١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
72
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم، وليكون ذلك تنبيهاً على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم، فقوله: {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } قال بعضهم: المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وهذا ضعيف، لأن قوله: {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } خطاب مع الكل، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل، بل هذا الحكم عام في جميع الذكور والإناث. والمعنى: أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور، ومعنى: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ } مثل قوله: { أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] وقوله: { أية : فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [النور: 61] أي بعضكم على بعض، ونظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً } تفسير : [الروم: 21] قال الأطباء وأهل الطبيعة: التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجاً فهو الذكر، وكل من كان أكثر برداً ورطوبة فهو المرأة. ثم قالوا: المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم، كان الولد أنثى تاماً في الأنوثة، وإن انصب إلى الخصية اليمنى، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم، كان الولد ذكراً في طبيعة الإناث وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور. واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة، والأنوثة علتها البرودة والرطوبة، وهذه العلة في غاية الضعف، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك، فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الإله القديم الحكيم وظهر بالدليل الذي ذكرناه صحة قوله تعالى: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا }. ثم قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } قال الواحدي: أصل الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل. يقال: حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد، والحفدة جمع الحافد، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل من قبل المرأة، لأنه تعالى قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية. إذا عرفت هذا فنقول: قيل هم الأختان، وقيل: هم الأصهار، وقيل: ولد الولد، والأولى دخول الكل فيه، لما بينا أن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك الذي ذكرناه. ثم قال تعالى: {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } لما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو كانت من الحيوان، ثم قال: {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالأصنام، وقال مقاتل: يعني بالشيطان، وقال عطاء: يصدقون أن لي شريكاً وصاحبة وولداً: {وبنعمت الله هم يكفرون } أي بأن يضيفوها إلى غير الله ويتركوا إضافتها إلى الله تعالى. وفي الآية قول آخر وهو أنه تعالى لما قال: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } قال بعده: {أفبالباطل يؤمنون زبنعمت الله هم يكفرون } والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة، وبإنعام الله في تحليل الطيبات، وتحريم الخبيثات يجحدون ويكفرون والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} جعل بمعنى خلق؛ وقد تقدم. {مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} يعني آدم خلق منه حواء. وقيل: المعنى جعل لكم من أنفسكم، أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقتكم؛ كما قال: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من الآدميين. وفي هذا ردّ على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوَّج الجن وتباضعها، حتى روي أن عمرو بن هند تزوج منهم غُولاً وكان يخبؤها عن البرق لئلا تراه فتنفر، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السِّعلاة فقالت: عمرو! ونفرت، فلم يرها أبداً. وهذا من أكاذيبها، وإن كان جائزاً في حكم الله وحكمته فهو ردّ على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجانّ ويحيلون طعامهم. {أَزْوَاجاً} زوج الرجل هي ثانيته، فإنه فرد فإذا انضافت إليه كانا زوجين، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها لأنه أصلها في الوجود كما تقدم. قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} فيه خمس مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ} ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء، ووجود الأبناء يكون منهما معاً؛ ولكنه لما كان خلق المولود فيها وانفصاله عنها أضيف إليها، ولذلك تبعها في الرّق والحرية وصار مثلها في المالية. قال ابن العربيّ: سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول: إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية؛ لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة، وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها. كما لو أكل رجل تمراً في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها. الثانية ـ قوله تعالى: {وَحَفَدَةً} روى ابن القاسم عن مالك قال وسألته عن قوله تعالى: {بَنِينَ وَحَفَدَةً} قال: الحَفَدة الخدم والأعوان في رأيي. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَحَفَدَةً} قال هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك. قيل له: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم وتقوله! أو ما سمعت قول الشاعر:شعر : حَفَد الولائدُ حولهن وأسلَمتْ بأكفّهنّ أزِمّةَ الأجمال تفسير : أي أسرعن الخدمة. والولائد: الخدم، الواحدة وليدة؛ قال الأعشى:شعر : كلّفت مجهولها نُوقاً يمانية إذا الحُداة على أكسائها حَفَدُوا تفسير : أي أسرعوا. وقال ابن عرفة: الحفدة عند العرب الأعوان، فكل من عمل عملاً أطاع فيه وسارع فهو حافد، قال: ومنه قولهم «إليك نسعى ونحفِد»، والحَفَدان السرعة. قال أبو عبيد: الحفد العمل والخدمة. وقال الخليل بن أحمد: الحَفَدة عند العرب الخدم، وقاله مجاهد. وقال الأزهري: قيل الحفدة أولاد الأولاد. وروي عن ابن عباس. وقيل: الأختان؛ قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحا وسعيد بن جُبير وإبراهيم؛ ومنه قول الشاعر:شعر : فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحتْ لها حَفَدٌ ما يُعَدُّ كثيرُ ولكنها نفس عليّ أبيّة عيوف لإصهار اللئام قذور تفسير : وروى زِرّ عن عبد الله قال: الحفدة الأصهار؛ وقاله إبراهيم، والمعنى متقارب. قال الأصمعي: الخَتَن من كان من قِبَل المرأة، مثل أبيها وأخيها وما أشبههما؛ والأصهار منهما جميعاً. يقال: أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر. وقول عبد الله «هم الأختان» يحتمل المعنيين جميعاً. يحتمل أن يكون أراد أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها، ويحتمل أن يكون أراد وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن، فيكون لكم بسببهن أختان. وقال عكرمة: الحفدة من نفع الرجل من ولده؛ وأصله من حَفَد يحفِد (بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل) إذا أسرع في سيره؛ كما قال كُثَيّر:شعر : * حفـد الولائـد بينهـن... * البيت. تفسير : ويقال: حفدت وأحفدت، لغتان إذا خدمت. ويقال: حافد وحَفَد؛ مثل خادم وخَدَم، وحافد وحفدة مثل كافر وكفرة. قال المهدوي: ومن جعل الحفدة الخدم جعله منقطعاً مما قبله ينوي به التقديم؛ كأنه قال: جعل لكم حفدة وجعل لكم من أزواجكم بنين. قلت: ما قاله الأزهري من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ظاهر القرآن بل نصه؛ ألا ترى أنه قال: «وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة» فجعل الحفدة والبنين منهن. وقال ابن العربيّ: الأظهر عندي في قوله «بنين وحفدة» أن البنين أولاد الرجل لصُلْبه والحفدة أولاد ولده، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا، ويكون تقدير الآية على هذا: وجعل لكم من أزواجكم بنين ومن البنين حفدة. وقال معناه الحسن. الثالثة: إذا فرعنا على قول مجاهد وابن عباس ومالك وعلماء اللغة في قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان، فقد خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان؛ قاله ابن العربيّ. روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد: أن أبا أُسَيِّد الساعدي دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم لعرسه فكانت امرأته خادمهم... الحديث، وقد تقدم في سورة «هود». وفي الصحيح عن عائشة قالت: أنا فتلت قلائد بُدْن النبيّ صلى الله عليه وسلم بيدي. الحديث. ولهذا قال علماؤنا: عليها أن تفرش الفراش وتطبخ القِدْر وتَقُمّ الدار، بحسب حالها وعادة مثلها؛ قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف: 189] فكأنه جمع لنا فيها السَّكَن والاستمتاع وضربا من الخدمة بحسب جري العادة. الرابعة: ويخدُم الرجُل زوجتَه فيما خفّ من الخدمة ويُعينها، لما روته عائشة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يكون في مهْنة أهله فإذا سمع الأذان خرج. وهذا قول مالك: ويعينها. وفي أخلاق النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه كان يخصِف النعل ويَقُمّ البيت ويَخِيط الثوب. وقالت عائشة وقد قيل لها: ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان بشراً من البشر يَفْلِي ثوبه ويحلب شاته ويخدُم نفسه. الخامسة: وينفق على خادمة واحدة، وقيل على أكثر؛ على قدر الثروة والمنزلة. وهذا أمر دائر على العرف الذي هو أصل من أصول الشريعة، فإن نساء الأعراب وسكان البوادي يخدمن أزواجهن حتى في استعذاب الماء وسياسة الدواب، ونساء الحواضر يخدم المقِل منهم زوجته فيما خف ويعينها، وأما أهل الثروة فَيخدِمون أزواجهن ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ذلك؛ فإن كان أمراً مشكلاً شرطت عليه الزوجة ذلك، فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم نفسها فالتزم إخدامها، فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه. قوله تعالى: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي من الثمار والحبوب والحيوان. {أَفَبِٱلْبَاطِلِ} يعني الأصنام؛ قاله ابن عباس. {يُؤْمِنُونَ} قراءة الجمهور بالياء. وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء. {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} أي بالإسلام. {هُمْ يَكْفُرُونَ}.]
البيضاوي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } أي من جنسكم لتأنسوا بها ولتكون أولادكم مثلكم. وقيل هو خلق حواء من آدم. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } وأولاد أولاد أو بنات، فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة. وقيل هم الأختان على البنات. وقيل الربائب ويجوز أن يراد بها البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين. {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } من اللذائذ أو الحلالات و {مِنْ } للتبعيض فإن المرزوق في الدنيا أنموذج منها. {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } وهو أن الأصنام تنفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم كالبحائر والسوائب. {وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام، أو حرموا ما أحل الله لهم، وتقديم الصلة على الفعل إما للاهتمام أو لإِيهام التخصيص مبالغة، أو للمحافظة على الفواصل.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجاً من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر، ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكوراً وإناثاً، وجعل الإناث أزواجاً للذكور، ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة، وهم أولاد البنين، قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك وابن زيد، قال شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: بنين وحفدة، وهم الولد وولد الولد. وقال سنيد: حدثنا حجاج عن أبي بكر عن عكرمة عن ابن عباس قال: بنوك حيث يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك، قال جميل:شعر : حفدَ الولائدُ حَوْلَهُنَّ وأُسْلِمَتْ بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأَجْمالِ تفسير : وقال مجاهد: {بنين وحفدة}: ابنه وخادمه. وقال في رواية: الحفدة: الأنصار والأعوان والخدام، وقال طاوس وغير واحد: الحفدة: الخدم. وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك، قال الضحاك: إنما كانت العرب تخدمها بنوها. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه، ويقال: الحفدة: الرجل يعمل بين يدي الرجل. يقال: فلان يحفد لنا، أي: يعمل لنا، قال: وزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل، وهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس، قاله ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الأصهار. قال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة، وهو الخدمة الذي منه قوله في القنوت: «وإليك نسعى ونحفد»، ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار، فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} قلت: فمن جعل {وَحَفَدَةً} متعلقاً بأزواجكم، فلا بد أن يكون المراد الأولاد وأولاد الأولاد والأصهار، لأنهم أزواج البنات، أو أولاد الزوجة، وكذا قال الشعبي والضحاك، فإنهم يكونون غالباً تحت كنف الرجل، وفي حجره وفي خدمته، وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث نضرة بن أكثم: «حديث : والولد عبد لك»تفسير : رواه أبو داود. وأما من جعل الحفدة الخدم، فعنده أنه معطوف على قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} أي: جعل لكم الأزواج والأولاد خدماً. وقوله: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: من المطاعم والمشارب. ثم قال تعالى منكراً على من أشرك في عبادة المنعم غيره: {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ} وهم الأنداد والأصنام {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} أي: يسترون نعم الله عليهم، ويضيفونها إلى غيره. وفي الحديث الصحيح: «حديث : إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتناً عليه: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } فخلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال والنساء {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } أولاد الأولاد {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } من أنواع الثمار والحبوب والحيوان {أَفَبِٱلْبَٰطِلِ } الصنم {يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } بإشراكهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {والّلهُ جَعَل لكُم مِن أنفسِكم أزواجاً} فيه وجهان: أحدهما: يعني جعل لكم من جنسكم مثلكم، فضرب المثل من أنفسكم، قاله ابن بحر. الثاني: يعني آدم خلق منه حوّاء، قاله الأكثرون. {وجعل لكم مِن أزواجكم بنين وحفدة} وفي الحفدة خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الأصهار أختان الرجل على بناته، قاله ابن مسعود وأبو الضحى. وسعيد بن جبير وإبراهيم، ومنه قول الشاعر: شعر : ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حَفَدٌ مما يُعَدّث كثيرُ ولـــكنــهــا نــفس عــليَّ أبيّة عَيُوفٌ لأَصهارِ للئام قَذور تفسير : الثاني: أنهم أولاد الأولاد، قاله ابن عباس. الثالث: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الرابع: أنهم الأعوان، قاله الحسن. الخامس: أنهم الخدم، قاله مجاهد وقتادة وطاووس، ومنه قول جميل: شعر : حفد الولائدُ حولهم وأسلمت بأكفهن أزِمّةَ الأجمال تفسير : وقال طرفة بن العبد: شعر : يحفـدون الـضـيف في أبـياتهم كـرماً ذلـك مـنهـم غـيـر ذل تفسير : وأصل الحفد الإسراع، والحفدة جمع حافد، والحافد هو المسرع في العمل، ومنه قولهم في القنوت وإليك نسعى ونحفد، أي نسرع إلى العمل بطاعتك، منه قول الراعي: شعر : كلفت مجهـولـها نـوقـاً ثمانية إذا الحـداة على أكسـائها حفـدوا تفسير : وذهب بعض العلماء في تفسير قوله تعالى {بنين وحفدة} البنين الصغار والحفدة الكبار. {ورزقكم من الطيبات} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الفيىء والغنيمة. الثاني: من المباحات في البوادي. الثالث: ما أوتيه عفواً من غير طلب ولا تعب. {أفبــالباطِل يؤمنون} فيه وجهان: أحدهما: بالأصنام. الثاني: يجحدون البعث والجزاء. {وبنعمة الله يكفرون} فيها وجهان: أحدهما: بالإسلام. الثاني: بما رزقهم الله تعالى من الحلال آفة من أصنامهم. حكاه الكلبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} خلق حواء من آدم {وَحَفَدَةً} أصهار الرجل على بناته، أو أولاد الأولاد "ع"، أو بنو زوجة الرجل من غيره "ع" أو الأعوان، أو الخدم، والحفدة جمع حافد وهو المسرع في العمل، "نسعى ونحفد": نسرع إلى العمل بطاعتك.
