١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً لا علم لكم بشيء. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها ـ لا تعلمون شيئاً مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم. الثاني ـ لا تعلمون شيئاً مما قضى عليكم من السعادة والشقاء. الثالث ـ لا تعلمون شيئاً من منافعكم؛ وتَمّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي التي تعلمون بها وتدركون؛ لأن الله جعل ذلك لعباده قبل إخراجهم من البطون وإنما أعطاهم ذلك بعد ما أخرجهم؛ أي وجعل لكم السمع لتسمعوا به الأمر والنهي، والأبصار لتبصروا بها آثار صنعه، والأفئدة لتصلوا بها إلى معرفته. والأفئدة: جمع الفؤاد نحو غراب وأغربة. وقد قيل في ضمن قوله «وجعل لَكُمُ السَّمْعَ» إثبات النطق لأن من لم يسمع لم يتكلم، وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق. وقرأ الأعمش وٱبن وَثّاب وحمزة «إمّهاتِكم» هنا وفي النور والزُّمَر والنجم، بكسر الهمزة والميم. وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم؛ وإنما كان هذا للإتباع. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل. وأصل الأمهات: أمّات، فزيدت الهاء تأكيداً كما زادوا هاء في أهرقت الماء وأصله أرقت. وقد تقدّم هذا المعنى في «الفاتحة». {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فيه تأويلان: أحدهما ـ تشكرون نعمه. الثاني ـ يعني تبصرون آثار صنعته؛ لأن إبصارها يؤدي إلى الشكر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } الجملة حال {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ } بمعنى الأسماع {وَٱلأَبْصَٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } القلوب {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } على ذلك فتؤمنون.
النسفي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } وبكسر الألف وفتح الميم: عليّ اتباعاً لكسرة النون وبكسرهما: حمزة، والهاء مزيدة في أمهات للتوكيد كما زيدت في «أراق» فقيل «أهراق» وشذت زيادتها في الواحدة {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } حال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه. والأفئدة في فؤاد كالأغربة في غراب وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة لعدم السماع في غيرها {أَلَمْ يَرَوْاْ } وبالتاء: شامي وحمزة {إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرٰتٍ } مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك {فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ } هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو {مَا يُمْسِكُهُنَّ } في قبضهن وبسطهن ووقوفهن {إِلاَّ ٱللَّهُ } بقدرته، وفيه نفي لما يصوره الوهم من خاصية القوى الطبيعية {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بأن الخلق لا غنى به عن الخالق {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } هو فعل بمعنى مفعول أي ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا } هي قباب الأدم {تَسْتَخِفُّونَهَا } ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } بسكون العين: كوفي وشامي، وبفتح العين: غيرهم. والظعن بفتح العين وسكونها الارتحال {وَيَوْمَ إِقَـٰمَتِكُمْ } قراركم في منازلكم، والمعنى أنها خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر على أن اليوم بمعنى الوقت {وَمِنْ أَصْوَافِهَا } أي أصواف الضأن {وَأَوْبَارِهَا } وأوبار الإبل {وَأَشْعَارِهَآ} وأشعار المعز {أَثَاثاً } متاع البيت {وَمَتَـٰعاً } وشيئاً ينتفع به {إِلَىٰ حِينٍ } مدة من الزمان
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} تم الكلام هنا لأن الإنسان خلق في أول الفطرة، ومبدئها خالياً عن العلم والمعرفة لا يهتدي سبيلاً ثم ابتدأ فقال تعالى {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} يعني أن الله سبحانه وتعالى إنما أعطاكم هذه الحواس لتنتقلوا بها من الجهل إلى العلم، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب، والسنة وهي الدلائل السمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، وجعل لكم الأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته، وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا بها على وحدانيته. وجعل لكم الأفئدة لتعقلوا بها، وتفهموا معاني الأشياء التي جعلها دلائل وحدانيته، وقال ابن عباس: في هذه الآية يريد لتسمعوا مواعظ الله وتبصروا ما أنعم الله به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم، إلى أن صرتم رجالاً وتعقلوا عظمة الله، وقيل في معنى الآية: والله خلقكم في بطون أمهاتكم وسواكم وصوركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة، وجعل لكم الحواس آلات: لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم به في الآخرة. فإن قلت: ظاهر الآية يدل على أن جعل الحواس الثلاث بعد الإخراج من البطون، وإنما خلقت هذه الحواس للإنسان من جملة خلقه، وهو في بطن أمه. قلت: ذكر العلماء أن تقديم الإخراج، وتأخير ذكر هذه الحواس لا يدل على أن خلقها كان بعد الإخراج لأن الواو لا توجب الترتيب ولأن العرب تقدم وتؤخر في بعض كلامها. وأقول لما كان الانتفاع بهذه الحواس بعد الخروج من البطن، فكأنما خلقت في ذلك الوقت الذي ينتفع بها فيه وإن كانت قد خلقت قبل ذلك. وقوله تعالى {لعلكم تشكرون} يعني إنما أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم {ألم يروا إلى الطير مسخرات} يعني مذللات {في جو السماء} الجو الفضاء الواسع بين السماء والأرض وهو الهواء. قال كعب الأحبار: إن الطير ترتفع في الجو اثني عشر ميلاً ولا ترتفع فوق ذلك {ما يمسكهن إلا الله} يعني في حال قبض أجنحتها، وبسطها واصطفاقها في الهواء، وفي هذا حث على الاستدلال بها على أن لها مسخراً سخرها، ومذللاً ذللها، وممسكاً أمسكها في حال طيرانها ووقوفها في الهواء، وهو الله تعالى {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} إنما خص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم الذين يعتبرون بالآيات ويتفكرون فيها وينتفعون بها دون غيرهم. قوله سبحانه وتعالى {والله جعل لكم من بيوتكم} يعني التي هي من الحجر والمدر {سكناً} يعني مسكناً تسكنونه، والسكن ما سكنت إليه وفيه من ألف أو بيت {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} يعني الخيام والقباب والأخبية، والفساطيط المتخذة من الأدم والأنطاع. واعلم أن المساكن على قسمين: أحدهما: ما لم يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما، والقسم الثاني: ما يمكن نقله من مكان إلى آخر وهي الخيام والفساطيط المتخذة من جلود الأنعام، وإليها الإشارة بقوله تعالى {تستخفونها} يعني يخف عليكم حملها {يوم ظعنكم} يعني في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم وظعن البادية هو لطلب ماء أو مرعى، نحو ذلك {ويوم إقامتكم} يعني وتخف عليكم أيضاً في إقامتكم وحضركم، والمعنى: لا تثقل عليكم في الحالتين {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} الكناية عائدة إلى الأنعام، يعني ومن أصواف الضأن، وأوبار الإبل وأشعار المعز {أثاثاً} يعني تتخذون أثاثاً. الأثاث. متاع البيت الكبير، وأصله من أث إذا كثر وتكاثف، وقيل للمال أثاث إذا كثر. قال ابن عباس: أثاثاً يعني مالاً: وقال مجاهد: متاعاً. وقال القتيبي: الأثاث المال أجمع من الإبل والغنم والعبيد والمتاع. وقال غيره الأثاث هو متاع البيت من الفرش والأكسية ونحو ذلك {ومتاعاً} يعني وبلاغاً وهو ما يتمتعون به {إلى حين} يعني إلى حين يبلى ذلك الأثاث، وقيل: إلى حين الموت. فإن قلت: أي فرق بين الأثاث والمتاع حتى ذكره بواو العطف، والعطف يوجب المغايرة فهل من فرق؟. قلت: الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه وغير ذلك فيدخل فيه جميع أصناف المال، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة فظهر الفرق بين اللفظتين، والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} لما بين كمال القدرة والعلم، عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار، فقال: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}. قرأ حمزة والكسائي: "إمَّهاتِكُمْ" بكسر الهمزة، والباقون بضمِّها، وأصل "أمَّهاتِكُم": إمَّاتكُم، إلا أنه زيدت الهاء فيه كما زيدت في "أراق" فقيل: أهراق، وشذَّت زيادتها في الواحدة في قوله: [الرجز] شعر : 3350- أمَّهَتِي خِندِفُ واليَاسُ أبِي تفسير : والجملة من قوله: {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} حالٌ من مفعول "أخْرَجَكُمْ" غير عالمين و "شَيْئاً" إمَّا مصدر، أي: شيئاً من العلم، وإمَّا مفعول به والعلم هنا العرفان، وتقدَّم الكلام في "أمَّهَاتِكُمْ" في النِّساء. فصل خلق الإنسان في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء. ثم قال تعالى -: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} والمعنى: أن النَّفس الإنسانية كانت في أول الخلقةِ خالية عن المعارف والعلوم ثم إن الله تعالى أعطاها هذه الحواس؛ لتستفيد بها المعارف والعلوم، وتحقيق الكلام فيه أن يقال: التَّصوُّرات والتَّصديقات إمَّا أن تكون كسبيَّة أو بديهيَّة؛ والكسبيَّة لا يمكن حصولها إلا بواسطة تركيبات البديهيَّات، فلا بد من سبق العلوم البديهيَّة. فإن قيل: هذه العلوم البديهية إمَّا أن يقال: كانت حاصلة منذ خلقنا، أو ما كانت حاصلة؛ والأول باطل؛ لأنا بالضرورة نعلمُ أنَّا حين كنَّا جنيناً في رحم الأمِّ ما كنَّا نعرفُ أن النَّفي والإثبات لا يجتمعان، وما كنَّا نعرف أن الكلَّ أعظم من الجزء. وأما القسم الثاني: فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنَّها ما كانت حاصلة، وحينئذٍ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب، وكلُّ ما كان كسباً فهو مسبوق بعلوم أخرى إلى غير نهاية، وذلك محال. فالجواب: أن هذه العلوم البديهيَّة ما كانت حاصلة في نفوسنا أولاً، ثم إنها حدثت، وحصلت، أما قوله: فيلزم أن تكون كسبية، فهذه المقدمة ممنوعة، بل نقول: إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها، بواسطة إعانة الحواسِّ التي هي السَّمع والبصر، فإن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم، إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر فإذا أبصر الطفل شيئاً أو سمعه مرة بعد أخرى، ارتسم في خياله ماهيَّة ذلك المبصر والمسموع؛ وكذلك القول في سائر الحواسِّ، فيصير حصول الحواسِّ سبباً لحضور ماهيَّات المحسوسات في النَّفس والعقل. ثم إنَّ تلك الماهيَّات على قسمين: أحدهما: ما يكون حضوره موجباً تاماً في جرم الذِّهن، بإسناد بعضها إلى بعض بالنَّفي أو الإثبات، مثل أنه إذا حضر في الذِّهن أن الواحد ما هو؟ وأن نصف الاثنين ما هو؟ كان حضور هذين التَّصوُّرين في الذِّهن علَّة تامة في جرم الذِّهن؛ بأنَّ الواحد محكوم عليه بأنَّه نصف الاثنين، وهذا القسم هو العلوم البديهيَّة. والقسم الثاني: ما لا يكون كذلك، وهو العلوم النَّظريَّة؛ مثل أنَّه إذا حضر في الذِّهن بأنَّ الجسمَ ما هو؟ والمحدث ما هو؟ فإن مجرَّد هذين التصوُّرين في الذِّهْن لا يكفي في جزم الذهن بأنَّ الجسم محدث، بل لا بدَّ فيه من [دليل] منفصل وعلوم سابقة. والحاصل أن العلوم الكسبيَّة إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهيَّة، وحدوث العلوم البديهيَّة إنما تكون عند حدوث تصوُّر موضوعاتها، وتصوُّر محمولاتها، وحدوث التَّصورات إنَّما كان بسبب إعانة هذه الحواس على إحداثها؛ فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النُّفُوس والعقول هو أنَّه - تعالى - أعطى هذه الحواس. فلهذا قال - تعالى-: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} ليصير حصول هذه الحواس سبباً لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطَّريق المذكور. وقال المفسرون: "وجَعلَ لَكُمُ السَّمْعَ" لتسمعوا مواعظ الله تعالى، "والأبْصَارَ" لتبصروا دلائل [آلاء] الله، "والأفْئِدةَ" لتعقلوا عظمة الله. و "الأفْئِدَة" جمع فُؤادِ؛ نحو: أغْرِبة وغُراب، قال الزجاج: ولم يجمع "فُؤاد" على أكثر العددِ، وما قيل: "فِئْدَان" كما قيل: "غُرَاب وغِرْبَان". ولعلَّ الفؤاد إنَّما جُمِع على جمع القلَّة؛ تنبيهاً على أنَّ السَّمع والبصر كثيران، وأن الفؤاد قليلٌ؛ لأن الفؤاد إنَّما خلق للمعارف الحقيقيَّة، والعلوم اليقينيَّة، وأكثر الخلق ليسوا كذلك، بل يكونوا مشغولين بالأفعال البهيميَّة والصِّفات السبعية، فكأن فؤادهم ليس بفؤادٍ؛ فلهذا جمع جمع القلَّة قاله ابن الخطيب. وقال الزمخشري - رحمه الله تعالى -: إنَّه من الجموع التي استعملت للقلَّة والكثرة، ولم يسمع فيها غير القلَّة، نحو: "شُسُوع"، فإنَّها للكثرة، وتستعمل في القلَّة، ولم يسمع غير شسوع. كذا قال وفيه نظر فقد سمع فيهم "أشساع" فكان ينبغي أن يقال: غلب "شسوع". فإن قيل: قوله - عز وجل-: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ}، عطف على قوله: "أخْرَجَكُم" وهذا يقتضي أن يكون جعل السَّمع والبصر متأخِّراً عن الإخراج من البطن؛ وليس كذلك. فالجواب: أنَّ حرف الواو لا يوجب التَّرتيب، وأيضاً إذا حملنا السمع على الإسماع والبصر على الرؤية، زال السؤال، هذا إذا جعلنا قوله - تعالى -: "وجَعلَ" معطوفاً على "أخْرَجَكُم" فيكون داخلاً فيما أخبر به عن المبتدأ ويجوز أن يكون مستأنفاً. فصل قيل: معنى الكلام: لا تعلمون شيئاً ممَّا أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، وقيل: لا تعلمون شيئاً ممَّا قضى عليكم به من السَّعادة والشقاوة، وقيل: لا تعلمون شيئاً، أي: من منافعكم. قال البغوي - رحمه الله -: "تمَّ الكلام عند قوله - تعالى-: {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} ثمَّ ابتدأ فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ}؛ لأنَّ الله - تعالى - جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمَّهات، وإنَّما أعطاهم العلم بعد الخروج". وسيأتي الكلام في حكمة ذكره السمع بلفظ المصدر، والأبصار والأفئدة بلفظ الاسم في سورة السَّجدة إن شاء الله - تعالى -. وقوله - تعالى-: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ}، أي لتسمعوا به الأمر والنهي، "والأبْصَارَ" أي: لتبصروا بها آثار منفعة الله، "والأفْئِدةَ" لتصلوا بها إلى معرفته - سبحانه وتعالى - وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، أي: نِعَمه. قوله - تعالى-: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ} الآية هذا دليلٌ آخر على كمال قدرة الله وحكمته. قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: "ألَمْ تَروْا" بالتاء من فوق، والباقون: بالياء على الحكاية لمن تقدَّم ذكره من الكفَّار. قوله: {مَا يُمْسِكُهُنَّ} يجوز أن تكون الجملة حالاً من الضمير المستتر في "مُسخَّراتٍ"، ويجوز أن تكون حالاً من الطير، ويجوز أن تكون مستأنفة. ومعنى "مُسخَّراتٍ": مذللات، "في جوِّ السَّماءِ" وهو الهواءُ بين السَّماء والأرض؛ قال: [الطويل] شعر : 3351- فَلسْتُ لإنْسيٍّ ولكِنْ لمَلأكٍ تَنزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يَصُوبُ تفسير : وقيل: الجوُّ ما يلي الأرض في سمت العلوِّ واللوح والسُّكاك أبعد منه. قال كعب الأحبار - رضي الله عنه-: إنَّ الطير يرتفع اثنا عشر ميلاً ولا يرتفع فوق هذا، وفوق الجوِّ السُّكاك، وفوق السُّكاك السماء، و{مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} تعالى، أي: في حال القبض، والبسط، و الاصطفاف ينزلهم كيف يعتبرونها في وحدانيَّته. {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خصَّ هذه الآيات بالمؤمنين؛ لأنَّهم هم المنتفعون بها. فصل جسد الطائر جسم ثقيل، يمتنع بقاؤه في الجوِّ معلَّقاً بلا علاقة ولا دعامة، فوجب أن يكون الممسك له في الجوِّ هو الله - تعالى-، والظاهر أن إبقاءه في الجوِّ فعله باختياره، وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد خلق الله - تعالى -. قال القاضي - رحمه الله -: إنَّما أضاف - تعالى - هذا الإمساك إلى نفسه؛ لأنه - تعالى - هو الذي أعطى الآلات التي يمكن الطير بها من تلك الأفعال، فلما كان - تعالى جلَّ ذكره - هو المسبب لذلك، صحَّت هذه الإضافة. والجواب: هذا تركٌ للظاهر من غير دليل. قوله - تعالى -: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً} الآية وهذا نوعٌ آخر من دلائل التوحيد. قوله: "سَكَناً" يجوز أن يكون مفعولاً أولاً، على أنَّ الجعل تصيير والمفعول الثاني أحد الجارين قبله، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلقِ فيتعدَّى لواحدٍ، وإنَّما وحد السكن؛ لأنه بمعنى ما يسكنون فيه، قاله أبو البقاء. وقد يقال: إنه في الأصل مصدر، وإليه ذهب ابن عطية، فتوحيده واضح إلا أن أبا حيَّان منع كون مصدراً ولم يذكر وجه المنع، وكأنه اعتمد على قول أهل اللغة: إن السكن "فَعْل" بمعنى "مَفْعُول": كالقَبْضِ والنقْضِ بمعنى المَنْقُوض والمَقْبُوض؛ وأنشد الفراء فقال: [البسيط] شعر : 3352- جَاءَ الشِّتاءُ ولمَّا أتَّخِذْ سَكَناً يَا وَيْحَ نَفْسِي مِنْ حَفْرِ القَرامِيصِ تفسير : والسَّكنُ: ما سكنتَ إليه وما سَكنْتَ فيه، قال الزمخشري: "السَّكن ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلفٍ". واعلم أنَّ البيوت الَّتي يسكن فيها الإنسان على قسمين: أحدهما: البيوت المتَّخذة من الحجر والمدر، وهي المرادة من قوله: {جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً} وهذا القسم لا يمكن نقله بل الإنسان ينتقل إليه. والثاني: البيوت المتَّخذة من القباب والخيام والفساطيط، وهي المرادة بقوله: {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا} وهذا القسم يمكن نقله مع الإنسان. قوله: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتح العين، والباقون بإسكانها، وهما لغتان كالنَّهْر والنَّهَر. وزعم بعضهم أن الأصل الفتح، والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق؛ كالشَّعْر والشعَر. والظَّعنُ مصدر ظعن، أي: ارتحل، والظَّعينةُ: الهودج فيه المرأة وإلا فهو محمل، ثم كثر حتى قيل للمرأة: ظعينة. فصل والمعنى: جعل لكم من جلودِ الأنعام بيوتاً، يعني: الخِيَام، والقِبَاب والأخبية، والفَساطِيط من الأنطاع والأدم:، "تَسْتَخِفُّونَها" أي: يخف عليكم حملها {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} رحلتكم في سفركم، والظَّعْنُ: سير [البادية] لنجعة أو لحضور ماء أو طلب مرتع، والظَّعْنُ أيضاً: الهَوْدَج؛ قال: [الهزج] شعر : 3353- ألاَ هَلْ هَاجكَ الأظْعَانُ إذ بَانُوا وإذْ جَادتْ بِوشْكِ البَيْنِ غِرْبَانُ تفسير : {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} في بلدكم لا يثقل عليكم في الحالتين، و "مِنْ" راجعة إلى الحالتين {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} يعني: أصواف الضَّأن، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، وذكر الأصواف والأوبار ولم يذكر القطن والكتان؛ لأنهما لم يكونا ببلاد العرب. قوله: "أثَاثاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفاً على "بُيُوتًا" أي: وجعل لكم من أصوافها أثاثاً، وعلى هذا يكون قد عطف مجروراً على مجرورٍ، ومنصوباً على منصوب، ولا فصل هنا بين حرف العطف والمعطوف حينئذ. وقال أبو البقاء - رحمه الله-: "وقد فصل بينه وبين حرف العطف بالجار والمجرور، وهو قوله عز وجل: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا} وهو ليس بفصل مستقبح كما زعم في الإيضاح؛ لأنَّ الجارَّ والمجرور مفعول، و تقديم مفعول على مفعول قياس". وفيه نظر؛ لأنه عطف مجروراً على مثله، ومنصوباً على مثله. والثاني: أنه منصوب على الحال، ويكون قد عطف مجروراً على مثله تقديره: وجعل لكم من جلود الأنعام، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها بيوتاً حال كونها أثاثاً، ففصل بالمفعول بين المتعاطفين، وليس المعنى على هذا، إنما هو على الأول. والأثاث: متاع البيت إذا كان كثيراً، وأصله: مِنْ أثَّ الشعرُ والنَّباتُ؛ إذا كثفا وتكاثرا؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3354- وفَرْعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسْودَ فَاحمٍ أثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخلَةِ المُتعَثْكِلِ تفسير : ونساءٌ أثائِثُ، أي: كثيرات اللحم كأنّ عليهن أثاثاً، وفلان كثر أثاثهُ. وقال الزمخشري: الأثاث ما جدَّ من فرش البيت، والخُرثيُّ: ما قدم منها؛ وأنشد: [البسيط] شعر : 3355- تَقادمَ العَهْدُ من أمِّ الوليدِ بِنَا دَهْراً وصَارَ أثَاثُ البيتِ خُرثِيَّا تفسير : وهل له واحدٌ من لفظه؟ فقال الفراء: لا، وقال أبو زيد: واحده أثاثة وجمعه في القلَّة: أثثة؛ كـ "بَتَات" و "أبتَّة"، وقال أبو حيَّان: وفي الكثير على أثث، وفيه نظر؛ لأن "فعالاً" المضعَّف يلزم جمعة على أفعلة في القلَّة والكثرة، ولا يجمع على "فُعُل" إلا في لفظتين شذَّتا، وهما: عُيُن وحُجُج جمع عيَّان وحجَّاج، وقد نص النحاة على منع القياس عليهما، فلا يجوز: زمام وزُمُم بل أزمَّة وقال الخليل: الأثاث والمتاع واحد، وجمع بينهما لاختلاف لفظهما؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3356-.................. وألْفَى قَوْلهَا كَذِباً ومَيْنَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 3357-.................. وهِنْدٌ أتَى من دُونِهَا النَّأيُ والبُعْدُ تفسير : وقيل: متاعاً: بلاغاً ينتفعون به، "إلى حين" يعني: الموت، وقيل: إلى حين البِلَى. قوله - تعالى -: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} الآية فالإنسانُ إما أن يكون مقيماً أو مسافراً، والمسافر إمَّا أن يكون غنيًّا يستصحب معه الخيام أو لا. فالقسم الأول أشار إليه بقوله: {جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً}، وأشار إلى القسم الثاني بقوله: {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً} وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى: {جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} فإن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها، فإنَّه لا بد وأن يستظلَّ إما بجدار أو شجرٍ أو بالغمامِ؛ كما قال - سبحانه -: {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ} تفسير : [الأعراف: 160]. قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} جمع "كِنّ"؛ وهو ما حفظ من الرِّيحِ والمطرِ، وهو في الجبل: الغار، وقيل: كلُّ شيءٍ وقَى شيْئاً، ويقال: اسْتكن وأكَنّ، إذا صار في كنٍّ. واعلم أ بلاد العرب شديدة الحرِّ، وحاجتهم إلى الظلِّ ودفع الحرِّ شديدة؛ فلهذا ذكر الله - تعالى - هذه المعاني في معرض النِّعمة العظيمة، وذكر الجبال ولم يذكر السهول وما جعل لهم من السهول أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب جبال، كما قال - تعالى -: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ}؛ لأنَّهم كانوا أصحاب وبر وشعر، كما قال - عز وجل -: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} تفسير : [النور: 43] وما أنزل من الثلج أكثر لكنهم كانوا لا يعرفون الثَّلج. وقال {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} وما يَقِي من البرد أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب حرٍّ. ولمَّا ذكر الله - تعالى - أمر المسكن، ذكر بعده أمر الملبُوسِ؛ فقال - جل ذكره -: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} والسَّرابيل: القُمص واحدها سربال. قال الزجاج - رحمه الله-: "كل ما لبسته فهو سِرْبال، من قميصٍ أو دِرْعٍ أو جَوشنٍ أو غيره"؛ وذلك لأن الله - تعالى - جعل السَّرابيل قسمين: أحدهما: ما يقي الحرَّ والبرد. والثاني: ما يتقى به من البأسِ والحروب. فإن قيل: لم ذكر الحرَّ ولم يذكر البرد؟. فالجواب من وجوه: أحدها: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب، وبلادهم حارَّة [يابسة]، فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحرَّ أشدَّ من حاجتهم إلى ما يدفع البرد: كما قال - سبحانه وتعالى - {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه - تعالى - ذكر هذا النَّوع؛ لأن عادتهم بلبسها أكثر. والثاني: قال المبرِّد: ذكر أحد الضِّدَّين تنبيه على الآخر؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3358- كَأنَّ الحَصَى من خَلْفِهَا وأمَامِهَا إذَا حَذفَتْهُ رجْلُهَا خَذفُ أعْسَرَا تفسير : لمَّا ثبت في العلوم العقليَّة أن العلم بأحد الضِّدين يستلزم العلم بالضدِّ الآخر، فإنَّ الإنسان إذا خطر بباله الحر، خطر بباله البرد أيضاً وكذا القول في النُّور والظلمة، والسَّواد والبياض. الثالث: قال الزجاج: "وما وقَى من الحرِّ وقى من البرد، فكان ذكر أحدهما مغنياً عن الآخر". فإن قيل: هذا بالضدِّ أولى؛ لأن دفع الحرِّ يكفي فيه السَّرابيل التي هي القُمص دون تكلُّف زيادة، أما البرد فإنَّه لا يندفع إلا بزيادة تكلُّف. فالجواب: أن القميص الواحد لمَّا كان دافعاً للحر، كانت السَّرابيل التي هي الجمع دافعة للبرد. قوله: {كَذَٰلِكَ يُتِمُّ}، أي: مثل ذلك الإتمام السابق، {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} في المستقبل. وقرأ ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: "تَتِمُّ" بفتح التاء الأولى، "نِعْمَتُهُ" بالرفع على الفاعلية، وقرأ أيضاً: "نِعَمَهُ" جمع نعمة مضافة لضمير الله - تعالى -، وقرأ أيضاً: "لعلكم تَسْلَمُونَ" بفتح التاء واللام مضارع سَلِمَ من السلامة، وهو مناسب لقوله: "تَقِيكُم بَأسكُمْ"؛ فإنَّ المراد به الدُّروع الملبوسة في الحرب، أو تؤمنوا فتسلموا من عذاب الله. قوله: "فإنْ تَولَّوا" يجوز أن يكون ماضياً، ويكون التفاتاً من الخطاب المتقدِّم، وأن يكون مضارعاً، والأصل: تتولَّوا، فحذف نحو: "تَنزَّلُ وتَذَّكرُونَ" ولا التفات على هذا، بل هو جارٍ على الخطاب السَّابق. ومعنى الكلام: فإن أعرضوا، فلا يلحقك في ذلك عتب ولا تقصير، وليس عليك إلاَّ ما فعلت من التَّبليغ التَّام. قوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} هو جواب الشَّرط، وفي الحقيقة جواب لشرط محذوف، أي: فأنت معذور، وأتى ذلك على إقامة السَّبب مقام المسبب؛ وذلك لأن تبليغه سبب في عذره، فأقيم السَّبب مقام المسبب، ثمَّ ذمَّهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وذلك نهاية في كفران النِّعمة، وجيء بـ "ثُمَّ" هنا للدَّلالة أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة؛ لأنَّ من عرف النِّعمة حقُّه أن يعترف لا أن ينكر، وفي المراد بالنِّعمة وجوه: قال القاضي: هي جميع ما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدِّمة، ومعنى إنكارهم: أنهم ما أفردوه - تعالى - بالشُّكر والعبادة، بل شكروا غيره وقالوا: إنما حصلت هذه النعمة بشفاعة الأصنام. وقيل: المراد بالنِّعمة هنا: نُبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم عرفوا أنَّها حق ثمَّ أنكروها، ونبوته نعمة عظيمة؛ كما قال - تعالى -: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]. وقيل: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}، أي: لا يستعملونها في طلب رضوان الله، ثم قال جل ذكره: {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ}. فإن قيل: ما معنى قوله: {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} مع أنَّهم كلهم كافرون؟. فالجواب من وجوه: الأول: إنما قال - عز وجل - {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ}؛ لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجَّة؛ كالصَّبي وناقص العقل، فأراد بالأكثر؛ البالغين الأصحاء. والثاني: أن المراد بالكافر: الجاحد المعاند، فقال: "وأكْثَرهُم"؛ لأنه كان فيهم من لم يكن معانداً، بل جاهلاً بصدق الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يظهر له كونه نبيًّا حقًّا من عند الله. الثالث: ذكر الأكثر وأراد الجميع؛ لأن أكثر الشيء، يقوم مقام الكل؛ كقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [لقمان: 25].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم} قال: من الرحم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} قال: كرامة أكرمكم الله بها، فاشكروا نعمه. وأخرج أحمد وابن ماجه وابن حبان والطبراني وابن مردويه، حديث : عن حبة وسواء ابنَيْ خالد أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم: وهو يعالج بناء، فقال لهما: هلم، فعالجا معه، فعالجا فلما فرغ، أمر لهما بشيء وقال لهما:لا تَيْأَسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما. فإنه ليس من مولود يولد من أمة إلا أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله .
ابو السعود
تفسير : {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ} عطف على قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} تفسير : [النحل، الآية 72] منتظمٌ معه في سلك أدلةِ التوحيد من قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء} تفسير : [النحل، الآية 65] وقولِه تعالى: { أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ} تفسير : [النحل، الآية 70] وقوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [النحل، الآية 71] والأمهات ـ بضم الهمزة وقرىء بكسرها أيضاً ـ جمعُ الأم زيدت الهاء فيه كما زيدت في أهراق من أراق وشذّت زيادتُها في الواحدة، قال: [الرجز] شعر : أُمهتي خِندِفُ والياسُ أبـي تفسير : {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} في موقع الحال أي غيرَ عالمين شيئاً أصلاً {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ} عطف على (أخرجكم) وليس فيه دلالةٌ على تأخر الجمعِ المذكورِ عن الإخراج لما أن مدلولَ الواو هو الجمعُ مطلقاً لا الترتيبُ، على أن أثر ذلك الجعلِ لا يظهر قبل الإخراج أي جعل لكم هذه الأشياءَ آلاتٍ تحصّلون بها العلمَ والمعرفة بأن تُحِسوا بمشاعركم جزئياتِ الأشياء وتُدركوها بأفئدتكم وتتنبهوا لما بـينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساسِ فيحصل لكم علومٌ بديهيةٌ تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلومِ الكسبـية. والأفئدة جمع فؤاد وهو وسطُ القلب وهو للقلب كالقلب من الصدر، وهو من جموع القلة التي جرت مَجرى جموعِ الكثرة، وتقديمُ المجرور على المنصوبات لما مر من الإيذان من أول الأمر بكون المجعول نافعاً لهم وتشويقِ النفس إلى المؤخر ليتمكن عند ورودِه عليها فضلَ تمكن {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} كي تعرِفوا ما أنعم به عليكم طوراً غِبَّ طَورٍ فتشكروه، وتقديمُ السمع على البصر لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدمُ من إدراك البصر، وإفرادُه باعتبار كونه مصدراً في الأصل.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} [الآية: 78]. قال الواسطى: أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تفهمون شيئًا مما أخذت عليكم من الميثاق فى وقت بلى. وقال بعضهم: لا تعلمون شيئًا مما قضيت لكم وعليكم من الشقاوة والسعادة. ثم جعل للسعيد من عباده السمع ليسمع بهما لطيف ذكره والأبصار ليبصر بها عجائب صنعه والأفئدة ليكون عارفًا بصانعه ومخترعه وهذه الأعضاء والحواس هى الموجبة للشكر والشاكر من رأى منَّة الله تعالى عليه فى سلامة هذه الحواس وصاحب الكفران من يرى أنه يؤدى بها شكر شىء من نعم الله تعالى عليه شىء من أحواله. قال أبو عثمان المغربى: جعل لكم السمع لتسمعوا به خطاب الأمر والنهى، والأبصار لتبصروا بها عجائب القدرة، والأفئدة لتعرفوا بها آثار موارد الحق عليكم. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أى لعلكم تبصرون دوام نعمى عليكم فترجعوا إلى بابى. قال بعضهم: تمام النعمة هو أن يرزق العبد الرضا بمجارى القضاء. قال ابن عطاء: تمام النعمة فى الدنيا المعرفة وفى الآخرة الرؤية. وسئل بعضهم: ما تمام النعمة؟ قال: هو التنعم فى الاستسلام وإسقاط التدبير. قال أبو محمد الجريرى: تمام النعمة خلو القلب من الشرك الخفى وسلامة النفس من الرياء والسمعة.
القشيري
تفسير : خلَقهُم مِنْ غير أَنْ شاورهم، وأثبتهم - على الوصف الذي أراده - دون أن خَيَّرهم، ولم يعلموا بماذا سبق حُكْمُهم..أبا لسعادة خلقهم أم على الشقاوة من العدَم أخرجهم من بطون أمهاتهم؟ فلا صلاحَ أَنْفُسِهِمْ عَلِمُوا، ولا صفةَ ربِّهم عَرفوا. ثمَّ بحُكْم الإلهام هداهم حتى قَبَّلَ الصبيُّ ثدي أمه وإن لم يكن قد تقدمه تعريف أو تخويف أو تكليف أو تعنيف. {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ}: لتسمعوا خطابه، {وَٱلأَبْصَارَ} لتُبصِروا أفعالَه، {وَٱلأَفْئِدَةَ} لِتَعْرِفُوا حقَّه، ثم لتَشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس.
اسماعيل حقي
تفسير : {والله} تعالى وحده {اخرجكم من بطون امهاتكم} جمع الام زيدت الهاء فيها كما زيدت فى الاهراق من اراق {لا تعلموا شيئًا} اى حال كونكم غير عالمين شيئًا اصلا من امور الدنيا والآخرة ولا مما كانت ارواحكم تعلم فى عالم الارواح ولا مما كانت ذرياتكم تعلم من فهم خطاب ربكم اذ قال ألست بربكم ولا مما علمت اذ قالت بالجواب بلى ولامما تعلم الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها ومعرفة امها والرجوع اليها والاهتداء الى ضروعها وطريق تحصيل اللبن منها ومشيها خلفها وغير ذلك مما تعلم الحيوانات وتهتدى اليه ولا يعلم الطفل منه شيئًا ولا يهتدى اليه قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : مرغك از بيضه برون آيدوروزى طلبد آدمى بجه ندارد خبر وعقل وتميز تفسير : {وجعل لكم السمع} قدمه على البصر لما انه طريق تلقى الوحى ولذا ابتلى بعض الانبياء بالعمى دون الصمم او لان ادراكه اقدم من ادراك البصر ألا ترى ان الوليد يتأخر انفتاح عينيه عن السمع وافراده باعتبار كونه مصدرا فى الاصل {والابصار} جمع بصر وهى محركة حسن العين {والافئدة} جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من القلب كالقلب من الصدر وهو من جموع القلة التى جرت مجرى جموع الكثرة. قال فى بحر العلوم استعملت فى هذه الآية وفى سائر آيات وردت فيها فى الكثرة لان الخطاب فى جعل لكم وانشأ لكم عام. والمعنى جعل لكم هذه الاشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بان تحسوا بمشاعركم جزئيات الاشياء وتدركوها بأفئدتكم وتتنهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الاحساس فيحصل لكم علوم بديهيه تتمكنوا بالنظر فيها من تحصل العلوم الكسبية. واعلم ان قوله وجعل عطف على اخرجكم وليس فيه دلالة على تأخر الجعل المذكور عن الاخراج لماان مدلول الواو هو الجمع مطلقا لا الترتيب على ان اثر ذلك الجعل لا يظهر قبل الاخراج كما فى الارشاد. التحقيق ان لله تعالى صفات سبعا مرتبة وهى الحياة والعلم والارادة والقدرة والسمع والبصر والكلام واذا قلب الكلام يصير كمالا فآخر الكمال الكلام كما ان اول الكمال الكلام لان اول التعينات الالهية هى الهوية الذاتية وآخرها الكلام مطلقا وعلى هذا يدور الامر فى المظهر الانسانى ألا ترى ان اول ما يبدو فى الجنين حسن السمع ثم البصر ثم الكلام ولذا حرم تزوج الحبلى من النكاح اتفاقا ومن الزنى اختلافا لما قال عليه السلام "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يسقين ماءه زرع غيره"تفسير : . فان قيل فم الرحم منسد بالحبل فكيف يوجد سقى الزرع. قلنا قد جاء فى الخبر (ان سمع الحمل وبصره يزداد حده بالوطئ) فظهر ان آخر ما يظهر بعد الولادة هو الكلام ومقتضى مقام الامتنان ان هذه القوى انما تظهر آثارها بعد الاخراج من بطون الامهات وهذا لا ينافى حصولها قبله بالقوة القريبة من الفعل {لعلكم تشكرون} ارادة ان تشكرواهذه الآلات وشكرها استعمالها فيما خلقت لاجله من استماع كلام الله واحاديث رسول الله وحكم اوليائه وما ليس فيه ارتكاب منهى ومن النظر الى آيات الله والاستدلال بها على وجوده ووحدته وعلمه وقدرته فمن استعملها فى غير ما خلقت له فقد كفر جلائل نعم الله تعالى وخان فى اماناته: قال الشيخ السعدى قدس سره شعر : كذر كاه قرآن وبندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش دوجثم ازبى صنع بارى نكوست زعيب برادر فرو كيرو دوست تفسير : وقال الصائب شعر : ترابكوا هردل كرده اند امانتدار زدزد امانت حق را نكاهد ار مخسب تفسير : وفى التأويلات النجمية {وجعل لكم السمع والابصار والافئدة} لاجسادكم كما جعل للحيوانات لتسمعوا بها وتبصروا وتفهموا ما يسمع الحيوان ويبصر ويفهم وجعل لارواحكم سمعا تسمعون به ما تسمع الملائكة وبصرا تبصرون به ما تبصر الملائكة وفؤادا تفهمون به ما تفهم الملائكة وجعل لاسراركم سمعا تسمعون بالله وبصرا تبصرون بالله وفؤادا تعرفون بالله وهذه الحواس مستفادة من قوله تعالى "حديث : كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبى يسمع وبى يبصر وبى ينطق"تفسير : {لعلكم تشكرون} بهذه الآلات نعم الله واداء شكر نعم الله باستعمالها وصرفها فى طلب الله وترك الالفتات الى النعم بل للمنعم. وفى الآية اشارة اخرى والله اخرجكم من بطون امهاتكم اى من العدم وهو الام الحقيقى لا تعلمو شيئًا قبل ان يعلمكم الله اسماء كل شئ وجعل لكم السمع والابصار والافئدة حين خاطبكم بقوله ألست بربكم فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه اعطاكم لسانا تجيبونه بقولكم بلى لعلكم تشركون فلا تسمعون بهذا السمع الا كلامه ولا تبصرون بهذا البصر الاجماله ولا تحبون بهذا الفؤاد الا ذاته ولا تكلمون بهذا اللسان الا معه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} يعنى جعل لكم كلّ ما تحتاجون اليه فى تعيشّكم الدّنيوىّ ومنافعكم الاخرويّة وفى حصول العلم الّذى هو مبدأ ذلك كلّه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تلك النّعمة فتصرفون كلاًّ فيما خلق لاجله.