١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان. {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا.
البيضاوي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا ولم يقبلوا منك. {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } فلا يضرك فإنما عليك البلاغ وقد بلغت، وهذا من إقامة السبب مقام المسبب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن الإِسلام {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ } يا محمد {ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ } الإبلاغ البيِّن وهذا قبل الأمر بالقتال.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية فيها موادعة نسختها آية السيف، والمعنى إن أعرضوا فلست بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم، وإنما عليك أن تبين وتبلغ أمر الله ونهيه، ثم قرعهم ووبخهم بأنهم يعرفون نعمة الله في هذه الأشياء المذكورة، ويقرون أنها من عنده ثم يكفرون به تعالى، وذلك فعل المنكر للنعمة الجاحد لها، هذا قول مجاهد، فسماهم منكرين للنعمة تجوزاً، إذ كانت لهم أفعال المنكر من الكفر برب النعمة وتشريكهم في النعمة الأوثان على وجه ما، وهو ما كانوا يعتقدون للأوثان من الأفعال من الضر والنفع، وقال السدي: "النعمة" هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفهم تعالى بأنهم يعرفون بمعجزاته وآيات نبوته وينكرون ذلك بالتكذيب، ورجحه الطبري، ثم حكم على أكثرهم بالكفر وهم أهل مكة، وذلك أنه كان فيهم من قد داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك، وقوله {ويوم نبعث} الآية وعيد، والتقدير واذكر يوم نبعث ويرد {شهيداً} على كفرهم وإِيمانهم، فـ "شهيد" بمعنى، شاهد وذكر الطبري أن المعنى ثم ينكرونها اليوم {ويوم نبعث من كل أمة شهيداً}، أي ينكرون كفرهم فيكذبهم الشهيد وقوله {ثم لا يؤذن} أي لا يؤذن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطن، لأن في القرآن أن {أية : كل نفس تأتي تجادل عن نفسها} تفسير : [النحل: 111] ويترتب أن تجيء كل نفس تجادل فإذا استقرتَ أقوالهم بعث الله الشهود من الأمم فتكذب الكفار، فلم يؤذن للمكذبين بعد في معذرة، و {يستعتبون} معناه يعتبون، يقال أعتبت الرجل إذا كفيته ما عتب فيه، كما تقول أشكيته إذا كفيته ما شكا، فكأنه قال ولا هم يكفون ما يعتبون فيه ويشق عليهم والعرب تقول استفعل بمعنى أفعل، تقول أدنيت الرجل واستدنيته وقال قوم معناه لا يسألون أن يرجعوا عما كانوا عليه في الدنيا. قال القاضي أبو محمد: فهذا استعتاب معناه طلب عتابهم، وقال الطبري معنى {يستعتبون} يعطون الرجوع إلى الدنيا فيقع منهم توبة عمل. وقوله {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب} الآية، أخبر الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفرة الظالمين في كفرهم إذا أراهم الله عذاب الله وشارَفُوها وتحققوا كنه شدتها، فإن ذلك الأمر الهائل الذي نزل بهم لا يخفف بوجه ولا يؤخر عنهم، وإنما مقصد الآية الفرق بين ما يحل بهم وبين رزايا الدنيا، فإن الإنسان لا يتوقع أمراً من خطوب الدنيا إلا وله طمع في أن يتأخر عنه وفي أن يجيئه في أخف ما يتوهم برجائه، وكذلك متى حل به كان طامعاً في أن يخف، وقد يقع ذلك في خطوب الدنيا كثيراً، فأخبر الله تعالى أن عذاب الآخرة إذا عاينه الكافر لا طماعية فيه بتخفيف ولا بتأخير.
