضى بموتها صانعه ولا يقدر ايضا على ان يملك قلبه ويرى ما فيه من عجائب الذكر ولطائف الفكر وكيف ينفق وخزانته قلبه وهو لا يقدر على خزانته لان قلبه مسلوب النفس والشيطان والعبد الموفق الذى هو مرزوق رزق معرفة الله وحكمته والهامه ورشده وتوفيقه وارزاقا حسنة من مشاهدته وجماله فهو ينفق نفسه ووجوده وماله لله ولاوليائه وينفق لطائف حكمته على طلاب الله كيف هذان العبدان يستويان فى العبودية ومعرفة الربوبية فعند الجهال يستويان بل انهم يقبلون من يليق بمذهبهم من اهل الجهل والبخل والغباوة لذلك قال سبحانه {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} لا يعرفون العارف من الجاهل والصادق من المرائى حمد نفسه تعالى بان الجهال لا يعرفون مقادير اهل قربه ولو عرفوهم لشغلوهم عنه فاذا بقوا اهل الحق مع الحق بلا شغل ولا شاغل الا ترى الى قوله عليه السّلام ياتى على الناس زمان يكون المنكر معروفا والمعروف منكرا ومن اشارة اعتبار المثلين ينبغى ان العبد يكون مملوك الله طوعا ولا ينظر الى شئ من وجوده واعماله فانه مفلس عاجز عن القدرة بين يدى الله وهذا صفة اهل المعرفة قال بعضهم اخبر الله عن العبد وصفته فقال لا يقدر على شئ فمن رجع الى شئ من علمه وحاله وعمله فانه للمتبرى من العبودية وهو فى منازعة الربوبية والعبودية هو التجلى مما سوى معبوده يرى الاشياء به ويرى نفسه له.
اسماعيل حقي
تفسير : {والله} تعالى وحده {فضل بعضكم على بعض فى الرزق} اى جعلكم متفاوتين فيه فمنكم غنى ومنكم فقير ومنكم مالك ومنكم مملوك. والرزق ما يسوقه الله تعالى الى الحيوان من المطعومات والمشروبات. وفيه تنبيه على ان غنى المكثر ليس من كياسته ووفور عقله وكثرة سعيه ولا فقر المقل من بلادته ونقصان عقله وقلة سعيه بل من الله تعالى ليس الا شعر : كم عاقل عاقل اعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا تفسير : قال الحافظ شعر : سكندر را نمى بخشند آبى بزور وزر ميسر نيست اين كار تفسير : قال ابن الشيخ وهذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو واقع فى الذكاء والبلادة والرشد والدناءة الحسن والقباحة والصحة والسقامة وغير ذلك. شعر : كنج زر كرنبود كنج قناعت باقيست آنكه آن داد بشاهان بكدايان اين داد تفسير : وفى التأويلات النجمية فضل الله الارواح على القلوب فى رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد الى البقاء. وفضل القلوب على النفوس فى رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والايمان والتوكل والتسليم والرضى. وفضل النفوس على الابدان فى رزق التزكية ومقاساة شدائد المجاهدات والصبر على المصائب والبلايا وحمل اعباء الشريعة باشارات الطريقة وتبديل الاخلاق الذميمة بالحميدة وفضل ابدان المؤمنين على ابدان الكافرين فى رزق الاعمال التى هى اركان الشريعة وقراءة القرآن والذكر باللسان مشرفة باخلاص بالجنان {فما الذين فضلوا} اى فليس الموالى الذين فضلوا فى الرزق على المماليك {برادى رزقهم} اى بمعطى رزقهم الى الذى رزقهم اياه اصله رادين سقط النون للاضافة {على ما ملكت ايمانهم} على ممالكيهم الذين هم شركاؤهم فى المخلوقية والمرزوقية {فهم} اى الملاك والمماليك {فيه} فى الرزق {سواء} فى الفاء دلالة على ترتب التساوى على الرد اى لا يردون عليهم ردا مستتبعا للمساوى فى التصرف والتشارك فى التدبير وانما يردون عليهم منه شيأ يسيرا والحاصل انهم لا يجعلون ما رزقناهم من الاموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم بحيث لا يرضون بمساواة مماليكهم لانفسهم وهم امثالهم فى البشرية والمخلوقية فما بالهم كيف جعلوا مماليكه تعالى ومخلوقه شركاء له مع كمال علوه فأين التراب ورب الارباب. وهذا كما ترى مثل ضرب لكمال قباحة ما فعله المشركون تقريعا عليهم وكانوا يقولون فى التلبية لبيك لا شريك لك الا شريك هو لك {أفبنعمة الله يجحدون} الفاء للعطف على مقدر وهى داخلة فى المعنى على الفعل والجحود الانكار والباء لتضمينه معنى الكفر. والمعنى أبعد علمهم بان الرزاق هو الله تعالى يشركون به فيجحدون نعمته فان الاشراك يقتضى ان يضيفوا نعم الله الفائضة عليهم الى شركائهم وينكروا كونها من عند الله تعالى فالله تعالى يدعو عباده بهذه الآية الى التوحيد ونفى الشرك حتى يتخلصوا من الشرك والظلمات ويتشرفوا بالتوحيد الخالص والانوار العاليات. فعلى العبد الطاعة والسعى الى تحصيل الرضوان والعرفان وانما الرزق على المولى الكريم المنان. ومن الكلمات التى نقلها كعب الاحبار عن التوراة "حديث : يا بن آدم خلقتك لعبادتى فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفى اكثر منه لا تطمع ومن اقل منه لا تجزع فان انت رضيت بما قسمته لك ارحت قلبك وبدنك وكنت عندى محمودا وان كنت لم ترض به وعزتى وجلالى لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش فى البر ولا ينالك منها إلا ما قسمته لك وكنت عندى مذوما. يا ابن آدم خلقت لك السموات والارضين لم اعى بخلقهن أيعيينى رغيف اسوقه اليك من غير تعب. يا ابن آدم انا لك محب فبحبى عليك كن لى محبا. يا ابن آدم لا تطالبنى برزق غد كما لا اطالبك بعمل غد فانى لم انس من عصانى فكيف من اطاعنى"تفسير : واعلم ان عباد الله فى باب الرزق على وجوه منهم من جعل رزقه فى الطلب فمن جعل رزقه فى الطلب فعليه بكسب الحلال الطيب كعمل اليد مثلا. ومنهم من جعل رزقه فى القناعة وهى فى اللغة الرضى بالقسمة وفى اصطلاح اهل الحقيقة هى السكون عند عدم المألوفات. ومنهم من جعل رزقه فى التوكل وهو الثقة بما عند الله واليأس مما فى ايدى الناس. ومنهم من جعل رزقه فى المشاهدة والمجاهدة كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ابيت عند ربى يعطمنى ويسقينى"تفسير : وهو اشارة الى المشاهدة وقال "حديث : جعل رزقى تحت ظل رمحى"تفسير : وهو اشارة الى المجاهدة فعلى العاقل المجاهدة والعبادة لله تعالى خالصا لا لأجل تنعم النفس فى الجنة والخلاص من النار فانها معلولة والمعبود فى الحقيقة هو الثواب والعقاب ولذا قال فى المثنوى شعر : هشت جنت هفت دوزخ بيش من هست بيدا همجوبت بيش وثن
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق}، فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم ملوك مستغنون عن غيرهم، ومنكم مماليك محتاجون إلى غيرهم، {فما الذين فُضِّلوا}؛ وهم الموالي، أي: السادات، {برادِّي رِزقهم}: بمعطي رزقهم {على ما ملكتْ أيمانُهم}: على مماليكهم، أي: ليس الموالي بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها، شركة بينهم وبين مماليكهم، {فهُم} أي: المماليك {فيه سواءٌ} مع ساداتهم. وهو احتجاج على وحدانيته تعالى، وإنكارٌ ورد على المشركين، فكأنه يقول: أنتم لا تسَوّون بين أنفسكم وبين مماليككم في الزرق، ولا تجعلونهم شركاء لكم، بل تأنفون من ذلك، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي في ألوهيتي؟! وهذا كقوله: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [الرُّوم: 28]. ويحتمل أن يكون ذمًا وعتابًا لمن لا يحسن إلى مملوكه، حتى يرد ما رزقه الله عليه، كما في الحديث: "حديث : أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ". تفسير : {أفبنعمة الله يجحدون}، حيث يجعلون له