١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الإنسان إما أن يكون مقيماً أو مسافراً، والمسافر إما أن يكون غنياً يمكنه استصحاب الخيام والفساطيط، أو لا يمكنه ذلك فهذه أقسام ثلاثة: أما القسم الأول: فإليه الإشارة بقوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً}. وأما القسم الثاني: فإليه الإشارة بقوله: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} وأما القسم الثالث: فإليه الإشارة بقوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} وذلك لأن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها فإنه لا بد وأن يستظل بشيء آخر كالجدران والأشجار وقد يستظل بالغمام كما قال: {أية : وظللنا عليكم الغمام} تفسير : [البقرة: 57]. ثم قال: {وجعل لكم من الجبال أكناناً} واحد الأكنان كن على قياس أحمال وحمل، ولكن المراد كل شيء وقى شيئاً، ويقال استكن وأكن إذا صار في كن. واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة، وأيضاً البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جداً والغالب إما غلبة الحر أو غلبة البرد. وعلى كل التقديرات فلا بد للإنسان من مسكن يأوي إليه، فكان الإنعام بتحصيله عظيماً، ولما ذكر تعالى أمر المسكن ذكر بعده أمر الملبوس فقال: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} السرابيل القمص واحدها سربال، قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره، والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين: أحدهما: ما يكون واقياً من الحر والبرد. والثاني: ما يتقى به عن البأس والحروب، وذلك هو الجوشن وغيره، وذلك يدل على أن كل واحد من القسمين من السرابيل. فإن قيل: لم ذكر الحر ولم يذكر البرد؟ أجابوا عنه من وجوه: الوجه الأول: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} [النحل: 80] وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان إلفتهم بها أشد، واعتيادهم للبسها أكثر، ولذلك قال: {أية : وينزل من السماء من جبال فيها من برد} تفسير : [النور: 43] لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه. والوجه الثاني: في الجواب قال المبرد: إن ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر، قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر، فإن الإنسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضاً البرد، وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض، فلما كان الشعور بأحدهما مستتبعاً للشعور بالآخر، كان ذكر أحدها مغنياً عن ذكر الآخر. والوجه الثالث: قال الزجاج: ما وقى من الحر وقى من البرد، فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر. فإن قيل: هذا بالضد أولى، لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي القمص من دون تكلف زيادة، وأما البرد فإنه لا يندفع إلا بتكليف زائد. قلنا: القميص الواحد لما كان دافعاً للحر كان الاستكثار من القميص دافعاً للبرد فصح ما ذكرناه، وقوله: {وسرابيل تقيكم بأسكم} يعني دروع الحديد، ومعنى البأس الشدة ويريد ههنا شدة الطعن والضرب والرمي. واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمة الدنيا قال: {كذلك يتم نعمته عليكم} أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا والدين عليكم: {لعلكم تسلمون} قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية، وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه، ونقل عن ابن عباس أنه قرأ: {لعلكم تسلمون} بفتح التاء، والمعنى: أنا أعطيناكم هذه السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب، وقيل أعطيتكم هذه النعم لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب الله. ثم قال تعالى: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} أي فإن تولوا يا محمد وأعرضوا وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر فعلى أنفسهم جنوا ذلك، وليس عليك إلا ما فعلت من التبليغ التام، ثم إنه تعالى ذمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وذلك نهاية في كفران النعمة. فإن قيل: ما عنى ثم؟ قلنا: الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة، لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر. وفي المراد بهذه النعمة وجوه: الأول: قال القاضي: المراد بها جميع ما ذكره الله تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم؛ ومعنى أنهم أنكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة، بل شكروا على تلك النعم غير الله تعالى ولأنهم قالوا: إنما حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام. والثاني: أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق ثم ينكرونها، ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة العالمين}. الثالث: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، أي لا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى. ثم قال تعالى: {وأكثرهم الكافرون}. فإن قيل: ما معنى قوله؛ {وأكثرهم الكافرون} مع أنه كان كلهم كافرين. قلنا: الجواب من وجوه: الأول: إنما قال: {وأكثرهم} لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف أو كان ناقص العقل معتوهاً، فأراد بالأكثر البالغين والأصحاء. الثاني: أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند، وحينئذ نقول إنما قال: {وأكثرهم} لأنه كان فهيم من لم يكن معانداً بل كان جاهلاً بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وما ظهر له كونه نبياً من عند الله. الثالث: أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع، لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل، فذكر الأكثر كذكر الجميع، وهذا كقوله: {أية : الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} تفسير : [لقمان: 25] والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {ظِلاَلاً} الظِّلال: كلّ ما يستظَلّ به من البيوت والشجر. وقوله {مِّمَّا خَلَقَ} يعمّ جميع الأشخاص المظِلّة. الثانية: قوله تعالى: {أَكْنَاناً} الأكنان: جمع كِنّ، وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك؛ وهي هنا الغيران في الجبال، جعلها الله عدّة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها. وفي الصحيح أنه عليه السلام كان في أول أمره يتعبّد بغار حِرَاء ويمكث فيه الليالي... الحديث. وفي صحيح البخاريّ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً هارباً من قومه فاراً بدينه مع صاحبه أبي بكر حتى لحقا بغار في جبل ثَوْر، فكَمنَا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما فيه عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن فيُدْلج من عندهما بسحَر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهيرة مولى أبي بكر مِنْحَةً من غنم فيرِيحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فَيَبِيتان في رِسْل، وهو لبن مِنحتهما ورَضِيفُهما حتى ينعِق بهما عامر بن فُهيرة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث... وذكر الحديث. انفرد بإخراجه البخاري. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} يعني القُمص، واحدها سربال. {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} يعني الدروع التي تقي الناس في الحرب؛ ومنه قول كعب بن زهير:شعر : شُمُّ العرانِين أبطال لَبُوسهمُ من نَسْج داودَ في الهَيْجَا سَرابِيلُ تفسير : الرابعة ـ إن قال قائل: كيف قال «وجعل لكم من الجبال أكنانا» ولم يذكر السهل، وقال «تقيكم الحرّ» ولم يذكر البرد؟ فالجواب أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حَرٍّ ولم يكونوا أهل برد، فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصّهم بذكر الصوف وغيره، ولم يذكر القطن والكَتّان ولا الثلج ـ كما تقدم ـ فإنه لم يكن ببلادهم؛ قال معناه عطاء الخراسانيّ وغيره. وأيضاً: فذكر أحدهما يدل على الآخر؛ ومنه قول الشاعر:شعر : وما أدري إذا يمّمت أرضاً أريد الخير أيهما يَلِيني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني تفسير : الخامسة ـ قال العلماء: في قوله تعالى: {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} دليل على اتخاذ العباد عدّة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء، وقد لبسها النبيّ صلى الله عليه وسلم تقاة الجراحة وإن كان يطلب الشهادة، وليس للعبد أن يطلبها بأن يستسلم للحتوف وللطعن بالسنان وللضرب بالسيوف، ولكنه يلبس لأْمة حرب لتكون له قوّة على قتال عدوّه، ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويفعل الله بعدُ ما يشاء. السادسة ـ قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} قرأ ابن مُحَيْصِن وحميد «تتم» بتاءين، «نعمتُه» رفعاً على أنها الفاعل. الباقون «يتم» بضم الياء على أن الله هو يتمها. و «تسلمون» قراءة ابن عباس وعكرمة «تَسْلَمون» بفتح التاء واللام، أي تسلمون من الجراح، وإسناده ضعيف؛ رواه عَباد بن العوّام عن حنظلة عن شَهْر عن ابن عباس. الباقون بضم التاء، ومعناه تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله وطاعته شكراً على نعمه. قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامّة؛ لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح.
