Verse. 1975 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

فَلَا تَضْرِبُوْا لِلہِ الْاَمْثَالَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يَعْلَمُ وَاَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ۝۷۴
Fala tadriboo lillahi alamthala inna Allaha yaAAlamu waantum la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا تضربوا لله الأمثال» لا تجعلوا لله أشباها تشركون به «إن الله يعلم» أن لا مثل له «وأنتم لا تعلمون» ذلك.

74

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } فلا تجعلوا له مثلاً تشركونه به، أو تقيسونه عليه فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال. {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ } فساد ما تعولون عليه من القياس على أن عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته وعظم جرمكم فيما تفعلون. {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فهو عليم للنهي، أو أنه يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيكم دون نصه، ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون. ثم علمهم كيف يضرب فضرب مثلاً لنفسه ولمن عبد دونه

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } فلا تجعلوا لله أشباهاً تشركونهم به {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ } أن لا مثل له {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك.

الخازن

تفسير : {فلا تضربوا لله الأمثال} يعني لا تشبهوا الله بخلقه فإنه لا مثل له, ولا شبيه ولا شريك من خلقه، لأن الخلق كلهم عبيده، وفي ملكه فكيف يشبه الخالق بالمخلوق، أو الرازق بالمرزوق، أو القادر بالعاجز {إن الله يعلم} يعني ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له {وأنتم لا تعلمون} خطأ ما تضربون له من الأمثال. قوله تعالى {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً} لما نهاهم الله سبحانه وتعالى عن ضرب الأمثال، لقلة علمهم ضرب هو سبحانه وتعالى لنفسه مثلاً، فقال تعالى: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، كمثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر كريم مالك قادر، قد رزقه الله مالاً فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف يشاء، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال، فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة البشرية، فكيف يجوز للعقل أن يسوي بين الله عز وجل الخالق القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء ألبتة؟ وقيل: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، لأنه لما كان محروماً من عبادة الله وطاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز الذي لا يقدر على شيء، وقيل: إن الكافر لما رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً صار كالعبد الذي لا يملك شيئاً، والمراد بقوله ومن رزقناه منا رزقاً حسناً، المؤمن لأنه لما اشتغل بطاعة الله, وعبوديته والإنفاق في وجوه البر والخير صار كالحر المالك الذي ينفق سراً وجهراً في طاعة الله، وابتغاء مرضاته وهو قوله سبحانه وتعالى {فهو ينفق منه سراً وجهراً} فأثابه الله الجنة على ذلك. فإن قلت: لم قال عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وكل عبد هو مملوك وهو غير قادر على التصرف؟ قلت: إنما ذكر المملوك ليتميز من الحر لأن اسم العبد يقع عليهما جميعاً لأنهما من عباد الله، وقوله: لا يقدر على شيء احترز به عن المملوك المكاتب والمأذون له في التصرف، لأنهما يقدران على التصرف واحتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئاً {هل يستوون} ولم يقل هل يستويان يعني هل يستوي الأحرار والعبيد، والمعنى كما لا يستوي هذا الفقير البخيل، والغني السخي كذلك لا يستوي الكافر العاصي، والمؤمن الطائع، وقال عطاء في قوله: عبداً مملوكاً هو أبو جهل بن هشام ومن رزقناه منا رزقاً حسناً، هو أبو بكر الصديق ثم قال تعالى {الحمد لله} حمد الله نفسه لأنه المستحق لجميع المحامد لأنه المنعم المتفضل على عباده، وهو الخالق الرازق لا هذه الأصنام التي عبدها هؤلاء، فإنها لا تستحق الحمد لأنها جماد عاجز، لا يد لها على أحد ولا معروف، فتحمد عليه إنما الحمد الكامل لله لا لغيره فيعجب على جميع العباد، حمد الله لأنه أهل الحمد والثناء الحسن {بل أكثرهم} يعني الكفار {لا يعلمون} يعني أن الحمد لله لا لهذه الأصنام {وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم} هو الذي ولد أخرس فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم، والأبكم الذي لا يفهم ولا يفهم {لا يقدر على شيء} هو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل، {وهو كل على مولاه} أي ثقيل على من يلي أمره ويعوله وقيل أصله من الغلظ وهو نقيض الحدة، يقال كل السكين إذا غلظت شفرته وكل اللسان إذا غلظ فلم يقدر على النطق، وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، فقوله وهو كل على مولاه أي غليظ ثقيل على مولاه {أينما يوجهه} أي حيثما يرسله ويصرفه في طلب حاجة أو كفاية مهم {لا يأت بخير} يعني لا يأت بجنح لأنه أخرس عاجز لا يحسن ولا يفهم {هل يستوي} يعني من هذه صفته {هو} يعني صاحب هذه الصفات المذمومة {ومن يأمر بالعدل} يعني ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات ذو رشد وديانة يأمر الناس بالعدل والخير {وهو} في نفسه {على صراط مستقيم} يعني على سيرة صالحة ودين قويم، فيجب أن يكون الآمر بالعدل، عالماً قادراً مستقيماً في نفسه حتى يتمكن من الأمر بالعدل، وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه، ولما يفيض على عباده من إنعامه ويشملهم به من آثار رحمته وألطافه وللأصنام التي هي أموات جماد، لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تنطق ولا تعقل، وهي كل على عابديها، لأنها تحتاج إلى كلفة الحمل والنقل والخدمة. وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، والمؤمن: هو الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. والكافر: هو الأبكم الثقيل الذي لا يأمر بخير فعلى هذا القول تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر. وقيل: هي على الخصوص فالذي يأمر بالعدل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على صراط مستقيم. والذي يأمر بالظلم وهو أبكم أبو جهل. وقيل: الذي يأمر بالعدل عثمان بن عفان، وكان له مولى يأمره بالإسلام وذلك المولى يأمر عثمان بالإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، فهو الذي لا يأت بخير. وقيل: المراد بالأبكم الذي لا يأت بخير أبي بن خلف، وبالذي يأمر العدل حمزة وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون {ولله غيب السموات والأرض} أخبر الله عز وجل في الآية عن كمال علمه، وأنه عالم بجميع الغيوب، فلا تخفى عليه خافية ولا يخفى عليه شيء منها، وقيل الغيث هنا هو علم قيام الساعة وهو قوله {وما أمر الساعة} يعني في قيامها، والساعة هي الوقت الذي يقوم الناس فيه لموقف الحساب {إلا كلمح البصر} يعني في السرعة، ولمح البصر هو انطباق جفن العين وفتحه وهو طرف العين أيضاً {أو هو أقرب} يعني أن لمح البصر يحتاج إلى زمان وحركة، والله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون في أسرع من لمح البصر وهو قوله {إن الله على كل شيء قدير} فيه دليل على كمال قدرة الله تعالى وأنه سبحانه وتعالى مهما أراد شيئاً كان أسرع ما يكون. قال الزجاج: ليس المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه سبحانه وتعالى وصف سرعة القدرة على الإتيان بها متى شاء، لا يعجزه شيء.