البقاعي
تفسير : فلما صار هذا البيان، إلى أجلى من العيان، كان ربما وقع في الوهم أنهم إن لم يجيبوا لِحقَ الداعي بسبب إعراضهم حرج، فقال تعالى نافياً لذلك معرضاً عنهم بإعراض المغضب، مقبلاً عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إقبال المسلي، معبراً بصيغة التفعل المفهمة لأن الفطر الأولى داعية إلى الإقبال على الله فلا يعرض صاحبها عما يرضيه سبحانه إلا بنوع معالجة: {فإن تولوا} أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة الأهواء فلا تقصير عليك بسبب توليهم ولا حرج {فإنما} أي بسبب أنه إنما {عليك البلاغ المبين *} وليس عليك أن تردهم عن العناد، فكأنه قيل: فهل كان إعراضهم عن جهل أو عناد؟ فقيل فيهم وفيهم: {يعرفون} أي كلهم {نعمت الله} أي الملك الأعظم، التي تقدم عد بعضها في هذه السورة وغيرها {ثم ينكرونها} بعبادتهم غير المنعم بها أو بتكذيب الآتي بالتنبيه عليها، بعضهم لضعف معرفته، وبعضهم عناداً، وكان بعضهم يقول: هي من الله ولكن بشفاعة آلهتنا {وأكثرهم} أي المدعوين بالنسبة إلى جميع أهل الأرض الذين أدركتهم دعوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم {الكافرون *} أي المعاندون الراسخون في الكفر. ولما كان من أجل المقاصد بهذه الأساليب التخويف من البعث، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعراض عن البيان والإصرار على كفران المعروف من الإحسان إلا المجازاة لأن الحكيم يمهل ولا يهمل، قال تعالى: عاطفاً على ثمرة {فإنما عليك البلاغ المبين} وهي: فبلغهم وبين لهم ولا تيأس من رجوعهم: {ويوم} أي وخوفهم يوم {نبعث} بعد البعث {من كل أمة شهيداً} يحكم بقوله الملك إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان غنياً عن شهيد. ولما كان الإذن لهم في الاعتذار في بعض المواقف الطويلة في ذلك اليوم متعذراً، عبر عنه سبحانه بأداة البعد فقال تعالى: {ثم لا يؤذن} أي لا يقع إذن على تقدير من التقادير {للذين كفروا} أي بعد شهادة الشهداء في الاعتذار كما يؤذن في هذه الدار للمشهود عليه عند السؤال في الإعذار، لأنه لا عذر هناك في الحقيقة {ولا هم} أي خاصة {يستعتبون *} أي ولا يطلب منهم الإعتاب المؤثر للرضى وهو إزالة العتب وهو الموجدة المعبر بها عن الغضب المعبر به عن آثاره من السطوة والانتقام، وأخذ العذاب لأهل الإجرام من قبيح ما ارتكبوا، لأن تلك الدار ليست بدار تكليف؛ ثم وصل به أن ما يوجبه الغضب يدوم عليهم في ذلك اليوم، فقال تعالى عاطفاً على ما بعد "ثم": {وإذا رءا} وأظهر موضع الإضمار تعميماً فقال تعالى: {الذين ظلموا} فعبر بالوصف الموجب للعذاب {العذاب} بعد الموقف وشهادة الشهداء، وجزاء الشرط محذوف لدلالة ما قرن بالفاعلية تقديره: لابسهم {فلا يخفف} أي يحصل تخفيف بنوع من الأنواع ولا بأحد من الخلق {عنهم} شيء منه {ولا هم ينظرون *} بالتأخير ولا لحظة بوجه من الوجوه على تقدير من التقادير من أحد ما. ولما بين سبحانه حاصل أمرهم في البعث وما بعده، وما من أهم المهم أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يترجونهم، عطف على ذلك قوله تعالى: {وإذا رءا} أي بالعين يوم القيامة {الذين أشركوا} فأظهر أيضاً الوصف المناسب للمقام {شركاءهم} أي الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء {قالوا ربنا} يا من أحسن إلينا وربانا! {هؤلاء شركاؤنا} أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجب لضرهم؛ ثم بينوا المراد بقولهم: {الذين كنا ندعوا} أي نعبد. ولما كانت المراتب متكثرة دون رتبته سبحانه لأن علوه غير منحصر، أدخل الجار فقال تعالى: {من دونك} ليقربونا إليك، فأكرمنا لأجلهم جرياً على منهاجهم في الدنيا في الجهل والغباوة، فخاف الشركاء من عواقب هذا القول والإقرار عليه سطوات الغضب {فألقوا} أي الشركاء {إليهم} أي المشركين {القول} أي بادروا به حتى كان إسراعه إليهم إسراع شيء ثقيل يلقى من علو؛ وأكدوا قولهم لأنه مطاعنة لقول المشركين فقالوا: {إنكم لكاذبون *} في جعلنا شركاء وأنا نستحق العبادة أو نشفع أو يكون لنا أمر نستحق به أن نذكر {وألقوا} أي الشركاء {إلى الله} أي الملك الأعلى {يومئذ} أي يوم القيامة إذ نبعث من كل أمة شهيداً {السلم} أي الانقياد والاستسلام بما علم به الكفار أنهم من جملة العبيد لا أمر لهم أصلاً، فأصلد زندهم، وخاب قصدهم، وقيد بذلك اليوم لأنهم كانوا في الدنيا - بتزيين الشياطين لأمورهم ونطقهم على ألسنتهم - بحيث يظن عابدوهم أن لهم منعة، وبهم قوة ويجوز أن يكون ضمير "ألقوا" للمشركين {وضل عنهم} أي عن الكفار {ما كانوا} أي بجبلاتهم {يفترون *} أي يتعمدون من دعوى النفع لهم والضر كذباً وفجوراً، فكـأنه قيل: هذا للذين أشركوا، فما للذين كانوا دعاة إلى الشرك مانعين من الانتقال عنه؟ فقيل: {الذين كفروا} أي أوجدوا الكفر في أنفسهم {وصدوا} مع ذلك غيرهم {عن سبيل الله} أي الذي له الإحاطة كلها {زدناهم} أي بما لنا من العظمة، بصدهم غيرهم {عذاباً فوق العذاب} الذي استحقوه على مطلق الشرك {بما كانوا} أي كوناً جبلياً {يفسدون *} أي يوقعون الفساد ويجددونه؛ ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السالفة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم، فقال تعالى: {ويوم} أي وخوفهم يوم {نبعث} أي بما لنا من العظمة {في كل أمة} من الأمم {شهيداً} أي هو في أعلى رتب الشهادة {عليهم}. ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم إلا قليلاً، قال: {من أنفسهم} وهو نبيهم. ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا شهادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك، وإلى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفاً بهذه الصفة العلية فقال تعالى: {وجئنا} أي بما لنا من العظمة {بك شهيداً} أي شهادة هي مناسبة لعظمتنا {على هؤلاء} أي الذين بعثناك إليهم وهم أهل الأرض، وأكثرهم ليس من وقوعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك لم يقيد بعثته بشيء؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم، لأنه سبحانه أزاح العلل، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقال عاطفاً على قوله { وما أنزلنا عليك الكتاب} - الآية، المتعقب لقوله { لا جرم} - الآيتين: {ونزلنا} أي بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم {عليك الكتاب} الجامع للهدى {تبياناً} أي لأجل البيان التام، قالوا: وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء {لكل شيء} ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك، وهو في أعلى طبقات البيان كما أنه في أعلى طبقات البلاغة، لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر، في الإدراك، والنفس أشد تقبلاً له لما هو عليه من حسن النظام والقرب إلى الافهام، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان، وتقصير العرب عن جميع مقاصده كما قصروا عن درجته في البلاغة، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم لا إلى تقصير الكلام في البيان، ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات البلاغة ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها؛ قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهماً في كتابه ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، واحتج بآيات منها هذه، وذلك لأنه سبحانه بين فيه التوحيد والمبدأ والمعاد والأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام بالنص على بعضها، وبالإحالة على السنة في الآخر، وعلى الإجماع في نحو قوله تعالى{أية : ويتبع غير سبيل المؤمنين} تفسير : [ النساء: 115] وعلى الاقتداء بالخلفاء الراشدين في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" تفسير : وبالاقتداء بجميع أصحابه رضي الله عنهم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"تفسير : وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد ولم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة، فهو من دلائل النبوة في كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيداً لكونه ما أخبر عنهم إلا بما هم أهله. ولما كان لتبيان قد يكون للضلال، قال تعالى: {وهدى} أي موصلاً إلى المقصود. ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام، قال تعالى: {ورحمة} ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات السرور، قال سبحانه: {وبشرى} أي بشارة عظيمة جداً {للمسلمين} ويجوز أن يكون التقدير { في كل أمة شهيداً عليهم} وهو رسولهم الذي أرسلناه إليهم في الدنيا {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} لكوننا أرسلناك إليهم وجعلناك أميناً عليهم {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} فلا عذر لهم، فيكون معطوفاً على ما دل الكلام السابق دلالة واضحة على تقديره.