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ} وقرىء بكسر الباء، {أُمَّهَاتِكُمْ} وقرأ الكسائى بكسر الهمزة تباعاً للنون فإِذا ابتدأ بأمهات ضمها وقرأ حمزة بكسرها وكسر الميم باتباع الهمزة للنون والميم للهمزة وإِذا ابتدأ بأُمهات ضم الهمزة وفتح الميم، هذا ما نسب إِليهما ويحتمل أنهما قرآ بلغة كسر الهمزة فلا يخلف كسرها وصلا ووقفاً والهاء زائدة وشذت زيادتها فى المفرد كقوله أمهتى خندف والياس أى وجملة قوله تعالى {لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً} حال من كاف أى اخرجكم من بطون أُمهاتكم غير عارفين شيئاً ما مستصحبين جهل الجماد الذى هو أصلكم، {وَجَعَلَ لَكُمُ} الواو عاطفة سابق على لاحق فإن جعل السمع والأَبصار والأَفئدة متقدم على الإِخراج ويحتمل أن تكون عاطفة لاحق على سابق باعتبار أن الانتفاع بالسمع والبصر والفؤاد إِنما هو بعد الإِخراج فكأَنها لم تجعل إِلا بعده أو بتقدير محذوف أى وجعل لكم سمع السمع ونظر الإِبصار وفهم الأفئدة أو منافع السمع والأبصار والأَفئدة ويجوز كون الواو للحال المحكية بلا تقدير قد على مذهب وبتقديرها على آخر أى أخرجكم وقد جعل لكم قبل الإِخراج، {السَّمَعَ} أى قوة فى الأُذن تدرك الأَصوات بعد أو نفس الأُذن أو نفس الإِدراك للأَصوات وهذا مختص بما بعده وذلك لتسمعوا دلائل الكتاب والسنة ومصالح معايشكم {وَالأَبْصَارَ} العيون أو القوى المركبة فيها المدركة للألوان ألوان على الواقعة على الأَجسام لتبصروا بها نعم الله سبحانه وكبر أجسامكم بعد صغرها وحدوث ما يحدث فيكم وعجائب ومصنوعات لله سبحانه وتعالى فتستدلوا بها على وجوده ووحدانيته وكمال قدرته، {وَالأَفْئِدَةَ} جمع قلة لفؤاد. والمراد الكثرة ولم يسمع لفؤاد جمع كثرة أى والقلوب لتفهموا بها عظمة الله ودلائل الكتاب والسنة ومصالح معايشكم ودلائل الوحدانية وكمال القدرة وعلى كل حال قد انتقلتم من الجهل الذى أخرجتم عليه من بطون أمهاتكم إِلى العلم بهذه الحواس التى هى العيون والآذان وسائر الأَعضاء التى تدرك جزئيا الأَشياء وتتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بين الأَشياء يتكرر الإِحساس حتى تتحصل لكم علوم بديهية تتوصلون بها إلى علوم كسبية بالنظر فيها وعلى كل حال قد أخرجكم من ضيق البطون إِلى السعة ومن الجهل والرذالة إِلى العلم والإِنعام بتكميل الأَعضاء ومنافعها وسائر النعم فالآية تتضمن استدلالا على القدرة كأَمر وتتضمن امتنانا بالنعم واستدعاء للشكر كما صرح به فى قوله جل وعلا. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أى لتشكروا ما يتعاقب عليكم من النعم وما يترادف بالإِيمان واستعمال هذه الجوارح وغيرها فى العبادة.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ} عطف على قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } تفسير : [النحل: 72]/ منتظم معه في سلك أدلة التوحيد، ويفهم من قول العلامة الطيبـي أنه تعالى عقب قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تفسير : [النحل: 77] بقوله جل وعلا: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم} الخ معطوفاً بالواو إيذاناً بأن مقدوراته تعالى لا نهاية لها والمذكور بعض منها أن العطف على قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ} الخ، والذي تنبسط له النفس هو الأول. والأمهات بضم الهمزة وفتح الميم جمع أم والهاء فيه مزيدة وكثر زيادتها فيه وورد بدونها، والمعنى في الحالين واحد، وقيل: ذو الزيادة للأَناسي والعاري عنها للبهائم، ووزن المفرد فعل لقولهم الأمومة، وجاء بالهاء كقول قصى بن كلاب عليهما الرحمة:شعر : أمهتي خندف وإلياس أبـى تفسير : وهو قليل، وأقل من ذلك زيادة الهاء في الفعل كما قيل في إهراق، وفيه بحث فارجع إلى الصحاح وغيره. وقرأ حمزة بكسر الهمزة والميم هنا، وفي الزمر والنجم والروم، والكسائي بكسر الميم فيهن؛ والأعمش بحذف الهمزة وكسر الميم، وابن أبـي ليلى بحذفها وفتح الميم، قال أبو حاتم: حذف الهمزة رديء ولكن قراءة ابن أبـي ليلى أصوب، وكانت كذلك على ما في "البحر" لأن كسر الميم إنما هو لإتباعها حركة الهمزة فإذا كانت الهمزة محذوفة زال الإتباع بخلاف قراءة ابن أبـي ليلى فإنه أقر الميم على حركتها. {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } في موضع الحال و {شَيْئاً } منصوب على المصدرية أو مفعول {تَعْلَمُونَ }، والنفي منصب عليه، والعلم بمعنى المعرفة أي غير عارفين شيئاً أصلاً من حق المنعم وغيره، وقيل: شيئاً من منافعكم، وقيل: مما قضى عليكم من السعادة أو الشقاوة، وقيل: مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، والظاهر العموم ولا داعي إلى التخصيص. وعن وهب يولد المولود خدراً إلى سبعة أيام لا يدرك راحة ولا ألماً. وادعى بعضهم أن النفس لا تخلو في مبدأ الفطرة عن العلم الحضوري وهو علمها بنفسها إذ المجرد لا يغيب عن ذاته أصلاً، فقد قال الشيخ في بعض "تعليقاته" عند إثبات تجرد النفس: إنك لا تغفل عن ذاتك أصلاً في حال من الأحوال ولو في حال النوم والسكر، ولو جوز مجوز أن يغفل عن ذاته في بعض الأحوال حتى لا يكون بينه وبين الجماد في هذه الحالة فرق فلا يجدي هذا البرهان معه، وقال بهمنيار في "التحصيل" في فصل العقل والمعقول: ثم إن النفس الإنسانية تشعر بذاتها فيجب أن يكون وجودها عقلياً فيكون نفس وجودها نفس إدراكها ولهذا لا تعزب عن ذاتها البتة، ومثله في "الشفاء"، وأنت تعلم أن عدم الخلو مبني على مقدمات خفية كتجرد النفس الذي أنكره الطبيعيون عن آخرهم وأن كل مجرد عالم ولا يتم البرهان عليه، وأيضاً ما نقل من أن علم النفس بذاتها عين ذاتها لا ينافي أن يكون لكون الذات علماً بها شرط فما لم يتحقق ذلك الشرط لم تكن الذات علماً بها كما أن لكون المبدأ الفياض خزانة لمعقولات زيد مثلاً شرطاً إذا تحقق تحقق وإلا فلا، ويؤيد ذلك أن علم النفس بصفاتها أيضاً نفس صفاتها عندهم؛ ومع ذلك يجوز الغفلة عن الصفة في بعض الأحيان كما لا يخفى. وأيضاً إذا قلنا: إن حقيقة الذات غير غائبة عنها، وقلنا: إن ذلك علم بها يلزم أن يكون حقيقة النفس المجردة معلومة لكل أحد؛ ومن البين أنه ليس كذلك، على أن المحقق الطوسي قد منع قولهم: إنك لا تغفل عن ذاتك أبداً، وقال: إن المغمى عليه ربما غفل عن ذاته في وقت الإغماء، ومثله كثير من الأمراض النفسانية، ومن العجائب أن بعض الأجلة ذكر أن المراد بخلوها في مبدأ الفطرة خلوها حال تعلقها بالبدن، وقال: إنه لا ينافي/ ذلك ما قاله الشيخ من أن الطفل يتعلق بالثدي حال التولد بإلهام فطري لأن حال التعلق سابق على ذلك، وذلك بعد أن ذكر أن الخلو في مبدأ الفطرة إنما يظهر لذوي الحدس بملاحظة حال الطفل وتجارب أحواله ووجه العجب ظاهر فافهم ولا تغفل. وتفسير العلم بالمعرفة مما ذهب إليه غير واحد، وفي "أمالي العز" لا يجوز أن يجعل باقياً على بابه ويكون {شَيْئاً} مصدراً أي لا تعلمون علماً لوجهين. الأول: أنه يلزم حذف المفعولين وهو خلاف الأصل. الثاني: أنه لو كان باقياً على بابه لكان الناس يعلمون المبتدأ الذي هو أحد المفعولين قبل الخروج من البطون وهو محال لاستحالة العلم على من لم يولد، بيان ذلك أنا إذا قلنا: علمت زيداً مقيماً يجب أن يكون العلم بزيد متقدماً قبل هذا العلم وهذا العلم إنما يتعلق بإقامته، وكذلك إذا قلت: ما علمت زيداً مقيماً فالذي لم يعلم هو إقامة زيد وأما هو فمعلوم وذلك مستفاد من جهة الوضع فحيث أثبت العلم أو نفي فلا بد أن يكون الأول معلوماً فيتعين حمل العلم على المعرفة اهـ. ويعلم منه عدم استقامة جعل العلم على بابه، و {شَيْئاً} مفعوله الأول والمفعول الثاني محذوف. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ} يحتمل أن يكون جملة ابتدائية ويحتمل أن يكون معطوفاً على الجملة الواقعة خبراً والواو لا تقتضي الترتيب، ونكتة تأخيره أن السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك وذلك بعد الإخراج، وجعل إن تعدى لواحد بأن كان بمعنى خلق ـ فلكم ـ متعلق به وإن تعدى لاثنين بأن كان بمعنى صير فهو مفعوله الثاني، وتقديم الجار والمجرور على المنصوبات لما مر غير مرة. والمعنى جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية، وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في هذا المقام ومستمد ما ذهب إليه الكثير من الحكماء من أن النفس في أول أمرها خالية عن العلوم فإذا استعملت الحواس الظاهرة أدركت بالقوة الوهمية أموراً جزئية بمشاركات ومباينات جزئية بينها فاستعدت لأن يفيض عليها المبدأ الفياض المشاركات الكلية، ويثبتون للنفس أربع مراتب. مرتبة العقل الهيولاني ومرتبة العقل بالملكة ومرتبة العقل بالفعل ومرتبة العقل المستفاد، ويزعمون أن النفس لا تدرك الجزئي المادي، ولهم في هذا المقام كلام طويل وبحث عريض. وأهل السنة يقولون: إن النفس تدرك الكلي والجزئي مطلقاً باستعمال المشاعر وبدونه كما فصل في محله، وتحقيق هذا المطلب بماله وما عليه يحتاج إلى بسط كثير، وقد عرض والمستعان بالحي القيوم جل جلاله وعم نواله من الحوادث الموجبة لاختلال أمر الخاصة والعامة ما شوش ذهني وحال بين تحقيق ذلك وبيني، أسأل الله سبحانه أن يمن علينا بما يسر الفؤاد وييسر لنا ما يكون عوناً على تحصيل المراد وبالجملة المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية أنه قال: يريد سبحانه أنه جعل لكم ذلك لتسمعوا مواعظ الله تعالى وتبصروا ما أنعم الله تعالى به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم إلى أن صرتم رجالاً وتعقلوا عظمته سبحانه. وقيل: المعنى جعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة التي هي دلائل سمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم والأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته تعالى وغرائب مخلوقاته سبحانه فتستدلوا بها على وحدانيته/ جل وعلا، والأفئدة لتعقلوا بها معاني الأشياء التي جعلها سبحانه دلائل لكم، والسمع والأبصار على هذين القولين على ظاهرهما ولم نر من جوز إخراجهما عن ذلك. وجوز أن يراد بهما الحواس الظاهرة على الأول. والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من القلب كالقلب من الصدر، وهذا الجمع على ما في «الكشاف» من جموع القلة الجارية مجرى جموع الكثرة والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير فجرى ذلك المجرى، وقال الزجاج: لم يجمع فؤاد على أكثر العدد وربما قيل: أفئدة وفئدان كما قيل: أغربة وغربان في جمع غراب، وفي «التفسير الكبير» لعل الفؤاد إنما جمع على بناء القلة تنبيهاً على أن السمع والبصر كثير وأما الفؤاد فقليل لأنه إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وأكثر الخلق ليس لهم ذلك بل يكونون مشتغلين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية فكأن فؤادهم ليس بفؤاد فلذا ذكر في جمعه جمع القلة اهـ، ويرد عليه الأبصار فإنه جمع قلة أيضاً. وفي «البحر» بعد نقله أنه قول هذياني ولولا جلالة قائله لم نسطره في الكتب وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشري مما ذكر سابقاً إلا أن قوله: لم يجيء في جمع شسع إلا شسوع ليس بصحيح بل جاء فيه أشساع جمع قلة على قلة اهـ فاحفظ ولا تغفل. وزعم بعضهم أن الفؤاد إنما يدرك ما ليس بمحدود بنحو أين وكيف وكم وغير ذلك وإن لكل مدرك قوة مدركة له تناسبه لا يمكن أن يدرك بغيرها على نحو المحسوسات الظاهرة من الأصوات والألوان والطعوم ونحوها والحواس الظاهرة من السمع والبصر والذوق إلى غير ذلك وهو كما ترى. وإفراد السمع باعتبار أنه مصدر في الأصل، وقيل: إنما أفرد وجمع الأبصار للإشارة إلى أن من مدركاته نوع واحد ومدركات البصر أكثر من ذلك وتقديمه لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر، وقيل: لأن مدركاته أقل من مدركاته، والخلاف في الأفضل منهما شهير وقد مر، وتقديمها على الأفئدة المشار بها إلى العقل لتقدم الظاهر على الباطن أو لأن لهما مدخلاً في إدراكه في الجملة بل هما من خدمه والخدم تتقدم بين يدي السادة، وكثير من السنن أمر بتقديمه على فروض العبادة أو لأن مدركاتهما أقل قليل بالنسبة إلى مدركاته كيف لا ومدركاته لا تكاد تحصى وإن قيل: إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً كذلك، واستأنس بعضهم بذكر ما يشير إليه فقط دون ضم ما يشير إلى سائر المشاعر الباطنة إليه لنفي الحواس الخمس الباطنة التي أثبتها الحكماء بما لا يخلو عن كدر، وتفصيل الكلام في محله. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} كي تعرفوا ما أنعم سبحانه به عليكم طوراً غب طور فتشكروه، وقيل: المعنى جعل ذلك كي تشكروه تعالى باستعمال ما ذكر فيما خلق لأجله.
ابن عاشور
تفسير : عود إلى إكثار الدلائل على انفراد الله بالتصرّف وإلى تعداد النّعم على البشر عطفاً على جملة {أية : والله جعل لكم من أنفسكم} تفسير : [النحل: 72] بعدما فصل بين تعداد النّعم بما اقتضاه الحال من التذكير والإنذار. وقد اعتبر في هذه النّعم ما فيها من لطف الله تعالى بالناس ليكون من ذلك التخلّص إلى الدعوة إلى الإسلام وبيان أصول دعوة الإسلام في قوله تعالى: {أية : كذلك يتمْ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون} تفسير : [سورة النحل: 81] إلى آخره. والمعنى: أنه كما أخرجكم من عدم وجعل فيكم الإدراك وما يتوقّف عليه الإدراك من الحياة فكذلك ينشئكم يوم البعث بعد العدم. وإذ كان هذا الصّنع دليلاً على إمكان البعث فهو أيضاً باعث على شكر الله بتوحيده ونبذ الإشراك فإن الإنعام يبعث العاقل على الشكر. وافتتاح الكلام باسم الجلالة وجعل الخبر عنه فعلاً تقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : والله أنزل من السماء ماء } تفسير : [سورة النحل: 65] والآيات بعدهُ. والإخراج الإبراز من مكان إلى آخر. والأمّهات: جمع أمّ. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : حرّمت عليكم أمّهاتكم} تفسير : في سورة النساء (23). والبَطن: ما بين ضلوع الصدر إلى العانة، وفيه الأمعاء والمعدة والكبد والرحم. وجملة {لا تعلمون شيئاً} حال من الضمير المنصوب في {أخرجكم}. وذلك أن الطفل حين يولد لم يكن له علم بشيء ثم تأخذ حواسّه تنقل الأشياء تدريجاً فجعل الله في الطفل آلات الإدراك وأصول التفكّر. فقوله تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} تفسيره أنه أوجد فيكم إدراك السمع والبصر والعقل، أي كوّنها في الناس حتى بلغت مبلغ كمالها الذي ينتهي بها إلى علم أشياء كثيرة، كما دلّت عليه مقابلته بقوله تعالى: {لا تعلمون شيئاً}، أي فعلمتم أشياء. ووجه إفراد السّمع وجمع الأبصار تقدم عند قوله تعالى: {أية : أمّن يملك السمع والأبصار} تفسير : في سورة يونس (31)، وقوله تعالى؛ {أية : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم} تفسير : في سورة الأنعام (46). و{الأفئدة}: جمع الفؤاد، وأصله القلب. ويطلق كثيراً على العقل وهو المراد هنا. فالسمع والبصر أعظم آلات الإدراك إذ بهما إدراك أهم الجزئيّات، وهما أقوى الوسائل لإدراك العلوم الضرورية. فالمراد بالسمع: الإحساس الذي به إدراك الأصوات الذي آلته الصمّاخ، وبالإبصار: الإحساسُ المدرك للذّوات الذي آلته الحدقة. واقتصر عليهما من بين الحواس لأنهما أهمّ، ولأن بهما إدراك دلائل الاعتقاد الحقّ. ثم ذكر بعدهما الأفئدة، أي العقل مقرّ الإدراك كلّه، فهو الذي تنقل إليه الحواس مدركاتِها، وهي العلم بالتصوّرات المفردة. وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر، وهو التصديقات المنقسمة إلى البديهيّات: ككون نفي الشيء وإثباته من سائر الوجوه لا يجتمعان، وككون الكلّ أعظم من الجزء. وإلى النظريات وتُسمّى الكسبيّات، وهي العلم بانتساب أحد المعلومين إلى الآخر بعد حركة العقل في الجمع بينهما أو التّفريق، مثل أن يحضر في العقل: أن الجسم ما هو، وأن المحدَث ــــ بفتح الدال ــــ ما هو. فإن مجرد هذين التصوّرين في الذهن لا يكفي في جزم العقل بأن الجسم محدث بل لا بد فيه من علوم أخرى سابقة وهي ما يدلّ على المقارنة بين ماهية الجسمية وصفةِ الحدوث. فالعلوم الكسبية لا يمكن اكتسابها إلا بواسطة العلوم البديهية. وحصول هذه العلوم البديهية إنما يحصل عند حدوث تصوّر موضوعاتها وتصوّر محمولاتها. وحدوث هذه التصوّرات إنما هو بسبب إعانة الحواس على جزئياتها، فكانت الحواس الخمس هي السبب الأصلي لحدوث هذه العلوم، وكان السمع والبصر أول الحواس تحصيلاً للتصوّرات وأهمّها. وهذه العلوم نعمة من الله تعالى ولطف، لأن بها إدراك الإنسان لما ينفعه وعمَلَ عقله فيما يدلّه على الحقائق، ليسلم من الخطأ المفضي إلى الهلاك والأرزاء العظيمة، فهي نعمة كبرى. ولذلك قال تعالى عقب ذكرها {لعلكم تشكرون}، أي هي سبب لرجاء شكرهم واهبَها سبحانه. والكلام على معنى {لعلكم تشكرون} مضى غير مرة في نظيره ومماثله.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخرج بني آدم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، وجعل لهم الأسماع والأبصار والأفئدة. لأجل أن يشكروا له نعمه. وقد قدمنا: أن "لعل" للتعليل. ولم يبين هنا هل شكروا أو لم يشكروا. ولكنه بين في مواضع أخر: أن أكثرهم لم يشكروا. كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [البقرة: 243]، وقال: {أية : قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تفسير : [الملك: 23]، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه لم يأت السمع في القرآن مجموعاً، وإنما يأتي فيه بصيغة الإفراد دائماً، مع أنه يجمع ما يذكر معه كالأفئدة والأبصار. وأظهر الأقوال في نكتة إفراده دائماً: أن أصله مصدر سمع سمعاً، والمصدر إذا جعل اسماً ذكر وأفرد. كما قال في الخلاصة: شعر : ونعتوا بمصدر كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكيرا
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 78- والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تدركون شيئاً مما يحيط بكم، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، وسائل للعلم والإدراك، لتؤمنوا به عن طريق العلم، وتشكروه على ما تفضل به عليكم. 79- ألم ينظر المشركون إلى الطير مذللات للطيران فى الهواء إلى السماء بما زودها الله به من أجنحة أوسع من جسمها تبسطها وتقبضها، وسخر الهواء لها، فما يمسكهن فى الجو إلا الله بالنظام الذى خلقها عليه؟ إن فى النظر إليها والاعتبار بحكمة الله فى خلقها، لدلالة عظيمة ينتفع بها المستعدون للإيمان. 80- والله سبحانه وتعالى هو الذى جعلكم قادرين على إنشاء بيوت لكم تتخذون منها مساكن، وجعل لكم من جلود الإبل والبقر والغنم وغيرها أخبية تسكنون فيها وتنقلونها فى حلكم وترحالكم، وجعلكم تتخذون من صوفها وشعرها ووبرها فرشاً تتمتعون بها فى هذه الدنيا إلى حين آجالكم.
القطان
تفسير : في جو السماء: الجو: الفضاء ما بين السماء والارض، سكنا: مسكنا. يوم ظعنكم: وقت ترحالكم وتنقلكم وسفركم. الاثاث: فرش البيت. متاعا: ما يتمتع وينتفع به في المتجر والمعاش. ظلالا: ما يستظل به. اكنانا: واحدها كن وهو كل ما يقي الحر كالبيت والكهف وغيره. سرابيل: واحدها سربال وهو القميص او الثوب. وسرابيل الحرب الدروع. البأس: الشدة عند الحرب. {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وهذه المنن التي يذكرها ربُّنا يَعْرِض فيها مثلاً من حياة البشر تعجِز عنه قُواهم، ويعجز عنه تصوُّرُهم، وهو يقع كل يوم. إن الله تعالى يُخرجكم ايها الناس من بطونِ أمهاتكم لا تدرِكون شيئاً مما يحيط بكم، ثم أعطاكم السمعَ والبصرَ والأفئدة. وقد ثبت للباحثين اليومَ أن حاسّة السمع تبدأ مبكرة جدّاً في حياة الطفل في الأسابيع القليلة الأولى، اما البصر فيبدأ في الشهر الثالث، ولا يتم تركيز الإبصار إلا بعدَ الشهر السادس، وأما الفؤاد وهو الإدراك والتمييز- فلا يتم إلا بعد ذلك. وهكذا فالترتيبُ الذي جاء به القرآن هو ترتيبُ ممارسة الحواس. وهذه الاجهزة: السمع والبصر والافئدة، في الإنسان من أعجبِ العجب في تركيبها وعملها وأداء وظيفتها، ومن أكبرِ الأدلة على وجو الخالق القدير، وهي وسائل للعلم والإدراك، لتؤمنوا بالله، وتشكروه على ما تفضل عليكم. ثم بعد ذلك نبّه عبادَه الى دليلٍ آخر من آثار القدرة الالهية يراها الناس كلَّ يوم فلا يتدبرونها، فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. الم ينظر المشركون الى الطير سابحاتٍ في الهواء، بما زوّدها الله به من أجنحةٍ أوسعَ من جسمِها تبسطها وتقبضها، وسخّر الهواء لها، فما يمسكهن في الجو الا الله بالنظامِ الذي خلَقها عليه، ان في النظر إليها والاعتبار بحكمة الله في خلْقها، لدلالةً عظيمة ينتفع بها المؤمنون. ولقد اخترع الانسان الطائرة وغيرها مما تطير في الفضاء، وقد انتفع بالطير وآلاته، وانه لَعملٌ جبّار ولكنه لا يزال غير أمين، ولا تزال تحفّ بالراكبين الاخطار، كما جعلوا القسم الاكبر منها للحرب والتدمير. قراءات: قرأ ابن عامر وحمزة وخلف ويعقوب: "الم تروا" بالتاء والباقون بالياء. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ}. ومن نِعمه تعالى عليكم أن جعلكم قادرين على إنشاء بيوت لكم تتخذونها مساكن لكم فيها وتطمئّنون فيها بأمنٍ وسلام، وجعل لكم من جلودِ الأنعام بيوتاً تسكنون فيها وتنقلونها بخفّةٍ وسرعة في أسفاركم وتنقّلكم، كما تتخذون من صوفها ووبرها وشعرها فُرُشاً ولباساً تتمتعون بها في هذه الدنيا الى حين آجالكم. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}. ومن نعمه تعالى عليكم ان جعل لكم من الأشجار وغيرِها ظِلالاً تقيكم شرّ الحر والبرد، وجعل لكم من الجبال مواضعَ تسكنون فيها، وجعل لكم ثياباً تقيكم الحرَّ والبرد، ودروعاً من الحديد تصونكم من قَسوة الحرب، كما جعل لكم هذه الأشياءَ فهو الآن يتم نعمتَه عليكم بالدِّين القيم، لعلكم تُسلمون، وتُخلِصون عبادتكم له دون غيره. قراءات: قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو: "يوم ظعنكم" بفتح العين. والباقون بتسكينها. وبعد ان عدّد ما أنعم به عليهم من النعم ذكر مايتَّبع معهم إذا أصرّوا على عنادهم فقال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}. فإن أعرضوا وتولوا عنك ايها النبي، فلا تَبِعَةَ عليك في إعراضهم، فما عليك الا التبليغ الواضحُ، وحسْبُك ذلك وعلينا نحن حسابهم. {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ}. انهم يعرفون أن هذه النعم كلَّها من الله، ولكنهم ينكرونها بكفرهم وعنادهم، وإن أكثرَهم لجاحدون نعم الله كافرون بها.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُمَّهَاتِكُمْ} {ٱلأَبْصَارَ} (78) - ثُمَّ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى مِنَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي إِخْرَاجِهِمْ مِنْ بُطُونِ أُمْهَاتِهِمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً، ثُمَّ بَعْدَ هَذا يَرْزُقُهُمُ السَّمَعَ، الذِي يُدْرِكُونَ بِهِ الأَصْوَاتَ، وَيُمَيِّزُونَهَا، وَالأَبْصَارَ التِي يَرَوْنَ بِهَا، وَالأَفْئِدَةَ (العُقُولَ)، التِي يَتَدَبَّرُونَ بِهَا الأُمُورَ، وَهُوَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى الإِنْسَانَ هَذِهِ الجَوَارِحَ لِيَتَمَكَّنَ بِهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَشُكْرِهِ عَلَى نِعَمِهِ بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ النِّعَمِ، فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ. وَإِذَا أَخْلَصَ العَبْدُ المُؤْمِنُ الطَّاعَةَ للهِ، كَانَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (مِنْ بُطُونِ أُمهَاتِكُم) المراد الأرحام؛ لأنها في البطون، والمظروف في مظروف يعتبر مظروفاً، كما لو قلت: في جيبي كذا من النقود أو في حافظتي كذا من النقود .. العبارتان معناهما واحد. وأمهاتكم: جمع أم، والقياس يقتضي أن نقول في جمع أُم: أُمَّات ولكنه قال: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النحل: 78]. بزيادة الهاء. وساعةَ يكون الجنين في بطن أمه تكون حياته حياة تبعية، فكل أجهزته تابعة لأمه .. فإذا شاء الله أن يولد جعل له حياة ذاتية مستقلة .. وعند الولادة نرى أطباء التوليد يقولون: الجنين في الوضع الطبيعي أو في غير الوضع الطبيعي .. فما معنى الوضع الطبيعي للجنين عند الولادة؟ الوضع الطبيعي أن يكون رأس الجنين عند الولادة إلى أسفل، هذا هو الوضع الطبيعي؛ لأن الحق سبحانه أراد أن يُخرجه خَلْقاً آخر: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ..} تفسير : [المؤمنون: 14]. كأنه كان خلقاً لكنه كان تابعاً لأمه فيُخرجه الله خَلْقاً آخر مُسْتقلاً بذاته .. فتكون الرأس إلى أسفل، وهي أول ما ينزل من المولود، وبمجرد نزوله تبدأ عملية التنفس. ومن هذه اللحظة ينفصل الجنين عن أمه، وبالتنفس تكون له ذاتية، فإذا ما تعسَّر خروج باقي جسمه فتكون له فرصة التنفس وهذا من لُطْف الله سبحانه؛ لأن الجنين في هذه الحالة لا يختنق أثناء معالجة باقي جسمه. أما إذا حدث العكس فكان الرأس إلى أعلى، ونزل الجنين بقدميْه، فبمجرد نزول الرِّجْليْن ينفصل عن أمه، ويحتاج إلى حياة ذاتية ويحتاج إلى تنفس، فإذا ما تعسَّرت الولادة حدث اختناق، ربما يؤدي إلى موت الجنين. العلم أَخْذ قضية من قضايا الكون مجزوم بها وعليها دليل؛ وقوله تعالى: {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ..} [النحل: 78]. ذلك لأن وسائل العلم والإدراك لم تعمل بَعْد، فإذا أراد الله له أنْ يعلم يخلق له وسائل العلم، وهي الحواس الخمس: السمع والبصر والشَّم واللمس والتذوّق، هذه هي الحواس الظاهرة التي بها يكتسب الإنسان العلوم والمعارف، وبها يُدرِك ما حوله. وإنْ كان العلم الحديث قد أظهر لنا بعض الحواسّ الأخرى، ففي علم وظائف الأعضاء يقولون: إنك إذا حملتَ قطعتين من الحديد مثلاً فبأيّ حاسة تُميّز بينهما من حيث الثقل؟ هذه لا تُعرف باللمس أو السمع أو البصر أو التذوّق أو الشّم .. إذن: هناك حاسة جديدة تُميّز الثقَل هي حاسة العضَل. وكذلك تُوجَد حاسة البَيْن، التي تتمكن بها من معرفة سُمْك القماش مثلا وأنت في محل الأقمشة، حيث تفركُ القماش بين أصابعك، وتستطيع أن تُميّز بين الرقيق والسَّميك. فالطفل المولود إذن لا يعلم شيئاً، فهذا أمر طبيعي لأن وسائل العلم والإدراك لديه لم تُؤدِّ مهمتها بَعْد. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ..} [النحل: 78]. وقد بيَّن لنا علماء وظائف الأعضاء أن هذا الترتيب القرآني للأعضاء هو الترتيب الطبيعيّ، فالطفل بعد الولادة يسمع أولاً، ثم بعد حوالي عشرة أيام يُبصر .. وتستطيع تجربة ذلك، فترى الطفل يفزع من الصوت العالي بعد أيام من ولادته، ولكن إذا وضعت أصبعك أمام عينيه لا يطرف؛ لأنه لم يَرَ بعد. ومن السمع والبصر - وهما السادة على جميع الحواس - تتكون المعلومات التي في الأفئدة، هذا الترتيب القرآني الوجودي، وهو الترتيب الطبيعي الذي وافق العلمَ الحديث. ونلاحظ في الآية إفراد السمع، وجمع الأبصار والأفئدة: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ..} [النحل: 78]. فلماذا لم يأْتِ السمع جَمْعاً؟ المتحدث هنا هو الحق سبحانه؛ لذلك تأتي الألفاظ دقيقة معجزة .. ولننظر لماذا السمع هنا مفرد؟ فَرْقٌ بين السمع وغيره من الحواس، فحين يوجد صوت في هذا المكان يسمعه الجميع، فليس في الأذن ما يمنع السمع، وليس عليها قُفْل نقفله إذا أردنا ألاَّ نسمع، فكأن السمع واحد عند الجميع، أما المرئي فمختلف؛ لأننا لا ننظر جميعاً إلى شيء واحد .. بل المرائي عندنا مختلفة فهذا ينظر للسقف، وهذا ينظر للأعمدة .. إلى آخره. إذن: المرائي لدينا مختلفة .. كما أن للعين قفلاً طبيعياً يمكن إسْداله على العين فلا ترى، فكأن الأبصار لدينا مختلفة متعددة. وكذلك الحال في الأفئدة، جاءت جَمْعاً؛ لأنها متعددة مختلفة، فواحد يَعِي ويُدرك، وآخر لا يعي ولا يدرك، وقد يعي واحد أكثر من الآخر. إذن: إفراد السمع هنا آيةٌ من آيات الدقة في التعبير القرآني المعجز؛ لأن المتكلمَ هو ربّ العزة سبحانه. ونلاحظ أيضاً تقديم السمع على باقي الحواس؛ لأنه أول الإدراكات ويصاحب الإنسان منذ أنْ يُولدَ إلى أنْ يفارق الحياة، ولا يغيب عنه حتى لو كان نائماً؛ لأن بالسمع يتم الاستدعاء من النوم. وقد قُلْنا في قصة أهل الكهف أنهم ما كان لهم أن يناموا في سُبات عميق ثلاثمائة وتسع سنين إلا إذا حجب الله عنهم هذه الحاسة، فلا تزعجهم الأصوات. فقال تعالى: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} تفسير : [الكهف: 11]. أي: قُلْنا للأذن تعطّلي هذه المدة حتى لا تزعجهم أصوات الصحراء، وتقلق مضاجعهم، والله تعالى يريد لهم السُّبات والنوم العميق. وفي قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ ..} [النحل: 78]. هل توجد هذه الإدراكات بعد الإخراج (الميلاد) أم هي موجودة قبله؟ .. يجب أنْ نُفرّق بين السمع وآلته، فقبل الإخراج تتكون للجنين آلات البصر والسمع والتذوّق وغيرها .. لكنها آلات لا تعمل، فالجنين في بطن أمه تابع لها، وليست له حياة ذاتية، فإذا ما نزل إلى الدنيا واستقلّ بحياته يجعل الله له هذه الآلات تعمل عملها. إذن: فمعنى: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ ..} [النحل: 78]. أي: جعل لكم الاستماع، لا آلة السمع. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]. تُوحي الآية بأن السمع والأبصار والأفئدة ستعطي لنا كثيراً من المعلومات الجديدة والإدراكات التي تنفعنا في حياتنا وفي مُقوّمات وجودنا، وننفع بها غيرنا، وهذه النعم تستحقّ منا الشكر. فكلما سمعتَ صَوْتاً أو حكمة تحمد الله أن جعل لك أُذناً تسمع، وكلما أبصرتَ منظراً بديعاً تحمد الله أنْ جعلَ لك عيناً ترى، وكلما شممتَ رائحة زكية تحمد الله أنْ جعل لك أنفاً تشمُّ .. وهكذا تستوجب النعم شُكْر المنعم سبحانه. ولكي تقف على نِعَم الله عليك انظر إلى مَنْ حُرِموا منها، وتأمّل حالك وحالهم، وما أنتَ فيه من نعم الحياة ولذّاتها، وما هُمْ فيه من حِرْمَان. ثم ينقلنا الحق سبحانه نقلة أخرى في قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف ينتهي قدرته؛ إذ {ٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} وأنتم خاوون عن العلوم كلها، بحيث {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} من المعلومات أصلاً {وَجَعَلَ لَكُمُ} أسباباً وأدوات تعلمون بها أنواعاً من العلوم، هيأ لكم {ٱلْسَّمْعَ} لإدراك المسموعات الجزئية {وَٱلأَبْصَارَ} لإدراك المبصرات الجزئية {وَٱلأَفْئِدَةَ} لإدراك الكليات والجزئيات، والمناسبات والمباينات الواقعة بين العلوم والإدراكات، كل ذلك بقدرة الله وإرادته، وفضله وجُوده {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] يعني: رجاء أن تعدُّوا نِعمَ منعمكم عليكم في شئونكم وتطوراتكم، وتواظبوا على شكرها؛ كي تعرفوا ذاته، وتصلوا إليه. {أَلَمْ يَرَوْاْ} ولم ينظروا {إِلَىٰ} جنس {ٱلطَّيْرِ} كيف صارت {مُسَخَّرَٰتٍ} مذللاتٍ للطيران والسيران بريشت واضحة {فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ} أي: في الهواء المتباعد عن الأرض {مَا يُمْسِكُهُنَّ} بلا علاقةٍ ودعامةٍ {إِلاَّ ٱللَّهُ} المتفرد بالقدرة التامة الكاملة على أمثال هذه المقدورات {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الشئون والتطورات المختلفة، والتسخيرات والتذليلات للطير {لأََيٰتٍ} دلال قاطعات على كما علم الله وقدرته وإرادته {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] بتوحيد الله، ويعتقدون اتصافه بجميع أوصاف الكمال. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ} أي: من جملة مقدرواته المتعلقة بأمور معاشكم: إنه جعل لكم {مِّن بُيُوتِكُمْ} التي بنيتم بأيديكم بإقدار الله وتمكينه وتعليمه إياكم {سَكَناً} أي: مسكناً تسكنون فيها، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر، والآجر والخشب {وَجَعَلَ لَكُمْ} أيضاً {مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا} أي: تحملونها وتنقلونها {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} وترحالكم من مكانٍ إلى مكانٍ {وَ} كذا {يَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} وحضركم {وَ} جعل لكم أيضاً {مِنْ أَصْوَافِهَا} هي للضائنة والغنم {وَأَوْبَارِهَا} هي للإبل {وَأَشْعَارِهَآ} هي للمعز {أَثَاثاً} أي: ما يُلبَس ويُفرَش {وَ} وصار {مَتَاعاً} لكم، تتمتعون بها {إِلَىٰ حِينٍ} [النحل: 80] أي: إلى مدة متطاولة من الزمان. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ} أيضاً {مِّمَّا خَلَقَ} من الأبنية والشجر والجبال وغيرها {ظِلاَلاً} تتفيئون وتستظلون به من حرِّ الشمس {وَجَعَلَ لَكُمْ} أيضاً {مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} أي: كوناً، تسكنون بها لدفع البرد {وَجَعَلَ لَكُمْ} أيضاً {سَرَابِيلَ} أي: أثواباً وأكسية وأغطية متخذة من الصوف والقطن، والكتّان والحرير وغيرها {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} أي: تحفظكم من شدة الحر {وَسَرَابِيلَ} أي: الدروع والجواشن والسربالاتت {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} عند الحراب والقتال {كَذَلِكَ} أي: مثل ما ذُكر من أنواع النعم {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ} الفائضة {عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] أي: تناقدون وتطيعون، وسلِّمون أموركم كلها، وتتخذونه وكيلاً. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عن حكم الله بعدما تلوتَ عليهم يا أكمل الرسل ما تلوتَ من أوامره وأحكامه، ولم يقبلوا مك الحق، لا تبالِ بهم وبإعراضهم {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [النحل: 82] الموضح، وقد بلَّغتَ، وعلينا الحسابُ والجزاءُ بالعذابِ والعقابِ. وكيف لا يحاسبون ولا يعاقبون أولئك المشركون، إنهم {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} التي عدَّها وهيأها لهم {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} من خبث بواطنهم بإسنادها إلى شركائهم وشفعائهم {وَأَكْثَرُهُمُ} أي: عرفائهم وعقلائهم الذين يعرفون النعمة والمنعم، ثمَّ ينكرون إنعامه، وأتباعهم؛ أي: ضعفاؤهم في العقل والتمييز كلهم هم {ٱلْكَافِرُونَ} [النحل: 83] الجاحدون لله وإنعامه، يجازون على مقتضى جحودهم وإنكارهم. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} وهو نبيهم القائم بأمرهم، المشرف الناظر بحالهم من قبل الحق، يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر، ويوم العرض والجزاء {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} لا يُمهلون للاعتذار، ولا يُقبل منهم إن اعتذروا {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل: 84] ويسترضون من العتبى، وهي الرضا. {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالعرض على المهالك، بالخروج عن حدود الله الموضوعة فيهم {ٱلْعَذَابَ} الموعو لهم بألسنة الرسل والكتب {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ} أي: يتيقنوا أو يتحققوا ألاَّ مخلِّص لهم منه، ولا تخفيف عنهم بشفاعه أحد {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [النحل: 85] يُمهلون؛ ليتداركوا ما فوتوا من الإيمان والأطاعة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هو المنفرد بهذه النعم حيث { أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } ولا تقدرون على شيء ثم إنه { جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ } خص هذه الأعضاء الثلاثة، لشرفها وفضلها ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها، وجعل ينميها فيهم شيئا فشيئا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به، وذلك لأجل أن يشكروا الله، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله، فمن استعملها في غير ذلك كانت حجة عليه وقابل النعمة بأقبح المقابلة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):