النسفي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } أي من جنسكم {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } جمع حافد وهو الذي يحفد أي يسرع في الطاعة والخدمة ومنه قول القانت شعر : وإليك نسعى ونحفد تفسير : واختلف فيه فقيل: هم الأختان على البنات وقيل: أولاد الأولاد. والمعنى وجعل لكم حفدة أي خدماً يحفدون في مصالحكم ويعينونكم {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } أي بعضها لأن كل الطيبات في الجنة وطيبات الدنيا أنموذج منها {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } هو ما يعتقدونه من منفعة الأصنام وشفاعتها {وَبِنعْمَتِ اللهِ} أي الإسلام {هُمْ يَكْفُرُونَ } أو الباطل الشيطان والنعمة محمد صلى الله عليه وسلم أو الباطل ما يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئًا} أي الصنم وهو جماد لا يملك أن يرزق شيئاً، فالرزق يكون بمعنى المصدر وبمعنى ما يرزق، فإن أردت المصدر نصبت به {شيئاً} أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان {شيئا}ً بدلاً منه أي قليلاً، و{من السماوات والأرض} صلة للرزق إن كان مصدراً أي لا يرزق من السماوات مطراً ولا من الأرض نباتاً، وصفة إن كان اسماً لما يرزق، والضمير في {ولاَ يَسْتَطِيعُونَ } لما لأنه في معنى الآلهة بعدما قال لا يملك على اللفظ، والمعنى لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه ولا يتأتى ذلك منهم {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } فلا تجعلوا لله مثلًا فإنه لا مثل له أي فلا تجعلوا له شركاء {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ } أنه لا مثل له من الخلق {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك أو إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك والوجه الأول. ثم ضرب المثل فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا } هو بدل من {مثلاً} {مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّا وَجَهْرًا } مصدران في موضع الحال أي مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر مالك قد رزقه الله مالاً فهو يتصرف فيه وينفق منه ما شاء. وقيد بالمملوك ليميزه من الحر لأن اسم العبد يقع عليهما جميعاً إذ هما من عباد الله وبـ {لا يقدر على شيء} ليمتاز من المكاتب والمأذون فيهما يقدران على التصرف. و«من» موصوفة أي وحراً رزقناه ليطابق عبداً، أو موصولة {هَلْ يَسْتَوُونَ } جمع الضمير لإرادة الجمع أي لا يستوي القبيلان {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } بأن الحمد والعبادة لله ثم زاد في البيان فقال:
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} يعني النساء فخلق من آدم حواء زوجته, وقيل: جعل لكم من جنسكم أزواجاً لأنه خطاب عام يعم الكل فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الليل {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} الحفدة جمع حافد, وهو المسرع في الخدمة المسارع إلى الطاعة ومنه قوله في الدعاء "وإليك نسعى ونحفد" أي نسرع إلى طاعتك، فهذا أصله في اللغة ثم اختلفت أقوال المفسرين فيهم فقال ابن مسعود والنخعي: الحفدة أختان الرجل على بناته وعن ابن مسعود أيضاً، أنه أصهاره فهو بمعنى الأول فعلى هذا القول، يكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، فزوجوهم فيجعل لكم بسببهم الأختان والأصهار. وقال الحسن وعكرمة والضحاك: هم الخدم. وقال مجاهد: هم الأعوان وكل من أعانك قد حفدك, وقال عطاء: هم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه وقيل: هم أهل المهنة الذين يمتهنون ويخدمون من الأولاد وقال مقاتل والكلبي: البنين هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذي يعينون الرجل على عمله، وقال ابن عباس: هم ولد الولد. وفي رواية آخرى عنه أنهم بنو امرأة الرجل الذين ليسوا منه وكل هذه الأقوال متقاربة لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك، وبالجملة فإن الحفدة هم غير البنين، لأن الله سبحانه وتعالى قال: بنين وحفدة فجعل بينهما مغايرة {ورزقكم من الطيبات} يعني النعم التي أنعم عليكم من أنواع الثمار والحبوب والحيوان، والأشربة المستطابة الحلال من ذلك كله {أفبالباطل يؤمنون} يعني بالأصنام وقيل: بالشيطان يؤمنون وقيل: معناه يصدقون أن لي شريكاً وصاحبة وولداً وهذا استفهام إنكار أي ليس لهم ذلك {وبنعمة الله هم يكفرون} يعني أنهم يضيفون ما أنعم الله به عليهم إلى غيره، وقيل معناه إنهم يجحدون ما أحل الله لهم {ويبعدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض} يعني الأصنام التي لا تقدر على إنزال المطر الذي في السموات خزائنه، ولا يقدرون على إخراج النبات الذي في الأرض معدنه {شيئاً} يعني لا يملك من الرزق شيئاً قليلاً ولا كثيراً، وقيل معناه يعبدون ما لا يرزق شيئاً {ولا يستطيعون} يعني ولا يقدرون على شيء يذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع أو دفع ضر.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} قال: خلق آدم ثم خلق زوجته منه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود في قوله: {بنين وحفدة} قال الحفدة الأختان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة الأصهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة الولد وولد الولد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة بنو البنين. وأخرج الطستي، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {وحفدة} قال: ولد الولد وهم الأعوان قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الاجمال تفسير : وأخرج ابن جرير، عن أبي حمزة قال: سئل ابن عباس عن قوله: {بنين وحفدة} قال: من أعانك فقد حفدك، أما سمعت قول الشاعر: شعر : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الاجمال تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة بنو امرأة الرجل ليسوا منه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال: الحفدة الأعوان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: الحفدة الخدم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال: الحفدة البنون وبنو البنين، ومن أعانك من أهل أو خادم فقد حفدك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {أفبالباطل يؤمنون} قال: الشرك. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {أفبالباطل يؤمنون} قال: الشيطان {وبنعمة الله} قال: محمد.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً}[72] قال: روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الحفدة الأختان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: البنون الصغار الصغار، والحفدة الذين يعينون الوالد على عمله. وعن الضحاك قال: الحفدة الخدمة لله إيجاباً بغير سؤال منهم غيره.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [الآية: 72]. قال حارث المحاسبى: ورزقكم من الطيبات الفيىء والغنيمة. وقال أحمد بن أبى الحوارى: المناجاة فى البوادى. قال بعضهم: سألت ابن الجلاء عن الرزق الطيب قال: ما يفتح لك من غير طلب ولا استشراف.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً}. شَغَلَ الخَلْقَ لأنَّ الجنس أَوْلَى بالجنس. ولمَّا أراد الحقُّ - سبحانه - بقاء الجنس هَيَّأَ سبب التناسب والتناسل لاستيفاء مثل الأصل، ثم مَنَّ على البعض بخلْق البنين، وابتلى قوماً بالبنات - كلُّ بتقديره على ما يشاء. قوله جلّ ذكره: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}. والرزق الطيب لعبدٍ ما تستطيبه نَفْسُه، ولآخر ما يستطيبه سِرُّه. فمنهم من يستطيب مأكولاً ومشروباً، ومنهم من يستطيب خلوةً وصفوة... إلى غير ذلك من الأرزاق. {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ}، وهو حسبان حصول شيءٍ من الأغيار، وتعلُّق القلبِ بهم استكفاءً منهم أو استدفاعاً لمحذور أو استجلاباً لمحبوب. {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} والنعمة التي كفروا بها هي الثقةُ بالله، وانتظارُ الفَرَجِ منه، وحسنُ التوكلِ عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {والله} تعالى وحده {جعل لكم من انفسكم} من جنسكم {ازواجا} نساء لتأنسوا بها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم ويكون اولادكم امثالكم. ومن هنا اخذ بعض العلماء انه يمتنع ان يتزوج المرؤ امرأة من الجن اذ لا مجانسة بينهما فلا منا كحة واكثرهم على امكانه ويدل عليه ان احد ابوى بلقيس كان جنيا. قال ابن الكلبى كان ابوها من عظماء الملوك فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانه بنت السكن فولدت له بلقيس وفيه حكايات اخر فى آكام المرجان. فان قيل غالبية عنصر النار فى الجن تمنع من ان تتكون النطفة الانسانية فى رحم الجنية لما فيها من الرطوبات فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية وقس عليه نكاح الجنى الانسية. قلت انهم وان خلقوا من نار فليسوا بباقين على عنصرهم النارى بل قد استحالوا عنه بالاكل والشرب والتوالد والتناسل كما استحال بنوا آدم عن عنصرهم الترابى بذلك على ان الذى خلق من نار هو ابو الجن كما خلق آدم ابو الانس من تراب واما كل واحد من الجن غير ابيهم فليس مخلوقا من النار كما ان كل واحد من بنى آدم ليس مخلوقا من تراب. وذكروا ايضا جواز لمناكحة بين الانسان وانسان الماء كما قال فى حياة الحيوان ان فى بحر الشام فى بعض الاوقات من شكله شكل انسان وله لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر فاذا رآه الناس استبشروا بالخصب - حكى - بعض الملوك حمل اليه انسان ماء فاراد الملك ان يعرف حاله فزوجه امرأة فاتاه منها ولد يفهم كلام ابويه فقيل للولد ما يقول ابوك قال يقول اذناب الحيوان كلها فى اسفلها فما بال هؤلاء اذنابهم فى وجوههم. وذكروا ايضا بنات الماء ومناحكة الانسان اياهن وتولد الاولاد منهن {وجعل لكم من ازواجكم} اى جعل لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره {بنين} [فرزندان]{وحفدة} جمع حافد وهو الذى يسرع فى الخدمة والطاعة ومنه قول القانت واليك نسعى ونحفد اى جعل لكم خد ما يسرعون فى خدمتكم وطاعتكم ويعينونكم كاولاد الاولاد ونحوهم. يقول الفقير حمل الحفدة على البنات كما فعله البعض بناء على انهن يخدمنه فى البيوت اتم خدمة ضعيف لان الخطاب لكون السورة مكية مع المشركين وهم كانوا تسودّ وجوههم حين الاخبار بالبنات فلا يناسب مقام الامتنان حملها عليهن {ورزقكم من الطيبات} من اللذائذ كالعسل ونحوه من للتبعيض لان كل الطيبات فى الجنة وما طيبات الدنيا الا انموج منها. يقول الفقير المقصود الطيبات المنفهمه بحسب العرف وهى طيبات البلدة والناحية والاقليم لا الطيبات المشتملة عليها الدنيا والجنة فكل الطيبات مرزوق بها العباد {أفالباطل يؤمنون} الفاء فى المعنى داخلة على الفعل وهى للعطف على مقدر اى أيكفرون بالله الذى شأنه هذا فيؤمنون بالباطل وهو ان الاصنام تنفعهم وان البحائر ونحوها حرام {وبنعمة الله هم يكفرون} حيث يضيفونها الى الاصنام او المراد بالباطل الاصنام وما يفضى الى الشرك وبنعمة الله الاسلام والقرآن وما فيه من التوحيد والاحكام. والباطل عند اهل الحقيقة قسمان باطل حقيقى وهو مالا تحقق ولا وجود ولا ثبوت له بان لم يقع التجلى الالهى فى عالمه اصلا وقسم باطل مجازى وهو التعينات الموجودة كلها اما بطلانه فلكونه عد ما فى نفسه "ألا كل شئ ما خلا الله باطل" واما مجازيته فلكونه مجلى ومرآة للوجود الاضافى والحق المجازى والمؤمن بالباطل مطلقا كافر بالله تعالى. شعر : سالك باك رو نخوانندش آنكه از ما سوى منزه نيست