البقاعي

تفسير : ولما دحض بهذه الحجة جميع ما أقاموه من الشبه وضربوه من الأمثال فيما ارتكبوه من قولهم إن الملك لا يتوصل إليه إلا بأعوان من حاجب ونائب ونحو ذلك، ولا يتوصل إليه إلا بأنواع القربان، فعبدوا الأصنام، وفعلوا لها ما يفعل له تشبيهاً به عز شأنه، وتعالى سلطانه، لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا مَن ذكر لحاجتهم وضعف مُلكهم ومِلكهم، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يشغله شأن عن شأن، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى: {فلا تضربوا لله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال} أي فتشبهوه تشبيهاً بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال؛ قال أبو حيان وغيره: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى. وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال وقصة بقصة - انتهى. وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما في هذا لأن الخطأ فيه كفر، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى: {إن الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره {يعلم} أي له جميع صفة العلم، فإذا ضرب مثلاً أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقاً ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له {وأنتم لا تعلمون *} أي ليس لكم علم أصلاً، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس، وهذا المقام عال ومسلكه وعر، وسالكه على غاية من الخطر. ولما ختم سبحانه بذلك تأكيداً لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: {ضرب الله} أي الذي له كمال العلم وتمام القدرة {مثلاً} بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه؛ ثم أبدل من مثلاً: {عبداً} ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى، قال تعالى: {مملوكاً} لا مكاتباً ولا فيه شائبة للحرية {لا يقدر على شيء} بإذن سيده ولا غيره، وهذا مثل شركائهم، ثم عطف على "عبداً" قوله: {ومن رزقناه منا} من الأحرار {رزقاً حسناً} واسعاً طيباً {فهو ينفق منه} دائماً، وهو معنى {سراً وجهراً} وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى؛ ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى: {هل يستوون} أي هذان الفريقان الممثل بهما، لأن المراد الجنس، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل شيء؟ ولما كان الجواب قطعاً: لا، وعلم أن الفاضل ما كان مثالاً له سبحانه، على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة. فثبت مضمون {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} وأن غيره تعالى لا يساوي شيئاً، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: {الحمد لله} أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات الكمال التي منها اختصاصه بالشكر، لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك، فقيل: {بل أكثرهم} أي في الظاهر والباطن - بما أشار إليه الإضمار {لا يعلمون *} لكونهم يسوون به غيره، ومن نفى عنه العلم - الذي هو أعلى صفات الكمال - كان في عداد الأنعام، فهم لذلك يشبهون به ما ذكر، ويضربون الأمثال الباطلة، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد، ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال، أو يقال وهو أرشق: لما كان الجواب قطعاً: لا يستووت والفاضل مثالك، فقد علم كل ذي لب أن لك المثل الأعلى، فترجم عن وصفه بقوله "الحمد لله" أي الإحاطة بصفات الكمال للملك الأعظم، وعن نسبتهم إلى علم ذلك بقوله تعالى { بل أكثرهم لا يعلمون} أي ليس لهم علم بشيء أصلاً، لأنهم يعملون في هذا بالجهل، فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في حقهم من نسسبتهم إلى الضلال على علم، وسيأتي في سورة لقمان إن شاء الله تعالى ما يكون نافعاً في هذا المقام، وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد مضى في سورة الفاتحة أن مادة "حمد" تدور على بلوغ الغاية، ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة، فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى فيلزمه الشكر، وبيانه أن الحمد بمعنى الرضا والشكر لأنهما يكونان غالباً من غاية الإحسان، ويرجع إلى ذلك الحمد بمعنى الجزاء وقضاء الحق، وحماداك - بالضم، أي غايتك، ويوم محتمد: شديد الحر، وحمد النار - محركة: صوت التهابها، وأما يتحمد عليّ - بمعنى يمتن - فأصله: يذكر ما يلزم منه حمده، ومنه المدح: وهو حسن الثناء، وتمدح بمعنى تكلف أن يمدح وافتخر وتشبع بما ليس عنده، فإنه في كل ذلك بذل جهده، ودحمه - كمنع: دفعه شديداً، والمرأة: نكحها - لما في ذلك من بلوغ الغاية في الشهوة وما يلزمها من الدفع ونحوه، والدحم - بالكسر: الأصل - لأنه غاية الشيء الذي ينتهي إليه، وحدم النار - ويحرك: شدة احتراقها وحميها، واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود، والحدمة - محركة: النار - لأنها غاية الحر، والحدمة أيضاً: صوتها - لدلالته على قوة التهابها، ومن ذلك الحدمة أيضاً لصوت جوف الحية، أو صوت في الجوف كأنه تغيظ - لأنه يدل على غاية التهاب الباطن، والحدمة - كفرحة: السريعة الغلي من القدور؛ ومن الاتساع: تمدحت الأرض أي اتسعت؛ ومن الاستدارة: الداحوم لحبالة الثعلب - لأنها بلغت الغاية من مراد الصائد، ولأنه لما لم يقدر على الخلاص منها كانت كأنها قد أحاطت به، والدمحمح: المستدير الململم، ودمح تدميحاً: طأطأ رأسه - لأن الانعطاف مبدأ الاستدارة - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما انقضى هذا المثل كافياً في المراد، ملزماً لهم لاعترافهم بأن الأصنام عبيد الله في قولهم "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وكان ربما كابر مكابر فقال: إنهم ليسوا ملكاً له، أتبعه مثلاً آخر لا تمكن المكابرة فيه، فقال تعالى: {وضرب الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة أيضاً {مثلاً} ثم أبدل منه {رجلين} ثم استأنف البيان لما أجمل فقال تعالى: {أحدهما أبكم} أي ولد أخرس؛ ثم ترجم بكمته التي أريد بها أنه لا يَفهم ولا يُفهِم بقوله: {لا يقدر على شيء} أي أصلاً {وهو كل} أي ثقل وعيال، والأصل فيه الغلظ الذي يمنع من النفوذ، كلت السكين كلولاً - إذا غلظت شفرتها فلم تقطع، وكل لسانه - إذا لم ينبعث في القول، لغلظه وذهاب حده - قاله الرماني {على مولاه} الذي يلي أمره؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى: {أينما يوجهه} أي يرسله ويصرفه ذلك المولى {لا يأت بخير} وهذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم. ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد - الذين لا قدرة لهم على شيء ما - بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلماً، حسن كل الحسن توبيخهم والإنكار عليهم بقوله تعالى: {هل يستوي هو} أي هذا المذكور {ومن} أي ورجل آخر على ضد صفته، فهو عالم فطن قوي خبير مبارك الأمر ميمون النقيبة {يأمر} بما له من العلم والقدرة {بالعدل} أي ببذل النصيحة لغيره {وهو} في نفسه ظاهراً وباطناً {على صراط} أي طريق واضح واسع {مستقيم} أي عامل بما يأمر به، وهذا مثال للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع المؤن، وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} [الآية: 74]. أى للتشبيه ولكن اضربوا الأمثال للدلالة، والأمثال: تصوير ما فى الغائب. وقال ابن عطاء: فى قوله: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} فى ذاته وما نيته لأن الذات ممتنع عن العلل بحال. قال الواسطى: الأشياء كلها أقل من ذر فى الهواء كيف يظهر فى الذات. قال الله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ}. فى ذاته وكيفيته لأنه ليس كمثله شىء فأما صفاته التى أظهرها للخلق كسواه لهم وأعز. وقال: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} فى صفاته وذاته لأن الصمدية تمتنع عن الوقوف على ماهية ذاته وكيفية صفاته. وقال إنما ضرب الأمثال وأكثر ما فيها من المقال ضربًا للسرائر وأن يغنى عن حضورها فيما أسرى إليها.

