Verse. 1974 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ مَا لَا يَمْلِكُ لَہُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ شَـيْـــًٔـا وَّلَا يَسْتَطِيْعُوْنَ۝۷۳ۚ
WayaAAbudoona min dooni Allahi ma la yamliku lahum rizqan mina alssamawati waalardi shayan wala yastateeAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويعبدون من دون الله» أي غيره «ما لا يملك لهم رزقا من السماوات» بالمطر «والأرض» بالنبات «شيئا» بدل من رزقا «ولا يستطيعون» يقدرون على شيء وهو الأصنام.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أنواعاً كثيرة في دلائل التوحيد، وتلك الأنواع كما أنها دلائل على صحة التوحيد، فكذلك بدأ بذكر أقسام النعم الجليلة الشريفة، ثم أتبعها في هذه الآية بالرد على عبدة الأصنام فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فيعني به الغيث الذي يأتي من جهة السماء، وأما الذي يأتي من جانب الأرض فهو النبات والثمار التي تخرج منها وقوله: {مِنْ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } من صفة النكرة التي هي قوله: {رِزْقاً } كأنه قيل: لا يملك لهم رزقاً من الغيث والنبات وقوله: {شَيْئاً } قال الأخفش: جعل قوله: {شَيْئاً } بدلاً من قوله: {رِزْقاً } والمعنى: لا يملكون رزقاً لا قليلاً ولا كثيراً، ثم قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } والفائدة في هذه اللفظة أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعته أن يتملكه بطريق من الطرق، فبين تعالى أن هذه الأصنام لا تملك وليس لها أيضاً استطاعة تحصيل الملك. فإن قيل: إنه تعالى قال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ } فعبر عن الأصنام بصيغة «ما» وهي لغير أولي العلم، ثم قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } والجمع بالواو والنون مختص بأولى العلم فكيف الجمع بين الأمرين؟ والجواب: أنه عبر عنها بلفظ «ما» اعتباراً لما هو الحقيقة في نفس الأمر وذكر الجمع بالواو والنون اعتباراً لما يعتقدون فيها أنها آلهة. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: يعني لا تشبهوه بخلقه. الثاني: قال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مثلاً، لأنه واحد لا مثل له. والثالث: أقول يحتمل أن يكون المراد أن عبدة الأوثان كانوا يقولون: إن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هذه الأصنام، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم، والدليل عليه العرف، فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا ههنا فعند هذا قال الله تعالى لهم اتركوا عبادة هذه الأصنام والكواكب ولا تضربوا لله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله الحكيم القدير. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه وجهان: الأول: أن الله تعالى يعلم ما عليكم من العقاب العظيم، بسبب عبادة هذه الأصنام وأنتم لا تعلمون ذلك، ولو علمتموه لتركتم عبادتها. الثاني: أن الله تعالى لما نهاكم عن عبادة هذه الأصنام فاتركوا عبادتها، واتركوا دليلكم الذي عولتم عليه وهو قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك، لأن هذا قياس، والقياس يجب تركه عند ورود النص، فلهذا قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ} يعني المطر. {وَٱلأَرْضِ} يعني النبات. {شَيْئاً} قال الأخفش: هو بدل من الرزق. وقال الفرّاء: هو منصوب بإيقاع الرزق عليه؛ أي يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئاً. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} أي لا يقدرون على شيء، يعني الأصنام. {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} أي لا تشبّهوا به هذه الجمادات؛ لأنه واحد قادر لا مثل له. وقد تقدم.

البيضاوي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً} من مطر ونبات، و {رِزْقاً } إن جعلته مصدراً فشيئاً منصوب به وإلا فبدل منه. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } أن يتملكوه أو لا استطاعة لهم أصلاً، وجمع الضمير فيه وتوحيده في {لاَ يَمْلِكُ } لأن {مَا } مفرد في معنى الألهة، ويجوز أن يعود إلى الكفار أي ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون شيئاً من ذلك فكيف بالجماد.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى إخباراً عن المشركين الذين عبدوا معه غيره، مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق، وحده لا شريك له ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً، أي: لا يقدر على إنزال مطر، ولا إنبات زرع ولا شجر، ولا يملكون ذلك لأنفسهم، أي: ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} أي: لا تجعلوا له أنداداً وأشباهاً وأمثالاً، {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}أي: إنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَٰوَاتِ } بالمطر {وٱلأَرْضِ } بالنبات {شَيْئاً } بدل من (رزقاً) {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } يقدرون على شيء وهو الأصنام.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء} فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يملك ما لم يؤذن وإن كان باقياً معه. الثاني: أن لسيده انتزاعه من يده وإن كان مالكاً له. {ومَن رزقناه مِنا رزقاً حسناً} يعني الحُرّ، وفيه وجهان: أحدهما: ملكه ما بيده. الثاني: تصرفه في الاكتساب على اختياره. وفي هذا المثل قولان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله للكافر لأنه لا خير عنده، ومن رزقناه منا رزقاً حسناً هو المؤمن، لما عنده من الخير، وهذا معنى قول ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه والأوثان، لأنها لا تملك شيئاً، وإنهم عدلوا عن عبادة الله تعالى الذي يملك كل شيء، قاله مجاهد.