شركاء، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنه من عند الله، أو حيث أنكروا هذه الحجج، بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها، أو حيث بخسوا مماليكهم مما يجب لهم من الإنفاق. على التفسير الثاني. الإشارة: والله فضَّل بعضكم على بعض في أرزاق العلوم، والأسرار والمواهب، فمنكم غني بالله، ومنكم فقير منه في قلبه، ومنكم عالم به ومنكم جاهل، ومنكم قوي اليقين ومنكم ضعيف، فما الذين فُضِّلوا بالعلوم اللدنية والأسرار الربانية برادِّي تلك العلوم على الجهلة وضعفاء اليقين، بأن يُطلعوهم على أسرار الربوبية قبل استحقاقها - فإن ذلك بخس بحقها - حتى يرونهم أهلاً لها؛ بأن يبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، ويملكون لهم رقابهم يتصرفون فيها تصرف المالك في مملوكه، فحينئذ يشاركونهم فيما منحهم الله من أرزاق العلوم وأسرار الفهوم، وقد قيل: لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: شعر : سأكْتُمُ عِلْمِي عَنْ ذَوِي الجَهْلِ طَاقَتِي ولا أنْثُرُ الدُرّ النَّفيس على البَهم فــــــإنْ قـــَدَّر اللهُ الكـــَريــمُ بِلُطْفِــهِ ولاقَيــتُ أهلاً للعُلُــوم وللحِكَــمْ بَذلْتُ عُلُومِــي واسـتَفَـدْتُ عُلومَهُــم وإِلاَّ فمخـــْزُونٌ لَــدَيّ ومُكْتَتــمْ فمَنْ مَنَحَ الجهّـالَ عِلْمـًا أَضَــاعَـــهُ مَنْ مَنَعَ المستوجِبين فَقَد ظَلَمَ تفسير : ثمَّ ذكرهم بالنعم التي لا قدرة لأحد عليها
الطوسي
تفسير : قرأ أبو بكر عن عاصم {تجحدون} بالتاء على معنى: قل لهم يا محمد أمن أجل ما انعم الله عليكم، أشرتم وبطرتم وجحدتم. وقرأ الباقون بالياء. وبّخهم الله تعالى على جحودهم نعمه، فيقول الله تعالى لخلقه، بأنه فضل بعضهم على بعض في الرزق، لانه خلق فيهم غنيّاً وفقيراً وقادراً وعاجزاً، وفضل بني آدم على سائر الحيوان في لذيذ المأكل، والمشرب، وجعل بعضهم مالكاً لبعض، وبعضهم رّقاً مملوكا. وقوله {فما الذين فضلوا برآدّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} قيل في معناه قولان: احدهما - انهم لا يشركون عبيدهم في اموالهم وازواجهم حتى يكونوا فيه سواء، لانهم لا يرضون بذلك لانفسهم، وهم يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني ويوجهون العبادة والقربات اليهم، مثل قربهم الى الله تعالى. ذكره ابن عباس وقتادة ومجاهد. الثاني - انهم سواء في أني رزقت الجميع، وأنه لا يمكن احد أن يرزق عبيده إِلا برزقي إِياه، أفبهذه النعم التي عددتها وذكرتها {يجحدون} هؤلاء الكفا ر.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} هذه الجملة وسابقتها ولاحقتها اظهار لنعمه تعالى تمهيداً لذمّ الاشراك والكفران والتّفضيل بجعل بعض غنيّاً وبعضٍ فقيراً وبعضٍ مالكاً لرزقه ورزق غيره، وبعضٍ مملوكاً هو ورزقه فى يد غيره {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ذكر اوّلاً نعمة التّفضيل فى الرّزق وانّ المنعم بها هو الله لا غير، ثمّ ذكر تمهيداً لابطال الشّركاء انّكم لا ترضون فيما فضّلكم الله بتسوية مماليككم المجازيّة لكم فكيف ترضون بتسوية مماليكه الحقيقيّة فيما يختصّ بذاته تعالى له فالمعنى انّ الله فضّل بعضكم على بعضٍ فى الرّزق فما الّذين فضّلوا براضين لردّ الرّزق عن انفسهم واعطائه لمماليكهم حتّى يكونوا مساوين فى رزقٍ هو لهم من غيرهم، او المقصود اظهار الانعام عليهم وعلى مماليكهم على السّواء وانّ المنعم من كما انعامه لا يفرّق بينهم وبين مماليكهم فالمعنى والله فضّل بعضكم على بعضٍ فى الرّزق وجعل رزق المماليك ايضاً بيده لا بيد المالكين، فما الّذين فضّلوا برادّى رزقهم على المماليك بل الله هو معطى ارزاق المماليك؛ وعلى الاوّل فمعنى قوله {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} لا يرضون ان يكونوا مع المماليك فى الرّزق سواء، وعلى الثّانى فمعناه انّ المالكين والمملوكين فى الارتزاق من الله سواء ولا فضيلة للمالكين على المملوكين فى اصل الرّزق بل رزق الكلّ بيده يجرى عليهم على السّواء، ويؤيّد هذا المعنى ما نقل انّ ابا ذرّ رحمه الله سمع النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : انّما هم اخوانكم فاكسوهم ممّا تكتسون، وأطعموهم ممّا تطعمون"تفسير : ، فما رأى عبده بعد ذلك الاّ ورداؤه رداءه وازراه ازاره من غير تفواتٍ فقوله {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} على هذا انكار لترك التّسوية بين الانفس والمماليك وتسوية له جحوداً، وعلى الاوّل انكار لجحود نعمة التّفضيل والغفلة عنها وجعل عبيده تعالى شركاء له ومتساوين معه تعالى فى الآلهة مع انّهم لا يرضون ذلك لانفسهم.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرِّزْقِ} وما ينتفع به من مأكول أو مشروب أو غيرهما فوسع على بعض وضيق على بعض ووسط لبعض وجعل أهل كل درجة متفاوتين ورزق بعضاً نوعاً من المال وبعضا نوعا آخر وبعضا كلا النوعين وجعل رزق بعض لذيذا شهيا ورزق بعضا خشنا ورزق بعضا متوسط وجعل بعضا يلى رزقه ورزق غيره كعياله ومماليكه وبعضا يلى رزقه فقط كما خالف بينكم فى الأَعمار والعلم والجهل والعقل والصحة والسقم والحسن والقبح، وزمان الإِيجاد وزمان الإِماتة وغير ذلك بمقتضى الحكمة {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا} وهم السادات فإِن السادات مع عبيدهم وإِمائهم بعض ما شمله قوله: والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق وما نافية والذين اسمها والباء فى قوله جل جلاله {برَادِّى رِزْقِهِمْ} صلة للتأكيد فى خبر ما. وهذا أولى من إِهمال ما، وكون الباء صلة فى خبر مبتدأ ورادى جمع مذكر سالم حذفت نونه للإِضافة والمفرد راد اسم فاعل {عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من عبيد وإِماء والمعنى ليس السادات يردون من أرزاقهم على مماليكهم إِذا أنفقوا عليهم بل ما ينفقون عليهم أرزاق لهم أجراها الله على أيدى ساداتهم {فَهُمْ} السادات والمماليك {فِيهِ} أى فى الرزق {سَوَاءٌ} مستوون فى أن لكل منهم رزقا مخصوصا هو به لا ينقص به ولا يزاد فيه سواء كان سيدا ومملوكا وإِن رازق كل هو الله، كذلك ظهر لى ثم ظهر لى أن القاضى ذكره والحمد لله تبعا للزمخشرى وجملة هم سواء من لوازم قوله فما الذين فضلوا برادى رزقهم على ما ملكت أيمانهم أو مقررة له كما قال القاضى والفاءان عاطفتان ويصح الاستئناف وقيل المعنى أن الله فضل بعضكم على بعض فى الرزق فلم تردوا رزقكم على مماليككم بإشراككم إِياهم فيه أو تمليككموهم إِياه ولم يرضوا بذلك حتى تكونوا أنتم وهم فيه سواء مشركة أو أملاك فكيف ترضون أن تجعلوا من هو مخلوق لله سبحانه ومملوك له شريكا له فى العبادة والأَنعام والحرث وهو الصنم فذلك كقوله تعالى {أية : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت} تفسير : إلخ وهو قول ابن عباس وجرى عليه الطبرى وعليه فالفاء عاطفة كما مر أو الاستئناف أو فيها معنى حتى الابتدائية أو معنى قولك ما كان كذا فضلا عن أن يكون كذا ومعنى فاء السببية الواقعة قبل المضارع فى جواب النفى ويجوز أن يكون المعنى أن الله فضل بعضكم على بعض فى الرزق فلم تعطوا منه مماليككم مثل ما تعطون لأَنفسكم فتستووا أنتم وهم فيه مع أنه ينبغى أن تفعلوا ذلك ولم تفعلوه قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إِخوانكم خولكم جعلهم الله قنية تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه ولا يكلفه ما يغلبه فإِن كلفه ما يغلبه فليعنه"تفسير : ، رواه أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه عن أبى ذر فما رأى أبو ذر بعد ذلك إلا رداء عبده كردائه وإِزاره كإِزاره من غير تفاوت والخول العبد مبتدأ وإِخوانكم خبر والقنية ما ملك ليمسك {أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ} أى يكفرون وإِنما عداه بالباء مع أنه متعد بنفسه لتضمنه معنى المتعدى وهو يكفر أى يكفرون نعمة الله باتخاذ الشركاء فى العبادة وإِثبات النصب لهم من حرث وإِنعام أو باعتقاد أن ذلك من شركائهم التى يعبدون لا من عند الله أو بالإِعراض عن هذه الحجج وتركها بعد ما أنعم الله بها عليهم بإِيضاحها إِرشاداً لهم إِلى مصالحهم الدينية والدنيوية وقرأ أبو بكر يجحدون بالمثناة فعلق للخطاب فى قوله سبحانه {والله فضل بعضكم على بعض}.