١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذ المثل قولان: القول الأول: أن المراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة والبشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والإفضال، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة. والقول الثاني: أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، فإنه من حيث إنه بقي محروماً عن عبودية الله تعالى وعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز، والمراد بقوله: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى. واعلم أن القول الأول أقرب، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد، وفي الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: {عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء} فقيل: المراد به الصنم لأنه عبد بدليل قوله: {أية : إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبداً} تفسير : [مريم: 93] وأما أنه مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر، والمراد بقوله: {ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً} عابد الصنم لأن الله تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سراً وجهراً. إذا ثبت هذا فنقول: هما لا يستويان في بديهة العقل، بل صريح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالاً وأفضل مرتبة من ذلك العاجز، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساوياً لرب العالمين في العبودية. والقول الثاني: أن المراد بقوله: {عبداً مملوكاً} عبد معين، وقيل: هو عبد لعثمان بن عفان، وحملوا قوله: {ومن رزقناه منا رزقاً حسناً} على عثمان خاصة. والقول الثالث: أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة، وهذا القول هو الأظهر، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية، والله أعلم. المسألة الثالثة: احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئاً. فإن قالوا: ظاهر الآية يدل على أن عبداً من العبيد لا يقدر على شيء، فلم قلتم: إن كل عبد كذلك؟ فنقول: الذي يدل عليه وجهان: الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وكونه عبداً وصف مشعر بالذل والمقهورية. وقوله: {لا يقدر على شيء} حكم مذكور عقيبه فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه عبداً، وبهذا الطريق يثبت العموم. الثاني: أنه تعالى قال بعده: {ومن رزقناه منا رزقاً حسناً} فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقاً، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول، ولو ملك العبد لكان الله قد آتاه رزقاً حسناً، لأن الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلاً أو كثيراً. فثبت بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضي أن العبد لا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً. ثم اختلفوا فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك حتى قال: لا يملك الطلاق أيضاً. وأكثر الفقهاء قالوا يملك الطلاق إنما لا يملك المال ولا ما له تعلق بالمال. واختلفوا في أن المالك إذا ملكه شيئاً فهل يملكه أم لا؟ وظاهر الآية ينفيه، بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قال: {مملوكاً لا يقدر على شيء} وكل عبد فهو مملوك وغير قادر على التصرف؟ قلنا: أما ذكر المملوك فليحصل الامتياز بينه وبين الحر لأن الحر قد يقال: إنه عبد الله، وأما قوله: {لا يقدر على شيء} قد يحصل الامتياز بينه وبين المكاتب وبين العبد المأذون، لأنهما لا يقدران على التصرف. السؤال الثاني: {من} في قوله: {ومن رزقناه} ما هي؟ قلنا: الظاهر إنها موصوفة كأنه قيل: وحراً ورزقناه ليطابق عبداً، ولا يمتنع أن تكون موصولة. السؤال الثالث: لم قال: {يستوون} على الجمع؟ قلنا: معناه هل يستوي الأحرار والعبيد. ثم قال: {الحمد لله} وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد. والثاني: المعنى أن كل الحمد لله، وليس شيء من الحمد للأصنام، لأنها لا نعمة لها على أحد. وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} يعني أنهم لا يعلمون أن كل الحمد لله وليس شيء منه للأصنام. الثالث: قال القاضي في «التفسير»: قال الرسول عليه الصلاة والسلام: {قل الحمد لله} ويحتمل أن يكون خطاباً لمن رزقه الله رزقاً حسناً أن يقول: الحمد لله على أن ميزه في هذه القدرة عن ذلك العبد الضعيف. الرابع: يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى لما ذكر هذا المثل، وكان هذا مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال بعده: {الحمد لله} يعني الحمد لله على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة. ثم قال: {بل أكثرهم لا يعلمون} يعني أنها مع غاية ظهورها ونهاية وضوحها لا يعلمها ولا يفهمها هؤلاء الضلال.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} نبّه تعالى على ضلالة المشركين، وهو منتظم بما قبله من ذكر نعم الله عليهم وعدم مثل ذلك من آلهتهم. «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً» أي بيّن شبها؛ ثم ذكر ذلك فقال: {عَبْداً مَّمْلُوكاً} أي كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجلٌ حُرٌّ قد رزق رزقاً حسناً فكذلك أنا وهذه الأصنام. فالذي هو مثالٌ في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه، وإنما هو مسخَّر بإرادة سيده. ولا يلزم من الآية أن العبيد كلهم بهذه الصفة؛ فإن النكرة في الإثبات لا تقتضي الشمول عند أهل اللسان كما تقدم، وإنما تفيد واحداً، فإذا كانت بعد أمر أو نهي أو مضافة إلى مصدر كانت للعموم الشيوعي؛ كقوله: أعتق رجلاً ولا تهن رجلاً، والمصدر كاعتاق رقبة، فأيّ رجل أعتق فقد خرج عن عهدة الخطاب، ويصح منه الاستثناء. وقال قتادة: هذا المثل للمؤمن والكافر؛ فذهب قتادة إلى أن العبد المملوك وهو الكافر؛ لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته، وإلى أن معنى «وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً» المؤمن. والأول عليه الجمهور من أهل العلم والتأويل. قال الأَصَمّ: المراد بالعبد المملوك الذي ربما يكون أشدّ من مولاه أسْراً وأنضر وجهاً، وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه؛ فقال الله تعالى ضرباً للمثال. أي فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم فكيف جَعلتم أحجاراً مواتاً شركاء لله تعالى في خلقه وعبادته، وهي لا تعقل ولا تسمع. الثانية: فهم المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك، وأنه لا يملك شيئاً وإن مُلِّك. قال أهل العراق: الرِّق ينافي الملك، فلا يملك شيئاً ألْبَتَّةَ بحال، وهو قول الشافعيّ في الجديد، وبه قال الحسن وابن سِيرين. ومنهم من قال: يملك إلا أنه ناقص الملك، لأن لسيده أن ينتزعه منه أي وقت شاء، وهو قول مالك ومن اتبعه، وبه قال الشافعيّ في القديم. وهو قول أهل الظاهر؛ ولهذا قال أصحابنا: لا تجب عليه عبادة الأموال من زكاة وكفارات، ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد وغير ذلك. وفائدة هذه المسألة أن سيده لو مَلّكه جارية جاز له أن يطأها بملك اليمين، ولو ملكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على السيد زكاتها لأنها ملك غيره، ولا على العبد لأن ملكه غير مستقر. والعراقيّ يقول: لا يجوز له أن يطأ الجارية، والزكاة في النصاب واجبة على السيد كما كانت. ودلائل هذه المسألة للفريقين في كتب الخلاف. وأدلّ دليل لنا قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} تفسير : [الروم: 40] فسوّى بين العبد والحرّ في الرزق والخلق. وقال عليه السلام: «حديث : من أعتق عبداً وله مال...» تفسير : فأضاف المال إليه. وكان ابن عمر يرى عبده يتسرّى في ماله فلا يعيب عليه ذلك. وروي عن ابن عباس أن عبداً له طلق امرأته طلقتين فأمره أن يرتجعها بملك اليمين؛ فهذا دليل على أنه يملك ما بيده ويفعل فيه ما يفعل المالك في ملكه ما لم ينتزعه سيده. والله أعلم. الثالثة: وقد استدّل بعض العلماء بهذه الآية على أن طلاق العبد بيد سيده، وعلى أن بيع الأمة طلاقها؛ معوِّلاً على قوله تعالى: {لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ}. قال: فظاهره يفيد أنه لا يقدر على شيء أصلاً، لا على الملك ولا على غيره فهو على عمومه، إلا أن يدل دليل على خلافه. وفيما ذكرناه عن ابن عمر وابن عباس ما يدل على التخصيص. والله تعالى أعلم. الرابعة: قال أبو منصور في عقيدته: الرزق ما وقع الاغتذاء به. وهذه الآية ترد هذا التخصيص؛ وكذلك قوله تعالى: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3]. و {أية : أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} تفسير : [البقرة: 254] وغير ذلك من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : جعل رزقي تحت ظِلّ رُمْحِي»تفسير : وقولِه: «حديث : أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسِنة رماحها». تفسير : فالغنيمة كلها رزق، وكل ما صحّ به الانتفاع فهو رزق، وهو مراتب: أعلاها ما يغذّي. وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله: «حديث : يقول ٱبن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأمضيت». تفسير : وفي معنى اللباس يدخل الركوب وغير ذلك. وفي ألسنة المحدّثين: السماع رزق، يعنون سماع الحديث، وهو صحيح. الخامسة: قوله تعالى: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} هو المؤمن، يطيع الله في نفسه وماله. والكافر لما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك شيئاً. {هَلْ يَسْتَوُونَ} أي لا يستوون، ولم يقل يستويان لمكان «من» لأنه ٱسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل: «إنّ عبداً مملوكاً»، «ومن رزقناه» أريد بهما الشيوع في الجنس. {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي هو المستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه؛ إذ لا نعمة للأصنام عليهم من يدٍ ولا معروف فتُحمد عليه، إنما الحمد الكامل لله؛ لأنه المنعم الخالق. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ} أي أكثر المشركين {لاَ يَعْلَمُونَ} أن الحمد لي، وجميعَ النعمة مني. وذكر الأكثر وهو يريد الجميع، فهو خاص أريد به التعميم. وقيل: أي بل أكثر الخلق لا يعلمون، وذلك أن أكثرهم المشركون.
البيضاوي
تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْرًا هَلْ يستوُون} مثل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرف رأساً ومثل نفسه بالحر المالك الذي رزقه الله مالاً كثيراً فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء، واحتج بامتناع الاشتراك والتسوية بينهما مع تشاركهما في الجنسية والمخلوقية على امتناع التسوية بين الأصنام التي هي أعجز المخلوقات وبين الله الغني القادر على الإِطلاق. وقيل هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق، وتقييد العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر فإنه أيضاً عبد الله وبسلب القدرة للتمييز عن المكاتب والمأذون وجعله قسيماً للمالك المتصرف يدل على أن المملوك لا يملك، والأظهر أن {مِنْ } نكرة موصوفة ليطابق {عَبْداً}، وجمع الضمير في {يَسْتَوُونَ } لأنه للجنسين فإن المعنى هل يستوي الأحرار والعبيد؟. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} كل الحمد له، لا يستحقه غيره فضلاً عن العبادة لأنه مولى النعم كلها. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فيضيفون نعمة إلى غيره ويعبدونه لأجلها.