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الحفدة: جمع حافد، وهو الخديم المسرع في الخدمة، والحفْد في اللغة: الخدمة، ومنه في القنوت: "وإليك نسعى ونحفد"، أي: نسرع في خدمتك. وسموا أولاد الأولاد حفدة؛ لأنهم يُسرعون في خدمة جدهم، حين كبر ولزم الدار، وقيل: هم البنات؛ لأنهن يخدمن الدار. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا}؛ حيث خلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطفة الرجال، والنساء خلقهن لكم، لتتأنسوا بهن، ولتتمتعوا بهن في الحلال، وليكون أولادكم مثلكم. {وجعل لكم من أزواجكم بَنين} من صلبكم {وحفَدةً}؛ أولاد أولادكم أو بناتكم؛ فإن البنات يخدمن في البيوت أشد الخدمة، أو الأصهار من قِبل النساء، أو الخدَم، {ورزقكم من الطيبات}؛ من اللذائذ والمشتهيات؛ كأنواع الثمار والحبوب والفواكه، والحيوان؛ أكلاً وركوبًا وزينة، أو الحلالات، و "من": للتبعيض؛ فإن طيبات الدنيا أنموذج من نعيم الآخرة. {أفَبِالباطل يؤمنون} وهو أن الأصنام تنفعهم؛ لأن الأصنام باطلة لا حقيقة لوجودها، وإضافة النفع لها: كفرٌ بنعمة الله، ولذلك قال: {وبنعمة الله هم يكفرون}؛ حيث أضافوها إلى أصنامهم، أو حيث حَرَّموا منها ما أحله الله لهم كالبحائر والسوائب. والله تعالى أعلم. الإشارة: والله جعل لكم من أنفسكم المطهرة أصنافًا من العلوم اللدنية. قال أبو سليمان الداراني: (إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، ثم عادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علمًا). وجعل لكم من تلك العلوم بنين روحانيين، وهو التلامذة، يحملون تلك العلوم، وحفدة: من ينقل ذلك عنهم إلى يوم القيامة، ورزقكم من الطيبات، وهي حلاوة المعرفة عند العارفين، وحلاوة الطاعات عند المجتهدين. أفبالباطل - وهو ما سوى الله - يؤمنون، فيقفون مع الوسائط والأسباب، ويغيبون عن مسبب الأسباب، وبنعمة الله - التي هي شهود الحق بلا وسائط - هم يكفرون. ثمَّ عاب على من وقف مع غير الله فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً...}
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى: إِني أنا الذي جعلت لكم ازواجاً {من أنفسكم} يعني من البشر، والذين يلدونهم ليكون ذلك آنس لهم وأليق بقلبهم، وخلقت من هؤلاء الأزواج بنين تسرون بهم وتتزينون بهم و {حفدة} اي وخلق لكم حفدة. وقيل في معناه اقوال: قال مجاهد وطاووس: هم الخدم، وقال ابن عباس: هم الخدم والاعوان، وانشد قول جميل: شعر : حفد الولائد حولها واستمسكت بأكفِّهنَّ أزّمة الأجمال تفسير : وفي رواية اخرى عن ابن عباس: إِنهم البنون وبنو البنين. وفي رواية اخرى أنهم بنو امرأة الرجل من غيره. وقال الحسن: من أعانك، فقد حفدك من البنين وبني البنات والاعوان والاهل. وقال ابن مسعود، وابو الضحى، وابراهيم وسعيد بن جبير: هم الاختان، وهم ازواج البنات. وأصل الحفد الاسراع في العمل، ومنه يسعى ويحفد، ومر البعير يحفد حفداناً إِذا مر يسرع في سيره، وحفد يحفد حفداً وحفداناً، قال الراعي: شعر : كلفت مجهولها نوقاً يمانية إِذا الحداة على أكسائها حفدوا تفسير : والحفدة جمع حافد، مثل كامل وكملة. وقوله {ورزقكم من الطيبات} اي جعل لكم أشياء تستطيبونها وأباحها لكم. وانما دخلت (من) لانه ليس كل ما يستطعمه الانسان رزقاً له، وانما رزقه. ما له التصرف فيه، وليس لغيره منعه منه. ثم قال {أفبالباطل} يعني عبادة الأوثان والاصنام، وما حرم عليهم الشيطان من البحائر والسائبة والوصيلة يصدقون، وبنعمة الله التي عددها لهم {يكفرون} اي يجحدون ما أحله الله، وما حرم عليهم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} من جنسكم لتأنسوا بهنّ وترغبوا فيهنّ وترتاحوا اليهنّ وهذا بيان لنعمة اخرى {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} قد فسّر الحفدة فى الاخبار ببنى البنت وبالبنين انفسهم فيكون من عطف الاوصاف المتعدّدة لشيءٍ واحد وباختان الرّجل على بنائه لانّ الحافد بمعنى المسرع فى الخدمة والكلّ مسرعون فى الخدمة والكلّ من عظام النّعمة {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} اعطاكم من جملة الطّيّبات من المركوب والمسكون والمطعوم والمشروب او رزقكم من الارزاق الطّيّبة من المطعوم والمشروب {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} يعنى بالشّركاء الباطلة او بانتساب ذلك الى الشّركاء {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} من حيث انّهم يسترون انعامه تعالى فيها وينسبونها الى غيره تعالى من الشّركاء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} يعني النساء، والنساء من الرجال. { وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} والحفدة الخدم، يعني ولداً يخدمونه وولد ولده. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: الحفدة الأختان. قوله: {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} على الاستفهام، أي: قد آمنوا بالباطل، والباطل إبليس. {وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} وهو كقوله: (أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً) تفسير : [إبراهيم:28]. وكقوله: (أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) تفسير : [الواقعة:82] يقول: تجعلون مكان الشكر التكذيب. قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً} يعني آلهتهم التي يعبدون من دون الله {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} مثل قوله: (أية : وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً) تفسير : [الفرقان:3]. أي: ولا بعثاً. قال: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} أي: الأشباه، فتشبهوا هذه الأوثان الميتة التي لا تحيي ولا تميت ولاترزق بالله الذي يحيي ويميت ويرزق ويفعل ما يريد. { إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. قوله: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} يعني الوثن { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} يعني المؤمن { فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً} قال: {هَلْ يَسْتَوُونَ} يعني هل يستوي هذا الذي يعبد الوثن الذي لا يقدر على شيء، والذي يعبد الله يرزقه الرزق الحسن، أي: إنهما لا يستويان. ثم قال: { الحَمْدُ لِلَّهِ} أي: الشكر لله { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. قال بعضهم: هذا مثل ضربه الله للكافر؛ رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً، ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ ينفق مِنْهُ} فهذا المؤمن؛ أعطاه الله رزقاً حلالاً طيباً، فعمل فيه بطاعة الله، وأنفق منه في سبيل الله، وأخذه بشكر. قال الله: هل يستويان مثلاً، أي: إنهما لا يستويان.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم {أَزْوَاجاً} زوجات لتستَأنسوا بهن ويكون أولادكم مثلكم ولولا ذلك لم يكن استئناس ولا مماثلة الأَولاد والتفسير بما ذكر هو الظاهر وهو أولى من أن يقال المعنى جعل لآدم من نفسه زوجة هى حواء فكان ذلك الجعل جعلا لكم كما يقول خلقكم من تراب بخلق أبيكم آدم منه ولكنه جائز فيكون المعنى خلق لكم من أنفسكم أزواجا بخلق حواء من ضلع آدم وساير النساء من نطف الرجال والنساء {وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ} ذكورا خصوا بالذكر لفضلهم ولا سيما عند من يقتل البنات وقيل المراد ما يشمل البنات {وَحَفَدَةً} تفسير جمع حافد وهو المسرع فى الخدمة ككامل وكميلة وفى الطاعة كقول الداعى إِليك نسعى ونحفد أى نسرع إِلى طاعتك والحفد خبب فوق المشى قال الشاعر: شعر : حفد الولايد بينهن وأسلمت بأَكفهن أزمة الأَجمال تفسير : والمراد فى الآية أولاد الأَولاد. قال ابن عباس أولاد البنين وقد يطلق على أولاد الصلب وليس مراداً فى الآية لعطفها على البنين والعطف يقتضى المغايرة فى الجملة إِلا بتنزيل التغاير بالوصف منزلة التغاير بالذات فيكون فى معنى عطف الصفة على أُخرى لموصوف واحد كأَنه قيل وجعل لكم من أزواجكم أولادهم بنون وحفدة برفع حفدة كما مر فى سكر أو رزقا حسنا، وفى رواية عن ابن عباس أنهم أولاد امرأة الرجل الذين من زوج آخر. وقال ابن مسعود والنخعى هم أزواج البنات وإِخوانهن وأعمامهن وآباؤهم وسائر أقاربها من جهة الأَب وهم أصهار وبه عبر ابن مسعود فهو لفظ دال على البنات بدخولهن فى لفظ البنين تغليباً أو بالتقدير أى بنين وبنات وحفدة منهن وقيل الحفدة البنات وهن يخدمن فى البيوت ويسرعن فى طاعة الأَب كما أن جميع من ذكر من أولاد الأَولاد والأَصهار والأختان والربائب كذلك كما هو نكتة التعبير عنهم بالحفدة. وقال عطاءهم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه بإِرادتهم أو بامتهانه إِياهم للخدمة وقيل أولاده الذين يمتهنهم لها وعلى القولين قسم البنين قسمين أحدهما لغير الخدمة والثانى لخدمة وقال الكلبى ومقاتل البنون هم أولاده الصغار والحفدة الكبار الذين يعينونه على عمله، وقال الحسن وعكرمة والضحاك هم الخدم من البنين وغيرهم أقارب أو أجانب وقال مجاهد هم الأَعوان والأَنصار كذلك {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} أى من اللذائذ المتخذة من الشجر والنبات والحيوان وكان بمن التبعيضية لأَن كل ما فى الدنيا من الطيبات هو شىء قليل بالنسبة إِلى ما فى الآخرة ولأَن لكل إِنسان بعضا منها فقط وقيل الطيبات أنواع الحلال والكلام على من فى هذا القول مثله فى القول الأَول {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} الباطل ما يعتقدون من منفعة الأَصنام وبركتها وشفاعتها ويؤمنون يصدقون أى فيصدقون بما هو وهم باطل متخيل غير ثابت وهو منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها أو الباطل نفس الأَصنام أو الشيطان يصدقونه فى إِثبات الشركة والصاحبة والولد تعالى الله أو ما يوسوس لهم به من تحريم الحلال كالبحيرة والسائبة أو كل ما اعتقدوه من كل أمر باطل والاستفهام إنكار أو توبيخ {وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} بالإِشراك وبإِضافتها إِلى الأَصنام وتحريم ما حل وقدم قوله بنعمة الله على يكفرون للفاصلة وللاهتمام أو لذلك مع إِيهام الحصر مبالغة كأَنهم متفرغون بالكلية إِلى كفر النعمة ومقتصرون على الكفر بها لا يتجاوزونه.