١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
84
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وذكر أيضاً من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد، فذكر حال يوم القيامة فقال: {ويوم نبعث من كل أمة شهيداً} وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الإنكار وبذلك الكفر، والمراد بهؤلاء الشهداء الأنبياء كما قال تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : [النساء: 41] وقوله: {ثم لا يؤذن للذين كفروا} فيه وجوه: أحدها: لا يؤذن لهم في الاعتذار لقوله: {أية : ولا يؤذن لهم فيعتذرون} تفسير : [المرسلات: 36]. وثانيها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام. وثالثها: لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكلف. ورابعها: لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود. وخامسها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى. ثم قال: {ولا هم يستعتبون} الاستعتاب طلب العتاب، والرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كان على جزم أنه إذا عاتبه رجع إلى الرضا، فإذا لم يطلب العتاب منه دل على أنه راسخ في غضبه وسطوته، ثم إنه تعالى أكد هذا الوعيد فقال: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم} والمعنى أن المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه، فعند ذلك لا يخفف عنهم العذاب {ولا هم} أيضاً {ينظرون} أي لا يؤخرون ولا يمهلون، لأن التوبة هناك غير موجودة، وتحقيقه ما يقوله المتكلمون من أن العذاب يجب أن يكون خالصاً عن شوائب النفع، وهو المراد من قوله: {أية : لا يخفف عنهم العذاب} تفسير : [البقرة: 162] ويجب أن يكون العذاب دائماً وهو المراد من قوله: {ولا هم ينظرون}.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} نظيره: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} تفسير : [النساء: 41] وقد تقدّم. {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي في الاعتذار والكلام؛ كقوله: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36]. وذلك حين تطبق عليهم جهنم، كما تقدّم في أوّل «الحجر» ويأتي. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يعني يسترضون، أي لا يكلفون أن يرضوا ربّهم؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون. وأصل الكلمة من العَتْب وهي المَوْجدة؛ يقال: عَتَب عليه يعتُب إذا وجد عليه، فإذا فاوضه ما عَتَب عليه فيه قيل عاتبه، فإذا رجع إلى مسرّتك فقد أعتَب، والاسم العُتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتبَ؛ قاله الهَروِيّ. وقال النابغة:شعر : فإن كنتُ مظلوماً فعبدا ظلمَته وإن كنتَ ذا عُتْبَى فمثلُكَ يُعْتِبُ
البيضاوي
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } وهو نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر. {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } في الاعتذار إذ لا عذر لهم. وقيل في الرجوع إلى الدنيا. و {ثُمَّ } لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع عن الاعتذار لما فيه من الإقناط الكلي على ما يمنون به من شهادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ولا هم يسترضون، من العتبى وهي الرضا وانتصاب يوم بمحذوف تقديره اذكر، أو خوفهم أو يحيق بهم ما يحيق وكذا قوله: {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ } عذاب جهنم. {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ} أي العذاب. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} يمهلون. {وَإِذَا رَءا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ } أوثانهم التي ادعوها شركاء، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه. {قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلآء شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ } نعبدهم أو نطيعهم، وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك، أو التماس لأن يشطر عذابهم. {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ } أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم ما عبدوهم حقيقة وإنما عبدوا أهواءهم كقوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ }تفسير : [مريم: 82] ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام به حينئذ، أو في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي }تفسير : [إبراهيم: 22] {وَأَلْقَوْاْ } وألقى الذين ظلموا. {إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} الاستسلام لحكمه بعد الاستكبار في الدنيا. {وَضَلَّ عَنْهُم } وضاع عنهم وبطل. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن آلهتهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر. {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا } لصدهم. {فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } المستحق بكفرهم. {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } بكونهم مفسدين بصدهم. {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مّنْ أَنفُسِهِمْ } يعني نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منهم. {وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد. {شَهِيدًا عَلَىٰ هَـؤُلآء} على أمتك. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } استئناف أو حال بإضمار قد. {تِبْيَانًا } بياناً بليغاً. {لّكُلِّ شَيْءٍ} من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس. {وَهُدًى وَرَحْمَةً} للجميع وإنما حرمان المحروم من تفريطه. {وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ } خاصة. {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } بالتوسط في الأمور اعتقاداً كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملاً كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب، وخلقاً كالجود المتوسط بين البخل والتبذير. {وَٱلإْحْسَانِ } إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : {وَإِيتَآء ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة. {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} عن الإِفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنا فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. {وَٱلْمُنْكَرِ } ما ينكر على متعاطيه في إثارة القوة الغضبية. {وَٱلْبَغْيِ} والاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: هي أجمع آية في القرآن للخير والشر. وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقب قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} للتنبيه عليه. {يَعِظُكُمُ} بالأمر والنهي والميز بين الخير والشر. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمة شهيداً، وهو نبيها، يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه؛ كقوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات:35-36] فلهذا قال: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: الذين أشركوا {ٱلْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ} أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة، {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: لا يؤخر عنهم، بل يأخذهم سريعاً من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلها آخر، وبكذا وبكذا، وتذكر أصنافاً من الناس، كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم، وتلتقطهم من الموقف كما يلتقط الطائر الحب، قال الله تعالى: {أية : إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَٰحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً } تفسير : [الفرقان: 12-14]، وقال تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} تفسير : [الكهف: 53] وقال تعالى: {أية : لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } تفسير : [الأنبياء:39-40]. ثم أخبر تعالى عن تبري آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها، فقال: {وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا {قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي: قالت لهم الآلهه: كذبتم، ما نحن أمرناكم بعبادتنا، كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف:5-6] وقال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : [مريم:81-82] وقال الخليل عليه الصلاة والسلام:{أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} تفسير : [العنكبوت: 25] الآية، وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً}تفسير : [الكهف:52] الآية، والآيات في هذا كثيرة. وقوله: {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} قال قتادة وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ، أي: استسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، وكقوله تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38] أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ وقال: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} تفسير : [السجدة: 12] الآية، وقال: {أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ} تفسير : [طــه: 111] أي: خضعت وذلت واستكانت، وأنابت واستسلمت. وقوله: { وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله، فلا ناصر لهم، ولا معين ولا مجير. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا} الآية، أي: عذاباً على كفرهم، وعذاباً على صدهم الناس عن اتباع الحق؛ كقوله تعالى: {أية : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 26] أي: ينهون الناس عن اتباعه، ويبتعدون هم منه أيضاً {أية : وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} تفسير : [الأنعام: 26] وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم؛ كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: {أية : قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 38] وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله في قول الله: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال. وحدثنا شريح بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا الأعمش عن الحسن، عن ابن عباس في الآية أنه قال: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} قال: هي خمسة أنهار تحت العرش يعذبون ببعضها في الليل، وببعضها في النهار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمٍ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } هو نبيّها يشهد لها وعليها وهو يوم القيامة {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } في الاعتذار {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي الله.
