Verse. 1977 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَضَرَبَ اللہُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ اَحَدُہُمَاۗ اَبْكَمُ لَا يَـقْدِرُ عَلٰي شَيْءٍ وَّہُوَ كَلٌّ عَلٰي مَوْلٰىہُ۝۰ۙ اَيْنَـمَا يُوَجِّہْہُّ لَا يَاْتِ بِخَيْرٍ۝۰ۭ ہَلْ يَسْتَوِيْ ہُوَ۝۰ۙ وَمَنْ يَّاْمُرُ بِالْعَدْلِ۝۰ۙ وَہُوَعَلٰي صِرَاطٍ مُّسْتَــقِيْمٍ۝۷۶ۧ
Wadaraba Allahu mathalan rajulayni ahaduhuma abkamu la yaqdiru AAala shayin wahuwa kallun AAala mawlahu aynama yuwajjihhu la yati bikhayrin hal yastawee huwa waman yamuru bialAAadli wahuwa AAala siratin mustaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وضرب الله مثلاً» ويبدل منه «رجلين أحدهما أبكم» ولد أخرس «لا يقدر على شيء» لأنه لا يفهم ولا يُفهم «وهو كلّ» ثقيل «على مولاه» وليّ أمره «أينما يوجهه» يصرفه «لا يأت» منه «بخير» ينجح وهذا مثل الكافر «هل يستوي هو» أي الأبكم المذكور «ومن يأمر بالعدل» أي ومن هو ناطق نافع للناس حيث يأمر به ويحث عليه «وهو على صراط» طريق «مستقيم» وهو الثاني المؤمن؟ لا، وقيل هذا مثل الله، والأبكم للأصنام والذي قبله مثل الكافر والمؤمن.

76

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا المثل الثاني، وتقريره: أنه كما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يكون مساوياً في الفضل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية، فلان يحكم بأن الجماد لا يكون مساوياً لرب العالمين في المعبودية كان أولى، ثم نقول: في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات: الصفة الأولى: الأبكم وفي تفسيره أقوال نقلها الواحدي. الأول: قال أبو زيد رجل أبكم، وهو العيي المقحم، وقد بكم بكماً وبكامة، وقال أيضاً: الأبكم الأقطع اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام. الثاني: روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأبكم الذي لا يعقل. الثالث: قال الزجاح: الأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر. الصفة الثانية: قوله: {لا يقدر على شيء} وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل. والصفة الثالثة: قوله: {كل على مولاه} أي هذا الأبكم العاجز كل على مولاه. قال أهل المعاني: أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة. يقال: كل السكين إذا غلظت شفرته فلم يقطع، وكل لسانه إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه. فقوله: {كل على مولاه} أي غليظ وثقيل على مولاه. الصفة الرابعة: قوله: {أينما يوجهه لا يأت بخير} أي أينما يرسله، ومعنى التوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق. يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه. وقوله: {لا يأت بخير} معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم. ثم قال تعالى: {هل يستوي هو} أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع: {ومن يأمر بالعدل} واعلم أن الآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفاً بالنطق وإلا لم يكن آمراً ويجب أن يكون قادراً، لأن الأمر مشعر بعلو المرتبة وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادراً، ويجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجور. فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادراً عالماً، وكونه آمراً يناقض كون الأول أبكم، وكونه قادراً يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه، وكونه عالماً يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير. ثم قال تعالى: {وهو على صراط مستقيم} معناه كونه عادلاً مبرأ عن الجور والعبث. إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان، فكذا ههنا والله أعلم. المسألة الثانية: في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم. فالقول الأول: قال مجاهد: كل هذا مثل إله الخلق وما يدعى من دونه من الباطل. وأما الأبكم فمثل الصنم، لأنه لا ينطق ألبتة وكذلك لا يقدر على شيء، وأيضاً كل على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه، وأيضاً إلى أي مهم توجه الصنم لم يأت بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه وتعالى. والقول الثاني: أن المراد من هذا الأبكم: هو عبد لعثمان بن عفان كان ذلك العبد يكره الإسلام، وما كان فيه خير، ومولاه وهو عثمان بن عفان كان يأمر بالعدل؛ وكان على الدين القويم والصراط المستقيم. والقول الثالث: أن المقصود منه: كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة، وهذا القول أولى من القول الأول، لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن، وكذلك بالبكم وبالكل وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى، وأيضاً فالمقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى. وأما القول الثاني: فضعيف أيضاً، لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة، وذلك غير مختص بشخص معين، بل أيما حصل التفاوت في الصفات المذكورة حصل المقصود، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} هذا مَثَلٌ آخر ضربه الله تعالى لنفسه وللوثَنَ، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى؛ قاله قَتادة وغيره. وقال ابن عباس: الأبكم عبد كان لعثمان رضي الله عنه، وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى، ويأمر بالعدل عثمانُ. وعنه أيضاً أنه مَثَلٌ لأبي بكر الصدّيق ومولًى له كافر. وقيل: الأبكم أبو جهل، والذي يأمر بالعدل عَمّار بن ياسر العَنْسِيّ، وعَنْس (بالنون) حَيّ من مَذْحِج، وكان حليفاً لبني مخزوم رهط أبي جهل، وكان أبو جهل يعذبه على الإسلام ويعذب أمّه سُمَيّة، وكانت مولاة لأبي جهل، وقال لها ذات يوم: إنما آمنت بمحمد لأنك تحبّينه لجماله، ثم طعنها بالرمح في قُبُلِها فماتت، فهي أوّل شهيد مات في الإسلام، رحمها الله. من كتاب النقاش وغيره. وسيأتي هذا في آية الإكراه مبيَّنا إن شاء الله تعالى. وقال عطاء: الأبكم أبَيّ بن خلَف، كان لا ينطق بخير. {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} أي قومه لأنه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مَظْعُون. وقال مقاتل: نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث، كان كافراً قليلَ الخير يعادي النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الأبكم الكافرُ، والذي يأمر بالعدل المؤمنُ جملةً بجملة؛ روي عن ابن عباس وهو حَسَن لأنه يَعُمّ. والأبكم الذي لا نطق له. وقيل الذي لا يعقل. وقيل الذي لا يسمع ولا يبصر. وفي التفسير إن الأبكم هنا الوَثَنُ. بيّن أنه لا قدرة له ولا أمر، وأن غيره ينقله ويَنْحِته فهو كَلٌّ عليه. والله الآمر بالعدل، الغالب على كل شيء. وقيل: المعنى «وهو كَلٌّ على مولاه» أي ثِقْل على وَلِيّه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه. وقد يسمَّى اليتيم كَلاًّ لثقله على من يكفله؛ ومنه قول الشاعر:شعر : أكُولٌ لمال الكَلّ قبل شبابه إذا كان عظم الكَلّ غيرَ شديد تفسير : والكَلُّ أيضاً الذي لا ولد له ولا والد. والكَلُّ العيال، والجمع الكُلُول؛ يقال منه: كَلّ السكينُ يَكِلّ كَلاًّ أي غلظت شفرته فلم يقطع. {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} قرأ الجمهور «يُوَجِّهُّه» وهو خط المصحف؛ أي أينما يرسله صاحبه لا يأت بخير، لأنه لا يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يُفهم عنه. وقرأ يحيـى بن وَثّاب «أينما يُوَجَّهُ» على الفعل المجهول. وروي عن ابن مسعود أيضاً «تَوَجّه» على الخطاب. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي هل يستوي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل على الصراط المستقيم.