ابن كثير
تفسير : قال العوفي عن ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر، والمرزوق الرزق الحسن، فهو ينفق منه سراً وجهراً هو المؤمن، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا وهذا؟ ولما كان الفرق بينهما ظاهراً واضحاً بيناً لا يجهله إلا كل غبي، قال الله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } ويبدل منه {عَبْدًا مَّمْلُوكًا } صفة تميزه من الحُرِّ فإنه عبد الله {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ } لعدم ملكه {وَمنَ } نكرة موصوفة أي حرًّا {رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا } أي يتصرّف فيه كيف يشاء، والأول مثل الأصنام والثاني مثله تعالى {هَلْ يَسْتَوُونَ } أي العبيد العجزة والحرّ المتصرف؟ لا {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } وحده {بَلْ أَكْثَرُهُمْ } أي أهل مكة {لاَّ يَعْلَمُونَ } ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } لما قال سبحانه: {إن الله يعلم} أي: بالمعلومات التي من جملتها كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون؟ علمهم سبحانه كيف تضرب الأمثال، فقال: {ضرب الله مثلاً} أي: ذكر شيئاً يستدلّ به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه، وبين ما جعلوه شريكاً له من الأصنام. ثم ذكر ذلك فقال: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا } والمثل في الحقيقة هي حالة للعبد عارضة له، وهي المملوكية والعجز عن التصرف، فقوله: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء } تفسير للمثل وبدل منه، ووصفه بكونه مملوكاً؛ لأن العبد والحرّ مشتركان في كون كل واحد منهما عبد الله سبحانه. ووصفه بكونه لا يقدر على شيء؛ لأن المكاتب والمأذون يقدران على بعض التصرفات. فهذا الوصف لتمييزه عنهما {وَمَن رَّزَقْنَاهُ } "من" هي الموصولة، وهي معطوفة على {عبداً} أي: والذي رزقناه {مِنَّا } أي: من جهتنا {رِزْقًا حَسَنًا } من الأحرار الذين يملكون الأموال ويتصرفون بها كيف شاءوا، والمراد بكون الرزق حسناً: أنه مما يحسن في عيون الناس، لكونه رزقاً كثيراً مشتملاً على أشياء مستحسنة نفيسة تروق الناظرين إليها. والفاء في قوله: {فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ } لترتيب الإنفاق على الرزق، أي: ينفق منه في وجوه الخير ويصرف منه إلى أنواع البرّ والمعروف، وانتصاب {سِرّا وَجَهْرًا } على الحال، أي: ينفق منه في حال السرّ وحال الجهر. والمراد: بيان عموم الإنفاق للأوقات، وتقديم السرّ على الجهر مشعر بفضيلته عليه، وأن الثواب فيه أكثر. وقيل: إن «من» في {وَمَن رَّزَقْنَاهُ } موصوفة، كأنه قيل: وحرّاً رزقناه، ليطابق عبداً. {هَلْ يَسْتَوُونَ } أي: الحرّ والعبد الموصوفان بالصفات المتقدّمة، وجمع الضمير لمكان من، لأنه اسم مبهم يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل: إنه أريد بالعبد والموصول الذي هو عبارة عن الحرّ الجنس؛ أي من اتصف بتلك الأوصاف من الجنسين، والاستفهام للإنكار، أي: هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله سبحانه من جملة البشر، ومن المعلوم أنهم لا يستوون عندهم، فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضرّاً ولا نفعاً، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه؟ وحاصل المعنى: أنه كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حرّ قد رزقه الله رزقاً حسناً، فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الربّ الخالق الرازق، والجمادات من الأصنام التي تعبدونها، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضرّ ولا تنفع. وقيل: المراد بالعبد المملوك في الآية: هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر: هو المؤمن. والغرض: أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف، وقيل: العبد: هو الصنم، والثاني: عابد الصنم، والمراد: أنهما لا يستويان في القدرة والتصرّف؛ لأن الأوّل جماد، والثاني إنسان. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } أي: الحمد لله كله، لأنه المنعم، لا يستحق غيره من العباد شيئاً منه، فكيف تستحق الأصنام منه شيئاً ولا نعمة منها أصلاً لا بالأصالة ولا بالتوسط؛ وقيل: أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد؛ وقيل: أراد قل الحمد لله، والخطاب إما لمحمد صلى الله عليه وسلم أو لمن رزقه الله رزقاً حسناً، وقيل: إنه لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود، قال: الحمد لله أي: على قوّة هذه الحجة {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك حتى يعبدوا من تحقّ له العبادة، ويعرفوا المنعم عليهم بالنعم الجليلة، ونفي العلم عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليهم، أو هم يتركون الحق عناداً مع علمهم به، فكانوا كمن لا علم له، وخصّ الأكثر بنفي العلم: إما لكونه يريد الخلق جميعاً، وأكثرهم المشركون، أو ذكر الأكثر، وهو يريد الكلّ، أو المراد أكثر المشركين؛ لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم. ثم ذكر سبحانه مثلاً ثانياً ضربه لنفسه، ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضرّ ولا تنفع فقال: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } أي: مثلاً آخر أوضح مما قبله وأظهر منه، و {رَّجُلَيْنِ } بدل من مثل وتفسير له، والأبكم العيـيّ المفحم. وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر، ثمّ وصف الأبكم فقال: {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء } من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه، وعدم قدرته على النطق، ومعنى {كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } ثقيل على وليه وقرابته وعيال على من يلي أمره ويعوله، ووبال على إخوانه، وقد يسمى اليتيم: كلا؛ لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر:شعر : أكول لمال الكلّ قبل شبابه إذا كان عظم الكلّ غير شديد تفسير : وفي هذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلقاً، ثم وصفه بصفة رابعة فقال: {أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } أي: إذا وجهه إلى أيّ جهة لا يأت بخير قط؛ لأنه لا يفهم ولا يعقل ما يقال له ولا يمكنه أن يقول. وقرأ يحيـى بن وثاب "أينما يوجه" على البناء للمجهول، وقرأ ابن مسعود "أينما توجه" على صيغة الماضي {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ } في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } أي: يأمر الناس بالعدل مع كونه في نفسه ينطق بما يريد النطق به ويفهم. ويقدر على التصرّف في الأشياء. {وَهُوَ } في نفسه {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } على دين قويم، وسيرة صالحة ليس فيه ميل إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط، قابل أوصاف الأوّل بهذين الوصفين المذكورين للآخر، لأن حاصل أوصاف الأوّل عدم استحقاقه لشيء، وحاصل وصفي هذا أنه مستحق أكمل استحقاق، والمقصود الاستدلال بعدم تساوي هذين المذكورين على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكاً له. ولما فرغ سبحانه من ذكر المثلين، مدح نفسه بقوله: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: يختصّ ذلك به، لا يشاركه فيه غيره، ولا يستقل به، والمراد: علم ما غاب عن العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة، لأن علمه غائب عن العباد، ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما. والمعنى: التوبيخ للمشركين والتقريع لهم، أي: أن العبادة إنما يستحقها من كانت هذه صفته لا من كان جاهلاً عاجزاً لا يضرّ ولا ينفع ولا يعلم بشيء من أنواع العلم {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ } التي هي أعظم ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به سبحانه {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ } اللمح: النظر بسرعة، ولا بدّ فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي، وكل زمان قابل للتجزئة، ولذا قال: {أَوْ هُوَ } أي: أمرهما {أَقْرَبُ } وليس هذا من قبيل المبالغة، بل هو كلام في غاية الصدق، لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. أو يقال: إن الساعة لما كانت آتية ولا بدّ جعلت من القرب كلمح البصر. وقال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها، لأنه يقول للشيء كن فيكون، وقيل: المعنى هي عند الله كذلك وإن لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة. ومثله قوله سبحانه: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً } تفسير : [المعارج: 6 - 7]. ولفظ "أو" في {أو هو أقرب} ليس للشك، بل للتمثيل. وقيل: دخلت لشك المخاطب، وقيل: هي بمنزلة بل {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } ومجيء الساعة بسرعة من جملة مقدوراته. ثم إنه سبحانه ذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته، ونهاية رأفته، فقال: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } وهذا معطوف على قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } منتظم معه في سلك أدلة التوحيد، أي: أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً لا علم لكم بشيء، وجملة {لا تعلمون شيئاً} في محل نصب على الحال، وقيل: المراد: لا تعلمون شيئاً مما أخذ عليكم من الميثاق. وقيل: لا تعلمون شيئاً مما قضي به عليكم من السعادة والشقاوة. وقيل: لا تعلمون شيئاً من منافعكم. والأولى التعميم لتشمل الآية هذه الأمور وغيرها اعتباراً بعموم اللفظ، فإن {شيئاً} نكرة واقعة في سياق النفي. وقرأ الأعمش، وابن وثاب، وحمزة "إمهاتكم" بكسر الهمزة والميم هنا، وفي النور، والزمر، والنجم. وقرأ الكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. وقرأ الباقون بضم الهمزة وفتح الميم. {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } أي: ركب فيكم هذه الأشياء، وهو معطوف على {أخرجكم} وليس فيه دلالة على تأخير هذا الجعل عن الإخراج لما أن مدلول الواو هو مطلق الجمع. والمعنى: جعل لكم هذه الأشياء لتحصلوا بها العلم الذي كان مسلوباً عنكم عند إخراجكم من بطون أمهاتكم، وتعملوا بموجب ذلك العلم من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه، والأفئدة: جمع فؤاد، وهو وسط القلب، منزل منه بمنزلة القلب من الصدر، وقد قدّمنا الوجه في إفراد السمع، وجمع الأبصار والأفئدة، وهو أن إفراد السمع لكونه مصدراً في الأصل يتناول القليل والكثير {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: لكي تصرفوا كل آلة فيما خلقت له، فعند ذلك تعرفون مقدار ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه، أو أن هذا الصرف هو نفس الشكر. ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على كمال قدرته، فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرٰتٍ } أي: ألم ينظروا إليها حال كونها مسخرات أي: مذللات للطيران بما خلق الله لها من الأجنحة، وسائر الأسباب المواتية لذلك، كرقة قوام الهواء وإلهامها بسط الجناح وقبضه، كما يفعل السابح في الماء {فِى جَوّ ٱلسَّمَآء } أي: في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو، وإضافته إلى السماء لكونه في جانبها {مَا يُمْسِكُهُنَّ } في الجوّ {إِلاَّ ٱللَّهُ } سبحانه بقدرته الباهرة، فإن ثقل أجسامها، ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها، لأنها لم تتعلق بشيء من فوقها، ولا اعتمدت على شيء تحتها. وقرأ يحيـى بن وثاب، والأعمش، وابن عامر، وحمزة، ويعقوب "ألم تروا" بالفوقية على الخطاب. واختار هذه القراءة أبو عبيد. وقرأ الباقون بالتحتية {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ } أي: إن في ذلك التسخير على تلك الصفة لآيات ظاهرات تدلّ على وحدانية الله سبحانه وقدرته الباهرة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بالله سبحانه، وبما جاءت به رسله من الشرائع التي شرعها الله. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا } الآية قال: يعني الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } الآية، قال: يعني: المؤمن وهذا المثل في النفقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية، وفي قوله: {مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } قال: كل هذا مثل إلٰه الحق وما تدعون من دونه الباطل. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: في المثل الأوّل، يعني بذلك: الآلهة التي لا تملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا تقدر على شيء ينفعها {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا } قال: علانية الذي ينفق سرّاً وجهراً لله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن عساكر عنه، قال: نزلت هذه الآية {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا } في رجل من قريش، وعبدة بن هشام بن عمرو، وهو الذي ينفق سرّاً وجهراً، وفي عبدة أبي الجوزاء الذي كان ينهاه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } الآية قال: يعني بالأبكم: الذي هو كلّ على مولاه الكافر {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } المؤمن، وهذا المثل في الأعمال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عنه أيضاً قال: نزلت هذه الآية {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ } الآية في عثمان بن عفان ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً في قوله: {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } قال: عثمان بن عفان. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {كُلٌّ } قال: الكلّ: العيال، كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط عليهم، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } يعني: نفسه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ } هو أن يقول: كن فهو كلمح البصر {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } فالساعة كلمح البصر أو هي أقرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } قال: من الرحم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فِى جَوّ ٱلسَّمَآء } أي: في كبد السماء.
ابن عبد السلام
تفسير : {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً} مثل للكافر والمؤمن، فالكافر لا يقدر على شيء من الخير، والرزق الحسن مما عند المؤمن من الخير "ع"، أو مثل للأوثان التي لا تملك شيئاً تُعبد دون الله ـ تعالى ـ الذي يملك كل شيء.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا} الآية: الذي هو مثالٌ في هذه الآية هو عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ؛ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام. وقوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أي: على ظهور الحجَّة. وقوله سبحانه: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ...} الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، «والكَلُّ» الثقيل المؤُونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى. وقوله تعالى: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ...} الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو اتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئيِّ.