القشيري

تفسير : كيف تُضْرَبُ ألأمثالُ لمن لا يساويه أحدٌ في الذات والصفات وأحكام الأفعال؟ ومَنْ نَظَرَ إلى الحقِّ من حيث الخَلْق وقع في ظلمات التشبيه، وبقي عن معرفة المعبود.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا تضربوا لله الامثال} اى فلا تشبهوا الله بشئ من خلقه وتشركوا به فان ضرب المثل تشبيه حال بحال وقصة بقصة والله تعالى واحد حقيقى لا شبه له ازلا وابدا شعر : در تصور ذات اورا كنج كو تادر آيد در تصور مثل او تفسير : قال فى الارشاد اى لا تشبهوا بشأنه تعالى شأنا من الشؤون واللام مثلها فى قوله تعالى {أية : ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون}تفسير : لا مثلها فى قوله تعالى {أية : واضرب لهم مثلا اصحاب القرية}تفسير : ونظائره {ان الله يعلم} كنه ما تفعلون وعظمه وهو معاقبكم عليه بما يوازيه فى العظم {وانتم لا تعلمون} ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فالله تعالى هو العالم بالخطأ والصواب ومن خطأ الانسان عبادته الدنيا والهوى وطلب المقاصد من المخلوقين وجعلهم امثال الله وليس فى الوجود مؤثر الا الله تعالى فهو المقصود ومنه الوصول اليه. وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الابصار وان الملأ الاعلى يطلبونه كما تطلبونه انتم"تفسير : وذلك لان الله تعالى ليس له زمان ولا مكان وان كان الزمان والمكان مملوءين من نوره فاهل السماء والارض فى طلبه سواء. وقال موسى عليه السلام أين اجدك يا رب قال يا موسى اذا قصدت الىّ فقد وصلت الىّ اشار تعالى الى ان القاصد واصل بغير زمان ومكان وانما الكلام فى القصد الوجدانى الجمعى والميل الكلى لان من طلب وجدّ وجد ومن قرع الباب ولجّ ولج والباب هو باب القلب فان منه يدخل المرؤ بيت المعرفة الالهية ثم يصل الى صدر المشاهدة الربانية فيحصل الانس والحضور والذوق والصفاء ويرتفع الهيبة والحيرة والوحشة والغفلة والكدر والجفاء اللهم اجعلنا من الواصلين آمين.