البيضاوي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } ولد أخرس لا يَفْهمُ وَلا يُفْهِمُ. {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} من الصنائع والتدابير لنقصان عقله. {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } عيال وثقل على من يلي أمره. {أَيْنَمَا يُوَجّههُّ } حيثما يرسله مولاه في أمر، وقرىء {يوجه} على البناء للمفعول و {يوجه} بمعنى يتوجه كقوله أينما أوجه ألق سعداً وتوجه بلفظ الماضي. {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} ينجح وكفاية مهم. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } ومن هو فهم منطيق ذو كفاية ورشد ينفع الناس بحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل. {وَهُوَ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو في نفسه على طريق مستقيم لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي، وإنما قابل تلك الصفات بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلهما، وهذا تمثيل ثان ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام لإِبطال المشاركة بينه وبينها أو للمؤمن والكافر.

ابن كثير

تفسير : قال مجاهد: وهذا أيضاً المراد به الوثن والحق تعالى، يعني: أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء بالكلية، فلا مقال ولا فعال، وهو مع هذا كَلّ، أي: عيال وكلفة على مولاه {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ} أي: يبعثه {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} ولا ينجح مسعاه {هَلْ يَسْتَوِى} من هذه صفاته {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} أي: بالقسط، فمقاله حق، وفعاله مستقيمة {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وقيل: الأبكم مولى لعثمان، وبهذا قال السدي وقتادة وعطاء الخراساني، واختار هذا القول ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس: هو مثل للكافر والمؤمن أيضاً كما تقدم، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، حدثنا حماد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم عن إبراهيم عن عكرمة، عن يعلى بن أمية عن ابن عباس في قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ} قال: نزلت في رجل من قريش وعبده، يعني: قوله: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا} الآية، وفي قوله: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [النحل: 76] قال: هو عثمان بن عفان: قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأت بخير، قال: هو مولى لعثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه، وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } ويبدل منه {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } وُلِد أخرس {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء } لأنه لا يُفهم ولا يفهِم {وَهُوَ كَلٌّ } ثقيل {عَلَىٰ مَوْلاهُ } وليّ أمره {أَيْنَمَا يُوَجّههُّ } يصرفه {لاَ يَأْتِ } منه {بِخَيْرٍ } (ينجح) وهذا مثل الكافر {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ } الأبكم المذكور {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } أي ومن هو ناطق نافع للناس حيث يأمر به ويحث عليه {وَهُوَ عَلَىٰ صِرٰطٍ } طريق {مُّسْتَقِيمٍ } وهو الثاني المؤمن؟ لا، وقيل هذا مثل لله، و(الأبكم) للأصنام والذي قبله مثل الكافر والمؤمن.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكمُ لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأْتِ بخير هل يستوي هو ومن يأمُرُ بالعدل وهو على صراط مستقيم} اختلف المفسرون في المثل المضروب بهذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى، وهذا معنى قول قتادة. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالأبكم: الكافر، والذي يأمر بالعدل: المؤمن، قاله ابن عباس. الثالث: أن الأبكم: عبد كان لعثمان بن عفان رضي الله عنه كان يعرض عليه الإسلام فيأبى. ومن يأمر بالعدل: عثمان، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً.

ابن عطية

تفسير : هذا مثل لله عز وجل والأصنام، فهي كالأبكم الذي لا نطق له ولا يقدر على شيء وهو عيال على من والاه من قريب أو صديق، و"الكَلّ" الثقل والمؤنة، وكل محمول فهو كَلّ، وسمي اليتيم كلاً، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : أكول المال الكَلِّ قبل شبابه إذا كان عظم الكَلِّ غير شديد تفسير : كما الأصنام تحتاج إلى أن تنقل وتخدم ويتعذب بها ثم لا يأتي من جهتها خير البتة، هذا قول قتادة، وقال ابن عباس: هو مثل للكافر، وقرأ ابن مسعود "يوجه"، وقرأ علقمة "يوجِّهُ" وقرأ الجمهور، "يوجهه"، وهي خط المصحف، وقرأ يحيى بن وثاب "يُوجَّه"، وقرأ ابن مسعود أيضاً "توجهه" على الخطاب، وضعف أبو حاتم قراءة علقمة لأنه لازم، والذي {يأمر بالعدل} هو الله تعالى، وقال ابن عباس: هو المؤمن. و"الصراط" الطريق، وقوله {ولله غيب السماوات والأرض} الآية، أخبر الله تعالى أن الغيب له يملكه ويعلمه، وقوله {وما أمر الساعة} آية إخبار بالقدرة وحجة على الكفار، والمعنى على ما قال قتادة وغيره: ما تكون الساعة وإقامتها في قدرة الله إلا أن يقول لها كن، فلو اتفق أن يقف على ذلك محصل من البشر لكانت من السرعة بحيث يشك هل هي كلمح البصر أو هي أقرب من ذلك، فـ {أو} على هذا على بابها في الشك، وقيل هي للتخيير، و"لمح البصر" هو وقوعه على المرئي، وقوى هذا الإخبار بقوله {إن الله على كل شيء قدير}. ومن قال {وما أمر الساعة} له وما إتيانها ووقوعها بكم على جهة التخويف من حصولها ففيه بعد تجوز كثير، وبُعْد من قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين"تفسير : ، ومن ذكره ما ذكر من أشراط الساعة ومهلتها، ووجه التأويل أن القيامة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب {كلمح البصر} كما يقال: ما السنة إلا لحظة، إلا أن قوله {أو هو أقرب} يرد أيضاً هذه المقالة، وقوله {والله أخرجكم} الآية، آية تعديد نعمة بينة لا ينكرها عاقل، وهي نعمة معها كفرها وتصريفها في الإشراك بالذي وهبها، فالله عز وجل أخبر بأنه أخرج ابن آدم لا يعلم شيئاً، ثم جعل حواسه التي قد وهبها له في البطن سلماً إلى درك المعارف، ليشكر على ذلك ويؤمن بالمنعم عليه، و"أمهات" أصله أمات، وزيدت الهاء مبالغة وتأكيداً، كما زادوا الهاء في أهرقت الماء، قاله أبو إسحاق، وفي هذا المثل نظر وقول غير هذا، وقرأ حمزة والكسائي "إمهاتكم" بكسر الهمزة، وقرأ الأعمش "في بطون أمِّهاتكم" بحذف الهمزة وكسر الميم المشددة، وقرأ ابن أبي ليلى بحذف الهمزة وفتح الميم مشددة، قال أبو حاتم: حذف الهمزة ردي ولكن قراءة ابن أبي ليلى أصوب والترجي الذي في "لعل" هو بحسبنا، وهذه الآية تعديد نعم وموضع اعتبار، وقوله {ألم تروا إلى الطير} الآية، وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش وابن هرمز "ألم تروا" بالتاء، وقرأ أهل مكة والمدينة "ألم يروا" بالياء على الكناية عنهم، واختلف عن الحسن وعاصم وأبي عمرو وعيسى الثقفي، و"الجو" مسافة ما بين السماء والأرض، وقيل هو ما يلي الأرض منها، وما فوق ذلك هو اللوح، و"الآية" عبرة بينة تفسيرها تكلف بحت.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَّجُلَيْنِ} مثل لله ـ تعالى ـ وللوثن الأبكم الذي لا يقدر على شيء، والذي يأمر بالعدل هو الله ـ عز وجل ـ، أو الأبكم: الكافر، والذي يأمر بالعدل المؤمن "ع"، أو الأبكم غلام لعثمان بن عفان ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان يعرض عليه الإسلام فيأبى والذي يأمر بالعدل عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ.

