Verse. 1980 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

اَلَمْ يَرَوْا اِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرٰتٍ فِيْ جَوِّ السَّمَاۗءِ۝۰ۭ مَا يُمْسِكُہُنَّ اِلَّا اؙ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُوْنَ۝۷۹
Alam yaraw ila alttayri musakhkharatin fee jawwi alssamai ma yumsikuhunna illa Allahu inna fee thalika laayatin liqawmin yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم يروْا إلى الطير مسخرات» مذللات للطيران «في جو السماء» أي الهواء بين السماء والأرض «ما يمسكهن» عند قبض أجنحتهن أو بسطها أن يقعن «إلا الله» بقدرته «إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» هي خلقها بحيث يمكنها الطيران وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها.

79

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} قرأ يحيـى بن وَثّاب والأعمش وابن عامر وحمزة ويعقوب «تروا» بالتاء على الخطاب، واختاره أبو عبيد. الباقون بالياء على الخبر. {مُسَخَّرَاتٍ} مُذَللات لأمر الله تعالى؛ قاله الكلبي. وقيل: «مسخراتٍ» مذللات لمنافعكم. {فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ} الجوُّ ما بين السماء والأرض؛ وأضاف الجَوّ إلى السماء لارتفاعه عن الأرض. وفي قوله «مسخراتٍ» دليلٌ على مُسَخِّر سَخّرها ومُدَبِّر مَكّنها من التصرف. {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} في حال القبض والبسط والاصطفاف. بيّن لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي علامات وعبرا ودلالات. {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالله وبما جاءت به رسله.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ } قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالتاء على أنه خطاب للعامة. {مُسَخَّرٰتٍ } مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية له. {فِي جَوّ ٱلسَّمَآء } في الهواء المتباعد من الأرض. {مَا يُمْسِكُهُنَّ } فيه. {إِلاَّ ٱللَّهُ } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ } تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة يمكن معها الطيران، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها في الهواء على خلاف طبعها. {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لأنهم هم المنتفعون بها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرٰتٍ } مذللات للطيران {فِى جَوّ ٱلسَّمَآءِ } أي الهواء بين السماء والأرض و{مَا يُمْسِكُهُنَّ } عند قبض أجنحتهن أو بسطها أن يقعن {إِلاَّ ٱللَّهُ } بقدرته {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأََيَٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } هي: خلقها بحيث يمكنها الطيران وخلق الجوّ بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ في جَوِّ ٱلسَّمَآءِ...} الاية: «الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف مَحْتَ، و{يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ والأوبار: للإِبل، «والأشعار»: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند قوله تعالى: { أية : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } تفسير : [النحل:5]: في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، وٱختيارُ الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس «الصُّوفِيَّةُ»؛ لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى. «والأثاث» متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة؛ هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ وقال غيره: «الأثَاثُ»: جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه. قال * ع *: والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعمَّ؛ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً؛ كما تقول: شَعْرٌ أثِيثٌ، ونَبَاتٌ أَثِيثٌ، إذَا كَثُر وٱلْتَفَّ، والـ {سَرَابِيلَ}: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلُّ على الآخر، وعن عمر رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقوُلُ: « حديث : مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به - كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً» » تفسير : رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك»، وعن عائشة قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَا اشْتَرى عَبْدٌ ثَوباً بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَار، فحمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ إِلاَّ لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يغِفْرَ اللَّهُ لَهُ » تفسير : رواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: هذا الحديث لا أَعلم في إِسناده أحداً ذكر بجرح. انتهى من «السلاح». والسرابيل التي تقي البأس: هي الدروعُ ونحوها، ومنه قولُ كَعْبِ بنِ زهيرٍ في المهاجِرِينَ: [البسيط] شعر : شُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالٌ لبُوسُهُمُ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرَابِيلُ تفسير : والبأس: مسُّ الحديدِ في الحَرْب، وقرأ الجمهور «تُسْلِمُونَ» وقرأ ابن عباس: «تَسْلَمُونَ»؛ من السَّلاَمة، فتكون اللفظة مخصوصةً في بأْس الحرْب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏في جوّ السماء‏} ‏ في كبد السماء‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏في جو السماء‏} ‏ قال‏:‏ جوف السماء ‏ {‏ما يمسكهن إلا الله‏} ‏ قال‏:‏ يمسكه الله على كل ذلك والله أعلم بالصواب‏.

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ} وقرىء بالتاء {إِلَى ٱلطَّيْرِ} جمع طائر أي ألم ينظروا إليها {مُسَخَّرٰتٍ} مذلّلاتٍ للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسبابِ المساعدة له، وفيه مبالغةٌ من حيث إن معنى التسخيرِ جعلُ الشيء منقاداً لآخرَ يتصرف فيه كيف يشاء كتسخير البحر والفُلك والدوابِّ للإنسان، والواقعُ هٰهنا تسخيرُ الهواء للطير لتطير فيه كيف تشاء فكان مقتضى طبـيعةِ الطير السقوطَ فسخرها الله تعالى للطيران، وفيه تنبـيهٌ على أن الطيرانَ ليس بمقتضى طبعِ الطير بل ذلك بتسخير الله تعالى {فِى جَوّ ٱلسَّمَآء} أي في الهواء المتباعدِ من الأرضَ والسكاك واللوح أبعدُ منه، وإضافتُه إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر ولإظهار كمالِ أجلّ القدرة. {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في الجو حين قبْضِ أجنحتهن وبسطِها ووقوفِهن {إِلاَّ ٱللَّهُ} عز وجل بقدرته الواسعة، فإن ثقلَ جسدها ورِقّةَ قوامِ الهواء يقتضيان سقوطَها ولا عِلاقةَ من فوقها ولا دِعامة من تحتها، وهو إما حالٌ من الضمير المستتر في مسخّرات أو من الطير وإما مستأنف {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها خِلْقةً تتمكن بها منه بأن جعل لها أجنحةً خفيفة وأذناباً كذلك وجعل أجسادها من الخِفة بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابَها لا يطيق ثقلها يخرق ما تحتها من الهواء الرقيق القوام وتخرق ما بـين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبـير {لآيَاتٍ} ظاهرة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي من شأنهم أن يؤمنوا وإنما خص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم} معطوف على ما مر وتقديم لكم على ما سيأتي من المجرور والمنصوب لما مر من الإيذان من أول الأمر بأنه لمصلحتهم ومنفعتهم لتشويق النفسِ إلى وروده، وقولُه تعالى: {مِن بُيُوتِكُمْ} أي المعهودة التي تبنونها من الحجر والمدَر تبـيـينُ ذلك المجعول المبْهمِ في الجملة وتأكيدٌ لما سبق من التشويق {سَكَناً} فَعَلٌ بمعنى مفعول أي موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتِكم أو تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه، أي جعل بعضَ بـيوتكم بحيث تسكنون إليه وتطمئنون به {وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا} أي بـيوتاً أُخَرَ مغايرةً لبـيوتكم المعهودةِ هي الخيامُ والقِباب والأخبـية والفساطيط. {تَسْتَخِفُّونَهَا} تجدونها خفيفةً سهلةَ المأخذ {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} وقت تَرحالِكم في النقض والحمل والنقل، وقرىء بفتح العين {وَيَوْمَ إِقَـٰمَتِكُمْ} وقت نزولِكم في الضرب والبناء {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} عطفٌ على قوله تعالى: {مّن جُلُودِ} والضمائر للأنعام على وجه التنويع، أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبارِ الإبل وأشعار المعْزِ {أَثَاثاً} أي متاعَ البـيت وأصلُه الكثرةُ والاجتماعُ ومنه شعرٌ أثيثٌ {وَمَتَـٰعاً} أي شيئاً يُتمتّع به بفنون التمتع {إِلَىٰ حِينٍ} إلى أن تقضوا منه أوطارَكم أو إلى أن يبلىٰ ويفنى فإنه في معرض البِلىٰ والفناء، وقيل: إلى أن تموتوا، والكلام في ترتيب المفاعيل مثلُ ما مر من قبل.

القشيري

تفسير : الطائر إذا حَلّقَ في الهواء يبقى كالواقف ولا يسقط، وقد قامت الدلالة على أن الحقَّ - سبحانه - متفرِّدٌ بالإيجاد، ولا يَخْرُجُ حادثٌ عن قدرته، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم يروا الى الطير} تقرير لمن ينظر اليهن وتعجيب من شأنهن. والطير جمع طائر اى ألم ينظروا اليها ليستدلوا بها على قدرة الله تعالى {مسخرات} مذللات للطيران بما خلق لها من الاجنحة والاسباب المساعدة له. وفيه مبالغة من حيث ان التسخير جعل الشئ منقاد اللآخر يتصرف فيه كيف يشاء كتسخير البحر والفلك والدواب للانسان والواقع هنا تسخير الهواء للطير لتطير فيه كيف تشاء فكان مقتضى طبيعة الطير السقوط فسخرها الله للطيران. وفيه تنبيه على ان الطيران ليس بمقتضى طبع الطير بل ذلك بتسخير الله تعالى وكذا احراق النار واهلاك البرد ليسا بذاتهما بل بتأثير الله تعالى وعلى هذا {فى جوّ السماء} فى الهواء غير متباعد من الارض واضافته الى السماء لما انه فى جانبها من الناظر. قال فى القاموس الجو الهواء {ما يمسكهن} فى الجو عن السقوط حين قبض اجنحتهن وبسطتها ووقوفهن {الا الله} بقدرته الواسعة وتدبيره لهن من الريوش الكبار والصغار فان ثقل جسدها ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها ولا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها تمسكها والهواء للطائر كالماء للسابح فهو يقبض يديه ويبسطها ولا يغرق مع ثقل جسده ورقة الماء واعجب من ذلك وادل فيه على القدرة الباهرة تعشيش بعض الطير فى الهواء ومن اخبار الرشيد انه خرج يوما للصيد فارسل بازا اشهب فلم يزل يعلو حتى غاب فى الهواء ثم رجع بعد اليأس منه ومعه سمكة فاحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل يا امير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضى الله عنهما ان الهواء معمور بامم مختلفة الخلق فيه دواب بيض تفرخ فيه شيئًا على هيئة السمك لها اجنحة ليست بذات ريش فاجاز مقاتلا على ذلك واكرمه. ومن ذلك الطير الابابيل التى رمت اصحاب الفيل بحجارة من سجيل وهى الطير السود على هيئة الخطاطيف. ومن ذلك ما يقال له بالفارسية [هما] فانه من سكان الهواء يبيض ويفرخ فيه وليس له رجل وهو فى جثة العقعق الا انه سكرى اللون ويوجد جسده بعد وفاته فى صحارى الهند. ومن عجائب الطيور الرخ بالضم وهو طير فى جزائر الصين يكون جناحة الواحد عشرة آلاف باع. قال فى القاموس هو طائر كبير يحمل الكركدان انتهى. وكان وصل الى المغرب رجل من التجار ممن سافر فى بحر الصين والقتهم الريح الى جزيرة عظيمة فخرج اليها اهل السفينة ليأخذوا الماء والحطب فرأوا قبة عظيمة اعلى من مائة ذراع لها لمعان وبريق فعجبوا منها فلما دنوا منها اذا هى بيضة الرخ فجعلوا يضربونها بالخشب والفوؤس والحجارة حتى انشقت عن فرخ كأنه جبل فتعلوا بريش جناحه فجروه فنفض جناحة فبقيت هذه الريشة معهم خرج اصلها من جناحة ولم يكمل بعد خلقه فقتلوه وحملوا ما قدروا عيله من لحمه فلما طلعت الشمس اذا الرخ قد اقبل فى الهواء كالسحابة العظيمة فى رجله قطعة حجر كالبيت العظيم اكبر من السفينة فلما حاذى السفينة القى ذلك الحجر بسرعة فوقع الحجر فى البحر وسبقت السفينة ونجاهم الله تعالى بفضله ورحمته كذا فى حياة الحيوان {ان فى ذلك} الذى ذكر من تسخير الطير للطيران بان خلقها خلقة يمكن معها الطيران بان جعل لها اجنحة خفيفة واذنابا كذلك وخلق الجوّ بحيث يمكن الطيران فيه وامساكها فى الهواء على خلاف طباعها {لآيات}[نشانها ظاهرست]{لقوم يؤمنون} اى من شأنهم ان يؤمنوا وانما خص ذلك بهم لانهم المنتفعون به حيث يطيرون فى الهواء المعرفة بجناح التفكر فيما ذكر ويصلون الى وكر الكرامة شعر : فكر ازين خانه فرازت كشد سوى سرا برده رازت كشد تفسير : وفى المثنوى شعر : كر بينى ميل خود سوى سبا بر دولت بركشا همجون هما ورببينى ميل خود سوى زمين نوحه ميكن هيج منشين ازحنين تفسير : وفى الحديث "حديث : كونوا فى الدنيا اضيافا واتخذوا المساجد بيوتا وعودا قلوبكم الرقة واكثروا من التفكر والبكاء ولا يختلفن بكم الا هواء " تفسير : وعن محمد عبد الله انه قال الفكرة على خمسة اوجه فكرة فى آيات الله يتولد منها المعرفة. وفكرة فى آلاء الله ونعمائه يتولد منها المحبة. وفكرة فى وعد الله وثوابه يتولد منها الرغبة. وفكرة فى وعد الله وعقابه يتولد منها الرهبة. وفكرة فى جفاء النفوس يجنب احسان الله اليها يتولد منها الحياة والندم. وفى الآية اشارة الى ان طير الارواح مسخرة فى جو سماء القلوب لا يمسكهن الا الله لان الارواح علويات وانما سكونها فى سفل الاجساد بتسخير الله اياها كقوله {أية : ونفخت فيه من روحى}تفسير : وقوله {أية : ثم رددناه اسفل سافلين}تفسير : وهذا كسلطان نزل فى خراب بحسب الاقتضاء والا فشأنه اعلى من ذلك وجاهه ارفع منه كما لا يخفى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مسخرات}: حال من {الطير}، و {سكنًا}: مصدر وُصف به، أي: شيئًا سكنًا، أو: فَعَلٌ؛ بمعنى مفعول. و {أثاثًا}: مفعول بمحذوف، أي: وجعل من أوبارها أثاثًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم يروا}، وفي قراءة: {ألم تروا}؛ بتوجيه الخطاب لعامة الناس، {إلى الطير مسخراتٍ}: مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية، {في جو السماء}؛ في الهواء المتباعد من الأرض. {ما يُمسكهنَّ} فيه {إلا اللهُ}؛ فإن ثِقلَ جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها، {إنَّ في} تسخيره {ذلك} لها {لآيات}؛ لعبرًا ودلالة على قدرته تعالى؛ إذ لا فاعل سواه؛ فإنَّ إمساك الطيران في الهواء هو على خلاف طباعها، لولا أن القدرة تحملها، ففيه آيات {لقوم يؤمنون}؛ لأنهم هم المنتفعون بها. {والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا}: موضعًا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدَر. و "مِنْ" للبيان، أي: جعل لكم سكنًا، أي: موضعًا تسكنونه، وهو بيوتكم، {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا}، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبَر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، {تستخفونها} أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها {يوم ظعنكم} أي: سفركم، وفيه لغتان: الفتح والسكون، {ويوم إقامتكم}: حضوركم، أو نزولكم، {و} جعل {من أصوافها} أي: الغنم، {وأوبارها} أي: الإبل، {وأشعارها} أي: المعز، {أثاثًا}: متاعًا لبيوتكم؛ كالبسُط والأكسية، {ومتاعًا} تمتعون به {إلى حينٍ}؛ إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو: إلى مماتكم، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو: إلى أن تبلى. {والله جعل لكم مما خلق} من الشجر والجبال والأبنية، وغيرها، {ظِلالاً} تتقون بها حر الشمس، {وجعل لكم من الجبال أكنانًا}؛ جمع: كَن، ما تكنون، أي: تستترون به من الحر والبرد، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها، {وجعل لكم سرابيل} جمع: سربال؛ ثيابًا من الصوف والكتان والقطن وغيرها، {تقيكم الحرَّ} والبرد، وخص الحر بالذكر، اكتفاء بأحد الضدين، أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. {وسرابيل تقيكم بأسكم}: حربكم، كالطعن والضرب. وهي: الدروع، وتسمى: الجواشن، جمع جَوشن، وهو الدرع، {كذلك}؛ كإتمام هذه النعم؛ بخلق هذه الأشياء المتقدمة، {يُتم نعمتَه عليكم} في الدنيا؛ بخلق ما تحتاجون إليه، {لعلكم} يا أهل مكة {تُسْلمون} أي: تنظرون في نعمه، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة: بفتح التاء، أي: تسلمون من العذاب بالإيمان، أو تنظرون فيها، فتوحدون، وتَسلمون من الشرك، أو من الجراح؛ بلبس الدروع. {فإِن تولوا}: أعرضوا، ولم يقبلوا منك، أو لم يُسلموا. {فإِنما عليك} يا محمد {البلاغُ المبين} أي: الإبلاغ البين، فلا يضرك إعْراضهم حيث بلَّغْتَهُمْ. {يعرفون نِعْمَتَ الله} أي: يُقرون بأنها من عنده، {ثم يُنكرونها} بإشراكهم وعبادتهم غيرَ المنعِم بها، وبقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا، أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل: نعمة الله: نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها؛ عنادًا. {وأكثرهم الكافرون}؛ الجاحدون؛ عنادًا. وذكر الأكثر؛ إمَّا لأن بعضهم لم يعرف الحق؛ لنقصان عقله، أو لتفريطه في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو كان فيهم من داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر مقام الكل، كقوله: {أية : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [النّحل: 75]. قال بعضه البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: بيَّن الحقُّ تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في هواء الملكوت وسماء الجبروت، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان،على سرادق مجده وبساط كبريائه، مسخرات بأنوار جذبه، ما يمسكهن إلا الله، بكشف جماله لها، أمسكها به عن قهر سلطانه وسُبحات جلاله، حتى لا تفنى - أي: تتلاشى - في بهائه. هـ. والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا - وهي العبودية -، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير مُعَشَّشَ أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعًا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس. والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالاً، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانًا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام؛ بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حَرَّ الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإنَّ من عرف الله؛ حقيقة؛ هان عليه ما يُواجَهُ به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم: شعر : نِلْبِسٍ عمَامْ مِنِ الماءْ وِنْشِدِّهَا شَدِّ مَائِلْ وِنِلْبِسْ مِنِ الثَّلْجِ بُرْنُسْ إِذا حِمِتِ الْقَوائِلْ وِنِشْعِلْ مِنِ الرِّيحْ قَنْدِيلْ وِمْنِ الضَّبْابْ فَتَائِل تفسير : والمراد بعمامة الماء: كناية عن الحقيقة؛ لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها: كناية عن قوتها، وتكبيرها؛ على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج: برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح: هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة - التي هي سراج القلب -، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراجٍ غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : كُلُّ بَيْتٍ أنت سَاكنُهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلى سُرُجِ وَجْهُكَ المَحْمُودُ حُجَّتُنَا يوم يأْتِي الناس بالحجج تفسير : والمراد بالضباب: وجود السِّوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم، التي هي دلائل قدرته.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابن كثير وابو عمر {ويوم ظعنكم} بتحريك العين. الباقون بتسكينها وهما لغتان، مثل نهر ونهر، وسمع وسمع. وقرأ ابن عامر وحمزة وخلف ويعقوب {ألم تروا} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على وجه التذكير لما تقدم ذكره، والتنبيه لهم. يقول الله تعالى منبهاً لخلقه على وجه الاستدلال على وحدانيته {ألم يروا} يعني هؤلاء الكفار الجاحدين لربوبيته {إلى الطير} قد سخرها الله {في جوّ السماء} وسط الهواء، حتى مكنها ان تتصرف في جوّ السماء على حسب إِرادتها، ويعلمون أن لها مسخّراً ومدبّراً، لا يشبه الاشياء، لان من المعلوم ان احداً من البشر لا يقدر على مثل ذلك، ولا يتأتى منه ذلك، وأن من مكّن الطير من تلك الحال قد كان يجوز ان يمكنها منه ابتداء واختراعاً، من غير اسباب ادّت الى أن صارت على تلك الأوصاف، لأنه قادر لا يعجزه شيء، ولا يتعذر عليه شيء، وأنه إِنما خلق ذلك ليعتبروا به وينظروا فيه، فيصلوا به الى الثواب الذي عرّضهم له، ولو كان فعل ذلك لمجرد الانعام به على العبد كان حسناً، لكن ضم الى ذلك التعريض للثواب على ما قلناه. وانما قال {ما يمسكهنّ إلا الله} وهي تستمسك بالقدرة التي اعطاها الله مبالغة في الصفة بأن الله يمكّنها بالهواء الذي تتصرف فيه، لأنه ظاهر انها بالهواء تستمسك عن السقوط، وأن الغرض من ذلك تسخير ما سخر لها. ثم قال {إن في} خلق {ذلك}، على ما وصفه، لدلالات لقوم يصدقون بتوحيد الله، ويصدقون انبياءه وخص المؤمنون بذلك لامرين: احدهما - من حيث هم المنتفعون بها دون غيرهم. الثاني - لانهم يدلّلون بها على مخالفي التوحيد، وهي دلالة من الله للجميع، والجو - بالفتح - ما بين السماء والارض، قال الانصاري: شعر : ويل امها في هواء الجوّ طالبة ولا كهذا الذي في الارض مطلوب تفسير : ثم عدد في الآية الأخرى نعمه، فقال: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} أي مواضع تسكنون فيها {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها} اي يخف عليكم حملها {يوم ظعنكم} أي ارتحالكم من مكان الى مكان {ويوم إقامتكم} يعني اليوم الذي تنزلون موضعاً تقيمون فيه، ثم قال {وجعل لكم من أصوافها} من أصواف الضأن وأوبار الابل واشعار المعز {أثاثاً} يعنى متاع الكثير، من قولهم شعر أثيث اي كثير، وأثَّ النبت يئث أثَّاً إِذ كثر والْتفّ، وكذلك الشعر، ولا واحد للاثاث، كما لا واحد للمتاع، قال الشاعر: شعر : اهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الرِّئْيِ الجميل من الاثاث تفسير : وقوله {إِلى حين} معناه. الى وقت يهلك فيه، ثم قال {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} يعني من الشجر وغيره، ما تسكنون فيه من أذى الحر والبرد {وجعل لكم سرابيل} يعني قمصاً من القطن والكنان - في قول قتادة - واحدها سربال، ويقال للدروع سرابيل، وهي التي تقي البأس، وقال الزجاج كل ما لبسته فهو سربال. وقوله {تقيكم الحر} اي تمنعكم من الحرّ، وخص الحر بذلك مع ان وقايتها للبرد اكثر لامرين: احدهما - إِن الذين خوطبوا بذلك أهل حرّ في بلادهم فحاجتهم الى ما يقي الحر أشدّ في قول عطاء. الثاني - انه ترك ذلك لانه معلوم، كما قال الشاعر: شعر : وما ادري اذا يمت وجهاً اريد الخير ايهما يليني تفسير : فكنى عن الشر، ولم يذكره، لانه مدلول عليه ذكره الفراء. وقوله {كذلك يتم نعمته عليكم} اي كما انعم عليكم بهذه النعم ينعم عليكم بجميع ما تحتاجون اليه، وهو إِتمام نعمه في الدنيا، وبين انه فعل ذلك لتسلموا وتؤمنوا. وقرأ ابن عامر بفتح التاء، والمعنى لتسلموا بتلك الدروع من الجراحات.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} بخلق ما يقدرون به على الاستمساك فى الجوّ فانّ الله خلق كلّ شيءٍ وخلق له ما به تعيّشه وحركته وسكونه {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} على علمه وقدرته وحكمته وعدم اهماله لشيءٍ من الاشياء من دون تهيّة ما يحتاج اليه {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالآخرة فانّهم يعلمون انّ الّذى لم يهمل شيئاً من الاشياء واعطى كلّ شيءٍ ما يحتاج اليه لم يهمل الانسان الّذى هو اشرف الاشياء ولم يترك ما يحتاج اليه فى اشرف جهاته وهى الآخرة بل جعل لهم رئيساً يدلّهم عليها ويمنعهم عمّا يضرّهم فيها ويأمرهم بما ينفع فيها ولم يكل اختيار ذلك اليهم حتّى يجعلوا برأيهم له شريكاً او يختاروا لانفسهم فى امر الآخرة الّذى هو غيب عنهم اماماً ورئيساً.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ يَروا} ضمائر الخطاب قيل هذا وضمير الغيبة فى هذا، كلها للمشركين وقرأه ابن عامر وحمزة ويعقوب ألم تروا بالمثناة فوق خطاباً لهم تأْكيداً فى وعظهم على طريق الالتفات أو خطاباً للناس عامة، {إِلى الطَّيْرِ} عدى يرى بإِلى لتضمنه معنى الامتداد والتوجيه أى ألم تمتد أبصارهم أو لم يوجهوها إِلى الطير، {مُسَخَّرَاتٍ} حال من الطير أى مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأَسباب الموافقة للطيران. {فِى جَوِّ السَّمَاءِ} فى الهواء المتباعد من الأَرض إِلى جهة السماء ومثله اللوح والسكاك أبعد منهما. كذا قيل والظاهر أن الجو الهواء بين السماء والأَرض قرب أو بعد، وقال بعض الحبو ما يلى الأرض منه. وعن كعب الأحبار رضى الله عنه الطير ترتفع فى الجو اثنى عشر ميلا ولا ترتفع أكثر من ذلك، {مَا يُمْسِكُهُنَّ} أى الطير فى قبضهن وبسطهن ووقوفهن فى الجو {إِلاَّ اللهُ} بقدرته فإِن طبع أجسامها لثقلها يقتضى سقوطها إِذ لا شىء تتعلق به فوقها ولا شىء تعتمد عليه تحتها {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور من تمكين الطير بالطيران فى الجو وإِمساكها فيه مع أن طبعها الوقوع {لآيَاتٍ} على أن لها ممسكاً أمسكها بالقدرة وذللها لما يصدر منها. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات تفكراً واعتباراً.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ} اسم جمع طائر كواكب وركب، وقيل جمع ويطلق على الواحد قليلا {مُسَخَّرَاتٍ} مسهلات للطيران بجناح له طرفان، يمين وشمال، وإن شئت فقل جناحان تبسطهما مرة، وتكسرهما مرة كالسابح فى الماء. {فِي جَوٍّ} هواء {السَّمَاء} أضيف إلى السماء لأنه خارج من الأرض إِلى جهة السماء بل المراد الهواء المتباعد عن الأرض كثيراً، لأن طيرانها فى المتباعد أشد اعتبارًا، ولو كانت ترى فى القريب والبعيد جعل لها الهواء جسمًا لطيفاً يسهل خرقه. {مَا يُمْسِكُهُنَّ} فيه {إِلاّ اللهُ} بقدرته، بلا دعامة من تحتها، ولا علاّقة من فوق، خلقها أجساما ثقالا لا تماسك فى الهواء، وجعل لها الأجنحة تتماسك لها، عن كعب الأحبار رحمه الله: أن الطائر يرتفع عن الأرض اثنى عشر ميلا لا أكثر، يعنى غالبا فقد طار طائر حتى وصل بحرًا فى الهواء، وجاء بسمكة منه، وأظن أن هذا البحر فوق اثنى عشر ميلا، وشاهدت غيره مرة غرابًا يعلو وأنا أراه حتى عجزت من رؤيته لبُعده. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} التسخير {لآيَاتٍ} عدم سقوطهن، وخرق الهواء لهن وعدم الدعامة والعلاقة {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وغيرهم، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بالتفكير فيها، والاستدلال على وجود الله، وكمال قدرته، وإنعامه عليها، وليس التنكير للإفراد مخصوصة بمعنى قوم من جملة المؤمنين، بل للتعظيم بل المراد جنس المؤمنين، والمضارع للتجدد لا للاستقبال، فإن الإيمان متجدد متكرر.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ} وقرأ حمزة وابن عامر وطلحة والأعمش وابن هرمز {أَلَمْ تَرَوْاْ} بالتاء الفوقية على أنه خطاب العامة، والمراد بهم جميع الخلق المخاطبون قبل في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } تفسير : [النحل: 78] لا على أن المخاطب من وقع في قوله تعالى: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 73] بتلوين الخطاب لأنه المناسب للاستفهام الإنكاري ولذا جعل قراءة الجمهور بياء الغيبة باعتبار غيبة {يعبدون} ولم يجعلوا ذلك التفاتاً حينئذ فالإنكار باعتبار اندراجهم في العامة، والرؤية بصرية أي ألم ينظروا {إِلَى ٱلطَّيْرِ } جمع طائر كركب وراكب ويقع على الواحد أيضاً وليس بمراد ويقال في الجمع أيضاً طيور وأطيار {مُسَخَّرٰتٍ} مذلللات للطيران، وفيه إشارة إلى أن طيرانها ليس بمقتضى طبعها/ {فِى جَوّ ٱلسَّمَآء} أي في الهواء المتباعد من الأرض واللوح والسكاك أبعد منه، وقيل: الجو مسافة ما بين السماء والأرض والجوة لغة فيه، وإضافته إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر ولإظهار كمال القدرة، وعن السدي تفسير الجو بالجوف وفسرت السماء على هذا بجهة العلو والطير قد يطير في هذه الجهة حتى يغيب عن النظر ولم يعلم منتهى ارتفاعه في الطيران إلا الله تعالى، وعن كعب أن الطير لا ترتفع أكثر من اثني عشر ميلاً. {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في الجو عن الوقوع {إِلاَّ ٱللَّهُ} عز وجل بقدرته الواسعة فإن ثقل جسدها ورقة الهواء يقتضيان سقوطها ولا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها، والجملة إما حال من الضمير المستترفي {مُسَخَّرٰتٍ} أو من {ٱلطَّيْرُ} وإما مستأنفة. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر من التسخير في الجو والإمساك فيه، وقيل المشار إليه ما اشتملت عليه هذه الآية والتي قبلها {لآَيَاتٍ} دالة على كمال قدرته جل شأنه {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي من شأنهم أن يؤمنوا، وخص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به، واقتصر الإمام على جعل المشار إليه ما فيه هذه الآية قال: وهذا دليل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته سبحانه فإنه جل شأنه خلق الطائر خلقة معها يمكنه الطيران أعطاه جناحاً يبسطه مرة ويكنه أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران خلقه خلقة لطيفة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً اهـ. وكذا المولى أبو السعود قال: إن في ذلك الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة تتمكن بها منه بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذناباً كذلك وجعل أجسادها من الخفة بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابها لا يطيق ثقلها أن يخرق ما تحتها من الهواء الرقيق القوام وتخرق ما بين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبير لآيات ظاهرة، وذكر أن تسخيرها بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المساعدة. وتعقب ذلك أبو حيان بقوله: والذي نقوله إنه كان يمكن الطائر أن يطير ولو لم يخلق له جناح وأنه كان يمكنه خرق الشيء الكثيف وذلك بقدرة الله تعالى ولا نقول: إنه لولا الجناح ولطف الجو والآلات ما أمكن الطيران اهـ وأنا لا أظن أن أحداً ينفي الإمكان الذاتي للطيران بدون الجناح مثلاً لكن لا يبعد نفيه بدون لطف المطار والكثيف متى خرق كان المطار لطيفاً فافهم. واستدل بالآية على أن العبد خالق لأفعاله، وأولها القاضي وهو ارتكاب لخلاف الظاهر لغير دليل.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الجملة موقع التّعليل والتّدليل على عظيم قدرة الله وبديع صنعه وعلى لطفه بالمخلوقات، فإنه لما ذكر موهبة العقل والحواس التي بها تحصيل المنافع ودفع الأضرار نبّه الناس إلى لطف يشاهدونه أجلَى مشاهدةً لأضعف الحيوان، بأن تسخير الجوّ للطير وخلْقَها صالحة لأن ترفرف فيه بدون تعليم هو لطف بها اقتضاه ضعف بنيّاتها، إذ كانت عادمة وسائل الدفاع عن حياتها، فجعل الله لها سرعة الانتقال مع الابتعاد عن تناول ما يعدو عليها من البشر والدوابّ. فلأجل هذا الموقع لم تعطف الجملة على التي قبلها لأنها ليس في مضمونها نعمةٌ على البشر، ولكنها آية على قدرة الله تعالى وعلمه، بخلاف نظيرتها في سورة المُلك (19) {أية : أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافّات} تفسير : فإنها عُطفت على آيات دالّة على قدرة الله تعالى من قوله: {أية : ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح} تفسير : [الملك: 5]، ثم قال: {أية : وللذين كفروا بربّهم عذاب جهنّم وبئس المصير}تفسير : [الملك: 6] ثم قال: {أية : أأمِنتُم من في السماء أن يخسف بِكُمُ الأرضَ} تفسير : [سورة الملك: 16] ثم قال: {أو لم يروا إلى الطير} الآية. ولذلك المعنى عقبت هذه وحدها بجملة إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. والتّسخير: التّذليل للعمل. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره} تفسير : في سورة الأعراف (54). والجوّ: الفضاء الذي بين الأرض والسماء، وإضافته إلى السماء لأنه يبدو متّصلاً بالقبّة الزرقاء في ما يخال النّاظر. والإمساك: الشدّ عن التفّلّت. وتقدم في قوله تعالى: {أية : فإمساك بمعروف} تفسير : في سورة البقرة (229). والمراد هنا: ما يمسكهنّ عن السقوط إلى الأرض من دون إرادتها، وإمساك الله إيّاها خلقه الأجنحة لها والأذنَاب، وجعله الأجنحة والأذناب قابلة للبسط، وخلق عظامها أخفّ من عظام الدوابّ بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابها ونهضت بأعصابها خفّتْ خفّة شديدة فسبحت في الهواء فلا يصلح ثقلها لأن يخرق ما تحتها من الهواء إلا إذا قبضت من أجنحتها وأذنابها وقوّست أعصاب أصلابها عند إرادتها النّزول إلى الأرض أو الانخفاضَ في الهواء. فهي تحوم في الهواء كيف شاءت ثم تقع متى شاءت أو عييت. فلولا أن الله خلقها على تلك الحالة لما استمسكت، فسُمّي ذلك إمساكاً على وجه الاستعارة، وهو لطف بها. والرؤية: بصرية. وفعلها يتعدّى بنفسه، فتعديته بحرف إلى لتضمين الفعل معنى (ينظروا). و{مسخرات} حال. وجملة {ما يمسكهن إلا الله} حال ثانية. وقرأ الجمهور {ألم يروا} بياء الغائب على طريقة الالتفات عن خطاب المشركين في قوله تعالى: {أية : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم} تفسير : [سورة النحل: 78]. وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وخلف {ألم تَرَوْا} بتاء الخطاب تبعاً للخطاب المذكور. والاستفهام إنكاري. معناه: إنكار انتفاء رؤيتهم الطير مسخّرات في الجوّ بتنزيل رؤيتهم إيّاها منزلة عدم الرؤية، لانعدام فائدة الرؤية من إدراك ما يدلّ عليه المرئيّ من انفراد الله تعالى بالإلهية. وجملة {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن الإنكار على المشركين عدم الانتفاع بما يرونه من الدلائل يثير سؤالاً في نفس السامع: أكان عدم الانتفاع بدلالة رؤية الطير عاماً في البشر، فيجاب بأن المؤمنين يستدلّون من ذلك بدلالات كثيرة. والتأكيد بــــ{إنّ} مناسب لاستفهام الإنكار على الذين لم يروا تلك الآيات، فأكّدت الجملة الدّالة على انتفاع المؤمنين بتلك الدّلالة، لأن الكلام موجّه للذين لم يهتدوا بتلك الدّلالة، فهم بمنزلة من ينكر أن في ذلك دلالة للمؤمنين لأن المشركين ينظرون بمرآة أنفسهم. وبين الإنكار عليهم عدم رؤيتهم تسخير الطير وبين إثبات رؤية المؤمنين لذلك محسّن الطباق. وبين نفي عدم رؤية المشركين وتأكيد إثبات رؤية المؤمنين لذلك محسّن الطباق أيضاً. وبين ضمير {يروا} وقوله: «قوم يؤمنون» التضادّ أيضاً، فحصل الطباق ثلاث مرّات. وهذا أبلغ طباق جاء محوياً للبيان. وجمع الآيات لأن في الطير دلائل مختلفة: من خلقة الهواء، وخلقة أجساد الطير مناسبة للطيران في الهواء، وخلق الإلهام للطير بأن يسبح في الجو، وبأن لا يسقط إلى الأرض إلا بإرادته. وخصّت الآيات بالمؤمنين لأنهم بخلُق الإيمان قد ألفوا إعمال تفكيرهم في الاستدلال على حقائق الأشياء، بخلاف أهل الكفر فإن خلق الكفر مطبوع على النفرة من الاقتداء بالنّاصحين وعلى مكابرة الحقّ.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن تسخيره الطير في جو السماء ما يمسكها إلا هو - من آياته الدالة على قدرته، واستحقاقه لأن يعبد وحده. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}تفسير : [الملك: 19]. تنبيه لم يذكرعلماء العربية الفعل (بفتح فسكون) من صيغ جموع التكسير. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية: أن الفعل (بفتح فسكون) جمع تكسير لفاعل وصفاً لكثرة وروده في اللغة جمعاً له. كقوله هنا: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ} فالطير جمع طائر، وكالصحب فإنه جمع صاحب. قال امرؤ القيس: شعر : وقوفاً بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل تفسير : فقوله "صحبي" أي أصحابي. وكالركب فإنه جمع راكب. قال تعالى: {أية : وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ}تفسير : [الأنفال: 42[ وقال ذو الرمة: شعر : أستحدث الركب عن أشياعهم خبراً أم راجع القلب من أطرابه طرب تفسير : فالركب جمع راكب. وقد رد عليه ضمير الجماعة في قوله "عن أشياعهم". وكالشرب فإنه جمع شارب. ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : كأنه خارجاً من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد تفسير : فإنه رد على الشرب ضمير الجماعة في قوله "نسوه.." إلخ وكالسفر فإنه جمع سافر. ومنه حديث: "حديث : أتموا فإنا قوم سفر"تفسير : . وقول الشنفرى: شعر : كأن وغاها حجرتيه وجاله أضاميم من سفر القبائل نزل تفسير : وكالرجل جمع راجل. ومنه قراءة الجمهور {أية : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ }تفسير : [الإسراء: 64] بسكون الجيم. وأما على قراءة حفص عن عاصم بكسر الجيم فالظاهر أن كسرة الجيم اتباع لكسرة اللام. فمعناه معنى قراءة الجمهور. ونحو هذا كثير جداً في كلام العرب، فلا نطيل به الكلام. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مسخراتٍ في جو السماء: أي مذللات في الفضاء بين السماء والأرض وهو الهواء. ما يمسكهن: أي عند قبض أجنحتها وبسطها إلا الله تعالى بقدرته وسننه في خلقه. من بيوتكم سكناً: أي مكاناً تسكنون فيه وتخلدون للراحة. من جلود الأنعام بيوتاً: أي خياماً وقباباً. يوم ظعنكم: أي ارتحالكم في أسفاركم. أثاثاً ومتاعاً إلى حين: كبُسط وأكسية تبلى وتتمزق وتُرمى. ظلالاً ومن الجبال أكناناً: أي ما تستظلون به من حر الشمس، وما تسكنون به في غيران الجبال. وسرابيل: أي قمصاناً تقيكم الحر والبرد. وسرابيل تقيكم بأسكم: أي دروعاً تقيكم الضرب والطعان في الحرب. لعلكم تسلمون: أي رجاء أن تسلموا له قلوبكم ووجوهكم فتعبدوه وحده. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والدعوة إليه وإبطال الشرك وتركه فيقول تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ} فإن في خلق الطير على اختلاف أنواعه وكثرة أفراده، وفي طيرانه في جو السماء، أي في الهواء وكيف يقبض جناحيه وكيف يبسطها ولا يقع على الأرض فمن يمسكه غير الله بما شاء من تدبيره في خلقه وأكوانه إن في ذلك المذكور لآياتٍ عدة تدل على الخالق وقدرته وعلمه وتوجب معرفته والتقرب إليه وطاعته بعبادته وحده، كما تدل على بطلان تأليه غيره وعبادة وسواه، وكون الآيات لقوم يؤمنون هو باعتبار أنهم أحياء القلوب يدركون ويفهمون بخلاف الكافرين فإنهم أموات القلوب فلا إدراك ولا فهم لهم، فلم يكن لهم في ذلك آية.. وقوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً} أي موضع سكونٍ وراحة، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ} الإِبل والبقر والغنم {بُيُوتاً} أي خياماً وقباباً {تَسْتَخِفُّونَهَا} أي تجدونها خفيفة المحمل {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} أي ارتحالكم في أسفاركم وتنقلاتكم {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} في مكان واحد كذلك. وقوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} أي جعل لكم منه {أَثَاثاً} كالبسط الفرش والأكسية {وَمَتَاعاً} أي تتمتعون بها إلى حين بلاها وتمزقها وقوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ} من أشياء كثيرة {ظِلاَلاً} تستظلون بها من حر الشمس {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} تكنون فيها أنفسكم من المطر والبرد أو الحر وهي غيران وكهوف في الجبال {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} قمصان {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} والبرد {وَسَرَابِيلَ} هي الدروع {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} في الحرب تتقون بها ضرب السيوف وطعن الرماح. أليس الذي جعل لكم هذه كلها أحق بعبادتكم وطاعتكم، وهكذا {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} فبعث إليكم رسوله وأنزل عليكم كتابه لِيُعِدّكم للإِسلام فتسلموا. وهنا وبعد هذا البيان الواضح والتذكير البليغ يقول لرسوله {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عما ذكرتهم به فلا تحزن ولا تأسف اذ ليس عليك هداهم {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} وقد بلغت وبينت. فلا عليك بعد شيء من التبعة والمسؤولية. وقوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} أي نعمة الله عليهم كما ذكَّرناهم بها {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} فيعبدون غير المُنعم بها {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} أي الجاحدون المكذبون بنبوتك ورسالتك والإِسلام الذي جئت به. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا ينتفع بالآيات إلا المؤمنون لحياة قلوبهم، أما الكافرون فهم في ظلمة الكفر لا يرون شيئاً من الآيات ولا يبصرون. 2- مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته ونعمه تتجلى في هذه الآيات الأربع ومن العجب أن المشركين كالكافرين عمي لا يبصرون شيئاً منها وأكثرهم الكافرون. 3- مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست هداية القلوب وإنما هي بيان الطريق بالبلاغ المبين.

د. أسعد حومد

تفسير : {مُسَخَّرَاتٍ} {لآيَاتٍٍ} (79) - أَلَمْ يَنْظُرْ، هؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ، إِلَى الطَّيْرِ مُذَلَّلاَتٍ لِلطَّيْرَانِ فِي الفَضَاءِ، بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، مَا يُمْسِكُهُنَّ فِي جَوِّ السَّمَاءِ عَنِ الوُقُوعِ إِلا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقُدْرَتِهِ، وَقَدْ كَانَ فِي ثِقَلِ أَجْسَامِهَا مَا يَقْتَضِي وُقُوعَها. وَلَوْ سَلَبَها اللهُ مَا أَعْطَاهَا مِنَ القُدْرَةِ عَلَى الطَّيرانِ لَمْ تَسْتَطِعِ النُّهُوضَ، وَفِي ذلِكَ كُلِّه دَلاَلاتٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ لاَ شَرِيكَ لَهُ.

الثعلبي

تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ} . قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة ويعقوب بالتاء. وقرأ عاصم بضمر التاء. واختاره أبو عبيد لما قبلها. { إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ} مذللات { فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ} أي في الهواء بين الأرض والسماء {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في الهواء { إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ} التي هي من الحجر والمدر {سَكَناً} مسكناً تسكنونه. قال الفراء: السكن: الدار، والسكن بجزم الكاف: أهل البلد. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً} يعني الخيام والقباب والأخبية [والفساطيط من الأنطاع] والأدم وغيرها {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} رحلكم وسفركم {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} في بلادكم [لا يثقل] عليكم في الحالتين. واختلف القرّاء في قوله: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ}. فقرأ الكوفيون بجزم العين، وقرأ الباقون: بفتحه. وإختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه [أشهر] اللغتين وأفصحهما. {وَمِنْ أَصْوَافِهَا} يعني أصواف الضان وأوبار الإبل وأشعار المعز. والكنايات كلها راجعة إلى الأنعام. {أَثَاثاً} قال ابن عبّاس: مالا، مجاهد: [متاعاً]. حميد بن عبد الرحمن: [أثاثاً يعني] الأثاث: المال أجمع من الإبل والغنم والعبيد، والمتاع غيره هو متاع البيت من الفرش والأكسية وغيرها ولم يسمع له واحد مثل المتاع. وقال أبو زيد: واحد الأثاث أثاثة. قال الخليل: أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتّى يكثر ومنه شعر الشعراء كثر وأثّ شعر فلان أي إذا كثر والتف. قال أمرؤ القيس: شعر : أثيث كقنو النخلة المتعال تفسير : قال محمّد بن نمير الثقفي في الأثاث: شعر : أهاجتك الظعائن يوم بأتوا بذي الزي الجميل من الأثاث تفسير : {وَمَتَاعاً} [بلاغاً] تنتفعون بها {إِلَىٰ حِينٍ} يعني الموت. وقيل: إلى حين يبلى ويفنى. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} تستظلون بها من شدة الحر وهو ظلال الأشجار والسقوف والأبنية {مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} يعني الغيران والأسراب والمواضع التي تسكنون فيها واحدها كنّ {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} قمصاً من الكتان والقطن والخز والصوف {تَقِيكُمُ} تمنعكم. {ٱلْحَرَّ}. [وقال] أهل المعاني: [أراد] الحر والبرد فأكتفى بأحدهما عن الآخر بدلالة الكلام عليه نظيره قوله: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} تفسير : [الليل: 12] يعني الهدي والإضلال. { وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} يعني الدروع ولباس الحرب والمعنى: تقيكم في بأسكم السلاح أن يصل إليكم {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} يخضعون له بالطاعة ويخلصون له بالعبادة. وروى نوفل بن أبي [عقرب] عن ابن عبّاس أنه قرأ: (يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) بالفتح، يعني من الجراحات. قال أبو عبيد: الاختيار قراءة العامّة، لأن ما أنعم الله علينا في الإسلام أكثر من إنعامه علينا في السلامة من الجراح. وقال عطاء الخراساني في هذه الآية: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} وما جعل لكم من السهول أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب جبال. وقال: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر. الا ترى إلى قوله: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [النور: 43] وما ينزل من [الثلج] أعظم وأكثر ولكنهم كانوا لا يعرفونه، ألا ترى إلى قوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} وما يقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم ظلوا أصحاب حر. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ}. قال السدي: يعني محمد صلى الله عليه وسلم. {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} يكذبون ويجحدون نبوّته. قال مجاهد: يعني ما عدد عليهم في هذه السورة من النعم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوا ذلك عن آبائهم، وبمثله قال قتادة. وقال الكلبي: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذه النعم لهم فقالوا: نعم هذه كلها من الله تعالى ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقال عون بن عبد الله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، لولا فلان ما أصبت كذا. {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} الجاحدون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالحق سبحانه ينقلنا هنا إلى صورة أخرى من صُوَر الكون .. بعد أن حدّثنا عن الإنسان وما حوله .. فالإنسان قبل أنْ يخلقه الله في هذا الوجود أعدَّ له مُقوِّمات حياته، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء والمياه والهواء، كل هذه أشياء وُجِدتْ قبل الإنسان، لِتُهيئ له الوجود في هذا الكون. والله سبحانه يريد منّا بعد أنْ كفلَ لنا استبقاء الحياة بالرزق، واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر، يريد منّا إثراء عقائدنا بالنظر في ملكوت الله وما فيه من العجائب؛ لنستدل على أنه سبحانه هندسَ كَوْنه هندسة بديعة متداخلة، وأحكمه إحكاماً لا تصادم فيه. {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40]. فالنظر إلى كَوْن الله الفسيح، كم فيه من كواكب ونجوم وأجرام. كم هو مَلِيءٌ بالحركة والسكون والاستدارة. ومع ذلك لم يحدث فيه تصادم، ولم تحدث منه مضرة أبداً في يوم من الأيام .. الكون كله يسير بنظام دقيق وتناسق عجيب؛ ولكي تتجلى لك هذه الحقيقة انظر إلى صَنْعة الإنسان، كم فيها من تصادم وحوادث يروح ضحيتها الآلاف. هذا مَثلٌ مُشَاهَد للجميع، الطير في السماء .. ما الذي يُمسكها أنْ تقعَ على الأرض؟ وكأن الحق سبحانه يجب أنْ يُلفتنا إلى قضية أكبر: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ..} تفسير : [فاطر: 41]. فعلينا أن نُصدِّق هذه القضية .. فنحن لا ندرك بأعيننا جرْم الأرض، ولا جرْم الشمس والنجوم والكواكب .. نحن لا نقدر على معرفة كل مَا في الكون .. إذن: يجب علينا أن نُصدّق قوْل ربنا ولا نجادل فيه. وإليكم هذا المثل الذي تشاهدونه كل يوم: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ..} [النحل: 79]. إياك أنْ تقول إنها رَفْرفة الأجنحة، فنحن نرى الطائر يُثبّت أجنحته في الهواء، ومع ذلك لا يقع إلى الأرض، فهناك إذن ما يمسكه من الوقوع؛ لذلك قال تعالى في آية أخرى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ..} تفسير : [الملك: 19]. أي: أنها في حالة بَسْط الأجنحة، وفي حالة قبْضِها تظل مُعلّقة لا تسقط. وكذلك نجد من الطيور ما له أجنحة طويلة، لكنه لا يطير مثل الأوز وغيره من الطيور. إذن: ليست المسألة مسألة أجنحة، بل هي آية من آيات الله تمسك هذا الطير في جَوِّ السماء .. فتراه حُراً طليقاً لا يجذبه شيء إلى الأرض، ولا يجذبه شيء إلى السماء، بل هو حُرٌّ يرتفع إنْ أراد الارتفاع، وينزل إنْ أراد النزول. فهذه آية مُحسَّة لنستدلّ بها على قدرة الله غير المحسَّة إلا بإخبار الله عنها، فإذا ما قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ..} تفسير : [فاطر: 41]. آمنا وصَدّقنا. وقوله تعالى: {فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ ..} [النحل: 79]. أي: في الهواء المحيط بالأرض، والمتأمل في الكون يجد أن الهواء هو العامل الأساسي في ثبات الأشياء في الكون، فالجبال والعمارات وغيرها .. ما الذي يمسكها أنْ تقع؟ إياك أن تظن أنه الأسمنت والحديد وهندسة البناء .. لا .. بل يمسكها الهواء الذي يحيط بها من كل جانب، بدليل أنك لو فَرَّغتَ جانباً منها من الهواء لانهارتْ فوراً نحو هذا الجانب؛ لأن للهواء ضغطاً، فإذا ما فرَّغْتَ جانباً منها قَلَّ فيه الضغط فانهارتْ. فالهواء - إذن - هو الضابط لهذه المسألة، وبالهواء يتوازن الطير في السماء، ويسير كما يهوى، ويتحرك كما يحب. ثم يقول تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79]. أي: أن الطير الذي يطير في السماء فيه آيات أي عجائب، عجائب صَنْعة وعجائب خَلْق، يجب أنْ تتفكَّرُوا فيها وتعتبروا بها. ولكي نقف على هذه الآية في الطير نرى ما حدث لأول إنسان حاول الطيران .. إنه العربي عباس بن فرناس، أول مَنْ حاول الطيران في الأندلس، فعمل لنفسه جناحين، وألقى بنفسه من مكان مرتفع .. فماذا حدث لأول طائر بشري؟ طار مسافة قصيرة، ثم هبط على مُؤخرته فكُسرت؛ لأنه نسي أن المسألة ليست مجرد الطيران، فهناك الهبوط الذي نسي الاستعداد له، وفاته أن يعمل له (زِمكّي)، وهو الذيل الذي يحفظ التوازن عند الهبوط. وكذلك الذين يصنعون الطائرات كم تتكلف؟ وكم فيها من أجهزة ومُعِدات قياس وانضباط؟ وبعد ذلك تحتاج لقائد يقودها أو مُوجّه يُوجّهها، وحينما أرادوا صناعة الطائرة جعلوها على شكل الطير في السماء له جناحان ومقدمة وذيل، ومع ذلك ماذا يحدث لو تعطلّ محركها .. أو اختلّ توازنها؟! إذن: الطير في السماء آية تستحق النظر والتدبُّر؛ لنعلمَ منها قدرة الخالق سبحانه. ويقول تعالى: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79]. يؤمنون بوجود واجب الوجود، يؤمنون بحكمته ودقَّة صنعه، وأنها لا مثيلَ لها من صنعة البشر مهما بلغتْ من الدقة والإحكام. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ} يعني فِي الهَواءِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لأنهم المنتفعون بآيات الله المتفكرون فيما جعلت آية عليه، وأما غيرهم فإن نظرهم نظر لهو وغفلة، ووجه الآية فيها أن الله تعالى خلقها بخلقة تصلح للطيران، ثم سخر لها هذا الهواء اللطيف ثم أودع فيها من قوة الحركة وما قدرت به على ذلك، وذلك دليل على كمال حكمته وعلمه الواسع وعنايته الربانية بجميع مخلوقاته وكمال اقتداره، تبارك الله رب العالمين.