١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى مثل الكفار بالأبكم العاجز، ومثل نفسه بالذي يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، ومعلوم أنه يمتنع أن يكون آمراً بالعدل، وأن يكون على صراط مستقيم إلا إذا كان كاملاً في العلم والقدرة، وذكر في هذه الآية بيان كونه كاملاً في العلم والقدرة، أما بيان كمال العلم فهو قوله: {ولله غيب السموات والأرض} والمعنى: علم الله غيب السموات والأرض وأيضاً فقوله: {ولله غيب السموات والأرض} يفيد الحصر معناه: أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا الله وأما بيان كمال القدرة فقوله: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الإنسان في ساعة فيموت الخلق بصيحة واحدة، وقوله: {إلا كلمح البصر} اللمح النظر بسرعة يقال لمحه ببصره لمحاً ولمحاناً، والمعنى: وما أمر قيام القيامة في السرعة إلا كطرف العين، والمراد منه تقرير كمال القدرة، وقوله: {أو هو أقرب} معناه أن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف سطح الحدقة، ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة، والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة، والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال: {أو هو أقرب} إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره. ثم قال: {أو هو أقرب} تنبيهاً على ما ذكرناه، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك، بل المراد. بل هو أقرب، وقال الزجاج: المراد به الإبهام عن المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع. قال القاضي: هذا لا يصح، لأن إقامة الساعة ليست حال تكليف حتى يقال إنه تعالى يأتي بها في زمان، بل الواجب أن يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد، ويفارق ما ذكرناه في ابتداء خلق السموات والأرض لأن تلك الحال حال تكليف، فلم يمتنع أن يخلقهما كذلك لما فيه من مصحلة الملائكة. واعلم أن هذا الاعتراض إنما يستقيم على مذهب القاضي، أما على قولنا في أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم، ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار فقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {إمهاتكم} بكسر الهمزة، والباقون بضمها. المسألة الثانية: أمهاتكم أصله أماتكم، إلا أنه زيد الهاء فيه كما زيد في أراق فقيل: إهراق وشذت زيادتها في الواحدة في قوله: شعر : أمهتي خندف واليأس أبي تفسير : المسألة الثالثة: الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء. ثم قال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} والمعنى: أن النفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله، فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم، وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد تقرير فنقول: التصورات والتصديقات إما أن تكون كسبية، وإما أن تكون بديهية، والكسبيات إنما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات، فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية، وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول: هذه العلوم البديهية إما أن يقال إنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة. والأول باطل لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنيناً في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والإثبات لا يجتمعان، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء. وأما القسم الثاني: فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنها ما كانت حاصلة، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب، وكل ما كان كسبياً فهو مسبق بعلوم أخرى، فهذه العلوم البديهية تصير كسبية، ويجب أن تكون مسبوقة بعلوم أخرى إلى غير نهاية، وكل ذلك محال، وهذا سؤال قوي مشكل. وجوابه أن نقول: الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا. ثم إنها حدثت وحصلت، أما قوله فيلزم أن تكون كسبية. قلنا: هذه المقدمة ممنوعة، بل نقول: أنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر، وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر، فإذا أبصر الطفل شيئاً مرة بعد أخرى ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر، وكذلك إذا سمع شيئاً مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع وكذا القول في سائر الحواس، فيصير حصول الحواس سبباً لحضور ماهيات المحسوسات في النفس والعقل ثم إن تلك الماهيات على قسمين: أحد القسمين: ما يكون نفس حضوره موجباً تاماً في جزم الذهن بإسناد بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو، وأن نصف الاثنين ما هو كان حضور هذين التصورين في الذهن علة تامة في جزم الذهن بأن الواحد محكوم عليه بأنه نصف الاثنين، وهذا القسم هو عين العلوم البديهية. والقسم الثاني: ما لا يكون كذلك وهو العلوم النظرية، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الجسم ما هو وأن المحدث ما هو، فإن مجرد هذين التصورين في الذهن لا يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث، بل لابد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة. والحاصل: أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية، وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها. وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب إعانة هذه الحواس على جزيئاتها، فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس. فلهذا السبب قال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} ليصير حصول هذه الحواس سبباً لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه، وهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات. وقال المفسرون: {وجعل لكم السمع} لتسمعوا مواعظ الله {والأبصار} لتبصروا دلائل الله، والأفئدة لتعقلوا عظمة الله، والأفئدة جمع فؤاد نحو أغربة وغراب. قال الزجاح: ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد، وما قيل فيه فئدان كما قيل: غراب وغربان. وأقول: لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة تنبيهاً على أن السمع والبصر كثيران وأن الفؤاد قليل، لأن الفوائد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد، فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة. فإن قيل: قوله تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار} عطف على قوله: {أخرجكم} وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج عن البطن، ومعلوم أنه ليس كذلك. والجواب: أن حرف الواو لا يوجب الترتيب؛ وأيضاً إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال، والله أعلم. أما قوله: {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله} ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: {ألم تروا} بالتاء والباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار. المسألة الثانية: هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك فإنه تعالى أعطى الطير جناحاً يبسطه مرة ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً. وأما قوله تعالى: {ما يمسكهن إلا الله} فالمعنى: أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقاً من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقاً فعله وحاصل باختياره، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى. قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه، لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال، فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى. والجواب: أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز، لا سيما والدلائل العقلية دلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. ثم قال تعالى في آخر الآية: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} وخص هذه الآيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تقدّم معناه. وهذا متصل بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي شرعُ التحليل والتحريم إنما يحسن ممن يحيط بالعواقب والمصالح وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بها فلِمَ تتحكمون. {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} وتجازَوْن فيها بأعمالكم. والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة؛ سُميّت ساعةً لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق بصيحة. والَّلْمح: النظر بسرعة؛ يقال: لَمَحه لَمْحاً وَلَمحانا. ووجه التأويل أن الساعة لما كانت آتية ولا بُدّ جُعلت من القرب كلمح البصر. وقال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها؛ أي يقول للشيء كن فيكون. وقيل: إنما مَثّل بلمح البصر لأنه يلمح السماء مع ما هي عليه من البعد من الأرض. وقيل: هو تمثيل للقرب؛ كما يقول القائل: ما السَّنة إلا لحظة، وشبهه. وقيل: المعنى هو عند الله كذلك لا عند المخلوقين؛ دليله قولُه: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداًوَنَرَاهُ قَرِيباً }تفسير : [المعارج: 6]. {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} ليس «أو» للشك بل للتمثيل بأيهما أراد الممثل. وقيل: دخلت لشك المخاطب. وقيل: «أو» بمنزلة بل. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يختص به علمه لا يعلمه غيره، وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوساً ولم يدل عليه محسوس. وقيل يوم القيامة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض. {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ } وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته. {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ } إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذي تبتدىء فيه، فإنه تعالى يحيي الخلائق دفعة وما يوجد دفعة كان في آن، و {أَوْ } للتخيير أو بمعنى بل. وقيل معناه أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة في استقرابه. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة كما قدر أن أحياهم متدرجاً، ثم دل على قدرته فقال: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } وقرأ الكسائي بكسر الهمزة على أنه لغة أو إتباع لما قبلها، وحمزة بكسرها وكسر الميم والهاء مزيدة مثلها في أهراق. {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } جهالاً مستصحبين جهل الجمادية. {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرر الإِحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } كي تعرفوا ما أنعم عليكم طوراً بعد طور فتشكروه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السموات والأرض، واختصاصه بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، كما قال: { أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50] أي: فيكون ما يريد كطرف العين، وهكذا قال ههنا: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} كما قال: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28] ثم ذكر تعالى منته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، ثم بعد هذا يرزقهم السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار التي بها يحسون المرئيات، والأفئدة، وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ، والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلاً قليلاً، كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده. وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه. كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقول تعالى: من عادى لي ولياً، فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه» تفسير : فمعنى الحديث: أن العبد إذا أخلص الطاعة، صارت أفعاله كلها لله عز وجل، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي: ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل، مستعيناً بالله في ذلك كله، ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح بعد قوله: ورجله التي يمشي بها: «حديث : فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» تفسير : ولهذا قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} كقوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : قُلْ هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تفسير : [الملك: 23-24] ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى التي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسير الطير كذلك، كما قال تعالى في سورة الملك:{أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} تفسير : [الملك: 19] وقال ههنا: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي علم ما غاب فيهما {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } منه لأنه بلفظ «كن» فيكون {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.
الماوردي
تفسير : قوله عزوجل: {ولله غيب السموات والأرض} يحتمل خمسة أوجه: أحدها: ولله علم غيب السموات والأرض، لأنه المنفرد به دون خلقه. الثاني: أن المراد بالغيب إيجاد المعدومات وإعدام الموجودات. الثالث: يعني فعل ما كان وما يكون، وأما الكائن في الحال فمعلوم. الرابع: أن غيب السماء الجزاء بالثواب العقاب. وغيب الأرض القضاء بالأرزاق والآجال. {وما أمْرُ الساعة إلاَّ كلمح البصر أو هو أقرب} لأنه بمنزلة قوله: {كن فيكون} وإنما سماها ساعة لأنها جزء من يوم القيامة وأجزاء اليوم ساعاته. وذكر الكلبي ومقاتل: أن غيب السموات هو قيام الساعة. قال مقاتل: وسبب نزولها أن كفار قريش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة استهزاء بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ} سألت قريش الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة استهزاء فنزل {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يريد قيام الساعة وسميت ساعة لأنها جزء من يوم القيامة وأجزاء اليوم ساعاته.