ابن عادل
تفسير : ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر؛ فقال - تعالى-: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ}، هذا مثل الكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً. قوله: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ} يجوز في "مَنْ" هذه أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، واختاره الزمخشري رحمه الله، قال: "كأنه قيل: وحرًّا رزقناه ليطابق عبداً" ومحلها النصب على "عَبْداً"، وقد تقدَّم الكلام [إبراهيم: 24] في المثل الواقع بعد "ضَرَب". وقوله: {سِرّاً وَجَهْراً} يجوز أن يكون منصوباً على المصدر، أي: إنفاق سرٍّ وجهر، ويجوز أن يكون حالاً. وهذا مثل المؤمن من أعطاه الله مالاً، فعمل فيه بطاعةِ الله وأنفقه في رضاه سرًّا وجهراً، فأثابه الله عليه الجنَّة. قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوُونَ} إنَّما جميع الضمير وإن تقدَّمه ثنان؛ لأنَّ المراد: جنس العبيد والأحرار المدلول عليهما بـ "عَبْداً" وبـ "مَن رزقنَاهُ". وقيل: على الأغنياء والفقراء المدلول عليهما بهما أيضاً، وقيل: اعتباراً بمعنى "مَنْ" فإنَّ معناها جمع فراعى معناها بعد أن راعى لفظها. فصل قيل: المراد بقوله: {عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} هو الصَّنم؛ لأنَّه عبد بدليل قوله: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ ءَاتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 93] وهو مملوك لا يقدر على شيء، والمراد بقوله: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً}: عابد الصَّنم؛ لأن الله - تعالى - رزقه المال، فهو ينفقُ منه على نفسه وعلى أتباعه سرًّا وجهراً فهما لا يتساويان في بديهة العقل، بل صريح العقل شاهدٌ بأن عابد الصَّنم أفضل من الصَّنم، فكيف يجوز الحكم بأنه مساوٍ لربِّ العالمين في المعبوديَّة؟. وقيل: المراد بالعبد: المملوك عبد معيَّن، قيل: أبو جهل، وبـ {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -. وقيل: عامٌّ في كل عبد بهذه الصفة، وفي كل حرٍّ بهذه الصفة. فصل دلَّت هذه الآية على أن العبد لا يملك شيئاً. فإن قيل: دلَّت الآية على أنَّ عبداً من العبيد لا يقدر على شيءٍ، فلم قلتم: إن كل عبد كذلك؟. فالجواب: أنه ثبت في أصول الفقه: أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدلُّ على كون ذلك الوصف علَّة لذلك الحكم، وكونه عبداً وصفٌ مشعرٌ بالذلِّ والمقهورية وقوله: {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} حكم مذكور عقيبه، وهذا يقتضي أنَّ العلَّة لعدم القدرة على شيءٍ، هو كونه عبداً، وأيضاً قال بعده: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} [فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول، وهو العبد بهذه الصفة، وهو أنه رزقه رزقاً حسناً] فوجب ألا يحصل هذا الوصف للعبد، حتَّى يحصل الامتيازُ بين الثاني وبين الأوَّل، ولو ملك العبد، لكان الله قد آتاهُ رزقاً حسناً؛ لن الملك الحلال رزق حسن. ثم اختلفوا؛ فروي عن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - وغيره التشدد في ذلك، حتى قال: لا يملك الطَّلاق أيضاً. وأكثر الفقهاء على أنَّه يملك الطلاق، واختلفوا في أنَّ المالك إذا ملكه شيئاً، هل يملكه ام لا؟ وظاهر الآية ينفيه. فإن قيل: لم قال: {عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} وكل عبدٍ فهو مملوك وغير قادر على التصرُّف؟. فالجواب: ذكر المملوك ليحصل الامتياز بينه وبين الحرِّ؛ لأنَّ الحر قد يقال: إنه عبد الله، وأما قوله: {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} للتَّمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون؛ لأنهما يقدران على التصرُّف. قوله {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه-: على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتَّوحيد. وقيل: المعنى أنَّ الحمد كلّه لله، وليس شيءٌ من الحمد للأصنام؛ لأنها لا نعمة لها على أحدٍ. وقوله عزَّ وجلَّ-: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، أي: أنهم لا يعلمون أنَّ كل الحمد لي، وليس شيء منه للأصنام. وقال القاضي - رحمه الله -: قال للرَّسُول - صلوات الله وسلامه عليه-: {أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} تفسير : [النمل: 59]. وقيل: هذا خطاب لمن رزقه الله رزقاً حسناً أن يقول: الحمد لله على أن ميَّزه في هذه القدرة على ذلك العبد الضعيف. وقيل: لما ذكر هذا المثل مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود، قال بعده: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} يعني: الحمد لله على قوَّة هذه الحجَّة وظهور هذه البيِّنة. ثم قال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، أي: أنَّها مع غاية ظهورها ونهاية وضوحها، لا يعلمونها هؤلاء الجهَّال. قوله - تعالى -: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} الآية وهذا مثل ثانٍ لإبطالِ قول عبدة الأصنام؛ وتقريره: أنَّه لما تقرَّر في أوائل العقول أنَّ الأبكم العاجز لا يساوي في الفضل والشَّرف النَّاطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية فلأن يحكم بأنَّ الجماد لا يكون مساوياً لربِّ العالمين في المعبوديَّة أولى. قال الواحدي: قال أبو زيد: الأبكم هو العَيِيُّ المفحم، وقد بكم بكماً وبكامةً وقال أيضاً: الأبكمُ: الأقطع اللسان، وهو الذي لا يحسن الكلام. روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأبكم الذي لا يعقل. وقال الزجاج: الأبكم المطبق الذي لا يسمعُ ولا يبصر. ثم قال: {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} إشارة إلى العجز التَّام والنُّقصان الكامل. وقوله: {كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} الكلُّ الثَّقيلُ، والكلُّ العيال، والجمع: كلُول، والكلُّ: من لا ولد لهُ ولا وَالِد، والكلُّ أيضاً: اليَتِيمُ. سمِّي بذلك؛ لثقله على كافله؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3349- أكُولٌ لمَالِ الكُلِّ قَبْلَ شبَابهِ إذَا كانَ عَظْمُ الكَلِّ غَيْرَ شَديدِ تفسير : قال أهل المعاني: "أصل الكلِّ من الغلط الذي هو نقيضُ الحدَّة، يقال كلَّ السِّكينُ: إذا غلظت شفرته فلم تقطع، وكلَّ اللسانُ: إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكلَّ فلانٌ عن الأمْرِ: إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، فمعنى "كلٌّ على مولاهُ"، أي: غليظٌ وثقيلٌ على مولاه أهل ولايته". قوله: {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ} شرط وجزاؤه، وقرأ ابن مسعود، وابن وثَّاب، وعلقمة: "يُوَجِّهْ" بهاء واحدة ساكنة للجزم، وفي فاعله وجهان: أحدهما: ضمير الباري - تعالى -، ومفعوله محذوف؛ [تقديره كقراءة العامة]. والثاني: أنه ضمير الأبكم، ويكون "يُوجِّهْ" لازماً بمعنى "يَتوَجَّهُ". يقال: وجَّه وتوجَّهَ بمعنًى، وقرأ علقمة أيضاً وطلحة كذلك، إلاَّ أنه بضم الهاءِ، وفيها أوجه: أحدها: أنَّ "أيْنَمَا" ليست هنا شرطيَّة، و "يُوَجِّهُ" خبر مبتدأ مضمر، أي: أيْنَمَا هو يوجه، أي: الله - تعالى-، والمفعول محذوف، وحذفت الياء من قوله: "لا يَأتِ" تخفيفاً؛ كما حذفت في قوله: {أية : يَوْمَ يَأْتِ} تفسير : [هود: 105] و {أية : إِذَا يَسْرِ} تفسير : [الفجر: 4]. والثاني: أن لام الكلمة حذفت تخفيفاً لأجل التضعيف، وهذه الهاء هي الضمير، فلم يحلها جزم، ذكر هذين الوجهين أبو الفضل الرَّازي. الثالث: أن "أيْنَمَا" أهملت حملاً على "إذَا"؛ لما بينهما من الأخُوَّةِ في الشرط؛ كما حملت "إذا" عليها في الجزم في بعض المواضع، وحذفت الباء من "يَأتِ" تخفيفاً أو جزم على التوهُّم، ويكون "يُوجِّهُ" لازماً بمعنى: "يَتوجَّهُ" كما تقدَّم. وقرأ عبد الله أيضاً: "تُوَجِّههُ" بهاءين بتاء الخطاب، وقال أبو حاتم - وقد حكى هذه القراءة-: "إنَّ هذه القراءة ضعيفة؛ لأن الجزم لازم" وكأنه لم يعرف توجيهها، وقرأ علقمة وطلحة أيضاً: "يُوجَّهْ" بهاء واحدة ساكنة للجزم، والفِعْل مبني للمفعول؛ وهي واضحة. وقرأ ابن مسعود أيضاً: "تُوَجِّههُ" كالعامة إلا أنه بتاء الخطاب، وفيه التفاتٌ، وفي الكلام حذف وهو حذف المقابل؛ لقوله: {أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} كأنه قيل: والآخر ناطقٌ متصرف في ماله، وهو خفيف على مولاه {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ}، ودلَّ على ذلك {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ}. ونقل أبو البقاءِ - رحمه الله - أنه قرىء: "أيْنَمَا تَوجَّه" بالتَّاء وفتح الجيم والهاء فعلاً ماضياً فاعله ضمير الأبكم. قوله: {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} الرَّاجح أن يكون مرفوعاً؛ عطفاً على الضمير المرفوع في "يَسْتَوِي"، وسوَّغه الفصل بالضمير، والنصب على المعيَّة مرجوح، والجملة من قوله: {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ} إمَّا استئنافٌ أو حال. فصل لمَّا وصف الله أحد الرَّجُليْن بهذه الصِّفات الأربع، وهذه صفات الأصنام وهو أنَّه أبكم لا يقدر على شيءٍ، أي: عاجز كلٌّ على مولاه، ثقيل، أينما يرسله لا يأت بخير؛ لأن أبكم لا يفهم، قال: هل يستوي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع، وهذه صفات الأصنام لا تسمع ولا تعقل ولا تنطق، وهو كلٌّ على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويخدمه ويضعه، {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} يعني: الله قادر متكلِّم يأمر بالتَّوحيد، {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. قال الكلبي: يدلكم على صراط مستقيم. وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: كِلا المثلين للمؤمن والكافر، يرويه عطيَّة عن ابن عباس رضي الله عنه. قال عطاء: الأبكم: أبيُّ بن خلف، {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ}: حمزة، وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون - رضي الله عنهم-. وقال مقاتل: نزلت في هاشم بن عمرو بن الحارث بن ربيعة القرشي، وكان قليل الخير، يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: نزلت في عثمان بن عفَّان ومولاه، كان مولاه يكره الإسلام. وقيل: المراد كل عبد موصوف بهذه الصفات الذَّميمة، وكل حرٍّ موصوف بتلك الصفات الحميدة، وهذا أولى من القول الأول؛ لأن وصفه - تعالى - إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن، وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله - تعالى -. قوله - تعالى-: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية لما مثَّل الكافر بالأبكم العاجز، ومثَّل نفسه بالذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، ومعلومٌ أنه لا يكون آمراً بالعدل وهو على صراط مستقيم إلاّ إذا كان كاملاً في العلمِ والقدرةِ فذكر في هذه الآية بيان كونه كاملاً في العلم والقدرة. أمَّا بيان كمال العلم، فقوله - تعالى -: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أفاد الحصر بأنَّ العلم بهذه الغيوب ليس إلا لله - تعالى -. وأما بيان كمال القدرة، فقوله - عز وجل-: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} والسَّاعة: هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سمِّيت ساعة؛ لأنَّها تفجأ الإنسان في ساعة يموت الخلق كلهم بصيحة واحدة أي إذا قال له: {أية : كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] والمراد بـ "لَمْحِ البَصرِ": طرفةُ العين وهو النظر بسرعة، يقال: لَمحَهُ بِبصَرِه لَمْحاً ولَمحَاناً، وقيل: أصله من لَمحَانِ البَرْق، وقولهم: لأرينَّك لَمْحاً بَاصِراً، أي: أمْراً وَاضِحاً، والمراد بيان كمال القدرة. وقوله: {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} ليس المراد منه الشَّك، بل المراد: بل هو أقرب. قال الزجاج: المراد به: الإبهام على المخاطبين أنه - تعالى - يأتي بالسَّاعة إما بقدر لمح البصر، أو بما هو أسرع؛ لأنَّ لمح البَّصر عبارة عن انتقال الطَّرف من أعلى الحدقةِ إلى أسفلها، والحَدقةُ مركبة من أجزاء لا تتجزَّأ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة أجزاءِ الحدقةِ، ولا شكَّ أنَّ تلك الأجزاء كثيرة، والزَّمانُ الذي يحصل فيه لمحُ البصر مركب من أزمانٍ متعاقبةٍ، والله - تعالى - قادرٌ على إقامة القيامة في زمان واحد من تلك الأزمان؛ فلهذا قال - تعالى -: {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تنبيهاً على ذلك، فقوله: {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}، أي: أمره، فالضمير للأمر، والتقدير: أو أمر الساعة أقرب من لمح البصر. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} نزلت في الكفَّار الذين استعجلوا القيامة استهزاءً.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} [الآية: 75]. قال بعضهم: أخبر الله تعالى عن العبد وصفته فقال: {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} فمن رجع إلى شىء من عمله وحاله وعلمه فهو المتبرئ من العبودية وهو فى منازعة الربوبية والعبودية هو التخلى مما سوى معبود يرى الأشياء ويرى نفسه له.
القشيري
تفسير : شبَّهَ الكافرَ بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ولا مِلْكَ له في الشرع، والمؤمنَ المخلصَ بمَنْ رَزَقَه الخيراتِ ووفقه إلى الطاعات ثم وعده الثوابَ وحُسْنَ المآبِ على ما أنفقه. ثم نفى عنهما المساواة إذ ليس مَنْ كان بنفْسِه، ملاحظاً لأبناء جِنْسِه، متمادياً في حسبان مغاليطه كمَنْ كان مُدْرِكاً بربِّه مصْطَلماً عن شاهده، غائباً عن غيره، والمُجرِي عليه ربُّه ولا حَوْلَ له إلا به.