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرِّزْقِ} غنى وأغنى وفقير وأفقر بمحض تفصيل الله، فكم من عاقل محتال قوى، يكون فقيراً، وقليل العقل عاجز يكون غنيًا. شعر : ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق تفسير : وكذلك فضل بعضًا على بعض فى نحو الذكاء والبلادة، والحسن والقبح، والصحة والسقم، قال الله عز وجل: "أية : نحن قسمنا بينهم معيشتهم"تفسير : [الزخرف: 32] إلخ منهم رازق نفسه، ومن تحت يده، ومرزوق ممن فوقه من أب وسيد، وكم مملوك يرأس على مماليك تحته. {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا} فى الرزق. {بِرَادِّى} معطى {رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} بل الله يعطى المماليك على أيدى ساداتهم، ولو جاز يقال رزق السيد مملوكه، بمعنى أنفق عليه كما قال الله عز وجل: "أية : فارزقوهم منه" تفسير : [النساء: 8] وزعم بعض أن الله عز وجل عابهم بأنهم ما ردوا مما فى أيديهم على ما ملكت أيمانهم حتى يستووا، سمع أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون"تفسير : فما رأى عبيده إِلا رداءه رداءه، وإِزاره إزاره. {فَهُمْ} أَى المفضلون وما ملكت أيمانهم {فِيهِ} فى الرزق {سَوَاءٌ} فى أن رازقهم الله عز وجل لا غيره، والجملة لازمة ومؤكدة لقوله: فما الذين الخ، ورد على المشركين فى قولهم: إنهم الرازقون تحقيقًا لمن تحتهم وإذا لم ترضوا بشركة مماليككم لكم فكيف رضيتم لله بمشاركة ما هو له فى العبادة، وما تأكل مماليككم أرزاقكم، بل أرزاق أنفسهم. {أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ} يعدلون عن الحق ويجحدون بنعمة الله، أو أيشركون به تعالى، ويجحدون، أو أيعجبون ويمنون على من تحت أيديهم فيجحدون بنعمة الله، أو لا يفهمون فيجحدون عداه بالباء لضمينه معنى يكفرون، وأخره على طريق الاهتمام والفاصلة، أو هى خلة، ومعنى جحودهم النعمة أنهم يدعون لله شركاء، وللشركاء بعض النعم، فنفوا ذلك البعض عن الله عز وجل، ويضيفونه للشركاء، وأيضًا أنكروا هذه الحجج، ولم يقروا أنها دالة على وحدة الله عز وجل، ولا أنها نعمة.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرّزْقِ} أي جعلكم متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضل مما أعطى مماليككم {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضّلُواْ} فيه على غيرهم وهم الملاك {بِرَآدّى} أي بمعطي {رِزْقِهِمْ} الذي رزقهم إياه {عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية والمرزوقية {فَهُمُ} أي الملاك الذين فضلوا والمماليك {فِيهِ} أي في الرزق {سَوَآء} لا تفاضل بينهم، والجملة الاسمية واقعة موقع فعل منصوب في جواب النفي أي لا يردونه عليهم فيستووا فيه ويشتركوا، وجوز أن تكون في تأويل فعل مرفوع معطوف على قوله تعالى: {بِرَآدّى} أي لا يردونه عليهم فلا يستوون، والمراد بذلك توبيخ الذين يشركون به سبحانه بعض مخلوقاته وتقريعهم والتنبيه على كمال قبح فعلهم كأنه قيل: إنكم لا ترضون بشركة عبيدكم لكم بشيء لا يختص بكم بل يعمكم وإياهم من الرزق الذي هم أسوة لكم في استحقاقه وهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله عز سلطانه فما بالكم تشركون به سبحانه وتعالى فيما لا يليق إلا به جل وعلا من الألوهية/ والمعبودية الخاصة بذاته تعالى لذاته بعض مخلوقاته الذي هو بمعزل عن درجة الاعتبار، وهو على ما صرح به جماعة على شاكلة قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } تفسير : [الروم: 28] يعنون بذلك أنه مثل ضرب لكمال قباحة ما فعلوه. وفي قوله تعالى: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} قرينة ـ كما قيل ـ على ذلك، وكذا في قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [النحل: 74] والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في الحقيقة على الفعل أعني {يَجْحَدُونَ } ولتضمن الجحود معنى الكفر جىء بالباء في معموله المقدم عليه للاهتمام أو لإيهام الاختصاص مبالغة أو لرعاية رؤوس الآي، والمراد بالنعمة قيل الرزق وقيل ولعله الأولى: ما يشمله وغيره من النعم الفائضة عليهم منه سبحانه أي يشركون به تعالى فيجحدون نعمته تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من الإشراك فإن ذلك يقتضي أن يضيفوا ما أفيض عليهم من الله تعالى من النعم إلى شركائهم ويجحدوا كونها من عنده جل وعلا، وجوز كون المراد بنعمة الله تعالى ما أنعم سبحانه به من إقامة الحجج وإيضاح السبل وإرسال الرسل عليهم السلام ولا نعمة أجل من ذلك، فمعنى جحودهم ذلك إنكاره وعدم الالتفات إليه، وصيغة الغيبة لرعاية «فما الذين» وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عبد الرحمن والأعرج بخلاف عنه «تجحدون» بالتاء على الخطاب رعاية لبعضكم، هذا وجوز أن يكون معنى الآية أن الله تعالى فضل بعضاً على بعض في الرزق وأن المفضلين لا يردون من رزقهم على من دونهم شيئاً وإنما أنا رازقهم فالمالك والمملوك في أصل الرزق سواء وإن تفاوتا كماً وكيفاً، والمراد النهي عن الإعجاب والمن اللذين هما مقدمتا الكفران. والعطف على مقدر أيضاً أي أيعجبون ويمنون فيجحدون نعمة الله تعالى عليهم، وقيل: التقدير ألا يفهمون فيجحدون؛ واختار في «الكشاف» أن المعنى أنه سبحانه جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم وكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تساووا في الملبس والمطعم كما يحكى عن أبـي ذر رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون»تفسير : فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت، وحاصله أن الله تعالى فضلكم على أمثالكم فكان عليكم أن تردوا من ذلك الفضل عليهم شكراً لنعمته تعالى لتكونوا سواء في ذلك الفضل ويبقى لكم فضل الإفضال والتفضل. فالآية حث على حسن الملكة وأدمج أنهم وعبيدهم مربوبون بنعمته تعالى ذلك مع تقلبهم فيها ليكون تمهيداً لكفرانهم نعمه سبحانه السوابغ إلى أن جعلوا له عز وجل أنداداً لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً فعبدوها عبادته تعالى أو أشد وأسد، وفي ذلك من البعد ما فيه، والعطف فيه على مقدر أيضاً كألا يعرفون ذلك فيجحدون.