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} لا من جنس آخر كالفرس والناقة لتأنسوا، وتماثلكم أولادكم، والنفس بمعنى الجنس مجازًا، وأصله الذات فلا يجوز للرجل تزوج الجنية، ولا للمرأة تزوج الجنى، لعدم الجنسية، ولعدم الوثوق لأنهم لا يشاهدون وهم يتخيّلون، فكيف يثق بها أو تثق به؟ وكيف يثق بأن هذا وليها؟ ويقال وقع التزوج منهم فى أصحابنا وقومنا، ولعل من فعل ذلك أمكن له التوثق، وقيل المراد خلق حواء من آدم عليهما السلام، لأنها خلقت من ضلعه، وسائر النساء من نطفة الرجال، ولا يعترض لجمع الأنفس، والأزواج، ولا يحتاج إِلى الجواب بالتغليب، أو بأن المراد بعض الأنفس وبعض الأزواج فضلا عن أن يقال ذلك تكلف. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ} يشمل البنات، أو يقدر بنين وبنات. {وَحَفَدَةً} أولاد البنين وأولاد البنات، ذكوراً أو إِناثاً أو البنات وأولاد البنين عند عبن عباس والحسن وابن العربى والأزهرى فإنهم من الأزواج بالواسطة من حفد فى الشئ أسرع فيه، والبنات أسرع فى خدمة البيت والطاعة، ولذلك فسر بعضهم الحفدة بالبنات، والمفرد حافد ككامل وكملة، ولد حافد وأولاد حفدة. وفى التفسير زيادة امتنان، وكذلك الأولاد أسرع فى ذلك كما فسر بهم عموما، أو الحفدة البنون، ذكروا بالبنوة وباسم السرعة فى الخدمة والطاعة، وعن ابن عباس: البنون صغار الأولاد، والحفدة كبارهم، نظراً إلى أن الكبار أقوى فى الخدمة، وعن مقاتل العكس، لأن الصغار أقرب للانقياد، وقيل المراد الأختان على البنات، فإنهم قوامون عليهنَّ ويخدمون بالجد والصدق وقيل الربائب ومن بنات امرأة الرجل من غيره، وقيل الأصهار فيحصل ليزاد اعوان الرجل من قبل المرأة ولو أخاها أو ابن أخيها ونحو ذلك من قرابتها ولا مانع من حمل الآية على ما ذكر كله. {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} اللذائذ، والخطاب للمؤمنين والكفرة أو الطيبات الحلال، والصحيح أن الكفرة مخاطبون بفروع الشريعة، فصح خطابهم بالحلال، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، فذلك وجه إِنكار من أنكره كما أن تفسير الطيبات بالغنائم أو بما جاء من غير نصب خلاف الظاهر ومن للتبعض فإنه لم يرزقكم كل ما فى الدنيا، وكل ما فيها بعض مما فى الجنة اسما وصورة، والحقيقة مختلفة أو من الطيبات مما فى قدرة الله تعالى. {أَفَبِالْبَاطِلِ} هو أن عبادة الأصنام حق، وأنها تنفعهم فى الدنيا. وأيضا فى الآخرة إن كانت حقا، وتحريم السائبة والبحيرة والوصيلة والحامى، وهن من الطيبات، والاستفهام توبيخ، وقدم الجار على متعلقه وهو قوله: {يُؤْمِنُونَ} على طريقة العرب فى الاهتمام أو لإيهام التخصيص مبالغة، وللفاصلة، وكذا فى قوله: "أية : أَفبنعمة الله يجحدون" تفسير : [النحل: 71] والعطف على محذوف أى أيكفرون بالحق فيؤمنون بالباطل، وهو عبادة الأصنام، وتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى. {وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} يستمرون على الكفر، كأنه قيل لا يجحدون إلا ينعمه، ولا يؤمنون إِلا بالباطل، ولا يكفرون إلا بنعمة الله والاستفهام التوبيخي منسحب على قوله: {وبنعمة الله} كأنه قيل أو بنعمة الله هم يكفرون، وكذا انسحب على قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} ومعنى كفرهم بنعمة الله إِضافتهم إياها للأصنام، وتحريم المحلل كالبحيرة، وذلك أن إِثبات الألوهية لغير الله إثبات لبعض النعم لغيره، لأن الإله منعم، وقيل الباطل الشيطان، والنعمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: الباطل ما حرم الشيطان من نحو البحيرة، ونعمة الله ما أحل الله عز وجل، وشيئا مفعول لرزقًا من أعمال المصدر المنون أى ما لا يملك لهم أن يرزق شيئا، وإن جعل بمعنى ما يرزق به الإنسان، فشيئًا يدل رزقا مؤكد له، جعل تنوينهما للتحقير أولا، إِذ شئ أم ومن متعلق برزقا لا يرزقهم من جهة السماء، لا من جهة الأرض، أو محذوف نعت لرزقًا، ومفعول يستطيع محذوف، أى لا يستطيعون ملك رزق، وهو منزل كاللازم بمعنى لا استطاعة لهم، والواو لما فى قوله: ما لا يملك، مراعاة لمعناها ومراعاة لفظها، وهو جائز وهو جماعة الأصنام التى يعدونهاعقلاء عندهم، أو نحو عقلا، أو للكفار لا يستطيعون وهم عقلاء تحقيقا، فكيف الأصنام الجمادات. وذكر هنا هم دون سورة العنكبوت، لتقدم قوله تعالى: "أية : والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون"تفسير : [العنكبوت: 52] المفيد لأتم للتأكيد، فيستغنى عن التأكيد بقوله هم، أو جئ به هنا لسرد النعم على أتم وجه، فكان التأكيد فى بيان كفرهم أنسب، ولا سرد لها فى سورة العنكبوت كذلك. أو لأن آيات سورة العنكبوت استمرت على الغيبة، وهنا تقدمت خطابات فجئ بقوله هم تأكيداً فى إظهار الغيبة المنتقل إليها لئلا يسبق توهم أحد إلى أن يقرأ تؤمنون وتكفرون بالخطاب، وهذا ليس فيه ما يعترض عليه، بأنه لا مقتضى للزوم الغيبة، وأنه لا لبس فى ترك قوله هم، وإنما زاد هنا هم دون قوله: "أفبالباطل يؤمنون"، لئلا يتوهم أنه تكرير لقوله: "أفبنعمة الله يجحدون"، ففصل بالمبالغة والتأكيد ترقيًا فى الذم، وللجرى على عادة العرب فى أنهم إذا أنكروا على أحد شيئًا جدًا أتوا بكلام آخر أذم من الأول، لئلا تكون الفاصلة الأولى زادت على الثانية وقال هنا: يكفرون، وهنالك: يجحدون لتقدم ضرب المثل هنالك، وهو أقبح، فناسب الجحد.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من جنسكم ونوعكم وهو مجاز في ذلك، والأشهر من معاني النفس الذات ولا يستقيم هنا كغيره فلذا ارتكب المجاز وهو إما في المفرد أو الجمع، واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجوز للإنسان أن ينكح من الجن {أَزْوٰجاً} لتأنسوا بها وتقيموا بذلك مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم. وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذا خلق آدم وحواء عليهما السلام فإن حواء خلقت من نفسه عليه السلام، وتعقب بأنه لا يلائمه جمع الأنفس والأزواج، وحمله على التغليب تكلف غير مناسب للمقام، وكذا كون المراد منهما بعض الأنفس وبعض الأزواج {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم} أي منها فوضع الظاهر/ موضع الضمير للإيذان بأن المراد جعل لكم منكم من زوجه لا من زوج غيره {بَنِيـٰنَ} وبأن نتيجة الأزواج هو التوالد {وَحَفَدَةً } جمع حافد ككاتب وكتبة، وهو من قولهم: حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع في الخدمة والطاعة، وفي الحديث «حديث : إليك نسعى ونحفد»تفسير : وقال جميل:شعر : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال تفسير : وقد ورد الفعل لازماً ومتعدياً كقوله:شعر : يحفدون الضيف في أبياتهم كرماً ذلك منهم غير ذل تفسير : وجاء في لغة ـ كما قال أبو عبيدة ـ أحفد أحفاداً، وقيل: الحفد سرعة القطع، وقيل: مقاربة الخطو، والمراد بالحفدة على ما روي عن الحسن والأزهري وجاء في رواية عن ابن عباس واختاره ابن العربـي أولاد الأولاد، وكونهم من الأزواج حينئذٍ بالواسطة، وقيل: البنات عبر عنهن بذلك إيذاناً بوجه المنة فإنهن في الغالب يخدمن في البيوت أتم خدمة، وقيل: البنون والعطف لاختلاف الوصفين البنوة والخدمة، وهو منزل منزلة تغاير الذات، وقد مر نظيره فيكون ذلك امتناناً بإعطاء الجامع لهذه الوصفين الجليلين فكأنه قيل: وجعل لكم منهن أولاداً هم بنون وهم حافدون أي جامعون بين هذين الأمرين، ويقرب منه ما روي عن ابن عباس من أن البنين صغار الأولاد والحفدة كبارهم، وكذا ما نقل عن مقاتل من العكس، وكأن ابن عباس نظر إلى أن الكبار أقوى على الخدمة ومقاتل نظر إلى أن الصغار أقرب للانقياد لها وامتثال الأمر بها واعتبر الحفد بمعنى مقاربة الخط، وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأول، وأخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس. وأخرج الطبراني والبيهقي في "سننه" والبخاري في "تاريخه" والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنهم الأختان وأريد بهم ـ على ما قيل ـ أزواج البنات ويقال لهم أصهار، وأنشدوا:شعر : فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما يعد كثير ولكنها نفس على أبية عيوني لأصهار اللئام تدور تفسير : والنصب على هذا بفعل مقدر أي وجعل لكم حفدة لا بالعطف على {بَنِيْـٰنَ} لأن القيد إذا تقدم يعلق بالمتعاطفين وأزواج البنات ليسوا من الأزواج. وضعف بأنه لا قرينة على تقدير خلاف الظاهر وفيه دغدغة لا تخفى. وقيل: لا مانع من العطف بأن يراد بالأختان أقارب المرأة كأبيها وأخيها لا أزواج البنات فإن إطلاق الأختان عليه إنما هو عند العامة وأما عند العرب فلا كما في «الصحاح»، وتجعل {مِنْ } سببية ولا شك أن الأزواج سبب لجعل الحفدة بهذا المعنى وهو كما ترى. وتعقب تفسيره بالأختان والربائب بأن السياق للامتنان ولا يمتن بذلك. وأجيب بأن الامتنان باعتبار الخدمة ولا يخفى أنه مصحح لا مرجح. وقيل: الحفدة هم الخدم والأعوان وهو المعنى المشهور له لغة. والنصب أيضاً بمقدر أي وجعل لكم خدماً يحفدون في مصالحكم ويعينونكم في أموركم. وقال ابن عطية بعد نقل عدة أقوال في المراد من ذلك: وهذه الأقوال مبنية على أن كل أحد جعل له من زوجته بنون وحفدة ولا يخفى أنه باعتبار الغالب، ويحتمل أن يحمل قوله تعالى: {من أزواجكم} على العموم والاشتراك أي جعل من أزواج البشر البنين والحفدة ويستقيم على هذا إجراء الحفدة على مجراها في اللغة إذ/ البشر بجملتهم لا يستغني أحدهم عن حفدة اهـ، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقدير لكن لا يخفى أن فيه بعداً، وتأخير المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر غير مرة من التشويق، وتقديم المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر بعود منفعة الجعل إليهم إمداداً للتشويق وتقوية له. {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} أي