القشيري
تفسير : إذا بَلَّغْتَ الرسالة فما جعلنا إليك حكم الهداية والضلالة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان تولوا} فعل ماض اى فان اعرضوا عن الاسلام ولم يقبلوا منك ما القى اليهم من البينات والعبر والعظات وفى صيغة التفعل اشارة الى ان الفطرة الاولى داعية الى الاقبال على الله والاعراض لا يكون الا بنوع تكلف ومعالجة {فانما عليك البلاغ المبين} اى فلا قصور من جهتك لان وظيفتك هى البلاغ الموضح او الواضح وقد فعلته بما لا مزيد عليه فهو من باب وضع السبب موضع المسبب عكس لعلكم تسلمون: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : ما نصيحت بجاى خود كرديم روزكارى درين بسر برديم كر نيايد بكوش رغبت كس بر رسولان بيام باشد وبس تفسير : وقال شعر : بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكرهيج كس را نيايد بسند كه فردا بشيمان برآرد خروش كه اوخ جراحق نكردم بكوش تفسير : {يعرفون} اى بعض المشركين {نعمة الله} المعدودة فى هذه السورة ويعترفون انها من الله {ثم ينكرونها} فافعالهم حيث يعبدون غير منعما او بقولهم انها بشفاعة آلهتنا او بسبب كذا ومعنى ثم استبعاد الانكار بعد حصول المعرفه {واكثرهم الكافرون} اى المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر. وفى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية له عما كان يلحقه عند تولي الكفار عن الحق الذي يلزمهم، واعراضهم عن القبول منه {فإن تولوا} هؤلاء الكفار، وأعرضوا عنك فانه لا يلزمك تقصير من اجل ذلك، لان الذي يلزمك {البلاغ المبين} يعني الظاهر الذي يتمكنون معه من معرفته، وقد فعلته، وقد حذف جميع ذلك لدلالة الكلام عليه، ثم اخبر عنهم بأن قال هؤلاء الكفار {يعرفون نعمة الله} عليهم، مما يجدون من خلق نفوسهم، واقدارهم، واكمال عقولهم وما خلق الله من انواع المنافع، التي ينتفعون بها، ثم انهم مع ذلك ينكرون تلك النعم ان تكون من جهة الله ومنسوبة اليه، وينسبونها الى الاصنام ثم قال: {وأكثرهم الكافرون} وانما قال اكثرهم مع ان جميعهم كفار لامرين: احدهما - لأن فيهم من لقّنوه الكفر، ممن لم يبلغ حدّ التكليف لصغره، ولم تقم الحجة عليه، أو من هو ناقص العقل مأووف فلا يحكم عليهم بالكفر. الثاني - إِن منهم من ينكر النعمة، في حال لم يقم عليه حجة للشواغل في قلبه التي تلهيه عن تأمل امره، والفكر في حاله، فيكون في حال حكم الساهي والصبي، وإِن كان مكلفاً بغير ذلك من الامور، فلا يكون كافراً بالانكار في تلك الحال. وقال الجبائي: هو وإِن كان لفظاً خاصاً، فهو عام في المعنى. وقال الحسن: المعنى ان جميعهم الكافرون، وانما عزل البعض إِحتقاراً له أن يذكره. وفي الآية الثانية - دلالة على فساد مذهب المجبرة: من أنه ليس لله على الكافر نعمة، وقولهم: إِن جميع ما فعله بهم نقمة وخذلان، حتى ارتكبوا المعصية، لان الله تعالى قد بين خلاف ذلك نصاً في هذه الآية.