اسماعيل حقي
تفسير : {ضرب الله مثلا} ضرب المثل تشبه حال بحال وقصة بقصة اى ذكر واورد شيئًا يستدل به على تباين الحال بين جنابه وبين ما اشركوا به وليس المراد حكاية ضرب الماضى بل المراد انشاؤه بما ذكر عقيبه {عبدا مملوكا} بدل من مثلا وتفسير له والمثل فى الحقيقة حالته العارضة له من المملوكية والعجز التام وبحسبها ضرب نفسه مثلا ووصفه بالمملوكية ليخرج عنه الحر لاشتراكهما فى كونهما عبداً لله تعالى {لا يقدر على شئ} وصفه بعدم القدرة لتمييزه عن المكاتب والمأذون اللذين لهما تصرف فى الجملة {ومن رزقناه} من موصوفة معطوفة على عبدا كأنه قيل وحرا رزقناه بطريق الملك ليطابق عبداً {منا} من جانبنا الكبير المتعال {رزقا حسنا} حلالا طيبا او مستحسنا عند الناس مرضيا. قال الكاشفى [روزى نيكو يعنى بسيار وبى مزاحك كددرو تصرف تواند كرد]{فهو} [بس اين مرزوق]{ينفق منه} أى من ذلك الرزق الحسن {سرا وجهرا} اى حال السر والجهر وقدم السر على الجهر للايذان بفضله عليه. قال الكاشفى [بنهان وآشكارا يعنى هر نوع كه يمخواهد خرج ميكند وازكس نميترسد] {هل يستوون} جمع الضمير للايذان بان المراد ما ذكر من اتصف بالاوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لافردان متعينان منهما. والمعنى بالفارسية [آيا برابرند يعنى مساوى نباشند بندكان بى اختيار باخواجكان صاحب اقتدار بس جون مملوك عاجز با مالك قادر متصرف برابر نيست بس بتان كه اعجز مخلوقاتند شريك قادر على الاطلاق جكونه توانند بود] شعر : راه تو بنور لا يزالى از شرك وشريك هردو خالى آن بنده كه عاجزست ومحتاج كى راه برد بصاحب تاج تفسير : ما للتراب ورب الارباب [صاحب كشف المحجوب آورده كه روزى بخلوت شيخ ابو العباس شيبانى در آمدم ويرا ديدم كه اين آيت ميخواند وميكريست ونعره مى زدبند اشتم كه ازدنيا بخواهد رفت كفتم اى شيخ اين جه حالتست فرمود كه يازده سال ميكذرد تاورد من اينجار سيده است وازنيجادر نميتوانم كذشت آرى حدوث در قدم نميتواند سيد وممكن ازكنه واجب خبر نتواند داد] شعر : نيست باهست جون زند بهلو قطره بابحر جون كند دعوى تفسير : {الحمدلله} اعتراض اى كل الحمد لله تعالى لانه معطى جميع النعم وان ظهرت على ايدى بعض الوسائط وليس شئ من الحمد للاصنام لعدم استحقاقها اياه فضلا عن العباد {بل اكثرهم} [بلكه اكثر مشركان. يعنى همه ايشان]{لا يعلمون} ذلك فيضيفون نعمه تعالى الى غيره ويعبدونه لاجلها. وفى الاربشاد نفى العلم عن اكثرهم للاشعار بان بعضهم يعلمون ذلك وانما لا يعلمون بموجبه عنادا كقوله تعالى {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها واكثرهم الكافرون}.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {عبدًا}: بدل من {مَثَلاً}، و {مَن}: نكرة موصوفة، أي: عبدًا مملوكًا، وحرًا رزقناه منا رزقًا حسنًا، وقيل: موصولة. و {سرًّا وجهرًا}: على إسقاط الخافض، وجمع الضمير في {يستوون}؛ لأنه للجنسين، و {رجلين}: بدل من: {مَثَلاً}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ضَرَبَ اللهُ مثلاً} لضعف العبودية، وعظمة الربوبية، ثم بيَّنه فقال: {عبدًا مملوكًا لا يقدرُ على شيءٍ}، وهذا مثال للعبد، {ومن رزقناه} أي: وحرًا رزقناه {مِنا رزقًا حسنًا فهو} يتصرف فيه كيف يشاء، {ينفق منه سرًا وجهرًا}، وهذا: مثال للرب تبارك وتعالى، مَثَّلَ ما يشرك به من الأصنام بالمملوك العاجز عن التصرف رأسًا، ومَثَّل لنفسه بالحر المالك الذي له مال كثير، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف شاء. وقيل: هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق. وتقييد العبد بالمملوك؛ للتمييز من الحر؛ فإنه أيضًا عبدٌ لله. وبسلْب القدرة عن المكاتب والمأذون في التصرف، فإن الأصنام إنما تشبه العبد الْقِنّ الذي لا شوب حرية فيه، بل هي أعجز منه بكثير، فكيف تضاهي الواحد القهار، الذي لا يعجزه مقدور؟ ولذلك قال: {هل يستوون}؟ أي: العبيد العجزة، والمتصرف بالإطلاق. {الحمد لله} على بيان الحق ووضوحه؛ لأنها نعمة جليلة يجب الشكر عليها، أو الحمد كله لله لا يستحقه غيره، فضلاً عن العبادة؛ لأنه مولى النعم كلها. {بل أكثرهم لا يعلمون} أي: لا علم لهم: فيضيفون النعم إلى غيره ويعبدونه لأجلها، أو لا يعلمون ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به. ثم ضرب الله مثلاً آخر فقال: {وضَرَبَ اللهُ مثَلاً}، ثم بيًّنه بقوله: {رجلين أحدهما أبْكَمُ}؛ وُلد أخرس، لا يَفهم ولا يُفهم، {لا يقدر على شيء} من الصنائع والتدابير؛ لنقصان عقله، {وهو كَلٌّ} أي: ثقيل عيال {على مولاه} الذي يلي أمره، {أينما يُوجهه}: يُرسله في حاجة أو أمر {لا يأتِ بخير}؛ بنجح وكفاية مهم. وهذا مثال للأصنام. {هل يستوي هو} أي: الأبكم المذكور، {ومَن يأمر بالعدل}؛ ومن هو مِنطيقٌ متكلم بحوائجه، ذو كفاية ورشد، ينفع الناس ويحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل، {وهو على صراط مستقيم} أي: وهو في نفسه على طريق مستقيم، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويحصله بأقرب سعْي؟ وهذا مثال للحق تعالى، فضرب هذا المثل لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام، وقيل: للكافر والمؤمن. والأصوب: كون المَثَليْن معًا في الله مع الأصنام؛ لتكون الآية من معنى ما قبلها وما بعدها في تبيين أمر الله، والرد على أمر الأصنام. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحق تعالى موصوف بكمالات الربوبية، منعوت بعظمة الألوهية، وعبيده موسومون بنقائص العبودية، وقهرية الملكية. فمن أراد أن يمده الله في باطنه بكمالات الربوبية؛ من قوة وعلم، وغنى وعز، ونصر وملك، فليتحقق في ظاهره بنقائص العبودية؛ من ذل، وفقر، وضعف، وعجز، وجهل. فبقدر ما تجعل في ظاهرك من نقائص العبودية يمدك في باطنك بكمالات الربوبية؛ "تحقق بوصفك يمدك بوصفه"، والتحقق بالوصف إنما يكون ظاهرًا بين خلقه، لا منفردًا وحده؛ إذ ليس فيه كبير مجاهدة؛ إذ كل الناس يقدرون عليه، وإنما التحقق بالوصف - الذي هو ضامن للمدد الإلهي - هو الذي يظهر بين الأقران. وبالله التوفيق. ثمَّ بيِّن كمال علمه وقدرته بعد أن ذكر كمالات ذاته فقال: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ...}
الطوسي
تفسير : قيل في معنى هذه الآية قولان: أحدهما - أنه مثل ضرب للكافر الذي لا خير عنده، والمؤمن الذي يكتسب الخير، للدعاء إِلى حال المؤمن، والصرف عن حال الكافر، وهو قول ابن عباس وقتادة. الثاني - قال مجاهد: إِنه مثل ضربه لعبادتهم الأوثان التي لا تملك، شيئاً، والعدول عن عبادة الله الذي يملك كل شيء، والمعنى أن الإثنين المتساويين في الخلق إِذا كان أحدهما قادراً على الإنفاق مالكاً، والآخر عاجزاً لا يقدر على الإِنفاق لا يستويان، فكيف يسوّى بين الحجارة التي لا تتحرك، ولا تعقل، وبين الله تعالى القادر على كل شيء، الرازق لجميع خلقه، فبين بذلك لهم أمر ضلالتهم وبعدهم عن الحق في عبادة الأوثان. ثم قال {الحمد لله} أي الشكر له تعالى، على نعمه، لا يستحقه من لا نعمة له، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ذلك. وفي هذه الآية دلالة على أن المملوك لا يملك شيئاً، لأن قوله {مملوكاً لا يقدر على شيء} ليس المراد به نفي القدرة، لأنه قادر على التصرف، وإِنما المراد أنه لا يملك التصرف في الأموال، وذلك عام في جميع ما يملك ويتصرف فيه.
الجنابذي
تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} للشّركاء ولنفسه او للكافر والمؤمن {عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً} والمراد بالرّزق الحسن هو العلم والحكمة والعيان والتّصرّف فى الملك والملكوت، وانفاق السّرّ هو ما يصل الى الملك ببركته ومن طريق السّرّ، وانفاق الجهر هو ما يعلمه ويلقّنه غيره بحسب الظّاهر، وحاصل المرام وغاية المقصود من الآيات السّابقة والّلاحقة هو تمثيل حال علىٍّ (ع) فانّ النّعمة الحقيقيّة هو علىّ (ع) وولايته والباطل الحقيقىّ هو اعداؤه واصل من رزقه الله تعالى رزقاً حسناً هو علىّ (ع) وغيره كائناً من كان مرتزق بتوسّطه والمملوك الّذى لا يقدر على شيءٍ هو اعدائه {هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على نعمة عدم التّسوية وحكمة اعطاء كلّ ذى حقٍّ حقّه وهو تعليم للعباد ان يحمدوا على كلّ النّعم {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} حال المملوك العاجز والقادر المنفق ولذلك يسوّون بينهما او لا يعلمون عدم جواز التّسوية بينهما او لا يرتقون الى مقام العلم عن مقام الجهل ولذلك يسوّون ويختارون العاجز على القادر.
الأعقم
تفسير : {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً}، قيل: العبد يريد به الدين وسمي عبداً لأنه لعبد، وقيل: المراد بالعبد الحي المملوك وعليه أكثر المفسرين، ثم اختلفوا قيل: هو مثل ضربه الله للمؤمنين والكافرين، فأما الكافر فرزقه الله مالاً فلم يعمل خيراً ولم يقدم طاعة {ومن رزقناه منا رزقاً حسناً} فهو المؤمن رزقه الله فيكتسب الخير ويقدم الطاعة، وقيل: مثل ضربه الله لعبادة الأوثان التي لا تملك شيئاً والعدل عن عبادة الله الذي يملك كل شيء وأنتم لا تعلمون، ثم علمتم كيف يضرب الأمثال فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، مثل ما سواء بين مملوك عاجز عن التصرف من مالك قد رزقه الله مالاً {فهو ينفق منه} كيف شاء فقال تعالى: {وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} الآية نزلت في عثمان بن مظعون ومولى له كان ينفق عليه، وكان مولاه يكره الاسلام وينهاه عن الصدقة، وقيل: الأبكم أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل حمزة بن عبد المطلب، وعثمان بن مظعون قال في الغرائب: نزلت الآية في أبي بكر وأبي جهل {الحمد لله} أي الحمد لله على الكمال {بل أكثرهم لا يعلمون} فيجعلون الحمد لغيره، والأبكم هو الذي لا يقدر على الكلام وهو {كل على مولاه} أي ثقل {أينما يوّجهه} حيث ما يرسله ويصرفه في طلب حاجة {لا يأت بخير هل يستوي هو ومن} هو سليم أي لا يستوي وذلك أنه {يأمر} الناس {بالعدل وهو} في نفسه {على صراط مستقيم} يعني كما لا يستوي بين الرجلين لا يستوي بين الله وبين الأصنام لا يستوي بين من يعبد الله ومن لا يعبده، قيل: نزل قوله: {وما أمر الساعة إلاَّ كلمح البصر أو هو أقرب} في الكفار الذين استعجلوا الفتنة {لعلكم تشكرون} بنعمته عليكم {ألم يروا إلى الطير} قرئ بالتاء، والياء {مسخرات في جوّ السماء} مذلّلات للطيران بما خلق الله لها من أجنحة، والجوّ الهوى المتباعد من الأرض {ما يمسكهن} في قبضهن وبسطهن {إلاَّ الله} وقدرته، قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} أي مساكناً تسكنوها من الحجر والمدر وغير ذلك {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} يعني الخيام والقباب والأدم ومن الشعر والوبر للسفر والحضر {يوم ظعنكم} رحلكم وسفركم {ويوم إقامتكم} في بلادكم أي يوم تنزلون وتقيمون {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} الصوف للضأن والابل والشعر للماعز {أثاثاً}، قيل: مالاً، وقيل: متاعاً، وقيل: الأثاث المال من الإِبل والغنم والعبيد، وقيل: هو متاع البيت من الفرش والأكسية ونحوها {ومتاعاً} أي بلاغاً تنتفعون بها {إلى حين} إلى مدة، قيل: إلى الموت، يعني أن الانتفاع في الدنيا يكون إلى مدة ولا تدوم، فينبغي للعاقل أن يختار الآخرة، وقيل: إلى حين إلى أن تقوم الساعة {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} أي أشياء تستظلون بها من الحر وشدته من الأشجار والأبنية {وجعل لكم من الجبال أكناناً} أي مواضع لتسكنوا فيها {وجعل لكم سرابيل} هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن وغيره {تقيكم الحر} والبرد وغيرهما {وسرابيل تقيكم بأسكم} يعني أسلحة تقيكم في الحرب مثل الدروع وما أشبه ذلك {كذلك يتم نعمته عليكم} أي بمثل هذه الأشياء تعظم النعمة {لعلكم تسلمون} أي لتدخلوا في الإِسلام إذا تفكرتم في هذه الدلائل.
اطفيش
تفسير : {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً} بدل من مثلا وقيل إِن الضرب فى الأَمثال بمعنى التصيير ويتعدى لاثنين فيكون مفعولا أولا ومثلا مفعولا ثانياً {مَّمْلُوكاً} لعبض الناس وهذا مخرج للحر فإِنه أيضاً عبد الله لكنه غير مملوك لأَحد من الناس والمكاتب حر عندنا ولو لم يعط شيئاً، {لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ} من التصرف فى المال لعدم ملكه شيئاً مع عدم تسريح مولاه إِياه وعدم إِذنه له فى التجرى فخرج المأْذون له والمسرح، وقال المحالفون؛ إِن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم وعليه فهو خارج بقوله عز وجل لا يقدر على شىء، روى أبو داود عن ابن عمرو عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : المكاتب عبد ما بقى عليه من مكاتبته درهم تفسير : ومقابلة العبد بالمالك وجعله قسيماً له يدلان على أن العبد لا يملك وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وقيل يملك، {وَمَن} عطف على عبداً وهى نكرة موصوفة أى وحرا، {رَّزَقْنَاهُ} أو موصولة أى والذى رزقناه والأَول أولى ليطابق عبداً، {مِنَّا} أى من عندنا أو من رزقنا وفيه عمل رزق فى ضميرين مرجعهما واحد والظاهر عندى أنه يجوز لنا أن نقيس على ذلك إِذا توصل العامل إِلى أحدهما بحرف الجر لكثرته فى القرآن وتأْويل الكثير لا يحسن، {رِزْقاً حَسَناً} حسن جودة وكثرة {فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً} يتصرف فيه كما يشاء ولا يعارضه أحد لله سبحانه فيمنعه وذكر السر والجهر كناية عن كمال يمكنه من الإِنفاق منه فإِن من لا يتمكن من شىء جهراً يفعله سرا مثل نفسه بالحر المالك الذى رزقه الله مالا جيداً كثيراً يتصرف فيه كما شاء ومثل الأَصنام مملوك عاجز عن التصرف أصلا فكأنه قيل مثلكم فى إِشراك الأَصنام بالله كمثل من سوى بين العبد ومالكه وهذا لا يقبله العقل مع استواء المالك منكم والمملوك فى الجنسية وأصل الاحتياج والعجز فكيف تستوى الأَصنام التى هى أعجز من العبد إِذ هى جماد فالله جل جلاله القادر الغنى على الإطلاق الرازق فى أعظم شىء وهو العبادة، وهذا قول مجاهد والضحاك والزجاج وهو أولى لمناسبته ما قبل وما بعد فى تبيين أمر الله والرد على أمر الأَصنام، وقال ابن عباس وقتادة العبد المملوك الذى لا يقدر على شىء مثل للكافر والمرزوق رزقاً المتصرف فيه سراً وجهراً مثل للمؤمن وذلك أن الكافر محروم من عبادة الله والثواب عليها فهو كالعبد فى الذلة والفقر وأنه لم يقدم خيراً فيما رزقه الله من المال فهو فقير من حسنات الصدقة كأنه لم يملك شيئاً والمؤمن مثاب بعبادة الله وصدقته فهو عزيز غنى. وقال عطاء العبد المملوك أبو جهل والحر المالك أبو بكر رضى الله عز وجل عنه، {هَلْ يَسْتَوُونَ} عبر بضمير الجماعة عن اثنين وذلك مجاز على الصحيح وقيل حقيقة أو عبر به نظراً للمعنى فإِن المراد جنس العبيد الذين لا يقدرون على شىء وجنس الأَحرار المالكين والاستفهام توبيخ وإِنكار أى لا يستوى الحر والعبد أو المؤمن والكافر أو أبو جهل وأبو بكر، {الْحَمْدُ للهِ} على ظهور الحجة أو الحمد لله وحده لا يستحقه غيره فضلا عن أن يستحق غيره العبادة فإِنه مولى النعم كلها كامل القدرة، {بَلْ أكْثَرُهُمْ} أكثر اهل مكة وأكثر الكفار أو أكثر الناس. {لاَ يَعْلَمُونَ} الحجة أو لا يعلمون أن الحمد لله وحده أو لا يعلمون أنه مولى النعم فيضيفونها إِلى غيره ويعبدون غيره لأَجلها أو لا يعلمون ما يصيرون إِليه من العذاب ثم زاد مثلا ثانياً بقوله: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْن أَحَدُهُما أَبْكَمُ}.