البيضاوي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ} من الشجر والجبل والأبنية وغيرها. {ظِلَـٰلاً } تتقون بها حر الشمس. {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً } مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها جمع كن. {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} ثياباً من الصوف والكتان والقطن وغيرها. {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} خصه بالذكر اكتفاء بأحد الضدين أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} يعني الدروع والجواشن، والسربال يعم كل ما يلبس. {كَذٰلِكَ } كإتمام هذه النعم التي تقدمت. {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي تنظرون في نعمه فتؤمنون به وتنقادون لحكمه. وقرىء «تُسْلِمُونَ» من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب، أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك. وقيل {تُسْلِمُونَ} من الجراح بلبس الدروع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ } من البيوت والشجر والغمام {ظِلَٰلاً } جمع (ظل) تقيكم حرّ الشمس {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَٰناً } جمع (كِنّ): وهو ما يُسْتَكَنُّ فيه كالغار والسرب {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } قمصاً {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } أي والبرد {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } حربكم، أي: الطعن والضرب فيها كالدروع والجواشن {كَذٰلِكَ } كما خلق هذه الأشياء {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ } في الدنيا {عَلَيْكُمْ } بخلق ما تحتاجون إليه {لَعَلَّكُمْ } يا أهل مكة {تُسْلِمُونَ } توحِّدونه.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً} الشجر {أَكْنَاناً} يستكن فيها جمع كِن {سَرَابِيلَ} ثياب الكتان والقطن والصوف، والتي تقي الناس: دروع الحرب، ذكر الجبال والحر ولم يذكر السهل والبرد لغلبة الجبال والحر على بلادهم دون البرد والسهل، فَمَنَّ عليهم بما يختص بهم، أو اكتفى بذكر الجبال والحر عن ذكر السهل والبرد فالمنة فيهما آكد.
النسفي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً } كالأشجار والسقوف {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً } جمع كن وهو ما سترك من كهف أو غار {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } هي القمصان والثياب من الصوف والكتاب والقطن {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} وهي تقي البرد أيضاً إلا أنه اكتفى بأحد الضدين، ولأن الوقاية من الحر أهم عندهم لكون البرد يسيراً محتملاً {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } ودروعاً من الحديد ترد عنكم سلاح عدوكم في قتالكم، والبأس: شدة الحرب والسربال عام يقع على ما كان من حديد أو غيره {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } أي تنظرون في نعمته الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن الإسلام {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي فلا تبعة عليك في ذلك لأن الذي عليك هو التبليغ الظاهر وقد فعلت {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } التي عددناها بأقوالهم فإنهم يقولون إنها من الله {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بأفعالهم حيث عبدوا غير المنعم أو في الشدة ثم في الرخاء {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } أي الجاحدون غير المعترفين، أو نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عناداً وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم، و«ثم» يدل على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر
الخازن
تفسير : {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} يعني جعل لكم ما تستظلون به من شدة الحر والبرد، وهي ظلال الأبنية والجدران والأشجار {وجعل لكم من الجبال أكناناً} جمع كن وهو ما يستكن فيه من شدة الحر والبرد، كالأسراب والغيران ونحوها وذلك لأن الإنسان إما أن يكون غنياً أو فقيراً، فإذا سافر احتاج في سفره ما يقيه من شدة الحر والبرد فأما الغني فيستصحب معه الخيام في سفره، ليستكن فيها وإليه الإشاره بقوله {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} وأما الفقير فيستكن في ظلال الأشجار والحيطان والكهوف ونحوها، وإليه الإشارة بقوله والله جعل لكم مما خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً ولأن بلاد العرب شديدة الحر، وحاجتهم إلى الضلال وما يدفع شدته وقوته أكثر فلهذا السبب ذكر الله هذه المعاني في معرض الامتنان عليهم بها، لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} يعني وجعل لكم قمصاً وثياباً من القطن والكتان والصوف وغير ذلك، تمنعكم من شدة الحر قال أهل المعاني والبرد فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه {وسرابيل تقيكم بأسكم} يعني الدروع والجواشن وسائر ما يلبس في الحرب من السلاح، والبأس الحرب يعني تقيكم في بأسكم السلاح أن يصيبكم. قال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم فقال تعالى وجعل لكم من الجبال أكناناً، وما جعله لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال كما قال ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها وما جعل لهم من القطن والكتاب أكثر، ولكن كانوا أصحاب صوف ووبر وشعر، وكما قال تعالى {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} وما أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج وقال تقيكم الحر وما جعل لهم مما يقي من البرد أكثر ولكنهم كانوا أصحاب حر. وقوله سبحانه وتعالى {كذلك} يعني كما أنعم عليكم بهذه النعم {يتم نعمته عليكم} يعني نعم الدنيا والدين {لعلكم تسلمون} يعني لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الوحدانية والربوبية والعبادة والطاعة وتعلمون، أنه لا يقدر على هذه الإنعامات إلا الله تعالى {فإن تولوا} يعني فإن أعرضوا عن الإيمان بك وتصديقك يا محمد وآثروا ما هم فيه من الكفر واللذات الدنيوية، فإنما وبال ذلك عليهم لا عليك {فإنما عليك البلاغ المبين} يعني ليس عليك في ذلك عتب، ولا سمة تقصير إنما عليك البلاغ، وقد فعلت ذلك ثم ذمهم الله تعالى بقوله {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال السدي: نعمة الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أنكروه وكذبوه. وقيل: نعمة الله هي الإسلام لأنه من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، ثم إن كفار مكة أنكروه وجحدوه، وقال مجاهد وقتادة: نعمة الله ما عدد عليهم في هذه السورة من النعم يقرون بأنها من الله، ثم إذا قيل لهم: صدقوا وامتثلوا أمر الله فيها ينكرونها ويقولون ورثناها عن آبائنا. وقال الكلبي: إنه لما ذكر هذه النعم قالوا: هذه نعم كلها من الله تعالى لكنهم بشفاعة آلهتنا وقيل هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا ولولا فلان لما كان كذا وقيل إنهم يعترفون بأن الله أنعم بهذه النعم، ولكنهم لا يستعملونها في طلب رضوانه ولا يشكرونه عليها {وأكثرهم الكافرون} إنما قال الله سبحانه وتعالى أكثرهم الكافرون مع أنهم كانوا كلهم كافرين، لأنه كان فيهم من لم يبلغ بعد حد التكليف فعبر بالأكثر عن البالغين، وقيل: أراد بالأكثر الكافرين الحاضرين المعاندين، وقد كان فيهم من ليس بمعاند وإن كان كافراً وقيل إنه عبر بالأكثر عن الكل لأنه قد يذكر الأكثر، ويراد به الجمع قوله سبحانه وتعالى {ويوم نبعث من كل أمة شهيداً} لما ذكر الله سبحانه وتعالى نعمه على الكافرين وإنكارهم لها، وذكر أن أكثرهم كافرون، أتبعه بذكر الوعيد لهم في الآخرة فقال تعالى: {ويوم نبعث من كل أمة شهيداً} يعني رسولاً وذلك اليوم، هو يوم القيامة والمراد بالشهداء: الأنبياء يشهدون على أممهم بإنكار نعم الله عليهم وبالكفر {ثم لا يؤذن للذين كفروا} يعني في الاعتذار وقيل لا يؤذن لهم في الكلام أصلاً. وقيل لا يؤذن لهم بالرجوع إلى دار الدنيا فيعتذروا ويتوبوا وقيل: لا يؤذن لهم في معارضة الشهود بل يشهدون عليهم ويقرونهم على ذلك {ولا هم يستعتبون} الاستعتاب: طلب العتاب، والمعتبة: هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه وإذ لم يطلب العتاب منه دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، ومعنى الآية: أنهم لا يكلفون أن يرضوا ربهم في ذلك اليوم، لأن الآخرة ليست دار غضبه عليه، ومعنى الآية أنهم لا يكلفون أن يرضوا ربهم في ذلك اليوم لأن الآخرة ليست دار تكليف ولا يرجعون إلى الدنيا فيتوبوا ويرجعوا يرضوا ربهم فالاستعتاب: التعرض لطلب الرضا، وهذا باب مسند على الكفار في الآخرة {وإذا رأى الذين ظلموا} يعني ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي {العذاب} يعني عذاب جهنم {فلا يخفف عنهم} يعني العذاب {ولا هم ينظرون} يعني لا يؤخرون ولايمهلون {وإذا رأى الذين أشركوا} يعني يوم القيامة {شركاءهم} يعني أصنامهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك} يعني أرباباً وكنا نعبدهم ونتخذهم آلهة {فألقوا} يعني الأصنام {إليهم} يعني إلى عابديها {القول إنكم لكاذبون} يعني أن الأصنام قالت للكفار: إنكم لكاذبون يعني في تسميتنا آلهة وما دعوناكم إلى عبادتنا. فإن قلت: الأصنام جماد لا تتكلم فكيف يصح منها الكلام؟. قلت: لا يبعد أن الله سبحانه وتعالى لما بعثها، وأعادها في الآخرة، خلق فيها الحياة والنطق والعقل حتى قالت ذلك. والمقصود من إعادتها وبعثها، أن تكذب الكفار ويراها الكفار وهي في غاية الذلة والحقارة، فيزدادون بذلك غماً وحسرة {وألقوا} يعني المشركين {إلى الله يؤمئذ السلم} يعني أنهم استسلموا له، وانقادوا لحكمه فيهم ولم تغن عنهم آلهتهم شيئاً {وضل عنهم} يعني وزال عن المشركين {ما كانوا يفترون} يعني ما كانوا يكذبون في الدنيا في قولهم، إن الأصنام تشفع لهم {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} يعني ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس عن الدخول في الإيمان بالله ورسوله {زدناهم عذاباً فوق العذاب} يعني زدناهم هذه الزيادة بسبب صدهم عن سبيل الله مع ما يستحقونه من العذاب على كفرهم الأصلي، واختلفوا في هذه الزيادة ما هي فقال عبد الله بن مسعود: عقارب لها أنياب، كأمثال النخل الطوال. وقال سعيد بن جبير: حيات كالبخت وعقارب أمثال البغال، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفاً. وقال ابن عباس ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار، وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها وقيل: يضاعف لهم العذاب ضعفاً بسبب كفرهم وضعفاً بسبب صدهم الناس عن سبيل الله {بما كانوا يفسدون} يعني أن الزيادة إنما حصلت لهم بسبب صدهم عن سبيل الله، وبسبب ما كانوا يفسدون مع ما يستحقونه من العذاب على الكفر.