الجنابذي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} صرف الخطاب الى محمّدٍ (ص) يعنى ان تولّوا عن تلك النّعمة العظمى الّتى هى ولاية علىٍّ (ع) فلا بأس عليك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} وقد بلّغت وامّا الاقبال والتّولّى فليس عليك وفى الآية وجوه أخر بحسب مراتب النّعم الاخرويّة والدّنيويّة الجسمانيّة لكنّ المذكور هو خلاصة الكلّ وبتذكّر ما اسلفنا لكم مراراً يمكن التّفطن بها.
الأعقم
تفسير : {فإن تولوا} أعرضوا عن إجابتك {فإنما عليك البلاغ المبين} وقوله: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} بعبادة غيره وإضافتها إلى ما سواه جهلاً وتقليداً، وقيل: ينكرون تقليداً، وقيل: يعرفون محمداً وهو من نعم الله عليهم ثم ينكرونه بتكذيبه ويجحدوه، وقيل: ما عدد عليهم من النعم في هذه السورة، فينكرون ذلك ويزعمون أنها كانت لآبائهم ورثوها عنهم {ويوم نبعث} يعني يوم القيامة {من كل أمة شهيداً} عليهم من أنفسهم قيل: هم الرسل، وقيل: عدول المؤمنين {ثم لا يؤذن للذين كفروا}، قيل: لا يؤذن لهم في الاعتذار، وقيل: لا يسمع الاعتذار {ولا هم يستعتبون} ولا هم يُسترضون، أي لا يقال لهم ارضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل، يعني أنهم بعد شهادة الأنبياء (عليهم السلام) يمنعون الكلام في القاء المعذرة {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} يعني الذين أشركوا في العبادة وغيره، وقيل: وصفوا بالشريك كالنثوية وعبادة الأوثان وقوله: {شركاءهم}، قيل: أوثانهم التي يعبدوها وجعلوها شركاء في العبادة {قالوا} يعني العباد {ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فأَلقوا إليهم القول} يعني الأوثان وقد أحياهم الله وأنطقهم، وقالوا لهؤلاء المشركون: إنكم لكاذبون في قولكم بأنا دعوناكم إلى العبادة وألقوا إلى الله يومئذ {السلم} استسلموا لله تعالى بأنه الإِله المستحق للعبادة {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} أي يكذبون أنها تشفع لهم، قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} عن دينه وشرائعه وأحكامه {زدناهم عذاباً فوق العذاب} يعني عذاب كفرهم وعذاب صدهم، والمراد به الرؤساء والقادة ونظيره {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} تفسير : [العنكبوت: 13] وقيل: أراد تضعيف العذاب عليهم {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم}، قيل: برسلهم، وقيل: المؤمنين من كل أمة، وقيل: أراد بالشهداء هاهنا جوارحهم {وجئنا بك} يا محمد {شهيداً على هؤلاء} الذين بعثت اليهم، وقيل: على الأنبياء بأنهم بلغوا {ونزلنا عليك الكتاب} يعني القرآن {تبياناً لكل شيء} أي ليبين به كل شيء يحتاجون اليه من أمر دينهم {وهدى ورحمة وبُشْرى} وبشارة للمسلمين.
الهواري
تفسير : قوله: {فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ المُبِينُ}. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم. يقول: ليس عليك أن تهديهم؛ كقوله: (أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) تفسير : [البقرة:272]. قوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} أي: يعرفون ويقرّون أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وأنه هو الرزاق، ثم ينكرونها، أي: بتكذيبهم. قال مجاهد: يعني نعمة الله التي قصّ في هذه السورة. قال: {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} يعني جماعتهم كلهم. كقوله: (أية : يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) تفسير : [الشعراء:223]. أي: كلهم. قوله: { وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي: نبيّها يشهد عليهم أنه قد بلغهم. {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} هي مثل قوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي: بحجة. وهي مواطن، لا يؤذن لهم في موطن في الكلام، ويؤذن لهم في موطن. قوله: {وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذَابَ} يعني المشركين { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: سألوا الله أن يؤخرهم ويردهم إلى الدنيا حتى يتوبوا فلم ينظرهم، أي: لم يؤخرهم. { وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ} أي: إذا رأوا الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، أي: يعرف كل إنسان شيطانه {قَالُو رَبَّنَا} أي: يقول بنو آدم ربنا {هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا} يعني من إبليس {الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ} لأنهم هم الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان. قال الله: (أية : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) تفسير : [النساء: 117] {فَأَلْقَوا إِلَيْهِمُ القَوْلَ} أي: فألقى بنو آدم إلى بني إبليس القول فقالوا لهم: { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} أي: إنكم كذبتمونا في الدنيا وغررتمونا { وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} أي: أعطوا الإِسلام يومئذٍ واستسلموا له، أي: آمنوا بالله وكفروا بالشياطين والأوثان { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: عبادتهم إياهم في الدنيا افتراء على الله، وهو الكذب. وهو كقوله: (أية : ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا) تفسير : [غافر:73-74].