ابن عطية

تفسير : هذه آية تقريع للكفار وتوبيخ وإظهار لفساد نظرهم ووضع لهم من الأصنام في الجهة التي فيها سعي الناس وإليها هممهم، وهي طلب الرزق، وهذه الأصنام لا تملك إنزال المطر ولا إثبات نعمة، ومع أنها لا تملك لا تستطيع أن تحاول ذلك من ملك الله تعالى، وقوله {رزقاً} مصدر ونصبه على المفعول بـ {يملك}، وقوله {شيئاً} ذهب كثير من النحويين إلى أنه منصوب على البدل، من قوله {رزقاً} و {رزقاً} اسم، وذهب الكوفيون وأبو علي معهم إلى أنه منصوب بالمصدر في قوله {رزقاً} ولا نقدره اسماً، وهو كقوله تعالى {أية : ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً} تفسير : [المرسلات: 25-26] فـ {كفاتاً} [المرسلات: 25] مصدر منصوب به {أحياء} [المرسلات: 26] ومنه أيضاً في قوله عز وجل {أية : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة} تفسير : [البلد: 14-15] فنصب {يتيماً} [البلد: 15] بـ {إطعام} [البلد: 14]، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فلولا رجاء النصر منك ورهبة عقابك قد صاروا لنا كالموارد تفسير : والمصدر يعمل مضافاً باتفاق لأنه في تقدير الانفصال، ولا يعمل إذا دخله الألف اللام لأنه قد توغل في حال الأسماء وبعُد عن حال الفعلية، وتقدير الانفصال في الإضافة حسن عمله، وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشاعر: شعر : ضعيف النكاية أعداءه تفسير : البيت: وقوله: عن الضرب مسمعاً، وقوله {يملك} على لفظ {ما}، وقوله {يستطيعون} على معناها بحسب اعتقاد الكفار في الأصنام أنها تعقل، ويحتمل أن يكون الضمير في {يستطيعون} للذين يعبدون، المعنى لا يستطيعون ذلك ببرهان يظهرونه وحجة يثبتونها، وقوله {فلا تضربوا} أي لا تمثلوا لله الأمثال، وهو مأخوذ من قولك: ضريب هذا أي مثله، والضرب النوع، تقول: الحيوان على ضروب، وهذان من ضرب واحد، وباقي الآية بين وقوله {ضرب الله مثلاً} الآية، هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه، وإنما هو مسخر بإرادة سيده مدبر، ولا يلزم من هذا أن العبيد كلهم بهذه الصفة كما انتزع بعض من ينتحل الفقه، وقد قال في المثال: لا يقدر على شيء فيلزم على هذا الانتزاع أن يكون مؤمناً ينفق بحسب الطاعة، وذلك أنه أشرف أن يكون مثالاً، والرزق ما صح الانتفاع به، وقال أبو منصور في عقيدته: الرزق ما وقع الاغتذاء به، وهذه الآية ترد على هذا التخصيص، وكذلك قوله تعالى: {أية : ومما رزقناهم ينفقون} تفسير : [البقرة: 30] و {أية : أنفقوا مما رزقناكم} تفسير : [البقرة: 254] وغير ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : جعل رزقي في ظل رمحي"تفسير : ، وقوله: "حديث : أرزاق أمتي في سنابك خيلها، وأسنة رماحها، فالغنيمة كلها رزق"تفسير : ، والصحيح أن ما صح الانتفاع به هو الرزق، وهو مراتب أعلاها ما تغذي به، وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله: "حديث : يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وفي معنى اللباس يدخل المركوب ونحوه، واختلف الناس في الذي هو له هذا المثيل فقال قتادة وابن عباس: هو مثل الكافر والمؤمن فكأن الكافر مملوك مصروف عن الطاعة فهو لا يقدر على شيء لذلك. ويشبه ذلك العبد المذكور. قال القاضي أبو محمد: والتمثيل على هذا التأويل إنما وقع في جهة الكافر فقط، جعل له مثالاً، ثم قرن بالمؤمن المرزوق إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، وإنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين، وقال مجاهد والضحاك: هذا المثال والمثال الآخر الذي بعده إنما هو لله تعالى والأصنام، فتلك هي للعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى تتصرف قدرته دون معقب، وكذلك فسر الزجاج على نحو قول مجاهد. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل أصوب، لأن الآية تكون من معنى ما قبلها وبعدها في تبين أمر الله والرد على أمر الأصنام، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، وعبد كان له، وروي تعيين غير هذا ولا يصح إسناده. قال القاضي أبو محمد: والمثل لا يحتاج إلى تعيين أحد، وقوله {الحمد لله} شكر على بيان الأمر بهذا المثال وعلى إذعان الخصم له، وهذا كما تقول لمن أذعن لك في حجة وسلم ما تبني أنت عليه قولك: الله أكبر، على هذا يكون كذا وكذا، فلما قال هنا {هل يستوون}؟ فكأن الخصم قال له لا فقال الحمد لله ظهرت الحجة، وقوله {بل أكثرهم لا يعلمون} يريد لا يعلمون أبداً ولا يداخلهم إيمان، ويتمكن على هذا قوله: {أكثرهم}، لأن الأقل من الكفار هو الذي آمن من أولئك، ولو كان معنى قوله {لا يعلمون} أي الآن، لكان قوله {أكثرهم} بمعنى الاستيعاب لأنه لم يكن أحد منهم يعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض‏} ‏ قال‏:‏ هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، لا تملك لمن يعبدها رزقاً ولا ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا نشوراً ‏ {‏فلا تضربوا لله الأمثال‏}‏ فإنه أحد صمد {أية : لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد} ‏تفسير : [الإخلاص :3‏-4]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا تضربوا لله الأمثال‏} ‏ يعني اتخاذهم الأصنام‏.‏ يقول‏:‏ لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء‏}‏ يعني الكافر، إنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله ‏ {‏ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهرا‏ً} ‏ يعني المؤمن وهو المثل في النفقة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{ضرب الله مثلاً عبداً مملوكا‏ً} قال‏:‏ هذا مثل ضربه الله للكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً ولم يعمل فيه بطاعة الله‏.‏ ‏{‏ومن رزقناه منا رزقاً حسنا‏ً}‏ قال‏:‏ هو المؤمن أعطاه الله مالاً رزقاً حلالاً، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذه بشكر ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة‏.‏ قال الله‏:‏ ‏{‏هل يستويان مثلا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا والله لا يستويان‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسنا‏ً} ‏ و ‏{‏رجلين أحدهما أبكم‏} ‏ {‏ومن يأمر بالعدل‏}‏ قال‏:‏ كل هذا مثل إله الحق، وما يدعون من دونه الباطل‏. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء‏}‏ قال‏:‏ يعني بذلك الآلهة التي لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا تقدر على شيء‏.