النسفي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ} الأبكم الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } أي ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة فهو يأمر الناس بالعدل والخير {وَهُوَ } في نفسه {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } على سيرة صالحة ودين قويم، وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمته وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه، أو أراد بغيب السماوات والأرض يوم القيامة على أن علمه غائب عن أهل السماوات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ } في قرب كونها وسرعة قيامها {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ } كرجع طرف، وإنما ضرب به المثل لأنه لا يعرف زمان أقل منه {أَوْ هُوَ } أي الأمر {أَقْرَبُ } وليس هذا لشك المخاطب ولكن المعنى، كونوا في كونها على هذا الاعتبار. وقيل: بل هو أقرب {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق لأنه بعض المقدورات ثم دل على قدرته بما بعده فقال:

ابو السعود

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} أي مثلاً آخرَ يدل على ما دل عليه المثلُ السابقُ على وجه أوضحَ وأظهرَ وبعد ما أبهم ذلك لتنتظرَ النفسُ إلى وروده وتترقبه حتى يتمكّن لديها عند ورودِه (فضل تمكن) بـيّن فقيل: {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} وهو من وُلد أخرسَ {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء} من الأشياء المتعلّقةِ بنفسه أو بغيره بحدْس أو فراسة لقِلة فهمِه وسوءِ إدراكِه {وَهُوَ كَلٌّ} ثِقَلٌ وعِيالٌ {عَلَىٰ مَوْلاهُ} على مَن يعوله ويلي أمرَه، وهذا بـيانٌ لعدم قدرتِه على إقامة مصالحِ نفسه بعد ذكر عدم قدرتِه على شيء مطلقاً، وقوله تعالى: {أَيْنَمَا يُوَجّههُّ} أي حيث يرسله مولاه في أمر، بـيانٌ لعدم قدرتِه على إقامة مصالحِ مولاه ولو كانت مصلحةً يسيرة، وقرىء على البناء للمفعول وعلى صيغة الماضي من التوجه {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} بنُجْح وكفايةِ مُهمّ البتةَ. {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ} مع ما فيه من الأوصاف المذكورةِ {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} أي مَنْ هو مِنطيقٌ فهِمٌ ذو رأي وكفاية ورشد ينفع الناسَ بحثهم على العدل الجامع لمجامعِ الفضائل {وَهُوَ} في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ومقابلةُ الصفاتِ المذكورة عدمُ استحقاقِ المأمورية، وملخصُ هذين استحقاقُ كمالِ الآمرية المستتبِعِ لحيازة المحاسنِ بأجمعها، وتغيـيرُ الأسلوب حيث لم يقل: والآخر آمرٌ بالعدل الآية، لمراعاة الملاءمةِ بـينه وبـين ما هو المقصودُ من بـيان التبايُنِ بـين القرينتين. واعلم أن كلاًّ من الفعلين ليس المرادُ بهما حكايةَ الضربِ الماضي بل المرادُ إنشاؤُه بما ذُكر عَقيبه، ولا يبعُد أن يقال: إن الله تعالى ضرب مثلاً بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقُهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بـينه سبحانه وبـين ما يشركون، فيكون كلٌّ من الفعلين حكايةً للضرب الماضي. {وَللَّهِ} تعالى خاصةً لا لأحد غيرِه استقلالاً ولا اشتراكاً {غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي الأمورُ الغائبةُ عن علوم المخلوقين قاطبةً بحيث لا سبـيلَ لهم إليها لا مشاهدةً ولا استدلالاً، ومعنى الإضافةِ إليهما التعلقُ بهما إما باعتبار الوقوعِ فيهما حالاً أو مآلاً وإما باعتبار الغَيبة عن أهلهما، والمرادُ بـيانُ الاختصاصِ به تعالى من حيث المعلوميةُ حسبما ينبىء عنه عنوانُ الغيبـية لا من حيث المخلوقيةُ والمملوكيةُ وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر، وفيه إشعارٌ بأن علمه سبحانه حضوريٌّ فإن تحقق الغيوبِ في أنفسها عِلمٌ بالنسبة إليه تعالى، ولذلك لم يقل: ولله علمُ غيبِ السموات والأرض {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} التي هي أعظمُ ما وقع في المماراةُ من الغيوب المتعلقة بهما من حيث غيبتُها عن أهلهما أو ظهورُ آثارها فيهما عند وقوعها، فأن وقتَ وقوعها بعينه من الغيوب المختصة به سبحانه وإن كانت آنيّتُها من الغيوب التي نُصبت عليها الأدلة، أي ما شأنُها في سرعة المجيء {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} أي كرجع الطرفِ من أعلى الحدَقة إلى أسفلها {أَوْ هُوَ} أي بل أمرُها فيما ذكر {أَقْرَبُ} من ذلك وأسرعُ زماناً بأن يقع في بعضٍ من زمانه، فإن ذلك ـ وإنْ قصُر ـ حركةٌ آنيةٌ لها هُوِيةٌ اتصاليةٌ منطبقةٌ على زمان له هويةٌ كذلك قابلٌ للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة أيضاً، بل في آن غيرِ منقسمٍ من ذلك الزمان وهو آنُ ابتداءِ تلك الحركةِ، أو ما أمرُها إلا كالشيء الذي يُستقرب ويقال: هو كلمح البصر، أو هو أقرب. وأياً ما كان فهو تمثيلٌ لسرعة مجيئها حسبما عبّر عنها في فاتحة السورة الشريفة بالإتيان. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} ومن جملة الأشياء أن يجيء بها أسرعَ ما يكون فهو قادرٌ على ذلك، أو وما أمرُ إقامةِ الساعة ـ التي كُنهُها وكيفيتُها من الغيوب الخاصةِ به سبحانه، وهي إماتةُ الأحياءِ وإحياءُ الأمواتِ من الأولين والآخرين، وتبديلُ صورِ الأكوان أجمعين، وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبـيل ما لا يدخُل تحت الإمكان في سرعة الوقوعِ وسهولةِ التأتي ـ إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من الوجهين إن الله على كل شيء قدير فهو قادر على ذلك لا محالة، وقيل: غيبُ السموات والأرض عبارةٌ عن يوم القيامة بعينه لما أن علمه بخصوصه غائبٌ عن أهلهما، فوضْعُ الساعة موضعَ الضمير لتقوية مضمونِ الجملة.