اطفيش
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْا} أعرضوا عن الإِيمان بك والنظر فى النعم والآيات والجواب محذوف أى فلا يضرك إِعراضهم أو توليتم. هو مسبب أُنيب عنه سببه وهو قوله عز وجل {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَّلاَغُ الْمُبِينُ} وهو علة لذلك الجواب أى لا يضرك لأَنه ليس عليك إِلا التبليغ فبلاغ اسم مصدر أو أن يبلغهم منك ما أمرت به فهو مصدر والمبين من إِبان اللازم أى البلاغ الواضح أو من إِبان المتعدى أى البلاغ الموضح لما أبهم عنهم قبل ذلك منسوخ بالقتال والظاهر أنه ليس المراد فيه النهى عن القتال فضلا عن أن ينسخ به بل المراد به أنك قد قضيت ما عليك فلا يلحقك من تقصيرهم شىء.
اطفيش
تفسير : {فَإِنْ تَوَلَّوْا} فعل ماض للغيبة، والواو لأهل مكة على طريق الالتفات إِليها من التكلم، أى فإن داموا، وليس مضارعا للخطاب، حذفت إحدى تاءيه أى فإن تقولوا عن الإسلام يا أهل مكة، لاستلزامه اجتماع خطابين متغايرين فى كلام واحد؛ أحدهما هذا والآخر قوله عز وجل: {فَإِنّمَا عَلَيْكَ} يا محمد {الْبَلاغُ الْمُبِينُ} إلا أن يقدر، فإن تولوا أى تولوا أهلكتم أنفسكم، ونجوت يا محمد، لأن عليك البلاغ المبين، وقد أنيت به، فهنا كلامان لا واحد، كما فى قوله تعالى: "أية : يوسف أَعْرِض عن هذا واستغفري لذنبك" تفسير : [يوسف: 29] وعلى المضى وهو الأصل، فقد ذكر السبب وهو البلاغ المبين، وأراد المسبب وهو النجاة، أى نجوت لأنه ما عليك إلخ، أو هلكوا وحدهم لأنه ما عليك إلخ، وقدر بعضهم: فإن تولوا فلست، قادراً على خلق الإيمان فى قلوبهم، وهو خال من الارتباط بالفاء، والفاء لا تناسبه إلا إن جعلت داخلة على هذا المحذوف، فيكون إنما عليك البلاغ مستأنفًا غير تعليل.