البقاعي
تفسير : ولما تم هذان المثلان، الدالان على تمام علمه وشمول قدرته، والقاضيان بأن غيره عدم، عطف على قوله { إن الله يعلم} قوله مصرحاً بتمام علمه وشمول قدرته: {ولله} أي هذا علم الله في المشاهدات الذي علم من هذه الأدلة أنه مختص به، ولذي الجلال والإكرام وحده {غيب السماوات والأرض} كما أن له وحده شهادتهما، فما أراد من ذلك كانت قدرته عليه كقدرته على الشهادة من الساعة التي تنكرونها استعظاماً لها، ومن غيرهما بما فصله لكم من أول السورة إلى هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما {وما أمر الساعة} وهي الوقت الذي يكون فيه البعث، على اعتقادكم أنها لا تكون استبعاداً لها واستصعاباً لأمرها في سرعته عند الناس لو رأوه، ولذا عبر عنه بالساعة {إلا كلمح البصر} أي كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أيّ بصر كان {أو هو أقرب} وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي - هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم، وأما بالنسبة إليه سبحانه فأمره في الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف، وتقصر عنه العقول، ولا شك فيه ولا تردد، ولذلك علله بقوله تعالى: {إن الله} أي الملك الأعظم {على كل شيء} أي ممكن {قدير *}. ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه، وختم بأمر الساعة، عطف على قوله تعالى {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى، فقال تعالى: {والله} أي الذي له العظمة كلها {أخرجكم} بعلمه وقدرته {من بطون أمهاتكم} والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى، حال كونكم عند الإخراج {لا تعلمون شيئاً} من الأشياء قل أو جل، وعطف على {أخرجكم} قوله: {وجعل لكم} بذلك أيضاً {السمع والأبصار والأفئدة} آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً قادر على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى، ولعله جمعهما دون السمع، لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله؛ والأفئدة هي القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة {لعلكم تشكرون *} أي لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد عالم بكل شيء قادر على كل شيء فاعل بالاختيار، وأن الطبائع من جملة مقدوراته، لا فعل لها إلا بتصريفه. ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار وحده لا الطبائع ولا غيرها، دلهم على ذلك مضموناً إلى ما مضى بقوله مقرراً لهم: {ألم يروا} بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين لأن سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض فقط، فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك {إلى الطير مسخرات} أي مذللات للطيران بما أقامهن الله فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره {في جو السماء} في الهواء بين الخافقين بما لا تقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول، فعلم قطعاً ما وصل بذلك من قوله: {ما يمسكهن} أي في الجو عن الوقوع. ولما كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة، ولهم وقع عظيم في قلوب الناس، عبر بالاسم الأعظم، إشارة إلى أنه لا يقوى على رد شبههم إلا من أحاط علماً بمعاني الأسماء الحسنى، فكان متمكناً من علم أصول الدين فقال: {إلا الله} أي الملك الأعظم، لأن نسبتكم وإياها إلى الطبيعة واحدة، فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم؛ ثم نبههم على ما في ذلك من الحكم بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من إخراجكم على تلك الهيئة، والإنعام عليكم بما ليس لها، وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع نقصها عنكم {لآيات} ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه، قال تعالى: {لقوم يؤمنون *} أي هيأهم الفاعل المختار للإيمان.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [الآية: 77]. قال النهرجورى: الحق تعالى ستر غيبه فى خلقه وستر أوليائه فى عباده فلا يشرف على غيبه إلا الخواص من أوليائه ولا يشرف على أوليائه إلا الصديقون من عباده فالإشراف على الغيب عزيز والإشراف على الأولياء أعز وأعز.
القشيري
تفسير : استأثر الحقُّ - سبحانه - بعلم الغيبيات، وسَتَرهَا على الخلْق؛ فيخرِجُ قوماً في الضلالة ثم ينقلهم إلى صفة الولاية، ويقيم قوماً برقم العداوة ثم يردهم إلى وصف الولاية.. فالعواقبُ مستورة، والخواتيم مبهمة، والخَلْقُ في غفلة عما يُرَادُ بهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} وصف نفسه سبحانه ههنا بالعلم الازلى والقدرة الازلية فما العلم الازلى عَلم عِلم كون الكون وما فيه وما يبدو من قدرته وحكمته فيه فاقلاعه من اصله غير ثقيل عليه لانه قام به قائم بقدرته يفعل به ما يشاء ايجادا واعداما قبل ان يتصل الكاف بالنون واذا كان غيب السّماوات والارض له لا لغيره لا يكشفه الا لمن احبه من اوليائه ولا يستره الا على اعدائه فمن اشرفه على غيبه فهو ايضا غيب كانه يرى غيب الغيب واى غيب اشرف من خزانة الله فى قلوب اصفيائه من لآلى حكمه وعجائب علومه وغرائب عرفانه قال النهرجورى الحق سير غيبه فى خلقه وستر اوليائه فى عباده فلا يشرف على عباده الا خواص اوليائه ولا يشرف على اوليائه الا الصديقين من عباده والاشراف على الغيب عزيز والاشراف على الاولياء اعز علما استاثر نفسه بعلم الغيب عزل الجمهور عن === والموقوف به فقال {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} اخبر تعالى انه اخرج الكل من بطون الاقدار وارحام العدم واصلاب المشية على نعت الجهل به والاشراف على ذاته وصفاته بنعت المعرفة لا يتعلمون شيئا من احكام الربوبية وامور العبودية والعلم باوصاف الازل فالبسكم اسماعا من نور سمعه وكساكم ابصارا من نور بصره واودع فى قلوبكم علوم غيبه بان حلاّها بحلية فطرة الاسلام والايمان والايقان فتسمعون بسمعه كلامه وتبصرون ببصره جماله وتعقلون بنوره ذاته وصفاته ونعوته واسمائه وتشرب ارواحكم من سواقى قلوبكم شراب محبته وشوقه وعشقه حين تردّ انوار المواجيد عليها من بحار كشف وحدانيته وسرمديته {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تعرفونه بانه لا يشكره غيره قال الواسطى لا تفهمون شيئا مما اخذت عليكم من الميثاق فى وقت بلى قال بعضهم لا تعلمون شيئا مما قضيت لكم وعليكم من الشقاوة والسعادة ثم جعل للسعداء من عباده السمع ليسمع بها لطائف ذكره والابصار ليبصر بها عجائب صنعه والافئدة ليكون عارفا بصانعه ومخترعه وهذه الاعضاء والحواس هى الموجبة للشكر فالشاكر من راى منة الله عليه فى سلامة هذه الحواس والكافر ان من يرى انه يودى به شكر شئ من نعم الله عليه بشئ من احواله قال ابو عثمان المغربى جعل لكم السمع لتسمعوا بخطاب الامر والنهى واللابصار لتبصروا بها عجائب القدرة والافئدة لتعرفوا بها آثار موارد الحق عليكم لعلكم تشكرون اى لعلكم تبصرون دوام نعمى عليكم فترجعوا الى بابى ثم بين قدرته سبحانه فى امساكه اطيار الارواح فى هواء الملكوت وانوار سماء الجبروت حين ترفرفت باجنحة العرفان والايقان على سرادق مجده وبساط كبريائه مسخرات بانوار جذبه ما يمسكهن الا الله بكشف جماله لها امسكها به عن قهر سلطان سبحات جلاله حتى لا تفنى فى بهائه بقوله {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} طير العموم فى سماء الازل ممسكة رياش طلبها بحبال انوار الابدية عن الوقوع على غير مواقع مشاهدة الوصلة {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لعلامات الالباء الحقيقة وادلاء الطريقة واهل الارادة فى المعرفة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله} تعالى خاصة لا لاحد غيره استقلالا ولا اشراكا وكان كفار قريش يستعجلون وقوع القيامة استهزاء فانزل الله تعالى هذه الآية {غيب السموات والارض} اى علم ما غاب فيهما عن العباد. قال فى الارشاد فيه اشعار بان علمه سبحانه حضورى فان تحقق الغيوب فى انفسها علم بالنسبة اليه تعالى ولذلك لم يقل ولله علم غيب السماوت والارض {وما امر الساعة} الساعة اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساعة خيفة يحدث فيها امر عظيم اى وما شأن قيام القيامة التى هى من الغيوب فى سرعة المجيئ {الا كلمح البصر} اللمح النظر بسرعة اى كرجع الطرف من اعلى الحدقة الى اسفلها. يعنى [آوردن خدى تعالى مر قيامت را آسانترست ازآنكه شما ديده برهم زنيد]{وهو} اى بل امرها فيما ذكر من السرعة والسهولة {اقرب} من لمح البصر واسرع زمانا. قال الكاشفى [اقرب نزديكتراست جه لمحبصر دو فعل است وضع جفن ورفع آن وايقاع قيامت باحياء موتى يك فعل بس ممكن است ووقوع آن درنصف زمان اين حركت] وأو ليست للشك بل للتخيير اى تخيير المخاطبين بين ان يشبهوا امر قيامها بلمح البصر وان يقولوا هو اقرب وانما ضرب به المثل لانه لا يعرف زمان اقل منه {ان الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على ان يقيم الساعة ويبعث الخلق لان بعض المقدورات. يعنى [تواند احياء خلائق دفعة جنانجه قادراست براحياء ايشان برسبيل تدريج بس از ابتداء طهور ايشان خبر داد تا از مبدأ وبر معاد استدلال كنند]. واعلم انهم