الالوسي
تفسير : ووجه ربط قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} الخ على هذا عند المدقق أنه تعالى بعد أن نهاهم عن ضرب الأمثال له سبحانه ضرب مثلاً دل به على أنهم ليسوا أهلاً لذلك وأنهم إذا كانوا على هذا الحد من المعرفة والتقليد أو المكابرة فليس لهم إلى ضرب الأمثال المطابقة المستدعي ذكاء وهداية سبيل، وقال غيره في ذلك ولعله أظهر منه: إنه تعالى لما ذكر أنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنهم لا يعلمون علمهم كيف تضرب الأمثال في هذا الباب فقال تعالى: {ضُرِبَ} الخ. ووجه الربط على ما تقدم من أن النهي عن الإشراك أنه سبحانه لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي وهو الإشراك عقبه بالكشف لذي البصيرة عن فساد ما ارتكبوه بقوله سبحانه: {ضُرِبَ } الخ أي أورد وذكر ما يستدل به على/ تباين الحال بين جنابه تعالى شأنه وبين ما أشركوه به سبحانه وينادي بفساد ما هم عليه نداء جلياً {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء } بدل من {مَثَلاً} وتفسير له والمثل في الحقيقة حالته العارضة له من المملوكية والعجز التام وبحسبها ضرب نفسه مثلاً ووصف العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبدان لله تعالى، وقد أدمج فيه على ما قيل إن الكل عبيد له تعالى وبعدم القدر لتمييزه عن المكاتب والمأذون اللذين لهما تصرف في الجملة، وفي إبهام المثل أولاً ثم بيانه بما ذكر ما لا يخفى من الجزالة. {وَمَن رَّزَقْنَاهُ } {مِنْ } نكرة موصوفة على ما استظهره الزمخشري ليطابق {عَبْداً } فإنه أيضاً نكرة موصوفة وإلى ذلك ذهب أبو البقاء، وقال الحوفي: هي موصولة واستظهره أبو حيان، وزعم بعضهم أن ذلك لكون استعمالها موصولة أكثر من استعمالها موصوفة، والأول مختار الأكثرين أي حراً رزقناه بطريق الملك؛ والالتفات إلى التكلم للإشعار باختلاف حالي ضرب المثل والرزق، وفي اختيار ضمير العظمة تعظيم لأمر ذلك الرزق ويزيد ذلك تعظيماً قوله سبحانه: {مِنَّا } أي من جنابنا الكبير المتعالي {رِزْقًا حَسَنًا } حلالاً طيباً أو مستحسناً عند الناس مرضياً ويؤخذ منه على ما قيل كونه كثيراً بناء على أن القلة التي هي أخت العدم لا حسن في ذاتها {فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ} تفضلاً وإحساناً، والفاء لترتب الإنفاق على الرزق كأنه قيل: ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فأنفق وإيثار المنزل من الجملة الاسمية الفعلية الخبر للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره التجددي {سِرّا وَجَهْرًا} أي حال السر وحال الجهر أو إنفاق سر وإنفاق جهر والمراد بيان عموم إنفاقه للأوقات وشمول إنعامة لمن يجتنب عن قبوله جهراً. وجوز أن يكون وصفه بالكثرة مأخوذاً من هذا بناء أن المراد منه كيف يشاء وهو يدل على أنحاء التصرف وسعة المتصرف منه، وتقديم السر على الجهر للإيذان بفضله عليه، وقد مر الكلام في ذلك؛ والعدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال: وحراً مالكاً للأموال مع كونه أدل على تباين الحال بينه وبين قسيمه لما في "ارشاد العقل السليم" من توخي تحقيق الحق بأن الأحرار أيضاً تحت ربقة عبوديته تعالى وأن مالكيتهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك مع محاولة المبالغة في الدلالة على ما قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثلين فإن العبد المملوك حيث لم يكن مثل العبد المالك فما ظنك بالجماد ومالك الملك خلاق العالمين. {هَلْ يَسْتَوُونَ } جمع الضمير وإن تقدمه اثنان وكان الظاهر ـ يستويان ـ للإيذان بأن المراد بما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان منهما وإن أخرج ابن عساكر وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً وفي عبده أبـي الجوزاء الذي كان ينهاه والله تعالى أعلم بصحته. وقيل نزلت في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وعبد له ولا يصح إسناده كما في "البحر"، وفيه أنه يحتمل أن يكون الجمع باعتبار أن المراد ـ بمن ـ الجمع وأن يكون باعتبار عود الضمير على العبيد والأحرار وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة عبد مملوك {وَمَن رَّزَقْنَاهُ} عليهما، والمعول عليه ما ذكر أولاً، والمعنى هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده ولا تملكه بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل/ أذله منه وهو الاصنام، وقيل: إن هذا تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق شبه الأول بمملوك لا تصرف له لأنه لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأفعاله واتباعه لهواه كالعبد المنقاد الملحق بالبهائم بخلاف المؤمن الموفق، وجعله تمثيلاً لذلك مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقتادة ولا تعيين أيضاً وإن قيل: إن الآية نزلت في أبـي بكر رضي الله تعالى عنه وأبـي جهل، على أن أبا حيان قال إنه لا يصح إسناد ذلك. هذا ثم أعلم أنهم اختلفوا في العبد هل يصح له ملك أم لا؟ قال في "الكشاف": المذهب الظاهر أنه لا يصح وبه قال الشافعي، وقال ابن المنير على ما لخصه في "الكشف" من كلام طويل إنه يصح له الملك عند مالك وظاهر الآية تشهد له لأنه أثبت له العجز بقوله تعالى: {مَّمْلُوكًا} ثم نفى القدرة العارضة بتمليك السيد بقوله سبحانه: {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء} وليس المعنى القدرة على التصرف لأن مقابله {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } والحمل على إخراج المكاتب مع شذوذه إيجاز مع إخلال كما قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى في «أيما أمرأة نكحت بغير إذن وليها» الحمل على المكاتبة بعيد لا يجوز والمأذون لم يخرج لما مر من أن المراد بالقدرة ما هو، وليس لقائل أن يقول: إنه صفة لازمة موضحة فالأصل في الصفات التقييد اهـ. وتعقبه المدقق بقوله: والجواب أن المعنى على نفي القدرة عن التصرف فالآية واردة في تمثيل حال الأصنام به تعالى عن ذلك علواً كبيراً وكلما بولغ في حال عجز المشبه به وكمال المقابل دل في المشبه به أيضاً على ذلك فالذي يطابق المقام القدرة على التصرف وهو في مقابلة قوله تعالى: {يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا} وما ذكره لا حاصل له ولا إخلال في إخراج المكاتب لشمول اللفظ مع أن المقام مقام مبالغة فما يتوهم دخوله بوجه ينبغي أن ينفي وأين هذا مما نقله عن إمام الحرمين اهـ. واستدل بالآية أيضاً على أن العبد لا يملك الطلاق أيضاً وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عنه أنه قال: ليس للعبد طلاق إلا باذن سيده وقرأ الآية؛ وقد فصلت أحكام العبيد في حكم الفقه على أتم وجه. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } أي كله له سبحانه لا يستحقه أحد غيره تعالى لأنه جل شأنه المولى للنعم وإن ظهرت على أيدي بعض الوسائل فضلاً عن استحقاق العبادة. وفيه إرشاد إلى ما هو الحق من أن ما يظهر على يد من ينفق فيما ذكر راجع إليه تعالى كما لوَّح به {رَّزَقْنَاهُ} وقال غير واحد هذا حمد على ظهور المحجة وقوة هذه الحجة {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ما ذكر فيضيفون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها أو لا يعلمون ظهور ذلك وقوة ما هنالك فيبقون على شركهم وضلالهم، ونفي العلم عن أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لم يعملوا بموجبه عناداً؛ وقيل: المراد بالأكثر الكل فكأنه قيل: هم لا يعلمون، وقيل: ضمير {هُمْ} للخلق والأكثر هم المشركون، وكلا القولين خلاف الظاهر.