الالوسي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} فعل ماض على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وتوجيه الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له عليه الصلاة والسلام أي فإن داموا على التولي والإعراض وعدم قبول ما ألقي إليهم من البينات {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي فلا يضرك لأن وظيفتك هي البلاغ الموضح أو الواضح وقد فعلته بما لا مزيد عليه فهو من باب وضع السبب موضع المسبب، وقال ابن عطية: تقدير المعنى إن أعرضوا فلست بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم فإنما عليك البلاغ لا خلق الإيمان، وجوز أن يكون {تَوَلَّوْاْ} مضارعاً حذفت إحدى تاءيه وأصله تتولوا فلا التفات لكن قيل عليه: إنه لا يظهر حينئذ ارتباط الجزاء بالشرط إلا بتكلف ولذا لم يلتفت إليه بعض المحققين، وفي التعبير بصيغة التفعيل إشارة كما قيل إلى أن الفطرة الأولى داعية إلى الإقبال على الله تعالى والإعراض لا يكون إلا بنوع تكلف ومعالجة.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على جملة {أية : لعلكم تسلمون} تفسير : [سورة النحل: 81] وقع اعتراضاً بين جملة {أية : كذلك يتم نعمته عليكم} تفسير : [سورة النحل: 81] وجملة {أية : ويوم نبعث من كل أمة شهيداً} تفسير : [سورة النحل: 84]. وقد حوّل الخطاب عنهم إلى خطاب النبي وهو نوع من الالتفات فيه التفات من أسلوب إلى أسلوب والتفات عمّن كان الكلام موجّهاً إليه بتوجيه الكلام إلى شخص آخر. والمعنى: كذلك يتمّ نعمته عليكم لتسلموا فإن لم يُسلموا فإنما عليك البلاغ. والمقصود: تسلية النبي على عدم استجابتهم. والتولّي: الإعراض. وفعل {تولوا} هنا بصيغة الماضي، أي فإن أعرضوا عن الدعوة فلا تقصير منك ولا غضاضة عليك فإنك قد بلّغت البلاغ المبين للمحجّة. والقصر إضافي، أي ما عليك إلا البلاغ لا تقليب قلوبهم إلى الإسلام، أو لا تولى جزاءهم على الإعراض، بل علينا جزاؤهم كقوله تعالى: {أية : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} تفسير : [سورة الرعد: 40]. وجَعْل هذا جواباً لجملة {فإن تولوا} من إقامة السبب والعلّة مقام المسبّب والمعلُول: وتقدير الكلام: فإن تولّوا فلا تقصير ولا مؤاخذة عليك لأنك ما عليك إلا البلاغ. ونظير هذه قوله تعالى: {أية : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن تولّيتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} تفسير : [سورة المائدة: 92].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْبَلاَغُ} (82) - فَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى غَيِّهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ بَعْدَ أَنْ بَيَّنْتَ لَهُمْ وَوَضَّحْتَ، وَأَبْلَغْتَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ ... فَلاَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ، وَلاَ تُهْلِكَ نَفْسَكَ حُزْناً عَلَيْهِمْ، فَأَنْتَ مُكَلَّفٌ بِإِبْلاغِهِمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الحَقِّ وَالهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَقَدْ أَدَّيْتَ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: لا تحزن يا محمد إذا أعرض قومك، فلست مأموراً إلا بالبلاغ، ويخاطبه الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. أي: مهلكها. وقال تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 4]. لكن الدين لا يقوم على السيطرة على القالب، وفَرْق بين السيطرة على القالب والسيطرة على القلب، فيمكنك بمسدس في يدك أنْ تُرغمني على ما تريد، لكنك لا تستطيع أبداً أن تُرغم قلبي على شيء لا يؤمن به، والله يريد مِنّا القلوب لا القوالب، ولو أراد مِنّا القوالب لجعلها راغمة خاضعة لا يشذّ منها واحد عن مراده سبحانه. ولذلك حينما أرسل الله سليمان - عليه السلام - وجعله ملكاً رسولاً لم يقدر أحد أن يقف في وجهه، أو يعارضه لما له من السلطان والقوة إلى جانب الرسالة .. أمّا الأمر في دعوته صلى الله عليه وسلم فقائم على البلاغ فقط دون إجبار. وقوله: {ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [النحل: 82]. أي: البلاغ التام الكامل الذي يشمل كل جزئيات الحياة وحركاتها، فقد جاء المنهج الإلهي شاملاً للحياة بداية بقول: لا إله إلا الله حتى إماطة الأذى عن الطريق، فلم يترك شيئاً إلا حدّثنا فيه، فهذا بلاغ مبين محيط لمصالح الناس .. فلا يأتي الآن مَنْ يتمحّك ويقول: ربنا ترك كذا أو كذا .. فمنهج الله كامل، فلو لم تأخذوه ديناً لوجب عليكم أن تأخذوه نظاماً. ونرى الآن الأمم التي تُعادي الإسلام تتعرّض لمشاكل في حركة الحياة لا يجدون لها حَلاًّ في قوانينهم، فيضطرون لحلول أخرى تتوافق تماماً أو قريباً من حَلّ القرآن ومنهج الحق سبحانه وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):