قالوا [كرجه قيامت دير آمد ولى مى آمد] يعنى هودان عند الله تعالى وان كان بعيدا عندنا فلا بد من التهيئ له. حديث : وعن انس بن مالك رضى الله عنه ان رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم متى الساعة قال عليه السلام "ما اعددت لها" قال لا شئ الا انى احب الله ورسوله فقال "انت مع من احببت"تفسير : وشرط كون المرء مع من أحب ان يشترك معه فى الدين ويتحد ومن مقتضاه اتيان المأمورات وترك المحظوارت فان المحبة الكاملة لا تحصل الا به فمن خالف امره الله تعالى وامر نبيه فقد فارقهما فكيف يحبهما مع البينونة: قال الشيخ سعدى قدس سره. شعر : نظر دوست نادر كند سوى تو جودر روى دشمن بودروى تو ندانى كه كمتر نهد دوست باى جوبيندكه دشمن بود درسراى تفسير : ثم اعلم ان رجوع النفس الى ربها يكون باماتتها عن اوصافها واحيائها بصفات الله والاماتة تكون بتجلى صفة الجلال والاحياء بتجلى صفة الجمال فاذا تجلى الله لعبد لا يبقى له زمان ولا مكان اذ هو فان عن وجوده باق ببقاء الحق ان الله على كل شئ من المواهب التى يغربها اولياءه قدير وان لم يفهم الاغبياء بعقولهم كيفية تلك المعارف والكمالات بل العقلاء بعقولهم السليمة بمعزل من ادراك تلك الحقائق وذلك لانها خارجة عن طور العقل شعر : سيل ضعيف واصل دريا نميشود تفسير : والتجليات ثلاثة. الاول التجلى العلمى واهله من اصحاب البرازخ لا يصح ان يكون مرشد الا تقليدا. والثانى التجلى العينى. والثالث التجلى الحقى واهلهما من ارباب اليقين والوصول من شأنهم ارشاد الناس فى جميع المراتب اى فى مرتبة الطبيعة والنفس والقلب والروح والطريقة والمعرفة والحقيقة وهم اهل البصيرة الذين اشير اليهم فى قوله تعالى {أية : قل هذه سبيلى ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعنى}تفسير : فعليك بالاقتداء بهم دون غيرهم. فان قلت ما الفرق بين اهل التجلى الثاني والثالث. قلت انهما بعد اشتراكهما فى ان كلا منهما قطب ارشاد يتميز الثالث بالقطبية الكبرى التى هى اعلى المناصب.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أمهات}: جمع أم، زيدت فيه الهاء؛ فرقًا بين من يعقل ومن لا يعقل، قاله ابن جزي. والذي لغيره حتى ابن عطية: إنما زيدت؛ لمبالغة والتأكيد. وقرئ بضم الهمزة، وبكسرها؛ اتباعًا للكسرة قبلها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولله غيبُ السماواتِ والأرض} أي: يعلم ما غاب فيهما، كان محسوسًا أو غير محسوس؛ قد اختص به علمه، لا يعلمه غيره. ثم برهن على كمال قدرته فقال: {وما أمرُ الساعةِ} أي: قيام القيامة، في سرعته وسهولته، {إلا كلمح البصر}؛ كرد البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها، {أو هو أقرب}: أو أمرها أقرب منه؛ بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة، بل أقل؛ لأن الحق تعالى يحيي الخلائق دفعة واحدة، في أقل من رمشة عين، و "أو" للتخيير، أو بمعنى بل. {إن الله على كل شيء قدير}؛ فيقدر على أن يُحيي الخلائق دفعة، كما قدر أن يوجدهم بالتدريج. ثم دلَّ على قدرته فقال: {والله أخرجكم من بُطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا}؛ جهالاً، {وجعل لكم السمعَ} أي: الأسماع {والأبصارَ والأفئدة} أي: القلوب، فتكتسبون، بما تُدركون من المحسوسات، العلوم البديهية، ثم تتمكنون من العلوم النظرية بالتفكر والاعتبار، ثم تُدركون معرفة الخالق {لعلكم تشكرون} نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أظهركم أولاً من العدم، ثم أمدكم ثانيًا بضروب النعم، طورًا بعد طور، حتى قدمتم عليه. وقدَّم في جميع القرآن نعمة السمع على البصر؛ لأنه أنفع للقلب من البصر، وأشد تأثيرًا فيه، وأعم نفعًا منه في الدين؛ إذ لو كانت الناس كلهم صمًا، ثم بُعِثت الرسل، فمن أين يدخل عليهم الإيمان والعلم؟ وكيف يدركون آداب العبودية وأحكام الشرائع؟ إذ الإشارة تتعذر في كثير من الأحكام، وإنما أفرده، وجمع الأبصار والأفئدة؛ لأن متعلق السمع جنس واحد، وهي الأصوات، بخلاف متعلق البصر، فإنه يتعلق بالأجرام والألوان، والأنوار والظلمات، وسائر المحسوسات، وكذلك متعلق القلوب؛ معاني ومحسوسات، فكانت دائرة متعلقهما أوسع مع متعلق السمع. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما غاب في سماوات الأرواح من علوم أسْرار الربوبية، وفي أرض النفوس من علوم أحكام العبودية، هو في خزائن الله، يفتح منهما ما شاء على من يشاء؛ إذ أمره تعالى بين الكاف والنون. وما أمر الساعة، التي يفتح الله فيها الفتح على عبده، بأن يميته عن نفسه، ثم يحييه بشهود طلعة ذاته، إلا كلمح البصر أو هو أقرب. لكن حكمته اقتضت الترتيب والتدريج، فيُخرجه إلى هذا العالم جاهلاً، ثم يفتح سمعه للتعلم والوعظ، وبصره للنظر والاعتبار، وقلبه للشهود والاستبصار، حتى يصير عالمًا عارفًا بربه، من الشاكرين الذين يعبدون الله، شكرًا وقيامًا برسم العبودية. وبالله التوفيق. ثمَّ حض على التفكير الذي هو سبب المعرفة وشبكة العلوم
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى أن له غيب السموات والأرض ومعناه أنه المختص بعلم ذلك، وهو ما غاب عن جميع العالمين، مما يصح أن يكون معلوماً، فإِنه تعالى يختص بالعلم به وقال الجبائي: ويحتمل أن يكون المعنى، ولله ملك ما غاب مما في السموات والأَرض. ثم قال {وما أمر الساعة} أي مجيئها وهي يوم القيامة، في السرعة وقرب المجيء {إلا كلمح البصر أو هو أقرب} من ذلك مبالغة في ضرب المثل به في السرعة، وأنه قادر عليه. ودخول {أو} في قوله {أو هو أقرب} لأحد أمرين. أحدهما - الإِبانة عن أنه، على إِحدى منزلتين إِما كلمح بالبصر أو اقرب من ذلك. والثاني - انه قال ذلك لشكّ المخاطب، وإِنما قرب امرها، لأنه بمنزلة {كن فيكون} فمن ها هنا صح انها كلمح البصر او اقرب، ثم ذكر نعمه التي انعم بها على خلقه، فقال {هو} تعالى {الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم} وانعم عليكم بذلك وانتم في تلك الحال {لا تعلمون شيئاً} ولا تعرفونه، فتفضل عليكم بالحواس الصحيحة التي هي طريق العلم بالمدركات، وجعل لكم قلوباً تفقهون بها الأشياء، لأنها محل المعارف، لكي تشكروه على ذلك وتحمدوه على نعمه.
الجنابذي
تفسير : {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ما غاب عنهما او جهتهما الّتى هى غائبة عن العباد ومن غيبهما الخفايا من احوال العباد ويلزم منه خفاء صاحب الخير والشّرّ فلا تعلمون من العباد من كان بحسب السّريرة كالمملوك العاجز ومن كان آمراً بالعدل والله يعلم ذلك وهو بمنزلة {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النور:19] فى الآية السّابقة والمقصود انّكم لمّا لم تكونوا عالمين باحوال الاشياء والعباد لم يجز لكم ان تختاروا من عند انفسكم شريكاً لله او لعلىٍّ (ع) ولا احداً لهدايتكم وجلب نفعكم ودفع ضرّكم ولزم ان تكلوا الامر اليه تعالى فانّه العالم بمن ينبغى ان يختارو بمن ينبغى ان يختار فلا تجاوزوا فى ذلك النّصّ من الله على لسان من علمتم خلافته لله {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} فى سرعة اتيانها وحساب الخلائق فيها وجزاء الخلائق على اعمالهم {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} وهو تهديد لمن استبدّ برأيه وخالف امر الله ونصّه فى احكامه {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من حساب الخلائق فى اسرع زمانٍ وعقوبة العاصى وثواب المطيع.
اطفيش
تفسير : {وَللهِ} وحده لا لغيره، {غَيْبُ} أى علم غيب. {السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} أى علم ما غاب فيهن عن العباد ولم يحسوه ولم يدل عليه محسوس وقيل غيبهن قيام الساعة لأَنه لا يعلم أحد بوقته على التعيين، {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ} ساعة موت الخلق كلهم أو ساعة بعثهم بعد موتهم أو ذلك كله أى ما أمرها فى السرعة والسهولة {إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ} فتح العين أو إِطباق الجفن الأَعلى عليها فكما أن فتح العين أو إِغلاقها لا يحتاج فيه إِلى زمان طويل ولا يستصعب كذلك أمر الساعة سهل عند الله إِذا أراده أوجده فى أقل زمان. قال الزجاج أو أن أمر الساعة وإِن تراخى عندكم قريب عند الله كلمح البصر وهذا مبالغة فى استقرابه والبصر والعين ويجوز كونه بمعنى النظر والرؤية أى كاختلاس الرؤية، {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أى بل هو أقرب من لمح البصر قاله الفراء فأو فيه للإِضراب كبل وقيل للإِبهام وقيل للشك مصروفاً إِلى الرأى أى لو اتفق أن يقف على ذلك أحد لكان من السرعة بحيث يشك هل هو كلمح البصر أو أقرب، وقيل للتخيير أى إِن شاء الله أوقعه كلمح البصر وإِن شاء اوقعه أقرب والمشهور أن مجىء أو للتخيير أو الإِباحة، مختص بالطلب ولم يشترط ابن مالك فى شرح الكافية ولا سيبويه فيما حكاه ابن الشجرى الطلب ولا يصح ذلك عن سيبويه وتفسير الأقربية أن يكون أمر الساعة نصف زمان لمح البصر أو ثلثه أو ربعه أو غير ذلك ككونه الآن الذى يبتدىء فيه، {إِنَّ اللهَ عَلى كُلّ شَىءٍ قَدِيرٌ} فهو قادر على إِماتة الخلائق دفعة وإِحيائهم دفعة كما قدر على إِيجادهم شيئاً فشيئاً ودل على قدرته بقوله جل جلاله.