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} اى لا تجعلوا له امثالاً تعبدونها لعبادته، او لا تضربوا له الامثال بتشبيه حاله بحال الملوك وارتضاء الخدمة من عبيدهم ومقرّبيهم واجرائهم ارزاق العساكر على ايدى وزرائهم وامنائهم وبان تقولوا انّ خدمة مقرّبى السّلطان ادخل فى التّعظيم وامثال ذلك فانّه اعلى من ان تعرفوه وتعرفوا كيفيّة اوصافه وافعاله حتّى تضربوا له الامثال {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} فقولوا ما علّمكموه {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فلا تقولوا من عند انفسكم شيئاً فى شيءٍ فضلاً عن ضرب المثل فيه تعالى.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ} لا تجعلوا له أمثالا فإِنه لا يشبهه شىء كيف تشبهون ما لا يقدر على شىء بمن يقدر على كل شىء من خلق ورزق وإِحياء وإِماتة وغير ذلك وكيف تشركون به ما لا يقدر على شىء وكيف تقيسونه عليه وضرب المثل تشبيه حال بحال وهو مأْخوذ من قولك هذا ضريب هذا أى مثله والضرب النوع {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ} أنه لا مثل له أو يعلم خطأكم فى التشبيه والقياس المذكور ويعلم عظم جرمكم أو يعلم كنه الأَشياء من عقاب وغيره فى القياس الذى هو قولكم إِن عبادة عبيد الملك أبلغ فى تعظيم الملك من عبادة الملك وكانوا يقولون الأَصنام عبيد الله وعبادتها تعظيم له، {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك الذى ذكر أن الله يعلمه فاتركوا رأْيكم لو علمتم ما جسرتم على ذلك وإِن وما بعدها تعليل النهى أو المعنى لا تضربوا لله الأَمثال لأن الله يعلم كيف يضرب المثل وأنتم لا تعلمون كيف تضربونها فعلمهم ضربها بقوله.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ} إذا كان الأمر كذلك، فلا تضربوا، أو ولا تضربوا إلخ، على أن الفاء بمعنى الواو، وذلك لأن الأصنام وإياهم عاجزون لا تجعلوا لله شركاء تقيسونها عليه، وتمثلونها به فى الألوهية والعبادة، وذلك استعارة تمثيلية، لأن ضرب المثل له تعالى الإشراك به، والتشبيه به، والمشرك المشبه له بغيره بمنزلة ضارب المثل إذ يشبه صفة بصفة، وذاتًا بذات. {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ} فساد ما زعموا، من أن عبادة الأصنام أشد تعظيما لله سبحانه، لأنها عبيده، وأل فى الأمثال للحقيقة، فشمل الفرد والمتعدد، فلا يفهم أن المثل الواحد أو الاثنين من الجائز، وكان بصيغة الجمع لأنه الواقع منهم ولا مفهوم له، وللتشنيع عليهم بأنهم جعلوا أندادًا متعددة لمن لا يمكن أن يكون له واحد. {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} قبح ضرب الأمثال، وامتناع صحته، فإن المالك الرازق هو الذى تحق له العبادة، وعبادة عبيده إفساد لنعمة المنعم، فلو أنتم عليكم سلطان فصرتم تغفلون عن حقه وخدمته، واشتغلتم بعبادة حمارة لَبَان لكل ذى رأى فساد ذلك، أو أن الله يعلم كنه الأشياء، وأنتم لا تعلمونه، فهو عالم بكنه إشراككم، وكنه عقابه دونكم، أو يعلم ضرب الأمثال وأنتم لا تعلمونه، وإنما يصح ضرب الأمثال إذا كان مثل ما فى قوله عز وجل: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا} وإنما يضرب المثل العالم للجاهل ليتعلم، وهذا تعليم لهم كيف يضربون الأمثال، فيصيبون ولا يخطئون، والأصنام كالعبد المملوك العاجز عن أن يملك مالا، ويتصرف فيه، بخلاف الحر المالك للأموال الذى لا حجر عليه فى المال، ينفق كما يشاء، والله جل وعلا هو المالك للأشياء: الأموال وغيرها، للتصرف فيها بالإنفاق كيف يشاء وقال: مملوكا، تحرزاً عن الحر لأنه أيضًا عبد الله، وقيد العبد بأنه لا يقدر على شئ تحرزًا عن المأذون فى التجر، فقد يصرف فى المال بلا إذن، أو بإذن، وعن المسرح ببطنه، وعن المحمول رئيسا على سائر العبيد، أو على العيال. وأما المكاتب، فحر عندنا، ويناسب قوله: {عبدا مملوكا..} الخ أن نجعل من فكره موصوفة أكثر مناسبة فيه إذا جعلناها اسمًا موصولا عاما، واختلف فيما يعطى العبد لا لعمله، ولا للأجل سيده، فقيل: هو لسيده لقوله تعالى: {لا يقدر على شئ} وهو مشهور المذهب، وعليه الشافعى، استظهره الزمخشرى، ولا يصح طلاقه إلا بإذن سيده أولا أو إجازته بعد وقوعه، وإِن كان سيده امرأة وكلت رجلا يطلق عنه أو يجيزه، وقيل: ما يعطى العبد له، لأن القيد إنما هو لإمكان أن يملك، وبه قال مالك وهو ظاهر الآية، لأنه أثبت له العجز بقوله مملوكا ونفى القدرة العارضة بتمليك السيد بقوله: لا يقدر على شئ، وليس المعنى القدرة على التصرف، لأن مقابله: ومن رزقناه منا رزقا حسنًا. {هَلْ يَسْتَوُونَ} استفهام لنفى الاستواء عند كل عاقل، فكيف يسرى من له القدرة على كل شئ التامة، وهو الله جل وعلا مع العاجز من كل وجه، وهو الأصنام، أو الآية مثَل للمؤمن الموفق، والكافر المخذول، لا يستوى الحر والعبد، لا يستوى الموفق والمخذول، فإنه كالمربوط على جوارحه وقلبه، لا يعمل بها نافعا، وقيل فى أبى بكر وأبى جهل، والجمع فى لا يستوون على التفسيرين لإرادة التعدد، كأنه قيل: هل يستوى الأحرار والعبيد أو هل يستوى الموفقون والمخذولون، ويشير قوله عز وجل: ينفق منه سرًّا وجهرًا إلى كثرة المال، فالحسن للمذكور فى الآية حسنة كمية وهيئة. والآية استعارة تمثيلية فى قوله عبدًا مملوكًا إلخ واستعارة تمثيلية أيضا فى قوله: {من رزقناه..} إلخ كذا قيل، والأولى أنهما معًا استعارة واحدة، وسواء التفسير بالعبد والحر والمخذول والموفق، شبه الهيئة المنتزعة من حبوط عمل الكابر وصيرورته هباء، بالهيئة المأخوذة من العبد، وعدم قدرته تحقيقا مع أ نه فى صورة قادر، وهذا أحسن جدًا إلا أن الملائم لما قيل هو التفسير بالعبد والحر {الحَمْدُ للهِ} كله له لا يستحق معه غيره شيئًا، لأنه ولى النعم، وهى كلها منه، ولا تستحق الألوهة بلا موجب، فكيف يكون عيسى إلها للناس، مع أنه لم يخلقهم ولم يرزقهم، ولا يملك أحوالهم، وقيل: الحمد لله على ظهور الحجة. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إذا أضافوا النعم إلى غير الله وعبدوا غيره عليها، أو لا يعلمون ظهور ذلك فبقوا على الإشراك، وقد علم بعض أن الأمر ما ذكر الله عز وجل، وجحدوا بألسنتهم، وقيل: المراد بالأكثر للكل.