اللذائذ وهو معناها اللغوي، وجوز أن يراد بالطيب ما هو متعارف في لسان الشرع وهو الحلال. وتعقبه أبو حيان بأن المخاطبين بهذا الكفار وهم لا شرع لهم فتفسيره بذلك غير ظاهر. وأجيب بأنهم مكلفون بالفروع كالأصول فيوجد في حقهم الحلال والحرام، وأيضاً هم مرزوقون بكثير من الحلال الذي أكلوا بعضه ولا يلزم اعتقادهم للحل ونحوه، و {مِنْ} للتبعيض لأن ما رزقوه بعض من كل الطيبات فإن ما في الدنيا منها بأسره أنموذج لما في الآخرة إذ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وما في الدنيا لم يصل كثير منه إليهم، والظاهر على ما ذكرنا عموم الطيبات للنبات والثمار والحبوب والأشربة والحيوان، وقيل: المراد بها ما أتى من غير نصب، وقيل: الغنائم، وليس بشيء. {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ} وهو منفعة الأصنام وبركتها وما ذاك إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ } وقدم للحصر فيفيد أن ليس لهم إيمان إلا بذلك كأنه شيء معلوم مستيقن {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز مما ذكر ومما لا تحيط به دائرة البيان {هُمْ يَكْفُرُونَ} أي يستمرون على الكفر بها والإنكار لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول وذلك بإضافتها إلى أصنامهم، وقيل: الباطل ما يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله تعالى ما أحل لهم. والآية على هذا ظاهرة التعلق بقوله سبحانه: {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} فقط دون ما قبله أيضاً والظاهر تعلقها بهما، ومن ذلك يظهر حال ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج من أن الباطل الشيطان ونعمة الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه قد صرح بأكثره الزمخشري، واستفادة الحصر من التقديم ظاهرة، وأما كأنه شيء معلوم مستيقن فمستفاد من حصرهم الإيمان فيما ذكر لأن ذلك شأن المؤمن به لا سيما وقد حصروا، وأيضاً المقابلة بالمشاهد المحسوس أعني نعمة الله تعالى دلت على تعكيسهم فيدل على أنهم جعلوا الموهوم بمنزلة المتيقن وبالعكس، والفاء التي للتعكيس شديدة الدلالة على هذا الأمر والحمل على أنها للعطف على محذوف ليس بالوجه كذا في «الكشف»، وفيه رد على ما قيل إن في كلا التركيبين تأكيداً وتخصيصاً، أما التخصيص فيهما فمن تقديم المعمول، وأما التأكيد في الأول فلأن الفاء تستدعي معطوفاً عليه تقديره أيكفرون بالحق ويؤمنون بالباطل والكفر بالحق مستلزم للإيمان بالباطل فقد تكرر الإيمان بالباطل والتكرير يفيد التأكيد، وأما التأكيد في الثاني فمن بناء {يَكْفُرُونَ} على هم المفيد لتقوي الحكم، وجعل كلام الزمخشري مشيراً إلى ذلك كله فتدبر. وما ذكر من أن تقديم الجار في التركيبين للتخصيص مما صرح به غير واحد، والعلامة البيضاوي جوز ذلك لكنه أقحم الإيهام هنا نظير ما فعلناه فيما سلف آنفاً. ووجه ذلك بأن المقام ليس بمقام تخصيص حقيقة إذ لا اختصاص لإيمانهم بالباطل ولا لكفرانهم بنعم الله سبحانه ولم يقحمه في تفسير نظير ذلك في العنكبوت [67] فإن وجه بأنهم إذا آمنوا بالباطل كان إيمانهم بغيره بمنزلة/ العدم وأن النعم كلها من الله تعالى إما بالذات أو بالواسطة فليس كفرانهم إلا لنعمه سبحانه كما قيل "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" بقي المخالفة. وأجيب بأنه إذا نظر للواقع فلا حصر فيه وإن لوحظ ما ذكر يكون الحصر ادعائياً وهو معنى الإيهام للمبالغة فلا تخالف، وجوز أن يكون التقديم للاهتمام لأن المقصود بالإنكار الذي سيق له الكلام تعلق كفرانهم بنعمة الله تعالى واعتقادهم للباطل لا مطلق الإيمان والكفران، وأن يكون لرعاية الفواصل وهو دون النكتتين، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باستيجاب حالهم للإعراض عنهم وصرف الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيباً لهم مما فعلوه. وفي «البحر» أن السلمي قرأ {تؤمنون} بالتاء على الخطاب وأنه روي ذلك عن عاصم، والجملة فيما بعده على هذا كما استظهره في «البحر» مجرداً عن الكفرة غير مندرج في التقريع. هذا بقي أنه وقع في العنكبوت [67] {أية : أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } تفسير : بدون ضمير ووقع هنا ما سمعت بالضمير، وبين الخفاجي سر ذلك بأنه لما سبق في هذه السورة قوله تعالى: {أية : أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } تفسير : [النحل: 71] أي يكفرون كما مر فلو ذكر ما نحن فيه بدون الضمير لكانت الآية تكراراً بحسب الظاهر فأتى بالضمير الدال على المبالغة والتأكيد ليكون ترقياً في الذم بعيداً عن اللغوية، ثم قال: وقيل إنه أجرى على عادة العباد إذا أخبروا عن أحد بمنكر يجدون موجدة فيخبروا عن حاله الأخرى بكلام آكد من الأول، ولا يخفى أن هذا إنما ينفع إذا سئل لم قيل: {أية : أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [العنكبوت: 67] بدون ضمير وقيل: {وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} به، وأما في الفرق بين ما هنا وما هناك فلا، وقيل: آيات العنكبوت استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب وأما الآية التي نحن فيها فقد سبق قبلها مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب، وتخصيص هذه بالزيادة دون {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } مع أنها الأولى بها بحسب الظاهر لتقدمها لئلا يلزم زيادة الفاصلة الأولى على الثانية، واعترض عليه بأنه لا يخفى أنه لا مقتضى للزوم الغيبة ولا لبس لو ترك الضمير. وقد يقال: إنما لم يؤت في آية العنكبوت بالضمير ويبني الفعل عليه إفادة للتقوى استغناءً بتكرر ما يفيد كفر القوم بالنعم مع قربه من تلك الآية عن ذلك، على أنه قد تقدم هناك ما تستمد منه الجملتان أتم استمداد وإن كان فيه نوع بعد ومغايرة ما وذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } تفسير : [العنكبوت: 52] ولما لم تكن آية النحل فيما ذكر بهذه المرتبة جيء فيها بما يفيد التقوى، أو يقال: إنه لما كان سرد النعم هنا على وجه ظاهر في وصولها إليهم والامتنان بها عليهم كان ذلك أوفق بأن يؤتى بما يفيد كفرهم بها على وجه ظاهر في وصولها إليهم والامتنان بها عليهم كان ذلك أوفق بأن يؤتى بما يفيد كفرهم بها على وجه يشعر باسبتعاد وقوعه منهم فجيء بالضمير فيه ولما لم يكن ما هنالك كذلك لم يؤت فيه بما ذكر، ولعل التعبير هنا ـ بيكفرن ـ وفيما قبل {أية : يَجْحَدُونَ} تفسير : [النحل: 71] لأن ما قبل كان مسبوقاً على ما قيل بضرب مثل لكمال قباحة ما فعلوه والجحود أوفق بذلك لما أن كمال القبح فيه أتم ولا كذلك فيما البحث فيه كذا قيل فافهم والله تعالى بأسرار كتابه أعلم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على التي قبلها، وهو استدلال ببديع الصنع في خلق النسل إذ جعل مقارناً للتأنّس بين الزوجين، إذ جعل النسل منهما ولم يجعله مفارقاً لأحد الأبوين أو كليهما. وجعل النسل معروفاً متصلاً بأصوله بما ألهمه الإنسان من داعية حفظ النسب، فهي من الآيات على انفراده تعالى بالوحدانية كما قال تعالى في سورة الروم (21): {أية : ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}. تفسير : فجعلها آية تنطوي على آيات، ويتضمّن ذلك الصنع نعماً كثيرة، كما أشار إليه قوله تعالى: {وبنعمت الله هم يكفرون}. والقول في جملة {والله جعل لكم} كالقول في نظيرتيها المتقدمتين. واللام في {جعل لكم} لتعدية فعل {جعل} إلى ثانٍ. ومعنى {من أنفسكم} من نوعكم، كقوله تعالى: {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسَلّموا على أنفسكم} تفسير : [سورة النور: 61] أي على الناس الذين بالبيوت، وقوله: {أية : رسولا من أنفسهم } تفسير : [سورة آل عمران: 164] وقوله: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} تفسير : [سورة البقرة: 85]. والخطاب بضمير الجماعة المخاطبين موجّه إلى الناس كلّهم، وغلب ضمير التذكير. وهذه نعمة إذ جعل قرين الإنسان متكوّناً من نوعه، ولو لم يجعل له ذلك لاضطُرّ الإنسان إلى طلب التأنّس بنوع آخر فلم يحصل التأنّس بذلك للزوجين. وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان فهي نعمة يدركها الإنسان ولا يدركها غيره من الأنواع. وليس من قوام ماهيّة النّعمة أن ينفرد بها المنعم عليه. والأزواج: جمع زوج، وهو الشيء الذي يصير مع شيء آخر اثنين، فلذا وصف بزوج المرادف لثان. وقد مضى الكلام عليه في قوله تعالى: {أية : اسكن أنت وزوجك الجنة}تفسير : في [سورة البقرة: 35]. والوصف بالزوج يؤذن بملازمته لآخر، فلذا سمّي بالزوج قرين المرأة وقرينةُ الرجل. وهذه نعمة اختصّ بها الإنسان إذ ألهمه الله جعل قرين له وجبله على نظام محبّة وغيرة لا يسمَحان له بإهمال زوجه كما تُهمل العجماوات إناثها وتنصرف إناثها عن ذكورها. و{من} الداخلة على {أنفسكم} للتّبعيض. وجعل البنين للإنسان نعمة، وجعل كونهم من زوجة نعمة أخرى، لأن بها تحقّق كونهم أبناءه بالنسبة للذكر ودوام اتّصالهم به بالنّسبة، ووجود المشارك له في القيام بتدبير أمرهم في حالة ضعفهم. و{من} الداخلة على {أزواجكم} للابتداء، أي جعل لكم بنين منحدرين من أزواجكم. والحفدة: جمع حافد، مثل كَملة جمع كامل. والحافد أصله المسرع في الخدمة. وأطلق على ابن الابن لأنه يكثر أن يخدم جدّه لضعف الجدّ بسبب الكبر، فأنعم الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه بسبب ضبط الحلقة الأولى منها، وهي كون أبنائه من زوجه ثم كون أبناء أبنائه من أزواجهم، فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا النظام المحكم البديع. وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلاً ولا يَشعر بالبنوّة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة قريبَة من الإرضاع. والحفدة للإنسان زيادة في مسرّة العائلة، قال تعالى: {أية : فبشرّناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} تفسير : [سورة هود: 71]. وقد عملت {من} الابتدائية في {حفدة} بواسطة حرف العطف لأن الابتداء يكون مباشرة وبواسطة. وجملة {ورزقكم من الطيبات} معطوفة على جملة {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} وما بعدها، لمناسبة ما في الجمل المعطوف عليها من تضمّن المنّة بنعمة أفراد العائلة، فإن من مكمّلاتها سعة الرزق، كما قال تعالى في آل عمران {أية : زيّن للناس حبّ الشّهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} تفسير : [سورة آل عمران: 14] الآية. وقال طرفة:شعر : فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي بنون كرام سادة لمسود تفسير : فالمال