اطفيش
تفسير : {وَللهِ غَيْبُ} أى علم غائب {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} لا يعلمه سواه بحس ولا بدليل يؤخذ من محسوس أو من عقل، ودخل فى ذلك قيام الساعة، وفسر به. {وَمَا أُمْرُ السَّاعَةِ} مع عظم أمرها، والمماراة فيها {إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} ما قيامها فى السرعة والسهولة إلا كنظرة بعين، وفسر أيضًا بقوله تعالى: "أية : عنده علم الساعة وينزل الغيث" تفسير : [لقمان: 34] الآية، والتعميم أولى، وإن شئت فلا تقدر علم غائب السماوات والأرض، فيكون المعنى لله غائبهما عن علوم المخلوقين، وأَو لشك المخلوق، أو تشكيك الله إياه أو للتخيير على جوازه فى الإخبار مطلقا، أو بشرط التشبيه كما فى الآية، أو للإضراب الانتقالى لا الإبطالى، لأن الله جل وعلا لا يقول بالباطل إلا أن يقال الأول على سبيل الفرض، وهو لمح البصر، والثانى محقق، وهو كونه أقرب، ككونه فى نصف لمح البصر، واللمح: النظر الخفيف السريع، وفسر برجع الحدقة من أعلاها إلى أسفلها. وفيه مع ذلك أجزاء دقيقة من الزمان، وذلك أن الله يحيى الخلق فى آن واحد، لا يقبل التجزؤ، ولو تفاوت خروجهم من قبورهم، ومعنى التخيير أن الله عز وجل خيّرنا أن نشبه أمرها بكلمح أو بأقرب، وأو لمنع الخلق لا لمنع الجمع، لجواز أَن يشبه باللمح وبأقرب، ويجوز أن يكون المعنى أن قيام الساعة، ولو تراخى وقوعه هو قريب عند الله شبه بلمح البصر أو أقرب، كما قال: "أية : وإِنَّ يومًا عند ربك كألف سنة"تفسير : [الحج: 47] فى أحد أوجه. وفى هذا التفسير الآخر الأوجه المذكورة فى أو، ولكون أمر الساعة كلمح البصر أو أقرب مناسبة لعلم الغيب، ولعلم الغيب مناسبة للذى يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، لأنه لا يكون كذلك لا يعلم، وقيل: المعنى: ما إماتة الناس كلهم آخر الدنيا، وإحياؤهم إلا كلمح البصر. {إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} لا بعجزه شئ، فهو قادر أن يحيى الخلق دفعة، كما خلقهم تدريجًا، لأنه يفعل بلا آلة ولا علاج ولا كسب، واستدل على ذلك بقوله: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} العطف على أن الله على كل شئ قدير، وقيل: على "أية : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً" تفسير : [النحل: 72] الهاء زائدة كأهراق فى أراق. أمهات للعموم، وقيل للأناسى، والأمات للحيوانات، وقوله: {لاَ تَعْلَمُونَ} حال من الكاف {شَيْئًا} مفعول به، أى شيئًا من المعلومات، أو مفعول مطلق، أى علمًا والأول أنسب، وعلى الثانى لا مفعول لتعلم، أى لا علم لكم، والمراد قيل: لا تعلمون شيئًا من حق المنعم وغيره، أو شيئًا من منافعكم، أو مما قضى من سعادة أو شقاوة، أو مما أخذ عنكم من الميثاق يوم قال: "أية : أَلست بربكم" تفسير : [الأعراف: 172] والصواب التعميم. وعن وهب: لا يدرك فى سبعة أيام من ولادته شيئًا ولا يدرك راحة، ولا ألما، ويرده بكاؤه إِذا أصابه ضر من جوع أو غيره، وأنه عالم بنفسه، وذكر بعض أن النفس لا تغفل عن الذات، ولو حال النوم والسكر، وزعم بعض أن شيئًا مفعول به أولا، والثانى محذوف، أى لا تعلمون شيئا واقعا أو موجودًا. {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} قيل: قدم السمع لأنه أشرف من البصر، وأخر القلوب لأن السمع والبصر وسيلتان، والوسائل مقدمة قيل: وخصهما من سائر الوسائل لأنهما أَشرف، والاستدلال بمدركاتهما أكثر، كما يذكر المهاجرون والأنصار، والمراد الصحابة عمومًا، وكما يذكر الصلاة والزكاة، مع أن المراد جميع العبادات لشرفهما وأصالتهما، فقد يكون مجازًا بذكر الخاص وإرادة العام، ووحدا لسمع لأمن اللبس، ولكونه فى الأصل مصدرًا يصلح للقليل والكثير بلفظ واحد، ولاتحاد متعلقه وهو الصوت وجمع الأبصار لتعدد متعلقاته من الألوان والأعراض، والأطوال، والرقة والغلظ وأما الأفئدة فلكل واحد فؤاد واحد، خلق الله فيه من الإدراك صفى ما فى العينين والأذنين، وأصله الطف القلب، وهو وسطه، والمراد القلب كله، ولم يذكر اللمس والذوق والشم، لأن الدلالات اليقينية الظاهرة فى وجود الله، إنما هى فى النظر فى نفس الإنسان والآفاق، وفى السمع للنقليات، وليس الذوق والشم واللمس إِلا بدون ذلك فذكر الأعظم استغناء عن العظيم. كما مر أنه يذكر الصلاة والزكاة والصوم والمراد ما دونهما أيضا، لأن العقل يعتبر أنه لا يقدر غير الله أن يخلق هذه الرائحة فى هذا، والحلاوة فى هذا ونحو ذلك ما يتخالف، مع أن الكل مثلا من خشب؟ والحس الرؤية والسمع واللمس والذوق والشم والحس سبب للإدراك، وقد يراد بالحس الإِدراك بالحواس ويقال الإدراك للحس المشترك، أو للعقل والإحساس للحواس الظاهرة، وذكر بعض أن السمع والبصر عبارة عن باقى الحواس الظاهرة، وقدما على الفؤاد لتقدم الظاهر على الباطن، لأنهما لهما مدخل فى إدراكه، ولأنهما خادمان له، والخدم تتقدم بين يدى السادات كما تقدم بعض السنن على العرض، ولأن مدركاتهما أقل من مدركاته، ولو كان له حد ينتهى إِليه كما لهما، وقدم السمع على البصر، لأنه طريق تلقى الوحى، ولأن إدراكه أقدم من إدراك البصر، ولأن مدركاته أقل من مدركات البصر. واعلم أن للنفس تدرك الكلى والجزئى باستعمال الحواس وبدونه، والصحيح أن الإدراك للعقل خاصة والحواس أبوابه، ومعنى الحس المشترك أنه أدركت فيه الشئ الحواس والعقل معا بمرة، وأنكره أكثر المتكلمين، والإنسان إذا كان جنينا له عقل هيولى له به العلم بالإحساس بالجزئيات، والجملة معطوفة على أخرجكم. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المراد تصلون إلى الشكر بعد المعرفة بالنعم، لأن وجود النعم بلا معرفة لا يكون سببا للشكر، وقد قيل إن لعل للتعليل.