السيوطي
تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} قال: من الشجر ومن غيرها {وجعل لكم من الجبال أكناناً} قال: غارات يسكن فيها. {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} من القطن والكتان والصوف {وسرابيل تقيكم بأسكم} من الحديد {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الكسائي، عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر وعاصم، أنهم قرأوا {لعلكم تسلمون} برفع التاء من أسلمت. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {سرابيل تقيكم الحر} قال: يعني الثياب {وسرابيل تقيكم بأسكم} قال: يعني الدروع والسلاح {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} يعني من الجراحات. وكان ابن عباس يقرؤها {تسلمون}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟ فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} قال: الأعرابي نعم، قال: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها} قال: الأعرابي نعم ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول نعم، حتى بلغ {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} فولى الأعرابي، فأنزل الله {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال: هي المساكن والأنعام وما ترزقون منها، وسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في الآية قال: يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم، بعدما أعطاهم يكفرون، فهو معرفهم نعمته، ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عون بن عبد الله في قوله: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال: انكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال محمد: - صلى الله عليه وسلم - ولفظ ابن أبي حاتم قال: هذا في حديث أبي جهل والأخنس، حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد: فقال: هو نبي.
ابو السعود
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ} من غير صنعٍ من قِبلكم {ظِلَـٰلاً} أشياءَ تستظلون بها من الحر كالغمام والشجرِ والجبل وغيرها. امتنّ سبحانه بذلك لِما أن تلك الديارَ غالبةُ الحرارة {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً} مواضعَ تسكنون فيها من الكهوف والغِيران والسُّروب، والكلام في الترتيب الواقع بـين المفاعيل كالذي مرَّ غير مرة. {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} جمع سِربال وهو كل ما يُلبس، أي جعل لكم ثياباً من القُطن والكَتان والصوف وغيرها {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} خصّه بالذكر اكتفاءً بذكر أحد الضدّين عن ذكر الآخر أو لأن وقايتَه هي الأهم عندهم لما مر آنفاً {وَسَرٰبِيلَ} من الدروع والجواشن {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} أي البأسَ الذي يصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الضرب والطعن، ولقد منّ الله سبحانه علينا حيث ذكر جميعَ نعمِه الفائضةِ على جميع الطوائف فبدأ بما يخُص المقيمين حيث قال: { أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} تفسير : [النحل، الآية 80] ثم بما يخص المسافرين ممن لهم قدرةٌ على الخيام وأضرابِها حيث قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ} الخ، ثم بما يعم من لا يقدر على ذلك ولا يأويه إلا الظلالُ حيث قال: {وَجَعَلَ لَكُمُ مّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً} الخ، ثم بما لا بد منه لأحد حيث قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} الخ، ثم بما لا غنى عنه في الحروب حيث قال: {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} ثم قال: {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الإتمامِ البالغِ {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي إرادةَ أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم الظاهرةِ والباطنةِ والأنفسيةِ والآفاقية فتعرِفوا حقَّ مُنعمِها فتؤمنوا به وحده وتذروا ما كنتم به تشركون وتنقادوا لأمره، وإفرادُ النعمة إما لأن المرادَ بها المصدرُ أو لإظهار أن ذلك بالنسبة إلى جانب الكبرياءِ شيءٌ قليل، وقرىء تَسلمون أي تسلمون من العذاب أو من الشرك، وقيل: من الجراح بلبس الدروع. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} فعل ماض على طريقة الالتفات، وصرفُ الخطابِ عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليةٌ له أي فإن أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا منك ما ألقيَ إليهم من البـينات والعِبر والعظات {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي البلاغُ الموضح أو الواضح وقد فعلتَه بما لا مزيد عليه فهو من باب وضعِ السببِ موضعَ المسبب.