الشوكاني
تفسير : لما بين سبحانه من حال هؤلاء أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها، وأن أكثرهم كافرون، أتبعه بأصناف وعيد يوم القيامة، فقال: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } أي: واذكر يوم نبعث، أو يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، وشهيد كل أمة نبيها، يشهد لهم بالإيمان والتصديق، وعليهم بالكفر والجحود والتكذيب {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي: في الاعتذار، إذ لا حجة لهم ولا عذر، كقوله سبحانه: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 36] أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، وإيراد "ثم" ها هنا للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنبيء عن الإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط، فلا فائدة في العتاب. والمعنى: أنهم لا يسترضون أي: لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون، وأصل الكلمة من العتب وهو الموجد، يقال: عتب عليه يعتب إذا وجد عليه، فإذا أفاض عليه ما عتب فيه عليه قيل: عاتبه، فإذا رجع إلى مسرّته قيل: أعتبه، والاسم العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب قاله الهروي، ومنه قول النابغة:شعر : فإن كنت مظلوماً فعبداً ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب تفسير : {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ } أي: وإذا رأى الذين أشركوا العذاب الذي يستحقونه بشركهم، وهو عذاب جهنم {فَلاَ يُخَفَّفُ } ذلك العذاب {عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي: ولا هم يمهلون ليتوبوا، إذ لا توبة هنالك {وَإِذَا رَءا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ } أي: أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها، لما تقرّر من أنهم يبعثون مع المشركين ليقال لهم "من كان يعبد شيئاً فليتبعه"، كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم. {قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلآء شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ } أي: الذين كنا نعبدهم من دونك. قال أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين بهذا القول إحالة الذنب على تلك الأصنام تعللاً بذلك، واسترواحاً، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه. {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ } أي: ألقى أولئك الأصنام والأوثان والشياطين ونحوهم إلى المشركين القول {إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ } أي قالوا لهم: إنكم أيها المشركون لكاذبون فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا الذي هو مقصودكم من هذا القول. فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام ونحوها أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك، وقد كانوا صادقين في ذلك، فكيف كذبتهم الأصنام ونحوها؟ فالجواب بأن مرادهم من قولهم {هؤلاء شركاؤنا} هؤلاء شركاء الله في المعبودية، فكذبتهم الأصنام في دعوى هذه الشركة. والأصنام والأوثان وإن كانت لا تقدر على النطق، فإن الله سبحانه ينطقها في تلك الحال، لتخجيل المشركين وتوبيخهم، وهذا كما قالت الملائكة {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ }تفسير : [سبأ: 41]. يعنون: أن الجنّ هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لهم. {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } أي: ألقى المشركون يوم القيامة الاستسلام والانقياد لعذابه، والخضوع لعزته. وقيل: استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي: ضاع وبطل ما كانوا يفترونه من أن لله سبحانه شركاء وما كانوا يزعمون من شفاعتهم لهم، وأن عبادتهم لهم تقرّبهم إلى الله سبحانه. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في أنفسهم {وَصُدُّواْ } غيرهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: عن طريق الحق، وهي: طريق الإسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها وحملوهم على الكفر. وقيل: المراد بالصدّ عن سبيل الله: الصدّ عن المسجد الحرام. والأولى العموم. ثم أخبر عن هؤلاء الذين صنعوا هذا الصنع بقوله: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } أي: زادهم الله عذاباً لأجل الإضلال لغيرهم فوق العذاب الذي استحقوه لأجل ضلالهم. وقيل: المعنى: زدنا القادة عذاباً فوق عذاب أتباعهم، أي: أشد منه. وقيل: إن هذه الزيادة هي إخراجهم من النار إلى الزمهرير، وقيل غير ذلك. {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ } أي: نبياً يشهد عليهم {مّنْ أَنفُسِهِمْ } من جنسهم، إتماماً للحجة وقطعاً للمعذرة، وهذا تكرير لما سبق لقصد التأكيد والتهديد {وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد {شَهِيدًا عَلَىٰ هَـؤُلآء } أي: تشهد على هذه الأمم وتشهد لهم. وقيل: على أمتك، وقد تقدّم مثل هذا في البقرة والنساء {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } أي: القرآن. والجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال بتقدير قد {تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } أي: بياناً له، والتاء: للمبالغة، ونظيره من المصادر التلقاء، ولم يأت غيرهما. ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء }تفسير : [الأنعام: 38]. ومعنى كونه {تبياناً لكلّ شيء} أن فيه البيان لكثير من الأحكام، والإحالة فيما بقي منها على السنة، وأمرهم باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يأتي به من الأحكام، وطاعته كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك. وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إني أوتيت القرآن ومثله معه»تفسير : {وَهَدَىٰ } للعباد {وَرَحْمَةً } لهم {وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ } خاصة دون غيرهم، أو يكون الهدى والرحمة والبشرى خاصة بهم؛ لأنهم المنتفعون بذلك. ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقبة آية جامعة لأصول التكليف كلها تصديقاً لذلك، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ }. وقد اختلف أهل العلم في تفسير العدل والإحسان؛ فقيل: العدل لا إلٰه إلاّ الله، والإحسان: أداء الفرائض. وقيل: العدل الفرض. والإحسان: النافلة. وقيل: العدل: استواء العلانية والسريرة، والإحسان. أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وقيل: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل، والأولى: تفسير العدل بالمعنى اللغوي، وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط. فمعنى أمره سبحانه بالعدل: أن يكون عباده في الدين على حالة متوسطة، ليست بمائلة إلى جانب الإفراط، وهو الغلوّ المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط، وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين. وأما الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضل بما لم يجب، كصدقة التطوّع، ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله عليه في العبادات وغيرها. وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه فسر الإحسان بأن يعبد الله العبد حتى كأنه يراه، فقال في حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين: «حديث : والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : وهذا هو معنى الإحسان شرعاً. {وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي: إعطاء القرابة ما تدعو إليه حاجتهم. وفي الآية إرشاد إلى صلة الأقارب وترغيب في التصدق عليهم. وهو من باب عطف الخاص على العام، إن كان إعطاء الأقارب قد دخل تحت العدل والإحسان. وقيل: من باب عطف المندوب على الواجب. ومثل هذه الآية قوله: {أية : وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } تفسير : [الإسراء: 26]. وإنما خصّ ذوي القربى لأن حقهم آكد، فإن الرحم قد اشتق الله اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته، وقطيعتها من قطيعته. {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء } هي الخصلة المتزايدة في القبح من قول أو فعل. وقيل: هي الزنا. وقيل: البخل {وَٱلْمُنْكَرِ } ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعمّ جميع المعاصي على اختلاف أنواعها. وقيل: هو الشرك وأما { ٱلْبَغْىُ} فقيل: هو الكبر، وقيل: الظلم. وقيل: الحقد، وقيل: التعدّي، وحقيقته تجاوز الحدّ فيشمل هذه المذكورة، ويندرج بجميع أقسامه تحت المنكر. وإنما خصّ بالذكر اهتماماً به لشدّة ضرره ووبال عاقبته. وهو من الذنوب التي ترجع على فاعلها لقوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [يونس: 23]، وهذه الآية هي من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي: يعظكم بما ذكره في هذه الآية مما أمركم به ونهاكم عنه. فإنها كافية في باب الوعظ والتذكير، {لعلكم تذكرون} إرادة أن تتذكروا ما ينبغي تذكره، فتتعظوا بما وعظكم الله به. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } قال: شهيدها نبيّها على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـؤُلآء } قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، فاضت عيناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ } قال: حدّثوهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } قال: استسلموا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد بن السرّي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود في قوله: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال. وأخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تعالى: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ }، فقال: حديث : عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم»تفسير : . وأخرج أبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } أنهار من نار صبها الله عليهم يعذبون ببعضها بالليل، وببعضها بالنهار، وقد روى ابن مردويه من حديث جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رءوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار فذلك قوله: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ }» تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، قال: إن الله أنزل في هذا الكتاب تبياناً لكل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، ثم قرأ {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الضريس في فضائل القرآن، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود، قال: من أراد العلم، فليثور القرآن، فإن فيه علم الأوّلين والآخرين. وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص، قال: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، إذ شخص بصره فقال: "حديث : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } الآية"تفسير : . وفي إسناده شهر بن حوشب. وقال ابن كثير في تفسيره: إسناده لا بأس به. وقد أخرجه مطوّلاً أحمد، والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من حديث ابن عباس. وحسن ابن كثير إسناده. وأخرج الماوردي، وابن السكن، وابن منده، وأبو نعيم في معرفة الصحابة عن عبد الملك بن عمير، أن هذه الآية لما بلغت أكثم بن صيفي، حكيم العرب قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، ثم قال لقومه: كونوا في هذا الأمر رؤوساً، ولا تكونوا فيه أذناباً، وكونوا فيه أوّلاً ولا تكونوا فيه آخراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } قال: شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله. {والإحسان} أداء الفرائض {وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قال: إعطاء ذوي الأرحام الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم. {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء } قال: الزنا {وَٱلْمُنْكَرِ } قال: الشرك {وَٱلْبَغْىَ } قال: الكبر والظلم {يَعِظُكُمُ } قال: يوصيكم {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }. وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال: أعظم آية في كتاب الله {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ...} تفسير : [البقرة: 255]. وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ...}. وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 2 - 3]. وأشدّ آية في كتاب الله رجاء: {أية : يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ... }تفسير : [الزمر: 53] الآية. وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ...} إلى آخرها، ثم قال: إن الله عزّ وجلّ جمع لكم الخير كله، والشرّ كله، في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلاّ جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلاّ جمعه. وأخرج البخاري في تاريخه من طريق الكلبي عن أبيه قال: مرّ عليّ بن أبي طالب بقوم يتحدثون، فقال: فيم أنتم؟ قالوا: نتذاكر المروءة. فقال: أو ما كفاكم الله عزّ وجلّ ذلك في كتابه، إذ يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } فالعدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل، فما بقي بعد هذا!.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم}يحتمل وجهين: أحدهما: استسلامهم لعذابه، وخضوعهم لعزه. الثاني: إقرارهم بما كانوا ينكرون من طاعته. {وضَلَّ عنهم ما كانوا يفترون} يحتمل وجهين: أحدهما: وبطل ما كانوا يأملون. الثاني: خذلهم ما كانوا به يستنصرون. قوله عز وجل: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زِدناهُم عذاباً فوق العذاب} فيه وجهان: أحدهما: أن الزيادة هي عذاب الدنيا مع ما يستحق من عذاب الآخرة. الثاني: أن أحد العذابين على كفرهم، والعذاب الآخر على صدهم عن سبيل الله ومنعهم لغيرهم من الإيمان. {بما كانوا يفسدون} في الدنيا بالمعاصي.
النسفي
تفسير : {وَيَوْمَ} انتصابه بـ «اذكر» {نَبْعَثُ} نحشر{مِْن كُلِّ أُمَةٍ شَهِيداً} نبياً يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب والإيمان والكفر{ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلِّذِيِنَ كَفَرُوا} في الاعتذار، والمعنى لا حجة لهم ولا عذر {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم ارضوا اربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل. ومعنى «ثم» أنهم يمنون أي: يبتلون بعد شهادة الأنبياء عليهم السلام بما هو اطم وأغلب منها، وهو أنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة {وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كفروا {ٱلْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ } أي العذاب بعد الدخول {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يمهلون قبله {وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ } أوثانهم التي عبدوها {قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا } أي آلهتنا التي جعلناها شركاء {ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ } أي نعبد {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ } أي أجابوهم بالتكذيب لأنها كانت جماداً لا تعرف من عبدها، ويحتمل أنهم كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيهاً لله عن الشرك {وَأَلْقَوْاْ } يعني الذين ظلموا {إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } إلقاء السلم الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا {وَضَلَّ عَنْهُم } وبطل عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن لله شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في أنفسهم {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وحملوا غيرهم على الكفر {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } أي عذاباً بكفرهم وعذاباً بصدهم عن سبيل الله {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } بكونهم مفسدين الناس بالصد
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ولنجزين} بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون بالياء. {قرأت القرآن} مثل {أنشأنا}. الوقوف: {يستعتبون} ه {ولا هم ينظرون} ه {من دونك} ج لاختلاف الجملتين مع الفاء {لكاذبون} ه ج للعطف مع أنه رأس آية {يفترون} ه {يفسدون} ه {على هؤلاء} ط لواو الاستئناف {للمسلمين} ه {والبغي} ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {تذكرون} ه ط {كفيلاً} ه ط {تفعلون} ه {أنكاثاً} ط بناء على أن التقدير أتتخذون {من أمة} ط {به} ط {تختلفون} ه {ويهدي من يشاء} ط {تعملون} ه {عن سبيل الله} ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى {عظيم} ه {قليلاً} ط {تعلمون} ه {باق} ط {يعلمون} ه {طيبة} ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من {يعملون} ه {الرحيم} ه {يتوكلون} ه {مشركون} ه. التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير {و} اذكر {يوم نبعث من كل أمة شهيداً} أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه. وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب {ثم لا يؤذن للذين كفروا} أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود. {ولا هم يستعتبون} لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: شعر : إذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقي العتاب تفسير : وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل. ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم. {وإذا رأى الذين ظلموا} وهم المشركون {العذاب} بعينهم وثقل عليهم {فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون} ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون. {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي. قاله الحسن. {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا} أي نعبدهم من دونك. قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟ والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع. وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها. {فألقوا إليهم القول} أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار {إنكم لكاذبون} فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟ فالجواب أن المراد من قولهم: {هؤلاء شركاؤنا} هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة. قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: {إنكم لكاذبون} كما يقول الشيطان {أية : إني كفرت بما أشركتموني من قبل}تفسير : [إبراهيم: 22]. {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد. وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا. وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا {وضل} أي غاب {عنهم ما كانوا يفترون} من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم. {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم {زدناهم عذاباً} لأجل الإضلال. {فوق العذاب} الذي استحقوه للضلال. وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها". ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار. وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً. وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار. ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله تعالى أجراً على أجر. ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم. وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان. ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم. ثم شرف نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} أي على أمتك.. ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41] قال الإمام فخر الدين الرازي. الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة. ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم. ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟ ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف". قال الفقهاء. إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته، وورد فيه: {أية : ويتبع غير سبيل المؤمنين}تفسير : [النساء: 115] وجاء {أية : فاعتبروا}تفسير : [الحشر: 2]. وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن. وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال سبحانه: {أية : إن الذين قالوا ربنا الله}تفسير : [فصلت: 30] إلى قوله: {أية : وأبشروا}تفسير : [فصلت: 30] والله أعلم بمراده. وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: {أن الله يأمر} الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتقرر الإسلام في قلبي. فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل عليه السلام نزل عن يميني فقال: يا محمد {إن الله يأمر بالعدل} الآية. قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم. وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن. وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله تعالى عنه فيها. قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض. وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله {والإحسان} هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: {وإيتاء ذي القربى} والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر. وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة. قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها. واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله". كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب. ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه سبحانه تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها. وبوجه آخر. نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة. وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله تعالى فيه. وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان. والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً. وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي. وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143]، وقال: {أية : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً}تفسير : [الفرقان: 67] ولما بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات قيل له: {أية : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}تفسير : [طه: 1] ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً}تفسير : [المؤمنون: 115] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه. فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان. هذا ما قيل. وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل. ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون". ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه. فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل. وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"تفسير : فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر. ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية. وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة. والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ سبحانه بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: {يعظكم لعلكم تذكرون} لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة. قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه تعالى لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟ وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال. فمعنى {لعلكم تذكرون} إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر. ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: {وأوفوا بعهد الله} خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله: {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}تفسير : [الفتح: 10]. وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع. وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: {إذا عاهدتم} وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله سبحانه: {ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها} أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً. وأكد ووكد لغتان فصيحتان. قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل. وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله". وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر"تفسير : . وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: {أية : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}تفسير : [الآية: 225] الآية. {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به. {إن الله يعلم ما تفعلون} فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً. وفيه ترغيب وترهيب. ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة} أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها. قال الزجاج: انتصب {أنكاثاً} على المصدر لأن معنى نقضت نكثت. وزيف بأن {أنكاثاً} ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله. وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً. قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة. قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً. فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج. وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. قال جار الله: {تتخذون} حال و{دخلاً} مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً. وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة. وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة. وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد. وقوله: {أن تكون} أي لأن تكون {أمة} يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً {من أمة} هي جماعة المؤمنين. قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع. {إنما يبلوكم الله به} أي بما يأمركم وينهاكم. وقد تقدم ذكر الأمر والنهي. وقال جار الله: الضمير لقوله: {أن تكون} لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم. ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: {وليبينن لكم يوم القيامة} بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء. {ما كنتم فيه تختلفون} حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم. ثم بين أنه سبحانه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: {ولتسئلن عما كنتم تعملون} ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً. أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل. روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة. قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها وهو نقض بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل على هذا التخصيص قوله: {فتزلَّ قدم بعد ثبوتها} لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة. وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: {وتذوقوا السوء} في الدنيا {بما صددتم} بصدودكم أو بصدكم غيركم {عن سبيل الله} لأن المرتد قد يقتدي به غيره. {ولكم عذاب عظيم} في الآخرة. ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم. قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: {ولا تشتروا} الآية. ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: {ما عندكم ينفد وما عند الله} من خزائن رحمته {باق} وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع. وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه {ولنجزين الذين صبروا} على ما التزموه من شرائع الإسلام {أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}تفسير : [الأنعام: 160]. ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: {من عمل صالحاً} ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: {من ذكر أو أنثى} تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم. ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: {وهو مؤمن} فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء. واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة. عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله تعالى: {أية : يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}تفسير : [الانشقاق: 6] بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال. وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر. والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون} وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال. وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال. وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو:"حديث : اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً"تفسير : . قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه. لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها. وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها. ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره}تفسير : [الزلزلة: 7] يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما. ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: {وإذا قرأت القرآن} أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب. وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب. {إنه ليس له سلطان} تسلط وولاية {على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون} وهذا معنى الاستعاذة. فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه. {إنما سلطانه على الذين يتولونه} عن ابن عباس: أي يطيعونه. يقال: توليته أي أطعته. وتوليت عنه أي أعرضت عنه. أما الضمير الواحد في قوله: {والذين هم به مشركون} فقيل: راجع إلى الرب. وقيل: إلى الشيطان أي بسببه. التأويل: {ويوم نبعث} فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار {وإذا رأى الذين ظلموا} أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة {فلا يخفف} عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية {ولا هم ينظرون} لتبديل مذمومها بمحمودها {وإذا رأى الذين أشركوا} وهم عبدة الدنيا والهوى {إنكم لكاذبون} في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله سبحانه وطاعته {وصدوا عن سبيل الله} منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله {زدناهم} عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري. {وجئنا بك شهيداً} لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" {تبياناً لكل شيء} يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه {إن الله يأمر بالعدل} وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال {والإحسان} وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: {أية : وأحسن كما أحسن الله إليك}تفسير : [القصص: 77]. وفي قوله: {وإيتاء ذي القربى} إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب. فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً {وينهى عن الفحشاء} وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها {والمنكر} وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره {والبغي} وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل. {وأوفوا بعهد الله} يوم الميثاق. {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} بجزاء وفائكم {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها} فيه إشارة إلى حال المريد المرتد {أن تكون أمة} هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة. {ولا تتخذا أيمانكم} عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا. وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب {من ذكر أو أنثى} هما القلب والنفس. والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض {أية : ارجعي إلى ربك}تفسير : [الفجر: 28] وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث. {فاستعذ بالله} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا} [النحل: 99] وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه. بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله تعالى أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} أي: شاهداً على كُفْرهم وإيمانهم، {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ }، أي: لا يُؤْذِن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطِن، و{يُسْتَعْتَبُونَ} بمعنى: يُعْتِبُونَ؛ تقول: أَعْتَبْتُ الرَّجُلَ، إِذَا كَفَيْتَهُ ما عُتِبَ فيه؛ كما تقول: أشْكَيْتُهُ؛ إِذا كَفَيْتَهُ ما شكا. وقال قومٌ: معناه: لا يُسْألونَ أنْ يرجعوا عمَّا كانوا عَلْيه في الدنيا. وقال الطبريُّ: معنى {يُسْتَعْتَبُونَ} يُعْطَوْن الرجوعَ إلى الدنيا فتقع منهم توبةٌ وعمَلٌ. * ت *: وهذا هو الراجحُ، وهو الذي تدلُّ عليه الأحاديثُ، وظواهر الآياتِ في غيرِ ما موضع. وقوله سبحانه: {وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ } أي: إِذا رأَوْهم بأبصارِهِمْ {قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا...} الآية، كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيبَ المَعْبُودين، وقوله سبحانه: {فَألْقَوْاْ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ...} الآية: الضميرُ في {أَلْقَوْاْ} للمعبودينَ؛ أنطقهم اللَّه بتكذيب المُشْركين، وقد قال سبحانه في آية أخرى: { أية : فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [يونس:28] انظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها. وقوله: {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } الضمير في {أَلْقَوْاْ } هنا عائدٌ على «المشركين»، و{ٱلسَّلَمَ } الاستسلام. وقوله تعالى: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ...} الآية: رُوِيَ في ذلك عن ابن مسعود، أنَّ اللَّه سبحانَهُ يسلِّط عليهم عَقَارِبَ وحَيَّاتٍ، لها أنيابٌ، كالنَّخْلِ الطِّوال، وقال عَبْيدُ بنُ عُمَيْرٍ: حَيَّات لها أنيابٌ كالنخْلِ ونحو هذا، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن لجهنَّمَ سواحِلَ، فيها هذه الحياتُ وهذه العقاربُ، فيفر الكافرون إلى السَّواحلِ، فتلقاهم هذه الحيَّاتُ والعقاربُ فيفرُّونَ منها إِلى النار، فتَتْبَعهم حَتَّى تجد حَرَّ النار، فتَرْجِع. قال: وهي في أسْرَابٍ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} الآية لما بيَّن أنهم عرفوا نعمة الله ثمَّ أنكروها، وذكر أن أكثرهم كافرون أتبعه بذكر الوعيد؛ فذكر حال يوم القيامة. قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ} فيه أوجه: أحدها: منصوب بإضمار "اذْكُرْ". الثاني: بإضمار "خوفهم". الثالث: تقديره: ويوم نبعث، وقعوا في أمر عظيم. الرابع: أنه معطوف على ظرف محذوف، أي: ينكرونها اليوم ويوم نبعث. والمراد بأولئك الشهداء: الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما قال - سبحانه وتعالى -: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41]. قوله: {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى "ثُمَّ" هذه؟ قلت: معناه: أنهم يُمْنَعُونَ بعد شهادة الأنبياء عليه السلام بما هو أطمّ منه، وهو أنهم يمنعون الكلام، فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا [إدلاء] حجة". انتهى. ومفعول الإذن محذوف، أي: لا يؤذن لهم في الكلام؛ كما قال - تعالى-: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36] أي: في الرُّجوع إلى الدنيا. وقيل: لا يؤذنُ لهم في الكلام أصلاً، {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي: لا تزال عتابهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون؛ يقال: اسْتَعْتَبْتُ فلاناً بمعنى: أعْتَبْتُه، أي: أزلت عُتْبَاه، و "اسْتَفْعَل" بمعنى: "أفْعَلَ" غير مستنكرٍ، قالوا: اسْتدنَيتُ فلاناً وأدْنَيتهُ بمعنًى واحد. وقيل: السِّين على بابها من الطَّلب، ومعناه: أنهم لا يسألون أن يرجعوا عما كانوا عليه في الدُّنيا، فهذا استعتاب معناه طلب عتابهم. وقال الزمخشري "ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم؛ لأن الآخرة ليست بدار عمل". وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله - تعالى - في سورة حم السجدة؛ لأنه أليق لاختلاف القراء فيه. ثم إنَّه - تعالى - أكَّد هذا الوعيد فقال: {وَإِذَا رَأَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ} أي: أن هؤلاء المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه، فعند ذلك {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} ولا يؤخِّرون ولا يمهلون؛ لأن التوبة هناك غير موجودة. قوله: "فَلا يُخَفَّفُ" هذه الفاء وما حيِّزها جواب "إذَا"، ولا بدَّ من إضمار مبتدأ قبل هذه الفاء، أي: فهو لا يخفف؛ لأن جواب "إذا" متى كان مضارعاً، لم يحتج إلى فاء سواء كان موجباً؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ} تفسير : [الحج: 72] أم منفيًّا؛ نحو: "إذَا جَاءَ زَيْدٌ لا يكرمك". قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} وهذا من بقيَّة وعيد المشركين، وفي الشركاء قولان: الأول: أن الله - تعالى -: يبعث الأصنام فتكذِّب المشركين، ويشاهدونها في غاية الذُّلِّ والحقارة، وكل ذلك مما يوجب زيادة الغمِّ والحسرة في قلوبهم. والثاني: أن المراد بالشركاء: الشَّياطين الذين دعوا الكفَّار إلى الكفر؛ قاله الحسن - رضي الله عنه -، وإنَّما ذهب إلى هذا القول؛ - لأنه - تعالى - حكى عن الشركاء أنَّهم كذَّبوا الكفار، والأصنام جمادات فلا يصحُّ منهم هذا القول. وهذا بعيد؛ لأن الله - تعالى - قادرٌ على خلق الحياة في الأصنام وعلى خلق العقل والنُّطق فيها. قوله: {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} العامة على فتح السين واللام. وقرأ أبو عمرو في رواية بسكون اللام، ومجاهد بضمِّ السين واللام، وكأنَّه جمع سلام؛ نحو: قُذال وقُذُل، والسَّلامُ والسَّلَمُ واحد، وقد تقدَّم الكلام عليهما في سورة النساء. فصل والمعنى: أن المشركين إذا رأوا تلك الشُّركاء، {قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ}، وفائدة هذا القول من وجهين: الأول: قال أبو مسلم - رحمه الله-: "مقصود المشركين إحالةُ الذَّنب على الأصنام؛ ظنًّا منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله، أو ينقص من عذابهم، عند هذا تكذِّبهم تلك الأصنام". قال القاضي: "هذا بعيدٌ؛ لأن الكفار يعلمون علماً ضروريًّا في الآخرة أنَّ العذاب ينزل بهم، ولا ينفعهم فدية ولا شفاعة". والثاني: أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجُّباً من حضور تلك الأصنام، مع أنه لا ذنب لها، واعترافاً بأنَّهم كانوا مخطئين في عبادتها. ثم حكى - تعالى - أنَّ الأصنام يكذبونهم، فقال: {فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ}، والمعنى: أنه - تعالى - يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام فيلقوا إليهم، أي: يقولون لهم: "إنَّكُم لكَاذِبُونَ". فإن قيل: إن المشركين لم يقولوا، بل أشاروا إلى الأصنام، فقالوا: هؤلاء شركاؤنا الذين كنَّا ندعو من دونك، وقد كانوا صادقين في كلِّ ذلك، فكيف قالت الأصنام "إنَّكم لكَاذبُونَ"؟. فالجواب من وجوه: أصحها: أن المراد من قولهم: "هؤلاء شُركاؤنَا"، أي: أنَّ هؤلاء هم الَّذين كنَّا نقول: إنهم شركاء الله في المعبودية، فالأصنام كذَّبوهم في إثبات هذه الشركة. وقيل: المراد: إنَّهم لكاذبون في قولهم: إنَّا نستحقُّ العذاب بدليل قوله - تعالى - {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}تفسير : [مريم: 82]. ثم قال: {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود، وأقرُّوا لله بالرُّبوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد. وقيل: استسلم المشركون يومئذ إلى الله تعالى وإنفاذ الحكمة فيهم ولم تغنِ عنهم آلهتهم شيئاً، {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}: زال عنهم ما كانوا يفترون من أنَّها تشفع لهم عند الله، وقيل: ذهب ما زيَّن لهم الشيطان من أن لله صاحبة وشريكاً. وقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يجوز أن يكون مبتدأ، والخبر "زِدنَاهُم" وهو واضح، وجوَّز ابن عطية أن يكون "الَّذينَ كَفروا" بدلاً من فاعل "يَفْترُونَ"، ويكون "زِدْناهُم" مستأنفاً. ويجوز أن يكون "الَّذينَ كَفرُوا" نصباً على الذَّمِّ أو رفعاً عليه، فيضمر النَّاصب والمبتدأ وجوباً. فصل لما ذكر وعيد الذين كفروا، أتبعه بـ "وعيد" من ضمَّ إلى كفره صدَّ الغير عن سبيل الله، وهو منعهم عن طريق الحقِّ. وقيل: صدهم عن المسجد الحرام، {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ}؛ لأنهم زادوا على كفرهم صَدَّ الغير عن الإيمان. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَنْ سَنَّ سُنَّة سَيِّئةً فعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ من عَمِلَ بِهَا ". تفسير : قال ابن عباس - رضي الله عنه - [ومقاتل]: "المراد بتلك الزيادة خمسة أنهار من صفر مذابٍ؛ تسيل من تحت العرش، يعذَّبون بها ثلاثة بالليل واثنان بالنَّهار". وقال سعيد بن جبير: زدناهم عذاباً بحيّات كالبخت، وعقارب كالبغال تلسعهم، وقيل: يخرجون من حرِّ النار إلى زمهرير. وقيل: يضعَّف لهم العذاب بما كانوا يفسدون، أي: بذلك الصَّد.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ويوم نبعث من كل شهيداً} قال: شهيدها نبيها على أنه قد بلغ رسالات ربه. قال الله: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} قال: ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ هذه الآية، فاضت عيناه. وأخرج ابن أبي حاتم عن العالية في قوله: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون} قال: هذا، كقوله: {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فألقوا إليهم القول} قال: حدثوهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} قال: استسلموا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود في قوله: {زدناهم عذاباً فوق العذاب} قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال. وأخرج ابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص، عن البراء حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم - سئل عن قول الله: {زدناهم عذاباً فوق العذاب} قال: عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم . تفسير : وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: أفاعي في النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية: إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار، فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم، وأفاع كأنهن البخاتي فضربنهم، فذلك الزيادة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عبيد بن عمير قال: إن في جهنم لجبابا فيها حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال، يستغيث أهل النار من تلك الجباب إلى الساحل، فتثب إليهم فتأخذ جباههم وشفارهم فكشطت لحومهم إلى أقدامهم فسيتغيثون منها إلى النار، فتتبعهم حتى تجد حرها فترجع وهي في أسراب. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب، أعناقها كأعناق البخت. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل: مكانك حتى تتحف، فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، فيتميز الجلد على حدة والشعر على حدة والعصب على حدة والعروق على حدة. وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {زدناهم عذاباً فوق العذاب} قال: خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم، يعذبون ببعضها بالليل وببعضها بالنهار. وأخرج ابن مردويه عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، فذلك قوله: {زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: إن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفاً، تجري أودية القيح والدم. قلت له: الأنهار؟ قال: لا... بل الأودية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: إن الله أنزل في هذا الكتاب تبياناً لكل شيء، ولقد عملنا بعضاً مما بين لنا في القرآن. ثم تلا {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الضريس في فضائل القرآن ومحمد بن نصر في كتاب الله والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فليتنوّر القرآن، فإنه فيه علم الأوّلين والآخرين. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تهذوا القرآن كهذا الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذه القلوب أوعية، فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {تبياناً لكل شيء} قال: مما أمروا به ونهوا عنه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} قال: بالسنة. وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ شخص بصره فقال: "حديث : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة" تفسير : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان ....} إلى قوله: {تذكرون}. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالساً، إذ مر به عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يحدثه إذ شخص بصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع رأسه, فأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، فلما قضى حاجته شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة، فاتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان كجلسته الأولى، فسأله عثمان رضي الله عنه فقال: أتاني جبريل آنفاً. قال: فما قال لك؟ قال: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان...} إلى قوله: {تذكرون...} قال عثمان: - رضي الله عنه - فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم . تفسير : وأخرج الباوردي وابن السكن وابن منده وأبو نعيم في معرفة الصحابة، عن عبد الملك بن عمير رضي الله عنه قال: حديث : بلغ أكثم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يأتيه. فأتى قومه فانتدب رجلين فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكتم، يسألك من أنت وما جئت به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله" ثم تلا عليهما هذه الآية {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى {تذكرون} قالا: ردد علينا هذا القول. فردده عليهما حتى حفظاه، فأتيا أكتم فأخبراه. فلما سمع الآية قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساء، ولا تكونوا فيه أذناباًتفسير : . ورواه الأموي في مغازيه وزاد، فركب متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق: قال: ويقال نزلت فيه هذه الآية {أية : ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت} تفسير : [النساء: 100] الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إن الله يأمر بالعدل} قال: شهادة أن لا إله إلا الله، {والإحسان} قال: أداء الفرائض، {وإيتاء ذي القربى} قال: إعطاء ذوي الرحم الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم {وينهى عن الفحشاء} قال: الزنا {والمنكر} ، قال: الشرك {والبغي} قال: الكبر والظلم: {يعظكم} يوصيكم {لعلكم تذكرون}. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى {أية : الله لا إله إلا هو الحي القيوم} تفسير : [آل عمران: 2] وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر - الآية التي في النحل - {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} تفسير : [الطلاق: 2-3] وأشد آية في كتاب الله رجاء {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} تفسير : [الزمر: 53] الآية. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى آخرها ثم قال: إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله، والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه. وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق العكلي، عن أبيه قال: مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوم يتحدثون فقال: فيم أنتم؟! فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه؟! إذ يقول الله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} فالعدل، الانصاف. والاحسان، التفضل، فما بقي بعد هذا؟. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية. قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويخشونه إلا أمر الله به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ... سألت عن أمر جسيم، كُنْ لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذُنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن بغضبك سوطاً واحداً متعدياً فتكون من العادين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك والله أعلم.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} [الآية: 84]. عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء. قال أبو على الجوزجانى: الخلق شهداء بعضهم على بعض. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم شهود الأنبياء على جميع الأمم محمد صلى الله عليه وسلم هو المذكى المقبول فمن قدمه فهو المقدم ومن أخره فهو المؤخر ومن تعلق به نجا ومن تخلف عنه هلك. قال تعالى: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41].