الالوسي

تفسير : {فَلاَ تَضْرِبُواْ للَّهِ ٱلأَمْثَالَ} التفات إلى الخطاب للإيذان بالاهتمام بشأن النهي، والفاء للدلالة على ترتيب النهي على ما عدد من النعم/ الفائضة عليهم منه تعالى وكون آلهتهم بمعزل من أن يملكوا لهم رزقاً فضلاً عما فضل، والأمثال جمع مثل كعلم، والمراد من الضرب الجعل فكأنه قيل: فلا تجعلوا لله تعالى الأمثال والأكفاء فالآية كقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } تفسير : [البقرة: 22] وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال في الآية: يقول سبحانه لا تجعلوا معي إلهاً غيري فإنه لا إله غيري. وجعل كثير الأمثال جمع مثل بالتحريك، والمراد من ضرب المثل لله سبحانه الإشراك والتشبيه به جل وعلا من باب الاستعارة التمثيلية، ففي "الكشف" إن الله تعالى جعل المشرك به الذي يشبهه تعالى بخلقه بمنزلة ضارب المثل فإن المشبه المخذول يشبه صفة بصفة وذاتاً بذات كما أن ضارب المثل كذلك فكأنه قيل: ولا تشركوا بالله سبحانه، وعدل عنه إلى المنزل دلالة على التعميم في النهي عن التشبية وصفاً وذاتاً، وفي لفظ {ٱلأَمْثَالَ} لمن لا مثال له أصلاً نعي عظيم عليهم بسوء فعلهم، وفيه إدماج أن الأسماء توقيفية وهذا هو الظاهر لدلالة الفاء وعدم ذكر ضرب مثل منهم سابقاً، وهذا الوجه هو الذي اختاره الزمخشري وكلام الحبر رضي الله تعالى عنه لا يأباه فقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تعليل للنهي أي أنه تعالى يعلم كنه ما تفعلون وعظمه وهو سبحانه معاقبكم عليه أعظم العقاب وأنتم لا تعلمون كنهه وكنه عقابه فلذا صدر منكم وتجاسرتم عليه. وجوز أن يكون المراد النهي عن قياس الله تعالى على غيره بجعل ضرب المثل استعارة للقياس، فإن القياس إلحاق شيء بشيء وهو عند التحقيق تشبيه مركب بمركب، والفرق بينه وبين الوجه السابق قليل، وأمر التعليل على حاله، وجوز الزمخشري وغيره أن يكون المراد النهي عن ضرب الأمثال لله سبحانه حقيقة والمعنى فلا تضربوا لله تعالى الأمثال التي يضربها بعضكم لبعض إن الله تعالى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون، ووجه التعليل ظاهر، واللام على سائر الأوجه متعلقة ـ بتضربوا ـ وعزم ابن المنير تعلقها ـ بالأمثال ـ فيما إذا كان المراد التمثيل للإشراك والتشبيه ثم قال: ((كأنه قيل فلا تمثلوا الله تعالى ولا تشبهوه، وتعلقها ـ بتضربوا ـ على هذا الوجه ثم قال كأنه قيل فلا تمثلوا لله تعالى الأمثال فإن ضرب المثل إنما يستعمل من العالم لغير العالم ليبين له ما خفي عنه والله تعالى هو العالم وأنتم لا تعلمون فتمثيل غير العالم للعالم عكس للحقيقة))، وليس بشيء؛ والمعنى الذي ذكره على تقدير تعلقه بالفعل خلاف ما يقتضيه السياق وإن كان التعليل عليه أظهر، ومن هنا قال العلامة المدقق في "الكشف" في ذلك بعد أن قال إنه نهى عن ضرب الأمثال حقيقة: كأنه أريد المبالغة في أن لا يلحدوا في أسمائه تعالى وصفاته فإنه إذا لم يجز ضرب المثل والاستعارات يكفي فيها شبه ما والإطلاق لتلك العلاقة كاف فعدم جواز إطلاق الأسماء من غير سبق تعليم منه تعالى وإثبات الصفات أولى وأولى.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جميع ما سبق من الآيات والعبر والمنن، إذ قد استقام من جميعها انفراد الله تعالى بالإلهية، ونفي الشريك له فيما خلق وأنعم، وبالأولى نفي أن يكون له ولد وأن يشبه بالحوادث؛ فلا جرم استتبّ للمقام أن يفرع على ذلك زجر المشركين عن تمثيلهم غير الله بالله في شيء من ذلك، وأن يمثّلوه بالموجودات. وهذا جاء على طريقة قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم} تفسير : [سورة البقرة: 21] إلى قوله تعالى: {أية : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} تفسير : [سورة البقرة: 22]، وقوله: {أية : وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} تفسير : [سورة يس: 78]. و{الأمثال} هنا جمع مَثَل ــــ بفتحتين ــــ بمعنى المماثل، كقولهم: شبه بمعنى مشابه. وضرب الأمثال شاع استعماله في تشبيه حالة بحالة وهيئة بهيئة، وهو هنا استعمال آخر. ومعنى الضرب في قولهم: ضَرب كذا مثلاً، بَيّنّاه عند قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما} تفسير : في سورة البقرة (26). واللاّم في {لله} متعلقة بــــ{الأمثال} لا بــــ{تضربوا}، إذ ليس المراد أنهم يضربون مَثَل الأصنام بالله ضرباً للناس كقوله تعالى: {أية : ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} تفسير : [سورة الروم: 28]. ووجه كون الإشراك ضرب مثل لله أنهم أثبتوا للأصنام صفات الإلهية وشبّهوها بالخالق، فإطلاق ضرب المثل عليه مثل قوله تعالى: {أية : وقالوا أءالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً} تفسير : [سورة الزخرف: 58]. وقد كانوا يقولون عن الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والملائكة هنّ بنات الله من سروات الجِنّ، فذلك ضرب مثل وتشبيه لله بالحوادث في التأثّر بشفاعة الأكفاء والأعيان والازدهاء بالبنين. وجملة {إن الله يعلم} تعليل للنّهي عن تشبيه الله تعالى بالحوادث، وتنبيه على أن جهلهم هو الذي أوقعهم في تلك السخافات من العقائد، وأن الله إذ نهاهم وزجرهم عن أن يشبّهوه بما شبّهوه إنما نهاهم لعلمه ببطلان اعتقادهم. وفي قوله تعالى: {وأنتم لا تعلمون} استدعاء لإعمال النّظر الصحيح ليصلوا إلى العلم البريء من الأوهام.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ}. نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة خلقه أن يضربوا له الأمثال. أي يجعلوا به أشباهاً ونظراء من خلقه، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً! وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى: 11] الآية، وقوله: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الاخلاص: 4]، إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : (74) - وَإِذْ ثَبَتَ لَكُمْ عَدَمُ نَفْعِ غَيْرِ اللهِ لَكُمْ، فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَمْثَالاً، وَلاَ تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ) فَهُوَ سُبَحَانَهُ يَعْلَمُ وَيَشْهَدُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، وَأَنْتُمْ بِجَهْلِكُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، وَلاَ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاِ إِلهَ إِلاَّ هُوَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الأمثال: جمع مِثْل، وهو النِّد والنظير. وفي الآية نَهْي عن أن نُشبِّه الله سبحانه بشيء آخر؛ لأن الحق تبارك وتعالى واحدٌ في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله .. إياك أن تقول عن ذات: إنها تشبه ذاته سبحانه، أو صفات تشبه صفاته سبحانه، فإنْ وجدت صفة لله تعالى يُوجد مثلها في البشر فاعلم أنها على مقياس. {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. فالحق سبحانه ينهانا أنْ نضرب له الأمثال، إنما هو سبحانه يضرب الأمثال؛ لأنه حكيم يضرب المثَل في محلّه لِيُوضّح القضية الغامضة بالقضية المشاهدة؛ ولذلك يقول تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ..} تفسير : [النحل: 60]. أي: الصفة العليا في كل شيء، فإذا وجدتَ صفات مشتركة بينكم وبين الحق سبحانه فنزِّه الله عن الشبيه والنظير والنِّد والمثيل وقل: (ليس كمثله شيء). فأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك مسبوقٌ بعدم ويلحقه العدم، ووجوده سبحانه لا يسبقه عدم ولا يلحقه العدم. وقد ضرب الله لنا مثلاً لنفسه سبحانه لِيُوضِّح لنا تنويره سبحانه للكون، وليس مثَلاً لنوره كما نظنّ .. بل هو مثَل لتنويره لا لنوره. يقول تعالى في سورة النور: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ}تفسير : [النور: 35]. نور السمٰوات والأرض؛ لأنه بالنور تكون الهداية حِسّية أو معنوية .. فالنور الحسِّيُّ مثل نور الشمس والقمر وغيرهما من مصادر الضوء .. هذا النور الحسيّ هو الذي يُبيّن لك الأشياء لتسير في الكون على بصيرة وهدى .. فلو حاولتَ السَّيْر ليلاً دون ضَوْء يهديك فسوف تصطدم بالأشياء من حولك: إما أقوى منك يُحطّمك ويُؤذيك، وإما تكون أنت أقوى منه فتُحطِّمه أنت .. فالذي يهدي خُطَاك هو النور الحسيُّ. وقد يكون النور معنوياً، وهو نور القِيَم والأخلاق، وهذا النور يجعلك أيضاً تسير في الحياة على بصيرة وهُدًى، ويحميك من التخبّط في مجاهل الأفكار والنظريات، هذا هو النور القِيَمي الذي أنزله الله لنا في كتابه الكريم، وقال عنه: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [المائدة: 15-16]. فهو نور لكن معنوي .. بالقيم والأخلاق والفضائل .. ولا تقُلْ في هذا المثل: إنه مَثَلٌ لنور الله .. بل مَثَلٌ لسلطان تنويره للكون، ولو تأمَّلنا بقية الآية لأدركنا ذلك. {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ..} تفسير : [النور: 35]. البعض يقولون: المشكاة هي المصباح .. لا .. المشكاة هي الكُوّة أو الطاقة المسدودة في الجدار يعرفها أهل الريف في بِنَاياتهم القديمة، وهي تجويف غير نافذ في الجدار يُوضَع فيه المصباح. {أية : ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ..} تفسير : [النور: 35]. أي: ليس مصباحاً عادياً بل في زجاجة، وهي تحمي ضَوْء المصباح أنْ يبعثره الهواء من كل ناحية، وفي نفس الوقت تسمح له بالقدر الكافي من الهواء لاستمرار الاشتعال، وبذلك يكون الضوء ثابتاً صافياً لا يصدر عنه دُخان يُعكِّر صَفْو الزجاجة. وأهل الريف يعرفون شعلة الجاز التي ليس لها زجاجة، وما يصدر عنها من دُخان أسود ضارّ .. إذن: المصباح هنا في غاية الصفاء والقوة؛ لأن الزجاجة أيضاً ليستْ زجاجة عادية، بل زجاجة كأنها كوكب دُريٌّ، وكَوْنها كالكوكب الدريّ يعني أنها تُضِيء بنفسها. {أية : ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ..} تفسير : [النور: 35]. هذا المصباح يُوقد بزيت ليس عادياً، بل هو زيت من زيتونه .. شجرة زيتون معتدلة المناخ. {أية : لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ..} تفسير : [النور: 35]. هذا الزيت وصل من الصفاء والنقاء أنه يُضيء، ولو لم تمسسه نار؛ ولذلك أعطانا منتهى القوة: {أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ..} تفسير : [النور: 35]. ولذلك قال تعالى في وصف هذا المصباح: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ..} تفسير : [النور: 35]. وبعد أنْ وقفتَ على أوصاف هذا المصباح، وأنه يُوضَع في كُوَّة صغيرة، بالله عليك هل يمكن وجود نقطة مظلمة في هذه الكُوّة؟ إذن: فهذا مَثَلٌ ليس لنوره سبحانه .. فنُوره لا يُدرَكُ، وإنما هو مثَلٌ لتنويره للكون، الذي هو كالكُوّة والطاقة في هذا المثل .. فمعنى قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النور: 35]. أي: مُنوِّرهما، فكما أنه لا يُعقل وجود نقطة مظلمة في هذه الكُوّة، فكذلك نوره سبحانه وتنويره للكون .. وهذا هو النور الحسيّ الذي أمدَّ الله به الكون. ثم تحدَّث القرآن بعد ذلك عن النور المعنوي الذي يُنزِل على عباد الله الصالحين تجليّاتٍ نورانية، وفيُوضاتٍ ربانية نتلقّاها في بيوت الله: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ ..}تفسير : [النور: 36-37]. وهكذا نجمع بين النور الحسيّ والنور المعنوي صلى الله عليه وسلم. ولذلك، فأبو تمام حينما أراد أن يمدح الخليفة شبَّهه بمشاهير العرب في الشجاعة والكرم والحِلْم والذكاء، فقال: شعر : إقْدام عَمْـروٍ في سَمَاحَةِ حَاتِم فِي حِلْم أَحْنَفَ في ذَكَاءِ إِيَاسِ تفسير : فاعترض على هذا التشبيه أحد حُسَّاد أبي تمام، وقال له: كيف تُشبّه الخليفة بأجلاف العرب؟ ففي جيشه ألف واحد كعمرو، ومن خَزَنته ألف واحد كحاتم .. ولكي يخرج أبو تمام من هذا المأزق، ويُفلِت من هذا الفخ الذي نصبه له حاسده، قال على البديهة: شعر : لاَ تُنكِرُوا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ مَثَلاً شَرُوداً في النَّدى والبَاسِ فَاللهُ قَدْ ضربَ الأقَـلَّ لِنُورِه مثَلاً مِـنَ المشْـكَاةِ وَالنِّـبْراسِ تفسير : والحق سبحانه وتعالى وإنْ نهانا نحن أن نضربَ له مثلاً لِقلَّة عِلْمنا، فهو سبحانه القادر على ضَرْب الأمثال حتى بأقلّ المخلوقات، وأتفهها في نظرنا .. فيقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26]. فلا تستقلّ أمر هذه البعوضة، ولا تستحقر أنْ يجعلها الله مثَلاً؛ لأنه سبحانه لا يستحي أن يضرب بها المثل؛ لأن في هذه البعوضة كل أجهزة تكوين الحياة التي فيك، وفي أضخم الحيوانات مثل الفيل والجمل؛ ولأن هذه البعوضة التي تستحقرها قد تكون أقوى منك، قد تُعجِزك أنت على قوتك وحيلتك وجبروتك. يقول تعالى: {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. بالله عليك، هل تستطيع على قوتك وإمكاناتك أنْ تستردَ من الذبابة ما أخذتْه من طعامك؟ هل تقدر على هذه العملية؟ إذن: حينما يضرب الله لك مَثَلاً يجب أن تحترم ضَرْب الله للمثل، وأنْ تبحثَ فيما وراء المثل من الحكمة .. وأنه سبحانه جاء بهذا المثَل لهذا المخلوق الحقير في نظرك لِيُوضِّح لك قضية غامضة يُنبِّهك إليها. ولأهمية ضَرْب المثَل في توضيح الغامض يلجأ إليه الشعراء ليُقرِّبوا المعنى من الأفهام، فقد يقف الشاعر أمام قضية معقدة لا يدركها إلا العقلاء، ويريد الشاعر الوصول بها إلى أفهام العامة .. مثل قضية الحاسد الذي يُظهر بحسده مزايا محسوده ومكارمه، فقد يتهم البريء بتهمة ظلماً، فتكون سبباً في رِفْعته بين قومه. أخذ الشاعر العربي هذا المعنى، وصاغه شعراً، وضرب له مثلاً توضيحياً، فقال: شعر : وَإِذَا أَرَادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلةٍ طُويَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ لَوْلاَ اشْتِعالُ النَّارِ فِيمَا جَاورَتْ مَا كانَ يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ تفسير : فانظر كيف وصل بالقضية المعنوية إلى قضية عامة يعرفها الرجل العادي، فقد يكون لديك فضيلة مكتومة مغمورة لا يعرفها أحد، حتى تتعرض لحاسد يتهمك ويُشوِّه صورتك، فإذا بالحقيقة تتكشف للجميع ويُظهر ما عندك من مواهب، وما لديك من فضائل .. وما أشبه ذلك بالعود طيب الرائحة الذي لا نشمُّ رائحته إلا إذا حرقناه. وقد كان سبب هذا المثَل الشِّعريّ أن أحد أهل الخير كان يتردد من حين لآخر على أحد بُيوت البلدة وبها عجوز مُقْعدة في حاجة إلى مساعدة، فكان يساعدها بما يستطيع، وكان بجوارها منزل إحدى الجميلات التي قد تكون مطمعاً .. فاستغل أحد الحُسَّاد هذه الجيرة، واتهم الرجل الصالح بأنه يذهب إلى هذه الحسناء .. وفعلاً تتبعه الناس، فإذا به يذهب لبيت العجوز المقعدة .. ومن هنا عرف الناس عنه فضيلةً لم يكن يعرفها أحد. وقد رأينا على مَرِّ التاريخ مَنِ اتهِمُوا ظلماً، وقيل في حقهم ما يندى له الجبين .. ثم أنصفهم القضاء العادل، وأظهر أنهم أبطال يستحقون التكريم، ولولا ما تعرضوا له من اتهام ما عرفنا مزاياهم ومكارمهم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 74]. وهذه عِلّة النهي عن ضَرْب الأمثال لأننا لا نعلم، أما الحق سبحانه وتعالى فيضرب لنا الأمثال؛ لأنه سبحانه يعلم، ويأتي بالمثَل في محلّه. وبعد أنْ هيّأنا ربنا سبحانه لتلقِّي الأمثال، وأعدَّ أذهاننا لاستقبال الأمثال منه سبحانه .. أتى بهذا المثل. فيقول الحق سبحانه: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً ...}.