ابن عاشور
تفسير : أعقب زجرهم عن أن يشبّهوا الله بخلقه أو أن يشبّهوا الخلق بربّهم بتمثيل حالهم في ذلك بحال من مثل عبداً بسيّده في الإنفاق، فجملة {ضرب الله مثلاً عبداً} الخ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله تعالى: {أية : ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السمٰوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون} تفسير : [سورة النحل: 73]. فشبّه حال أصنامهم في العجز عن رزقهم بحال مملوك لا يقدر على تصرّف في نفسه ولا يملك مالاً، وشبّه شأن الله تعالى في رَزقه إيّاهم بحال الغنيّ المالك أمر نفسه بما شاء من إنفاق وغيره، ومعرفة الحالين المشبّهتين يدلّ عليها المقام، والمقصود نفي المماثلة بين الحالتيْن، فكيف يزعمون مماثلة أصنامهم لله تعالى في الإلهية، ولذلك أعقب بجملة {هل يستوون}. وذيّل هذا التمثيل بقوله تعالى: {بل أكثرهم لا يعلمون} كما في سورة إبراهيم (24) {أية : ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة}تفسير : إلى قوله تعالى: {أية : ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة}تفسير : [إبراهيم: 26] الآية، فإن المقصود في المقامين متّحد، والاختلافُ في الأسلوب إنما يومىء إلى الفرق بين المقصود أولاً والمقصود ثانياً كما أشرنا إليه هنالك. والعبد: الإنسان الذي يملكه إنسان آخر بالأسر أو بالشّراء أو بالإرث. وقد وُصف {عبداً} هنا بقوله: {مملوكاً} تأكيداً للمعنى المقصود وإشعاراً لما في لفظ عبد من معنى المملوكية المقتضية أنه لا يتصرّف في عمله تصرف الحرّية. وانتصب {عبداً} على البدلية من قوله تعالى: {مثلاً} وهو على تقدير مضاف، أي حال بعد، لأن المثل هو للهيئة المنتزعة من مجموع هذه الصّفات. وجملة {لا يقدر على شيء} صفة {عبداً}، أي عاجزاً عن كلّ ما يقدر عليه الناس، كأن يكون أعمى وزمناً وأصمّ، بحيث يكون أقل العبيد فائدة. فهذا مَثَل لأصنامهم، كما قال تعالى: {أية : والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء} تفسير : [سورة النحل: 20 -21]، وقوله تعالى: {أية : إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً }تفسير : [سورة العنكبوت: 17]. و{من} موصولة ما صدْقها حُرّ، بقرينة أنه وقع في مقابلة عبد مملوك، وأنه وصف بالرزق الحسن فهو ينفق منه سرّاً وجهراً، أي كيف شاء. وهذا من تصرّفات الأحرار، لأن العبيد لا يملكون رزقاً في عرف العرب. وأما حكم تملّك العبد مالاً في الإسلام فذلك يرجع إلى أدلّة أخرى من أصول الشريعة الإسلامية ولا علاقة لهذه الآية به. والرزق: هنا اسم للشيء المرزوق به. والحَسن: الذي لا يشوبه قبح في نوعه مثل قِلّة وجدان وقت الحاجة، أو إسراع فسادٍ إليه كسوس البُرّ، أو رداءة كالحشف. ووجه الشبه هو المعنى الحاصل في حال المشبّه به من الحقارة وعدم أهليّة التصرّف والعجز عن كل عمل، ومن حال الحرية والغنى والتصرّف كيف يشاء. وجعلت جملة {فهو ينفق منه} مفرّعة على التي قبلها دون أن تجعل صفة للرزق للدّلالة على أن مضمون كلتا الجملتين مقصودٌ لذاته كمالٌ في موصوفه، فكونه صاحب رزق حَسَن كمال، وكونه يتصرّف في رزقه بالإعطاء كمال آخر، وكلاهما بضدّ نقائص المملوك الذي لا يقدر على شيء من الإنفاق ولا ما ينفق منه. وجعل المسند فعلاً للدّلالة على التقوّي، أي ينفق إنفاقاً ثابتاً. وجعل الفعل مضارعاً للدّلالة على التجدّد والتكرر. أي ينفق ويزيد. و{سراً وجهراً} حالان من ضمير {ينفق}، وهما مصدران مؤوّلان بالصّفة، أي مُسرّاً وجاهراً بإنفاقه. والمقصود من ذكرهما تعميم الإنفاق، كناية عن استقلال التصرّف وعدم الوقاية من مانع إيّاه عن الإنفاق. وهذا مثَل لغنى الله تعالى وجوده على الناس. وجملة {هل يستوون} بيان لجملة {ضرب الله مثلاً}، فبُيّن غرض التشبيه بأنّ المثل مراد منه عدم تساوي الحالتين ليستدلّ به على عدم مساواة أصحاب الحالة الأولى لصاحب الصّفة المشبّهة بالحالة الثانية. والاستفهام مستعمل في الإنكار. وأما جملة {الحمد لله} فمعترضة بين الاستفهام المفيد للنفي وبين الإضراب بـــ{بل} الانتقالية. والمقصود من هذه الجملة أنه تبيّن من المثل اختصاص الله بالإنعام فوجب أن يختصّ بالشكر وأن أصنامهم لا تستحقّ أن تشكر. ولما كان الحمد مظهراً من مظاهر الشكر في مظهر النّطق جعل كناية عن الشكر هنا، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر إذْ أثنوا على الأصنام وتركوا الثناء على الله، وفي الحديث «حديث : الحمدُ رأس الشّكر»تفسير : . جيء بهذه الجملة البليغة الدّلالة المفيدة انحصار الحمد في مِلْك الله تعالى، وهو إما حصر ادّعائي لأن الحمد إنما يكون على نعمة، وغير الله إذا أنعم فإنما إنعامه مظهر لنعمة الله تعالى التي جرت على يديه، كما تقدم في صدر سورة الفاتحة، وإما قصر إضافي قصرَ إفراد للردّ على المشركين إذ قسموا حمدهم بين الله وبين آلهتهم. ومناسبة هذا الاعتراض هنا تقدُّم قوله تعالى: {أية : وبنعمت الله هم يكفرون} تفسير : [سورة النحل: 72] {أية : ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً} تفسير : [سورة النحل: 73]. فلما ضرب لهم المثل المبيّن لخطئهم وأعقب بجملة {هل يستوون} ثُني عنان الكلام إلى الحمد لله لا للأصنام. وجملة {بل أكثرهم لا يعلمون} إضراب للانتقال من الاستدلال عليهم إلى تجهيلهم في عقيدتهم. وأسند نفي العلم إلى أكثرهم لأن منهم من يعلم الحقّ ويكابر استبقاء للسيادة واستجلاباً لطاعة دهمائهم، فهذا ذَمّ لأكثرهم بالصراحة وهو ذمّ لأقلّهم بوصمة المكابرة والعناد بطريق التعريض. وهذا نظير قوله تعالى في سورة الزمر (29) {أية : ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلَما لرجل هل يستويان مثلاً الحمدُ لله بل أكثرهم لا يعلمون}.تفسير : وإنما جاءت صيغة الجمع في قوله تعالى {هل يستوون} لمراعاة أصحاب الهيئة المشبّهة، لأنها أصنام كثيرة كل واحد منها مشبّه بعبد مملوك لا يقدر على شيء، فصيغة الجمع هنا تجريد للتمثيلية، أي هل يستوي أولئك مع الإله الحقّ القادر المتصرّف. وإنما أجري ضمير جمعهم على صيغة جمع العالم تغليباً لجانب أحد التمثيلين وهو جانب الإله القادر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 75- جعل الله مثلا يوضح فساد ما عليه المشركون، بعبد مملوك لا يقدر على فعل شئ، وحرٌّ رزقه الله رزقاً طيباً حلالا، فهو يتصرف فيه، وينفق منه فى السر والجهر. هل يستوى العبيد الذين لا يقدرون على شئ، والأحرار الذين يملكون ويتصرفون فيما يملكون؟ إن الله ملك كل شئ، فهو يتصرف فى ملكوته كما يريد، وغيره لا يملك أىَّ شئ فلا يستحق أن يُعبد ويُحمد، الثناء كله حق لله وحده، والتنزيه له وحده، وله العلو وحده، لأن كل خير صدر عنه، وكل جميل مرده إليه، ولا يفعل هؤلاء ما يفعلون عن علم، وإنما يفعلون ما يفعلون تقليداً لرؤسائهم، بل أكثرهم لا يعلمون، فيضيفون نعمه إلى غيره، ويعبدونه من دونه. 76- وجعل الله مثلا آخر هو رجلان: أحدهما أخرس أصم لا يَفْهَم ولا يُفْهم غيره: كَلٌّ على من يلى أمره، إذا وجهه سيده إلى جهة ما لا يرجع بفائدة. هل يستوى هذا الرجل مع رجل فصيح قوى السمع. يأمر بالحق والعدل، وهو فى نفسه على طريق قويم لا عوج فيه؟ إن ذلك الأخرس الذى لا يسمع ولا يتكلم ولا يَفْهم ولا يُفهم، هو مثل الأصنام التى عبدوها من دون الله، فإنها لا تسمع ولا تنطق ولا تنفع، فلا يمكن أن تستوى مع السميع العليم الداعى إلى الخير والحق، وإلى الطريق المستقيم. 77- ولله - وحده - علم ما غاب عن العباد فى السموات والأرض، وما أمر مجئ يوم القيامة، وبعث الناس فيه، عند الله فى السرعة والسهولة، إلا كرد طرف العين بعد فتحها. بل هو أقرب سرعة من ذلك. إن الله عظيم القدرة لا يعجزه أى شئ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ضرب الله مثلاً: أي هو عبداً مملوكاً الخ.. عبداً مملوكاً: أي ليس بحُرٍ بل هو عبد مملوك لغيره. هل يستوون: أي العبيد العجزة والحُر المتصرف، والجواب: لا يستوون قطعاً. وضرب الله مثلاً: أي هو رجلين الخ.. أبكم: أي ولد أخرس وأصم لا يسمع. لا يقدر على شيء: أي لا يَفهَمْ ولا يُفهِمْ غيره. ولله غيب السماوات والأرض: أي ما غاب فيهما. وما أمر الساعة: أي أمر قيامها، وذلك بإماتة الأحياء وإحيائهم مع من مات قبل وتبديل صور الأكوان كلها. الأفئدة: أي القلوب. معنى الآيات: ما زال السياق في تقريرالتوحيد والدعوة إليه وإبطال الشرك والتنفير منه وقد تقدم أن الله تعالى جهل المشركين في ضرب الأمثال له وهو لا مثل له ولا نظير، وفي هذا السياق ضرب تعالى مثلين وهو العليم الخبير.. فالأول قال فيه: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً} أي غير حر من أحرار الناس، {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} إذ هو مملوك لا حق له في التصرف في مال سيده إلا بإذنه، فلذا فهو لا يقدر على إعطاء أو منع شيء، هذا طرف المثل، والثاني {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} صالحاً واسعاً {فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً} ليلاً ونهاراً لأنه حر التصرف بوصفه مالكاً {هَلْ يَسْتَوُونَ}؟ الجواب لا يستويان... إذاً {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} والمثل مضروب للمؤمن والكافر، فالكافر أسير للأصنام عبدٌ لها لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، لا يعمل في سبيل الله ولا ينفق لأنه لا يؤمن بالدار الآخرة، والجزاء فيها، وأما المؤمن فهو حرٌ يعمل بطاقة الله فينفق في سبيل الله سراً وجهراً يبتغي الآخرة والمثوبة من الله، ذا علمٍ وإرادة، لا يخاف إلا الله ولا يرجو إلا هو سبحانه وتعالى. وقوله {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ} هو المثال الثاني في هذا السياق وقد حوته الآية الثانية [76] فقال تعالى فيه {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} هو {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} ولفظ الأبكم قد يدل على الصمم فالغالب أن الأبكم لا يسمع {لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} فلا يفهم غيره لأنه أصم ولا يُفهم غيره لأنه أبكم، {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} أي ابن عمه أو من يتولاه من أقربائه يقومون بإعاشته ورعايته لعجزه وضعفه وعدم قدرته على شيء. وقوله: {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} أي أينما يوجهه مولاه وابن عمه ليأتي بشيء لا يأتي بخير، وقد يأتي بشر، أمَّا النفع والخير فلا يحصل منه شيء. وهذا مثل الأصنام التي تعبد من دون الله إذ هي لا تسمع ولا تبصر فلا تفهم ما يقال لها، ولا تُفهم عابديها شيئاً وهي محتاجة إليهم في صُنْعِها ووضعها وحملها وحمايتها. وقوله تعالى {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الله تعالى يأمر بالعدل أي بالتوحيد والاستقامة في كل شيء، وهو قائم على كل شيء، وهو على صراطٍ مستقيم يدعو الناس إلى سلوكه لينجوا ويسعدوا في الدارين، فالجواب، لا يستويان بحال، فكيف يرضى المشركون بعبادة وولاية الأبكم الذي لا يقدر على شيء ويتركون عبادة السميع البصير، القوي، القدير، الذي يدعوهم إلى كمالهم وسعادتهم في كلتا حياتهم، أمر يحمل على العجب، ولكن لا عجب مع أقدار الله وتدابير الحكيم العليم. وقوله تعالى في الآية [77] {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وحده يعلم ما غاب عنا فيهما فهو يعلم من كُتبت له السعادة ومن حُكم عليه بالشقاوة، ومن يهتدي ومن لا يهتدي، والجزاء آتٍ بإتيان الساعة {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} أي إتيانها {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} إذ لا يتوقف أمرها إلا على كلمة {كُنْ} فقط فتنتهي هذه الحياة بكل ما فيها، وتأتي الحياة الأخرى وقد تبدلت صور الأشياء كلها {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن ذلك قيام القيامة، ومجيء الساعة. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} حقيقة لا تُنكر، الله الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا بعد أن صورنا في الأرحام ونمانا حتى صرنا بشراً ثم أذن بإخراجنا، فأخرجنا، وخرجنا لا نعلم شيئاً قط، هذه آية القدرة الإِلهية والعلم الإِلهي والتدبير الإِلهي، فهل للأصنام شيء من ذلك، والجواب لا، لا وثانياً جعل الله تعالى لنا الأسماع والأبصار والأفئدة نعمة أخرى، إذ لو لا ذلك ما سمعنا ولا أبصرنا ولا عقلنا وما قيمة حياتنا يومئذٍ، إذْ العدم خيرٌ منها. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} كشف كامل عن سر هذه النعمة وهي أنه جعلنا نسمع ونبصر ونعقل ليكلفنا فيأمرنا وينهانا فنطيعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وذلك شكره منا مع ما في ذلك الشكر من خير. إنه إعداد للسعادة في الدارين. فهل من متذكر يا عباد الله؟! هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال وهو تشبيه حال بحال على أن يكون ضارب المثل عالماً. 2- بيان مثل المؤمن في كماله والكافر في نقصانه. 3- بيان مثل الأصنام في جمودها وتعب عَبَدتِها عليها في الحماية وعدم انتفاعهم بها. ومثل الرب تبارك وتعالى في عدله، ودعوته إلى الإسلام وقيامه على ذلك مع استجابة دعاء أوليائه، ورعايتهم، وعلمه بهم وسمعه لدعائهم ونصرتهم في حياتهم وإكرامهم والإِنعام عليهم في كلتا حياتهم. ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.
القطان
تفسير : أبكم: اخرس. كَلٌّ: عاجز، كأنه حمل ثقيل على غيره فهو لا يستطيع ان يعمل شيئا. الساعة: القيامة. بعد ان بين الله دلائل التوحيد البيانَ الشافي، وبيّن بعض نِعمه على عباده، ضرب هنا مثَلين يؤكد بهما إبطالَ عبادة الأصنام والشرك. المثل الاول: عبد مملوك لا يقدِر على شيء ورجل حر كريم غنيٌّ كثير الإنفاق سِراً وجهرا، {هَلْ يَسْتَوُونَ} هل يجوز ان يكونا سواءً في الكفاية والمقدرة!! وعلى هذا فكيف يجوز ان يُسوَّى بين الله القادر الرازق، وبين الأصنام التي لا تملك شيئاً ولا تقدر على النفع والضرر!! {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إن الثناء كلَّه والحمد لله، وان أكثر هؤلاء لا يعلمون فيضيفون نعمه الى غيره، ويعبدون من دونه. والتعبير بقوله: "هل يستوون" بالجمع، ولم يقل: هل يستويان، لانه اراد النوع يعني هل يستوي العبيد والاحرار؟ والمثل الثاني: مثل رجلَين احدُهما أبكم عاجزٌ لا يقدِر على عمل شيء، واينما توجَّه لا يأتي بخير، والثاني فصيحٌ قوي السمع، يأمر بالحق والعدل، وهو مستقيم مؤمن مخلص، هل يستويان؟ ولذلك لا يجوز مساواة الجماد برب العباد. {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ولله عِلم ما غاب عن أبصاركم في هذا الكون، وما أمرُ مجيء يوم القيامة وبعث الناس عند الله الا كردّ الطرف، بل أسرعُ من ذلك، ان الله قادر على كل شيء، ولا أحدَ يملك معه شيئا.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَّزَقْنَاهُ} {يَسْتَوُونَ} (75) - مَثَلُكُمْ فِي إِشْرَاكِكِمْ بِاللهِ الأَوْثَانَ وَالأَصْنَامَ، مَثَلُ مَنْ سَوَّى بَيْنَ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَاجِزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ حُرٍّ يَمْلِكُ مَالاً يُنْفِقُ مِنْهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُرِيدُ، فَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يُسَوِّي بَيْنَ هَذِينِ الرَّجُلَيْنِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَفَاوُتٍ فِي القُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ، كَذَلِكَ لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ أَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الإِلهِ القَادِرِ عَلَى الرِّزْقِ وَالإِفْضَالِ، وَبَيْنَ الأَصْنَامِ التِي لاَ تَمْلكُ شَيْئاً، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ.