القشيري
تفسير : إذا كان يومُ الحشر سأل الرسلُ عن أحوال أُمَمِهم، فمن نَطَقَ بحجةٍ أُكْرِمَ، ومَنْ لم يُدْلِ بحجةٍ لا تُراعى له حُرْمةٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم نبعث} اى اذكر يا افضل الرسل يوم نحشر وهو يوم القيامة {من كل امة}[ازميان هر كروهى] {شهيدا} نبينا يشهد لهم بالايمان والطاعة وعليهم بالكفر والعصيان {ثم لا يؤذن للذين كفروا} فى الاعتذار اذلا عذر لهم. والعذر فى الاصل تحرى الانسان ما يمحو به ذنوبه بان يقول لم افعل او فعلت لاجل كذا او فعلت ولا اعود وثم للدلالة على ان ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنبئ عن الاقناط الكلى وهو عند ما يقال لهم اخسأوا فيها ولا تكلمون اشد من ابتلائهم بشهادة الانبياء عليهم السلام فهى للتراخى الرتبى {ولا هم يستعتبون} يسترضون اى لا يقال لهم ارض ربكم ولا يطلب منهم ما يوجب العتبى وهى الرضى وذلك لان الرضى انما يكون بالايمان والعمل الصالح والآخرة دار الجزاء لا دار العمل والتكليف والدنيا مزرعة الآخرة فكل بذر فسد فى الارض وبطل استعداده لقبول التربية ولم يتم امر نباته اذا حصد وحصل فى البيدر لا يفيده اسباب التربية لتغيير احواله فالارواح بذور فى ارض الاشباح ومربيها ومنتبها وثمرها اعمال الشريعة بشرط الايمان ومفسدها ومبطلها ومغيرها عن احوالها الكفر واعمال الطبيعة والموت حصادها والقيامة بيدرها: قال الحافظ شعر : كارى كنيم ورنه خجالت بر آورد روزيكه رخت جان بجهان دكر كشيم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {تبيانًا}: حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. هـ. وقال في الصحاح: لم يجيء على الكسر إلا هذا، والتِّلقاء. هـ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {يومَ نبعثُ من كل أمة} من الأمم {شهيدًا} أي: رسولاً يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، {ثم لا يُؤْذَنُ للذين كفروا} في الاعتذار؛ إذ لا عذر لهم. أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبَّر بثم؛ لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. {ولا هم يُستعتَبون}: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. {وإذا رأى الذين ظلموا}: كفروا {العذاب}: جهنم {فلا يُخفف عنهم} العذابُ {ولا هم يُنظرون}؛ يُمهلون عنه إذا رأوه. {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءَهم}: أوثانهم التي دعوها شركاء الله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر؛ بالحمل عليه، {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعُو من دونك} أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. {فأَلْقَوا إليهم القولَ} قالوا لهم: {إنكم لكاذبون} أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم؛ كقوله: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}تفسير : [مريَم: 82]، وقوله:{أية : مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} تفسير : [القَصَص: 63]، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. {وألْقَوا إلى الله يومئذ السَّلم} أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه {يومئذ}، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، {وضلّ عنهم} أي: غاب وضاع وبطل {ما كانوا يفترون} من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. {الذين كفروا وصدُّوا} الناس {عن سبيل الله}؛ بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، {زدناهم عذابًا}؛ بصدهم، {فوق العذابِ} المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: "عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم". وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدُّلْم - أي: السود جدًا -، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب {بما كانوا يُفسدون} أي: بكونهم مفسدين؛ بصدهم عما فيه صلاح العالم. {و} اذكر أيضًا: {يومَ نبعثُ في كل أمةٍ شهيدًا عليهم من أنفسهم}؛ يعني: نبيهم؛ فإنَّ نبي كل أمة بعث منها. {وجئنا بك} يا محمد {شهيدًا على هؤلاء}؛ على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، {ونزَّلنا عليك الكتابَ}: القرآن {تبيانًا}؛ بيانًا بليغًا {لكل شيءٍ} من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال؛ بالإحالة على السنة أو القياس. {وهُدىً} من الضلالة، {ورحمة} بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حُرم المحروم؛ لتفريطه، {وبُشرى} بالجنة، وغيرها، {للمسلمين} الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدًا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة؛ فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئًا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه؛ تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن تبيان كل شيء ذكر آية تضمنت أصول الاحكام
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى إِن اليوم الذي يبعث فيه {من كلّ أمّة شهيداً} يشهد عليهم بكفرهم وضلالهم وجميع معاصيهم هو يوم القيامة، والشهيد في كل امة رسوله، ويجوز أن يكون قوم من المؤمنين المرضيين عند الله، وانما يقيم الشهادة عليهم مع أنه عالم بأحوالهم من حيث ان ذلك اهول في النفس واعظم في تصور الحال، واشد في الفضيحة إِذا قامت به الشهادة بحضرة الملأ التي يكون من الله التصديق لها مع جلالة الشهود عند الله بالحق. وقوله {ثم لا يؤذن للذين كفروا، ولا هم يستعتبون} قيل في معناه قولان: احدهما - انه لا يؤذن لهم في الاعتذار، على أن الآخرة مواطن: فيها ما يمنعون وفيها ما لا يمنعون. الثاني - انهم لم يؤذن لهم في الاعتذار بما ينتفعون، ولا يعرضون للعتبى الذي هو الرضا. وقال الجبائي: المعنى ان الله يخلق فيهم العلم الضروري بانهم ان اعتذروا لم تقبل معذرتهم، وإِن استعتبوا لم يعتبوا ولم يرد أنهم لا يؤمرون بالاعتذار، ولا يمكّنون منه، لأن الأمر والتكليف قد زالا عنهم. ثم اخبر تعالى أن الظالمين إذا رأوا العذاب يوم القيامة وشاهدوه، فلا يخفف عنهم ذلك العذاب اذا حصلوا فيه {ولا هم ينظرون} اي لا يؤخرون الى وقت آخر، بل عذابهم دائم في جميع الأوقات، ووقت التوبة والندم قد فات.
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ} عطف على نعمة الله، او على مفعول ينكرونها، او متعلّق بمحذوفٍ معطوفٍ على محذوف اى فحذّرهم وذكّرهم، او التّقدير فاعذّبهم اليوم ويوم نبعث {مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} ولمّا كان عناية الله بتكميل الخلق فى جهتهم الاخرويّة جعل فى كلّ امّةٍ واقعة فى طول الزّمان وكذا فى كلّ فرقة واقعة فى بقاع المكان خليفة منه يكون شاهداً عليهم ومراقباً لاعمالهم واحوالهم ومعطياً لمن استعدّ منهم حقّه من آداب السّلوك الى الآخرة والاستعداد لنعيم الجنّة، ويكون ذلك الخليفة باقواله وافعاله واحواله ميزاناً للكلّ ويوم القيامة يبعث الله كلّ امّةٍ ويبعث خليفتهم بشهادته قالاً وحالاً عليهم، فمن وافقه بعض الموافقة بعثهم الى الجنان بحسب مراتبهم فى مراتبها، ومن خالفه كلّ المخالفة بعثهم الى النّيران بحسب مراتبهم فى مراتبها، والمقصود تهديد من خالف من امّته (ص) خليفته عليّاً (ع) كما انّ الآيات السّابقة كانت لترغيبهم اليه (ع) {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} فى التّكلّم والاعتذار بل المتكلّم هو الخليفة لا غير {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يسترضون من العتبى بمعنى الرّضا.