القشيري

تفسير : هذا المَثلُ أيضاً للمؤمن والكفار؛ فالكافر كالجاهل الأبكم الذي لا يجيء منه شيءٌ، ولا يحصل منه نفع، والمؤمن على الصراط المستقيم يتبرأ عن حَوْلِه وقُوَّتِه، ولا يعْترف إلا بطوْلِه - سبحانه - ومِنَّتِه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وضرب الله مثلا} آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على اوضح وجه واظهره {رجلين}. قال فى الكواشى تقديره مثلا مثل رجلين فمثلا الاول مفعول والثانى بدل منه او بيان فحذف الثانى واقيم مقامه رجلين {احدهما ابكم} وهو من ولد اخرس ولا بد ان يكون اصم كما قال الكاشفى [وبى شبهه كنك ما در زاد نشود]{لا يقدر على شئ} من الاشياء المتعلقة بنفسه او بغيره بحدس او فراسة لقلة فهمه وسؤ ادراكه {وهو كل على مولاه} ثقل وعيال على من يعوله ويلى امره وهذا بيان لعدم قدرته على اقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شئ مطلق {اينما يوجهه} اى حيث يرسله مولاه فى امره وكفاية مهم وهو بيان لعدم قدرته على اقامة مصالح مولاه ولو كانت مصلحة يسير {لا يأت بخير}[باز نيامد به نيكويى يعنى كارى نسازد وكفايتى نكند لا يفهم ولا يفهم]{هل يستوى هو} [آيا برابر باشد اين ابكم] مع ما فيه من الاوصاف المذكورة {ومن يأمر بالعدل} اى من هو منطيق فهم ذور أى وكفاية ورشد ينفع الناس بحثهم على العدل الجامع لجميع الفضائل والمكارم وهذا كسحبان وباقل فان سحبان كان رجلا فصيحا بليغا متكلما بحيث لا يقطع الكلام ولو سرده يوما وليلة ولا يكرر ولو اقتضى الحال فبعبارة اخرى لا يتنحنح وان باقلا كان رجلا اشترى ظبيا باحد عشر درهما فسئل عن شرائه ففتح كفيه واخرج لسانه يشير الى ثمنه فانفلت الظبى فضرب به المثل فى العى {وهو} فى نفسه مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام {على صراط مستقيم}[برراهى راستست وسيرتى درست وطريقة بسنديده كه بهر مطلب كه توجه نمايد زود بمقصد ومقصود رسد بس جنانكه بجاهل مساوى اين كامل فاضل نيست بس بتان بى اعتبار را مساوت باحضرت بروردكار جل شانه نباشد]. وقال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام فيما ابهم من القرآن. ان الابكم هو ابو جهل واسمه عمر و بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. والذي يأمره بالعد لعمار بن ياسر العنسى وعنس بالنون حى من مدلج وكان حليفا لبنى مخزوم رهط ابى جهل وكان ابو جهل يعذبه على الاسلام ويعذب امه سمية وكانت مولاة لابى جهل وقال لها ذات يوم انما آمنت بمحمد لانك تحبينه لجماله ثم طعنها بالرمح فى فيها فماتت فكانت اول شهيده فى الاسلام. وفى الآية اشارة الى ان النفس الامارة لا تقدر على شئ من الخير لان من شأنها متابعة هواها ومخالفة مولاها وان الروح من شأنه ان يأمر النفس بطاعة الله وحسن عبوديته كما ان النفس تأمر الروح بمعاصى الله وعبودية هواها فالتوفيق فى جانب الروح واعداء المؤمن ثلاثة النفس والشيطان والدنيا فحارب النفس بالمخالفة وحارب الشيطان بالذكر وحارب الدنيا بالقناعة. وعن حكيم نفسك لصك فاحفظها وهى عدوك فجاهدها كذا فى الخالصة.

الطوسي

تفسير : قيل في معنى ضرب هذا المثل قولان: أحدهما - انه مثل ضربه الله في من يؤملّ الخير من جهته، وفي من لا يؤملّ؛ فيؤمل الخير كله من الله تعالى، لا من جهة الأوثان والعباد، فلا ينبغي أن يسوّى بينهما في العبادة. الثاني - انه مثل للكافر والمؤمن، ووجه التقابل في ضرب المثل بهذين الرجلين أنه على تقدير: ومن هو بخلاف صفته {يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} في تدبير الأمور بالحق، وهذا زيادة في ضرب المثل من الله تعالى، فإِنه يقول: ان الرجلين إِذا كان أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو الذي لا يسمع شيئاً ولا يبصر، ولا يعقل، وهو مع ذلك {كلٌّ على مولاه} أي وليّه {أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} مع كونه {على صراط مستقيم} والمراد أنهما لا يستويان قط. والأبكم الذي يولد أخرس لا يفهم ولا يفهم. وقيل: أنه ضرب المثل للوثن مع إِنهماكهم على عبادته، وهو بهذه الصفة. وقيل: الأبكم هو الذي لا يمكنه أن يتكلم. والكَلّ الثقل: كلَّ عن الأمر يكل كلا إِذا ثقل عليه، فلم ينبعث فيه؛ وكلت السكين كلولا إِذا غلظت شفرتها، وكل لسانه إِذا لم ينبعث في القول لغلظه وذهاب حده، فالأصل الغلظ الذي يمنع من النفوذ في الأمر. وقوله {وهو على صراط مستقيم} أي هو مع أمره بالعدل، على طريق من الحق في دعائه إِلى العدل فأمره به مستقيم لا يعوّج ولا يزول عنه.