الثعلبي
تفسير : ثمّ ضرب الله تعالى مثلا المؤمن والكافر فقال عز من قائل: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} هو مثل الكافر رزقه الله مالاً فلم يقدّم خيراً ولم [يعمل] فيه بطاعة الله تعالى {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً} هو مثل المؤمن أعطاه الله مالاً فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه فيما يرضي الله سراً وجهراً فأثابه الله على ذلك النعيم المقيم في الجنة {هَلْ يَسْتَوُونَ} ولم يقل يستويان لمكان (من) لأنه اسم مبهم يصلح للواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث، والمذكر، وكذلك قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً} ثمّ قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} بالجمع لأجل (ما) ومعنى الآية: هل يستوي هذا الفقر والبخل والغنى [والسخاء] فكذلك لا يستوي الكافر العاصي المخالف لأمر الله والمؤمن المطيع له. روى ابن جريج عن عطاء: {عَبْداً مَّمْلُوكاً} قال: هو أبو جهل بن هشام {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} أبو بكر الصديق (رضي الله عنه). ثمّ قال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول الله تعالى: ليس الأمر كما يفعلون ولا القول كما يقولون، ماللأوثان عندهم من يد، ولا معروف فيحمد عليه، إنما الحمد هو الكامل لله خالصاً، لأنه هو المنعم والخالق والرازق ولكن أكثر هؤلاء الكفرة لا يعلمون أنها كذلك. ثمّ ضرب مثلاً آخر بنفسه والأصنام فقال: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ} يرسله {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} لأنه لا يفهم ما يقال، ولا يفهم عنه. وقال ابن مسعود: أينما توجهه لا يأت بخير، هذا مثل للصنم الذي لا يسمع ولا ينطق ولا يعقل ولا يفعل وهو كَلّ على [عائده] يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} يعني الله قادر متكلم بأمر التوحيد فليس كصنمكم، فإنه لا يأمر بالتوحيد {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. قال الكلبي: يعني وهو يدلكم على صراط مستقيم، وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم هو على صراط مستقيم. قال الكلبي: يعني وهو يدلكم على صراط مستقيم. آخر: ومن قال: كل المسلمين المؤمن والكافر، وهي رواية عقبة عن ابن عبّاس. وروى إبراهيم بن عكرمة بن يعلي بن منبّه عن ابن عبّاس قال: نزلت هذه الآية في عثمان ابن عفان (رضي الله عنه) ومولاه. وكان عثمان ينفق عليه ويكفيه المؤنة وكان مولاه يكره الإسلام [ويأباه وينهاه عن] الصدقة ويمنعه من النفقة. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في هاشم بن عمرو بن الحرث بن ربيعة القرشي وكان رجلاً قليل الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عطاء: [الأبكم أبي بن حلف] ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون. {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} في قريب كونها وسرعة قيامها {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} [كالنظر في البصر] ورجع الطرف؛ لأن ذلك هو أن يقال له: كن فيكون، {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} بل هو أقرب {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} نزلت في الكفار الذين استعجلوا القيامة إستهزاء منهم. {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}. قرأ الأعمش: {أُمَّهَاتِكُمْ} بكسر الألف والميم. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف وفتح الميم. وقرأ الباقون بضم الألف وفتح الميم. وأصل الأمهات: أمات، فزيدت الهاء للتأكيد كما زادوها في أهرقت الماء وأصله أرقت { لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} هذا كلام تام. ثمّ ابتدأ فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} لأن الله تعالى جعل [لعباده السمع] والأبصار والأفئدة قبل إخراجهم من بطون أمهاتهم وإنما [أعطاهم العلم] بعد ما أخرجهم منها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلاً له طرفان: الطرف الأول: عبد: أي مَوْلى، وصفه بأنه مملوك التصرّف، وأنه لا يقدر على شيء من العمل؛ ذلك لأن العبد قد يكون عَبْداً ولكنه يعمل، كمَنْ تسمح له بالعمل في التجارة مثلاً وهو عبد، وهناك العبد المكاتب الذي يتفق مع سيده على مال يُؤدّيه إليه لينال حريته، فيتركه سيده يعمل بحريته حتى يجمعَ المال المتفق عليه .. فهذا عَبْد، ومملوك، ولا يقدر على شيء من السَّعْي والعمل. والطرف الثاني: سيد حُرٌّ، رزقه الله وأعطاه رِزْقاً حَسناً أي: حلالاً طيّباً .. ثم وفّقه الله للإنفاق منه بشتى أنواع الإنفاق: سِراً وجَهْراً .. وهذه منزلة عالية: رِزْق من الله وصفه بأنه حلال طَيب لا شُبْهة فيه، بعد ذلك وفّقه الله للإنفاق منه .. كُلٌّ حَسْب ما يناسبه، فمن الإنفاق ما يناسبه السِّرّ، ومنه ما يُناسبه الجَهْر: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 271]. هذان هما طَرَفا المثَل المضروب لَنَا .. ويترك لنا السياق القرآني الحكْم بينهما .. وكأن الحق سبحانه يقول: أنا أرتضي حكمكم أنتم: هل يستوون؟ والحق سبحانه لا يترك لنا الجواب، إلا إذا كان الجواب سيأتي على وَفْق ما يريد .. ولا جوابَ يُعقل لهذا السؤال إلا أن نقولَ: لا يستوون .. وكأن الحق سبحانه جعلنا ننطق نحن بهذا الحكم. وقد ضرب الله هذا المثل لعبدة الأصنام، الذين أكلوا رزق الله وعبدوا غيره، فمثَّل الحق سبحانه الأصنامَ بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. وضرب المثل الآخر للسيد الذي رزقه الله رزقاً حسناً، فهو ينفق منه سِرّاً وجَهْراً، ألم تَرَ إلى قوله تعالى في آية أخرى: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} تفسير : [لقمان: 20]. ليُبين لهم خطأهم في الانصراف عن عبادة الله مع ما أعطاهم من رزق إلى عبادة الأصنام التي لا تعطيهم شيئاً. ومن هنا تتضح الحكمة في أن الله تعالى ترك الحكم بنفسه في هذا المثَل، وأتى به على صورة سؤال ليأخذ الحكم من أفواههم ويشهدوا هم على أنفسهم؛ ليقطع عليهم سبيل الإنكار والجدال. ولنا هنا وَقْفة مع قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوُونَ ..} [النحل: 75]. فالحديث عن مُثنّى، وكان القياس أن يقول: هل يستويان، فلماذا عدل عن المثنى إلى الجمع؟ نقول: لأن المثل وإنْ ضُرِب بمفرد مقابل مفرد إلا أنه ينطبق على عديدين .. مفرد شائع في عديد مملوكين، وفي عديد من السادة أصحاب الرزق الحسن، ذلك لِيُعمّم ضَرْب المثل. إذن: ليس في اختلاف الضمير هنا ما يتعارض وبلاغة القرآن الكريم، بل هي دِقّة أداء؛ لأن المتكلّم هو الحق سبحانه وتعالى. وكذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ..} تفسير : [الحجرات: 9]. بعضهم يرى في الآية مَأخذاً، حيث تتحدث عن المثنى، ثم بضمير الجمع في (اقْتَتَلُوا)، ثم تعود للمثنى في (بَيْنَهُمَا). نقول لهؤلاء: لو تدبرتُم المعنى لَعرفتم أن ما تتخذونه مأخذاً، وتعتبرونه اختلافاً في الأسلوب هو منتهى الدقة في التعبير القرآني .. ذلك أن الحديث عن طائفتين: مُثنّى .. نعم .. فلو تقاتلا، هل ستمسك كل طائفة سَيْفاً لتقاتل الأخرى؟ لا .. بل سيُمسِك كُلُّ جندي منها سَيْفاً .. فالقتال هناك بالمجموع .. مجموع كل طائفة لمجموع الطائفة الأخرى، فناسب أن يقول: اقتتلوا؛ لأن القتال حركة ذاتية من كُلّ فرد في الطائفتين. فإذا ما جاء وقت الصُلّح، هل نصالح كل جندي من هذه على كل جندي من هذه؟ لا .. بل الصُّلْح شأْنُ السادة والزعماء والقادة لكل طائفة، ففي الصُّلْح نعود للمثنى، حيث ينوب هؤلاء عن طائفة، وهؤلاء عن طائفة، ويتم الصُّلْح بينهما. إذن: اختلاف الضمير هنا آية من آيات الإعجاز البياني؛ لأن المتكلم هو الحق سبحانه وتعالى. وقوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ..} [النحل: 75]. كأن الحق سبحانه يقول: الحمد لله أنْ وافقَ حُكْمكم ما أريد، فقد نطقتُم أنتم وحكمتُمْ. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 75]. قوله: أكثرهم لا يعلمون يدل على أن الأقلية تعلم، وهذا ما يُسمُّونه "صيانة الاحتمال"؛ لأنه لما نزلَ القرآن الكريم كان هناك جماعة من الكفار ومن أهل الكتاب يُفكّرون في الإيمان واعتناق هذا الدين، فلو نفى القرآن العلم عن الجميع فسوف يُصدَم هؤلاء، وربما صرفهم عَمّا يُفكِّرون فيه من أمر الإيمان، فالقرآن يصون الاحتمال في أن أُنَاساً منهم عندهم عِلْم، ويرغبون في الإيمان. ثم يقول الحق سبحانه: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى سفاهة المشركين في عبادتهم لغير الله، أعقبه بذكر مثلين توضيحاً لبطلان عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ولا تستجيب ولا تسمع، ثم ذكَّر الناس ببعض النِّعم التي أفاضها عليهم ليعبدوه ويشكروه، ويُخلصوا له العمل طائعين منيبين. اللغَة: {أَبْكَمُ} الأبكم: الأخرس الذي لا ينطق {كَلٌّ} الكَلُّ: الثقيل الذي هو عيال على الغير وقد يسمى اليتيم كلاً لثقله على من يكفله قال الشاعر: شعر : أكولٌ لمالِ الكلِّ قبلَ شبابه إِذا كانَ عظْمُ الكلِّ غيرَ شديد تفسير : {لَمْحِ} اللَّمْح: النظر بسرعة مثل الخطفة يقال لَمحه لمحاً ولمحاناً {ظَعْنِكُمْ} الظِّعْنُ: السفر والرحيل لطلب الكلأ، والظعينةُ المرأة المسافرة {أَوْبَارِهَا} الوبر للإِبل كالصوف للغنم {ظِلاَلاً} الظلالُ: كل ما يستظلُّ به من البيوت والشجر {أَكْنَاناً} جمع كنّ مثل حمِل وأحمال وهو كل ما يحفظ ويقي من الريح والمطر وغيرهما {سَرَابِيلَ} جمع سربال قال الزجاج: كلُّ ما لبسته من قميصٍ أو درعٍ فهو سربال. التفسِير: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام التي أشركوها مع الله جل وعلا أي مثلُ هؤلاء في إشراكهم مثلُ من سوَّى بين عبدٍ مملوكٍ عاجزٍ عن التصرف، وبين حرٍّ مالك يتصرف في أمره كيف يشاء، مع أنهما سيّان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وتعالى، فما الظنُّ بربِّ العالمين حيث يشركون به أعجز المخلوقات؟ {فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً} أي ينفق ماله في الخفاء والعلانية ابتغاء وجه الله {هَلْ يَسْتَوُونَ}؟ أي هل يستوي العبيد والأحرار الذين ضُرب لهم المثل، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له المُلك، وبيده الرزق، وهو المتصرف في الكون كيف يشاء، فكيف يُسوَّى بينه وبين الأصنام؟ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي شكراً للهِ على بيان هذا المثال ووضوح الحق فقد ظهرت الحجة مثل الشمس الساطعة، ولكنَّ المشركين بسفههم وجهلهم يسوّون بين الخالق والمخلوق، والمالكِ والمملوك {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} هذا هو المثل الثاني للتفريق بين الإِله الحق والأصنام الباطلة قال مجاهد: هذا مثلٌ مضروبٌ للوثن والحقّ تعالى، فالوثنُ أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير، ولا يقدر على شيء بالكلية لأنه إما حجرٌ أو شجر، {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} أي ثقيل عالة على وليِّه أو سيده {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} أي حيثما أرسله سيده لم ينجح في مسعاه لأنه أخرس، بليد، ضعيف {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي هل يتساوى هذا الأخرس، وذلك الرجل البليغ المتكلم بأفصح بيان، وهو على طريق الحق والاستقامة، مستنيرٌ بنور القرآن؟ وإِذا كان العاقل لا يسوّي بين هذين الرجلين، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وهو القادر العليم، الهادي إلى الصراط المستقيم؟ {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو سبحانه المختص بعلم الغيب، يعلم ما غاب عن الأبصار في السماوات والأرض {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أي ما شأن الساعة في سرعة المجيء إلا كنظرة سريعة بطرف العين، بل هو أقرب لأنه تعالى يقول للشيء: كن فيكون، وهذا تمثيل لسرعة مجيئها ولذلك قال {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي قادرٌ على كل الأشياء ومن جملتها القيامة التي يكذب بها الكافرون {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} أي أخرجكم من أرحام الأمهات لا تعرفون شيئاً أصلاً {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي خلق لكم الحواس التي بها تسمعون وتبصرون وتعقلون لتشكروه على نعمه وتحمدوه على آلائه {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ} هذا من الأدلة على قدرة الله تعالى ووحدانيته والمعنى: ألم يشاهدوا الطيور مذلّلات للطيران في ذلك الفضاء الواسع بين السماء والأرض {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي ما يمسكهن عن السقوط عند قبض أجنحتهنَّ وبسطها إلا هو سبحانه {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إنَّ فيما ذُكر لآيات ظاهرة، وعلامات باهرة على وحدانيته تعالى لقوم يصدَّقون بما جاءت به رسل الله {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً} هذا تعداد لنعم الله على العباد أي جعل لكم هذه البيوت من الحجر والمدر لتسكنوا فيها أيام مُقامكم في أوطانكم {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً} أي وجعل لكم بيوتاً أُخرى وهي الخيام والقُباب المتخذة من الشعر والصوف والوبَر {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} أي تستخفون حملها ونقلها في أسفاركم، وهي خفيفةٌ عليكم في أوقات السفر والحضَر {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً} أي وجعل لكم من صوف الغنم، ووبر الإِبل، وشعر المعز ما تلبسون وتفرشون به بيوتكم {وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} أي تنتفعون وتتمتعون بها إلى حين الموت {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} أي جعل لكم من الشجر والجبل والأبنية وغيرها ظلالاً تتقون