القشيري
تفسير : في الظاهر جعل لكم من الأشجار والسقوف ونحوها ظلالاً... كذلك جعل في ظل عنايته لأوليائه مثوًى وقراراً. وكما سَتَرَ ظواهركم بسرابيل تقيكم الحرَّ وسرابيل تقيكم بأس عدوكم - كذلك ألبس سرائركم لباساً يلفكم به في السراء والضراء، ولباسَ العصمة يحميكم من مخالفته، وأظلكم بظلال التوفيق مما يحملكم على ملازمة عبادته، وكساكم بحُلَلِ الوصل مما يؤهلكم لقربته وصحبته. قوله: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ...}، إتمام النعمة بأن تكون عاقبتُهم مختومة بالخير، ويكفيهم أمورَ الدين والدنيا، ويصونهم عن اتباع الهوى، ويُسَدِّدُهم حتى يؤثروا ما يوجِبُ من الله الرضاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} يعنى ظلال اوليائه فيشتغل بها المريدون من === الهجران وياوون اليها من قهر الطغيان وشياطين الانس والجان لانهم ظلال الله فى ارضه لقوله عليه السّلام السلطان ظل الله فى الارض ويانى اليكم مظلوم {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} اكناف الجبال قلوب اكابر المعرفة وظلال اهل السعادة من اهل المحبة يسكنون فيها المنقطعون الى الله {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} جعل العارفين سرابيل روح الانس لئلا يحترقوا بنيران القدس {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} سرابيل المعرفة واسلحة المحبة لتدفعوا بها محاربة النفوس والشياطين ثم زاد نعمته ومنته عليهم بقوله {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} نعمة وقايته ورعايته وقاهم من هجرانه ورعاهم بلطفه عن قهره {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} تنقادون لامره فى العبودية وتتواضعون لربوبيته قال الاستاد جعل ايواءً لاوليائه فى ظل عنايته مثوى وقرارًا والبسهم فى سرايرهم لباسا يكفيهم به الشر والضر ضمن لباس العصمة ليحميهم به عن مخالفته ومن صدر التوفيق يحملهم به على ملازمة عبادته ومن خلة الوصلة يوهلهم بها لاقربة وصحبته وكذلك يتم نعمته عليكم اتمام النعمة ان يكون عاقبتهم محتومة بالحسنى ويكفيهم امور الدين والدنيا ويصونهم عن اتباع الهوى ويسدّدهم حتى يوثروا ما يوجب لهم من الله الرضا قال بعضهم تمام النعمة ان يرزق العبد الرضا بمحادى القضاء قال ابن عطا اتمام النعمة هو الانقطاع عن النعمة بالسّكون الى المنعم قال حمدون تمام النعمة فى الدّنيا المعرفة وفى الآخرة الروية قال ابو محمد الحريرى تمام النعمة حفظ القلب من الشرك الخفى وسلامة النفس من الرياء والسمعة ثم وصف المخالفين للطريقة المثلى بقوله {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} يعرفون اولياء الله بالبراهين الساطعة والآيات الواضحة والفراسات الصادقة ولكن لم يعرفوهم بحقيقة المعرفة من حيث التوفيق والسعادة وينكرونهم حسدا وبغيا وعدوانا وظلما وطلبا للرياسة والجاه واكثرهم الكافرون يسترون ولاية اوليائه وآيات اصفيائه وفى الآية توبيخ علماء السوء وقرّاء المداهنين الذين وضعوا شبكة الرياء والسمعة ليصطادوا بها الجهال ويوبخوا عندهم احباء الله لينصرفوا وجوه الناس اليهم يخونون الله والله لا يهدى كيد الخائنين يعلمون الحق وينكرونه واى شقى اشقى ممن راى منهم الف كرامة صادقة ثم يشترون بها وبانكارها رياسة الدنيا من العامة قال بعضهم يتقلبون فى نعمة ولا يوفقون لشكرها قال النصرابادى معرفة النعمة حسن ومعرفة المنعم احسن ومعرفة النعمة ربما يتولد منه الانكار ومعرفة المنعم لا يتولد منه الا صحة الاستقامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والله جعل لكم مما خلق} من غير صنع من قبلكم {ظلالا} جمع ظل وهو ما يستظل به اى اشياء تستظلون بها من الحر كالغمام والشجر والجبل وغيرها امتنّ سبحانه بذلك لما ان تلك الديار غالبة الحرارة {وجعل لكم من الجبال اكنانا}[بوششها] جمع كن وهو ما يستكن فيه اى مواضع تسكنون فيها من الكهوف والغيران والسروب. قال عطاء انما انزل القرآن على قدر معرفتهم ألا ترى انه تعالى قال {وجعل لكم من الجبال اكنانا} وما جعل من السهولة اعظم منه ولكنهم كانوا اصحاب جبال {وجعل لكم سرابيل} جمع سربال وهو كل ما يلبس اى جعل لكم ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها {تقيكم الحر} [نكاه ميدارد شمارا ازضرر كرما] ولم يذكر البرد لدلالته عليه لانه نقيضه اولان وقايته هى الاهم عندهم لكون البرد يسيرا محتملا بخلاف الديار الرومية فانها غالبة البرودة ولذا قيل الحر يؤذى الرجل والبرد يقتله. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره برد الربيع غير مضر لكن هذا فى ديار العرب فان فى برد تلك الديار اعتدالا بخلاف ديارنا وفى الحديث "حديث : اغتمنوا برد الربيع فانه يعمل بابدانكم كما يعمل باشجاركم واجتنبوا برد الخريف فانه يعمل بابدانكم كما يعمل باشجاركم"تفسير : وفى المثنوى. شعر : آن خزان نزد خدا نفس وهواست عقل وجان عين بهارست وبقاست مر ترا عقلست جزؤى درنهان كامل العقلى بجو اندر جهان جزؤ تو از كل اوكلى شود عقل كل بر نفس جون غلى شود بس بتأويل اين بود كانفاس باك جون بهارست وحيات برك تاك از حديث اوليا نرم ودرشت تن مبوشان زانكه دينت راست بشت كرم كويد سرد كويد خوش بكير تاز كرم وسرد بجهى واز سعير كرم وسردش نوبهار زند كيست مايه صدق ويقين بند كيست زانكه زان بستان جانها زنده است زين جواهر بحردل آكنده است تفسير : {وسرابيل} ودروعا من الحديد {تقيكم بأسكم} اى البأس والالم الذى يصل الى بعضكم من بعض فى الحرب من الضرب والطعن. والبأس الشدة فى الحرب والقتل والجراحة كما فى ا لتبيان واول من عمل الدرع داود عليه السلام فان الله تعالى ألان له الحديد كالشمع كما قال {أية : وألنا له الحديد}تفسير : وصحب لقمان داود شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما اتمها لبسها وقال نعم لبس الحرب انت شعر : جو لقمان ديد كاندر دست داود همى آهن بمعجز موم كردد نه برسيدش جه ميسازى كه دانس كه بى برسيدنش معلوم كردد تفسير : {كذلك} كاتمام هذه النعم التى تقدمت {يتم نعمته عليكم} يا معشر قريش {لعلكم تسلمون} الاسلام ههنا بمعنى الاستسلام والانقياد وضع موضع سببه وهو تنظرون وتتفكرون اى ارادة ان تنظروا فيما اسبغ عليكم من النعم الظاهرة والباطنة والانفسية والآفاقية فتعرفوا حق منعمهما فتؤمنوا به وحده وتذروا ما كنتم به تشركون وتنقادوا لامره.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ} من الشّجر والجبال والجدران {ظِلاَلاً} ما تستظلّون به {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} ما تستترون فيه من الغيران او ما تنحتون فيها {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} ثياباً فان السّربال يستعمل فى كلّ ملبوسٍ، والمراد بالاثاث والمتاع غير الثّياب، او المراد بالسّرابيل غير ما يكون من الصّوف والوبر والشّعر والجلود، او يكون تعميماً بعد تخصيص من وجه كما يكون تخصيصاً بعد تعميمٍ من وجهٍ آخر {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} اى والبرد اسقطه واكتفى بذكر الحرّ لعدم الاحتياج الى ذكره لوضوحه بقرينة المضادّة وانّ الحاجة الى اللّباس فى البرد اشدّ منه فى الحرّ وللاهتمام بالحفظ من الحرّ فى بلاد العرب {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} كالدّروع ولمّا كان تعداد النّعم الصّوريّة الجسمانيّة مقدّمة لتفهيم النّعم الاخرويّة الرّوحيّة وهى ارسال الرّسل لتبليغ الولاية واعداد الخلق لقبولها والسّير على طريقها وانّ المنعم لم يدع عالم الاجسام غير مهيّاة له اسباب قوامه وبقائه فكيف يدع عالم الارواح والجهة الرّوحانيّة فى الانسان غير مهيّاة له اسباب كما له وبقائه، وانّ عمدة اسباب كماله وبقائه ارسال الرّسل للانذار من الرّكون الى الاجسام والدّلالة على طريق الولاية وفتح باب القلب وايلاء الولاة لتعليم طريق الولاية وتلقين ما يفتح به باب القلب بعد انقضاء ايّام الرّسالة، عقّب المذكورات من النّعم المعدودة بقوله {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} يعنى مثل اتمام النّعم الجمسانيّة الصّوريّة المختلطة بالآلام والاسقام والمتاعب والمشاقّ يتمّ نعمته الحقيقيّة الّتى هى حاصلة ارسال الرّسل وغايته وهى الولاية ولا يهملكم فى تلك الجهة من غير تهيّة اسباب كما لكم وبقائكم فيها {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} تنقادون.