الجنابذي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} للشّركاء ولنفسه او للكافر والمؤمن او لعلىّ (ع) ولاعدائه ومخالفيه {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} ولد اخرس لا ينطق ولا يفهم نطق غيره {لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} من النّطق وسائر الافعال كمن كان جميع حواسّه وجميع قواه المحرّكة معطّلة {وَهُوَ كَلٌّ} ثقل {عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} يعنى من كان متّصفاً بالعدل فى جميع احواله واقواله وافعاله ويعرف العدل فى جميع موارده ويأمر غيره بالعدل لأنّ الامر بالعدل يسلتزم الاتّصاف به ومعرفته فى جميع موارده، وللاشارة الى هذا قال {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} اى على التّوسّط بين طرفى الافراط والتّفريط فى جميع ما ذكر.

الهواري

تفسير : قال: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ}، أي: لا يتكلم، يعني الوثن { لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ} أي: على وليه الذي يتولاه ويعبده، أي: إنه عمله بيده وينفق عليه كسبه ويعبده ويتولاه {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ} هذه العابد له، يعني دعاءه إياه { لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ} أي: هذا الوثن { وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} وهو الله { وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [وهو الله]. قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: يعلم غيب السماوات ويعلم غيب الأرض { وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أي: بل هو أقرب من لمح البصر، ولمح البصر يعني أنه يلمح مسيرة خمسمائة عام إلى السماء، يعني سرعة البصر. { إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ}. قوله: { وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا هذه النعم. قوله: { أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ} أي: متحلقات في جو السماء، فيما بين السماء والأرض، وهي كلمة عربية، كقوله: (أية : وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)تفسير : [إبراهيم:24] يعني بذلك طولها. أي: ما ارتفع فقد سما. كذلك الطير متحلقة في السماء، أي: قد سمت، والسمو من الارتفاع. { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ}. يبيّن قدرته للمشركين. يقول: هل تصنع آلهتكم شيئاً من هذا. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} أي: يصدّقون، وهي مثل الأولى.

اطفيش

تفسير : {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْن أَحَدُهُما أَبْكَمُ} ولد أخرس لا يتكلم فهو لا يفهم بنفسه ولا يفهم غيره والأَخرس من لا يتكلم ولد كذلك أو حدث إِليه فهو أعم من الأَبكم لأَن الأَبكم من ولد كذلك {لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ} من الصنعة والتدبير لأَنه كما مر لا يفهم ولا يفهم فهو عاجز عجزاً تاماً وناقص نقصاً كاملا، {وَهُوَ كَلُّ} ثقيل المؤونة أو هو غليظ من قولك كل السيف إِذا غلظت شفرته وكل وكل اللسان إِذا عى {عَلَى مَوْلاَهُ} أى على من يقضى له ما يحتاج إِليه ويتضرر به ولا ينتفع منه بشىء {أَيْنَمَا يُوَجِّههُ} أى يرسله فى جلب نفع أو دفع ضر ولو لنفسه، وقرأ ابن مسعود اينما يوجه بالبناء للمفعول وهاء واحدة وقرىء يوجه بضم الياء وإِسكان الواو وكسر الجيم بمعنى يتوجه كما قرىء أينما توجه بفتحات على الماضوية، {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} بشئ حسن من جلب أو نفع فضلا عن أن يَأتى به بلا توجيه وذلك كناية عن كونه لا يتوجه أصلا إِلى ما وجه إِليه فضلا عن أن يأْتى بخير لأَنه يفهم ولا يفهم فكيف يفهم التوجيه حتى يتوجه وإِن فرضنا أنه توجه وفهم فهو لا يأْت بخير، وفى الكلام حذف تقديره والله أعلم والآخر يبلغ النطق مستقل بنفسه يجلب النفع ويدفع الضر ودل على ذلك قوله عز وجل {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ} أى ذلك الأَبكم الكل الذى لا يأْتى بخير وذلك مثل للأَصنام إِذ لا تنطق وتضر ولا تنفع ولا تعقل وهى ثقيلة على من يعبدها بالنقل والخدمة والذبح لها وقيل هو أبو جهل، {وَمَن يَأْمُرُ} غيره، {بِالْعَدْلِ} الشامل للفضائل فهو نافع الناس بأمره به، {وَهُوَ} فى نفسه، {عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} سيرة حسنة من دين ومكارم الأَخلاق فى نفسه ولغيره ولذلك استقام له الأَمر بالعدل وهذا مثل لله وليس المراد أنه يوصف بالسيرة ومكارم الأَخلاق وهو مقابل للأصنام، وقيل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مقابل لأَبى جهل وقيل الأَبكم الكافر والآمر بالعدل المؤمن وقيل الأَبكم أبى ابن خلف ومن يأْمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون رضى الله عنهما زاد قومنا عثمان بن عفان، وقيل هو والأَبكم مولى له بأَمره بالإِسلام ويأْمره المولى بالإِمساك عن النفقة ويجوز أن يكون الصراط المستقيم كناية عن أنه لا يتوجه إِلى مطلب إلا بلغه بأقرب سعى لاستقامة طريقه إِليه بل هذا أنسب بقوله لا يأْتى بخير فيكون قابل تلك الصفات بالعدل والكون على صراط مستقيم لأَنهما من أكمل ما يقابلها والاستفهام كما مر إِنكار وتوبيخ.