والعائلة لا يروق أحدها بدون الآخر. ثم الرزق يجوز أن يكون مراداً منه المال كما في قوله تعالى في قصة قارون: {أية : وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون ويكأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} تفسير : [سورة القصص: 82]. وهذا هو الظاهر وهو الموافق لما في الآية المذكورة آنفاً. ويجوز أن يكون المراد منه إعطاء المأكولات الطيّبة، كما في قوله تعالى: {أية : وجد عندها رزقاً} تفسير : [سورة آل عمران:37] و{من} تبعيضية. و{الطيبات}: صفة لموصوف محذوف دلّ عليه فعل رزقكم، أي الأرزاق الطيّبات. والتأنيث لأجل الجمع. والطيّب: فَيْعِلٍ صفة مبالغة في الوصف بالطّيِب. والطِيبُ: أصله النزاهة وحسن الرائحة، ثم استعمل في الملائم الخالص من النّكد، قال تعالى: {أية : فلنحيينه حياة طيبة} تفسير : [سورة النحل: 97]. واستعمل في الصالح من نوعه كقوله تعالى: {أية : والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه}، تفسير : في سورة الأعراف (58). ومنه قوله تعالى: {أية : الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين} تفسير : [سورة النحل: 32] وقد تقدم آنفاً. فالطيّبات هنا الأرزاق الواسعة المحبوبة للناس كما ذكر في الآية في سورة آل عمران؛ أو المطعومات والمشروبات اللذيذة الصالحة. وقد تقدم ذكر الطيّبات عند قوله تعالى: {أية : اليوم أحل لكم الطيّبات} تفسير : في سورة العقود (5)، وذكر الطيّب في قوله تعالى: {أية : كلوا مما في الأرض حلالاً طيّباً} تفسير : في سورة البقرة (168). وفرع على هذه الحجّة والمنّة استفهامُ توبيخ على إيمانهم بالباطل البيّن، فتفريع التوبيخ عليه واضح الاتجاه. والباطل: ضد الحقّ لأن ما لا يخلق لا يُعبد بحقّ. وتقديم المجرور في قوله تعالى: {أفبالباطل} على متعلّقه للاهتمام بالتعريف بباطلهم. والالتفات عن الخطاب السابق إلى الغيبة في قوله تعالى: {أفبالباطل} يجري الكلام فيه على نحو ما تقدم في قوله تعالى: {أية : أفبنعمة الله يجحدون} تفسير : [سورة النحل: 71]. وقوله تعالى: {وبنعمت الله هم يكفرون} عطف على جملة التوبيخ، وهو توبيخ متوجّه على ما تضمّنه قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} إلى قوله: {ورزقكم من الطيبات} من الامتنان بذلك الخلق والرزق بعد كونهما دليلاً على انفراد الله بالإلهية. وتقديم المجرور في قوله تعالى: {بنعمت الله هم يكفرون} على عامله للاهتمام. وضمير الغيبة في قوله تعالى: {هم يكفرون} ضمير فصل لتأكيد الحكم بكفرانهم النّعمة لأن كفران النّعمة أخفى من الإيمان بالباطل، لأن الكفران يتعلّق بحالات القلب، فاجتمع في هذه الجملة تأكيدان: التأكيد الذي أفاده التقديم، والتأكيد الذي أفاده ضمير الفصل. والإتيان بالمضارع في {يؤمنون} و{يكفرون} للدّلالة على التجدّد والتّكرير. وفي الجمع بين {يؤمنون} و{يكفرون} محسنّ بديع الطباق.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه امتن على بني آدم أعظم مِنَّة بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجاً من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكوراً وإناثاً، وجعل الإناث أزواجاً للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه من أعظم الآيات الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده. وأوضح في غير هذا الموضع: أن هذه نعمة عظيمة، وأنها من آياته جل وعلا. كقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الروم: 21] وقوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [القيامة: 36-39]، وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف: 189] الآية. واختلف العلماء في المراد بالحفدة في هذه الآية الكريمة. فقال جماعة من العلماء الحفدة: أولاد الأولاد. أي وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. وقال بعض العلماء: الحفدة الأعوان والخدم مطلقاً. ومنه قول جميل:- شعر : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال تفسير : أي أسرعت الولائد الخدمة، والولائد الخدم. الواحدة وليدة، ومنه قول الأعشى: شعر : كلفت مجهولها نوقاً يمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا تفسير : اي أسرعوا في الخدمة. ومنه قوله في سورة الحفد التي نسخت: وإليك نسعى ونحفد. أي نسرع في طاعتك. وسورة الخلع وسورة الحفد اللتان نسختا يس عند المالكية القنوت بهما في صلاة الصبح كما هو معروف. وقيل: الحفدة الأختان، وهم أزواج البنات، ومنه قول الشاعر: شعر : فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما يعد كثير ولكنها نفس علي أبية عيوف لإصهار اللئام قذور تفسير : والقذور: التي تتنزه عن الوقوع فيما لا ينبغي، تباعداً عن التدنس بقذره. قال مقيده عفا الله عنه: الحفدة: جمع حافد، اسم فاعل من الحفد وهو الإسراع في الخدمة والعمل. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة قول بعض العلماء في الآية. فنبين ذلك. وفي هذه الآية الكريمة قرينة دالة على أن الحفدة أولاد الأولاد. لأن قوله {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} دليل ظاهر على اشتراك البنين والحفدة في كونهم من أزواجهم، وذلك دليل على أنهم كلهم من أولاد أزواجهم. ودعوى أن قوله {وحفدةً} معطوف على قوله {أَزْوَاجاً} غير ظاهرة. كما أن دعوى أنهم الأختان، وأن الأختان أزواج بناتهم، وبناتهم من أزواجهم، وغير ذلك من الأقوال - كله غير ظاهر. وظاهر القرآن هو ما ذكر، وهو اختيار ابن العربي المالكي والقرطبي وغيرهما. ومعلوم: أن أولاد الرجل، وأولاد أولاده: من خدمه المسرعين في خدمته عادة. والعلم عند الله تعالى. تنبيه في قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} الآية - رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها. حتى روي أن عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك تزوج سعلاة منهم، وكان يخبؤوها عن سنا البرق لئلا تراه فتنفر. فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة، فقالت: عمرو ونفرت. فلم يرها أبداً. ولذا قال علباء بن أرقم يهجو أولاد عمرو المذكور: شعر : ألا لحى الله بني السعلاة عمرو بن يربوع لئام النات ليسوا بأعفاف ولا أكيات تفسير : أبدلت فيه السين تاء أيضاً. وقال المعري يصف مراكب إبل متغربة عن الأوطان، إذا رأت لمعان البرق تشتاق إلى أوطانها. فزعم أنه يستر عنها البرق لئلا يشوقها إلى أوطانها كما كان عمرو يستره عن سعلاته: شعر : إذا لاح إيماض سترت وجوهها كأني عمرو والمطي سعالى تفسير : والسعلاة: عجوز الجن. وقد روي من حديث أبي هريرة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أحد أبوي بلقيس كان جنِّيَّاً ". تفسير : قال صاحب الجامع الصغير: أخرجه أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه في التفسير، وابن عساكر: وقال شارحه المنَاوي: في إسناده سعيد بن بشر قال في الميزان عن ابن معين: ضعيف. وعن ابن مسهر: لم يكن ببلدنا أحفظ منه، وهو ضعيف منكر الحديث، ثم ساق من مناكيره هذا الخبر اهـ. وبشير بن نهيك أورده الذهبي في الضعفاء. وقال أبو حاتم:لا يحتج به. ووثقه النسائي. انتهى. وقال المناوي في شرح حديث "حديث : أحد أبوي بلقيس كان جنياً"تفسير : قال قتادة: ولهذا كان مؤخر قدميها كحافر الدابة. وجاء في آثار: أن الجني الأم. وذلك أن أباها ملك اليمن خرج ليصيد فعطش، فرفع له خباء فيه شيخ فاستسقاه، فقال: يا حسنة اسقي عمك. فخرجت كأنها شمس بيدها كأس من ياقوت. فخطبها من أبيها، فذكر أنه جني، وزوجها منه بشرط أنه إن سألها عن شيء عملته فهو طلاقها. فأتت منه بولد ذكر، ولم يذكر قبل ذلك، فذبحته فكرب لذلك، وخاف أن يسألها فتبين منه. ثم أتت ببلقيس فأظهرت البشر فاغتم فلم يملك أن سألها، فقالت: هذا جزائي منك! باشرت قتل ولدي من أجلك! وذلك أن أبي يسترق السمع فسمع الملائكة تقول: إن الولد إذا بلغ الحلم ذبحك، ثم استرق السمع في هذه فسمعهم يعظمون شأنها، ويصفون ملكها، وهذا فراق بيني وبينك. فلم يرها بعد. هذا محصول ما رواه ابن عساكر عن يحيى الغساني اهـ من شرح المنَاوي للجامع الصغير. وقال القرطبي في تفسير "سورة النحل": كان أبو بلقيس وهو السرح بن الهداهد بن شراحيل، ملكاً عظيم الشأن، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفأ لي. وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن. فولدت له بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو هريرة: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان أحد أبوي بلقيس جنياً"تفسير : - إلى أن قال: إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيراً لملك عات، يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيوراً فلم يتزوج. فصحب مرة في الطريق رجلاً لا يعرفه فقال: هل لك من زوجة؟ فقال: لا أتزوج أبداً. فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن. فقال: لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبداً. قال: بل يغتصبها! قال: إنا قوم من الجن لا يقدر علينا. فتزوج ابنته فولدت له بلقيس - إلى غير ذلك من الروايات. وقال القرطبي أيضاً: وروى وهيب بن جرير بن حازم، عن الخليل بن أحمد، عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس من الجن، يقال لها: بلعمة بنت شيصان. قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن الحديث الوارد في كون أحد أبوي بلقيس جنياً ضعيف، وكذلك الآثار الواردة في ذلك ليس منها شيء يثبت. مسألة اختلف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن. فمنعها جماعة من أهل العلم، وأباحها بعضهم. قال المناوي (في شرح الجامع الصغير): ففي الفتاوى السراجية للحنفية: لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء. لاختلاف الجنس. وفي فتاوي البارزي من الشافعية: لا يجوز التناكح بينهما. ورجح ابن العماد جوازه اهـ. وقال الماوردي: وهذا مستنكر للعقول. لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين. إذ الآدمي جسماني، والجني روحاني. وهذا من صلصال كالفخار، وذلك من مارج من نار، والامتزاج مع هذا التباين مدفوع، والتناسل مع هذا الاختلاف ممنوع اهـ. وقال ابن العربي المالكي: نكاحهم جائز عقلاً. فإن صح نقلاً فبها ونعمت. قال مقيده عفا الله عنه: لا أعلم في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نصاً يدل على جواز مناكحة الإنس الجن، بل الذي يستروح من ظواهر الآيات عدم جوازه. فقوله في هذه الآية الكريمة: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [النحل:72] الآية. ممتناً على بني آدم بأن أزواجهم من نوعهم وجنسهم - يفهم منه أنه كما جعل لهم أزواجاً تباينهم كمباينة الإنس والجن، وهو ظاهر. ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21]. فقوله: {أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجا} في معرض الامتنان - يدل على أنه ما خلق لهم أزواجاً من غير أنفسهم. ويؤيد ذلك ما تقرر في الأصول من "أن النكرة في سياق الامتنان تعم" فقوله: {جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} جمع منكر في سياق الامتنان فهو يعم، وإذا عم دل ذلك على حصر الأزواج المخلوقة لنا فيما هو من أنفسنا، أي من نوعنا وشكلنا. مع أن قوماً من أهل الأصول زعموا "أن الجموع المنكرة في سياق الإثبات من صيغ العموم". والتحقيق أنها في سياق الإثبات لا تعم، وعليه درج في مراقي السعود حيث قال في تعداده للمسائل التي عدم العموم فيها أصح: شعر : منه منكر الجمع عرفا وكان والذي عليه انعطفا تفسير : أما في سياق الامتنان فالنكرة تعم. وقد تقرر في الأصول "أن النكرة في سياق الامتنان تعم"، كقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان: 48] أي فكل ماء نازل من السماء طهور, وكذلك النكرة في سياق النفي أو الشرط أو النهي. كقوله: {أية : مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [الأعراف: 59]، وقوله: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 6] الآية، وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}تفسير : [الإنسان: 24] الآية. ويستأنس لهذا بقوله: {أية : وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} تفسير : [الشعراء: 166] فإنه يدل في الجملة على أن تركهم ما خلق الله لهم من أزواجهم، وتعديه إلى غيره يستوجب الملام، وإن كان أصل التوبيخ والتقريع على فاحشة اللواط. لأن أول الكلام {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} تفسير : [الشعراء: 165-166] فإنه وبخهم على أمرين: أحدهما - إتيان الذكور. والثاني - ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم. وقد دلت الآيات المتقدمة على أن ما خلق لهم من أزواجهم، هو الكائن من أنفسهم. أي من نوعهم وشكلهم. كقوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً}، وقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} تفسير : [الروم: 21]، فيفيد أنه لم يجعل لهم أزواجاً من غير أنفسهم. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 72- والله جعل لكم من جنس أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل لكم من أزواجكم بنين وأبناء بنين، ورزقكم ما أباحه لكم مما تطيب به نفوسكم. أبعد ذلك يشرك به بعض الناس؟ فيؤمنون بالباطل، ويجحدون نعمة الله المشاهدة، وهى التى تستحق منهم الشكر، وإخلاص العبادة لله. 73- ويعبدون غير الله من الأوثان وهى لا تملك أن ترزقهم رزقا - أَىَّ رزقٍ - ولو قليلا سواء كان هذا الرزق آتيا من جهة السماء كالماء، أم خارجاً من الأرض كثمر الأشجار والنبات، ولا تستطيع هذه الآلهة أن تفعل شيئاً من ذلك ولا أقل منه. 74- وحيث ثبت لكم عدم نفع غير الله لكم، فلا تذكروا لله تعالى أشباهاً، وتبرروا عبادتها بأقيسة فاسدة، وتشبيهات غير صحيحة تعبدونها معه. إن الله يعلم فساد ما تعملون، وسيجازيكم عليه، وأنتم فى غفلة لا تعلمون سوء مصيركم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجاً} {أَزْوَاجِكُم} {ٱلطَّيِّبَاتِ} {أَفَبِٱلْبَاطِلِ} (72) - وَاللهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِلنَّاسِ أَزْوَاجاً مِنْ جِنْسِهِمْ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، يَأْنَسُونَ بِهِنَّ، وَتَقُومُ بِهِنَّ جَميعُ مَصَالِحِهِمْ، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْهُنَّ بَنينَ وَأَحْفَاداً (حَفَدَةً - أَوْلاَدَ الأَوْلاَدِ) وَرَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ (مِنْ مَأْكَلٍ وَمَلْبَسٍ وَمَشْرَبٍ ...) وَكُلُّ هذا مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يَكْفُرُ الكَافِرُونَ بِاللهِ، وَيَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وَيُضِيفُونَهَا إِلَى غَيْرِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِالأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ (بِالبَاطِلِ)؟ َحَفَدَةً - أَبْنَاءَ البَنِينَ - أَوْ خَدَماً وَأَعْوَاناً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه في الآية السابقة قنَّن لنا قضية القمة - قضية العقيدة - في أننا لا نعطي شيئاً جعله الله لنفسه سبحانه من العبودية والألوهية والطاعة وغيرها، لا نعطيها لغيره سبحانه .. وإذا صَحَّتْ هذه القضية العَقدية صَحَّتْ كل قضايا الكون. ثم بيَّن سبحانه أنه خلقنا من واحد، ثم خلق من الواحد زوجة له، ليتم التناسل والتكاثر .. إذ إن استمرارَ بقائكم خاضعٌ لأمرين: الأمر الأول: استبقاء الحياة، وقد ضمنه سبحانه بما أنعم به علينا من الأرزاق، فنأكل ونشرب فنستبقي الحياة، فبعد أنْ تحدّث عن استبقاء الحياة بالرزق في الآية السابقة ذكر: الأمر الثاني: وهو استبقاء الحياة ببقاء النوع، فقال سبحانه: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ..} [النحل: 72]. والأزواج: جمع زوج، والزوج لا يعني الرجل فقط، بل يعني الرجل والمرأة؛ لأن كلمة (زوج) تُطلَق على واحد له نظير من مثله، فكلُّ واحد منهما زَوْج .. الرجل زوج، والمرأة زوج، فتُطلق - إذن - على مُفْرد، لكن له نظير من مثله. و {مِّنْ أَنْفُسِكُمْ ..} [النحل: 72]. أي: من نَفْس واحدة، كما قال في آية أخرى: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..} تفسير : [الزمر: 6]. يعني: أخذ قطعة من الزوج، وخلق منها الزوجة، كما خلق سبحانه حواء من آدم - عليهما السلام. أو: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا ..} تفسير : [النساء: 1]. أي: من جنسها، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128]. أي: من جنسكم. فالمسألة تحتمل المعنيين .. مَن اتسع ظنُّه إلى أن الله خلق حواء من ضِلع آدم أي: منه، من بعضه فلا مانع، ومَنْ قال: خلق الله حواء كما خلق آدم خَلْقاً مستقلاً، ثم زَاوَج بينهما بالزواج فلا مانع .. فالأول على معنى البَعْضية، والثاني على معنى من جنسكم. قلنا: إن الجمع إذا قابل الجمع اقتضت القسمةُ آحاداً .. كما لو قال المعلم لتلاميذه: أخرِجوا كتبكم، فهو يخاطب التلاميذ وهم جَمْع. وكتبهم جمع، فهل سيُخرِج كل تلميذ كُتب الآخرين؟! .. لا .. بل كل منهم سيُخرج كتابه هو فقط .. إذن: القسمة هنا تقتضي آحاداً .. وكذلك المعنى في قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ..} تفسير : [الروم: 21]. أي: خلق لكل منكم زَوْجاً. ولكي نتأكد من هذه الحقيقة، وأن الخَلْق بدأ بآدم عليه السلام - نردُّ الأشياء إلى الماضي، وسوف نجد أن كُلَّ متكاثر في المستقبل يتناقص في الماضي .. فمثلاً سُكّان العالم اليوم أكثر من العام الماضي .. وهكذا تتناقص الأعداد كلما أوغلنا في الماضي، إلى أن نصلَ إلى إنسان واحد هو آدم عليه السلام - ومعه زوجه حواء، لأن أقلَّ التكاثر من اثنين. إذن: قوله سبحانه: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..} تفسير : [النساء: 1]. كلام صحيح يؤيّده الاستقراء والإحصاء. لذلك يمتنُّ ربّنا سبحانه علينا أنْ خلقَ لنا أزواجاً، ويمتنُّ علينا أن جعل هذا الزوج من أنفسنا، وليس من جنس آخر، لأن إلْفَ الإنسان وأنْسه لا يتم إلا بجنسه، وهذه من أعظم نعم الله علينا، ولك أن تتصوَّر الحال إذا جعل الله لنا أزواجاً من غير جنسنا!! كيف يكون؟! هذا الزوج اشترك معنا في أشياء، واختلف عنّا في شيء واحد، اتفقنا في أشياء: فالشكل واحد، والقالب واحد، والعقل واحد، والأجزاء واحدة: عينان وأذنان .. يدان ورجْلان .. الخ، وهذا الاشتراك يُعين على الارتقاء والمودة والأنْس والألْفة. واختلفنا في شيء واحد هو النوع: فهذا ذكر، وهذه أنثى. إذن: جمعنا جنس، وفرَّقنا النوع لِيتمّ بذلك التكامل الذي أراده سبحانه لعمارة الأرض. وهناك احتمال أن يتحوَّل الذكر إلى أنثى أو الأنثى إلى ذكر، لذلك خلق الله الاحتياط لهذه الظاهرة، كأنْ يكونَ للرجل ثَدْي صغير، أو غيره من الأعضاء القابلة للتحويل، إذا ما دَعَتْ الحاجة لتغيير النوع .. فهذا تركيب حكيم وقدرة عالية. إذن: {مِّنْ أَنْفُسِكُمْ ..} [النحل: 72]. ليزداد الإلْف والمحبة والأُنْس والمودّة بينكم؛ ولذلك نجد في قصة سيدنا سليمان عليه السلام - والهدهد، حينما تفقَّد الطير وعرف غياب الهدهد قال: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}تفسير : [النمل: 21]. وهذا سلطان الملْك الذي أعطاه الله لسليمان .. قالوا في: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً ..}تفسير : [النمل: 21]. أي: يضعه في غير جنْسه .. إذن: وَضْعه في غير جنسه نوع من العذاب .. وتكون (من أنفسكم) نعمة ورحمة من الله. وفي الآية الأخرى يذكر سبحانه عناصر ثلاثة لاستبقاء العلاقة الزوجية، فيقول تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الروم: 21]. ولو تأملنا هذه المراحل الثلاثة لوجدنا السكن بين الزوجين، حيث يرتاح كُلٌّ منهما إلى الآخر، ويطمئن له ويسعد به، ويجد لديه حاجته .. فإذا ما اهتزتْ هذه الدرجة ونفرَ أحدهما من الآخر جاء دور المودّة والمحبة التي تُمسِك بزمام الحياة الزوجية وتوفر لكليهما قَدْراً كافياً من القبول. فإذا ما ضعف أحدهما عن القيام بواجبه نحو الآخر جاء دور الرحمة، فيرحم كل منهما صاحبه .. يرحم ضَعْفه .. يرحم مرضه .. وبذلك تستمر الحياة الزوجية، ولا تكون عُرْضة للعواصف في رحلة الحياة. فإذا ما استنفدنا هذه المراحل، فلم يَعُدْ بينهما سَكَن ولا مودّة، ولا حتى يرحم أحدهما صاحبه فقد استحالتْ بينهما العِشرة، وأصبح من الحكمة مفارقة أحدهما للآخر. وهنا شرع الحق سبحانه الطلاق ليكون حلاً لمثل هذه الحالات، ومع ذلك جعله ربنا سبحانه أبغض الحلال، حتى لا نقدم عليه إلا مُضطرِّين مُجْبرين. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ..} [النحل: 72]. البنون هم الحلقة الأولى لاستبقاء الحياة، والحفَدة وهم وَلَدُ الولد، هم الحلقة الثانية لاستبقاء الحياة؛ ذلك لأن الإنسان بطبْعه يحب الحياة ويكره الموت، وهو يراه كل يوم يحصد النفوس من حَوْله .. فإيمانه بالموت مسألة محققة، فإذا ما تيقَّن أن الحياة تفوته في نفسه أراد أنْ يستبقيَها في وَلَده .. ومن هنا جاء حُبُّ الكثيرين مِنَّا، للذكور الذين يُمثِّلون امتداداً للآباء. فإذا ما رزقه الله الأبناء، وضمن له الجيل الأول تطلّع إلى أنْ يرى أبناء الأبناء؛ ليستبقي الحياة له ولولده من بعده؛ ولذلك فالشاعر الذي يخاطب ابنه يقول له: شعر : أبُنيّ .. يَا أنَا بَعْدَمَا أَقْضِي تفسير : وهذه هي نظرة الناس إلى الأولاد، أنهم ذِكْر لهم بعد موتهم .. وكأن اسمه موصولٌ لا ينتهي. ويقول الله تبارك وتعالى: {بَنِينَ وَحَفَدَةً ..