Verse. 1984 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

يَعْرِفُوْنَ نِعْمَتَ اللہِ ثُمَّ يُنْكِرُوْنَہَا وَاَكْثَرُہُمُ الْكٰفِرُوْنَ۝۸۳ۧ
YaAArifoona niAAmata Allahi thumma yunkiroonaha waaktharuhumu alkafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يعرفون نعمة الله» أي يقرّون بأنها من عنده «ثم ينكرونها» بإشراكهم «وأكثرهم الكافرون».

83

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} قال السُّدِّي: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، أي يعرفون نبوّته {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} ويكذبونه. وقال مجاهد: يريد ما عدّد الله عليهم في هذه السورة من النعم؛ أي يعرفون أنها من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم. وبمثله قال قتادة. وقال عَوْن بن عبد الله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان ما أصبت كذا، وهم يعرفون النفع والضر من عند الله. وقال الكَلْبِيّ: هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرّفهم بهذه النعم كلها عرفوها وقالوا: نَعم، هي كلها نِعم من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقيل: يعرفون نعمة الله بتقلّبهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها. ويحتمل سادساً ـ يعرفونها في الشدّة وينكرونها في الرخاء. ويحتمل سابعاً ـ يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم. ويحتمل ثامناً ـ يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم؛ نظيرها {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} تفسير : [النمل: 14] {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} يعني جميعهم؛ حسبما تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } أي يعرف المشركون نعمة الله التي عددها عليهم وغيرها حيث يعترفون بها وبأنها من الله تعالى. {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا أو بأعراضهم عن أداء حقوقها. وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم عرفوها بالمعجزات ثم أنكروها عناداً ومعنى ثم استبعاد الإنكار بعد المعرفة. {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } الجاحدون عناداً، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان العقل أو التفريط في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف وإما لأنه يقام مقام الكل كما في قوله: {أية : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 75]

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } أي يُقِرّون بأنها من عنده {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بإشراكهم {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {نِعْمَتَ اللَّهِ} محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون نبوته ثم يكذبونه، أو نعمه المذكورة في هذه السورة ثم ينكرونها بقولهم: ورثناها عن آبائنا، أو إنكارها قولهم: لولا فلان لما أصبت كذا وكذا، أو معرفتهم: اعترافهم أن الله رزقهم وإنكارهم قولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا، قال الكلبي تسمى هذه السورة سورة النعم لتعديد النعم فيها. {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} أراد جميعهم، أو فيهم من حكم بكفره تبعاً كالصبيان والمجانين فذكر المكلفين.

ابو السعود

تفسير : {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} استئنافٌ لبـيان أن تولّيَهم وإعراضَهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم بما عُدد من نعم الله تعالى أصلاً فإنهم يعرِفونها ويعترفون أنها من الله تعالى {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} بأفعالهم حيث يعبدون غيرَ مُنعمها أو بقولهم: إنها بشفاعة آلهتِنا أو بسبب كذا، وقيل: نعمةُ الله تعالى نبوةُ محمد صلى الله عليه وسلم عرفوها بالمعجزات كما يعرفون أبناءَهم ثم أنكروها عِناداً، ومعنى ثم استبعادُ الإنكار بعد المعرفة لأن حق مَنْ عرف النعمة الاعترافُ بها لا الإنكارُ، وإسنادُ المعرفة والإنكارِ المتفرِّعِ عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب إسنادِ حالِ البعض إلى الكل كقولهم: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحدٌ منهم، فإن بعضهم ليسوا كذلك لقوله سبحانه: {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي المنكرون بقلوبهم غيرُ المعترفين بما ذكر، والحُكم عليهم بمطلق الكفر المؤذِن بالكمال من حيث الكميةُ لا ينافي كمالَ الفِرقة الأولى من حيث الكيفية. هذا وقد قيل: ذكرُ الأكثر إما لأن بعضهم لم يَعرِفوا لنقصان العقل أو التفريطِ في النظر، أو لم يقُم عليه الحجةُ لأنه لم يبلغ حد التكليف فتدبر. {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} يشهد لهم بالإيمان والطاعةِ وعليهم بالكفر والعصيان وهو نبـيها {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} في الاعتذار إذ لا عذرَ لهم وثم للدَّلالة على أن ابتلأَهم بالمنع عن الاعتذار المنبىء عن الإقناط الكليِّ ـ وهو عندما يقال لهم: { أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} تفسير : [المؤمنون، الآية 108] أشدُّ من ابتلائهم بشهادة الأنبـياء عليهم السلام عليهم وأطمُّ {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يُسترضَون أي لا يقال لهم: ارضُوا ربكم إذ الآخرةُ دارُ الجزاء لا دارُ العمل، وانتصابُ الظرف بمحذوف تقديرُه اذكرْ أو خوِّفْهم يوم نبعث الخ، أو يوم نبعث بهم ما يحيق مما لا يوصف وكذا قوله تعالى: {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ} الذي يستوجبونه بظلمهم وهو عذابُ جهنم {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ} ذلك {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي يُمهلون كقوله تعالى: { أية : بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} تفسير : [الأنبياء، الآية 40]. {وَإِذَا رَءا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ} الذين كانوا يدعونهم في الدنيا وهم الأوثانُ أو الشياطينُ الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه وقارنوهم في الغيّ والضلال {قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلآء شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ} أي نعبدهم أو نطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذابِ بـينهم كما ينبىء عنه قوله سبحانه: {فَأَلْقَوُاْ} أي شركاؤهم {إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ} فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ليس إلا للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه، وإنما كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم ويطيعونهم لأن الأوثانَ ما كانوا راضين بعبادتهم لهم فكأن عبادتَهم لهم كما قالت الملائكةُ عليهم السلام: { أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} تفسير : [سبأ، الآية 41] يعنون أن الجنَّ هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن أو كذبوهم في تسميتهم شركاءَ وآلهةً تنزيهاً لله سبحانه عن الشريك. والشياطينُ وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القسر والإلجاءِ كما قال إبليسُ: { أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى} تفسير : [إبراهيم: 22] فكأنهم قالوا: ما عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [الآية: 83]. قال بعضهم: يتقلبون فى نعمة ولا يوفقون لشكره. قال بعضهم: من إنكار النعمة جحود المنعم. قال النصرآباذى: معرفة النعمة حسن. ومعرفة المنعم أحسن ومعرفة النعمة ربما يتولد منه الإنكار ومعرفة المنعم لا يتولد منه إلا صحة الاستقامة. قال بعضهم: يعرفون نعمة الله: أى ليس إلى أحد شئ فى الضر والنفع ثم يقولون لولا فلان لكان كذا.

القشيري

تفسير : يَسْتَوْفِقُونَ إلى الطاعةِ، فإذا فعلوا أُعجِبُوا بها. ويقال يستغيثون، فإذا أجابهم قَصَّروا في شُكْرِه. ويقال إذا وَقَعَتْ لهم محنةٌ استجاروا بربهم، فإذا أزال عنهم تلك المحن نسوا ما كانوا فيه من الشدة، وعادوا إلى قبيح ما أسلفوه من أعمالهم التي أوجبت لهم تلك الحالة. ويقال يعرفون في حال توبتهم قُبْحَ ما كانوا فيه حال زلتهم، فإذا نقضوا توبتهم صاروا كأنهم لم يعرفوا تلك الحالة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يعرفون نعمة الله} بتعريفك {واكثرهم الكافرون} بك وبنعمة الله اظهاراً للقهر فمن وصل اليه النعمة من يدا احد فلا بد من الشكر فانه الواسطة والا فقد تعرض لحرمان كثير من النعم الالهية شعر : جو بيابى تو نعمتى درجند خرد باشد جو نقطه موهوم شكر آن يافته فرو مكذار كه زنا يافته شوى محروم تفسير : قال السرى السقطى قدس سره الشكر على ثلاثة اوجه. شكر القلب. وشكر البدن. وشكر اللسان. فشكر القلب ان يعرف العبد ان النعم كلها من الله تعالى. وشكر البدن ان لا يستعمل جارحة من جوارحه الا فى طاعة الله. وشكر اللسان دوام حمد الله - روى - ان عيسى عليه السلام مرّ بغنى فاخذ بيده فذهب به الى فقير فقال هذا اخوك فى الاسلام وقد فضلك الله عليه بالسعة فاشكر لله على ذلك ثم اخذ بيد الفقير فذهب به الى مريض فقال ان كنت فقيرا فلست بمريض ما كنت تصنع لو كنت فقيرا مريضا فاشكر لله ثم ذهب بالمريض الى كافر فقال ما كنت تصنع لو كنت فقيرا مريضا كافرا فاشكر لله فهداهم الى الشكر بطريقة المشاهدة ومقابلة حالهم بحال من سواهم ونبههم من الغفلة ليقبلوا على الشكر ويحترزوا عن الكفران. واعلم ان الكفر بالله اشد من الكفر بنعمة الله لان الاول لا يفارقه الثانى بخلاف العكس لا ن بعض الكفرة قد يكفر بنعمة الله ولا يكفر بالله فيجمع بين الايمان بالله والكفر بنعمته ولذا قال الله تعالى عبارة {أية : وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون}تفسير : وكنى اشارة عن انه ما يؤمن اقلهم بالله الاوهم موحدون وهم المؤمنون حقا وصدقا فاولئك هم المخلصون المفلحون.

الجنابذي

تفسير : {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} قد فسّر فى اخبار عديدةٍ نعمة الله ههنا بعلىٍّ (ع) وهو ما ذكرنا من خلاصة الوجود والاّ ففيها وجوه أخر بحسب المراتب، وقد ذكر فى بعض الاخبار انّ الآية نزلت بعد ما قالوا عرفنا صدق محمّد (ص) ولكن لا نطيعه فى علىٍّ (ع) ولا نتولّى عليّاً (ع) {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} فى عين اسلامهم بك لانّهم كفروا بعلىٍّ (ع) او بقولك او كانوا كافرين بك من اوّل اسلامهم فانّ الاسلام يقتضى الانقياد وعدم الاعتراض على فعل الرّسول (ص) وقوله واطاعته فى جميع اوامره ونواهيه، ولمّا انكروا عليه قوله علم انّهم لم يكونوا مسلمين.

اطفيش

تفسير : {يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللهِ} أى نعمه التى عددها فى هذه السورة وغيرها يعترفون بأَنها منه {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} بعبادة غير الله سبحانه وتعالى فإِن عبادة غيره بمنزلة قولهم أنها ليست من الله سبحانه وتعالى بل يقولون هى شفاعة آلهتنا أو بسبب كذا كقولهم مطرنا بنوء كذا أو ينكرونها بعدم شكرها أو بقولهم ورثنا من آبائنا إِذا قيل لهم تصدقوا منها وامتثلوا أمر الله وقيل بقولهم لولا فلان لما كان كذا وقيل نعمة الله بنبوة محمد ورسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرفونها بالمعجزات ثم ينكرونها عنادا وثم للتراخى فى الذى هو بمعنى الاستبعاد دلت على أن إِنكارهم بعد المعرفة بعيدا فى العقل غريب شبه هذا البعيد بالمهملة بين فعلين، فعبر عنه بثم الموضوعة لها وإِنما يكون قول الإِنسان لولا فلان لكان كذا إِذا لم يعتقد أنه من الله {وَأكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} الجاحدون لرسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللنعم عناداً وعبر بالأكثر لأن منهم أطفالا ومجانين وناقصى العقل بحيث لا يكلف وذلك على أن الضمير لكفار مكة ومن يتعلق بهم لكن بدون قيد الكفر، كأَنه قيل أكثركم أيها الفريق المكى والقرشى أو عبر بالأَكثر لأَن بعضا فرط فى النظر فلم ينظر أو نظر نظرا ضعيفا فلم يصدق عليه فى اللغة أنه جاحد ولو صدق عليه شرعا أو عبر بالأَكثر مزيدا به الجاحد المعاند وبعضهم ليس معانداً بالجحود ولو جحد وكفر وقيل أراد بالأكثر لكل كما هو أحد أوجهه فى قوله تعالى {أية : بل أكثرهم لا يعلمون}.

اطفيش

تفسير : {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ} يعرفون جنس النعم أنها من الله، إِذ يعترفون بما ذكرو ما لم يذكر، وهذا ظاهر فى أن تولوا ماض، وإلا كان فيه التفات من الخطاب إِلى الغيبة والمضارع للاستمرار، أو لحكاية الحال الماضية. {ثُمَّ} لاستبعاد عملهم بمقتضى إِنكار معرفة أنها من الله {يُنْكِرُونَهَا} بعبادة غير الله، فإن عبادة غير الله شئ أن غير الله هو صاحب النعم، وهذا إنكار بالفعل أقوى من الإنكار بالقول، وعبادتهم لله مع غيره ضائعة، كأنهم لم يعبدوا إِلا غير الله، وقيل: ينكرونها بقولهم أنها شفاعة آلهتنا، أو سبب كذا كنوء كذا، أو بعدم أداء حقوقها، أو نعمة الله نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوها بالمعجزات، وأنكروها بألسنتهم عناداً. كما سأل الأخنس أبا جهل عن محمد صلى الله عليه وسلم فقال: هو نبى رواه ابن حاتم، أو نعمة الله الإسلام يعرفون فضله له وينكرونه بالمخالفة أو نحو قولهم: لولا كلابنا لسرقنا، ولولا فلان لم أصب كذا، وقولهم: ورثناها عن آبائنا، وغفلوا عن أنها من الله عز وجل، أو يعرفونها فى الشدة وينكرونها فى الرخاء. {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} كلهم، كقوله: "أية : الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون" تفسير : [النحل: 75] قيل أو تحرز عمن لم يعرف الحق لنقض عقله، أو للتفريط فى النظر، فإنه لم يكفر النعمة صراحًا، أو لم يبلغ حد التكليف، وفيه أنه لا يتصور استثناء القليل بأنهم غير كافرين، مع أن الكلام فيمن تحقق أنه يعرف النعمة ويجحدها لا غيره، ولعل المراد أن القليل من مطلق المشركين لم يصرح بإنكار النبوة، أو لم تحضر فى قلبه نفيًا ولا إِثباتًا، أو لم يعبد الصنم، أو لم يعلم النعمة من الله، ولا يعذرون فى ذلك.

الالوسي

تفسير : . {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} استئناف لبيان أن تولي المشركين وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله سبحانه أصلاً فإنهم يعرفونها أنها من الله تعالى {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} بأفعالهم حيث لم يفردوا منعمها بالعبادة فكأنهم لم يعبدوه سبحانه أصلاً وذلك كفران منزل منزلة الإنكار. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: إنكارهم إياها قولهم: ورثناها من آبائنا، وأخرج هو وغيره أيضاً عن عون بن عبد الله أنه قال: إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا ولولا فلان لم أصب كذا وكذا وفي لفظ إنكارها إضافتها إلى الأسباب، وقيل: قولهم هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى، وحكى صاحب "الغنيان" يعرفونها في الشدة ثم ينكرونها في الرخاء، وقيل: يعرفونها بقلوبهم ثم ينكرونها بألسنتهم. وأخرج ابن المنذر وغيره عن السدي أنه قال النعمة هنا محمد صلى الله عليه وسلم ورجح ذلك الطبري أي يعرفون أنه عليه الصلاة والسلام نبـي بالمعجزات ثم ينكرون ذلك ويجحدونه عناداً، وفي لفظ ابن أبـي حاتم أنه قال هذا في حديث أبـي جهل والأخنس حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد صلى الله عليه وسلم فقال: هو نبـي. ومعنى {ثُمَّ} الاستبعاد الإنكار بعد المعرفة لأن حق من عرف النعمة الاعتراف بها وأداء حقها لا إنكارها، وإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب حال البعض إلى الكل فإن بعضهم ليسوا كذلك كما هو ظاهر قوله سبحانه: {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر، والحكم عليهم بمطلق الكفر المؤذن بالكمال من حيث الكمية لا ينافي كمال الفرقة الأولى من حيث الكيفية كذا قيل، وجوز أن يكون الإسناد السالف على ظاهره والمراد أن أكثرهم المصرون الثابتون على كفرهم إلى يوم يلقونه فالتعبير بالأكثر لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن، وقيل: المعنى وأكثرهم الجاحدون عناداً، والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله وعدم اهتدائه إليه أو لعدم نظره في الأدلة نظراً يؤدي/ إلى المطلوب أو لأنه لم يقم عليه الحجة لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه وإما لأنه يقام مقام الكل فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لأن تولّيهم عن الإسلام مع وفرة أسباب اتّباعه يثير سؤالاً في نفس السامع: كيف خفيت عليهم دلائل الإسلام، فيجاب بأنهم عرفوا نعمة الله ولكنهم أعرضوا عنها إنكاراً ومكابرة. ويجوز أن تجعلها حالاً من ضمير {أية : تولوا} تفسير : [سورة النحل: 82]. ويجوز أن تكون بدل اشتمال لجملة {تولوا}. وهذه الوجوه كلها تقتضي عدم عطفها على ما قبلها. والمعنى: هم يعلمون نعمة الله المعدودة عليهم فإنهم منتفعون بها، ومع تحقّقهم أنها نعمة من الله ينكرونها، أي ينكرون شكرها فإن النّعمة تقتضي أن يشكُر المنعَمُ عليه بها من أنعم عليه؛ فلما عبدوا ما لا ينعم عليهم فكأنهم أنكروها، فقد أطلق فعل «ينكرون» بمعنى إنكار حقّ النّعمة، فإسناد إنكار النّعمة إليهم مجاز لغوي، أو هو مجاز عقلي، أي ينكرون مُلابسها وهو الشكر. و{ثمّ} للتراخي الرتبي، كما هو شأنها في عطف الجمل، فهو عطف على جملة {يعرفون نعمت الله}، وكأنه قيل: وينكرونها، لأن {ثمّ} لما كانت للعطف اقتضت التّشريك في الحكم، ولما كانت للتراخي الرتبي زال عنها معنى المهلة الزمانية الموضوعة هي له فبقي لها معنى التّشريك وصارت المهلة مهلة رتبية لأن إنكار نعمة الله أمر غريب. وإنكار النّعمة يستوي فيه جميع المشركين أيّمتهم ودهماؤهم، ففريق من المشركين وهم أيّمة الكفر شأنهم التعقّل والتأمّل فإنهم عرفوا النّعمة بإقرارهم بالمنعِم وبما سمعوا من دلائل القرآن حتى تردّدوا وشكّوا في دين الشّرك ثم ركبوا رؤوسهم وصمّموا على الشّرك. ولهذا عبّر عن ذلك بالإنكار المقابل للإقرار. وأما قوله تعالى: {وأكثرهم الكافرون} فظاهر كلمة «أكثر» وكلمة {الكافرون} أن الذين وصفوا بأنهم الكافرون هم غالب المشركين لا جميعهم، فيحمل المراد بالغالب على دهماء المشركين. فإن معظمهم بسطاء العقول بعداء عن النّظر فهم لا يشعرون بنعمة الله، فإن نعمة الله تقتضي إفراده بالعبادة. فكان إشراكهم راسخاً، بخلاف عقلائهم وأهل النظر فإن لهم تردّداً في نفوسهم ولكن يحملهم على الكفر حبّ السيادة في قومهم. وقد تقدم قوله تعالى فيهم: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} تفسير : في سورة العقود (103). وهم الذين قال الله تعالى فيهم في الآية الأخرى {أية : فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} تفسير : [سورة الأنعام: 33].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يعرفون نعمة الله. لأنهم يعلمون أنه هو الذي يرزقهم ويعافيهم، ويدبر شؤونهم، ثم ينكرون هذه النعمة. فيعبدون معه غيره، ويسوونه بما لا ينفع ولا يضر، ولا يغني شيئاً. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}تفسير : [يونس: 31]. فقوله: {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} دليل على معرفتهم نعمته. وقوله: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} دليل على إنكارهم لها. والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وروي عن مجاهد: أن سبب نزول هذه الآية الكريمة: أن أعرابياً أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فسأله. فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً}تفسير : [النحل: 80] فقال الأعرابي: نعم! قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً} [النحل:80] الآية. قال الأعرابي: نعم! ثم قرأ عليه كل ذلك يقول الأعرابي: نعم! حتى بلغ {أية : كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}تفسير : [النحل: 81] فولى الأعرابي. فأنزل الله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل: 83] الآية. وعن السدي رحمه الله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} أي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم ينكرونها. أي يكذبونه وينكرون صدقه. وقد بين جل وعلا: أن بعثة نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم من منن الله عليهم. كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 164] الآية. وبين في موضع آخر: أنهم قابلوا هذه النعمة بالكفران. وذلك في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}تفسير : [إبراهيم: 28]. وقيل: يعرفون نعمة الله في الشدة، ثم ينكرونها في الرخاء. وقد تقدمت الآيات الدالة على ذلك، كقوله: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}تفسير : [العنكبوت: 65]، ونحوها من الآيات - إلى غير ذلك من الأقوال في الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [النحل: 83] قال بعض العلماء: معناه أنهم كلهم كافرون. أطلق الأكثر وأراد الكل. قال القرطبي والشوكاني. وقال الشوكاني: أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم. أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر بعضهم كفر جهل.

الواحدي

تفسير : {يعرفون نعمة الله ثمَّ ينكرونها} يعني: الكفَّار، يُقرُّون بأنَّها كلَّها من الله تعالى ثمَّ يقولون بشفاعة آلهتنا، فذلك إنكارهم {وأكثرهم} جميعهم {الكافرون}. {ويوم} أَيْ: وأنذرهم يوم {نبعث} وهو يوم القيامة {من كلِّ أمة شهيداً} يعني: الأنبياء عليهم السَّلام يشهدون على الأمم بما فعلوا، {ثم لا يؤذن للذين كفروا} في الكلام والاعتذار {ولا هم يستعتبون} ولا يُطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله تعالى. {وإذا رأى الذين ظلموا} أشركوا {العذاب} النَّار {فلا يخفف عنهم} العذاب {ولا هم ينظرون} يمهلون. {وإذا رأى الذي أشركوا شركاءهم} أوثانهم التي عبدوها من دون الله {قالوا ربنا هٰؤلاء شركاؤنا} وذلك أنَّ الله يبعثها حتى تُوردهم النَّار، فإذا رأوها عرفوها، فقالوا: {ربنا هٰؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول} أَيْ: أجابوهم فقالوا لهم: {إنكم لكاذبون} وذلك أنَّها كانت جماداً ما تعرف عبادة عابديها، فيظهر عند ذلك فضيحتهم حيث عبدوا مَن لم يشعر بالعبادة، وهذا كقوله تعالى: {أية : سيكفرون بعبادتهم }. تفسير : {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} استسلموا لحكم الله تعالى {وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون} بطل ما كانوا يأملون من أنَّ آلهتهم تشفع لهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {نِعْمَتَ} {ٱلْكَافِرُونَ} (83) - وَهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِ هذِهِ النِّعَمِ، وَمَعَ هذَا فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ ذلِكَ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَأَصْبَحَ أَكْثَرُهُمْ كَافِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد حكى القرآن عنهم في آيات أخرى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [الزخرف: 87]. وقال عنهم: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ..} تفسير : [النمل: 14]. ذلك لأنهم يعلمون تماماً أن الله خلقهم، وأنه خلق السمٰوات والأرض .. يعلمون كل نِعَم الله عليهم، ومع ذلك يُنكرونها ويجحدونها .. لماذا؟ لأن الإيمان بالله والاعتراف بنعمه مسألة شاقة عليهم، ولو كانت مجرد كلمة تُقال لقالوها .. ما أسهل أنْ يقولوا "لا إله إلا الله" لكنهم يعلمون أن: لا إله إلا الله لها مطلوبات، فما دام لا إله إلا الله، فلا يُشرِّع إلا الله، ولا يأمر إلا الله، ولا يَنْهى إلا الله، ولا يُحِلُّ إلا الله، ولا يُحرِّم إلا الله. إذن: مطلوبات لا إله إلا الله جعلتهم في قالب من حديد، منضبطين بمنهج يهدم سيادتهم، ويمنع الطغيان والجبروت، منهج يُسوِّي بين السادة والعبيد. إذن: الدين الحق يُقيِّد حركتهم، وهم لا يريدون ذلك، فتراهم يعرفون الله ولا يؤمنون به؛ لأنهم يعلمون مطلوبات لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإلا لو كانت مجرد كلمة لقالوها. وقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [النحل: 83]. بعض العلماء يقولون: أكثرهم يعني كلهم .. لا .. بل هذا أسلوب قرآني لصيانة الاحتمال وللاحتياط للقلة التي تفكر في الإسلام ويراودها أمر هذا الدين الجديد من هؤلاء الكفار، لا بُدَّ أنْ نُراعي أمر هذه القلة، ونترك لهم الباب مفتوحاً، فالاحتمال هنا قائم .. فلو قال القرآن: كلهم كافرون لتعارض ذلك مع هؤلاء الذين يفكرون في أنْ يُسلِموا .. وكذلك مراعاة لهؤلاء الذين لم يبلُغوا حَدَّ التكليف من أبناء الكفار. إذن: قوله {وَأَكْثَرُهُمُ} تعبير دقيق، فيه ما نُسمّيه صيانة الاحتمال. ثم يقول تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} يعني محمداً صلَّى الله عليهِ وعَلَى آلهِ وسَلَّمَ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 493 : 10 : 4 - سفين عن السدي في قوله {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} قال، هو النبي، صلى الله عليه وسلم. [الآية 83].