‏ ينفعها ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً قال علانية المؤمن الذي ينفق سراً وجهراً لله‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء‏} ‏قال الصنم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس قال‏:‏ إن الله ضرب الأمثال على حسب الأعمال، فليس عمل صالح، إلا له المثل الصالح، وليس عمل سوء، إلا له مثل سوء، وقال‏:‏ إن مثل العالم المتفهم، كطريق بين شجر وجبل، فهو مستقيم لا يعوّجه شيء، فذلك مثل العبد المؤمن الذي قرأ القرآن وعمل به‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر‏.‏ عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء‏} ‏ في رجل من قريش وعبده، في هشام بن عمر، وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال‏:‏ ليس للعبد طلاق إلا بإذن سيده‏.‏ وقرأ ‏{‏عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء‏}‏. وأخرج البيهقي في سننه‏.‏ عن ابن عباس أنه سئل عن المملوك يتصدق بشيء‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء‏} ‏ لا يتصدق بشيء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم‏} ‏ إلى آخر الآية‏.‏ يعني بالأبكم الذي ‏ {‏هو كل على مولاه‏}‏ الكافر‏.‏ وبقوله‏:‏ ‏ {‏ومن يأمر بالعدل‏} ‏ المؤمن‏.‏ وهذا المثل في الأعمال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏{‏وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم‏}‏ في رجلين أحدهما عثمان بن عفان، ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ومن يأمر بالعدل‏}‏ قال‏:‏ عثمان بن عفان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في الآية قال‏:‏ هذا مثل ضربه الله للآلهة أيضا‏.‏ أما الأبكم فالصنم، فإنه أبكم لا ينطق ‏ {‏وهو كل على مولاه‏} ‏ ينفقون عليه وعلى من يأتيه، ولا ينفق عليهم ولا يرزقهم ‏ {‏هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل‏} ‏ وهو الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏أحدهما أبكم‏} ‏ قال‏:‏ هو الوثن ‏ {‏هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل‏} ‏ قال‏:‏ الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏كل‏} ‏ قال‏:‏ الكل العيال‏.‏ كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم ‏ {‏هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم‏}‏ يعني نفسه‏. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ خبر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وما أمر الساعة إلا كلمح البصر‏}‏ هو أن يقول‏:‏ كن أو أقرب، فالساعة ‏ {‏كلمح البصر أو أقرب‏}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏كلمح البصر‏}‏ يقول‏:‏ كلمح ببصر العين من السرعة‏.‏ أو ‏ {‏أقرب‏} ‏ من ذلك إذا أردنا‏. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب‏}‏ قال‏:‏ هو أقرب، وكل شيء في القرآن أو، فهو هكذا ‏(‏مائة ألف أو يزيدون‏)‏ والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} لعله عطفٌ على يكفرون داخلٌ تحت الإنكار التوبـيخيّ، أي أيكفرون بنعمة الله ويعبدون مِن دونه {مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ شَيْئاً} إنْ جُعل الرزقُ مصدراً فشيئاً نُصب على المفعولية منه أي ما لا يقدر على أن يرزقَهم شيئاً لا من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً، وإن جُعل اسماً للمرزوق فنصْبٌ على البدلية منه بمعنى قليلاً، ومن السموات والأرض صفةٌ لرزقاً أي كائناً منهما ويجوز كونه تأكيداً لِلا يملك أي لا يملك رزقاً ما شيئاً من الملك {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} أن يملكوه إذ لا استطاعةَ لهم رأساً لأنها مَواتٌ لا حَراك بها، فالضميرُ للآلهة ويجوز أن يكون للكفرة على معنى أنهم مع كونهم أحياءً متصرفين في الأمور لا يستطيعون من ذلك شيئاً فكيف بالجماد الذي لا حِسّ به. {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} التفاتٌ إلى الخطاب للإيذان بالاهتمام بشأن النهي أي لا تشركوا به شيئاً، والتعبـيرُ عن ذلك بضرب المثَل للقصد إلى النهي عن الإشراك به تعالى في شأن من الشؤون، فإن ضربَ المثلِ مبناه تشبـيهُ حالة بحالة وقصةٍ بقصة أي لا تُشَبّهوا بشأنه تعالى شأناً من الشؤون، واللامُ مَثَلُها في قوله تعالى: { أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ} تفسير : [التحريم، الآية 10] { أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} تفسير : [التحريم، الآية 11] لا مثلُها في قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ} ونظائرِه، والفاءُ للدلالة على ترتب النهي على ما عدّه من النعم الفائضةِ عليهم من جهته سبحانه، وكونِ ما يشركون به تعالى بمعزل من أن يملِك لهم من إمطار السموات والأرض شيئاً من رزق ما، فضلاً عما فُصّل من نعمة الخلق والتفضيل في الرزق ونعمةِ الأزواج والأولاد {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} تعليلٌ للنهي المذكور ووعيدٌ على المنهيّ عنه، أي إنه تعالى يعلم كنهَ ما تأتون وما تذرون وأنه في غاية العِظم والقبح {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك وإلا لَما فعلتموه أو أنه تعالى يعلم كُنهَ الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيَكم وقِفوا مواقفَ الامتثالِ لِما ورد عليكم من الأمر والنهي، ويجوز أن يُراد فلا تضرِبوا لله الأمثالَ إن الله يعلم كيف تُضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك فتقعون فيما تقعون فيه من مهاوي الردىٰ والضلال ثم علمهم كيفيةَ ضرب الأمثال في هذا الباب فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} أي ذكر وأورد شيئاً يُستدل به على تباين الحالِ بـين جنابه عز وجل وبـين ما أشركوا به، وعلى تباعدهما بحيث ينادىٰ بفساد ما ارتكبوه نداء جلياً {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء} بدلٌ من مثلاً وتفسيرٌ له، والمثَلُ في الحقيقة حالتُه العارضة له من المملوكية والعجزِ التامّ، وبحسَبها ضربُ نفسِه مثلاً، ووصفُ العبد بالمملوكية للتميـيز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبدين لله سبحانه وقد أُدمج فيه أن الكل عبـيدٌ له تعالى، وبعدم القدرة لتميـيزه عن المكاتَب والمأذون اللَّذين لهما التصرّف في الجملة، وفي إبهام المثلِ أولاً ثم بـيانِه بما ذكر ما لا يخفى من الفخامة والجزالة {وَمَن رَّزَقْنَاهُ} مَنْ موصوفةٌ معطوفة على عبداً أي رزقناه بطريق المُلك، والالتفاتُ إلى التكلم للإشعار باختلاف حالَيْ ضرب المثل والرزق {مِنَّا} من جنابنا الكبـير المتعالي {رِزْقًا حَسَنًا} حلالاً طيباً أو مستحسَناً عند الناس مرضياً {فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ} تفضّلاً وإحساناً، والفاءُ لترتيب الإنفاق على الرزق كأنه قيل: ومَنْ رزقناه منا رزقاً حسناً فأنفق، وإيثارُ ما عليه