بها حرُّ الشمس {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} أي وجعل لكم في الجبال مواضع تسكنون فيها كالكهوف والحصون قال الرازي: لما كانت بلادُ العرب شديدة الحر، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة، فلهذا ذكر تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} أي جعل لكم الثياب من القطن والصوف والكتان لتحفظكم من الحر والبرد {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} أي ودروعاً تشبه الثياب تتقون بها شر أعدائكم في الحرب {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإِنه يُتم نعمة الدنيا والدين عليكم {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي لتخلصوا للهِ الربوبية، وتعلموا أنه لا يقدر على هذه الإِنعامات أحدٌ سواه {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي فإِن أعرضوا عن الإِيمان ولم يؤمنوا بما جئتهم به يا محمد فلا ضرر عليك لأن وظيفتك التبليغ وقد بلَّغت الرسالة وأديت الأمانة {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} أي يعرف هؤلاء المشركون نِعَم الله التي أنعم بها عليهم، ويعترفون بأنها من عند الله ثم ينكرونها بعبادتهم غير المنعم وقال السُّدي: نعمةُ الله هي محمد صلى الله عليه وسلم عرفوا نبوته، ثم جحدوها وكذّبوه {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} أي أكثرهم يموتون كفاراً وفيه إشارة إلى أن بعضهم يهتدي للإِسلام وأما أكثرهم فمصرّون على الكفر والضلال {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي ويوم القيامة نحشر الخلائق للحساب ونبعث في كل أمة نبيَّها يشهد عليها بالإِيمان والكفر {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لا يُؤذن للذين كفروا في الاعتذار لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا يُطلب منهم أن يسترضوا ربَّهم بقولٍ أو عمل، فقد فات أوان العتاب والاسترضاء، وجاء وقت الحساب والعقاب قال القرطبي: العُتبى هي رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، وأصل الكلمة من العتب وهي الموجدة فإِذا وجد عليه يقال: عَتَب، وإِذا رجع إلى مسرَّتك فقد أعتب {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ} أي وإِذا رأى المشركون عذاب جهنم فلا يُفتَّر عنهم ساعة واحدة {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يُؤخرون ولا يُمهلون {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} أي وإِذا أبصر المشركون شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويزعمون أنهم شركاء الله في الألوهية {قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ} أي هؤلاء الذين عبدناهم من دونك قال البيضاوي: وهذا اعترافٌ بأنهم كانوا مخطئين في ذلك والتماس لتخفيف العذاب {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} أي أجابوهم بالتكذيب فيما قالوا في تقرير وتوكيد، وذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} أي استسلم أولئك الظالمون لحكم الله تعالى بعد الإِباء والاستكبار في الدنيا {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي بطل ما كانوا يؤملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، ثم أخبر تعالى عن مآلهم بعد أن أخبر عن حالهم فقال {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي كفروا بالله ومنعوا الناس عن الدخول في دين الإِسلام {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} أي زدناهم عذاباً في جهنم فوق عذاب الكفر، لأنهم ارتكبوا جريمة صدّ الناس عن الهدى فوق جريمة الكفر، فضوعف لهم العذاب جزاءً وفاقاً {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} أي بسبب إِفسادهم في الدنيا بالكفر والمعصية {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي اذكر للناس ذلك اليوم وهوْله حين نبعث في كل أمةٍ نبيَّها ليشهد علينا {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} أي وجئنا بك يا محمد شهيداً على أمتك {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي ونزَّلنا عليك القرآن المنير بياناً شافياً بليغاً لكل ما يحتاج الناس إليه من أمور الدين فلا حجة لهم ولا معذرة قال ابن مسعود: قد بُيّن لنا في هذا القرآن كلُّ علمٍ، وكل شيء {وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} أي هداية للقلوب، ورحمة للعباد، وبشارةً للمسلمين المهتدين {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} أي يأمر بمكارم الأخلاق بالعدل بين الناس، والإِحسان إلى جميع الخلق {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي مواساة الأقرباء، وخصَّه بالذكر اهتماماً به {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ} أي ينهى عن كل قبيح من قولٍ، أو فعلٍ، أو عملٍ قال ابن مسعود: هذه أجمعُ آيةٍ في القرآن لخيرٍ يُمتثل، ولشرٍ يُجتنب والفحشاء كل ما تناهى قبحه كالزنى والشرك، والمنكر كل ما تنكره الفطرة، والبغي هو الظلم وتجاوز الحق والعدل {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي يؤدبكم بما شرع من الأمر والنهي لتتعظوا بكلام الله. البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية في {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ..} الآية تمثيلٌ للوثن بالأبكم الذي لا ينتفع منه بشيء أصلاً، مع القادر السميع البصير وشتان بين الرب والصنم. 2- التشبيه المرسل المجمل في {كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ}. 3- الطباق بين {سِرّاً وَجَهْراً} وبين {يَعْرِفُونَ ... يُنكِرُونَ} وبين {ظَعْنِكُمْ ... إِقَامَتِكُمْ}. 4- الإِيجاز بالحذف في {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} أي والبرد حذف الثاني استغناءً بذكر الأول. 5- المقابلة اللطيفة {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ} أمر بثلاثة ونهى عن ثلاثة وهو من المحسنات البديعية. 6- ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بشأنه {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} بعد لفظ الإِحسان الذي هو عام. لطيفَة: ذكر حديث : أن "أكثم بن صيفي" لما بلغه خبر الرسول صلى الله عليه وسلم انتدب رجلين فأتياه فقالا: من أنت؟ وما أنت؟ فقال أنا محمد بن عبد الله، وأنا رسول الله ثم تلا علينا هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ....} الآية فرجعا إلى أكثم فلما قرءا عليه الآية قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مساوئها، فكونوا في هذا الأمر رؤساء، ولا تكونوا فيه أذناباً .
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} يعني ليسَ لَهُ شَيءٌ، ولاَ يَملِكُ شَيئاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : قد أخبر عن الفريقين من أرباب القلوب وأصحاب النفوس بضرب المثل بقوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً} [النحل: 75] أي: عبداً للدنيا {مَّمْلُوكاً} [النحل: 75] للهوى {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} [النحل: 75] من مواهب الله وتوفيقه للطاعات، {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا} [النحل: 75] أي: من مواهبنا {رِزْقاً حَسَناً} [النحل: 75] أي: ولاية كاملة {فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ} [النحل: 75] أي: من قوة الولاية يتصرف في البواطن المستعدة لقبول فيض الولاية {سِرّاً} [النحل: 75] أي: في السر والخفية سرّاً بسرٍ، وإضماراً بإضمار، ويتصرف في ظواهر أهل الإرادة بالموعظة الحسنة والحكمة البالغة {وَجَهْراً} [النحل: 75] أي: ظاهراً في العلانية {هَلْ يَسْتَوُونَ} [النحل: 75] يعني: أهل الولاية وأهل الضلالة. ثم قال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} [النحل: 75] يعني: على ما أنعم على أوليائه إنهم كانوا أحق به وأهله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] أي: أكثر الناس ممن لا يعلم ما بين الله وبين الأولياء، فإن لهم مع الله أوقات لا يسعهم فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل من غاية صدقهم وإخلاصهم مع الله؛ فلهذا قال: "حديث : أوليائي تحت قبابي، لا يعرفهم غيري ". تفسير : ثم ضرب مثلاً آخر لكمال التفهيم فقال: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} [النحل: 76] يشير به إلى النفس الحيوانية غير الناطقة {لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} [النحل: 76] من العقل والعلم والإيمان {وَهُوَ كَلٌّ} [النحل: 76] ثقل ووبال وعيال {عَلَىٰ مَوْلاهُ} [النحل: 76] وهو الروح الذي يسمونه بعضهم النفس الناطقة {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} [النحل: 76] لأنها أمارة بالسوء ومن شأنها متابعة هواها ومخالفة مولاها {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} [النحل: 76] يعني: الروح، فإن من شأنه أن يأمر النفس بطاعة الله وحسن عبوديته كما أن النفس تأمر الروح بمعاصي الله وعبودية هواها {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] يعني: الروح مع خصوصيته بمكارم الأخلاق والأمر بالعدل هداه الله إلى الصراط المستقيم إلى الله وهو عليه بتوفيق متوجه إليه. ثم قال: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [النحل: 77] يشير بغيب السماوات إلى الأرواح، وبغيب الأرض إلى النفوس يعني: هو الواقف على خاصية الأرواح والنفوس، فلو وكلّ كل جنس منها إلى طبعها وخاصيتها لا ترجع إلى ربها، ولا تهتدي إلى ربها بهداية الله إياها يدل عليه قوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 27-28] فرجوعها يكون بالإماتة والإحياء بأن يميتها عن أوصافها ويحييها بصفائه، وهي من أمر الساعة فقال: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} [النحل: 77] في الإماتة والإحياء عند قدرتنا {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] أي: بل هو أقرب؛ لأن الإماتة بتجلي صفة الجلال والإحياء بتجلي صفة الجمال، فإذا تجلى الله لعبد لا يبقى له زمان ولا مكان إذ هو فانٍ عن وجوده باقٍ ببقاء الحق تعالى وتقدس {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 77] من المواهب التي يقربها أولياءه {قَدِيرٌ} [النحل: 77]، وإن لم يفهم الأغنياء بقولهم كيفية تلك المعارف والكمالات؛ بل العقلاء بعقولهم السليمة بمعزل عن إدراك تلك الحقائق. فثم أخبر عن كمال قدرته وجهل الإنسان بحكمته بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} [النحل: 78] أي من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت ذرَّاتهم تعلم من فهم خطاب ربكم إذ قال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] ولا مما علمت إذ قالت بالجواب: {أية : بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] ولا مما تعلمت الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها ومعرفة أمها والرجوع إليها والاهتداء إلى ضروعها وطريق تحصيل اللبن منها ومشيها خلفها وغير ذلك مما تعلم الحيوانات وتهتدي إليه ولا يعلم الطفل منه شيئاً ولا يهتدي إليه. {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] لأجسادكم كما جعل للحيوانات لتسمعوا بها وتبصروا وتفهموا ما يسمع الحيوان ويبصر ويفهم وجعل لأرواحكم سمعاً تسمعون به ما تسمع الملائكة وبصراً تبصرون به ما تبصر الملائكة، وفؤاداً تفهمون به ما تفهم الملائكة، وجعل لأسراركم سمعاً تسمعون به من الله، وبصراً تبصرون به الله، وفؤاداً تعرفون به الله، وهذه الحواس مستفادة من قوله تعالى: "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي قلبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق". {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] بهذه الآيات نعم الله وإذا شكرتم نعم الله باستعمالها وصرفها في طلب الله وترك الالتفات إلى النعم للمنعم، وفيه إشارة أخرى قوله: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النحل: 78] أي: من العدم وهو الأم الحقيقية {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} [النحل: 78] قبل أن يعلمكم الله أسماء كل شيء {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] حين خاطبكم بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] فتجلى لكم بربوبيته، فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطابه، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً تجيبونه بقولكم: {أية : بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تتكلمون بها اللسان إلا معه. وفي قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ} [النحل: 79] فيه إشارة إلى طير الأرواح أنها مسخرة في جو سماء القلوب {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} [النحل: 79] لأن الأرواح علويات، وإنما سكونها في سفل الأجساد بتسخير الله إياها كقوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [ص: 72]. وقوله: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين: 5] وفيه إشارة إلى أن للإنسان مقاماً يرى الله بنور الله قبل رؤية الأشياء، ويرى الأشياء قائمة بقدر الله، كما قال بعضهم: ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله قبله. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] بالله بنور الله فهذه التأويلات من جملة الآيات التي يهدي بها الله خواص عباده إليه.
همام الصنعاني
تفسير : 1504- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ}: [الآية: 75]، قال: هُوَ الكافِرُ لا يعْمَل بطاعَةِ الله، وَلا ينفق خيراً قال: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً}: [الآية: 75]، قال: هو المؤمن يطيع الله في نفسه، وماله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):