} [النحل: 72]. تدلُّنا على ضرورة الحِرص على اندماج الأجيال .. زوجين، ثم أبناء وحفدة .. فما فائدة اندماج الأجيال؟ ما فائدة المعاصرة والمخالطة بين الجدِّ وحفيده؟ نلاحظ أن الوليد الصغير يبدأ عنده الإدراك بمجرد أنْ تعملَ وسائل الإدراك عنده، فيبدأ يلتقط مِمَّنْ حوله ويتعلَّم منهم .. فإذا كان له أخوة أكبر منه تعلّم منهم مثلاً بابا .. ماما .. فإذا لم يكُنْ له إخوة نُعلّمه نحن هذه الكلمات. ولذلك نرى الطفل الثاني أذكى من الأول، والثالث أذكى من الثاني .. وهكذا لأنه يأخذ ممَّنْ قبله وممَّنْ حوله، فيزداد بذلك إدراكه، وتزداد خبراته ومعلوماته. ولنتصور أن هذا الابن أصبح أباً، وجاء الحفيد الذي يعاصر الجيلين؛ جيل الأب وجيل الجدِّ، يشبّ الصغير في أحضانهما، فتراه يأخذ من أبيه نشاطه في حركة الحياة وسَعْيه للرزق. في حين أنه يأخذ من جَدِّه القيم الدينية حيث الجد في البيت باستمرار بعد أن تقدَّم به العمر فأقبل على الطاعة والعبادة .. فيسمع منه الصغير قراءة القرآن .. متى يؤذن للظهر .. يا ولد هات المصحف .. يا ولد هات السجادة لأصلي، إلى غير هذه من الكلمات التي يأخذ منها الصغير هذه القيم. إذن: الحفيد يلتقط لوناً من النشاط والحركة في جيل أبيه، ويلتقط لوناً من القيم في جيل جَدِّه؛ ولذلك فإن ابتعاد الأجيال يُسبِّب نقصاً في تكوين الأطفال، والحق سبحانه يريد أنْ تلتحمَ الأجيال لتكتمل للطفل عناصر التربية بين القيم المعنوية والحركة والنشاط. وقوله تعالى: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ..} [النحل: 72]. الطيبات في الرزق الذي جعله الله لاستبقاء الحياة، وفي الزواج الذي جعله الله لاستبقاء النوع. ثم يقول تعالى: {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72]. الباطل: هو الأصنام التي اتخذوها من دون الله. وفي الآية استفهام للتعجُّب والإنكار .. كيف تكفرون بنعمة الله وقد خلقكم في البَدْء من نفس واحدة، وخلق منها زوجها .. وجعل لكم من أنفسكم أزواجاً .. وجعل بينكم سكناً ومودة ورحمة، ثم جعل لكم البنين والحفدة، ورزقكم من نِعم الحياة ما يستبقي حياتكم، ومن نِعَم الأزواج ما يستبقي نوعكم، وجعلكم في نعمة ورفاهية .. خلقكم من عَدَم، وأمدَّكم من عُدم. أبعد ذلك كله تجحدون نعمته وتكفرونها، وبدل أنْ تُقبِلوا عليه وتلتفتوا إليه تنصرفون إلى عبادة الأصنام التي لا تضرُّ ولا تنفع .. وهل عملتْ لكم الأصنامُ شيئاً من ذلك؟! هل أنعمتْ عليكم بنعمة من هذه النعم؟! هذه الأصنام محتاجة إليكم .. تأخذ منكم ولا تعطيكم .. فهذا مائل يريد مَنْ يقيمه .. وهذا كُسِر يحتاج لمن يُصلحه .. انقل الإله .. ضَع الإله في مكان كذا .. الخ. ولذلك يقول تعالى في الآية بعدها: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَنِينَ وَحَفَدَةً} الحَفَدةُ: الخِدّامُ والأَعوانُ ويقالُ: الأَخْتَانُ. ويقالُ هُم بَنو المَرأةِ مِن زَوجِها الأَولِ.
الجيلاني
تفسير : {وَٱللَّهُ} المدبر المصلح لأحوال عباده {جَعَلَ لَكُمْ} تفضلاً عليكم {مِّنْ أَنْفُسِكُمْ} أي: من جنسكم، وبني نوعكم {أَزْوَاجاً} نساءاً، تستأذنون بهن، وتستنسلون منهم {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ} ليخلفوا فيكم، ويحيوا أسماءكم {وَ} جعل لكم من أبنائكم وبناتكم {حَفَدَةً} يسرعون إلى خدمتكم وطاعتكم {وَ} بالجملة: {رَزَقَكُم} الله تفضلاً عليكم وامتناناً {مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} العقوبة المقومة لأمزجتكم وبنيتكم؛ لتواظبوا على طاعة الله، وتداوموا الميلَ إلى جنابه، وتلازموا شكر: نعمه {أَ} تتركون متابعة الحق الحقيق بالنعمة، وهو القرآن المعجز، والرسول المبين له {فَبِٱلْبَاطِلِ} الذي هو الأصنام والأوثان {يُؤْمِنُونَ} يصدقون ويعبدون {وَ} بالجملة: {بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} النعم المكرم بأنواع الكرم {هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72] حيث صرفوها إلى خلاف ما أُمروا يصرفها؛ إذ إعطاء النعم إياهم إنما هو لتقوية طاعة الله، وكسب معارفه وحقائقه، لا لعبادة الأصنام والأوثان الباطلة. {وَ} من خبث باطنهم، وثمرة كفرانهم نعم الله أنهم {يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المالك لأزمة الأمور الجارية في خلال الزمان والدهور {مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً} معنوياً روحانياً فائضاً {مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأسماء، والصفات على مقتضى الجود الإلهي {وَ} لا رزقاً صورياً جسمانياً معنوياً؛ لاكتساب المعارف الروحانية، مستخرجة من {ٱلأَرْضِ} أي: معالم الهيولي والطبيعة {شَيْئاً وَ} هم أيضاً {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73] لأنفسهم، فكيف لغيرهم؟!. {فَلاَ تَضْرِبُواْ} ولا تثبتوا أيها الجاهلون بقدر الله وعلو شأنه {لِلَّهِ} المنزه عن الأنداد والأشباه {ٱلأَمْثَالَ} إذ لا مثل ولا شبه ولا كفء، فكيف يشاركون له دونه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع الكوائن والفواسد {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري جميع أحوالكم، وأحوال معبوداتكم، وما حرى عليكم وعليهم {وَأَنْتُمْ} أيها الغافلون الجاهلون بحق قدره {لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 74] منه شيئاً، فكيف تضربون له مثلاً؟!. بل {ضَرَبَ ٱللَّهُ} العالم بجيمع السرائر والخفايا {مَثَلاً} لنفسه، ولمن آثبت المشركون له سبحانه شريكاً من الأصنام والأوثان مثّل سبحانه شركاءهم {عَبْداً مَّمْلُوكاً} رقيقاً لا مكاتباً {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} من التصرف في مكاسبه بغير إذن مولاه {وَ} مثَّل سبحانه نفسه {مَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا} يعني: من أحرارنا لأرقائهم تفضلاً وإحساناً {رِزْقاً حَسَناً} حلالاً وافراً {فَهُوَ يُنْفِقُ} ويتصرف {مِنْهُ} أي: من رزقه وكسبه {سِرّاً} بحيث لا يطلع على إنفاقه أحد، حتى الفقراء المستحقون {وَجَهْراً} وعلانية على رءوس الملأ. {هَلْ يَسْتَوُونَ} الأحرار المتصرفون أموالهم بالاستقلال والاختيار، وأولئك العبيد المعزولون عن التصرف رأساً {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على ما أعطانا عقلاً نجزم به عدم المساواة بين الفريقين، ونميز به الحق عن الباطل، والهداية عن الضلال {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] الفرق بين كلا الفريقين؛ لعدم صرفهم نعمه العقل إلى ما خُلق لأجله، وهو الامتياز المذكور. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ} وَهُوَ أيضاً {مَثَلاً} لنفسه، ولتك المعبودات الباطلة، فقال: مثَلُنا ومثَلُهم مثلُ {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} أي: أخرس وأصم {لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} من التفهم والتفيهم {وَ} كيف يقدر على النفع للغير؛ إذ {هُوَ} في نفسه {كَلٌّ} ثقل {عَلَىٰ مَوْلاهُ} أي: حافظه ومولي أموره {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ} ويصرفه لطلب المهام {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} نجحٍ ونيلٍ، وهو مثل الأصنام العاطلة الكليلة التي لا خير فيها أصلاً {هَلْ يَسْتَوِي} أيها العقلاء المميزون {هُوَ} أي: هذا الموصوف بالأوصاف المذكورة {وَمَن} هو ذو منطق فصيح معرب {يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} وينال بالخير والحسنى أينما توجهه بنفسه {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] معتدلٍ مائلٍ عن كلا طرفي الافراط والتفريط المذمومَين، وهو مثل لله الواحد الأحد الصمد، المتصرف المستقل في ملكه بالإرادة والاختيار. ثمَّ أشار سبحانه إلة علو شأنه، وسمو برهانه، وتخصصه باطلاع المغيبات التي لا اطلاع لأحدٍ عليها، فقال: {وَلِلَّهِ} خاصةً واستقلالاً {غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: ما فيها من جنود الله ومخلوقاته {وَ} غيب {ٱلأَرْضِ} أي: ما عليها أيضاً من جنوده، لا اطلاع لأحدٍ منَّا عليها {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} الموعودة، وقصة وقوعها وقيامها بالنسبة إلى قبضة قدرته {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} أي: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها في القرب والدنوّ {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أي: بل هو أقرب من رجع الطرف؛ إذ الآن فيه متحقق في سرعة نفوذ فضاء الله بعد تعلق إرادته، الآن موهوم مخيل؛ إلا تراخي بين الأمر الألهي ووقوع المأمور المراد له إلاَّ وهماً على ما مر في تفسير قوله سبحانه: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117]، ولا يستبعد عن الله سبحانه أمثال هذا {إِنَّ ٱللَّهَ} المتصف بجميع أوصاف الكمال {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} داخلٍ في حيطة حضرة علمه وقدرته {قَدِيرٌ} [النحل: 77] لا ينتهي قدرته دون مقدورٍ أصلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادا تقرُّ بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها. { أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } أي: أيؤمنون بالباطل الذي لم يكن شيئا مذكورا ثم أوجده الله وليس له من وجوده سوى العدم فلا تخلق ولا ترزق ولا تدبر من الأمر شيئا، وهذا عام لكل ما عبد من دون الله فإنها باطلة فكيف يتخذها المشركون من دون الله؟!! { وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } يجحدونها ويستعينون بها على معاصي الله والكفر به، هل هذا إلا من أظلم الظلم وأفجر الفجور وأسفه السفه؟!!
همام الصنعاني
تفسير : 1501- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الحكم بن أبان، عن عِكْرِمة في قوله تعالى: {نِينَ وَحَفَدَةً}: [الآية: 72]، قال: الحفدة مَنْ يَخْدِمُكَ مِنْ ولدك ووَلَدِ وَلدِكَ. 1502- حدثنا عبد الرزاق، عن عن ابن عيينة، عن عَاصِم بن أبي النجود، عن زرِّ بْنِ حبيش، قال: قال عبدُ الله بنِ مسعود: أتدري ما الحفدةُ يا زرّ؟ قال: قلت نعم، هم حفاد الرجل من ولدِه، وولدِ ولدِهِ، قال: لا، هم الأصْهَارُ. 1503- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن الحسن قال: الحَفَدة الْخَدَم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):