اطفيش

تفسير : {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} ولد أخرس، لا يتكلم، ومن ولد كذلك فهو لا يسمع، فهو لا يفهم، إلا بالإشارة، والتجربة والوجدانيات والبصر والمس والذوق. {لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَئٍ} من الأمر بالعدل، ومن السيرة الحسنة أدبًا وشرعًا، ومن المنافع الصنائع لنقص عقله. {وَهُوَ كَلٌّ} ثقيل فى الغالب {عَلَى مَوْلاَهُ} من بلى أمره من أب أو عم أو قائم ما أو سيد. {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ} مولاه فى أمر خير {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} مراد أو خير غير مراد، بل يأت بشر أولا به ولا يخبر، والرجل الآخر مذكور فى قوله عز وجل: {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أى والفصيح الذى يأمر الناس بالعدل ويرشدهم إلى مصالحهم، وينفعهم وهو فى نفسه مهتد متمكن من الدين، تمكن الراكب على المركوب، ولذا قال: على صراط، ولم يقل فى صراط، وهو خفيف على أهله، ذو صنائع إذا قصد أمرا تلقّاه، فأين هذا من الذى يشمله المثل السائر: أينما أوجه ألق سعداً، رجل يسمى أخبط رئيس قومه، وهم سعد جفوه، فارتحل عنهم إِلى قوم فوجدهم قد جفوا سيدهم، كما جفاه قومه، أى أينما أوجه ألق عشيرة كعشيرتى فى الجفاء، وليس سعد رجلا شريرًا كما قيل، بل عشيرته شريرة. وهذا المثل المضروب دفع المشاركة الأصنام الله جل وعلا أو دفع لمساواة الكفرة للمؤمنين، وكونه آمرا بالعدل، وكونه على صراط مستقيم كما ما يناقض البكامة والعجز والثقل، وعدم الإتيان يخير اللاتى هن صفة الأصنام، لا نفع فيها، وتحتاج إِلى حاملها وماسح الأذى عنها، وقيل: الأبكم أبو جهل، والآمر بالعدل عمار رضى الله عنه، وقيل: الأبكم أُبىّ بن خلف، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون، ولا يصح ذلك. وعلى صحته المراد التمثيل، أو يعتبر أن خصوص السبب لا يبطل عموم الحكم فى اللفظ، وقيل: فى عثمان بن عفان، وعبدٌ له كافر يسمى أسيد بن العيص، ينفقه عثمان ويقوم بمصالحه، ويأمره بالتوحيد والصدقة، فيخالفه ويعكس.

الالوسي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} أي مثلا آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على وجه أظهر وأوضح، وأبهم ثم بين بقوله تعالى: {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} لما تقدم والبكم الخرس المقارن للخلقة ويلزمه الصمم فصاحبه لا يفهم لعدم السمع ولا يفهم غيره لعدم النطق، والإشارة لا يعتد بها لعدم تفهيمها حق التفهيم لكل أحد فكأنه قيل: أحدهما أخرس أصم لا يفهم ولا يفهم {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء} من الأشياء المتعلقة بنفسه أو غيره بحدس أو فراسة لسوء فهمه وإدراكه {وَهُوَ كَلٌّ } ثقيل وعيال {عَلَىٰ مَوْلاهُ } على من يعوله ويلي أمره، وهذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته مطلقاً، وقوله سبحانه:/ {أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} أي حيثما يرسله مولاه في أمر لا يأت بنجح وكفاية مهم، بيان لعدم قدرته على مصالح مولاه. وقرأ عبد الله في رواية {توجهه} على الخطاب، وقرأ علقمة وابن وئاب ومجاهد وطلحة وهي رواية أخرى عن عبد الله {يوجه} بالبناء للفاعل والجزم، وخرج على أن الفاعل يعود على المولى والمفعول محذوف وهو ضمير الأَبكم أي يوجهه، ويجوز أن يكون ضمير الفاعل عائداً على الأبكم ويكون الفعل لازم وجه بمعنى توجه، وعلى ذلك جاء قول الأضبط بن قريع السعدي:شعر : أينما أوجه ألق سعدا تفسير : وعن علقمة وطلحة وابن وثاب أيضاً {يوجه} بالجزم والبناء للمفعول، وفي رواية أخرى عن علقمة وطلحة أنهما قرءا {يوجه} بكسر الجيم وضم الهاء، قال صاحب "اللوامح": فإن صح ذلك فالهاء التي هي لام الفعل محذوفة فراراً من التضعيف أو لم يرد ـ بأينما ـ الشرط، والمراد أينما هو يوجه وقد حذف منه ضمير المفعول به فيكون حذف الياء من آخر {يَأْتِ} للتخفيف، وتعقبه أبو حيان بأن أين لا تخرج عن الشرط أو الاستفهام. ونقل عن أبـي حاتم أن هذه القراءة ضعيفة لأن الجزم لازم، ثم قال: والذي توجه به هذه القراءة أن {أَيْنَمَا} شرط حملت على إذا بجامع ما اشتركا فيه من الشرط ثم حذفت ياء {يَأْتِ} تخفيفاً أو جزم على توهم أنه جيء بأينما جازمة كقراءة من قرأ ـ {إنه من يتقِ ويصبر} [يوسف: 90] ـ في أحد الوجهين، ويكون معنى يوجه يتوجه كما مر آنفاً. {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ } أي ذلك الأبكم الموصوف بتلك الصفات المذكورة {وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } ومن هو منطيق فهو ذو رأي ورشد يكفي الناس في مهماتهم وينفعهم بحثهم على العدل الجامع لمجامع الفضائل {وَهُوَ } في نفسه مع ما ذكر من نفعه الخاص والعام {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي، فالجملة حالية مبينة لكماله في نفسه ولما كان ذلك مقدماً على تكميل الغير أتى بها اسمية فإنها تشعر بذلك مع الثبوت إلى مقارنة ذي الحال، فلا يقال: الأنسب تقديمها في النظم الكريم، ومقابلة تلك الصفات الأربع بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلها ونهايته فاختير آخر صفات الكامل المستدعية لما ذكر وأزيد حيث جعل هادياً مهدياً، وتغيير الأسلوب حيث لم يقل: والآخر يأمر بالعدل الآية لمراعاة الملاءمة بينه وبين ما هو المقصود من بيان التباين بين الفريقين، ويقال هنا كما قيل في المثل السابق: إنه حيث لم يستو الفريقان في الفضل والشرف مع استوائهما في الماهية والصورة فلأن يحكم بأن الصنم الذي لا ينطق ولا يسمع وهو عاجز لا يقدر على شيء كَلٌّ على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويمسح عنه الأذى إذا وقع عليه ويخدمه وإن وجهه إلى أي مهم من مهماته لا ينفعه ولا يأت له به لا يساوي رب العالمين وهو ـ هو ـ في استحقاق المعبودية أحرى وأولى، وقيل: هذا تمثيل للمؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر ومن يأمر بالعدل هو المؤمن، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأياً ما كان فليس المراد ـ برجلين ـ رجلان معينان بل رجلان متصفان بما ذكر من الصفات مطلقاً، وما روي من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار أو الأبكم أبـي ابن خلف والآمر عثمان بن مظعون فقال أبو حيان: لا يصح إسناده، وما أخرج ابن جرير وابن عساكر وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ } الخ في عثمان بن عفان ومولى له كافر وهو أسيد بن أبـي العيص كان يكره الإسلام وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف فنزلت فيهما فبعد تحقق/ صحته لا يضرنا في إرادة الموصوفين مطلقاً بحيث يدخل فيهما من ذكر. فقد صرحوا بأن خصوص السبب لا ينافي العموم. هذا وقد اقتصر شيخ الإسلام على كون الغرض من التمثيلين نفي المساواة بينه جل جلاله وبين ما يشركون، وهو دليل على أنه مختاره ثم قال: اعلم أن كلا الفعلين ليس المراد بهما حكاية الضرب الماضي بل المراد إنشاؤه بما ذكر عقيبه، ولا يبعد أن يقال: إن الله تعالى ضرب مثلاً بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وتعالى وبين ما يشركون فيكون كل من الفعلين حكاية للضرب الماضي اهـ، ولا يخفى أنه لا كلام في حسن اختياره لكن في النفس من قوله لا يبعد شيء.