الالوسي
تفسير : {وَللَّهِ} تعالى خاصة لا لأحد غيره استقلالاً ولا اشتراكا {غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي جميع الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين بحيث لا سبيل لهم إلى إدراكها حساً ولا إلى فهمها عقلاً، ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما إما باعتبار الوقوع فيهما حالاً أو مآلاً وإما باعتبار الغيبة عن أهلهما، ولا حاجة إلى تقدير هذا المضاف، والمراد بيان الاختصاص به تعالى من حيث المعلومية حسبما ينبىء عنه عنوان الغيبة لا من حيث المخلوقية والمملوكية وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر، وفيه ـ كما في "إرشاد العقل السليم" ـ إشعار بأن علمه تعالى حضوري فإن تحقق الغيوب في نفسها [علم] بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ولذلك لم يقل تعالى: ولله علم غيب السمٰوات والأرض، وقيل: المراد بغيب السمٰوات والأرض ما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } تفسير : [لقمان: 34] الآية، وقيل: يوم القيامة، ولا يخفى أن القول بالعموم أولى. {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} التي هي أعظم ما وقع فيه المماراة من الغيوب المتعلقة بالسمٰوات والأرض من حيث الغيبة عن أهلهما أو ظهور آثارها فيهما عند وقوعها أي وما شأنها في سرعة المجيء {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} أي كرجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها. وفي "البحر" اللمح النظر بسرعة يقال: لمحه لمحاً ولمحاناً إذا نظره بسرعة {أَوْ هُوَ} أي أمرها {أَقْرَبُ} أي من ذلك وأسرع [زماناً] بأن يقع في بعض أجزاء زمانه فإن رجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها وإن قصر [عن] حركة أينية لها هوية اتصالية منطبقة على زمان له هوية كذلك قابل للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة أيضاً بل بأن يقع فيما يقال له آن وهو جزء غير منقسم من أجزاء الزمان كآن ابتداء الحركة، و {أَوْ} قال الفراء: بمعنى بل. ورده في "البحر" بأن بل للإضراب وهو لا يصح هنا بقسميه، أما الإبطال فلأنه يؤل إلى أن الحكم السابق غير مطابق فيكون الإِخبار به كذباً والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، وأما الانتقال فلأنه يلزمه التنافي بين الإخبار بكونه مثل لمح البصر وكونه أقرب فلا يمكن صدقهما معا ويلزم الكذب المحال أيضاً. وأجيب باختيار الثاني ولا تنافي بين تشبيهه في السرعة بما هو غاية ما يتعارفه الناس في بابه وبين كونه في الواقع أقرب من ذلك، وهذا بناء على أن الغرض من التشبيه بيان سرعته لا بيان مقدار زمان وقوعه وتحديده. وأجيب أيضاً بما يصححه بشقيه وهو أنه ورد على عادة الناس يعني أن أمرها إذا سئلتم عنها أن يقال فيه: هو كلمح البصر ثم يضرب عنه إلى ما هو أقرب. وقيل: هي للتخيير ورده في "البحر" أيضاً بأنه إنما يكون في المحظورات كخذ من مالي ديناراً أو درهماً أو في التكليفات كآية الكفارات. وأجيب بأن هذا مبني على مذهب ابن مالك من أن (أو) تأتي للتخيير وأنه غير مختص بالوقوع/ بعد الطلب بل يقع في الخبر ويكثر في التشبيه حتى خصه بعضهم به. وفي "شرح الهادي" اعلم أن التخيير والإباحة مختصان بالأمر إذ لا معنى لهما في الخبر كما أن الشك والإبهام مختصان بالخبر. وقد جاءت الإباحة في غير الأمر كقوله تعالى:{كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} إلى قوله سبحانه: {أية : أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [البقرة: 19] أي بأي هذين شبهت فأنت مصيب وكذا ان شبهت بهما جميعاً، ومثله في الشعر كثير، وقيل: إن المراد تخيير المخاطب بعد فرض الطلب والسؤال فلا حاجة إلى البناء على ما ذكر، وهو كما ترى، وزعم بعضهم أن التخيير مشكل من جهة أخرى وهي أن أحد الأمرين من كونه كلمح البصر أو أقرب غير مطابق للواقع فكيف يخير الله تعالى بين ما لا يطابقه، وفيه أن المراد التخيير في التشبيه وأي ضرر في عدم وقوع المشبه به بل قد يستحسن فيه عدم الوقوع كما في قوله:شعر : أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد تفسير : وقال ابن عطية: هي للشك على بابها على معنى أنه لو اتفق أن يقف على أمرها شخص من البشر لكانت من السرعة بحيث يشك هل هو كلمح البصر أو أقرب. وتعقبه في "البحر" أيضاً بأن الشك بعيد لأن هذا إخبار من الله تعالى عن أمر الساعة والشك مستحيل عليه سبحانه أي فلا بد أن يكون ذلك بالنسبة إلى غير المتكلم، وفي ارتكابه بعد، ويدل على أن هذا مراده تعليله البعد بالاستحالة فليس اعتراضه مما يقضي منه العجب كما توهم، وقال الزجاج: هي للإبهام وتعقب بأنه لا فائدة في إبهام أمرها في السرعة وإنما الفائدة في إبهام وقت مجيئها. وأجيب بأن المراد أنه يستبهم على من يشاهد سرعتها هل هي كلمح البصر أو أقل فتدبر. والمأثور عن ابن جريج أنها بمعنى بل وعليه كثيرون، والمراد تمثيل سرعة مجيئها واستقرابه على وجه المبالغة، وقد كثر في النظم مثل هذه المبالغة، ومنه قول الشاعر:شعر : قالت له البرق وقالت له الريح جميعا وهما ما هما أأنت تجري معنا قال إن نشطت أضحكتكما منكما إن ارتداد الطرف قد فته إلى المدى سبقا فمن أنتما تفسير : وقيل: المعنى وما أمر إقامة الساعة المختص علمها به سبحانه وهي إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين وتبديل صور الأكوان أجمعين وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخل تحت دائرة الإمكان في سرعة الوقوع وسهولة التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من الأقوال في {أَوْ }. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} ومن جملة الأشياء أن يجيء بها في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك، وتقول على الثاني: ومن جملة ذلك أمر إقامتها فهو سبحانه قادر عليه فالجملة في موضع التعليل. وفي "الكشف" على تقدير عموم الغيب وشموله لجميع ما غاب في السمٰوات والأرض ان قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ} كالمستفاد من الأول وهو كالتمهيد له أي يختص به علم كل غيب الساعة وغيرها فهو الآتي بها للعلم والقدرة، ولهذا عقب بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ } الخ، وأما إذا أريد بالغيب الساعة فهو ظاهر اهـ. ولا يخفى الحال على القول بأن المراد بالغيب ما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } تفسير : [لقمان: 34] الآية، وعلى القول الأخير في الغيب يكون ذكر الساعة من وضع الظاهر موضع الضمير لتقوية مضمون الجملة.
سيد قطب
تفسير : يستمر السياق في هذا الدرس في استعراض دلائل الألوهية الواحدة التي يتكئ عليها في هذه السورة: عظمة الخلق، وفيض النعمة وإحاطة العلم. غير أنه يركز في هذا الشوط على قضية البعث. والساعة أحد أسرار الغيب الذي يختص الله بعلمه فلا يطلع عليه أحداً. وموضوعات هذا الدرس تشمل ألواناً من أسرار غيب الله في السماوات والأرض، وفي الأنفس والآفاق. غيب الساعة. التي لا يعلمها إلا الله وهو عليها قادر وهي عليه هينة: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب}.. وغيب الأرحام والله وحده هو الذي يخرج الأجنة من هذا الغيب. لا تعلم شيئاً، ثم ينعم على الناس بالسمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون نعمته.. وغيب أسرار الخلق يعرض منها تسخير الطير في جو السماء ما يمسكهن إلا الله. يلي هذا في الدرس استعراض لبعض نعم الله المادية على الناس وهي بجانب تلك الأسرار وفي جوها، نعم السكن والهدوء والاستظلال. في البيوت المبنية والبيوت المتخذة من جلود الأنعام للظعن والإقامة، والأثاث والمتاع من الأصواف والأوبار والأشعار. وهي كذلك الظلال والأكنان والسرابيل تقي الحر وتقي البأس في الحرب: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون}. ثم تفصيل لأمر البعث في مشاهد يعرض فيها المشركين وشركاءهم، والرسل شهداء عليهم. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهيداً على قومه. وبذلك تتم هذه الجولة في جو البعث والقيامة. {ولله غيب السماوات والأرض. وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب. إن الله على كل شيء قدير}.. وقضية البعث إحدى قضايا العقيدة التي لقيت جدلاً شديداً في كل عصر، ومع كل رسول. وهي غيب من غيب الله الذي يختص بعلمه. {لله غيب السماوات والأرض} وإن البشر ليقفون أمام أستار الغيب عاجزين قاصرين، مهما يبلغ علمهم الأرضي، ومهما تتفتح لهم كنوز الأرض وقواها المذخورة. وإن أعلم العلماء من بني البشر ليقف مكانه لا يدري ماذا سيكون اللحظة التالية في ذات نفسه. أيرتد نفسه الذي خرج أم يذهب فلا يعود! وتذهب الآمال بالإنسان كل مذهب، وقدره كامن خلف ستار الغيب لا يدري متى يفجؤه، وقد يفجؤه اللحظة. وإنه لمن رحمة الله بالناس أن يجهلوا ما وراء اللحظة الحاضرة ليؤملوا ويعملوا وينتجوا وينشئوا، ويخلفوا وراءهم ما بدؤوه يتمه الخلف حتى يأتيهم ما خبئ لهم خلف الستار الرهيب. والساعة من هذا الغيب المستور. ولو علم الناس موعدها لتوقفت عجلة الحياة، أو اختلت، ولما سارت الحياة وفق الخط الذي رسمته لها القدرة، والناس يعدون السنين والأيام والشهور والساعات واللحظات لليوم الموعود! {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب}.. فهي قريب. ولكن في حساب غير حساب البشر المعلوم. وتدبير أمرها لا