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ} من شجر وجبال وأبنية وسحاب وغير ذلك كغيران فى الأَرض {ظِلالاً} تتقون بها حر الشمس وهى جمع ظل وما جعله يقى البرد أكثر وأعظم نفعاً لأن تحمل الحر أهون من تحمل البرد ولكنهم لما كانت أرضهم حارة خاطبهم بما يستظلون به عن الحر وكذا الكلام فى قوله بعد تقيكم الحر مع أنه يحتمل أنه لم يقل تقيكم الحر والبرد لذكر الوقاية عن البرد فى أوائل السورة إِذ قال لكم فيها دفءٌ فحذفه هنا لذكره وللعلم به وأنه يحتمل أن يكون المراد بحر أو برد بإِظلال ما يشرف عليك ويقيك ما يضرك من حر أو برد {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً} جمع كن وهو ما يختفى فيه من بيت منحوت فى جبل وغار والاكتنان بالبيوت المنحوتة فى الجبال وبالغيران والشجر ونحو ذلك يعرض للأَغنياء إِذا خرجوا بلا بيوت أو خرجوا بها ثم إِذ تفصلوا عنها ويطابق الفقراء الذين لا بيوت لهم {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} ثيابا من الصوف والكتان والقطن أو غير ذلك وهو جمع سربال وهو الثوب مطلقا من جبة أو قميص أو شملة أو سراويل وغير ذلك {تَقِيكُمُ} تمنعكم {الْحَرَّ} والبرد وتقدير فى البرد بيان للواقع واشتهر أنه من حذف العاطف والمعطوف فى النحو، وبحث فيه ابن هشام بأَن الحذف الذى يلزم للنحوى النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة وذلك أن يجد خبرا بدون المبتدأ أو بالعكس أو شرطاً دون جزاء أو بالعكس أو معطوفا دون معطوف عليه أو معمولا دون عامل نحو ليقولن الله ونحو قالوا خيرا ونحو خير عافاك الله وأما قولهم فى نحو سرابيل تقيكم الحر أن التقدير والبرد وفى تلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إِسرائيل أن التقدير ولم تعبدنى ففضول فى علم النحو وإِنما ذلك للمفسر انتهى. وخص الحر بالذكر لما مر أو لأَن وقاية الحر كانت عندهم أهم لأَن بلاد الحجاز حارة وما يهمهم البرد لكونه يسيرا يحتملونه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لبس ثوباً جديداً فقال الحمد لله الذى كسانى ما أُوارى به عورتى وأتجمل به فى حياتى ثم عمد إِلى الثوب الذى خلق فتصدق به، كان فى كنف الله وفى حفظ الله وفى ستر الله حيا وميتا" تفسير : رواه الترمذى عن عمر رضى الله عنه وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : ما اشترى عبد ثوبا بدينار أو نصف دينار فحمد الله عليه إِلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له"تفسير : ، رواه الحاكم عن عائشة {وَسَرَابِيلَ} دروعاً من حديد وما يلبس للحرب {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} حربكم أو أن يصيبكم السلاح {كَذَلِكَ} أى كإِتمام هذه النعم التى تقدمت أو كما خلق هذه النعم {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أى يتم نعمته عليكم كما رأيتم أو يتم عليكم نعمته بالدين والإِتمام هو بعثه محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر بالدين {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} تؤمِنُون إِذا نظرتم فى النعم وفيما يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو تنقادون لحكمه وتخلصون العبادة والأُلوهية لله سبحانه وتعالى والخطاب لأَهل مكة والمضارع فى يتم نعمته للحال وتسلمون للاستقبال. وقرأ ابن عباس تسلمون بفتح التاء واللام من السلامة أى تنجون من العذاب إِذا شكرتم وآمنتم أو من الشرك أو تنجون من الجراح بلبس السرابيل التى هى الدروع فى الحرب. وهو المروى عن ابن عباس.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ} من الشجر والجبال والأبنية والسحاب وغيرها. {ظِلاَلاً} من شدة الحر، وبلاد العرب حارة، والفقير يستظل بذلك وللغنى بما يستصحبه معه، وبذلك أيضا إن شاء وقد يراد الاستظلال ولو من البرد. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} جمع كِنّ بمعنى الستر، وهو النّار خافه الله أو البيت البيت بنحته الإنسان وذلك وقاية من الحر والبرد والعدو، وللسكنى وأعاد جعل لتجدد النعمة. {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} ثيابا من نبات الأنعام والصوف والكتان، والقطن للرجال وللنساء، والحرير لهن، ومر أن العرب لا يألفون الكتان والقطن، والصواب أنهم يستعملونها لباسا لا بيوتا. {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أى البرد وخصه لأنه الغالب فى بلاد العرب، وكفايته أم كما ان المطلوب الخير، فاقتصر عليه فى قوله عز وجل: "أية : بيدك الخير"تفسير : [آل عمران: 26] أو لذكر البرد فى قوله: "أية : لكم فيها دفء"تفسير : [النحل: 5] لا لكون ما بقى الحر بقى البرد ولو لبس إنسان فى الشتاء لباس الصيف أو بالعكس كان ضحكة، والحر يتقى بلباس رقيق، ولو تعرى للشمس لكان الضرر عليه خفيفا، وقد يقال ذكر الدفء هنالك باعتبار زمان البرد والحر هنا لأهمية زواله. {وَسَرَابِيلَ تَقِيكمْ بَأسَكُمْ} شر حربكم، وهى الدروع، ولباس الرأس المستعمل فى الحرب، ويسمى البيضة، ويطلق أيضا على ما يمسك فى اليد اتقاء به، كالترس، واللباس نفس الضر، وإن قلنا: الحرب قدر مضاف أى ضر بأسكم. {كَذَلِكَ} كما علق لكم هذه الأشياء فيما مضى، وهى نعم عظيمة، أو كما أتمها عليكم. {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ} سائر نعمه {عَلَيْكُمْ} بخلقها لكم، فيما يحضر ويستقبل كما أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقى، أو أريد بإتمام سائر النعم تجددها نطقا فى الماضى والحال والاستقبال، والمراد بالنعمة الجنس أوالمراد ما ذكر من النعم، يذكر الله عز وجل شيئا، ويشير إلى فعله، لأنه غير وصفه تطعم سائلا، وتقول له: كذلك أطعمته تذكره وصف الفعل أو أفرده، لأنه عظيم الجود كل كثير عندى قليل أو لأنه مصدر. {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} توحدون يا أهل مكة، أو تذعنون للتوحيد والعمل بالتأمل فى نعمه.
الالوسي
تفسير : / {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ} من غير صنع منكم {ظِلَـٰلاً} أشياء تستظلون بها من الغمام والشجر والجبال وغيرها وهو الذي يقتضيه الظاهر وروي ذلك عن قتادة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد الاقتصار على الغمام، وعن الزجاج وقتادة أيضاً الاقتصار على الشجر، وعن ابن قتيبة الاقتصار على الشجر والجبال ولعل كل ذلك من باب التمثيل، وعن ابن السائب أن المراد ظلال البيوت وهو كما ترى، ومن سبحانه بما ذكر لأن تلك الديار كانت غالبة الحرارة {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً} مواضع تستكنون فيها من الغيران ونحوها، والواحد كن وأصله السترة من أكنه وكنه أي ستره ويجمع على أكنان وأكنة. {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} جمع سربال وهو كل ما يلبس أي جعل لكم لباساً من القطن والكتان والصوف وغيرها {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} خصه بالذكر كما قال المبرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر أعني البرد، ولم يخص هو بالذكر اكتفاء لأن وقاية الحر أهم عندهم لما مر آنفاً. وقال بعضهم: من الرأس خص الحر بالذكر لأن وقايته أهم. وتعقب دعوى الأهمية بأنه يبعدها ذكر وقاية البرد سابقاً في قوله تعالى: {أية : لَكُمْ فِيهَا دِفْء } تفسير : [النحل: 5] ثم قيل: وهذا وجه الاقتصار على الحر هنا لتقدم ذكر خلافه ثمت. واعترض بأنا لا نسلم أن إثبات الدفء هناك يبعد دعوى الأهمية بل في تغاير الأسلوبين ما يشعر بهذه الأهمية، وقال الزجاج: خص الحر بالذكر لأن ما يقي من الحر يقي من البرد، وذكر ذلك الزمخشري بعد ذكر الأهمية، وقال في «الكشف»: هو الوجه، وتخصيص الحر بالذكر لما قدمه في الوجه الأول يعني الأهمية، وما قيل: من أولوية الأول لقوله تعالى: {مّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً} فليس بشيء لأنه تعالى عقبه بقوله سبحانه: {مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً} كيف وهو في مقام الاستيعاب اهـ، وصاحب القيل هو ابن المنير، وقد اعترض أيضاً على قوله: إن ما يقي من الحر يقي من البرد بأنه خلاف المعروف فإن المعروف أن وقاية الحر رقيق القمصان ورفيعها ووقاية البرد ضده ولو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين القيظ والشتاء لباس الآخر لعد من الثقلاء اهـ فتدبر. {وَسَرٰبِيلَ} من الجواشن والدروع {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} أي البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحروب من الضرب والطعن، وقال بعضهم: أصل البأس الشدة وأريد به هنا الحرب، والكلام على حذف مضاف أي أذى بأسكم وعلى الأول لا حاجة إليه وقد رجح لذلك. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الإتمام للنعمة في الماضي {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} في المستقبل، ومن هنا قيل:شعر : كما أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي تفسير : أو مثل هذا الإتمام البالغ يتم نعمته عليكم، وإفراد النعمة أما لأن المراد بها المصدر أو لإظهار أن ذلك بالنسبة إلى جناب الكبرياء شيء قليل. وقرأ ابن عباس {تتم} بتاء مفتوحة و {نعمته} بالرفع على الفاعلية وإسناد التمام إليها على الاتساع، وعنه أيضاً رضي الله تعالى عنه {نِعَمَهُ} بصيغة الجمع {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم فتعرفوا حق منعمها فتؤمنوا به تعالى وحده وتذروا ما كنتم به تشركون على أن الإسلام بمعناه المعروف أي رديف الإيمان، ويجوز أن يكون بمعناه اللغوي وهو الاستسلام والانقياد أي لعلكم تستسلمون له سبحانه وتنقادون لأمره عز وجل، وأياً ما كان فهو موضوع موضع سببه كما أشير إليه أو مكنى به عنه./ وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {تسلمون} بفتح التاء واللام من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك، وقيل: تسلمون من الجراح بلبس تلك السرابيل، ولا بأس أن يفسر ذلك بالسلامة من الآفات مطلقاً ليشمل آفة الحر والبرد، والأقرب إلى معنى قراءة الجمهور التفسير الثاني. هذا وفي بعض الآثار أن أعرابياً سمع قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } تفسير : [النحل: 80] إلى آخر الآيتين فقال عند كل نعمة: اللهم نعم فلما سمع قوله سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} اللهم هذا فلا فنزلت.