ابن عاشور
تفسير : هذا من الاستدلال على أن التّصرف القاهر لله تعالى. وذلك أنه أعقب الاستدلال بالإحياء والإماتة وما بينهما من هرم بالاستدلال بالرّزق. ولما كان الرّزق حاصلاً لكل موجود بُني الاستدلال على التّفاوت فيه بخلاف الاستدلال بقوله تعالى: {أية : والله خلقكم ثم يتوفاكم} تفسير : [سورة النحل: 70]. ووجه الاستدلال به على التصرّف القاهر أن الرزق حاصل لِجميع الخلق وأن تفاضل الناس فيه غير جار على رغباتهم ولا على استحقاقهم؛ فقد تجد أكيس الناس وأجودهم عقلاً وفهماً مقتّراً عليه في الرزق، وبضدّه ترى أجهل الناس وأقلّهم تدبيراً موسّعاً عليه في الرزق، وكلا الرجلين قد حصل له ما حصل قهراً عليه، فالمقتّر عليه لا يدري أسباب التّقتير، والموسّع عليه لا يدري أسباب تيسير رزقه، ذلك لأن الأسباب كثيرة متوالدة ومتسلسلة ومتوغّلة في الخفاء حتى يُظن أن أسباب الأمرين مفقودة وما هي بمفقودة ولكنها غير محاط بها. ومما ينسب إلى الشافعي:شعر : ومن الدّليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق تفسير : ولذلك أسند التفضيل في الرزق إلى الله تعالى لأن أسبابه خارجة عن إحاطة عقول البشر، والحكيم لا يستفزّه ذلك بعكس قول ابن الراوندي:شعر : كم عاقل عاقل أعيَت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصيّر العالم النّحرير زنديقا تفسير : وهذا الحكم دلّ على ضعف قائله في حقيقة العلم فكيف بالنّحريرية. وتفيد وراء الاستدلال معنى الامتنان لاقتضائها حصول الرزق للجميع. فجملة {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} مقدمة للدّليل ومنّة من المنن لأن التفضيل في الرزق يقتضي الإنعام بأصل الرزق. وليست الجملة مناط الاستدلال، إنما الاستدلال في التمثيل من قوله تعالى: {فما الذين فضلوا برادي رزقهم} الآية. والقول في جعل المسند إليه اسم الجلالة وبناء المسند الفعلي عليه كالقول في قوله تعالى: {أية : والله خلقكم ثم يتوفاكم} تفسير : [سورة النحل: 70]. والمعنى: الله لا غيره رزقكم جميعاً وفضّل بعضكم على بعض في الرزق ولا يسعكم إلا الإقرار بذلك له. وقد تمّ الاستدلال عند قوله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} بطريقة الإيجاز، كما قيل: لمحة دالة. وفرع على هذه الجملة تفريع بالفاء على وجه الإدماج قولُه تعالى: {فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء}. وهو إدماج جاء على وجه التمثيل لتبيان ضلال أهل الشرك حين سَوّوا بعض المخلوقات بالخالق فأشركوها في الإلهية فساداً في تفكيرهم. وذلك مثل ما كانوا يقولون في تلبية الحجّ (لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك). فمثل بطلان عقيدة الإشراك بالله بعضَ مخلوقاته بحالة أهل النّعمة المرزوقين، لأنهم لا يرضون أن يُشركوا عبيدهم معهم في فضل رزقهم فكيف يسوّون بالله عبيده في صفته العظمى وهي الإلهيّة. ورشاقة هذا الاستدلال أن الحالتين المشبّهتين والمشبّه بهما حالتا مولى وعبد، كما قال تعالى: {أية : ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} تفسير : [سورة الروم: 28]. والغرض من التمثيل تشنيع مقالتهم واستحالة صدقها بحسب العرف، ثم زيادة التشنيع بأنهم رضوا لله ما يرضونه لأنفسهم، كقوله تعالى: {أية : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} تفسير : [سورة النحل: 57] إلى قوله: {أية : ولله المثل الأعلى } تفسير : [سورة النحل: 60]. وقرينة التمثيل والمقصد منه دلالة المقام. وقوله تعالى: {فما الذين فضلوا} نفيٌ. و (ما) نافية، والباء في {برادي رزقهم} الباءُ التي تزاد في خبر النفي بــــ (ما) و (ليس). والرادّ: المعطي. كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : والخُمُس مردود عليكم»تفسير : ، أي فما هم بمعطين رزقهم لعبيدهم إعطاء مشاطرة بحيث يسوّونهم بهم، أي فما ذلك بواقع. وإسناد الملك إلى اليمين مجاز عقلي، لأن اليمين سبب وَهمِي للمِلك، لأن سبب الملك إما أسر وهو أثر للقتال بالسيف الذي تمسكه اليد اليمنى، وإما شراء ودفع الثمن يكون باليد اليمنى عرفاً، فهي سبب وهَمي ناشىء عن العادة. وفرعت جملة {فهم فيه سواء} على جملة {فما الذين فضلوا برادي رزقهم}، أي لا يشاطرون عبيدهم رزقهم فيستووا فيه، أي لا يقع ذلك فيقع هذا. فموقع هذه الجملة الإسميّة شبيه بموقع الفعل بعد فاء السببية في جواب النفي. وأما جملة {أفبنعمة الله يجحدون} فصالحة لأن تكون مفرّعة على جملة {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} باعتبار ما تضمّنته من الامتنان، أي تفضّل الله عليكم جميعاً بالرزق أفبنعمة الله تجحدون، استفهاماً مستعملاً في التوبيخ، حيث أشركوا مع الذي أنعم عليهم آلهة لا حظّ لها في الإنعام عليهم. وذلك جحود النعمة كقوله تعالى: {أية : إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له} تفسير : [سورة العنكبوت: 17]. وتكون جملة {فما الذين فضلوا} إلى قوله تعالى: {فهم فيه سواء} معترضة بين الجملتين. وعلى هذا الوجه يكون في {يجحدون} على قراءة الجمهور بالتحتية التفات من الخطاب إلى الغيبة. ونكتته أنهم لما كان المقصود من الاستدلال المشركين فكانوا موضع التوبيخ ناسب أن يعرض عن خطابهم وينالهم المقصود من التوبيخ بالتعريض كقول:شعر : أبى لك كسب الحمد رأي مقصّر ونفس أضاق الله بالخير باعها إذا هي حثّته على الخير مرّة عصاها وإن همّت بشر أطاعها تفسير : ثم صرّح بما وقع التعريض به بقوله: {أفبنعمة الله يجحدون}. وقرأ أبو بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب {تجحدون} بالمثناة الفوقية على مقتضى الظاهر ويكون الاستفهام مستعملاً في التحذير. وتصلح جملة {أفبنعمة الله يجحدون} أن تكون مفرّعة على جملة {فما الذين فضلوا برادي رزقهم}، فيكون التوبيخ متوجّهاً إلى فريق من المشركين وهم الذين فضلوا بالرزق وهم أولو السّعة منهم وسادتهم وقد كانوا أشدّ كفراً بالدين وتألّباً على المسلمين، أي أيجحد الذين فضلوا بنعمة الله إذْ أفاض عليهم النّعمة فيكونوا أشد إشراكاً به، كقوله تعالى: {أية : وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهّلهم قليلا} تفسير : [سورة المزمل: 11]. وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى: {يجحدون} في قراءة الجمهور بالتحتية جارياً على مقتضى الظاهر. وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالمثناة الفوقية