النظم الكريم من الجلمة الاسميةِ الفعليةِ الخبر للدِلالة على ثبات الإنفاقِ واستمرارِه التجدديّ {سِرّا وَجَهْرًا} أي حالَ السر والجهر أو إنفاقَ سرَ وإنفاقَ جهر، والمرادُ بـيانُ عمومِ إنفاقِه للأوقات وشمولِ إنعامه لمن يجتنب عن قبوله جهراً، والإشارةُ إلى أصناف نعمِ الله تعالى الباطنةِ والظاهرةِ وتقديمُ السر على الجهر للإيذان بفضله عليه، والعدولُ عن تطبـيق القرينيتن بأن يقال وحرًّا مالكاً للأموال ـ مع كونه أدلَّ على تباين الحالِ بـينه وبـين قسميه ـ لتوخّي تحقيقِ الحقِّ بأن الأحرارَ أيضاً تحت ربقة عبوديتِه سبحانه وتعالى وأن مالكيتَهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزُقَهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخلٌ في ذلك مع محاولة المبالغة في الدِلالة على ما قُصد بالمثل من تباين الحالِ بـين الممثَّلين فإن العبدَ المملوك حيث لم يكن مثلَ العبد المالكِ فما ظنُّك بالجماد ومالكِ المُلك خلاّق العالمين. {هَلْ يَسْتَوُونَ} جمعُ الضمير للإيذان بأن المرادَ بما ذكر مَن اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان منهما أي يستوي العبـيد والأحرار الموصوفون بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيانِ في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وأن ما ينفقه الأحرارُ ليس مما لهم دخلٌ في إيجاده ولا في تملكه بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستوِ الفريقان فما ظنُّكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليلَ أذلُّ منه وهو الأصنام {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي كلُّه له لأنه مولى جميع النعم لا يستحقه أحدٌ غيرُه وإن ظهرت على أيدي بعض الوسايط فضلاً عن استحقاق العبادة، وفيه إرشادٌ إلى ما هو الحقُّ من أنّ ما يظهر على يد مَنْ ينفق مما ذكر ارجعٌ إليه سبحانه كما لوح به قوله تعالى: {رَّزَقْنَاهُ} {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ما ذكر فيُضيفون نعمَه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها، ونفيُ العلم عن أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لا يعملون بموجبه عناداً كقوله تعالى: { أية : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} تفسير : [النحل، الآية 83].

القشيري

تفسير : ومَنْ يَتَعَلَّقُ بشخص أو بسببٍ مُضَاهٍ لعُبَّاد الأصنام من حيث إنه يضيِّعُ وقتَه فيما لا يُعِينُه، فالرزقُ، من الله - في التحقيق - مُقَدَّرٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم زقا من السماوات والارض شيئًا} الرزق مصدر وشيئًا نصب على المفعولية منه والمراد من الموصول الآلهة اى ما لا يقد رعلى ان يرزق منهم شيئًا لا من السماوات مطرا ولا من الارض نباتا {ولا يستطيعون} ان يملكوه اذلا استطاعة لهم اصلا لانهم جماد.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {رِزْقًا}: مفعول بيملك، فيحتمل أن يكون مصدرًا، أو اسمًا لما يرزق، فإن كان مصدرًا، فشيئًا مفعول به؛ لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسمًا، فشيئًا بدل منه. وجمع الضمير في {يستطيعون}، وأفرده في {يمْلك}؛ لأن {ما} مفردة؛ لفظًا، واقعة على الآلهة، فراعى أولاً اللفظ، وفي الثاني المعنى. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويعبدون من دون الله} أي: غيره {ما لا يَملك لهم رزقًا من السماوات}؛ بالمطر {والأرض}؛ بالنبات، فلا يرزقونهم من ذلك {شيئًا ولا يستطيعون}: لا يقدرون على شيء من ذلك؛ لعجزهم، وهم الأصنام، {فلا تضربوا لله الأمثالَ}؛ لا تجعلوا له أشباهًا تشركونهم به، أو تقيسونهم عليه، فإنَّ ضرب المثل تشبيه حال بحال، {إنَّ الله يعلمُ} ألاَّ مِثلَ لَه، أو فساد ما يقولون عليه من القياس، {وأنتم لا تعلمون} ذلك، ولو علمتموه لما تجرأتم عليه، فهو تعليل للنهي، أي: إنه يعلم كنه الأشياء، وأنتم لا تعلمون، فدعوا رأيكم، وقفوا عندما ما حد لكم. الإشارة: كل من ركن إلى شيء دون الحق تعالى، أو اعتمد عليه في إيصال المنافع أو دفع المضار، تصدق عليه الآية، وتجر ذيلها عليه، فلا تجعلوا لله أمثالاً تعتمدون عليهم وتركنون إليهم، فالله يعلم من هو أولى بالاعتماد عليه والركون إليه، وأنتم لا تعلمون ذلك، أو تعلمون ولا تعملون، ولقد قال من عَلِمَ ذلك وتحقق به: شعر : حَــرَامٌ عَلَـى مَـنْ وَحَّـد الله رَبَّــهُ وأَفْرَدَهُ أَن يجتدي أَحـَـدًا رِفْـــدا فَيَا صَاحِبِي قِفْ عَلَى الحَقِّ وَقْفةً أمُوتُ بِها وَجْدًا وأحْيَا بِها وجَدا وقـــُلْ لـمـلــوكِ الأرْضِ تَجْهــدَ فَذَا المُلْكُ مُلكٌ لا يُبَاعُ ولا يُهْدَى تفسير : قال سهل رضي الله عنه: "ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليه في ساعات الليل والنهار، فايما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى غَيْرِهِ، سلط عليه إبليس". وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رضي الله عنه: من علامة المعرفة: ألا تسأل حوائجك، قلَّتْ أو كثُرت، إلا من الله سبحانه، مثل موسى عليه السلام؛ اشتاق إلى الرؤية، فقال: رب أرني أنظر إليك، واحتاج مرة إلى رغيف، فقال: رب إني لما أنزلتَ إليّ من خير فقير. هـ. وقال في التنوير: اعلم، رحمك الله، أن رفع الهمة عن المخلوقين، وعدم التعرض لهم، أزين لهم من الحليّ للعروس، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس... الخ كلامه رضي الله عنه. ثم ضرب مثلاً ولمن يعبد معه

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأنهم يجحدون نعم الله، بأنهم يوجّهون عبادتهم من دون الله إِلى {ما لا يملك لهم رزقاً} أي لا يقدر عليه، يعني بها الأصنام التي لا تقدر لهم على نعمة، ولا على ما يستحق به العبادة، ولا على رزق يرزقونهم من السموات والأرض، ولا يستطيعون شيئاً مما ذكرنا. ويتركون عبادة من يقدر على جميع ذلك ويفعله بهم، ورزق السماء الغيث الذي يأتي من جهتها، ورزق الأرض النبات والثمار التي تخرج منها. وقوله {فلا تضربوا لله الأمثال} معناه لا تجعلوا لله الأشباه والأمثال في العبادة فإِنه لا شبه له ولا مثيل، ولا أحد يستحق معه العبادة، وذلك في اتخاذهم الأصنام آلهة، ذكره ابن عباس وقتادة. وقوله {شيئاً} نصب على أحد وجهين: أَحدهما - أن يكون بدلا من {رزقاً} والمعنى ما لا يملك لهم رزقاً قليلاً، ولا كثيراً. والثاني - أن يكون منصوباً بـ {رزقاً} كما قال {أية : أو إِطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً} تفسير : كأنه قال لا يملك لهم رزق شيء. وقوله {إن الله يعلم} أي يعلم أنه لا تحق العبادة إِلا له {وأنتم لا تعلمون} ذلك بل تجهلونه، ولكن يجب عليكم أن تنظروا لتعلموا صحة ما قلناه.