يحتاج إلى وقت. طرفة عين. فإذا هي حاضرة مهيأة بكل أسبابها {إن الله على كل شيء قدير} وبعث هذه الحشود التي يخطئها الحصر والعد من الخلق، وانتفاضها، وجمعها، وحسابها، وجزاؤها.. كله هين على تلك القدرة التي تقول للشيء: كن. فيكون. إنما يستهول الأمر ويستصعبه من يحسبون بحساب البشر، وينظرون بعين البشر، ويقيسون بمقاييس البشر، ومن هنا يخطئون التصور والتقدير! ويقرب القرآن الأمر بعرض مثل صغير من حياة البشر، تعجز عنه قواهم ويعجز عنه تصورهم، وهو يقع في كل لحظة من ليل أو نهار: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}.. وهو غيب قريب، ولكنه موغل بعيد. وأطوار الجنين قد يراها الناس، ولكنهم لا يعلمون كيف تتم، لأن سرها هو سر الحياة المكنون. والعلم الذي يدعيه الإنسان ويتطاول به ويريد أن يختبر به أمر الساعة وأمر الغيب، علم حادث مكسوب: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} ومولد كل عالم وكل باحث، ومخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئاً قريب قريب! وما كسبه بعد ذلك من علم هبة من الله بالقدر الذي أراده للبشر، وجعل فيه كفاية حياتهم على هذا الكوكب، في المحيط المكشوف لهم من هذا الوجود: {وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة} والقرآن يعبر بالقلب ويعبر بالفؤاد عن مجموع مدارك الإنسان الواعية؛ وهي تشمل ما اصطلح على أنه العقل، وتشمل كذلك قوى الإلهام الكامنة المجهولة الكنه والعمل. جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة {لعلكم تشكرون} حين تدركون قيمة النعمة في هذه وفي سواها من آلاء الله عليكم. وأول الشكر: الإيمان بالله الواحد المعبود. وعجيبة أخرى من آثار القدرة الإلهية يرونها فلا يتدبرونها وهي مشهد عجيب معروض للعيون: {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء، ما يمسكهن إلا الله. إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}.. ومشهد الطير مسخرات في جو السماء مشهد مكرور، قد ذهبت الألفة بما فيه من عجب، وما يتلفت القلب البشري عليه إلا حين يستيقظ، ويلحظ الكون بعين الشاعر الموهوب. وإن تحليقة طائر في جو السماء لتستجيش الحس الشاعر إلى القصيدة حين تلمسه. فينتفض للمشهد القديم الجديد.. {ما يمسكهن إلا الله} بنواميسه التي أودعها فطرة الطير وفطرة الكون من حولها، وجعل الطير قادرة على الطيران، وجعل الجو من حولها مناسباً لهذا الطيران؛ وأمسك بها الطير لا تسقط وهي في جو السماء: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}.. فالقلب المؤمن هو القلب الشاعر ببدائع الخلق والتكوين، المدرك لما فيها من روعة باهرة تهز المشاعر وتستجيش الضمائر. وهو يعبر عن أحساسه بروعة الخلق، بالإيمان والعبادة والتسبيح؛ والموهوبون من المؤمنين هبة التعبير، قادرون على إبداع ألوان من رائع القول في بدائع الخلق والتكوين، لا يبلغ إليها شاعر لم تمس قلبه شرارة الإيمان المشرق الوضيء. ويخطو السياق خطوة أخرى في أسرار الخلق وآثار القدرة ومظاهر النعمة، يدخل بها إلى بيوت القوم وما يسر لهم فيها وحولها من سكن ومتاع وأكنان وظلال! {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين. والله جعل لكم مما خلق ظلالاً؛ وجعل لكم من الجبال أكناناً وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم. كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون}.. والسكن والطمأنينة في البيوت نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا المشردون الذين لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة. وذكرها في السياق يجيء بعد الحديث عن الغيب، وظل السكن ليس غريباً عن ظل الغيب، فكلاهما فيه خفاء وستر. والتذكير بالسكن يمس المشاعر الغافلة عن قيمة هذه النعمة. ونستطرد هنا إلى شيء عن نظرة الإسلام إلى البيت، بمناسبة هذا التعبير الموحي: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً}.. فهكذا يريد الإسلام البيت مكاناً للسكينة النفسية والاطمئنان الشعوري. هكذا يريده مريحاً تطمئن إليه النفس وتسكن وتأمن سواء بكفايته المادية للسكنى والراحة، أو باطمئنان من فيه بعضهم لبعض، وبسكن من فيه كل إلى الآخر. فليس البيت مكاناً للنزاع والشقاق والخصام، إنما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام. ومن ثم يضمن الإسلام للبيت حرمته، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه. فلا يدخله داخل إلا بعد الاستئذان، ولا يقتحمه أحد ـ بغير حق ـ باسم السلطان، ولا يتطلع أحد على من فيه لسبب من الأسباب، ولا يتجسس أحد على أهله في غفلة منهم أو غيبة، فيروع أمنهم، ويخل بالسكن الذي يريده الإسلام للبيوت، ويعبر عنه ذلك التعبير الجميل العميق! ولأن المشهد بيوت وأكنان وسرابيل، فإن السياق يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين}. وهو هنا كذلك يستعرض من نعمة الأنعام ما يلبي الضرورات وما يلبي الأشواق، فيذكر المتاع، إلى جانب الأثاث. والمتاع ولو أنه يطلق على ما في الأرحال من فرش وأغطية وأدوات، إلا أنه يشي بالتمتع والارتياح. ويرق التعبير في جو السكن والطمأنينة، وهو يشير إلى الظلال والأكنان في الجبال، وإلى السرابيل تقي في الحر وتقي في الحرب: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً، وجعل لكم من الجبال أكناناً، وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر، وسرابيل تقيكم بأسكم} وللنفس في الظلال استرواح وسكن، ولها في الأكنان طمأنينة ووسن، ولها في السرابيل التي تقي الحر من الأردية والأغطية راحة وفي السرابيل التي تقي البأس من الدروع وغيرها وقاية.. وكلها بسبيل من طمأنينة البيوت وأمنها وراحتها وظلها.. ومن ثم يجيء التعقيب: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} والإسلام استسلام وسكن وركون.. وهكذا تتناسق ظلال المشهد كله على طريقة القرآن في التصوير. فإن أسلموا فبها. وإن تولوا وشردوا فما على الرسول إلا البلاغ. وليكونن إذا جاحدين منكرين، بعد ما عرفوا نعمة الله التي لا تقبل النكران! {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين. يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها. وأكثرهم الكافرون}.. ثم يعرض ما ينتظر الكافرين عندما تأتي الساعة التي ذكرت في مطلع الحديث: {ويوم نبعث من كل أمة شهيداً، ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون. وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون. وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا: ربنا هـؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك. فألقوا إليهم القول: إنكم لكاذبون. وألقوا إلى الله يومئذ السلم، وضل عنهم ما كانوا يفترون. الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون}.. والمشهد يبدأ بموقف الشهداء من الأنبياء يدلون بما يعلمون مما وقع لهم في الدنيا مع أقوامهم من تبليغ وتكذيب والذين كفروا واقفون لا يؤذن لهم في حجة ولا استشفاع ولا يطلب منهم أن يسترضوا ربهم بعمل أو قول، فقد فات أوان العتاب والاسترضاء، وجاء وقت الحساب والعقاب. {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون}.. ثم يقطع هذا الصمت رؤية الذين أشركوا لشركائهم في ساحة الحشر ممن كانوا يزعمون أنهم شركاء لله، وأنهم آلهة يعبدونهم مع الله أو من دون الله. فإذا هم يشيرون إليهم ويقولون! {ربنا هـؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك} فاليوم يقرون: {ربنا} واليوم لا يقولون عن هؤلاء إنهم شركاء لله. إنما يقولون: {هؤلاء شركاؤنا}.. ويفزع الشركاء ويرتجفون من هذا الاتهام الثقيل، فإذا هم يجبهون عبادهم بالكذب في تقرير وتوكيد: {فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} ويتجهون إلى الله مستسلمين خاضعين {وألقوا إلى الله يؤمئذ السلم}.. وإذا المشركون لا يجدون من مفترياتهم شيئاً يعتمدون عليه في موقفهم العصيب: {وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. وينتهي الموقف بتقرير مضاعفة العذاب للذين كفروا وحملوا غيرهم على الكفر وصدوهم عن سبيل الله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون} فالكفر فساد، والتكفير فساد، وقد ارتكبوا جريمة كفرهم، وجريمة صد غيرهم عن الهدى، فضوعف لهم العذاب جزاء وفاقاً. ذلك شأن عام مع جيمع الأقوام. ثم يخصص السياق موقفاً خاصاً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع قومه: {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم، وجئنا بك شهيداً على هـؤلاء، ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}.. وفي ظل المشهد المعروض للمشركين، والموقف العصيب الذي يكذب الشركاء فيه شركاءهم، ويستسلمون لله متبرئين من دعوى عبادهم الضالين، يبرز السياق شأن الرسول مع مشركي قريش يوم يبعث من كل أمة شهيد. فتجيء هذه اللمسة في وقتها وقوتها: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء}.. ثم يذكر أن في الكتاب الذي نزل على الرسول {تبياناً لكل شيء} فلا حجة بعده لمحتج، ولا عذر معه لمعتذر. {وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}.. فمن شاء الهدى والرحمة فليسلم قبل أن يأتي اليوم المرهوب، فلا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون.. وهكذا تجيء مشاهد القيامة في القرآن لأداء غرض في السياق، تتناسق مع جوه وتؤديه.