ابن عاشور

تفسير : هذا تمثيل ثانٍ للحالتين بحالتين باختلاف وجه الشبّه. فاعتبر هنا المعنى الحاصل من حال الأبكم، وهو العجز عن الإدراك، وعن العمل، وتعذّر الفائدة منه في سائر أحواله؛ والمعنى الحاصل من حال الرجل الكامل العقل والنّطق في إدراكه الخيرَ وهديه إليه وإتقانِ عمله وعمل من يهديه، ضربه الله مثلاً لكماله وإرشاده الناس إلى الحقّ، ومثلاً للأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا تضرّ. وقد قرن في التمثيل هنا حال الرجلين ابتداء، ثم فصل في آخر الكلام مع ذكر عدم التّسوية بينهما بأسلوب من نظم الكلام بديع الإيجاز، إذ حذف من صدر التمثيل ذكر الرجل الثاني للاقتصار على ذكره في استنتاج عدم التسوية تفنّناً في المخالفة بين أسلوب هذا التمثيل وأسلوب سابقه الذي في قوله تعالى: {أية : ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً} تفسير : [سورة النحل: 75]. ومثْل هذا التفنّن من مقاصد البلغاء كراهية للتكرير لأن تكرير الأسلوب بمنزلة تكرير الألفاظ. والأبكم: الموصوف بالبَكم بفتح الباء والكاف وهو الخَرَس في أصل الخلقة من وقت الولادة بحيث لا يفهم ولا يُفهم. وزيد في وصفه أنه زَمِنٌ لا يقدر على شيء. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : صم بكم عمي} تفسير : في أول سورة البقرة (18). والكَلّ بفتح الكاف العالَة على الناس. وفي الحديث حديث : مَن تَرَك كَلاّ فعليناتفسير : ، أي من ترك عِيالاً فنحن نكفلهم. وأصل الكلّ: الثّقَل. ونشأت عنه معانٍ مجازية اشتهرت فساوت الحقيقة. والمولى: الذي يلي أمر غيره. والمعنى: هو عالة على كافله لا يدبّر أمر نفسه. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : بل الله مولاكم} تفسير : في سورة آل عمران (15)، وقوله تعالى: {أية : وردّوا إلى الله مولاهم الحقّ} تفسير : في سورة يونس (30). ثم زاد وصفه بقلّة الجدوى بقوله تعالى: {أينما يوجّهه}، أي مولاه في عمل ليعمله أو يأتي به لا يأتِ بخير، أي لا يهتدي إلى ما وجّه إليه، لأن الخير هو ما فيه تحصيل الغرض من الفعل ونفعه. ودلّت صلة {يأمر بالعدل} على أنه حكيم عالم بالحقائق ناصح للناس يأمرهم بالعدل لأنه لا يأمر بذلك إلا وقد علمه وتبصّر فيه. والعدل: الحقّ والصواب الموافق للواقع. والصراط المستقيم: المحجّة التي لا التواء فيها. وأطلق هنا على العمل الصالح، لأن العمل يشبّه بالسيرة والسلوك فإذا كان صالحاً كان كالسلوك في طريق موصلة للمقصود واضحة فهو لا يستوي مع من لا يعرف هدى ولا يستطيع إرشاداً، بل هو محتاج إلى من يكفله. فالأول مثَل الأصنام الجامدة التي لا تفقه وهي محتاجة إلى من يحرسها وينفض عنها الغبار والوسخ، والثاني مثل لكماله تعالى في ذاته وإفاضته الخير على عباده.