التفاتاً من الغيبة إلى خطابهم إقبالاً عليهم بالخطاب لإدخال الروع في نفوسهم. وقد عُدّي فعل {يجحدون} بالباء لتضمّنه معنى يكفرون، وتكون الباء لتوكيد تعلّق الفعل بالمفعول مثل {أية : وامسحوا برؤوسكم } تفسير : [سورة المائدة: 6]. وتقديم بنعمة الله على متعلّقه وهو {يجحدون} للرعاية على الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : أظهر التفسيرات في هذه الآية الكريمة: أن الله ضرب فيها مثلاً للكفار، بأنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، ومن ذلك تفضيله المالكين على المملوكين في الرزق، وأن المالكين لا يرضون لأنفسهم أن يكون المملوكون شركاءهم فيما رزقهم الله من الأموال والنساء وجميع نعم الله. ومع هذا يجعلون الأصنام شركاء لله في حقه على خلقه، الذي هو إخلاص العبادة له وحده، أي إذا كنتم لا ترضون بإشراك عبيدكم معكم في أموالكم ونسائكم - فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني!. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [الروم: 28] الآية. ويؤيده أن "ما" في وقوله {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} نافيه. أي ليسوا برادي رزقهم عليهم حتى يسووهم مع أنفسهم اهـ. فإذا كانوا يكرهون هذا لأنفسهم - فكيف يشركون الأوثان مع الله في عبادته! مع اعترافهم بأنها ملكه، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وهذا الآية الكريمة نص صريح في إبطال مذهب الاشتراكية القائل: بأنه لا يكون أحد أفضل من أحد في الرزق، ولله في تفضيل بعضهم على بعض في الرزق حكمة. قال تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً}تفسير : [الزخرف: 32] الآية، وقال: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26]، وقال: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ}تفسير : [البقرة: 236] إلى غير ذلك من الآيات. وفي معنى هذا الآية الكريمة قولان آخران: أحدهما - أن معناها أنه جعلكم متفاوتين في الرزق. فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهو بشر مثلكم وإخوانكم. فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تساووا في الملبس والمطعم. كما حديث : ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر مالكي العبيد "أن يطعموهم مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون"تفسير : . وعلى هذا القول فقوله تعالى: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} لوم لهم، وتقريع على ذلك. القول الثاني - أن معنى الآية - أنه جلَّ وعلا هو رازق المالكين والمملوكين جميعاً. فهم في رزقه سواء، فلا يحسبن المالكون أنهم يريدون على مما ليكهم شيئاً من الرزق، فإنما ذلك رزق الله يجريه لهم على أيديهم. والقول الأول هو الأظهر وعليه جمهور العلماء، ويدل له القرآن كما بينا. والعلم عند الله تعالى. وقوله {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُون} إنكار من الله عليهم جحودهم بنعمته. لأن الكافر يستعمل نعم الله في معصية الله، فيستعين بكل ما أنعم به عليه على معصيته، فإنه يرزقهم ويعافيهم، وهم يعبدون غيره. وجحد: تتعدى بالباء في اللغة العربية. كقوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا}تفسير : [النمل: 14] الآية، وقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأعراف: 51] والجحود بالنعمة هو كفرانها.
الواحدي
تفسير : {والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق} حيث جعل بعضكم يملك العبيد، وبعضكم مملوكاً {فما الذين فضلوا} وهم المالكون {برادي رزقهم} بجاعلي رزقهم لعبيدهم، حتى يكونوا عبيدهم معهم {فيه سواء} وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمشركين في تصييرهم عباد الله شركاء له، فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؟ {أفبنعمة الله يجحدون} حيث يتَّخذون معه شركاء. {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} يعني: النِّساء {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} يعني: ولد الولد {ورزقكم من الطيبات} من أنواع الثِّمار والحبوب والحيوان {أفبالباطل يؤمنون} يعني: الأصنام، {وبنعمة الله هم يكفرون} يعني: التَّوحيد. {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات} يعني: الغيث الذين يأتي من جهتها {والأرض} يعني: النَّبات والثِّمار {شيئاً} أَيْ: قليلاً ولا كثيراً {ولا يستطيعون} لا يقدرون على شيء. {فلا تضربوا لله الأمثال} لا تشبِّهوه بخلقه، وذلك أنَّ ضرب المثل إنَّما هو تشبيه ذاتٍ بذاتٍ، أو وصفٍ بوصفٍ، والله تعالى منزَّه عن ذلك {إنَّ الله يعلم} ما يكون قبل أن يكون {وأنتم لا تعلمون} قدر عظمته حيث أشركتم به. {ضرب الله مثلاً} بيَّن شبهاً فيه بيانٌ للمقصود، ثمَّ ذكر ذلك فقال: {عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء} لأنَّه عاجرٌ مملوكٌ لا يملك شيئاً، وهذا مثَلٌ ضربه الله لنفسه ولمَنْ عُبِدَ دونه. يقول: العاجز الذي لا يقدر أن ينفق، والمالك المقتدر على الإِنفاق لا يستويان، فكيف يُسوَّى بين الحجارة التي لا تتحرَّك، وبين الله الذي هو على كلِّ شيء قدير، وهو رازقُ جميع خلقه، ثمَّ بيَّن أنَّه المستحقُّ للحمد دون ما يعبدون من دونه فقال: {الحمد لله} لأنَّه المنعم {بل أكثرهم لا يعلمون} يقول: هؤلاء المشركون لا يعلمون أنَّ الحمد لي؛ لأنَّ جميع النِّعم مني، والمراد بالأكثر ها هنا الجميع، ثمَّ ضرب مثلاً للمؤمن والكافر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فضل بعضكم على بعض في الرزق: أي فمنكم الغني ومنكم الفقير، ومنكم المالك ومنكم المملوك. برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم: أي بجاعلي ما رزقناهم شركة بينهم وبين مماليكهم من العبيد. والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً: إذ حواء خلقت من آدم وسائر النساء من نطف الرجال. وحفدة: أي خدماً من زوجه وولد وولد ولد وخادم وختن. أفبالباطل يؤمنون: أي بعبادة الأصنام يؤمنون. رزقاً من السماوات والأرض: أي بإنزال المطر من السماء، وإنبات النبات من الأرض. معنى الآيات: ما زال السياق العظيم في تقرير التوحيد وإبطال التنديد. فقوله تعالى: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} فمنكم من أغناه ومنكم من أفقره أيها الناس، وقد يكون لأحدكم أيها الأغنياء عبيد مملوكين له، لم لا يرضى أن يشرك عبيده في أمواله حتى يكونوا فيها سواء لا فضل لأحدهما على الآخر؟ والجواب أنكم تقولون في استنكار عجيب كيف أُسوِّي مملوكي في رزقي فأصبح وإياه سواء؟ هذا لا يعقل أبداً! إذاً كيف جوزتم إشراك آلهتكم في عبادة ربكم وهي مملوكة له تعالى إذ هو خالقها وخالقكم ومالك جميعكم؟ فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون؟ وقوله تعالى: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}؟ حقاً إنهم جحدوا نعمة العقل أولاً فلم يعترفوا بها فلذا لم يفكروا بعقولهم، ثم جحدوا نعمة الله عليهم في خلقهم ورزقهم فلم يعبدوه بذكره وشكره وعبدوا غيره من أصنام وأوثان لا تملك ولا تضر ولا تنفع. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [71] أما الآية الثانية فيقول تعالى فيها مقرراً إنعامه تعالى على المشركين بعد توبيخهم على إهمال عقولهم في الآية الأولى وكفرهم بنعم ربهم فيقول: {وَٱللَّهُ} أي وحده {جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي بشريَّات من جنسكم تسكنون إليهن وتتفاهمون معهن وتتعاونون بحكم الجنسية الآدمية وهي نعمة عظمى، وجعل لكم من أولئك الأزواج بنين بطريق التناسل والولادة وحفدة أيضاً والمراد من الحفدة كل من يحفد أي يسرع في خدمتك وقضاء حاجتك من زوجتك وولدك وولد ولدك وختنك أي صهرك، وخادمك إذ الكل يحفدون لك أي يسارعون في خدمتك بتسخير الله تعالى لك، وثالثاً {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي حلال الطعام والشراب على اختلافه وتنوع مذاقه وطعمه ولذته. هذا هو الله الذي تُدعون إلى عبادته وحده فتكفرون فأصبحتم بذلك تؤمنون بالباطل وهي الأصنام وعبادتها، وتكفرون بالمنعم ونعمه ولذا استحقوا التوبيخ والتقريع فقال تعالى: {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}؟ إذ عدم عبادتهم للمنعم عز وجل هو عين كفرانهم بنعمة الله تعالى. وقوله {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي أصناماً لا تملك لهم {رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} بإنزال المطر، {وَٱلأَرْضِ} بإنبات الزروع والثمار شيئاً ولو قَلَّ ولا يستطيعون شيئاً من ذلك لعجزهم القائم بهم لأنهم تماثيل منحوتة من حجر أو خشب وفي هذا من التنبيه لهم على خطأهم ما لا يقادر قدره. وقوله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي ينهاهم تعالى عن ضرب الأمثال لله باتخاذ الأصنام آلهة بإطلاق لفظ إله عليها، والله لا مثل له، وباعتقاد أنها شافعة لهم عند الله وأنها تقربهم إليه تعالى، وأنها واسطة بمثابة الوزير للأمير إلى غير ذلك، فنهاهم عن ضرب هذه الأمثال لله تعالى لأنه عز وجل يعلم أن لا مثل له ولا مثال، بل هو الذي لا إله إلا هو تعالى عن الشبيه والمثيل والنظير، وهم لا يعلمون فلذا هم متحيرون متخبطون في ظلمات الشرك وأودية الضلال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قطع دابر الشرك في المثل الذي حوته الآية الأولى: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ}. 2- وجوب شكر الله تعالى على نعمه وذلك بذكره وشكره وإخلاص ذلك له. 3- قبح كفر النعم وتجاهل المنعم بترك شكره عليها. 4- التنديد بمن يضربون لله الأمثال وهم لا يعلمون باتخاذ وسائط له تشبيهاً لله تعالى بعباده فهم يتوسطون بالأولياء والأنبياء بدعائهم والاستغاثة بهم بوصفهم مقربين إلى الله تعالى يستجيب لهم، ولا يستجيب لغيرهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَيْمَانُهُمْ} (71) - وَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ النَّاسَ مُتَفَاوِتِينَ فِي الرِّزْقِ، فَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ فَضَّلَهُمُ اللهُ بِالرِّزْقِ الوَفِيرِ لِيَقْبَلُوا فِي إِشْرَاكِ مَمَالِيكِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَهُمْ بَشَرٌُ مِثْلُهُمْ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا فَضلَ عَنْهُمْ مِنَ الرِّزْقِ عَلَى عَبِيدِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَيَتَسَاوَوا هُمْ وَإِيَّاهُمْ فِي المَلْبَسِ وَالمَطْعَمِ وَالمَسْكَنِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا بِهَذِهِ المُسَاوَاةِ، مَعْ أَنَّهُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ. فَكَيْفَ يَرْضَوْنَ للهِ مَا لاَ يَرْضَوْنَ لأَِنْفُسِهِمْ؟ وَكَيْفَ يُشْرِكُونَ عَبِيدَ اللهِ مَعَهُ فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ؟ وَكَيْفَ يَجْحَدُ هؤلاءِ بِنِعْمَةِ اللهِ، وَيُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ - أَفَهُمْ فِي الرِّزْقِ مُسْتَوُونَ؟ لاَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لو نظرنا إلى الكون من حولنا لوجدنا أننا لا نتساوى إلا في شيء واحد فقط، هو أننا عبيدٌ لله .. نحن سواسية في هذه فقط، وما دون ذلك فنحن مختلفون فيه، تختلف ألواننا، تختلف أجسامنا .. صورنا .. مواهبنا .. أرزاقنا. والعجيب أن هذا الاختلاف هو عَيْنُ الاتفاق؛ ذلك لأن الاختلاف قد ينشأ عنه الاتفاق، والاتفاق قد ينشأ عنه الاختلاف. مثلاً: إذا دخلتَ أنت وصديقك أحد المطاعم وطلبتما دجاجة .. أنت بطبيعتك تحب صدر الدجاجة وصديقك يحب جزءاً آخر منها .. هذا خلاف .. فساعة أن يأتي الطعام تجد هذا الخلاف هو عين الوفاق حيث تأخذ أنت ما تحب، وهو كذلك .. هذا خلاف أدى إلى وفاق .. فلو فرضنا أن كلانا يحب الصدر مثلاً .. هذا وفاق قد يؤدي إلى خلاف إذا ما حضر الطعام وجلسنا: أيُّنا يأخذ الصدر؟! فالحق سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين في أشياء، وأراد أن يكون هذا الاختلاف تكاملاً فيما بيننا .. فكيف يكون التكامل إذن؟ هل نتصور مثلاً أن يُوجَد إنسان مجمعاً للمواهب، بحيث إذا أراد بناء بيت مثلاً كان هو المهندس الذي يرسم، والبنَّاء الذي يبني، والعامل الذي يحمل، والنجار والحداد والسباك .. الخ. هل نتصور أن يكون إنسان هكذا؟ .. لا .. ولكن الخالق سبحانه نثَر هذه المواهب بين الناس نَثْراً لكي يظل كل منهم محتاجاً إلى غيره فيما ليس عنده من مواهب، وبهذا يتم التكامل في الكون. إذن: الخلاف بيننا هو عَيْن الوفاق، وهو آية من آياته سبحانه وحكمة أرادها الخالق جَلَّ وعَلا، فقال: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} تفسير : [هود: 118]. فقد خلقنا هكذا. وإلا فلو اتحدنا واتفقنا في المواهب، فهل يعقل أن نكون جميعاً فلاسفة، أطباء، علماء، فمَنْ يبني؟ ومَنْ يزرع؟ ومَنْ يصنع؟ .. الخ. إذن: من رحمة الله أنْ جعلنا مختلفين متكاملين. فالحق سبحانه يقول: {فِي ٱلْرِّزْقِ ..} [النحل: 71]. ينظر الناس إلى الرزق من ناحية واحدة، فهو عندهم المال، فهذا غنيّ وهذا فقير .. والحقيقة أن الرزق ليس المال فقط، بل كُلّ شيء تنتفع به فهو رِزْقك .. فهذا رِزْقه عقله، وهذا رِزْقه قوته العضلية .. هذا يفكر وهذا يعمل. إذن: يجب ألاَّ ننظر إلى الرزق على أنه لَوْن واحد، بل ننظر إلى كل ما خلق الله لخَلْقه من مواهب مختلفة: صحة، قدرة، ذكاء، حِلْم، شجاعة .. كل هذا من الرزق الذي يحدث فيه التفاضل بين الناس. والحق سبحانه وتعالى حينما تعرَّض لقضية الرزق جعل التفاضل هنا مُبْهماً، ولم تحدد الآية مَنِ الفاضل ومَنِ المفضول، فكلمة - بَعْضٍ - مُبْهمة لنفهم منها أن كل بعض من الأبعاض فاضل في ناحية، ومفضول في ناحية أخرى .. فالقوي فاضل على الضعيف بقوته، وهو أيضاً مفضول، فربما كان الضعيف فاضلاً بما لديه من علم أو حكمة .. وهكذا. إذن: فكلُّ واحد من خَلْق الله رَزَقه الله موهبة، هذه الموهبة لا تتكرر في الناس حتى يتكامل الخَلْق ولا يتكررون .. وإذا وجدت موهبة في واحد وكانت مفقودة في الآخر فالمصلحة تقتضي أن يرتبط الطرفان، لا ارتباط تفضُّل، وإنما ارتباط حاجة .. كيف؟ القويُّ يعمل للضعيف الذي لا قوةَ له يعمل بها، فهو إذن فاضل في قوته، والضعيف فاضل بما يعطيه للقوي من مال وأجر يحتاجه القوي ليقُوتَ نفسه وعياله، فلم يشأ الحق سبحانه أنْ يجعلَ الأمر تفضُّلاً من أحدهما على الآخر، وإنما جعله تبادلاً مرتبطاً بالحاجة التي يستبقي بها الإنسان حياته. وهكذا يأتي هذا الأمر ضرورة، وليس تفضَّلاً من أحد على أحد؛ لأن التفضُّل غير مُلْزَم به - فليس كل واحد قادراً على أن يعطي دون مقابل، أو يعمل دون أجر .. إنما الحاجة هي التي تحكم هذه القضية. إذن: ما الذي ربط المجتمع؟ هي الحاجة لا التفضُّل، وما دام العالم سيرتبط بالحاجة، فكل إنسان يرى نفسه فاضلاً في ناحية لا يغترّ بفاضليته، بل ينظر إلى فاضلية الآخرين عليه؛ وبذلك تندكُّ سِمَة الكبرياء في الناس، فكلٌّ منهما يُكمل الآخر. وقد ضربنا لذلك مثلاً بالباشا الغني صاحب العظمة والجاه .. والذي قد تُلْجِئه الظروف وتُحوجه لعامل بسيط يُصلح له عُطْلاً في مرافق بيته، وربما لم يجده أو وجده مشغولاً، فيظل هذا الباشا العظيم نَكِداً مُؤرّقاً حتى يُسعفه هذا العامل البسيط، ويقضي له ما يحتاج إليه. هكذا احتاج صاحب الغنى والجاه إلى إنسان ليس له من مواهب الحياة إلا أنْ يقضي مثل هذه المهام البسيطة في المنزل .. وهو في نفس الوقت فاضل على الباشا في هذا الشيء. فالجميع - إذن - في الكون سواسية، ليس فينا مَنْ بينه وبين الله سبحانه نسب أو قرابة فيجامله .. كلنا عبيد لله، وقد نثر الله المواهبَ في الناس جميعاً ليتكاملوا فيما بينهم، وليظل كُلٌّ منهم محتاجاً إلى الآخر، وبهذا يتم الترابط في المجتمع. وقد عُرِضَتْ هذه القضية في آية أخرى في قوله تعالى: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32]. البعض يفهم أن الفقير مُسخّر للغنيّ، لكن الحقيقة أن كلاً منهما مُسخَّر للآخر .. فالفقير مُسخّر للغني حينما يعمل له العمل، والغني مُسخّر للفقير حينما يعطي له أجره .. ولذلك فالشاعر العربي يقول: شعر : النَّاسُ لِلْناسِ مِنْ بَدْوٍ وحاضرة بَعْضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ تفسير : ونضرب هنا مثلاً بأخسِّ الحرف في عُرْف الناس - وإنْ كانت الحِرف كلها شريفة، وليس فيها خِسَّة طالما يقوت الإنسان منها نفسه وعياله من الحلال .. فالخِسَّة في العاطل الأخرق الذي يُتقِن عملاً. هذا العامل البسيط ماسح الأحذية ينظر إليه الناس على أنهم أفضل منه، وأنه أقل منهم، ولو نظروا إلى علبة الورنيش التي يستخدمها لوجدوا كثيرين من العمال والعلماء والمهندسين والأغنياء يعملون له هذه العلبة، وهو فاضل عليهم جميعاً حينما يشتري علبة الورنيش هذه .. لكن الناس لا ينظرون إلى تسخير كل هؤلاء لهذا العامل البسيط. فقوله تعالى: {أية : لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ..} تفسير : [الزخرف: 32]. مَنْ مِنّا يُسخّر الآخر؟! كُلٌّ منا مُسخَّر للآخر، أنت مُسخَّر لي فيما تتقنه، وأنا مُسخَّر لك فيما أتقنه .. هذه حكمة الله في خَلْقه ليتم التوازن والتكامل بين أفراد المجتمع. وربُّنا سبحانه وتعالى لم يجعل هذه المهن طبيعية فينا .. يعني هذا لكذا وهذا لكذا .. لا .. الذي يرضى بقدر الله فيما يُناسبه من عمل مهما كان حقيراً في نظر الناس، ثم يُتقن هذا العمل ويجتهد فيه ويبذل فيه وُسْعه يقول له الحق سبحانه: ما دُمْتَ رضيتَ بقدري في هذا العمل لأرفعنّك به رِفْعة يتعجَّب لها الخَلْق .. وفعلاً تراهم ينظرون إلى أحدهم ويشيرون إليه: كان شيالاً .. كان أجيراً .. نعم كان .. لكنه رَضِي بما قسم الله وأتقن وأجاد، فعوَّضه الله ورفعه وأعلى مكانته. ولذلك يقولون: مَنْ عمل بإخلاص في أيّ عمل عشر سنين يُسيّده الله بقية عمره، ومَنْ عمل بإخلاص عشرين سنة يُسيّد الله أبناءه، ومَنْ عمل ثلاثين سنة سيَّد الله أحفاده .. لا شيء يضيع عند الله سبحانه. فليس فينا أَعْلى وأَدْنى، وإياك أنْ تظنَّ أنك أعلى من الناس، نحن سواسية، ولكن مِنَّا من يُتقِن عمله، ومِنَّا مَنْ لا يتقن عمله؛ ولذلك قالوا: قيمة كل امرئ ما يُحسِنه. ولا تنظر إلى زاوية واحدة في الإنسان، ولكن انظر إلى مجموع الزوايا، وسوف تجد أن الحق سبحانه عادلٌ في تقسيم المواهب على الناس. وقد ذكرنا أنك لو أجريتَ معادلة بين الناس لوجدتَ مجموع كل إنسان يساوي مجموع كُلِّ إنسان، بمعنى أنك لو أخذتَ مثلاً: الصحة والمال والأولاد والقوة والشجاعة وراحة البال والزوجة الصالحة والجاه والمنزلة .. الخ لوجدت نصيب كُلٍّ منّا في نهاية المعادلة يساوي نصيب الآخر، فأنت تزيد عني في القوة، وأنا أزيد عنك في العلم، وهكذا .. لأننا جميعاً عبيدٌ لله، ليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسب أو قرابة. وقوله تعالى: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ..} [النحل: 71]. فما ملكت أيمانهم: هم العبيد المماليك .. والمعنى: أننا لم نَرَ أحداً منكم فضّله الله بالرزق، فأخذه ووزّعه على عبيده ومماليكه، أبداً .. لم يحدث ذلك منكم .. والله سبحانه لا يعيب عليهم هذا التصرف، ولا يطلب منهم أنْ يُوزّعوا رزق الله على عبيدهم، ولكن في الآية إقامةٌ للحجة عليهم، واستدلال على سُوء فعلهم مع الله سبحانه وتعالى. وكأن القرآن يقول لهم: إذا كان الله قد فُضَّل بعضكم في الرزق، فهل منكم مَنْ تطوع برزق الله له، ووزَّعه على عبيده؟ .. أبداً .. لم يحدث منكم هذا .. فكيف تأخذون حق الله في العبودية والألوهية وحقّه في الطاعة والعبادة والنذر والذبح، وتجعلونه للأصنام والأوثان؟! فأنتم لم تفعلوا ذلك فيما تملكون .. فكيف تسمحون لأنفسكم أنْ تأخذوا حقَّ الله، وتعطوه للأصنام والأوثان؟ ويقول تعالى في آية أخرى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} تفسير : [الروم: 28]. أي: أنكم لم تفعلوا هذا مع أنفسكم، فكيف تفعلونه مع الله؟ فهذه لَقْطة: أنكم تُعاملون الله بغير ما تُعاملون به أنفسكم: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ..} [النحل: 71]. أي: أنكم سوَّيتُم بين الله سبحانه وبين أصنامكم، وجعلتموهم شركاء له سبحانه وتعالى وتعبدونهم مع الله. والحق سبحانه وإنْ رزقنا وفضَّلَنا فقد حفظ لنا المال، وحفظ لنا الملكية، ولم يأمرنا أن نعطي أموالنا للناس دون عمل وتبادل منافع، فإذا ما طلب منك أن تعطي أخاك المحتاج فوق ما افترض عليك من زكاة يقول لك: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ..} تفسير : [البقرة: 245]. مع أن الحق سبحانه واهب الرزق والنِّعَم، يطلب منك أنْ تُقرِضه، وكأنه سبحانه يحترم عملك ومجهودك، ويحترم ملكيتك الخاصة التي وهبها لَك .. فيقول: أقرضني. لعلمه سبحانه بمكانة المال في النفوس، وحِرْص المقرض على التأكد من إمكانية الأداء عند المقترض، فجعل القرض له سبحانه لتثقَ أنت أيها المقرض أن الأداء مضمون من الله. ويختم الحق سبحانه الآية بقوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71]. أي: بعد أنْ أنعم الله عليهم بالرزق، ولم يطلب منهم أنْ ينثروه على الغير، جحدوا هذه النعمة، وأنكروا فَضْل الله، وجعلوا له شركاء من الأصنام والأوثان، وأخذوا حَقَّ الله في العبودية والألوهية وأعطوْهُ للأصنام والأوثان، وهذا عَيْنُ الجحود وإنكار الجميل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} [النحل: 71] فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء، والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع، والتقوى والصدق، واليقين والإيمان والتوكل والتسليم، والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية، ومقاساة شدائد المجاهدات والصبر على المصائب والبلايا وحمل أعباء الشريعة بإشارات الطريقة، وتبديل الأخلاق الذميمة بالحميدة، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين في رزق الأعمال الصالحة التي هي أركان الشريعة وقراءة القرآن والذكر باللسان شرفه بإخلاص الجنان، {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ} [النحل: 71] {بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [النحل: 71] في الرزق أي: فما الأرواح ترد رزقها من الفناء والبقاء على القلوب، ولا القلوب ترد رزقها من الإيمان والإيقان على النفوس، ولا النفوس ترد رزقها من شدائد المجاهدات، والصبر على البلاء والمصيبات على الأبدان، وقد ملكت أيمان بعضها على بعض {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} [النحل: 71] التي أنعم بها على أوليائه {يَجْحَدُونَ} [النحل: 71] منكري هذا الحديث. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [النحل: 72] يعني: أزواج الأرواح والأشباح {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ} [النحل: 72] وهم القلوب {وَحَفَدَةً} [النحل: 75] وهي النفوس، فإن القلوب والنفوس متولدة من ازدواج الأرواح والأشباح {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72] بما رزق الأرواح والقلوب من الواردات الغيبية والمواهب الربانية {أَفَبِٱلْبَاطِلِ} [النحل: 72] وهو وسواس الشيطان وتسويلات النفس {يُؤْمِنُونَ} [النحل: 72] أهل الدنيا المغرورين بزخارفها {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} [النحل: 72] وهي مواهب الحق {هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72] ينكرون أرباب القلوب. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [النحل: 73] أي: الدنيا والهوى {مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [النحل: 73] من سماوات القلوب {وَٱلأَرْضِ} [النحل: 73] أي: أرض النفوس، {شَيْئاً} [النحل: 73] من الكمالات التي أودع الله فيهن ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73] استخراجها منها بعبادة غير الله. {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} [النحل: 74] بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق سنة الله التي قد خلا من قبل وتطلبوها من المخلوقين فتجعلوهم أمثالاً لله، {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} [النحل: 74] خطأكم وصوابكم {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 74].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من أدلة توحيده وقبح الشرك به، يقول تعالى: كما أنكم مشتركون بأنكم مخلوقون مرزوقون إلا أنه تعالى { فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ } فجعل منكم أحرارا لهم مال وثروة، ومنكم أرقاء لهم لا يملكون شيئا من الدنيا، فكما أن سادتهم الذين فضلهم الله عليهم بالرزق ليسوا { بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } ويرون هذا من الأمور الممتنعة، فكذلك من أشركتم بها مع الله، فإنها عبيد ليس لها من الملك مثقال ذرة، فكيف تجعلونها شركاء لله تعالى؟! هل هذا إلا من أعظم الظلم والجحود لنعم الله؟!! ولهذا قال: { أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } فلو أقروا بالنعمة ونسبوها إلى من أولاها، لما أشركوا به أحدا.
همام الصنعاني
تفسير : 1500- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ}: [الآية: 71]، قالَ: هذا الذي فضل في المال والولدِ لا يشرك عبده في ماله، وزوجه، يقول: فقد رضيت بذلك للهِ، ولم ترض بذلك لنفسك: فجعلت لله شركاً في ملكه وخلقه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):