ابن عاشور
تفسير : كان ممّا حكي من مقالات كفرهم أنهم أقسموا بالله لا يبعث الله من يموت، لأنهم توهّموا أن إفناء هذا العالم العظيم وإحياء العظام وهي رميم أمر مستحيل، وأبطل الله ذلك على الفور بأن الله قادر على كل ما يريده. ثم انتقل الكلام عقب ذلك إلى بسط الدلائل على الوحدانية والقدرة وتسلسل البيان، وتفنّنت الأغراض بالمناسبات، فكان من ذلك تهديدهم بأن الله لو يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك على الأرض من دابّة، ولكنه يمهلهم ويؤخّرهم إلى أجل عَيّنه في علمه لحكمته وحذّرهم من مفاجأته، فثنى عِنان الكلام إلى الاعتراض بالتذكير بأن الله لا يخرج عن قدرته أعظم فعل مما غاب عن إدراكهم وأن أمر الساعة التي أنكروا إمكانها وغرّهم تأخير حلولها هي مما لا يخرج عن تصرّف الله ومشيئته متى شاءه. فذلك قوله تعالى: {ولله غيب السمٰوات والأرض} بحيث لم يغادر شيئاً مما حكي عنهم من كفرهم وجدالهم إلا وقد بيّنه لهم استقصاءً للإعذار لهم. ومن مقتِضيات تأخير هذا أنه يشتمل بصريحه على تعليم، وبإيمائه إلى تهديد وتحذير. فاللام في قوله: {وللّه غيب السماوات والأرض} لام الملك. والغيب: مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي الأشياء الغائبة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : [سورة البقرة: 3]. وهو الغائب عن أعين الناس من الأشياء الخفيّة والعوالم التي لا تصل إلى مشاهدتها حواسّ المخلوقات الأرضية. والإخبار بأنها ملك لله يقتضي بطريق الكناية أيضاً أنه عالم بها. وتقديم المجرور أفاد الحصر، أي له لا لغيره. ولام الملك أفادت الحصر، فيكون التقديم مفيداً تأكيد الحصر أو هو للاهتمام. وأمر {الساعة}: شأنها العظيم. فالأمر: الشأن المهمّ، كما في قوله تعالى: {أية : أتى أمر الله} تفسير : [سورة النحل: 1]، وقول أبي بكر رضي الله عنه: ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، أي شأن وخطب. و{الساعة}: علم بالغلبة على وقت فناء هذا العالم، وهي من جملة غيب الأرض. ولمح البصر: توجّهه إلى المرئيّ لأن اللّمح هو النظر. ووجه الشّبه هو كونه مقدوراً بدون كلفة، لأن لَمح البصر هو أمكن وأسرع حركات الجوارح فهو أيسر وأسرع من نقل الأرجل في المشي ومن الإشارة باليد. وهذا التشبيه أفصح من الذي في قول زهير:شعر : فهُنّ ووادي الرّسّ كاليَد للفم تفسير : ووجه الشّبه يجوز أن يكون تحقّق الوقوع بدون مشقّة ولا إنظار عند إرادة الله تعالى وقوعه، وبذلك يكون الكلام إثباتاً لإمكان الوقوع وتحذيراً من الاغترار بتأخيره. ويجوز أن يكون وجهُ الشّبه السرعةَ، أي سرعة الحصول عند إرادة الله، أي ذلك يحصل فَجْأة بدون أمارات كقوله تعالى: {أية : لا تأتيكم إلا بغتة} تفسير : [سورة الأعراف: 187]. والمقصود: إنذارهم وتحذيرهم من أن تبغتهم الساعة ليقلعوا عمّا هم فيه من وقتتِ الإنذار. ولا يتوهّم أن يكون البصر تشبيهاً في سرعة الحصول إذ احتمال معطّل لأن الواقع حارس منه. و{أو} في {أو هو أقرب} للإضراب الانتقالي، إضراباً عن التشبيه الأول بأن المشبّه أقوى في وجه الشبّه من المشبّه به، فالمتكلّم يخيّل للسامع أنه يريد تقريب المعنى إليه بطريق التّشبيه، ثم يعرض عن التّشبيه بأن المشبّه أقوى في وجه الشّبه وأنه لا يجد له شبيهاً فيصرّح بذلك فيحصل التقريب ابتداء ثم الإعراب عن الحقيقة ثانياً. ثم المراد بالقرب في قوله تعالى: {أقرب} على الوجه الأول في تفسير لمح البصر هو القرب المكاني كناية عن كونه في المقدوريّة بمنزلة الشيء القريب التّناول كقوله تعالى: {أية : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} تفسير : [سورة ق: 16]. وعلى الوجه الثاني في تفسيره يكون القرب قرب الزمان، أي أقرب من لمح البصر حصّة، أي أسرع حُصولاً. والتذييل بقوله تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} صالح لكلا التفسيرين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} الآية. أظهر الأقوال فيها: أن معنى أن الله إذا أراد الإتيان بها فهو قادر على أن يأتي بها في أسرع من لمح البصر. لأنه يقول للشيء كن فيكون. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50]. وقال بعض العلماء: المعنى هي قريب عنده تعالى كلمح البصر وإن كانت بعيداً عندكم. قل قال تعالى: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً} تفسير : [المعارج: 6-7]، وقال: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج: 47]. واختار أبو حيان (في البحر المحيط): أن "أو" في قوله "أو هو أقرب" للإبهام على المخاطب، وتبع في ذلك الزجاج، قال: ونظيره {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147]، وقوله: {أية : أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} تفسير : [يونس: 24].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (77) - وَللهِ عِلْمُ مَا غَابَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، مِمَّا لاَ سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِهِ حِسّاً، وَلاَ فَهْمِهِ عَقْلاً، وَهُوَ تَعَالَى يَخْتَصُّ بِعِلْمِ مَوْعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقِيَامِ القِيَامَةِ. وَحُدُوثِ السَّاعَةِ التِي يَقِفُ الخَلاَئِقُ فِيهَا بَيْنَ يَدَي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْحِسَابِ، كَرَجْعِ البَصَرِ، وَطَرْفَةِ العَيْنِ، فِي السُّرْعَةِ، فَاللهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ شَيْئاً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}.تفسير : وَاللهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرْ. كَلَمْحِ البَصَرِ - كَخَطْفَةِ البَصَرِ، أَوِ اخْتِلاَسِ النَّظَرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أراد الحق سبحانه أنْ يُعلمنا منه عالم المُلْك، ومنه عالم الملكوت .. عالم المُلْك هو العالم المحسّ لنا، وعالم الملكوت المخفيّ عنَّا فلا نراه. ولذلك، فربنا سبحانه وتعالى لما تكرّم على سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قال: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 75]. إذن: لله تعالى في كونه ظاهر وغَيْب .. الظاهر له نواميس كونية يراها كل الناس، وله أشياء غيبيّة لا يراها أحد، ولا يطّلع عليها .. حتى في ذاتك أنت أشياء غَيْب لا يعلمها أحد من الناس، وكذلك عند الناس أشياء غَيْب لا تعرفها أنت .. وهذا الغيب نُسميّه: غَيْب الإنسان. إذن: فأنا غائب عنّي أشياء، وغيري غائب عنه أشياء .. هذا الغيب الذي لا نعرفه يَعُدّه بعض الناس نَقْصاً فينا، وهو في الحقيقة نوع من الكمال في النفس البشرية؛ لأنك إنْ أردتَ أنْ تعلمَ غيْبَ الناس فاسمح لهم أنْ يعلموا غَيْبك. ولو خُيّرت في هذه القضية لاخترتَ أنْ يحتفظ كلٌّ منكم بغَيْبه لا يطلع عليه أحد .. لا أعرف غَيْب الناس، ولا يعرفون غَيْبي؛ ولذلك يقولون: "المغطى مليح". فسَتْر الغيب كمال في الكون؛ لأنه يُربِّي ويُثري الفائدة فيه .. كيف؟ هَبْ أنك تعرف رجلاً مستقيماً كثير الحسنات، ثم اطلعتَ على سيئة واحدة عنده كانت مستورة، فسوف ترى هذه السيئة كفيلة بأن تُزهِّدك في كل حسناته وتُكرِّهك فيه، وتدعوك إلى النُّفْرة منه، فلا تستفيد منه بشيء، في حين لو سُترتْ عنك هذه السيئةُ لاستطعت الانتفاع بحسناته .. وهكذا يُنمي الغيبُ الفائدةَ في الكون. وفي بعض الآثار الواردة يقول الحق سبحانه: "حديث : يا ابْنَ آدمَ سترْتُ عنك وسترْتُ مِنك، فإنْ شئتَ فضحْنَا لك وفضحناك، وإنْ شئت أسبلنَا عليك سِبالَ السِّتر إلى يوم القيامة ". تفسير : فاجعل نفسك الآن المخاطب بهذا الحديث، فماذا تختار؟ أعتقد أن الجميع سيختار الستْر .. فما دُمْتَ تحب الستر وتكره أنْ يطلعَ الناس على غَيْبك فإياك أنْ تتطاول لتعرفَ غَيْب الآخرين. والغيب: هو ما غاب عن المدركات المحسَّة من السمع والبصر والشَّمِّ والذَّوْق، وما غاب عن العقول من الإدراكات المعنوية. وهناك غيْب وضع الله في كونه مقدمات تُوصِّل إليه وأسباباً لئلا يكونَ غَيْباً .. كالكهرباء والجاذبية وغيرها .. كانت غَيْباً قبل أنْ تُكتشفَ .. وهكذا كل الاكتشافات والأسرار التي يكشفها لنا العلم، كانت غَيْباً عنّا في وقت، ثم صارت مُشَاهدة في وقت آخر. ذلك، لأن الحق سبحانه لا ينثر لنا كُلَّ أسرار كَوْنه مرة واحدة، بل يُنزِله بقَدرٍ ويكشفه لنا بحساب، فيقول سبحانه: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21]. فالذي كان غَيْباً في الماضي أصبح ظاهراً مُشَاهداً اليوم؛ لأن الله سبحانه كشف لنا أسبابه فتوصَّلْنا إليه .. فهذا غَيْب جعل الله له مُقدَّمات يصل إليها مَنْ يبحث في الكون، فإذا ما أذن الله به، وحان وقت ميلاده وَفَّق الله أحد الباحثين إلى اكتشافه، إما عن طريق البحث، أو حتى الخطأ في المحاولة، أو عن طريق المصادفة. ولذلك إذا بحثتَ في كل المخترعات والمكتشفات لوجدت 90% منها جاءت مصادفة، لم يكونوا بصدد البحث عنها أو التوصل إليها، وهذا ما نسميه "غيب الأكوان". ومثال هذا الغيب: إذا كلفتَ ولدك بِحلِّ تمرين هندسيٍّ .. ومعنى حَلِّ التمرين أنْ يصلَ الولدُ إلى نقطة تريد أنت أنْ يصلَ إليها .. ماذا يفعل الولد؟ يأخذ ما تعطيه من مُعْطيات، ثم يستخدم ما لديْه من نظريات، وما يملكه من ذكاء ويستخرج منها المطلوب. فالولد هنا لم يَأْتِ بجديد، بل استخدم المعطيات، وهكذا الأشياء الموجودة في الكون هي المعطيات مَنْ بحثَ فيها توصّل إلى غيبيَّات الكون وأسراره. وهذا النوع من الغيب يقول عنه الحق سبحانه: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..} تفسير : [البقرة: 255]. فإذا أذنَ الله لهم تكشفتْ لهم الأسرار: إما بالبحث، وإما بالخطأ، أو حتى بالمصادفة .. فطالما حان وقت ميلاد هذا الغيْب واكتشافه؛ فإن صادف بَحْثاً من البشر التقيا، وإلاَّ أظهره الله لنَا دون بَحْث ودون سَعْي مِنَّا. وهناك نوع آخر من الغيب، وهو الغَيْب المطلق، وهو غَيْب عن كل البشر استأثر الله به، وليس له مُقدِّمات وأسباب تُوصَّل إليه، كما في النوع الأول .. هذا الغَيْب، قال تعالى في شأنه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..} تفسير : [الجن: 26-27]. فإذا ما أعلمنا الرسول غَيْباً من الغيبيات فلا نقول: إنه يعلم الغيب .. لأنه لا يعلم إلا ما أعلمه الله من الغيب .. إذن: هذا غَيْب لا يدركه أحد بذاته أبداً. ومن هذا الغَيْب المطلق غَيْبٌ استأثر الله به، ولا يُطلع عليه أحداً حتى الرسل .. حديث : ولما سُئِل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة، قال: "ما المسئول عنها بأعلمَ من السائل ". تفسير : وفي الإسراء والمعراج يحدثنا صلى الله عليه وسلم أن الله قد أعطاه ثلاثة أوعية: وعاء أمره بتبليغه وهو وعاء الرسالة، ووعاء خَيَّره فيه فلا يعطيه إلا لأهل الاستعداد السلوكي الذين يتقبلون أسرار الله ولا تنكرها عقولهم، ووعاء منعه فهو خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول راوي الحديث: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني وعاءين، أما أحدهما فقد بثثْتُه أي رويْته وقُلْته للناس، وأما الآخر فلو بُحْت به لَقُطِع حلقومي هذا، فهذا من الأسرار التي يختار الرسول صلى الله عليه وسلم لها مَنْ يحفظها. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النحل: 77]. هذا يُسمُّونه أسلوب قَصْر بتقديم الجار والمجرور، أي قصر غيب السمٰوات والأرض عليه سبحانه، فلو قلنا مثلاً: غيب السمٰوات والأرض لله، فيحتمل أن يقول قائل: ولغير الله، أما: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النحل: 77]. أي: له وحده لا شريك له. ومعنى السمٰوات والأرض، أي: وما بينهما وما وراءهما، ولكن المشهور من مخلوقات الله: السماء، والأرض. ثم يقول تعالى: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ..} [النحل: 77]. جاءت الآية بهذا الغَيْب الوحيد؛ لأنه الغيب الذي استأثر الله به .. ولا يُجلّيها لوقتها إلا هو .. فناسب الحديث عن الغيب أنْ يأتيَ بهذا الغَيْب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله. وما هو لَمْح البصر؟ عندنا أفعال متعددة تدلّ كلّها على الرؤية العامة، وإنْ كان لكل منها معنًى خاصٌّ بها نقول: رأى ونظر ورَمق ولحظ ولمح .. فرأى مثلاً أي بجُمع عينه، ورمق بأعلى، ولحظَ بجانب، فكلُّها مرتبطة بحركة الحدقة، هذه الحركة ما نسميه باللمح. إذن: لمح البصر هو تحرُّك حَدقة العين إلى ناحية الشيء المرئي .. فإنْ أردتَ أن ترى ما فوقك تحركتْ الحدقة إلى أعلى، وإنْ أردتَ أن ترى ما هو أسفل تحركتْ الحدقة إلى أسفل وهكذا. هذه الحركة هي لَمْح البصر، انتقال الحدقة من وضع إلى وضع. إذن: شبَّه الحق تبارك وتعالى أمر الساعة عنده سبحانه بلمح البصر، ولكن اللمح حدث، والأحداث تحتاج إلى أزمان، وقد تطول الأزمان في ذاتها ولكنها تقصر عند الرائي. وقد قرَّب إلينا العلم الحديث هذه القضية بما توصَّل إليه من إعادة المشاهد المصوَّرة على البطيء ليعطيك فرصة متابعتها بدقة، فنراهم مثلاً يُعيدون لك مَشْهداً كروياً لترى كل تفاصيله، فتجد المشهد الذي مَرّ كلمح البصر يُعرَض أمامك بطيئاً في زمن أطول، في حين أن الزمن في السرعة يتجمع تجمّعاً لا تدركه أنت بأيّ معيار، لا بالدقيقة ولا بالثانية. إذن: فهي جزئيات حركة في جزئيات زمان، فلَمْح البصر الذي هو تحرُّك حَدقة العين تحتاج لوقت ولزمن متداخل، وليس هكذا أمْر الساعة، بل هذا أقرب ما يعرفه الإنسان، وأقرب تشبيه لِفَهْم أمْر الساعة بالنسبة له سبحانه. إذا قيل لك: ما أمر فلان؟ وما شأنه؟. تأخذ في سَرْد الأحداث .. حدث كيت وكيت .. فإذا قلنا: ما أمْر الساعة؟ ما شأنها ساعةَ تقوم، حيث يموت الأحياء أولاً، ثم يحيا الجميع من لَدُنْ آدم عليه السلام ثم حَشْر وحساب وثواب وعقاب. أحداث كثيرة وعظيمة لخلْق متعددين من الإنس والجن .. يحدث هذا كله كلمح البصر بالنسبة لنا، ولكن إياك أنْ تتصوّر أن هذا يحتاج إلى وقت بالنسبة لله سبحانه. فالأشياء بالنسبة له سبحانه لا تعالج، وإنما هي كُنْ فيكون، حتى كُنْ مكوّنة من حرفين: الكاف لفظ وله زمن، والنون لفظ وله زمن، إنما أَمْر الساعة أقرب من الكاف والنون، ولكن ليس هناك أقلّ من هذا في فَهْمنا. والحق سبحانه وتعالى حينما تكلَّم عن أهل القبور، قال: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46]. في حين أننا نرى أنهم غابوا كثيراً في قبورهم .. إذن: كيف يُقَاسُ الزمن؟ .. يُقاس بتتبُّعك للأحداث، فحينما لا يُوجد حَدَث لا يُوجَد زمن .. وهذا ما نراه في حال النائم الذي لا يستطيع تحديد الزمن الذي نامه إلا على غالب ما يكون في البشر. ولذلك، في قصة أهل الكهف الذين ناموا ثلاث مائة عام وتسعة أعوام قالوا: {أية : لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..} تفسير : [المؤمنون: 113]. فهذا هو الغالب في عُرْف الناس؛ ذلك لأنهم استيقظوا فلم يجدوا شيئاً حولهم يدل على زمن طويل .. الحال كما هو لم يتغيَّر فيهم شيء .. فلو استيقظوا فوجدوا أنفسهم شيوخاً بعد أن كانوا فتية لَعلِموا بمرور الزمن .. إذن: الزمن بالنسبة لعدم الحدث زمن مَلْغيّ. أو نقول: إن أَمْر الساعة في أن الحق سبحانه يجعلها جامعة للناس إلا كلمْح البصر، فكلّ ما يحدث فيها لا تقيسه بزمن، لأن الذي يُقاسُ بالزمن إنما هي الأحداث الناشئة من فاعل له قدرة وقوة تتوزع على الزمن. فلو أردْتَ نَقْل هذا الشيء من هنا إلى هنا فسوف يحتاج منك وقتاً ومجهوداً، أما لو كلفتَ طفلاً بنقل هذا الشيء فسوف يأخذ وقتاً أكثر ويحتاج مجهوداً أكثر .. إذن: فالزمن يتناسب مع قدرة الفاعل تناسباً عكسياً. ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما حدَّث الناس بالإسراء والمعراج قالوا: أتدَّعي أنك أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً .. هذا لأن انتقالهم يحتاج لعلاج ومُزَاولة، تأخذ وَقْتاً يتناسب وقدراتهم في الانتقال بالإبل من مكة إلى بيت المقدس .. ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يقل: أسريْتُ، بل قال: أُسْرِي بي، الذي أَسْرى به هو الله سبحانه، فالزمن يُقاس بالنسبة للحق سبحانه وتعالى. وكذلك إذا قِيسَ زَمن أَمْر الساعة بالنسبة لقدرته سبحانه فإنه يكون كلمح البصر، أو هو أقرب من ذلك .. إنما هو تشبيه لِنُقرِّب لكم الفهم. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل: 77]. أي: يكون أمر الساعة كذلك؛ لأن الله قادر على كل شيء، وما دامت الأحداث تختلف باختلاف القدرات، فقدرة الله هي القدرة العُلْيا التي لا تحتاج لزمن لفعل الأحداث. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هو تعالى المنفرد بغيب السماوات والأرض، فلا يعلم الخفايا والبواطن والأسرار إلا هو، ومن ذلك علم الساعة فلا يدري أحد متى تأتي إلا الله، فإذا جاءت وتجلت لم تكن { إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } من ذلك فيقوم الناس من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم وتفوت الفرص لمن يريد الإمهال، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فلا يستغرب على قدرته الشاملة إحياؤه للموتى.
همام الصنعاني
تفسير : 1506- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ}: [الآية: 77]، قال هو أن يقول: كن فهو كلمح البصر {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} فأمر السَّاعَةِ كلمح البصر أو هو أقرب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):