الأندلسي

تفسير : {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} قال ابن عباس لا تشبهوه بخلقه. {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} أثبت العلم لنفسه والمعنى أنه يعلم ما تفعلون من عبادة غيره والإِشراك به وعبر عن الجزاء بالعلم. {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} كنه ما أقدمتم عليه ولا وبال عاقبته. {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً} الآية، مناسبة ضرب هذا المثل أنه لما بين تعالى ضلالهم في إشراكهم بالله وغيره وهو لا يجلب نفعاً ولا ضراً لا لنفسه ولا لعابده ضرب لهم مثلاً في قصة عبد في ملك غيره عاجز عن التصرف وحر غني متصرف فيما آتاه الله تعالى فإِذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد ومشتركين في الانسانية فكيف تشركون بالله تعالى وتسوون به من هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره مع تباين الأوصاف وان واجب الوجود لا يمكن أن يشبهه شىء من خلقه ولا يمكن لعاقل أن يشبه به غيره. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ} أي قصة رجلين وهذا مثل ثان ضربه تعالى إلى نفسه ولما يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته وألطافه والنعمة الدينية والدنيوية والأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع وإلا بكم الذي ولو أخرس فلا يفهم ولا يفهم. {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} أي ثقيل وعيال على من يلي أمره ويعوله. {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ} حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ} ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفاية مع رشد وديانة فهو يأمر الناس بالعدل. {وَهُوَ} في نفسه. {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} على سيرة صالحة ودين قويم ذكر تعالى أن له غيب السماوات والأرض وهو ما غاب عن العباد وخفي فيها عنهم عامة والظاهر اتصاله بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. أخبر باستئثاره بعلم غيب السماوات والأرض ثم بكمال قدرته على الإِتيان بالساعة التي ينكرونها في لمحة البصر أو أقرب والمعنى بهذا الاخبار ان الآلهة التي يعبدونها منتف عنها هذان الوصفان اللذان لاله وهما العلم المحيط بالمغيبات والقدرة البالغة التامة ومن ذكر أن قوله: ومن يأمر بالعدل هو الله ذكر ارتباط هذه الجملة بما قبلها بأن من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم هو الكامل في العلم والقدرة فبين ذلك بهذه الجملة ولما ذكر تعالى أمر الساعة وأنها كائنة لا محالة وكان في ذلك دلالة على النشأة الآخرة وتقدم وصفها بانتفاء العلم ذكر النشأة الأولى وفي إخراجهم من بطون أمهاتهم غير عالمين شيئاً تنبيهاً على وقوع النشأة الآخرة ثم ذكر امتنانه عليهم بجعل الحواس التي هي سبب لإِدراك الأشياء والعلم. قال الزمخشري: والأفئدة من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة إذا لم يرد في السماع غيرها كما قالوا: شسوع في جمع شسع لا غير فجرت ذلك المجرى "انتهى". ودعوى الزمخشري أنه لم يجىء في جمع شسع إلا شسوع لا غير فليس بصحيح بل جاء فيه جمع القلة قالو: شساع ولما ذكره ابن الخطيب هنا ليس بشىء ولما كانت النشأة الأولى وجعل ما يعلمون به لهم من أعظم النعم عليهم قال: لعلكم تشكرون، وتقدم الكلام في أمهات في النساء ولا تعلمون جملة حالية أي غير عالمين ولما ذكر تعالى مدارك العلم الثلاثة السمع والبصر والعقل والأول مدرك المحسوس. والثاني: مدرك المعقول اكتفى من ذكر مدرك المحسوس بذكر النظر فإِنه أغرب لما يشاهد به من عظيم المخلوقات على بعدها التفاوت كمشاهدته للنيرات في الأفلاك وجعل هنا موضع الاعتبار والتعجب الحيوان الطائر فإِن طيرانه في الهواء في ثقل جسمه مما يتعجب منه ويعتبر به وتضمنت الآية ذكر مدرك العقل في كونه لا يسقط إذ ليس تحته ما يدعمه ولا فوقه ما يتعلق به فيعلم بالعقل أنه له ممسك قادر على إمساكه وهو الله فانتظم في الآية ذكر مدرك الحس ومدرك العقل ومعنى مسخرات مذللات وبني للمفعول دلالة على أنه له مسخراً وهو الله تعالى والجو مسافة ما بين السماء والأرض لآيات جمع ولم يفرد لما في ذلك من الآيات خفة الطائر التي جعلها الله فيه لأن يرتفع بها وثقله الذي جعله الله تعالى فيه لأن ينزل والفضاء الذي بين السماء والأرض والامساك الذي لله او جمع باعتبار ما في هذه الآية والتي قبلها وقال لقوم يؤمنون فإِنهم هم الذين ينتفعون بالاعتبار ولتضمن الآية أن المسخر والممسك لها هو الله تعالى فهو إخبار منه تعالى ما يصدق به إلا المؤمن. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ} الآية، والسكن فعل بمعنى مفعول كالقبض وأنشد الفراء. شعر : جاء الشتاء ولما اتخذ سكناً يا ويح نفسي من حفر القراميص تفسير : وليس السكن بمصدر كما ذهب إليه ابن عطية والظاهر أنه يندرج في البيوت التي من جلود الأنعام بيوت الشعر وبيوت الصوف والوبر. {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} يوم ترحلون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها والظاهر أن أثاثاً مفعول والتقدير جعل من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً. {مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} لما كانت بلاد العرب الغالب عليها الحر امتن عليهم بذكر ما يكنهم منه كالظلال فيما له ظل والأكنان من الجبال الغيران والكهوف والبيوت المنحوتة منها والسربال ما ليس على البدن من قميص وغيره وثم محذوف تقديره الحر والبرد لأن ما وفي الحر جدير أن يقي البرد. و{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ} كناية عن الدروع والمغفر غير ذلك. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} يحتمل أن يكون ماضياً أي فإِن أعرضوا عن الإِسلام ويحتمل أن يكون مضارعاً أي فإِن تتولوا وحذفت الياء ويكون جارياً على الخطاب السابق والماضي على الإِلتفات والفاء ما بعدها جواب الشرط صورة والجواب حقيقة محذوف أي فأنت معذور إذ أديت ما وجب عليك فأقيم سبب العذر وهو البلاغ مقام المسبب لدلالته عليه. {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ} الآية، لما ذكر إنكارهم لنعمة الله ذكر حال يوم القيامة حيث لا ينفع فيه الإِنكار على سبيل الوعيد لهم بذلك اليوم وانتصب يوم بإِضمار ذكر على أنه مفعول به ومتعلق الاذن محذوف فقيل في الرجوع الى دار الدنيا أو في الكلام والاعتذار. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا يزول عنهم العتب والظاهر أن قوله: شركاؤهم عام في كل من اتخذوه شريكاً لله تعالى من صنم وغيره والظاهر أن القول منسوب إليهم حقيقة وقيل منسوب إلى جوارحهم لأنهم لما أنكروا الإِشراك بقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]، أصمت الله ألسنتهم وأنطق جوارحهم ومعنى ندعو نعبد، قالوا: ذلك رجاء أن يشركوا معهم في العذاب إذ يحصل التأسي بهم والضمير في فألقوا عائد على الذين أشركوا وإليهم عائد على الشركاء. {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} خطاب العابدين للمعبودين واجهوا من كانوا يعبدونهم بأنهم كاذبون والسلم الاستسلام والانقياد لحكم الله تعالى بعد الاباء والاستكبار في الدنيا. {وَضَلَّ عَنْهُم} أي بطل عنهم. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن لله تعالى شركاء والذين مبتدأ وزدناهم الخبر صدر فهم شيئان الكفر والصد عن سبيل الله فعوقبوا بعذابين عذاب على الصد فوق العذاب الذي لهم على الكفر وفي كل أمة يبعث فيها منها حذف في السابق من أنفسهم وأثبته هنا وحذف هناك في وأثبته هنا والمعنى في كليهما أنه يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم والخطاب في بك لرسول الله صلى الله عليه وسلم والإِشارة بهؤلاء إلى أمته ونزلنا استئناف اخبار وليس داخلاً مع ما قبله لاختلاف الزمانين لما ذكر ما شرفه الله تعالى به من الشهادة على أمته ذكر ما أنزل عليه مما فيه بيان كل شىء من أمور الدين ليزيح بذلك علتهم فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا معذرة والظاهر أن تبياناً مصدر جاء على تفعال وإن كان باب المصادر أن يجيء على تفعال بالفتح كالترداد والتطواف ونظير تبيان في كسر تائه تلقاء ونصبو تبياناً على الحال ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله. قال الزمخشري: فإِن قلت كيف كان القرآن تبياناً لكل شىء، قلت: المعنى أنه بين كل شىء من أمور الدين حيث كان نصاً على بعضها وإحالة على السنة حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته وفيه وما ينطق عن الهوى. وحثاً على الاجماع في قوله: ويتبع غير سبيل المؤمنين وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباع أصحابه والاقتداء بآثارهم في قوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتهم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطأوا طرق القياس والاجتهاد فكانت السنة والاجتهاد والاجماع والقياس مستندة إلى تبين الكتاب فمن ثم كان تبياناً لكل شيء "انتهى". قوله: وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله: اهتديتم لم يقل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث موضوع لا يصح بوجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما في أيدي العامة ترويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما مثل أصحابي كمثل النجوم أو كالنجوم بأيها اقتدوا اهتدوا فهذا كلام لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت والنبي صلى الله عليه وسلم لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه هذا نص كلام البزار قال ابن المعين عبد الرحيم بن زيد كذاب خبيث ليس بشىء وقال البخاري هو متروك ورواه أيضاً حمزة الجزري وحمزة هذا ساقط متروك وللمسلمين متعلق ببشرى ومن حيث المعنى متعلق بهدى ورحمة.