الجنابذي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً} بدل من رزقاً امّا لتأكيد التّحقير المستفاد من تنكر رزقاً، وامّا للاشارة الى تعميم رزقاً وكونه بمعنى نصيباً، والمراد برزق السّماوات هو ارزاق الانسان من حيث انسانيّته وحيوانيّته وبرزق الارض ارزاق الانسان من حيث نباتيّته وحيوانيّته، او المراد برزق السّماوات والارض رزق كلٍّ من المراتب بتعميم الرّزق واسبابه {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} ان يملكوه، اولا استطاعة لهم ولا قدرة.

اطفيش

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَٰوَاتِ} كالمطر {وَالأَرْضِ} كالنبات والثمار وذلك هو الأَصنام لا تقدر أن ترزقهم من السماء ولا من الأَرض {شَيْئاً} مفعول مطلق بمعنى ملكا أى لا يملك لهم رزقا ملكا ما أو بدل مطابق لرزقا على أن المراد به الرزق وفائدة الإِتيان به الإِشارة إِلى أنه لا يملك لهم ولو أدنى ما يسمى من الرزق شيئا أو تأكيد بمنزلة قولك لا يملك لهم رزقا كقولك ما قام زيد زيد ومن السماوات لغة لرزقا ويجوز تعليقه برزقا لأَنه بمعنى الشىء المرزوق للإِنسان ويجوز كونه فى معنى المصدر كالرزق بفتح الراء فيتعلق به من السماوات والأَرض فيكون شيئا مفعولا به لرزقا من إِعمال المصدر المنون كقوله تعالى أَو إِطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} أى لا يقدرون على شىء من إِيصال نفع كرزق ودفع ضر ولا يستطيعون الرزق فكأَنه قيل لا يملكونه ولا يستطيعون أن يملكوه والضمير عائد إِلى ما والمراد الأَصنام اعتبر لفظ ما فى قوله لا يملك ومعناه فى قوله لا يستطيعون فجىء بضمير الجماعة الذكور العقلاء لأَن الأصنام عندهم كالعقلاء ويحتمل عود الضمير للمشركين كالذى فى يعبدون أى لا يستطيعون دفع ما أراد الله ولا جلب ما لم يرد الله من رزق أو غيره وهم أحياء عقلاء متصرفون فكيف تستطيع الأَصنام ذلك.

الالوسي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قال أبو حيان: هو استئناف إخبار عن حالهم في عبادة الأصنام وفيه تبيين لقوله تعالى: {أية : أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [النحل: 72] وقال بعض أجلة المحققين: لعله عطف على {أية : يَكْفُرُونَ} تفسير : [النحل: 72] داخل تحت الإنكار التوبيخي أي أيكفرون بنعمة الله ويعبدون من دونه سبحانه {مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ شَيْئاً} أي ما لا يقدر أن يرزقهم شيئاً لا من السمٰوات مطراً ولا من/ الأرض نباتاً ـ فرزقاً ـ مصدر، و {شَيْئاً} نصب على المفعولية له وإلى ذلك ذهب أبو علي وغيره وتعقبه ابن الطراوة بأن الرزق هو المرزوق كالرعي والطحن والمصدر إنما هو الرزق بفتح الراء كالرعي والطحن. ورد عليه بأن مكسور الراء مصدر أيضاً كالعلم وسمع ذلك فيه فصح أن يعمل في المفعول، وقيل: هو اسم مصدر والكوفي يجوز عمله في المفعول ـ فشيئاً ـ مفعوله على رأيهم، وجوز أن يكون بمعنى مرزوق و {شَيْئاً} بدل منه أي لا يملك لهم شيئاً. وأورد عليه السمين وأبو حيان أنه غير مفيد إذ من المعلوم أن الرزق من الأشياء والبدل يأتي لأحد شيئين البيان والتأكيد وليسا بموجودين هنا. وأجيب بأن تنوين {شَيْئاً} للتقليل والتحقير فإن كان تنوين {رِزْقاً} كذلك فهو مؤكد وإلا فمبين وحينئذٍ فيصح فيه أن يكون بدل بعض أو كل ولا إشكال. وجوز أن يكون {شَيْئاً} مفعولاً مطلقاً ليملك أي لا يملك شيئاً من الملك و {مِنْ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} إما متعلق بقوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُ} أو بمحذوف وقع صفة ـ لرزقا ـ أي رزقاً كائناً منهما، واطلاق الرزق على المطر لأنه ينشأ عنه. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} جوز أن يكون عطفاً على صلة {مَا} وأن يكون مستأنفاً للإخبار عن حالة الآلهة؛ واستطاع متعد ومفعوله محذوف هو ضمير الملك أي لا يستطيعون أن يملكوا ذلك ولا يمكنهم، فالكلام تتميم لسابقه وفيه من الترقي ما فيه فلا يكون نفي استطاعة الملك بعد نفي ملك الرزق غير محتاج إليه، وإن جعل المفعول ضمير الرزق كما جوزه في "الكشاف" يكون هذا النفي تأكيداً لما قبله. وأورد عليه أنه قد قرر في المعاني أن حرف العطف لا يدخل بين المؤكد والمؤكد لما بينهما من كمال الاتصال. ودفع بأن ذلك غير مسلم عند النحاة وليس مطلقاً عند أهل المعاني ألا ترى قوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } تفسير : [النبأ: 4-5] نعم يرد عليه حديث أن التأسيس خير من التأكيد، ويجوز ولعله الأولى أن يكون الفعل منزلاً منزلة اللازم فيكون المراد نفي الاستطاعة عنهم مطلقاً على حد يعطي ويمنع المعنى أنهم أموات لا قدرة لهم أصلاً فيكون تذييلاً للكلام السابق، وفيه ما فيه على الوجه الأول وزيادة. وجمع الضمير فيه وتوحيده في {لاَ يَمْلِكُ} لرعاية جانب اللفظ أولاً والمعنى ثانياً فإن «ما» مفرد بمعنى الآلهة ومثل هذه الرعاية وارد في الفصيح وإن أنكره بعضهم لما يلزمه من الإجمال بعد البيان المخالف للبلاغة فإنه مردود كما بين في محله، وقد روعي أيضاً في التعبير حال معبوداتهم في نفس الأمر فإنها أحجار وجمادات فعبر عنها ـ بما ـ الموضوعة في المشهور لغير العالم وحالها باعتبار اعتقادهم فيها أنها آلهة فعبر عنها بضمير الجمع الموضوع لذوي العلم، هذا إذا كان المراد بما الأصنام، ولا يخفى عليك الحال إذا كان المراد بها المعبودات الباطلة مطلقاً ملكاً كانت أو بشراً أو حجراً أو غيرها. وجوز أن يكون ضمير الجمع عائداً على الكفار كضمير {يَعْبُدُونَ} و {مَا} على المعنى المشهور فيها على معنى أنهم مع كونهم أحياء متصرفين في الأمور لا يستطيعون من ذلك شيئاً فكيف بالجماد الذي لا حس له، فجملة {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} معترضة لتأكيد نفي الملك عن الآلهة والمفعول محذوف كما أشير إليه، وهذا وإن كان خلاف الظاهر لكنه سالم عن مخالفة المشهور في العود على المعنى بعد مراعاة اللفظ.