ابن عاشور
تفسير : عطف على أخواتها. والقول في نظم {والله جعل لكم} كالقول في نظائره المتقدّمة. وهذا امتنان بنعمة الإلهام إلى التوقّي من أضرار الحرّ والقُرّ في حالة الانتقال، أعقبت به المنّة بذلك في حال الإقامة والسكنى، وبنعمة خلق الأشياء التي يكون بها ذلك التوقّي باستعمال الموجود وصنع ما يحتاج إليه الإنسان من اللباس، إذ خلق الله الظّلال صالحة للتوقّي من حَرّ الشمس، وخلقَ الكهوف في الجبال ليمكن اللجأ إليها، وخلق مواد اللباس مع الإلهام إلى صناعة نسجها، وخلق الحديد لاتّخاذ الدروع للقتال. و(من) في {مما خلق} ابتدائية. والظلال تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل} تفسير : [سورة النحل: 48] آنفاً، لأن الظلال آثار حجب الأجسام ضوء الشمس من الوقوع على الأرض. والأكنان: جمع كِنّ بكسر الكاف وهو فعل بمعنى مفعول، أي مكنون فيه، وهي الغيران والكهوف. و(مِن) في قوله تعالى: {مما خلق}، و{من الجبال}، للتبعيض. كانوا يأوون إلى الكهوف في شدّة حرّ الهجير أو عند اشتداد المطر، كما ورد في حديث الثلاثة الذين سألوا الله بأفضل أعمالهم في «صحيح البخاري». والسّرابيل: جمع سربال، وهو القميص يقي الجسد حرّ الشمس، كما يقيه البرد. وخص الحرّ هنا لأنه أكثر أحوال بلاد المخاطبين في وقت نزولها، على أنه لما ذكر الدفء في قوله تعالى: {أية : والأنعام خلقها لكم فيها دفء} تفسير : [سورة النحل: 5] ذكر ضدّه هنا. والسّرابيل التي تقي البأس: هي دروع الحديد. ولها من أسماء القميص الدرع، والسّربال، والبدن. والبأس: الشدّة في الحرب. وإضافته إلى الضمير على معنى التوزيع، أي تقي بعضكم بأس بعض، كما فسر به قوله تعالى: {أية : ويذيق بعضكم بأس بعض} تفسير : [سورة الأنعام: 65]، وقال تعالى: {أية : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} تفسير : [سورة الحديد: 25]، وهو بأس السيوف، وقوله تعالى: {أية : وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من بأسكم } تفسير : [سورة الأنبياء: 80]. وجملة {كذلك يتم نعمته عليكم} تذييل لما ذكر من النّعم، والمشار إليه هو ما في النّعم المذكورة من الإتمام، أو إلى الإتمام المأخوذ من {يتم}. و (لعلّ) للرجاء، استعملت في معنى الرّغبة، أي رغبةً في أن تسلموا، أي تَتّبعوا دين الإسلام الذي يدعوكم إلى ما مآله شكر نعم الله تعالى. وتقدم تأويل معنى الرجاء في كلام الله تعالى من سورة البقرة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة منته على خلقه. بأنه جعل لهم سرابيل تقيهم الحر. أي والبرد. لأن ما يقي الحر من اللباس يقي البرد. والمراد بهذه السرابيل: القمصان ونحوها من ثياب القطن والكتان والصوف. وقد بين هذه النعمة الكبرى في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً }تفسير : [الأعراف: 26] الآية، وقوله: {يَا بَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] الآية. أي وتلك الزينة هي ما خلق الله لهم من اللباس الحسن. وقوله هنا {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} [النحل: 81] المراد بها الدروع ونحوها، مما يقي لابسه وقع السلاح، ويسلمه من بأسه. وقد بيّن أيضاً هذه النعمة الكبرى، واستحقاق من أنعم بها لأن يشكر له في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ }تفسير : [الأنبياء: 80]. وإطلاق السرابيل على الدروع ونحوها معروف. ومنه قول كعب بن زهير: شعر : شم العارنين أبطال لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 81- والله جعل لكم من الأشجار التى خلقها وغيرها ظلالا تقيكم شر الحر، وجعل لكم من الجبال كهوفاً ومغارات تسكنون فيها كالبيوت، وجعل لكم ثياباً من الصوف والقطن والكتان وغيرها تصونكم من حرارة الشمس، ودروعاً من الحديد تصونكم من قسوة حروب أعدائكم، كما جعل لكم هذه الأشياء، يتم عليكم نعمته بالدين القيم، لتنقادوا لأمره وتخلصوا عبادتكم له دون غيره. 82- فإن أعرض عنك - أيها النبى - الذين تدعوهم إلى الإسلام، فلا تبعة عليك فى إعراضهم، فليس عليك إلا التبليغ الواضح، وقد فعلت. 83- إن إعراض هؤلاء الكفار ليس لأنهم يجهلون أن الله - سبحانه - هو مصدر كل النعم عليهم، ولكنهم يعملون عمل من ينكرها حيث لم يشكروه عليها، وأكثرهم جمد على تقليد الآباء فى الكفر بالله، حتى كان أكثرهم هم الجاحدون. 84- وحذر - أيها النبى - كل كافر بربه مما سيحصل، يوم نبعث من كل أمة نبيا ليشهد لها أو عليها بما قابلت به رسول ربها، وإذا أراد الكافر منهم أن يعتذر لا يؤذن له فى الاعتذار، ولا يوجد لهم شفيع يمهد لشفاعته، بأن يطلب منهم الرجوع عن سبب غضب الله عليهم، لأن الآخرة ليست دار توبة. 85- وإذا رأى الذين ظلموا أنفسهم بالكفر عذاب جهنم، وطلبوا أن يخففه اللَّه عنهم، لا يُجاب لهم طلب، ولا يؤخرون عن دخول جهنم لحظة. 86- وإذا رأى الذين أشركوا آلهتهم التى عبدوها وزعموا أنها شركاء للَّه قالوا: يا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا نعبدهم مخطئين، فخفف عنا العذاب بإلقاء بعضه عليهم، فيجيبهم شركاؤهم قائلين: إنكم - أيها المشركون - لكاذبون فى دعواكم أننا شركاء، وأنكم عبدتمونا، إنما عبدتم أهواءكم ولسنا كما زعمتم شركاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ظِلاَلاً} {أَكْنَاناً} {سَرَابِيلَ} (81) - وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ مِمَّا خَلَقَ، مِنَ الشَّجَرِ وَالجِبَالِ، ظِلاَلاً يَفِيئُونَ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنَ الجِبَالِ كُهُوفاً يَسْتَكِنُّونَ فِيهَا، وَمَعَاقِلَ (أَكْنَاناً)، وَجَعَلَ لَهُمْ ثِيَاباً وَأَرْدِيَةً وَأَغْطِيَةً (سَرَابِيلَ) تَقِيهِمُ الحَرَّ (مِنَ القُطْنِ وَالصُّوفِ وَالكِتَّانِ ... وَغَيْرِهَا)، وَسَرَابِيلَ تَقِيهِمْ بَأْسَ الحَدِيدِ وَالسِّلاَحِ فِي الحَرْبِ وَالقِتَالِ، (هِيَ الدُّرُوعُ مِنَ الحَدِيدِ المُصَفَّحِ وَالزَّرَدِ وَالجُلُودِ وَغَيْرِها ..) وَهكَذا يَجْعَلُ اللهُ لَكُمْ مَا تَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أُمُورِكُمْ، وَمَا تَحتَاجُونَ إِلَيْهِ لِيَكُونَ عَوْناً عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَتُسْلِمُونَ إِلَيْهِ. الإِسْلاَمُ - اسْتِسْلاَمٌ وَسَكَنٌ وَرُكُونٌ. ظِلاَلاً - أَشْيَاءَ تَسْتَظِلُّونَ بِهَا. أَكْنَاناً - مَوَاضِعَ تَسْتَكِنُّونَ فِيهَا (كَالغِيرانِ). سَرَابِيلَ - مَلاَبِسَ أَوْ دُرُوعاً. تَقَيكُمْ بَأْسَكُمْ - تَقِيكُمُ الضَّرْبَ وَالطَّعْنَ أَثْنَاءَ القِتَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق سبحانه عن أصحاب البيوت الذين يناسبهم الاستقرار، ويجدون مُقوّمات الحياة، وتكلم عن أهل الترحال والتنقُّل وما يناسبهم من بيوت خفيفة يحملونها عند ترحالهم. ثم تحدث هنا عن هؤلاء الذين لا يملكون شيئاً، ولا حتى جلود الأنعام .. ماذا يفعل هؤلاء؟ الحق سبحانه جعل لهم الظل يستظِلّون به من وهج الشمس، وجعل لهم من الكهوف والسراديب في الجبال ما يأوون إليه ويسكنون فيه. وهكذا استوعبتْ الآيات جميع الحالات التي يمكن أن يكون عليها بشر، فقد نثر الحق سبحانه نعمه على الناس، بحيث يأخذ كل واحد منهم ما يناسبه من نعم الله. أما مَنْ لا يملك بيتاً يأويه، وليس عنده من الأنعام ما يتخذ من جلودها بيتاً، فقد جعل الله له الأشجار يستظل بها من حَرِّ الشمس، وجعل له كهوف الجبال تُكِنّه وتأويه. ونلاحظ هنا أن الآية ذكرتْ الظل الذي يقينا حَرَّ الشمس، ولم تذكر مثلاً البرد؛ ذلك لأن القرآن الكريم نزل بجزيرة العرب وهي بلاد حارة، وحاجتها إلى الظل أكثر من حاجتها إلى الدِّفء. وقوله: {ظِلاَلاً ..} [النحل: 81]. الظلال جمع ظِل، وهو الواقي من الشمس ومن إشعاعاتها، وقد يُوصَف الظل بأنه ظِل ظليل .. أي: الظل نفسه مُظلل، وهذا ما نراه في صناعة الخيام مَثلاً، حيث يجعلون لها سقفاً من طبقة واحدة تتلقّى حرارة الشمس، وإنْ حجبت أشعة الشمس فلا تحجب الحرارة، وهنا يلجأون إلى جَعْل السقف من طبقتين بينهما مسافة لتقليل حرارة الشمس. وهنا نقول: إن الظلّ نفسه مُظلّل، وكذلك الحال في ظِل الأشجار حيث يظلّل الورق بعضه بعضاً، فتشعر تحت ظِلّ الأشجار بجوٍّ لطيف بارد حيث يغطيك ظِلٌّ ظليل يحجب عنك ضوء الشمس، ويسمح بمرور الهواء فلا تشعر بالضيق. لذلك فالشاعر يقول في وصف روضة: شعر : وَقَانَا لَفْحَةَ الرمْضَاءِ وَادٍٍ سَقَاهُ مضاعف الغيْثِ العَمِيمِ يَصُدُّ الشمسَ أَنَّى وَاجهتْنا فَيحجُبها وَيأذنُ للنسِيمِ تفسير : وهكذا الأشجار تحجب عنا الضارّ، وتسمح بالنافع. وقوله: {أَكْنَاناً ..} [النحل: 81]. جمع كِنْ، وهو الكهف أو المغارة في الجبل تكون سكناً وساتراً لمن يلجأ إليها ويحتمي بها، والكِنّ من الستر؛ لأنها تستر الناس ونحن نقول مثلاً للولد: انكنْ يعني: اسكُنْ وانستر. ويقول تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ..} [النحل: 81]. السرابيل: هي ما يُلبس من الثياب أو الدروع: {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ..} [النحل: 81]. أي: تحميكم من الحر .. فقال هنا الحر أيضاً؛ لذلك وجدنا بعض العلماء يحاول أن يجد مخرجاً لهذه الآية فقال: المعنى تقيكم الحر وتقيكم البرد، ففي الآية اكتفاءٌ بالحر عن البرد؛ لأن الشيء إذا جاء يأتي مقابله .. فليس بالضرورة ذِكر الحالتين، فإحداهما تعني الأخرى. هذا دفاع مشكور منهم، ومعنى مقبول حول هذه الآية .. لكن لو فَطنَّا إلى باقي الآيات التي تحدثتْ في هذا الموضوع لوجدناها: واحدة تتكلم عن الحر، وهي هذه الآية، وأخرى تتكلَّم عن البرد في قوله تعالى: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ..} تفسير : [النحل: 5]. أي: من جلود الأنعام وأصوافها نتخذ ما يقينا البرد، وما نستدفئ به .. وهكذا تتكامل الآيات وينسجم المعنى. والمتأمل في تدفئة الإنسان يجد أن ما يرتديه من ملبوسات لا يعطي للإنسان حرارة تُدفِئه، بل تحفظ للإنسان حرارة جسمه فقط، فحرارة الإنسان ذاتية من داخله، وبهذه الحرارة يحفظ الخالق سبحانه الإنسان. والأطباء يقولون: إن الجسم السليم حرارته 37 درجة لا تختلف إنْ عاش عند خط الاستواء أو عاش في بلاد الاسكيمو في القطب الشمالي، فهذه هي الحرارة العامة للجسم. في حين أن أجهزة الجسم المختلفة ربما اختلفتْ درجة حرارتها، كُلٌّ حَسب ما يناسبه: فالكبد مثلاً درجة حرارته 40 درجة، وتختلّ وظيفته إذا نقصت عن هذه الدرجة، في حين أن درجة حرارة جَفْن العين مثلاً 9، ولو ارتفعت درجة حرارتها تذوب حبّة العين، ويفقد الإنسان البصر .. فسبحان الله الذي حفظ حرارة هذه الأعضاء في الجسم لا يطغى أحدها على الآخر. لذلك حينما سافرنا إلى أمريكا، وفي إحدى مناطق البرودة الشديدة كانت أول نصائحهم لنا ألاَّ نمسك آذاننا بأيدينا .. لماذا؟ قالوا: لأن درجة حرارة اليد أقلّ من درجة حرارة الأذن، ووَضْع اليد الباردة على الأذن قد تُسبِّب كثيراً من الأضرار. إذن: كل ما نستخدمه من ملابس وأغطية تقينا برد الشتاء لا تعطينا حرارة، بل تحفظ علينا حرارتنا الطبيعية فلا تتسرب، وبذلك تتم التدفئة .. وتستطيع أنْ تضعَ يدك على فراشك قبل أن تنام فسوف تجده بارداً، أما في الصباح فتجده دافئاً .. فالفراش اكتسب الحرارة من حرارة جسمك، وليس العكس. وقوله: {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ..} [النحل: 81]. البأس هنا: أي الحرب، والسرابيل التي تقي من البأس هي الدروع التي يلبسها الجنود في الحرب لتقيهم الضربات. ولكن هذه الآية في سياق الحديث عن بعض نِعَم الله علينا في الاستقرار والسكن وما جعله لنا من بيوت وظلال .. حياة دَعَة وسلام ونعمة، فما الداعي لذكر الحرب هنا؟ ذلك لأن الحياةَ لها منطق سلامة للجميع، فإن اختلّ منطق السلامة فعلى الناس أنْ يقفوا في وجه مَنْ يُخِلّ بسلامة المجتمع .. وأن يكون على استعداد لذلك في كل وقت، لا بُدّ في وقت السِّلْم أنْ نَعُدَّ العُدّة للحرب؛ لذلك تحدث عن الحرب وعُدتها، وهو يتحدث عن السكون والاستقرار والنعمة. والحق سبحانه وتعالى حين يُنزِل الآيات البينات التي تحمل لنا منهج السماء يقول: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ..}تفسير : [الحديد: 25]. هذا هو المنهج الذي يعتمد على الحجة والإقناع .. فإن لم يصلح هذا المنهج لبعض الناس وتمردوا عليه أتى إذن دور القوة والقهر، يقول تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25]. وقوله: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ..} [النحل: 81]. كأن من تمام نعمة الله أنْ نحفظها ممنْ يُفسدها علينا، ونقف له بالمرصاد ونضرب على يده؛ لأنه لو تركنا هؤلاء المفسدين في مجتمعنا فسوف يُفسِدون علينا هذه النِّعم، وسنظل مُهددّين، لا نشعر بلذة الحياة ومُتعِها. إذن: لا تتم النعمة إلا بحفظ السلامة العامة للمجتمع. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81]. تُسلِمون: أي تُلْقون زمام الاستسلام إلى الله الذي أسلمتَ له، وأنت لاَ تُلقي زمامك إلا لمنْ تثق فيه .. والإنسان قد يُلقي زمامه في أمر لا يجيده إلى إنسان مثله يُجيد هذا الأمر، فإذا كنتَ في حاجات نفسك تُلقي زمامك لمن هو مثلك، ويساويك في قِلّة المعلومات، ويساويك في قِلّة الحكمة، ومع ذلك تُسلِم إليه أمرك لمجرد أنه يجيد شيئاً لا تجيده أنت، أفلا تُلقي زمامك وتُسلِم أمرك إلى ربك وخالقك، وخالق كُلِّ هذه النعم من أجلك؟ إذن: جاء ذِكْر هذه النعم، ثم الأمر بإسلام الوجه لله والتسليم له سبحانه حتى نُسلمَ عن يقين واقتناع، فالحق تبارك وتعالى ليس له مصلحة في طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، إنْ أطعناه فلن نزيد في مُلْكِه سبحانه، وإنْ عصيناه فلن ننقصَ من مُلْكه سبحانه. إذن: تسليمنا الأمر والزمام لله من مصلحتنا نحن .. فالإنسان حينما يُسلِم زمامه إلى غيره قد يكون للغير مصلحة تَلْوي رَأْيه في المسألة، إنما ربُّنا سبحانه حينما يُوجِّه إلينا حُكْماً فليس له مصلحة فيه فلا يُلْوَى، لا يكون إلاّ لصالحك. وبعد أنْ عدّد هذه النعم في الذات والمحيطات وفي السكن وفي الانطباعات. قال: إياك بعد ذلك أن تُسلِمَ زمامك لغيري، وإنْ أجريتُ عليك ما يُخرجك عن نفع السلامة؛ لأنني لا أجري عليك ما يُخرجك عن نفس السلامة إلا لغرض أسلم منه. لذلك نقول: لا عبادة كالتسليم؛ لأن التسليم لحُكْمِه تسليمٌ لحكيم، تسليمٌ لغير منتفع .. وما دُمْتَ قد سلمْتَ زمامك لربك عز وجل يُجلِّي لك الحكمة فيما جرى لك من الأحداث لتعلمَ رضاك عن حُكْمه لحكمته، فتقول: أنا رضيتُ بحكمك يا رب. ولذلك نقول في الدعاء: أحمدك على كُلِّ قضائك، وجميع قَدرِك حَمْد الرِّضا بحكمك لليقين بحكمتك. أي: لك حكمة يارب فيما أجريتَ عليَّ من أحداث، ولكني لا أراها. والذي يعلم مكانة التسليم لله تعالى فيما يُجرى عليه من أحداث وما يقع به من بلاء لا يضجر ولا يسخط؛ لأنه بذلك يُطيل على نفسه أمدَ القضاء؛ لأن الله لا يرفع قضاءه عن عبده حتى يرضى به، فالله تعالى لا مُجبر له. فإن أردت رَفْع القضاء فارْضَ به أولاً، وإذا لم يرفع عنك القضاء فاعلم أن مكان الرضى من نفسك لم يكُنْ مقبولاً، قد ترضى بلسانك ولكن قلبك لا يزال ساخطاً ضَجِراً. فالذي يُسلم زَمامه إلى الله ويردّ كل حدث وقع أو بلاء نزل بهِ يردُّه إلى الله، وإلى حكمة مُجريه، الله تعالى يقول له: لقد فهمتَ عني، ويرفع عنه البلاء. وفي مقام التسليم لله دائماً نذكر قصة سيدنا إبراهيم حينما أمره ربه بذبح ولده إسماعيل - عليهما السلام .. وهل هناك بلاء أكثر من أن يُبتلَى الرجل بذبح ولده الذي رُزِقه على كِبَر، ويذبحه هو بيده. إنه ابتلاء من مراتب مُتعدِّدة، ومن نَواحٍ مختلفة، وليْتَ الأمر بوحي ظاهر، ولكنه بمنام كان يستطيع أن يتأوَّل فيه، ولكن رؤيا الأنبياء حق. ونرى إبراهيم - عليه السلام - يقصُّ على ولده المسألة حِرْصاً عليه أنْ يتحوّل قلبه عن أبيه ساعةَ يأخذه ليذبحه، وأيضاً لكي يشاركه ولده في الرضا بقدر الله، ولا يحرم ثواب هذا الابتلاء .. فقال له: {أية : إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ..} تفسير : [الصافات: 102]. فليس الغرض هنا أنْ يزعجه أو يُخيفه، ولكن ليقول له: هذه مسألة تعبدية أمرنا بها الخالق سبحانه ليكون على بصيرة هو أيضاً، ولا يتغير قلبه على أبيه. ولذلك كان الولد حكيماً في الرد، فقال: {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ..} تفسير : [الصافات: 102]. ما دام الأمر من الله فافعل، وهكذا سلّم إسماعيلُ كما سلَّم إبراهيم، فقال تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} تفسير : [الصافات: 103]. أسلما: أي الأب والابن، ورَضيا بقضاء الله، جاء الفرج ورُفِع القضاء، فقد فهم كل منهما الأمر عن الله، فلم يرفع القضاء وفقط، بل وفديناه بذبح عظيم، ليس هذا وفقط، بل ومنّنا عليه بولد آخر: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ..} تفسير : [الصافات: 112]. إذن: لعلكم تُسْلِمون زمامكم إلى الله، وتعلمون أنه خلق لكم الكون قبل أن يُوجِدكم فيه، وأمدّكم بكل متطلبات الحياة ضماناً لبقاء حياتكم، وضماناً لبقاء نوعكم، ومتَّعكم هذه المتع. فالذي أنعم عليكم بهذا كله عن غير حاجة له عندكم جديرٌ أنْ تُسلِموا له زمام أمركم وتُسلموا له. ثم يقول الحق سبحانه: {فَإِن تَوَلَّوْاْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} معناه سِترٌ، واحدُها كِنٌّ. تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} معناه قُمصاناً {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} معناه دِرُوعٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 1508- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}: [الآية: 81]، قال: هو القطن والكتاب {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}: [الآية: 81]، قال: سَرابيلٌ منْ حَدِيدٍ. معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أية : دَخَلاً بَيْنَكُمْ}تفسير : : [الآية: 92]، قال: خيانة بينكُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):