الواحدي

تفسير : {وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} من الكلام، لأنَّه لا يَفْهم ولا يُفهم عنه {وهو كَلٌّ} ثِقْلٌ ووبالٌ {على مولاه} صاحبه وقريبه {أينما يوجهه} يرسله {لا يأت بخير} لأنَّه عاجزٌ لا يَفهم ما يقال له، ولا يُفهم عنه {هل يستوي هو} أَيْ: هذا الأبكم {ومَنْ يأمر بالعدل} وهو المؤمن يأمر بتوحيد الله سبحانه {وهو على صراط مستقيم} دينٍ مستقيمٍ، يعني: بالأبكم أُبيَّ بن خلف، وكان كلاًّ على قومه؛ لأنَّه كان يؤذيهم، ومَن يأمر بالعدل حمزة بن عبد المطلب. {ولله غيب السمٰوات والأرض} أَيْ: علم ما غاب فيهما عن العباد {وما أمر الساعة} يعني: القيامة {إلاَّ كلمح البصر} كالنَّظر بسرعةٍ {أو هو أقرب} من ذلك إذا أردناه، يريد: إنه يأتي بها في أسرع من لمح البصر إذا أراده. {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} أَيْ: غير عالمين {وجعل لكم السَّمْعَ والأبصار} أَيْ: خلق لكم الحواسَّ التي بها يعلمون، ويقفون على ما يجهلون. {ألم يروا إلى الطير مسخرات} مذلَّلاتٍ {في جوِّ السماء} يعني: الهواء، وذلك يدلُّ على مُسخِّرٍ سخَّرها، ومدبِّرٍ مكَّنها من التَّصرُّف {ما يُمسكهنَّ إلاَّ الله} في حال القبض والبسط والاصطفاف. {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} موضعاً تسكنون فيه، ويستر عوراتكم وحرمكم، وذلك أنَّه خلق الخشب والمدر والآلة التي يمكن بها تسقيف البيوت {وجعل لكم من جلود الأنعام} يعني: الأنطاع والأدم {بيوتاً} وهي القباب والخيام {تستخفونها يوم ظعنكم} يخفُّ عليكم حملها في أسفاركم {ويوم إقامتكم} لا يثقل عليكم في الحالتين {ومن أصوافها} يعني: الضَّأن {وأوبارها} يعني: الإِبل {وأشعارها} ، وهي المعز {أثاثاً} طنافس وأكسية وبُسطاً {ومتاعاً} تتمتَّعون به {إلى حين} البلى. {والله جعل لكم مما خلق} من البيوت والشَّجر والغمام {ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً} يعني: الغِيران والأسراب {وجعل لكم سرابيل} قمصاً {تقيكم الحر} تمنعكم الحرَّ والبرد، [فترك ذكر البرد]؛ لأنَّ ما وقى الحرَّ وقى البرد، فهو معلوم {وسرابيل} يعني: دروع الحديد {تقيكم} تمنعكم {بأسكم} شدَّة الطَّعْن والضَّرب والرَّمي {كذٰلك} مثل ما خلق هذه الأشياء لكم {يتمُّ نعمته عليكم} يريد: نعمة الدُّنيا، والخطاب لأهل مكَّة {لعلَّكم تسلمون} تنقادون لربوبيته فتوحِّدونه. {فإن تولوا} أعرضوا عن الإِيمان بعد البيان {فإنما عليك البلاغ المبين} وليس عليك من كفرهم وجحودهم شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَوْلاهُ} {صِرَاطٍ} (76) - وَضَرَبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ وَلِلآلِهَةِ التِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَغَيْرِهَا، مَثَلَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَخْرَسُ أَصَمُّ لاَ يَفْهَمُ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ عَالَةٌ عَلَى مَنْ يَعُولُهُ وَيَلِي أَمْرَهُ، وَإِذا أَرْسَلَهُ مَوْلاَهُ فِي أَمْرٍ لاَ يَرْجِعُ بِنَجَاحٍ وَلاَ تَوْفِيقٍ. وَالآخَرُ رَجُلٌ سَوِيٌّ، سَلِيمُ الحَوَاسِّ، عَاقِلٌ يَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَنْفَعُ غَيْرَهُ، يَأْمُرُ النَّاسَ بِالعَدْلِ، وَهُوَ عَلَى سِيرَةٍ صَالِحَةٍ، وَدِينٍ قَوِيمٍ، فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ؟ وَكذَلِكَ الصَّنَمُ لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَنْطِقُ وَلاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ، وَهُوَ عَالَةٌ عَلَى َمْن يَصْعَنُهُ، وَهُوَ لاَ يَعْقِلُ وَلاَ يَنْطِقُ، فَهَلْ يَسْتَوِي هَذَا الصَّنَمُّ مَعَ اللهِ القَادِرِ القَاهِرِ، مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وَخَالِقِ كُلِّ شَيءٍ، وَمُدَبِّرِ أَمْرِ الوُجُودِ كُلِّهِ؟. وَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ عِبَادَهُ بِالعَدْلِ - وَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِهِ لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ. أَبْكَمُ - أَخْرَسُ خِلْقَةً. هُوَ كَلٌّ - عِبْءٌ وَعِيَالٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا مَثَلٌ آخر لرجلين أحدهما أبكم، والأبكم هو الذي لا يتكلم .. ولا بُدّ أن يسبق البكم صَمَمٌ؛ لأن الكلام وليد السَّمْع، فإذا أخذنا طفلاً عربياً وربَّيناه في بيئة إنجليزية نجده يتكلم الإنجليزية، والعكس صحيح؛ ذلك لأن الكلام ليس جنساً أو دماً أو لحماً، بل هو وليد البيئة، وما تسمعه الأذن ينطق به اللسان .. فإذا لم يسمع شيئاً فكيف يتكلم؟ لذلك، فربنا سبحانه تعالى يقول عن الكفار: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ ..} تفسير : [البقرة: 18]. هذا الأبكم لا يقدر على شيء من العمل والنفع لك، يقول تعالى: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ ..} [النحل: 76]. أي: عَالَة على سيده، لا ينفع حتى نفسه، ومع ذلك قد يكون عنده حكمة يقضي بها شيئاً لسيده، حتى هذه ليست عنده. {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ ..} [النحل: 76]. إذن: لا خيرَ فيه، ولا منفعةَ ألبتة، لا له ولا لغيره، هذه صفات الرجل الأول. فماذا عن مقابله؟ {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ..} [النحل: 76]. وهذه أول صفات الرجل الآخر، أنه يأمر بالعدل، وصفة الأمر بالعدل تقتضي أنه سمح منهجاً، ووعتْهُ أذنه، وانطلق به لسانه آمراً بالعدل، وهذه الصفة تقابل: الأبكم الذي لا يقدر على شيء. {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 76]. أي: أنه يذهب إلى الهدف مباشرة، ومن أقصر الطرق، وهذه تقابل: أينما يوجهه لا يَأْتِ بخير. والسؤال هنا أيضاً: هل يستويان؟ والإجابة التي يقول بها العقل: لا. وهذا مثَلٌ آخر للأصنام .. فهي لا تسمع، ولا تتكلم، ولا تُفصح، وهي لا تقدر على شيء لا لَها ولا لعابديها .. بل هي عَالَة عليهم، فهم الذين يأتون بها من حجارة الجبال، وينحتونها وينصبونها، ويُصلِحون كَسْرها، وهكذا هم الذين يخدمونها ولا ينتفعون منها بشيء. فإذا كنتم لا تُسوُّون بين الرجل الأول والرجل الآخر الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، فكيف تسوون بين إله له صفة الكمال المطلق، وأصنام لا تملك لكم نفعاً ولا ضراً؟! أو نقول: إن هذا مثَلٌ للمؤمن والكافر، بدليل أن الحق سبحانه في المثل السابق قال: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً ..} تفسير : [النحل: 75]. وفي مقابله قال: {أية : وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً ..} تفسير : [النحل: 75]. ولم يقُلْ عبد أو رجل. إنما هنا قال: {رَّجُلَيْنِ ..} [النحل: 76]. فيمكن أن نفهم منه أنه مَثَلٌ للرجل الكافر الذي يمثله الأبكم، وللرجل المؤمن الذي يمثله مَنْ يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. والحق سبحانه يقول: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} معناهُ عِيالٌ عَليهِ.

همام الصنعاني

تفسير : 1505- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ}: [الآية: 76]، قال: هو الوَثَنُ. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} فالله يأمر بالعدل {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: [الآية: 76].