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملتي التّوبيخ وهو مزيد من التّوبيخ فإن الجملتين المعطوف عليهما أفادتا توبيخاً على إيمانهم بالآلهة الباطل وكفرهم بنعمة المعبود الحقّ. وهذه الجملة المعطوفة أفادت التّوبيخ على شكر ما لا يستحقّ الشكر، فإن العبادة شكر، فهم عبدوا ما لا يستحقّ العبادة ولا بيده نعمة، وهو الأصنام، لأنها لا تملك ما يأتيهم من الرزق لاحتياجها، ولا تستطيع رزقهم لعجزها. فمفاد هذه الجملة مؤكّد لمفاد ما قبلها مع اختلاف الاعتبار بموجب التّوبيخ في كلتيهما. وملك الرزق القدرة على إعطائه. والملِك يطلق على القدرة، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم} تفسير : في سورة العقود (17). والرزق هنا مصدر منصوب على المفعوليّة، أي لا يملك أن يرزق. و{مِن} في {من السمٰوات والأرض} ابتدائية، أي رزقاً موصوفاً بوروده من السماوات والأرض. و{شيئاً} مبالغة في المنفيّ، أي ولا يملكون جزءاً قليلاً من الرزق، وهو منصوب على البدلية من {رزقاً}. فهو في معنى المفعول به كأنه قيل: لا يملك لهم شيئاً من الرزق. {ولا يستطيعون} عطف على {يملك}، فهو من جملة صلة {ما}، فضمير الجمع عائد إلى {ما} الموصولة باعتبار دلالتها على جماعة الأصنام المعبودة لهم. وأجريت عليها صيغة جمع العقلاء مجاراة لاعتقادهم أنها تعقل وتشفع وتستجيب. وحذف مفعول {يستطيعون} لقصد التعميم، أي لا يستطيعون شيئاً لأن تلك الأصنام حجارة لا تقدر على شيء. والاستطاعة: القدرة.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات بإنزال المطر، ولا من الأرض بإنبات النبات. وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون، أي لا يملكون أن يرزقوا. والاستطاعة منفية عنهم أصلاً. لأنهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء. ويفهم من الآية الكريمة: أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق. لأن أكلهم رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية الكريمة بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [العنكبوت: 17]، وقوله: {أية : أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ }تفسير : [الملك: 21]، وقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}تفسير : [الذاريات: 56-58] وقوله: {أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}تفسير : [الأنعام: 14]، وقوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [طه: 132]، وقوله: {أية : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر: 3] الآية، وقوله: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس: 31] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه في قوله {شَيْئاً} في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من الإعراب: الأول - أنه قوله {رزقاً} مصدر، وأن {شيئاً} مفعول به لهذا المصدر. أي ويعبدون من دون الله ما لا يملك أن يرزقهم شيئاً من الرزق. ونظير هذا الإعراب قوله تعالى: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً}تفسير : [البلد: 14-15] فقوله {يَتِيماً} مفعول به للمصدر الذي هو إطعام. أي أن يطعم يتيماً ذا مقربة. ونظيره من كلام العرب قول المرار بن منقذ التميمي: شعر : بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهن عن المقيل تفسير : فقوله "رؤوس قوم" مفعول به للمصدر المنكر الذي هو قوله "بضرب" وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله: شعر : بفعله المصدر ألحق في العمل مضافاً أو مجرداً أو مع أل تفسير : الوجه الثاني: - أن قوله {شيئاً} ما ناب عن المطلق من قوله {رزقاً} بناء على أن المراد بالرزق هو ما يرزقه الله عباده. لا المعنى المصدري. الوجه الثالث - أن يكون قوله {شيئاً} ما ناب عن المطلق من قوله {يملك} أي لا يملك شيئاً من الملك، بمعنى لا يملك قليلاً أن يرزقهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (73) - إِنَّ هَؤلاءِ المُشْرِكِينَ يَنْسَوْنَ نِعَمَ اللهِ كُلَّها عَلَيْهِمْ، وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ الأَصْنَامَ وَالأَنْدَادَ وَالأَوْثَانَ، وَمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِرِزْقٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَلاَ مِنَ الأَرْضِ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْزِلَ المَطَرَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ زُرُوعاً أَوْ شَجَراً أَوْ ثَمَراً؛ وَلاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَوْ أَرَادَهُ (وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والعبادة أن يطيع العابد معبوده، وهذه الطاعة تقتضي تنفيذ الأمر واجتناب النهي .. فهل العبادة تنفيذ الأمر واجتناب النهي فقط؟ نقول: لا بل كل حركة في الحياة تُعين على عبادة فهي عبادة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولتوضيح هذه القضية نضرب هذا المثل: إذا أردتَ أن تُؤدّي فرض الله في الصلاة مثلاً، فأنت تحتاج إلى قوة لتؤدي هذه الفريضة، ولن تجد هذه القوة إلا بالطعام والشراب، ولنأخذ أبسط ما يمكن تصوّره من الطعام .. رغيف العيش .. فانظر كم يّدٌ شاركتْ فيه منذ كان حبةَ قمح تلقى في الأرض إلى أنْ أصبح رغيفاً شهياً. إن هؤلاء جميعاً الذين أداروا دولاب هذه العملية يُؤدّون حركة إيجابية في الحياة هي في حَدِّ ذاتها عبادة لأنها أعانتْك على عبادة. أيضاً إذا أردت أنْ تُصلّي، فواجب عليك أنْ تستر عورتك .. انظر إلى هذا القماش الذي لا تتم الصلاة إلا به .. كُلّ مَنْ أسهم في زراعته وصناعته حتى وصل إليك .. جميعهم يؤدون عبادة بحركتهم في صناعة هذا القماش. إذن: كل شيء يُعينك على عبادة الله فهو عبادة، وكل حركة في الكون تؤدي إلى شيء من هذا فهي عبادة. والحق سبحانه وتعالى حينما استدعى المؤمنين لصلاة الجمعة، قال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..} تفسير : [الجمعة: 9]. لم يأخذهم من فراغ، بل من عمل، ولكن لماذا قال سبحانه: (وَذَرُوا البَيْعَ) .. لماذا البيع بالذات؟ قالوا: لأن البيع هو غاية كل حركات الحياة، فهو واسطة بين مُنتج ومُسْتهلك .. ولم يَقُل القرآن: اتركوا المصانع أو الحقول، لأن هناك أشياء لا تأتي ثمرتها في ساعتها .. فمَنْ يزرع ينتظر شهوراً ليحصد ما زرع، والصانع ينتظر إلى أن يبيعَ صناعته .. لكن البيع صفقة حاضرة، فهي محلّ الاهتمام .. وكذلك لم يَقُلْ: ذروا الشراء، قالوا: لأن البائع يحب أن يبيعَ، ولكن المشتري قد يشتري وهو كاره .. فأتى القرآن بأدقِّ شيء يمكن أن يربطك بالزمن، وهو البيع. فإذا ما انقضتْ الصلاة أُمرنا بالعودة إلى العمل والسعي في مناكب الأرض: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 10]. فقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [النحل: 73]. أراد الحق سبحانه أن يتكلم عن الجهة التي يُؤثِرونها على الله .. وهي الأصنام .. فالله سبحانه الذي خلقهم ورزقهم من الطيبات، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، وجعل لهم بنين وحفدة .. كان يجب أن يعبدوه لنعمته وفَضْله .. فالذي لا يعبد الله لذاته سبحانه يعبده لنعمه وحاجته إليه .. فعندنا عبادة للذات لأنه سبحانه يستحق العبادة لذاته، وعبادة لصفات الذات في معطياتها، فمَنْ لم يعبده لذاته عبده لنعمته. وطالما أن العبادة تقتضي تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي .. فكيف تكون العبادة إذن في حق هذه الأصنام التي اتخذوها؟! كيف تعبدونها وهي لم تأمركم بشيء ولم تنهكُمْ عن شيء؟!. وهذا أول نَقْد لعبادة غير الله من شمس أو قمر أو صنم أو شجر. وكذلك .. ماذا تعطي الأصنام ـ أو غيرها من معبوداتكم ـ لمن عبدها، وماذا أعدَّتْ لهم من ثواب؟! وبماذا تعاقب مَنْ كفر بها؟ .. إذن: فهو إله بلا منهج. والتديّن غريزة في النفس يلجأ إليها الإنسان في وقت ضعفه وحاجته .. والله سبحانه هو الذي يحب أن نلجأ إليه وندعو ونطلب منه قضاء الحاجات .. وله منهج يقتضي مطلوبات تدكُّ السيادة والطغيان في النفوس ويقتضي تكليفات شاقة على النفس. إذن: لجأ الكفار إلى عبادة الأصنام والأوثان لأنها آلهة بلا تكليف، ومعبودات بلا مطلوبات. ما أسهل أن يتمحّك إنسان في إله ويقول: أنا أعبده دون أن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء! ما أسهل أن يُرضي في نفسه غريزة التدين بعبادة مثل هذا الإله. لكن يجب ألاّ تنسوا أن هذا الإله الذي ليس له تكليف لن تستطيعوا أنْ تطلبوا منه شيئاً، أو تلجأوا إليه في شدة .. فهذا غير معقول فكما أنهم لا يطلبون منكم شيئاً، كذلك لا يملكون لكم نَفْعاً ولا ضراً. لذلك وجدنا الذين يدَّعُون النبوة .. هؤلاء الكذابون يُيسِّرون على الناس سُبُل العبادة، ويُبيحون لهم ما حرَّمه الدين مثل اختلاط الرجال والنساء وغيره؛ ذلك لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الأتباع. فجاء مسيلمة الكذاب وأراد أن يُسهِّل على الناس التكليف فقال بإسقاط الصلاة، وجاء الآخر فقال بإسقاط الزكاة .. وقد جذب هذا التسهيل كثيراً من المغفلين الذين يَضِيقون بالتكليف، ويميلون لدين سَهْل يناسب هِمَمهم الدَّنية. وهكذا وجدنا لهؤلاء الكذابين أنصاراً يُؤيّدونهم ويُناصرونهم .. ولكن سرعان ما تتكشف الحقائق، ويقف هؤلاء المخدوعون على حقيقة أنبيائهم. وقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً ..} [النحل: 73]. نلاحظ في هذه الآية نَوْعاً من الارتقاء في الاستدلال على بطلان عبادة الأصنام؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى قال عنهم في آية أخرى: {أية : لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [النحل: 20]. فنفى عنهم القدرة على الخَلْق، بل إنهم هم المخلوقون .. يذهب الواحد منهم فيُعجبه حجر، فيأخذه ويُعمل فيه مِعْوله حتى يُصوِّره على صورة ما، ثم يتخذه إلهاً يعبده من دون الله. فلما نفى عنهم القدرة على الخَلْق أراد هنا أنْ يترقّى في الاستدلال، فنفى عنهم مجرد أنْ يملكوا، فقد يملك الواحد ما لا يخلقه، فتُقرّر الآية هنا أنهم لا يملكون .. مجرد الملك. وقوله تعالى: {مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ..} [النحل: 73]. فالرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، ومن المصدرين يأتي رزق الله، وبذلك يضمن لنا الحق تبارك وتعالى مُقوِّمات الحياة وضرورياتها من ماء السماء ونبات الأرض. فإنْ أردتُمْ ترفَ الحياة فاجتهدوا فيما أعطاكم الله من مُقوِّمات الحياة لِتصلوا إلى هذا الترف. فالرزق الحقيقي المباشر ما أنزله الله لنا من مطر السماء فأنبت لنا نبات الأرض. ونُوضِّح ذلك فنقول: هَبْ أن عندك جبلاً من ذهب، أو جبلاً من فضة، وقد عضَّك الجوع في يوم من الأيام .. هل تستطيع أنْ تأكلَ من الذهب أو الفضة؟ إنك الآن في حاجة لرغيف عيش، لا لجبل من ذهب أو فضة .. رغيف العيش الذي يحفظ لك حياتك في هذا الموقف أفضل من هذا كله. وهذا هو الرزق المباشر الذي رزقه الله لعباده، أما المال فهو رِزْق غير مباشر، لا تستطيع أن تأكل منه أو تعيش عليه. وكلمة: (شَيْئَاً) أي: أقلّ ما يُقَال له شيء، فالأصنام والأوثان لا تملك لهم رزقاً مهما قَلَّ؛ لأنه قد يقول قائل: لا يملكون رِزْقاً يكفيهم .. لا .. بل لا يملكون شيئاً. ثم يعطينا الحق سبحانه لمحة أخرى في قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73]. أي: لا يملكون لهم رِزْقاً في الحاضر، ولن يملكوا في المستقبل، وهذا يقطع الأمل عندهم، فهُمْ لا يملكون اليوم، ولن يملكوا غداً؛ ذلك لأن هناك أشياء ينقطع الحكم فيها وَقْتاً .. وأشياء مُعلّقة يمكن أن تُسْتأنفَ فيما بعد، فهذه الكلمة: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73]. حُكْم قاطع لا استئناف له فيما بَعْد. ولذلك؛ نجد هؤلاء الذين يُحِبّون أنْ يجدوا في القرآن مَأْخذاً يجادلون في قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 1-5]. فهؤلاء يروْن في السورة تكراراً يتنافى وبلاغةَ القرآن الكريم .. نقول: ليس في السورة تكرار لو تأملتُم .. ففي السورة قَطْع علاقات على سبيل التأبيد والاستمرار، فالحق سبحانه يقول: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 6]. في الحاضر، وفي المستقبل، وإلى يوم القيامة. فقوله: {أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 2-3]. هذا قَطْع علاقات في الوقت الحاضر .. ولكن مَنْ يُدرِينا لعلَّنا نستأنف علاقات أخرى فيما بعد .. فجاء قوله تعالى: {أية : وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 4-5]. لا للتكرار، ولكن لقطع الأمل في إعادة العلاقات في المستقبل، فالقضية - إذن - منتهية من الآن على سبيل القَطْع. كذلك المعنى في قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73]. أي: لا يستطيعون الآن، ولا في المستقبل. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم أنهم يعبدون من دونه آلهة اتخذوها شركاء لله، والحال أنهم لا يملكون لهم رزقا من السماوات والأرض، فلا ينزلون مطرا، ولا رزقا ولا ينبتون من نبات الأرض شيئا، ولا يملكون مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا يستطيعون لو أرادوا، فإن غير المالك للشيء ربما كان له قوة واقتدار على ما ينفع من يتصل به، وهؤلاء لا يملكون ولا يقدرون. فهذه صفة آلهتهم كيف جعلوها مع الله، وشبهوها بمالك الأرض والسماوات الذي له الملك كله والحمد كله والقوة كلها؟!! ولهذا قال: { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ } المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم وأن نسمع ما ضربه العليم من الأمثال فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يعبد من دونه، أحدهما عبد مملوك أي: رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئا، والثاني حرٌّ غنيٌّ قد رزقه الله منه رزقا حسنا من جميع أصناف المال وهو كريم محب للإحسان، فهو ينفق منه سرا وجهرا، هل يستوي هذا وذاك؟! لا يستويان مع أنهما مخلوقان، غير محال استواؤهما. فإذا كانا لا يستويان، فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء؟!! ولهذا حمد نفسه واختص بالحمد بأنواعه فقال: { الْحَمْدُ لِلَّهِ } فكأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فلم سوَّى المشركون آلهتهم بالله؟ قال: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فلو علموا حقيقة العلم لم يتجرؤوا على الشرك العظيم. والمثل الثاني مثل { رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } لا يسمع ولا ينطق و { لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } لا قليل ولا كثير { وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ } أي: يخدمه مولاه، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه فهو ناقص من كل وجه، فهل يستوي هذا ومن كان يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، فأقواله عدل وأفعاله مستقيمة، فكما أنهما لا يستويان فلا يستوي من عبد من دون الله وهو لا يقدر على شيء من مصالحه، فلولا قيام الله بها لم يستطع شيئا منها، ولا يكون كفوا وندا لمن لا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه.