Verse. 1981 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَاللہُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْۢ بُيُوْتِكُمْ سَكَنًا وَّجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ جُلُوْدِ الْاَنْعَامِ بُيُوْتًا تَسْتَخِفُّوْنَہَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ اِقَامَتِكُمْ۝۰ۙ وَمِنْ اَصْوَافِہَا وَاَوْبَارِہَا وَاَشْعَارِہَاۗ اَثَاثًا وَّمَتَاعًا اِلٰى حِيْنٍ۝۸۰
WaAllahu jaAAala lakum min buyootikum sakanan wajaAAala lakum min juloodi alanAAami buyootan tastakhiffoonaha yawma thaAAnikum wayawma iqamatikum wamin aswafiha waawbariha waashAAariha athathan wamataAAan ila heenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والله جعل لكم من بيوتكم سكنا» موضعا تسكنون فيه «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا» كالخيام والقباب «تستخفونها» للحمل «يوم ظعنكم» سفركم «ويوم إقامتكم ومن أصوافها» أي الغنم «وأوبارها» أي الإبل «وأشعارها» أي المعز «أثاثا» متاعا لبيوتكم كبسط وأكسية «ومتاعا» تتمتعون به «إلى حين» يبلى فيه.

80

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد، وأقسام النعم والفضل، والسكن المسكن، وأنشد الفراء: شعر : جاء الشتاء ولما اتخذ سكناً يا ويح كفي من حفر القراميص تفسير : والسكن ما سكنت إليه وما سكنت فيه. قال صاحب «الكشاف»: السكن فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو ألف. واعلم أن البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين: القسم الأول: البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن تسقيف البيوت، وإليها الإشارة بقوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقله، بل الإنسان ينتقل إليه. والقسم الثاني: القباب والخيام والفساطيط، وإليها الإشارة بقوله: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم} وهذا القسم من البيوت يمكن نقله وتحويله من مكان إلى مكان. واعلم أن المراد الأنطاع، وقد تعمل العرب البيوت من الأدم وهي جلود الأنعام أي يخف عليكم حملها في أسفاركم. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {يوم ظعنكم} بفتح العين والباقون ساكنة العين. قال الواحدي: وهما لغتان كالشعر والشعر والنهر والنهر. واعلم أن الظعن سير البادية لنجعة، أو حضور ماء، أو طلب مرتع، وقد يقال لكل شاخص لسفر: ظاعن، وهو ضد الخافض. وقوله: {ويوم إقامتكم} بمعنى لا يثقل عليكم في الحالين. وقوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} قال المفسرون وأهل اللغة: الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز. وقوله: {أثاثاً} الأثاث أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية. قال الفراء: ولا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له. قال: ولو جمعت، فقلت: آثثة في القليل وأثث في الكثير لم يبعد. وقال أبو زيد: واحدها أثاثة. قال ابن عباس في قوله: {أثاثاً} يريد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة. قال الخليل: وأصله من قولهم: أث النبات والشعر إذا كثر. وقوله: {متاعاً} أي ما يتمتعون به. وقوله: {إلى حين} يريد إلى حين البلا، وقيل: إلى حين الموت. وقيل: إلى حين بعد الحين، وقيل: إلى يوم القيامة. فإن قيل: عطف المتاع على الأثاث والعطف يقتضي المغايرة، وما الفرق بين الأثاث والمتاع؟ قلنا: الأقرب أن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويزين به.

القرطبي

تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ} معناه صيّر. وكلُّ ما علاك فأظلّك فهو سقف وسماء، وكل ما أَقَلّك فهو أرض، وكلُّ ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار؛ فإذا انتظمتْ وٱتصلت فهو بيت. وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت، فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة. وقوله: {سَكَناً} أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره؛ إلا أن القول خرج على الغالب. وعدّ هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطرباً أبداً كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلقه ساكناً كالأرض لكان كما خلق وأراد، ولكنه أوجده خلقاً يتصرّف للوجهين، ويختلف حاله بين الحالتين، وردّده كيف وأين. والسَّكَن مصدر يوصف به الواحد والجمع. ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرِّحلة وهي: الثانية ـ فقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا} أي من الأنطاع والأَدم. {بُيُوتاً} يعني الخيام والقِباب يَخفّ عليكم حملها في الأسفار. {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} الظّعن: سير البادية في الانتجاع والتحول من موضع إلى موضع؛ ومنه قول عنترة:شعر : ظعن الذين فراقَهم أتوقّع وجرى ببينهم الغراب الأبقع تفسير : والظعن الهودج أيضاً؛ قال:شعر : ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا وإذ جادت بوشك البين غربان تفسير : وقرىء بإسكان العين وفتحها كالشَّعْر والشَّعَر. وقيل: يحتمل أن يعم به بيوت الأَدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف؛ لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها؛ نحا إلى ذلك ابن سَلام. وهو احتمال حسن، ويكون قوله: «ومنْ أَصْوَافِهَا» ابتداء كلام، كأنه قال: جعل أثاثاً؛ يريد الملابس والوطاء، وغير ذلك؛ قال الشاعر:شعر : أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزِّيّ الجميل من الأثاث تفسير : ويحتمل أن يريد بقوله: {مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ} بيوت الأَدَم فقط كما قدمناه أولاً. ويكون قوله: «ومن أصوافها» عطفاً على قوله: «من جلود الأنعام» أي جعل بيوتاً أيضاً. قال ابن العربي: «وهذا أمر انتشر في تلك الديار، وعَزَبت عنه بلادنا، فلا تُضرب الأخبِيَة عندنا إلاّ من الكَتّان والصوف، وقد كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم قُبّة من أَدَم، وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة، واعتلاء في الصنعة، وحسنا في البشرة، ولم يعدّ ذلك صلى الله عليه وسلم تَرفا ولا رآه سرفاً؛ لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان. ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين، فدخلنا عليه في خباء كَتّان فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفاً، وقال: إن هذا موضع يكثر فيه الحَرّ والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك؛ فقال: هذا الخباء لنا كثير، وكان في صنعنا من الحقير؛ فقلت: ليس كما زعمت! فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قُبّة من أَدَم طائفيّ يسافر معها ويستظلّ بها؛ فُبهت، ورأيته على منزلة من العيّ فتركته مع صاحبي وخرجت عنه». الثالثة ـ قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووَبَر الإبل وشعر المعز، كما أذِن في الأعظم، وهو ذبحها وأكل لحومها، ولم يذكر القطن والكتّان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، وإنما عدّد عليهم ما أنعم به عليهم، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا. وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها؛ وهذا كقوله تعالى: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} تفسير : [النور: 43]؛ فخاطبهم بالبَرَد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيراً عندهم، وسكت عن ذكر الثلج؛ لأنه لم يكن في بلادهم، وهو مثله في الصفة والمنفعة، وقد ذكرهما النبيّ صلى الله عليه وسلم معاً في التطهير فقال:«حديث : اللَّهُمّ اغسلني بماء وثلج وبَردَ»تفسير : . قال ابن عباس: الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قَطّ. وقيل: إن ترك ذكر القطن والكَتّان إنما كان إعراضاً عن التَّرَف؛ إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف. وهذا فيه نظر؛ فإنه سبحانه يقول: {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} تفسير : [الأعراف: 26] حسبما تقدّم بيانه في «الأعراف». وقال هنا: «وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ» فأشار إلى القطن والكَتّان في لفظة «سرابيل» والله أعلم. و {أَثَاثاً} قال الخليل: متاعاً منضماً بعضه إلى بعض؛ من أَثّ إذا كثر. قال:شعر : وفَرْعٍ يَزِين المَتْنَ أسودَ فاحمٍ أَثيثٍ كقِنْوِ النخلة المُتَعَثْكِلِ تفسير : ابن عباس: «أَثَاثاً» ثياباً. وقد تقدّم. وتضمّنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال، ولذلك قال أصحابنا: صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال، ويغسل مخافة أن يكون عَلِق به وسخ؛ وكذلك روت أم سلمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:«حديث : لا بأس بجلد الميتة إذا دُبغ وصوفِها وشعرِها إذا غُسل»تفسير : أنه مما لا يَحُلّه الموت، وسواء كان شعر ما يؤكل لحمه أو لا، كشعر ابن آدم والخنزير، فإنه طاهر كله؛ وبه قال أبو حنيفة، ولكنه زاد علينا فقال: القَرْن والسِّن والعظم مثل الشعر؛ قال: لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها فلا تنجس بموت الحيوان. وقال الحسن البَصْرِيّ والليث بن سعد والأوزاعِيّ: إن الشعور كلها نجسة ولكنها تطهر بالغسل. وعن الشافعي ثلاث روايات: الأولى ـ طاهرة لا تنجس بالموت. الثانية ـ تنجس. الثالثة ـ الفرق بين شعر ابن آدم وغيره، فشعر ابن آدم طاهر وما عداه نجس. ودليلنا عموم قوله تعالى: «ومن أصوافها» الآية. فمَنّ علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها، ولم يخص شعر الميتة من المُذَكّاة، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. وأيضاً فإن الأصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع، فمن زعم أنه انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل. فإن قيل قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] وذلك عبارة عن الجملة. قلنا: نخصه بما ذكرناه؛ فإنه منصوص عليه في ذكر الصوف، وليس في آيتكم ذكره صريحاً، فكان دليلنا أوْلى. والله أعلم. وقد عوّل الشيخ الإمام أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أن الشعر جزء متصل بالحيوان خِلْقة، فهو يَنْمِي بنمائه ويتنجس بموته كسائر الأجزاء. وأجيب بأن النَّماء ليس بدليل على الحياة؛ لأن النبات ينمِي وليس بَحيّ. وإذا عوّلوا على النماء المتصل لما على الحيوان عوّلنا نحن على الإبانة التي تدل على عدم الإحساس الذي يدل على عدم الحياة. وأما ما ذكره الحنفيُّون في العظم والسن والقَرْن أنه مثل الشعر، فالمشهور عندنا أن ذلك نجس كاللحم. وقال ابن وهب مثل قول أبي حنيفة. ولنا قول ثالث ـ هل تلحق أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر، قولان. وكذلك الشَّعرِيّ من الريش حكمه حكم الشعر، والعظمِيّ منه حكمه حكمه. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تنتفعوا من الميتة بشيء» تفسير : وهذا عام فيها وفي كل جزء منها، إلا ما قام دليله؛ ومن الدليل القاطع على ذلك قوله تعالى: {أية : قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، تفسير : [يسۤ: 78] وقال تعالى: {أية : وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} تفسير : [البقرة: 259] وقال: {أية : فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً} تفسير : [المؤمنون: 14]، وقال: {أية : أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} تفسير : [النازعات: 11] فالأصل هي العظام، والروح والحياة فيها كما في اللحم والجلد. وفي حديث عبد الله ابن عُكَيم: «حديث : لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب»تفسير : . فإن قيل: قد ثبت في الصحيح حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة: ألاَّ انتفعتم بجلدها فقالوا: يا رسول الله، إنها ميّتة. فقال: إنما حَرُم أكلها» تفسير : والعظم لا يؤكل. قلنا: العظم يؤكل، وخاصّةً عظم الجمل الرضيع والجَدْي والطير، وعظم الكبير يشوى ويؤكل. وما ذكرناه قبلُ يدُلّ على وجود الحياة فيه، وما كان طاهراً بالحياة ويستباح بالذّكاة ينجس بالموت. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: {مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ} عامٌّ في جلد الحيّ والميت، فيجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ؛ وبه قال ابن شهاب الزهريّ والليث بن سعد. قال الطحاويّ: لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث. قال أبو عمر: يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين، وأما ابن شهاب فذلك عنه صحيح، وهو قول أباه جمهور أهل العلم. وقد روي عنهما خلاف هذا القول، والأول أشهر. قلت: قد ذكر الدَّارَقُطْنيّ في سننه حديث يحيـى بن أيوب عن يونس وعقيل عن الزهريّ، وحديث بقية عن الزَّبيدي، وحديث محمد بن كثير العبدي وأبي سلمة المنقريّ عن سليمان بن كثير عن الزهريّ، وقال في آخرها: هذه أسانيد صحاح. السادسة: اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دُبغ هل يطهر أم لا؛ فذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك. وذكره ابن خُوَيْزِ مَنْداد في كتابه عن ابن عبد الحكم أيضاً. قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: وهو قول الزهريّ والليث. قال: والظاهر من مذهب مالك ما ذكره ٱبن عبد الحكم، وهو أن الدباغ لا يطهِّر جلد الميتة، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة، ولا يصلى عليه ولا يؤكل فيه. وفي المدوّنة لابن القاسم «من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته» وحكي أن ذلك قول مالك. وذكر أبو الفرج أن مالكاً قال: من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شيء عليه. قال إسماعيل: إلا أن يكون لمجوسي. وروى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك جواز بيعه، وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده؛ لأن الزكاة لا تعمل فيه، فالدباغ أولى. قال أبو عمر: وكل جلد ذُكِّي فجائز استعماله للوضوء وغيره. وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله، ومرة قال: إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه، وتكره الصلاة عليه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه. وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيُّما إهاب دبغ فقد طهر». تفسير : وعلى هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث، وهو اختيار ابن وهب. السابعة ـ ذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيء وإن دبغت؛ لأنها كلحم الميتة. والأخبار بالانتفاع بعد الدباغ تردّ قوله. واحتج بحديث عبد الله بن عكيم ـ رواه أبو داود ـ قال: حديث : قرىء علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب: «ألاّ تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب». وفي رواية: «قبل موته بشهر»تفسير : . رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عُكيم، قال: حدثنا مَشيخة لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب إليهم... قال داود بن عليّ: سألت يحيـى بن مَعين عن هذا الحديث فضعّفه وقال: ليس بشيء، إنما يقول حدثني الأشياخ. قال أبو عمر: ولو كان ثابتاً لاحتمل أن يكون مخالفاً للأحاديث المروية عن ابن عباس وعائشة وسلمة بن المُحَبِّق وغيرهم، لأنه جائز أن يكون معنى حديث ابن عُكيم «حديث : ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب»تفسير : قبل الدباغ؛ وإذا ٱحتمل ألا يكون مخالفاً فليس لنا أن نجعله مخالفاً، وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن، وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بشهر كما جاء في الخبر فيمكن أن تكون قصّة ميمونة وسماع ابن عباس منه «حديث : أيّما إهاب دبغ فقد طهر» تفسير : قبل موته بجمعة أو دون جمعة، والله أعلم. الثامنة ـ المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم، وكذلك الكلب عند الشافعيّ. وعند الأوزاعي وأبي ثور: لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه. وروى مَعْن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فكرهه. قال ابن وَضّاح: وسمعت سُحْنُونا يقول لا بأس به؛ وكذلك قال محمد بن عبد الحكم وداود بن عليّ وأصحابه؛ لقوله عليه السلام: «حديث : أيُّما مَسْك دبغ فقد طهر»تفسير : . قال أبو عمر: يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها، فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى لأنه غير معهود الانتفاع بجلده، إذ لا تعمل فيه الذكاة. ودليل آخر وهو ما قاله النَّضْر بن شُمَيل: إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل، وما عداه فإنما يقال له: جلد لا إهاب. قلت: وجلد الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضاً غير معهود الانتفاع به فلا يطهر؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكل كلّ ذي ناب من السباع حرام» تفسير : فليست الذكاة فيها ذكاة، كما أنها ليست في الخنزير ذكاة. وروى النَّسائيّ عن المقدام بن معد يكرب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ومَيَاثر النمور. التاسعة ـ ٱختلف الفقهاء في الدباغ الذي تطهر به جلود الميتة ما هو؟ فقال أصحاب مالك وهو المشهور من مذهبه: كل شيء دَبغ الجلد من ملح أو قَرَظ أو شَبّ أو غير ذلك فقد جاز الانتفاع به. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول داود. وللشافعيّ في هذه المسألة قولان: أحدهما ـ هذا، والآخر أنه لا يُطَهّر إلا الشبّ والقَرَظ؛ لأنه الدباغ المعهود على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعليه خرّج الخطابِيّ ـ والله أعلم ـ ما رواه النَّسائيّ عن ميمونة زوجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه حديث : مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش يجرّون شاة لهم مثل الحصان؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أخذتم إهابها» قالوا: إنها ميتة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطهرها الماء والقرظ».تفسير : العاشرة ـ قوله تعالى: {أَثَاثاً} الأثاث متاع البيت، واحدها أَثَاثة؛ هذا قول أبي زيد الأنصاري. وقال الأمويّ: الأثاث متاع البيت، وجمعه آثّة وأُثُث. وقال غيرهما: الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه. وقال الخليل: أصله من الكثرة وٱجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر؛ ومنه شعر أثِيث أي كثير. وأَثّ شعر فلان يَأَث أَثاً إذا كثر والتفّ؛ قال ٱمرؤ القيس:شعر : وفَرْعٍ يَزِين المتنَ أسودَ فاحم أَثيث كَقِنْوِ النّخلة المُتَعَثْكِلِ تفسير : وقيل: الأثاث ما يلبس ويفترش. وقد تأثّثت إذا اتخذت أثاثاً. وعن ابن عباس رضي الله عنه «أثاثا» مالاً. وقد تقدم القول في الحين؛ وهو هنا وقت غير معيّن بحسب كل إنسان، إما بموته وإمّا بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث. ومن هذه اللفظة قول الشاعر:شعر : أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزِّيّ الجميل من الأثاث

البيضاوي

تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتكم كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر، فعل بمعنى مفعول. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا} هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث إنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها. {تَسْتَخِفُّونَهَا } تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها. {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } وقت ترحالكم. {وَيَوْمَ إِقَـَامَتِكُمْ} ووضعها أو ضربها وقت الحضر أو النزول. وقرأ الحجازيان والبصريان «يَوْمَ ظَعْنِكُمْ» بالفتح وهو لغة فيه. {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} الصوف للضائنة والوبر للإبل والشعر للمعز، وإضافتها إلى ضمير {ٱلأَنْعَـٰمِ} لأنها من جملتها. {أَثَاثاً} ما يلبس ويفرش. {وَمَتَـٰعاً} ما يتجر به. {إِلَىٰ حِينٍ} إلى مدة من الزمان فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة، أو إلى حين، مماتكم أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم.

ابن كثير

تفسير : يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضاً من جلود الأنعام بيوتاً، أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم؛ ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر، ولهذا قال: {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَـٰمَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا} أي: الغنم، {وَأَوْبَارِهَا} أي: الإبل، {وَأَشْعَارِهَآ} أي: المعز، والضمير عائد على الأنعام {أَثَـٰثاً} أي: تتخذون منه أثاثاً، وهو المال، وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعم من هذا كله؛ فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالاً وتجارة، وقال ابن عباس: الأثاث: المتاع، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطية العوفي وعطاء الخراساني والضحاك وقتادة. وقوله: {إِلَىٰ حِينٍ} أي: إلى أجل مسمى ووقت معلوم. وقوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً} قال قتادة: يعني: الشجر، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً} أي: حصوناً ومعاقل، كما {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} وهي الثياب من القطن والكتان والصوف {وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه؛ ليكون عوناً لكم على طاعته وعبادته {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} هكذا فسره الجمهور، وقرؤوه بكسر اللام من {تُسْلِمُونَ} أي: من الإسلام. وقال قتادة في قوله: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}: هذه السورة تسمى سورة النعم. وقال عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: {تَسْلَمونَ} بفتح اللام، يعني: من الجراح، رواه أبو عبيد القاسم بن سلام عن عباد، وأخرجه ابن جرير من الوجهين، ورد هذه القراءة. وقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً} وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثاً وَمَتَـٰعاً إِلَىٰ حِينٍ} وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا ترى إلى قوله: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} تفسير : [النور: 43] لعجبهم من ذلك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} وما تقي من البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر. وقوله: {فإِن تَوَلَّوْاْ} أي: بعد هذ البيان وهذا الامتنان، فلا عليك منهم، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} وقد أديته إليهم {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} أي: يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مجاهد: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} فقال الأعرابي: نعم، قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا} الآية، قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول الأعرابي: نعم، حتى بلغ: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} فولى الأعرابي، فأنزل الله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } موضعاً تسكنون فيه {وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ ٱلأَنْعَٰمِ بُيُوتًا } كالخيام والقباب {تَسْتَخِفُّونَهَا } للحمل {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } سفركم {وَيَوْمَ إِقَٰمَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا } أي الغنم {وَأَوْبَارِهَا } أي الإِبل {وَأَشْعَارِهَا } أي المعز {أَثَاثاً } متاعا لبيوتكم كبسط وأكسية {وَمَتَٰعاً } تتمتعون به {إِلَىٰ حِينٍ } تبلى فيه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {والله جعل لكم} معطوف على ما قبله. وهذا المذكور من جملة أحوال الإنسان، ومن تعديد نعم الله عليه، والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع. وهو بمعنى: مسكون، أي: تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة. وهذه نعمة، فإن الله سبحانه لو شاء لخلق العبد مضطرباً دائماً كالأفلاك، ولو شاء لخلقه ساكناً أبداً كالأرض {وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا } لما ذكر سبحانه بيوت المدن، وهي التي للإقامة الطويلة، عقبها بذكر بيوت البادية والرحلة، أي: جعل لكم من جلود الأنعام، وهي الأنطاع والأدم بيوتاً كالخيام والقباب {تَسْتَخِفُّونَهَا } أي: يخفّ عليكم حملها في الأسفار وغيرها، ولهذا قال: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } والظعن بفتح العين وسكونها، وقرىء بهما: سير أهل البادية للانتجاع والتحوّل من موضع إلى موضع، ومنه قول عنترة: شعر : ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببيتهم الغراب الأبقعتفسير : والظعن الهودج أيضاً {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَـٰثاً } معطوف على {جعل} أي: وجعل لكم من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها. والأنعام: تعمّ الإبل والبقر والغنم كما تقدّم. والأصواف: للغنم، والأوبار: للإبل، والأشعار: للمعز، وهي من جملة الغنم، فيكون ذكر هذه الثلاثة على وجه التنويع كل واحد منها لواحد من الثلاثة، أعني: الإبل، ونوعي الغنم، والأثاث متاع البيت، وأصله الكثرة والاجتماع، ومنه شعر أثيث، أي: كثير مجتمع، قال الشاعر: شعر : وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكلتفسير : قال الخليل أثاثاً، أي: منضماً بعضه إلى بعض، من أثّ إذا أكثر، قال الفراء: لا واحد له، والمتاع: ما يتمتع به بأنواع التمتع، وعلى قول أبي زيد الأنصاري: إن الأثاث المال أجمع: الإبل والغنم والعبيد والمتاع، يكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام، وقيل: إن الأثاث ما يكتسي به الإنسان ويستعمله من الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به، ومعنى {إِلَىٰ حِينٍ } إلى أن تقضوا أوطاركم منه، أو إلى أن يبلى ويفنى، أو إلى الموت، أو إلى القيامة. ثم لما كان الإنسان قد لا يكون له خيام، أو أبنية يستظل بها لفقر، أو لعارض آخر، فيحتاج إلى أن يستظلّ بشجر أو جدار أو غمام أو نحو ذلك، نبه سبحانه على ذلك فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ مّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً } أي: أشياء تستظلون بها كالأشياء المذكورة، والحاصل: أن الظلال تعم الأشياء التي تظلّ. ثم لما كان المسافر قد يحتاج إلى ركن يأوي إليه في نزوله، وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحرّ والبرد، نبه سبحانه على ذلك فقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً } وهي جمع كنّ: وهو ما يستكنّ به من المطر، وهي هنا الغيران في الجبال، جعلها الله سبحانه عدّة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها، ويعتزلون عن الخلق فيها {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } جمع سربال، وهي: القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال. ومعنى {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تدفع عنكم ضرر الحرّ، وخصّ الحرّ ولم يذكر البرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن ذكر الآخر، لأن ما وقى من الحرّ وقى من البرد. ووجه تخصيص الحرّ بالذكر أن الوقاية منه كانت أهمّ عندهم من الوقاية من البرد لغلبة الحرّ في بلادهم {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } وهي الدروع والجواشن، يتقون بها الطعن والضرب والرمي. والمعنى: أنها تقيهم البأس الذي يصل من بعضهم إلى بعض في الحرب. {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } أي: مثل ذلك الإتمام البالغ يتمّ نعمته عليكم، فإنه سبحانه قد منّ على عباده بصنوف النعم المذكورة ها هنا وبغيرها، وهو بفضله وإحسانه سيتمّ لهم نعمة الدين والدنيا. {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } إرادة أن تسلموا، فإن من أمعن النظر في هذه النعم لم يسعه إلاّ الإسلام والانقياد للحق. وقرأ ابن محيصن، وحميد "تتم نعمته" بتاءين فوقيتين، على أن فاعله نعمته، وقرأ الباقون بالتحتية على أن الفاعل هو الله سبحانه. وقرأ ابن عباس، وعكرمة "تسلمون" بفتح التاء واللام من السلامة من الجراح، وقرأ الباقون بضم التاء وكسر اللام من الإسلام. قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامة، لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح. وقيل: الخطاب لأهل مكة أي: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية، والأولى الحمل على العموم، وإفراد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي: إن تولوا عنك ولم يقبلوا ما جئت به، فقد تمهد عذرك، فإنما عليك البلاغ لما أرسلت به إليهم {المبين} أي: الواضح، وليس عليك غير ذلك، وصرف الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له. وجملة {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } استئناف لبيان توليهم، أي: هم يعرفون نعمة الله التي عدّدها، ويعترفون بأنها من عند الله سبحانه، ثم ينكرونها بما يقع من أفعالهم القبيحة من عبادة غير الله وبأقوالهم الباطلة، حيث يقولون: هي من الله ولكنها بشفاعة الأصنام. وحيث يقولون: إنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم، وأيضاً كونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة الربّ سبحانه، وفي وجوه الخير التي أمرهم الله بصرفها فيها. وقيل: نعمة الله نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفونه، ثم ينكرون نبوّته {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } أي: الجاحدون لنعم الله، أو الكافرون بالله. وعبر هنا بالأكثر عن الكلّ، أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم، أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر بعضهم كفر جهل، وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم مع اعترافهم بالله وعدم الجحد لربوبيته، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [النمل: 14]. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {سكنا} قال: تسكنون فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي نحوه قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا } وهي خيام العرب {تَسْتَخِفُّونَهَا } يقول: في الحمل {وَمَتَـٰعاً } يقول بلاغاً {إِلَىٰ حِينٍ } قال: إلى الموت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } قال: بعض بيوت السيارة بنيانه في ساعة، وفي قوله: {وَأَوْبَارِهَا } قال: الإبل {وَأَشْعَارِهَا } قال: الغنم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {أَثَاثاً } قال: الأثاث المتاع. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: الأثاث المال {وَمَتَـٰعاً إِلَىٰ حِينٍ } يقول: تنتفعون به إلى حين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً } قال: من الشجر ومن غيرها {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً } قال: غارات يسكن فيها {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } قال: من القطن والكتان والصوف {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } من الحديد {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } قال: يعني: الثياب، {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } قال: يعني: الدروع والسلاح {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } يعني: من الجراحات، وكان ابن عباس يقرؤها "تسلمون" كما قدّمنا، وإسناده ضعيف.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} فيه وجهان: أحدهما: البيوت، قاله الكلبي. الثاني: الشجر، قاله قتادة. {وجعل لكم من الجبال أكناناً} الأكنان: جمع كِنّ وهو الموضع الذي يستكن فيه، وفيه وجهان: أحدهما أنه ظل الجبال. الثاني: أنه ما فيها من غار أو شَرَف. {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ} يعني ثياب القطن والكتان والصوف. {وسرابيل تقيكم بأسكم} يعني الدروع التي تقي البأس، وهي الحرب. قال الزجاج: كل ما لبس من قميص ودروع فهو سربال. فإن قيل: فكيف قال: {وجعل لكم من الجبال أكناناً} ولم يذكر السهل وقال {تقكيم الحر} ولم يذكر البرد؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد، فذكر لهم نعمه عليه مما هو مختص بهم، قاله عطاء. الثاني: أنه اكتفى بذكر احدهما عن ذكر الآخر، إذ كان معلوماً أن من اتخذ من الجبال أكناناً اتخذ من السهل، واسرابيل التي تقي الحر تقي البرد، قاله الفراء، ومثله قول الشاعر: شعر : ومـا أدري إذا يمـمتُ أرضــاً أريـد الخـيـر أيـهـما يليني. تفسير : فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه. الثالث: أنه ذكر الجبال لأنه قدم ذكر السهل بقوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} وذكر الحرَّ دون البرد تحذيراً من حر جهنم وتوقياً لاستحقاقها بالكف عن المعاصي. {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} أي تؤمنون بالله إذا عرفتم نعمه عليكم. وقرأ ابن عباس {لعلكم تسلمون} بفتح التاء أي تسلمون من الضرر، فاحتمل أن يكون عنى ضرر الحر والبرد واحتمل أن يكون ضرر القتال والقتل، واحتمل أن يريد ضرر العذاب في الآخرة إن اعتبرتم وآمنتم. قوله عز وجل: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه عنى النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون نبوته ثم ينكرونها ويكذبونه، قاله السدي. الثاني: أنهم يعرفون منا عدد الله تعالى عليهم في هذه السورة من النعم وأنها من عند الله وينكرونها بقولهم أنهم ورثوا ذلك عن آبائهم، قاله مجاهد. الثالث: أن انكارها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا ولولا فلانٌ ما أصبت كذا، قاله عون بن عبد الله. الرابع: أن معرفتهم بالنعمة إقرارهم بأن الله رزقهم، وإنكارهم قولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. الخامس: يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها. ويحتمل سادساً: يعرفونها في الشدة، وينكرونها في الرخاء. ويحتمل سابعاً يعرفونها بأقوالهم، وينكرونها بأفعالهم. قال الكلبي: هذه السورة تسمى سورة النعم، لما ذكر الله فيها من كثرة نعمه على خلقه. {وأكثرهم الكفارون} فيه وجهان: أحدهما: معناه وجميعهم كافرون، فعبر عن الجميع بالأكثر، وهذا معنى قول الحسن. الثاني: أنه قال {وأكثرهم الكافرون} لأن فيهم من جرى عليه حكم الكفر تبعاً لغيره كالصبيان والمجانين، فتوجه الذكر إلى المكلفين.

ابن عطية

تفسير : هذه آية تعديد نعمة الله على الناس في البيوت، فذكر أولاً بيوت التمدن وهي التي للإقامة الطويلة وهي أعظم بيوت الإنسان، وإن كان الوصف بـ {سكناً} يعم جميع البيوت، والسكن مصدر يوصف به الواحد، ومعناه يسكن فيها وإليها ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة، وقوله {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} يحتمل أن يعم به بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف، لأن هذه هي من الجلود، لكونها نابتة فيها، نحا إلى ذلك ابن سلام، ويكون قوله {ومن أصوافها} عطفاً على قوله {من جلود الأنعام}، أي جعل بيوتاً أيضاً، ويكون قوله {أثاثاً} نصباً على الحال، و {تستخفونها} أي تجدونها خفافاً وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "ظعَنكم" بفتح العين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي "ظعْنكم" بسكون العين، وهما لغتان، وليس بتخفيف، و"ظعن" معناه رحل والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان فلذلك اقتصر على هذه، ويحتمل أن ترك ذلك القطن والحرير والكتان إعراضاً عن ذلك السرف، إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف، وأيضاً فقد أشير إلى القطن والحرير والكتان في لفظ السرابيل، والأثاث متاع البيت واحدتها أثاثة، هذا قول أبي زيد الأنصاري، وقال غيره الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه. قال القاضي أبو محمد: والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعم: لأن حال الإنسان تكون بالمال أثيثة، تقول شعر أثيث ونبات أثيث إذا كثر والتف، وقوله {إلى حين} يريد به وقتاً غير معين، وهو بحسب كل إنسان إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الوافر] شعر : أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزيّ الجميل من الأثاث تفسير : وقوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} الآية، نعم عددها الله عليهم بحسب أحوالهم وبلادهم، وأنها الأشياء المباشرة لهم، لأن بلادهم من الحرارة وقهر الشمس بحيث للظل غناء عظيم ونفع ظاهر، وقوله {مما خلق} يعم جميع الأشخاص المظلة، و"الأكنان" جمع كن وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك، و"السرابيل" جميع ما يلبس على جميع البدن كالقميص والقرقل، والمجول والدرع والجوشن والخفتان ونحوه، وذكر وقاية الحر إذا هو أمس في تلك البلاد على ما ذكرنا، والبرد فيها معدوم في الأكثر، وإذا جاء في الشتوات فإنما يتوقى بما هو أكثف من السربال المتقدم الذكر، فتبقى السرابيل لتوقي الحر فقط، قاله الطبري عن عطاء الخراساني، الا ترى أن الله قد نبههم إلى العبرة في البرد ولم يذكر لهم الثلج لأنه ليس في بلادهم، قال ابن عباس: إن الثلج شيء أبيض ينزل من السماء ما رأيته قط. قال القاضي أبو محمد: وأيضاً فذكر أحدهما يدل على الآخر، ومنه قول الشاعر: شعر : وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذه التي ذكرناها هي بلاد الحجاز، وإلا ففي بلاد العرب ما فيه برد شديد، ومنه قول متمم: شعر : إذ القشع من برد الشتاء تقعقعا. تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : في ليلة من جمادى ذات أندية. تفسير : البيتين، وغير هذا، والسرابيل التي تقي البأس هي الدرع، ومنه قول كعب بن زهير: [البسيط] شعر : شم العرانين أبطال لبوسهمُ من نسج داود في الهيجا سرابيل تفسير : وقال أوس بن حجر: شعر : ولنعم حشو الدرع والسربال تفسير : فهذا يراد به القميص، و"البأس" مس الحديد في الحرب، وقرأ الجمهور "يتم نعمته"، وقرأ ابن عباس "تتم نعمته" على أن النعمة هي تتم، وروي عنه "تتم نعمه" على الجمع وقرأ الجمهور "تسلمون" من الإسلام، وقرأ ابن عباس "تَسلمون" من السلامة، فتكون اللفظة مخصوصة في بأس الحرب، وما في "لعل" من الترجي والتوقع فهو في حيز البشر المخاطبين، أي لو نظر الناظر هذه الحال لترجى منها إسلامهم.

البقاعي

تفسير : ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق، وأتبعه ما منّ به على الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر، أتبعه ما يسكنون إليه فيظلهم ويجمعهم لأنه أهم الأشياء للحيوان، فقال تعالى: {والله} أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الشاملة {جعل لكم} أي أيها الغافلون {من بيوتكم} أصل البيت المأوى ليلاً ثم اتسع فيه {سكناً} هو مصدر بمعنى مفعول، ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم؛ ثم أتبع ما يخص الحضر ما يصلح له وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيرها من سائر الحيوانات، فقال تعالى: {وجعل لكم} أي إنعاماً عليكم {من جلود الأنعام} التي سلطكم عليها. ولما كانت الخيام، التي من جلود الأنعام، في ظلها الظليل تقارب بيوت القرى، جمعها جمعاً فقال تعالى: {بيوتاً} فإنهم قالوا: إن هذا الجمع بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر أخص {تستخفونها} أي تطالبون بالاصطناع خفها فتجدونها كذلك {يوم ظعنكم} أي وقت ارتحالكم، وعبر به لأنه في النهار أكثر {ويوم إقامتكم} ثم أتبعه ما به كمال السكن فقال تعالى: {ومن أصوافها} أي الضأن منها {وأوبارها} وهي للإبل كالصوف للغنم {وأشعارها} وهي ما كان من المعز ونحوه من المساكن والملابس والمفارش والأخبية وغيرها {أثاثاً} أي متاعاً من متاع البيت كثيراً، من قولهم: شهر أثيث أي كثير، وأث النبت. إذا كثر {ومتاعاً} تتمتعون به {إلى حين *} أي وقت غير معين بحسب كل إنسان في فقد ذلك، وأعرض عن ذكر الحرير والكتان والقطن لأنها لم تكن من صناعتهم، وإشارة إلى الاقتصاد وعدم الإسراف. ولما ذكر ما يخصهم، أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات فقال: {والله} أي الذي له الجلال والإكرام {جعل لكم} أي من غير حاجة منه سبحانه {مما خلق ظلالاً} من الأشجار والجبال وغيرها {وجعل لكم} أي مع غناه المطلق {من الجبال أكناناً} جمع كن وهو ما يستكن به - أي يستتر - من الكهوف ونحوها، ولو كان الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا أكنان؛ ثم أتبع ذلك ما هداهم إليه عوضاً مما جعله لسائر الحيوان فقال: {وجعل لكم} أي مَنّاً منه عليكم {سرابيل} أي ثياباً {تقيكم الحر} وهي كل ما لبس من قميص وغيره - كما قال الزجاج. ولما كانت السرابيل نوعاً واحداً، لم يكرر "جعل" فقال تعالى: {وسرابيل} أي دروعاً ومغافر وغيرها {تقيكم بأسكم} أضافه إليهم إفهاماً لأنه الحرب، وذلك كما جعل لبقية الحيوان - من الأصواف ونحوها والأنياب والأظفار ونحوها - ما هو نحو ذلك يمنع من الحر والبرد، ومن سلاح العدو، ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد لتقدمها في قوله تعالى{ أية : لكم فيها دفء}تفسير : [النحل:5]. ولما تم ذلك كان كأنه قيل: نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام نعمة الإيجاد، فهل بعدها من نعمة؟ فقال: نعم! {كذلك} أي كما أتم نعمة الإيجاد عليكم هذا الإتمام العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها {يتم نعمته عليكم} في الدنيا والدين بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع، والتنبيه على دقائق ذلك بعد جلائله {لعلكم تسلمون *} أي ليكون حالكم - بما ترون من كثرة إحسانه بما لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر - حال من يرجى منه إسلام قياده لربه، فلا يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏والله جعل لكم من بيوتكم سكنا‏ً} ‏ قال‏:‏ تسكنون فيها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏جعل لكم من بيوتكم سكنا‏ً}‏ قال‏:‏ تسكنون وتقرون فيها ‏ {‏وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا‏ً} ‏ وهي خيام الأعراب ‏ {‏تستخفونها‏} ‏ يقول في الحمل ‏{‏ومتاعا إلى حين‏}‏ قال‏:‏ إلى الموت‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏تستخفونها يوم ظعنكم‏} ‏ قال بعض‏:‏ بيوت السيارة في ساعة وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأوبارها‏} ‏ قال‏:‏ الإبل ‏ {‏وأشعارها‏}‏ قال‏:‏ الغنم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏أثاثا‏ً} ‏ قال‏:‏ الأثاث المال ‏ {‏ومتاعاً إلى حين‏}‏ يقول تنتفعون به إلى حين‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عطاء قال‏:‏ إنما أنزل القرآن على قدر معرفة العرب‏.‏ ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏ {‏ومن أصوافها وأوبارها‏} ‏ وما جعل الله لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر‏.‏ ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏ {‏والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا‏ً}‏ وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال‏.‏ ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر‏} ‏ وما يقي البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر‏.‏ ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏(‏من جبال فيها من برد‏)‏ يعجبهم بذلك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ومتاعاً إلى حين‏} ‏ قال‏:‏ إلى أجل، وبلغة‏.

القشيري

تفسير : للنفوس وطن، وللقلوب وطن. والناس على قسمين مستوطنٌ ومسافر: فكما أن الناس بنفوسهم مختلفون فكذلك بقلوبهم؛ فالمريد أو الطالب مسافِرٌ بقلبه لأنه يَتَلَوَّنُ، ويرتقي من درجة إلى درجة، والعارف مقيمٌ ومستوطِنٌ لأنه واصل متمكن. والطريق منازلُ ومراحلُ، ولا تقطع تلك المنازل بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب، والمريد سالِكُ والعارف واصِلٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {والله جعل لكم من بيوتكم} المعهودة التى تبنونها من الحجر والمدر وهو تبيين لذلك المجعول المبهم فى الجملة {سكنا} فعل بمعنى مفعول اى موضعا تسكنون فيه وقت اقامتكم. وبالفارسية [آرامكاهى}. قال فى الكواشى كل ما يسكن اليه او فيه سكن بمعنى مسكن. وفى الواقعات المحمودية للسلوك شروط ثلاثة الزمان والمكان والاخوان. اما الاولان فلانه لا بد من خلو الزمان عن الفترة وكذا المكان. واما الاخوان فلتدارك حوائج السالك لئلا يتقيد بها فلا بد من الشرائط المذكورة لدوام السلوك واستمراره من غير انقطاع انتهى. والظاهر ان المكان اقدم للسلوك ثم الزمان ثم الاخوان ثم صفاء الخاطر. وفى الاسرار المحمدية الغرض فى المسكن دفع المطر والبرد واقل الدرجات فيه معلوم وما زاد عليه فهو من الفضول والاختصار على الأقل والأدنى يمكن فى الديار الحارة اما فى البلاد الباردة فى غلبة البرد ونفوذه من الجدران الضعيفة حتى كاد يهلك او يمرض فالبناء بالطين واحكامه لا يخرجه عن حد الزاهدين وكذا فى ايام الصيف عند اشتداد الحر واستضرار اولاده بالبيت الشتوى السفلى عدم نفوذ الهواء البارد فيه ومن البراغيث في الليل المزعجات عن النوم وانواع الحشرات فيه فلا جوز حملهم على الزهد بان يتركهم على هذه الحال بل عليه ان يبنى لهم صيفيا علويا لما روينا عن النبى عليه الصلاة والسلام "حديث : من بنى بنيانا فى غير ظلم ولا اعتداء او غرس غراسا فى غير ظلم ولا اعتداء كان له اجرا جاريا ما انتفع به احد من خلق الرحمن"تفسير : انتهى. وكتب بهلول على حائط من حيطان قصر عظيم بناه اخوه الخليفة هارون الرشيد يا هارون رفعت الطين ووضعت الدين رفعت الجص ووضعت النص ان كان من مالك فقد اسرفت ان الله لا يحب المسرفين وان كان من مال غيرك ظلمت ان الله لا يحب الظالمين {وجعل لكم من جلود الانعام} [از بوست جهار بايان] جمع نعم بالفتح وهو مخصوص بالانواع الاربعة التى هى الابل والبقر والغنم والمعز {بيوتا} اخر مغايرة لبيوتكم المعهودة وهى الخيام والقباب والاخبية والفساطيط من الانطاع والادم {تستخفونها} تجدونها خفيفة يخف عليكم نقضها وحملها ونقلها {يوم ظعنكم} اى وقت ترحلكم وسفركم {ويوم اقامتكم} وقت نزولكم فى الضرب والبناء {ومن اصوافها واوبارها واشعارها} جمع صوف ووبر وشعر والكنايات راجعة الى الانعام اى وجعل لكم من اصواف الضأن واوبار الابل واشعار المعز {اثاثا} اى متاع البيت مما يلبس ويفرش {ومتاعا} اى شيئًا يمتع به بفنون التمتع {الى حين} الى مدة من الزمان فانها لصلابتها تبقى مدة مديدة. قال الجاحظ اتفقوا على ان الضأن افضل من المعز بدليل الضاحية ويفضل المعز على الضأن لغزارة اللبن وثخانة الجلد وما نقص من الية المعز يزيد فى شحمه ولذلك قالوا زيادة المعز فى بطنه ولما خلق الله جلد الضأن رقيقاً غزر صوفه ولما خلق الله جلد المعز ثخينا قل شعره كذا فى حياة الحيوان فالله تعالى خلق هذه الانعام للانتفاع بجلودها ولحومها واصوافها واوبارها واشعارها ويجوز الانتفاع بشحوم الميتة. حديث : وعن جابر بن عبد الله انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة "ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام" فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال "لا هو حرام"تفسير : والاستصباح [جراغ فراكرفتن] وكما ان هذه الحيوانات وما يتبعها ينتفع بها الانسان فى سفره وحضره فكذا القوى الحيوانية والحواس الخمس ينتفع بها السالك في السير الى الله فانها مطية وفى وقت الوقفة للاستراحة والتربية فانها مما لا بد منه لكونها من الاسبابا المعينة: قال الكمال الخجندى. شعر : باكرم روى واقف اين راه جنين كفت آهسته كه اين ره بدويدن نتوان يافت

الجنابذي

تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً} يعنى الاخبية المتّخذة من الاديم والشّعر والصّوف {تَسْتَخِفُّونَهَا} تعدّونها خفيفةً لا كبيوت الطّين والاحجار {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً} لبيوتكم من الفرش والالبسة ومحالّ الامتعة وغير ذلك {وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} ما تتمتّعون به الى مدّة اندراسه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً} تسكنون فيه {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً} يعني من الشعر والصوف {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} يعني في سفركم { وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} يعني في قراركم في غير سفر {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً} والأثاث المتاع في تفسير الحسن، وقال مجاهد: الأثاث الغنى. وقال بعضهم: الأثاث المال، وهو واحد. { وَمَتَاعاً} أي: تستمتعون به { إِلَى حِينٍ} أي: إلى الموت. قوله: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} يعني من المنازل، تظلكم من الشمس والمطر، وجعل لكم أيضاً ظلالاً من الشجر. {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الجِبَالِ أَكْنَاناً} أي: غيرانا تكنّكم أيضاً من الحرّ والبرد والريح والأمطار، يعني الغيران التي تكون في الجبال. {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} أي: من القطن والكتان والصوف. وقد قال في أول السورة: (أية : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) تفسير : [النحل:5] أي: من البرد. قال: { وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} يعني دروع الحديد تقيكم القتال. {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي: لكي تُسلِموا. يقول: إن أسلمتم تمّت عليكم النعمة بالجنة. وإن لم تسلموا لم تتمّ نعمته عليكم إذا صرتم إلى عذابه. وبلغنا عن ابن عباس أنه كان يقرأها: لعلّكم تسلَمون أي: من الجراح في لبس الدروع.

اطفيش

تفسير : {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكناً} موضعاً تسكنون فيه وقت إِقامتكم فى الحضر كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر ومن للتبعيض، فإِن من البيوت ما لا يعد للسكنى بل يخزن فيه المال وينزل فيه متاع الضيف ودابته أو دوابكم أو دواب غيركم بل بعض البيت الواحد لا يسكن مثل ظهره وما ليس صالحاً للسكنى منه ويجوز أن يكون المعنى من جنس بيوتكم ويجوز كون أن للبيتان المقدم على المبين وهو السكن، أى جعل لكم سكناً هو بيوتكم والسكن فعل بفتحتين بمعنى مفعول كنجا بمعنى منجو أى مسلوخ بمعنى ما يسكن ويصلح أن يكون مسكوناً من السكون فى موضع بمعنى اللبث فيه وهو الظاهر هنا أو من السكون إِلى كذا أى الاطمئنان إِليه لألفة كما يسمى من تألفه بالسكون ولا يخفى أن بيت الإِنسان أيضاً مأْلوف {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنعَامِ بُيُوتاً} كالخيام والقباب والأَخبية والفساطيط المتخذة من الجلود المدبوغة وغير المدبوغة والمصبوغة وغير المصبوغة ويجوز أن يراد بالبيوت أنواع البيوت المتخذة من نفس الجلود كما ذكرنا ومما ينبت عليها من صوف ووبر وشعر فإِن ما ينبت على الجلد يصدق عليه أنه من الجلد. {تَسْتَخِفُّونَهَا} تجدونها خفيفة أو تعتقدون خفتها أو تعدونها خفيفة وهى كذلك يخف عليكم حملها ونقلها {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} ارتحالكم للسفر من الحضر لتجر أو جلب نفع أو دفع ضر أو من موضع فى البادية إِلى آخر لطلب ماء أو نبات أو غيرهما من المنافع أو دفع ضر فلا يشق عليكم حملها والانتقال بها. وقرأ الكوفيون وابن عامر بإِسكان العين وذلك لغتان {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} يخفف عليكم إِذا أقمتم فى سفر أو حضر فيها وضعها فى الأَرض أو ضربها {وَمِنْ أَصوَافِهَا} أصواف الأَنعام الضأْن منها فقط وأُضيف إِليها لأَن الضأْن من جملتها، {وَأَوْبَارِهَا} أوبار الأنعام وإِنما الوبر للإِبل منها فقط وأُضيف للأَنعام لأَن الإِبل منها {وَأَشْعَارِهَا} أشعار الأَنعام وإِنما الشعر للمعز منها وأُضيف إِلى الأَنعام لأَنه منها، {أَثَاثاً} ما يلبس ويفرش ويتغطى به ويجعل ستر البيت أو غيره وجلالا للدواب وغير ذلك. وقال ابن عباس الأَثاث المال وهو ما ذكرناه من لباس وفِراش وغِطاء وستر وجلال وغير ذلك وما يتجر من أثمان ذلك ببيع واكتراء ومن أثمان الصوف والوبر والشعر غير معموله، وقال مجاهد الأثاث المتاع أى ما يتمتع به أو نفس التمتع فإِن فسرنا متاعاً بعده بما فسره به كان عطفه عليه تفسيراً على قوله، وإِن فسرنا أحدهما بما يتمتع به والآخر بالتمتع لم يكن تفسيراً، وقال ابن قتيبة وأبو زيد الأَنصارى الأَثاث المال كله فيشمل ما ذكرناه وما يشترى به من دابة وعبد وغيرهما، وقيل الأَثاث ما ينتفع به فى البيت، {وَمَتَاعاً} ما يتمتع به أو ما يتجر به أو تمتعاً وذكر بعض أن الأَثاث ما كثر من الأث البيت وحوائجه وغير ذلك من قولك أث به الشعر أو النبات، أى كثر والتف والمتاع ما ينفع فى البيت خاصة، قال أبو زيد الأَثاث واحده أثاثه، وقال غيره: لا واحد له من لفظه، {إِلَى حِينٍ} متعلق بمتاعاً لأَنه إِما بمعنى تمتعاً أو ما يتمتع به والمراد بالحين حين انقضاء أوطاركم أو حين الموت أو حين فناء ذلك ورثته وبلاه أو زمان مديد لأَن ما يعمل من صوف أو وبر أو شعر يبقى مدة مديدة لصلابته وقوته وقيل يوم القيامة وما جعل الله سبحانه وتعالى من قطن وكتان أكثر نفعاً وألين وأكثر من الوبر والشعر ولكن خاطبهم بما يليق بهم فى الخطاب ويعرفونه فإِنهم أعراب بادية أصحاب ماشية أصحاب صوف ووبر وشعر كما قال وننزل من السماء من جبال فيها من برد فإِن الثلج أكثر لكنهم لا يعرفونه أو لم يذكر القطن والكتان إِعراضاً عما هو لذة وشرف ولباس عباد الله الصالحين إِنما هو الصوف وما خشن، قال ابن العربى فى قوله تعالى لكم فيها دفء دليل على لباس الصوف فهو أولى لباس وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وإِشارة الصحابة والتابعين واختيار الزاهدين والعارفين وإِليه نسب جماعة من الناس الصوفية لأَنه لباسهم فى الغالب، انتهى.

اطفيش

تفسير : {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ} من بيوت البناء بالماء والطين أو القرمد أو الجص أو الجبس أو نحو ذلك. {سَكَنًا} موضعًا تسكنون فيه حين الإقامة كالقبض بفتحتين بمعنى المقبوض، ويجوز أن لا تقدر الوصفية، وفى كما رأيت، بل يعتبر معنى للسكن قال: شعر : جاء الشتاء ولم أعدد له سكنا يا ويح نفسى من شر القراميص تفسير : على المتبادر، أو يجعل بمعنى ما يستأنس إِليه كقول صاحب لامية العجم: شعر : فيم الإقامة بالزوراء لا سكنى فيها ولا ناقتى فيها ولا جملى تفسير : وليس المراد أن لكم بيوتًا ليست سكنا، ثم جعلها سكنا بل البيوت التى سكنتم هو الذى خلقها، أو صيّرها لكم سكنا. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا} صغارًا وكبارًا بتركيب جلد إِلى جلد، أو جلود، وينسج من نباتها وهو الأكثر، والبيت الذى من نبات الجلد هو من الجلد، لأنه نبت عليه، ومن للابتداء فى المعنيين على معنى يحصل لكم بيوتا من جلود الأنعام، إما بها وإِما بشعرها، وإن جعلنا من للتبعيض باعتبار البيوت من شعرها، وللابتداء أو للبيان باعتبارها، كان استعمالا للمشترك فى معنييه وفى جوازه خلاف. {تَسْتَخِفُّونَهَا} تجدونها خفيفة، أو تعدونها خفيفة {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} إنتقالكم من موضع الحلول قصد الماء أو نبات أو أمان أو غير ذلك فى السفر، يسهل حملها. {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} يسهل عليكم ضربها بأوتاد فى الأرض زمان السفر، وقيل: فى الحضر على معنى أنكم لا تهتمون بها إذا أردتم سفرًا سهل عليكم تحصيلها، إن لم تكن حاصلة، وقيل: إذا أردتم ضربها فى الحضر فى موضع قريب تسهل عليكم، وعلى القولين هذين يكون: يوم ظعنكم شاملا للبث فى السفر والنزول فيه. {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} عطف على من جلود الأنعام. {أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىحِينٍ} معطوفان على بيوتا، وذلك عطف على معمولى عامل واحد، والأثاث الآلات التى تكون فى البيوت وغيرها كالبسط والثياب والحبال المحتاج إليها للسفن ولربط الدواب، وإصلاح جهازها، وسمى أثاثا لكثرته، أث الشئ كثر، والمتاع ما يستعمل خارج البيت، وقيل بالعكس، وإلى متعلق بمتاعا على معنى اسم المصدر بمعنى تمتعا أو على معنى المتمتع به إلى حين بلائه أو تلفه أو إخراجه من الملك، أو عدم الاحتياج إليه أو الموت. وعن ابن عباس: المتاع الزينة، وعن الخليل هو الأثاث، ولو قاله غير الخليل لمثلت له على سبيل الزجر بقوله: شعر : * ألفى قولها كذباً ومينا * تفسير : ولم يذكر الكتان والقطن لأن العرب غالبا، لا يستعملونهما، وقيل: المتاع ما يتجر به.

الالوسي

تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ} معطوف على ما مر، وتقديم {لَكُمْ} على ما بعده للتشويق والإيذان من أول الأمر بأن هذا الجعل لمنفعتهم، وقوله تعالى: {مِن بُيُوتِكُمْ} تبيين لذلك المجعول المبهم في الجملة وتأكيد لما سبق من التشويق والإضافة للعهد أي من بيوتكم المعهودة التي تبنونها من الحجر والمدر والأخشاب {سَكَناً} فعل بمعنى مفعول كنقض وأنشد الفراء:شعر : جاء الشتاء ولما أتخذ سكناً يا ويح نفسي من حفر القراميص تفسير : وليس بمصدر كما ذهب إليه ابن عطية أي موضعاً تسكنون فهي وقت إقامتكم، وجوز أن يكون المعنى تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه أي جعل بعض بيوتكم بحيث تسكنون إليه وتطمئنون به. {وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا} أي بيوتاً أخر مغايرة لبيوتكم المعهودة وهي القباب المتخذة من/ الأدم والظاهر أنه لا يندرج في هذه البيوت البيوت المتخذة من الشعر والصوف والوبر، وقال ابن سلام وغيره: بالاندراج لأنها من حيث إنها ثابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها. واعترض بأن {مِنْ} على الأول تبعيضية وعلى إرادة البيوت التي من الشعر ونحوه ابتدائية، فإذا عمم ذلك يلزم استعمال المشترك في معنييه وأجيب بأن القائل بذلك لعله يرى جواز هذا الاستعمال، وممن قال بذلك البيضاوي وهو شافعي. وقيل: الجلود مجاز عن المجموع {تَسْتَخِفُّونَهَا} أي تجدونها خفيفة سهلة المأخذ فالسين ليست للطلب بل للوجدان كأحمدته وجدته محموداً {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} وقت ترحالكم في النقض والحمل {وَيَوْمَ إِقَـٰمَتِكُمْ} ووقت نزولكم وإقامتكم في مسايركم حسبما يتفق في الضرب والبناء، وجوز أن يكون المعنى تجدونها خفيفة في أوقات السفر وفي أوقات الحضر، واختار ابن المنير الأول وقال: إنه التفسير لأن المنة في خفتها في السفر أتم وأقوى إذ لا يهم المقيم أمرها، قال في «الكشف»: وهو حق، وقال بعض الفضلاء: ينبغي أن يكون الثاني أولى للعموم فإن حالتي السفر اندرجتا في يوم ظعنكم حيث أريد به مقابل الحضر والخفة على المقيم نعمة في حقه أيضاً فإنه يضربها وقد ينقلها من مكان إلى مكان قريب لداع يدعو إليه فالأولى أن لا تخلو الآية عن التعرض لذلك اهـ ولا يخفى أن الاندراج ظاهر إن أريد بالظعن مقابل الحضر وأما إذا أريد به مقابل النزول كما سمعت فغير ظاهر. نعم يجوز إرادة ذلك، وقرأ الحرميان وأبو عمرو {ظعنكم} بفتح العين وباقي السبعة بسكونها وهما لغتان والفتح على ما في "المعالم" أجزلهما، وقيل: الأصل الفتح والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق كالشعر والشعر. {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} عطف على قوله تعالى: {وَمِنْ جُلُودِ} والضمير للأنعام على وجه التنويع أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز {أَثَاثاً} أي متاع البيت كالفرش وغيرها كما قال المفضل، قال الفراء: لا واحد له من لفظه كما أن المتاع كذلك ولو جمعت قلت: أأثثة في القليل وأثث في الكثير. وقال أبو زيد: واحده أثاثة وأصله ـ كما قال الخليل ـ من قولهم: أثث النبات والشعر وهو أثيث إذا كثر قال امرؤ القيس:شعر : وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل تفسير : ونصبه على أنه معطوف على {بُيُوتًا} مفعول {جعل} فيكون مما عطف فيه جار ومجرور مقدم ومنصوب على مثلهما نحو ضربت في الدار زيداً وفي الحجرة عمراً وهو جائز وليس بمستقبح كما زعم في "الإيضاح". وجوز أن يكون نصباً على الحال فيكون من عطف الجار والمجرور فقط على مثله أي وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها حال كونها أثاثاً. وتعقبه السمين بأن المعنى ليس على هذا وهو ظاهر. {وَمَتَـٰعاً} أي شيثاً يتمتع به وينتفع في المتجر والمعاش قاله المفضل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتاع الزينة، وقال الخليل: الأثاث والمتاع واحد، والعطف لتنزيل تغاير اللفظ منزلة تغاير المعنى كما في قوله:شعر : وألفى قولها كذباً وميناً تفسير : والأول أولى {إِلَىٰ حِينٍ } إلى انقضاء حاجاتكم منه، وعن مقاتل إلى بلى ذلك وفنائه؛ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى الموت، والكلام في ترتيب المفاعيل مثله فيما مر غير مرة.

ابن عاشور

تفسير : هذا من تعداد النّعم التي ألهم الله إليها الإنسان، وهي نعمة الفكر بصنع المنازل الواقية والمرفّهة وما يشبهها من الثياب والأثاث عطفاً على جملة {أية : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} تفسير : [سورة النحل: 78]. وكلّها من الألطاف التي أعدّ الله لها عقل الإنسان وهيّأ له وسائلها. وهذه نعمة الإلهام إلى اتّخاذ المساكن وذلك أصل حفظ النوع من غوائل حوادث الجوّ من شدّة برد أو حرّ ومن غوائل السباع والهوامّ. وهي أيضاً أصل الحضارة والتمدّن لأن البلدان ومنازل القبائل تتقوّم من اجتماع البيوت. وأيضاً تتقوّم من مجتمع الحِلل والخيام. والقول في نظم جملة {والله جعل لكم} كالقول في التي قبلها. وبيوت: يجوز فيه ضمّ الموحدة وكسرها، وهو جمع بيت. وضمّ الموحّدة هو القياس لأنه على وزن فُعول، وهو مطرد في جمع فَعْل ــــ بفتح الفاء وسكون العين ــــ. وأما لغة ــــ كسر الباء ــــ فلمناسبة وقوع الياء التحتية بعد الموحّدة المضمومة، لأن الانتقال من حركة الضمّ إلى النّطق بالياء ثقيل. وقال الزجاج: أكثر النحويين لا يعرفون الكسر (أي لا يعرفونه لغة) وبيّن أبو عليّ جوازه. وتقدم في سورة البقرة. وبالكسر قرأ الجمهور. وقرأها بالضمّ أبو عمرو وورش عن نافع وحَفص عن عاصم. والبيت: مكان يجعل له بناء وفسطاط يحيط به يعين مكانه ليتّخذه جاعلُه مقَراً يأوي إليه ويستكنّ به من الحرّ والقُرّ. وقد يكون محيطُه من حجر وطين ويسمّى جداراً، أو من أخشاب أو قصب أو غير ذلك وتُسمّى أيضاً الأخصاص. ويوضع فوق محيطه غطاء ساتر من أعلاه يسمّى السقْف، يتّخذ من أعواد ويُطيّن عليها، وهذه بيوت أهل المدن والقرى. وقد يكون المحيط بالبيت متّخذاً من أديم مدبوغ ويسمى القبّة، أو من أثواب تُنْسج من وَبر أو شَعَر أو صُوف ويسمّى الخَيمة أو الخباءَ، وكلّها يكون بشكل قريب من الهرميّ تلتقي شُقّتاه أو شُققه من أعلاه معتمدةً على عمود وتنحدر منه متّسعَة على شكل مخروط. وهذه بيوت الأعراب في البوادي أهل الإبل والغنم يتّخذونها لأنها أسعد لهم في انتجاعهم، فينقلونها معهم إذا انتقلوا يتتبّعون مواقع الكَلأ لأنعامهم والكَمْأة لعَيشهم. وقد تقدّم ذكر البيت عند قوله تعالى: {أية : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} تفسير : في سورة البقرة (125). و{جَعَلَ} هنا بمعنى أوجد، فتتعدّى إلى مفعول واحد. والسَكَن: اسم بمعنى المسكون. والسكنى: مصدر سكن فلان البيتَ، إذا جعله مقرّاً له، وهو مشتقّ من السكون، أي القرار. وانتصب قوله تعالى: {سكناً} على المفعولية لــــ{جعل}. وقوله: {من بيوتكم} بيان للسكن، فتكون {من} بيانية، أو تجعل ابتدائية ويكون الكلام من قبيل التجريد بتنزيل البيوت منزلة شيء آخر غير السكن، كقولهم: لئن لقيت فلاناً لتلقينّ منه بحراً. وأصل التركيب: والله جعل لكم بيوتكم سكنا. وقيل: إن {سكناً} مصدر وهو قول ضعيف، وعليه فيكون الامتنان بالإلهام الذي دلّ عليه السكون، وتكون {من} ابتدائية، لأن أول السكون يقع في البيوت. وشمل البيوت هنا جميع أصنافها. وخُصّ بالذّكر القباب والخيام في قوله تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} لأن القباب من أدم، والخيام من منسوج الأوبار والأصواف والأشعار، وهي ناشئة من الجلد، لأن الجلد هو الإهاب بما عليه، فإذا دبغ وأزيل منه الشّعر فهو الأديم. وهذا امتنان خاص بالبيوت القابلة للانتقال والارتحال، والبشر كلّهم لا يعدون أن يكونوا أهل قرى أو قبائل رحلاً. والسين والتاء في {تستخفونها} للوجدان، أي تجدونها خفيفة، أي خفيفة المحمل حين ترحلون، إذ يسهل نقضها من مواضعها وطيّها وحملها على الرواحل، وحين تنيخون إناخة الإقامة في الموضع المنتقل إليه فيسهل ضربها وتوثيقها في الأرض. والظعن ــــ بفتح الظاء والعين وتسكن العينُ ــــ، وقد قرأه بالأول نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب، وبالثاني الباقون، وهو السّفر. وأطلق اليوم على الحين والزمن، أي وقت سفركم. والأثاث ــــ بفتح الهمزة ــــ اسم جمع للأشياء التي تفرش في البيوت من وسائد وبُسط وزرابيّ، وكلها تنسج أو تحْشى بالأصواف والأشعار والأوبار. والمتاع أعمّ من الأثاث، فيشمل الأعدال والخُطُم والرحائل واللّبود والعُقُل. فالمتاع: ما يتمتّع به وينتفع، وهو مشتقّ من المتع، وهو الذهاب بالشيء، ولِملاحظة اشتقاقه تعلّق به إلى حين. والمقصود من هذا المتعلّق الوعظ بأنها أو أنهم صائرون إلى زوال يحول دون الانتفاع بها ليكون الناس على أهبة واستعداد للآخرة فيتّبعوا ما يرضي الله تعالى. كما قال: {أية : أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}تفسير : [سورة الأحقاف: 20].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَنْعَامِ} {أَثَاثاً} {وَمَتَاعاً} (80) - جَعَلَ اللهُ لِلنَّاسِ بُيُوتَهُمْ سَكَناً لَهُمْ يَأْوُونَ إِلَيْها، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ مِنْهَا. وَجَعَلَ لَهُمْ مِمَّا عَلَى جُلودِ الأَنْعَامِ مِنْ أَشْعَارٍ وَأَصْوَافٍ وَأَوْبَارٍ (أَوْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ جُلُودِهَا) بُيُوتاً يَسْتَخْفُّونَ حَمْلَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ وَفِي إِقَامَتِهِمْ، كَمَا جَعَلَ النَّاسَ يَتَخِّذُونَ مِنْ أَصْوَافِ الأَغْنَامِ وَأَوْبَارِ الجِمَالِ، وَأَشْعَارِ المَاعِزِ أَثَاثاً لِبُيُوتِهِمْ (مِنْ فُرُشٍ وَبُسُطٍ)، وَثِيَاباً يَلْبَسُونَهَا، وَمَالاً لِلتِّجَارَةِ، وَمَتَاعاً يَتَمَتَّعُونَ بِهِ إِلى أَنْ تَحِينَ آجَالُهُمْ، (إِلى حِينٍ). تَسْتَخِفُّونَهَا - تَسْتَخِفُّونَ حَمْلَهَا، تَجِدُونَهَا خَفِيفَةً عِنْدَ الحَمْلِ. يَوْمَ ظَعْنِكُمْ - وَقْتَ تِرْحَالِكُمْ. أَثَاثاً - مَتَاعاً لِبُيُوتِكُمْ كَالفُرُشِ. مَتَاعاً - تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَعَايِشِكُمْ وَمَتَاجِرِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ..} [النحل: 80]. كلمة سكن مأخوذة من السكون، والسكون ضد الحركة، فالبيت نُسمّيه سكناً؛ لأن الإنسان يلجأ إليه ليرتاح فيه من حركة الحياة خارج البيت، إذن: في الخارج حركة، وفي البيت سكن. والسكن قد يكون مادياً كالبيت وهو سكن القالب، وقد يكون معنوياً، كما قال تعالى في حَقِّ الأزواج: {أية : خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا ..} تفسير : [الروم: 21]. فالزوجة سكَنٌ معنويٌّ لزوجها، وهذا يُسمّونه سكن القلب. فإنْ قال قائل: {مِّن بُيُوتِكُمْ ..} [النحل: 80]. يعني: نحن الذين صنعناها وأقمناها. فكيف جعلها الله لنا؟. نقول: وأنت كيف صنعتها؟ ومِمَ بنيْتها؟ صنعتَها من غابٍ أو خشب، أو بنيْتها من طين أو طوب .. كل هذه المواد من مادة الأرض من عطاء الله لك، وكذلك العقل الذي يُفكّر ويرسم، والقوة التي تبني وتُشيّد كلها من الله. إذن: {جَعَلَ لَكُمْ} إما أنْ يكون جَعْلاً مباشراً، وإما أنْ يكون غير مباشر .. فالله سبحانه جعل لنا هذه المواد .. هذا جَعْل مباشر، وأعاننا وقوّانا على البناء .. هذا جَعْلٌ غير مباشر. لكن في أيّ الأماكن تُبنى البيوت؟ البيوت لا تُبنَى إلا في أماكن الاستقرار، التي تتوفّر لها مُقوّمات الحياة .. فقبل أن نُنظّم مدينة سكنية نبحث أولاً عن مُقوّمات الاستقرار فيها من مأكل ومشرب ومرافق وخدمات ومياه وصرف .. إلى آخره. فإن وجدت هذه المقوّمات فلا مانعَ من البناء هنا .. فإذا لم توجد المرافق في الصحراء ومناطق البدو، هنا لا يناسبها البيوت والبناء الدائم، بل يناسبها: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ..} [النحل: 80]. فنرى أهل البدو يتخذون من الجلود بُيُوتاً مثل الخيمة والفسطاط .. حيث نراهم كثيري التنقُّل يبتغون مواطن الكلأ والعشب، ويرحلون طَلباً للمرعى والماء، وهكذا حياتُهم دائمة التنقّل من مكان لآخر .. فيناسبهم بيت من جلد أو من صوف أو من وَبَر خفيف الحَمْل، يضعونه أيْنما حَطُّوا رحالهم، ويرفعونه أينما ساروا .. والظّعْن هو التنقُّل من مكان لآخر. إذن: كلمة (سكن) تفيد الاستقرار، وتُوفِّر كل مُقوِّمات الحياة؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول لآدم: {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ..} تفسير : [البقرة: 35]. أي: المكان الذي فيه راحتكم، وفيه نعيمكم، فحدّد له مكان إقامة وسكَن .. ومكان الإقامة هذا قد يكون عَامّاً، وقد يكون خاصاً، مثل لو قُلْت: أسكن الإسكندرية .. هذا سكَنٌ عام، فلو أردتَ السكن الحقيقي الخاص بك لَقُلْتَ: أسكن في شارع كذا، وفي عمارة رقم كذا، وفي شقة رقم كذا، وربما كان لك حجرة خاصة من الشقة هذه. إذن: هذا سكَنٌ خاص بك .. سكنُك الحقيقي الذي تشعر فيه بالهدوء والراحة والخصوصية، فالسكن يحتاج إلى استقرار ذاتيٍّ لا يشاركك فيه أحد؛ ولذلك نرى بعض سكان العمارات يشكُون من الإزعاج والضوضاء، ويتمنوْنَ أن يعيشوا في بيوت مستقلة تُحقّق لهم الراحة الكافية التي لا يضايقهم فيها أحد. إذن: حينما ننظر إلى السكون .. إلى السكن، نحتاج المكان الضيق الذي يُحقّق لنا الخصوصية التامة التي تصل إلى حجرة، مجرد حجرة، ولكنها تعني السكن الحقيقي الخاص بي، وقد تصل الخصوصية أنْ نجعلَ لكل ولد من الأولاد سريراً خاصاً به في نفس الحجرة. فإذا ما نظرنا إلى الحركة في الحياة وجدنا الإنسان على العكس يطلب السعة؛ لأن الحركة تقتضي السعة في المكان، فمَنْ كان عنده مزرعة يطلب عزبة، ومَنْ كان عنده عزبة يتمنى ثانية وثالثة وهكذا لأن حركة الحياة تحتاج مجالاً واسعاً فسيحاً. هذا عن النوع الأول، وهو السكن المادي سكن القالب، وهو من أعظم نِعَم الله على عباده .. أن يكون لهم سكَن يأوون إليه، ويرتاحون فيه من عناء وحركة الحياة. ولذلك حينما أراد الحق سبحانه أن يُعذِّب بني إسرائيل، أشاع سكنهم في الأرض كلها، وحرمهم من نعمة السكن الحقيقي الخاص، فقال تعالى: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [الإسراء: 104]. فالأرض هي المكان العام الذي يسكن فيه كل الناس .. فليس لهم بلد تجمعهم، بل بدَّدهم الله في الأرض ولم يجعل لهم وطناً، كما قال في آية أخرى: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ..} تفسير : [الأعراف: 168]. حتى في البلاد التي يعيشون فيها تراهم معزولين عن الناس في أماكن خاصة بهم لا يذوبون في غيرهم، وهكذا سكنوا الأرض ولم تحدد لهم بلد. أما النوع الثاني من السكن، وهو السكن المعنوي أو سكن القلب، فهو سكن الزوج إلى زوجته الصالحة التي تُخفّف عنه عناء الحياة وهمومها، تبتسم في وجهه إنْ كان مسروراً وتُهدِّىء من غضبه إنْ كان مُغْضَباً، تحتويه بما لديها من حُب وحنان وإخلاص .. هذا هو السكن المعنوي، سكن القلب. وقوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} [النحل: 80]. الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والشعر للماعز .. فما الفرْق بين هذه الثلاث في الاستعمال؟ يستعمل الناس كلاً من الصوف والوبر؛ لأن الشُّعيرات فيها دقيقة جداً يمكن نَدْفها وغَزْلها والانتفاع بها في الفُرش والأبسطة والألحفة والملابس وغيرها مما يحتاجه الناس. أما شعر الماعز فالشعيرات فيه ثخينة لا يمكن نَدْفها أو غَزْلها، فلا يمكن الانتفاع به في هذه المنسوجات، وقوله تعالى: {أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} [النحل: 80]. الأثاث: هو ما يوجد في البيت مما تتطلبه حركة الحياة كالأبسطة والمفارش والملابس والستائر. والمتاع: هو ما يُستمتع ويُنتفع به .. والفرْق بينهما أن الأثاث قد يكون ثابتاً لا يتغير كثيراً، أما المتاع فقد يتغير حسب الحاجة. فأنت مثلاً قد تحتاج إلى تغيير التلفاز القديم لتأتي بآخر حديث، مُلوّن مثلاً، لكن قلّما تُغير الثلاجة أو الغسالة مثلاً. وقوله: {إِلَىٰ حِينٍ} [النحل: 80]. لأن الإنسان قد يغتر حين يستوفي متطلبات حياته، وقد تلهيه هذه النعم عن مطلوب المنعم سبحانه، فينشغل بالنعمة التي هو فيها عن المنعم الذي أنعم عليه بها .. فتأتي هذه الآية مُحذّرة. إياك أنْ تغترّ بالمتاع والأثاث؛ لأنها متاع إلى حين .. متاعٌ موقوت لا يدوم، ومهما استوفيت حظّك منها في الدنيا فإنها صائرة إلى أمرين: إما أن تفوتها بالموت، وإما أنْ تفوتَك بالفقر والحاجة .. إذن: هي ذاهبة ذاهبة .. فتذكّروا دائماً قوله تعالى: {إِلَىٰ حِينٍ} [النحل: 80]. فمتاع النعمة موقوت، لكن متاع المنعِم سبحانه خالد. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً} [الآية: 80]: تسكنون فيها. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم.، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الأَثاث" [الآية: 80]: المتاع. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، / 37ظ / ثنا آدم نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [الآية: 83] قال: هي المساكن والأَنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، يقول: تعرف هذا كفار قريش ثم ينكرونه ويقولون: كان هذا لآبائنا فورثناها منهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ} [الآية: 86] يقول: حدثوهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا المسعودي عن الأَعمش عن أَبي وائل، عن ابن مسعود في قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} [الآية: 88]. قال: زيدوا عقارب من نار كالبغال الدَّلم، أَنيابها كالنخل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} قال: زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ فالأَثَاثُ: المَالُ. والأَثَاثُ: المَتَاعُ. قالَ: صلواتُ الله [عليه] وسَلامُهُ وفِي سُورة مريم {أية : أَثَاثاً وَرِءْياً} تفسير : [مريم: 74] فالزَّي المَنظرُ والكُسوةُ الظَّاهِرةُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ} [النحل: 80] يشير به إلى الأرواح، {مِّن بُيُوتِكُمْ} [النحل: 80] أي: من بيوت الأجساد {سَكَناً} [النحل: 80] أي: مسكناً وإلا كان مساكنها عالماً الأرواح {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً} [النحل: 80] أي: جعل بيوتكم أجساد حيوانية {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [النحل: 80] أي: تستخف أرواحكم النفوس الحيوانية وقواها وقت السير إلى الله ووقت الوقفة للاستراحة والتربية. وفي قوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً} [النحل: 80] إشارة إلى الصفات الحيوانية والحواس الخمسة والقوى أنها آلات للأرواح في السير {وَمَتَاعاً} ينتفع ويبلغ به {إِلَىٰ حِينٍ} أي: إلى حين الوصول وإقران الوصال {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} أي: جعل الخلق ظل عالم الأمر لتستظل الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، فافهم جدّاً. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} [النحل: 81] أي: من جبال القلوب ما يكون الأرواح {وَجَعَلَ لَكُمْ} لأرواحكم {سَرَابِيلَ} من صفاته البشرية {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تحفظكم من حر نار المحبة {وَسَرَابِيلَ} من صفات الروحانية {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} أي: تحفظكم من سهام وساوس اليشطان وهواجس النفس {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي: على هذه الحكمة البالغة يحفظكم من الآفات ويربكم بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي: تصلون إليه بإسلامه لا يقطع عليكم الطريق قطاع الطريق من الدنيا وما فيها من الزخارف ومن الآخرة وما فيها من المعارف؛ فإنها تمام النعمة وكمال المنحة. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [النحل: 82] أي: فإن أعرض أهل الباطل عن الحق {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} لتكون يا محمد رسولاً مبلغاً مبيناً طرق السير والوصول وأهل الباطل الذين هم مظاهر القهر {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} [النحل: 83] بتعريفك {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر. ثم أخبر عن ندامة أهل الغرامة يوم القيامة بقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء - عليهم السلام - إشرافاً على أممهم فيما يعملون في حال حياتهم وبعد وفاتهم ليشهدوا عليهم بأعمالهم يوم القيامة {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أن يعتذروا عما عملوا بقضاء ما فاتهم من الأوامر وبالتوبة والاستغفار عما نوهوا عنه {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يعني: ولا يتكلفون أن يعرفوا ربهم، وذلك لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والأرواح بذور في أرض الأشباح، فمربيها ومنبتها ومثمرها أعمال الشريعة بشرط الإيمان، ومفسدها ومبطلها ومغير أحوالها عن خصيتها الكفر وأعمال الطبيعة والموت حصادها والقيامة بيدرها، فكل نبات فسد في الأرض بطل استعداده لقبول التربية، ولم يتم أمر نباته فلما حصد وحصل في البيدر ولا تفيده أسباب التربية لتغير أحوالها، فافهم جدّاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى عباده نعمه، ويستدعي منهم شكرها والاعتراف بها فقال: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } في الدور والقصور ونحوها تكنُّكم من الحر والبرد وتستركم أنتم وأولادكم وأمتعتكم، وتتخذون فيها الغرف والبيوت التي هي لأنواع منافعكم ومصالحكم وفيها حفظ لأموالكم وحرمكم وغير ذلك من الفوائد المشاهدة، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ } إما من الجلد نفسه أو مما نبت عليه، من صوف وشعر ووبر. { بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا } أي: خفيفة الحمل تكون لكم في السفر والمنازل التي لا قصد لكم في استيطانها، فتقيكم من الحر والبرد والمطر، وتقي متاعكم من المطر، { وَ } جعل لكم { مِنْ أَصْوَافِهَا } أي: الأنعام { وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا } وهذا شامل لكل ما يتخذ منها من الآنية والأوعية والفرش والألبسة والأجلة، وغير ذلك. { وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } أي: تتمتعون بذلك في هذه الدنيا وتنتفعون بها، فهذا مما سخر الله العباد لصنعته وعمله. { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ } أي: من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها، { ظِلالا } وذلك كأظلة الأشجار والجبال والآكام ونحوها، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا } أي: مغارات تكنكم من الحر والبرد والأمطار والأعداء. { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } أي: ألبسة وثيابا { تَقِيكُمُ الْحَرَّ } ولم يذكر الله البرد لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم فإنه من الضرورة، وقد ذكره في أولها في قوله { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ }. { وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } أي: وثيابا تقيكم وقت البأس والحرب من السلاح، وذلك كالدروع والزرد ونحوها، كذلك يتم نعمته عليكم حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر { لَعَلَّكُمْ } إذا ذكرتم نعمة الله ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه { تُسْلِمُونَ } لعظمته وتنقادون لأمره، وتصرفونها في طاعة موليها ومسديها، فكثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر ، والثناء بها على الله تعالى، ولكن أبى الظالمون إلا تمردا وعنادا. ولهذا قال الله عنهم: { فَإِنْ تَوَلَّوْا } عن الله وعن طاعته بعد ما ذُكِّروا بنعمه وآياته، { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: ليس عليك من هدايتهم وتوفيقهم شيء بل أنت مطالب بالوعظ والتذكير والإنذار والتحذير، فإذا أديت ما عليك، فحسابهم على الله فإنهم يرون الإحسان، ويعرفون نعمة الله، ولكنهم ينكرونها ويجحدونها، { وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ } لا خير فيهم، وما ينفعهم توالي الآيات، لفساد مشاعرهم وسوء قصودهم وسيرون جزاء الله لكل جبار عنيد كفور للنعم متمرد على الله وعلى رسله.

همام الصنعاني

تفسير : 1507- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَثَاثاً}: [الآية: 80]، قال: هو المال. {وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ}: [الآية: 80]، يقول: أجل وبُلغة.