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ} أى واذكر يوم نبعث للشهادة أو خوفهم يوم نبعث للشهادة فيوم مفعول به لمحذوف أو يحيق بهم ما يحيق من الذل والعذاب يوم نبعث ويقعون فى أمر عظيم يوم نبعث فيوم ظرف وذلك اليوم يوم قيام الناس من قبورهم والبعث الإِقامة من القبر أو من بين الناس فى المحشر أى ويوم نبعث {مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} يشهد عليها ولها بإِيمان من آمن منها وكفر من كفر وبالتبليغ وهو نبيها ويجوز أن يبعث الله شهودا مع الأَنبياء من الصالحين قيل إِن شهداء كل أُمة يشهدون لرسولها بالتبليغ وكما قال بعض الصحابة إِذا رأيت أحداً على معصية فانهه فإِن أطاعك وإِلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة وإِن قلت كيف يقال على الوجه الأَول ويوم نبعث من القبر شهيدا من كل أُمة مع إِيهام أن الأُمة لا تبعث قلت لا إِيهام لأَن البعث إِنما هو لجزائهم بما عملوا فبعثه دليل على بعثهم، ولأَن السياق وغيره من الآى نص فى بعثهم ولكن خص بذكر البعث لمزيته ونظم أمر الشهادة بعده {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} فى الاعتذار لأَنه لا عذر لهم وفى الكلام أصلا وذلك فى بعض مواطن المحشر ولا اعتذار ولا كلام يومئذ إِلا بإِذن وليس كاليوم فتح الله للناس من باب الكلام فتحاً كليا ويجوز أن يراد بعدم الإِذن لهم الإِشارة إلى أنه لا حجة لهم ولا عذر وقيل لا يؤذن لهم فى الرجوع إِلى الدنيا وقيل لا يؤذن لهم فى معارضة الشهود معارضة صحيحة فمعارضتهم إِن وقعت كلا معارضة لأَنهم يفتضحون فإِنهم إِذا كذبوا الأَنبياء فى التبليغ بعد شهادة الأَنبياء عليهم كذبوهم فتشهد عليهم الشهداء والصلحاء وإِن كذبوا الشهداء والصالحين أقام لهم الله ما يصحح شهادتهم وقيل لا يكذبون الشهود من الأَنبياء والشهداء والصالحين أصلا بل يقرون بما شهدوا به عليه، وثم للتراخى منزلة منعهم من الاعتذار والكلام والرجوع إِلى الدنيا عن منزلة شهادة من يشهد عليهم يومئذ فى العظم فإِن منعهم من ذلك أشد إِيقاعا فى الهم والغم من الشهادة عليهم لأَنه قناط كلى {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} السين والتاء للطلب والعتبى الرضى، أى لا يطلب منهم أن يوقعوا لله الرضى أى أن يفعلوا ما يرضى بهِ الله عنهم بل يبقيهم فى عدم الرضى عليهم أو العتبى الرجوع إِلى ما يرضى به أى لا يطلب ذلك منهم ولا يجدونه ولا يقبل عنهم لأَن الآخرة ليست بدار الأَعمال بل دار ثواب وعقاب ولا رجوع إِلى الدنيا بعد وصول ذلك اليوم أو السين والتاء للتأكيد كأَنه قيل ولا هم يعتبون أى لا يكفيهم الله ما عاتبهم الرسل وغيرهم عليه فى الدنيا أو فى الآخرة أيضا بالشهادة عليهم أو ما من شأْنه أن يعاتبهم الله عليه، أو ما عاتبهم عليه عتاب توبيخ وقطع عذر، يقال أعتبته إِذا كفيته ما عقب فيه كما يقال شكوت إِليه فأَشكانى أى كفانى المهم الذى شكوت إِليه به أو السين والتاء باقيتان على الطلب العتبى الغضب والهمزة من أعتب الرباعى للسلب أى لا يطلب منهم إِزالة الغضب الواقع عليهم من الله جل جلاله بالتوبة وليس ذلك خارجا فى المعنى عما رجح بعضهم من قول الطبرى أن المعنى لا يعطون الرجوع إِلى الدنيا فتقع منهم توبة وعمل {وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا} كفروا أو ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصى {الْعَذَابَ} عذاب جهنم ورؤيته المباشر له {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ} أى العذاب والجملة جواب إِذا لا كما قيل إِن إِذا معطوف على يوم بالأَوجه السابقة فيه أو يقدر له عامل كعامل يوم لما فى ذلك من إِخراجها من الصدر والشرط مطلقا وعن الظرفية إِذا جعلت مفعولا به بالعطف على المفعول أو بتقدير عامل {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} يؤخرون عن العذاب بأَن يبقوا فى جهنم غير معذبين أو يخرجوا منها، كل ذلك لن يكون وقيل المعنى إِذا رأوا العذاب بأَعينهم بعد سوقهم إِليه أو مجيئه ليخلفهم ولم يمهل عنهم وقيل المعنى لا يردون إِلى الدنيا ليؤمنوا ويعملوا صالحا.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ شَهِيدًا} واذكر يوم نبعث إلخ لتقلى عن أداهم، أو اذكر لهم يوم نبعث إلخ ليزدحروا، أو لذلك كله، أو يجازون على كفرهم وإنكارهم يوم نبعث، أو خوفهم يوم نبعث، أو يوم نبعث إلخ يكون ما لا يحقق وصفه إلا نحن، قيل أو ينكرونها اليوم، ويوم نبعث، وفيه أنهم يفرون بها يوم البعث، حيث لا يتفهم إقرارهم، ولا ينكرونها، وشهيد كل أمة نبيها يشهد عليها بالإيمان أو الكفر، ومعنى بعث الشهيد من كل المجئ به كقوله عز وجل: "أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً"تفسير : [النساء: 41]. {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلّذِينَ كَفَرُوا} ثم لاستبعد أن يأذن الله عز وجل لهم أن يعتذروا، كما قال الله عز وجل: "أية : ولا يؤذن لهم فيعتذرون" تفسير : [المرسلات: 36] ذلك أنه لا عذر لهم البتة، ولا يستأذنون فضلا عن أن يؤذن لهم، وذلك إقناط كلى عندما يقال لهم: "أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون"تفسير : [المؤمنون: 108] أشد عليهم من شهادة الأنبياء عليهم، وليس المراد أن لهم عذرا لم يؤذن لهم فى ذكره، أو لا يؤذن لهم فى الرجوع إلى الدنيا، والتكليف قيل أو فى كثرة الكلام، قيل أو فى الكلام حال الشهادة، فتشهد الأنبياء وأهل الموقف كلهم لا مانع لهم من السمع. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} الاستفعال هنا بمعنى الأفعال التى للإزالة، يقال: أعتبه إعتابًا أزال عتباء، أى أزال ما يلام عليه، فلا يطلب منهم الرجوع إِلى ما يرضى الله من العبادة، أو ما يزول به عقب الله أى عقابه، ويجوز إبقاء الاستفعال على أصله من الطلب، أى لا يطلب منهم الإعتاب أى إزالة عتب ربهم وغضبه.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ} جماعة من الناس {شَهِيداً} يشهد لهم بالإيمان والطاعة وعليهم بالكفر والعصيان، والمراد به كما روى ابن المنذر وغيره عن قتادة نبـي تلك الأمة {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي في الاعتذار كما قال سبحانه: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 35-36] والظاهر أنهم يستأذنون في ذلك فلا يؤذن لهم، ويحتمل أنهم لا استئذان منهم ولا إذن إذ لا حجة لهم حتى تذكر ولا عذر حتى يعتذر، وقال أبو مسلم: المعنى لا يسمع كلامهم بعد شهادة الشهداء ولا يلتفت إليه كما في قول عدي بن زيد:شعر : في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذي مشار تفسير : وقيل: لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا، والأول مروي عن ابن عباس وأبـي العالية. و {ثم} للدلالة على أن ابتلاءهم بعدم الإذن المنبـىء عن الاقناط الكلي وذلك عندما يقال لهم: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم السلام فهي للتراخي الرتبـي. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي لا يطلب منهم أن يزيلوا عتب ربهم أي غضبه بالتوبة والعمل الصالح إذ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل والرجوع إلى الدنيا مما لا يكون، وقول الزمخشري: أي لا يقال لهم ارضوا ربكم تفسير باللازم، وقيل: المعنى ولا يطلب رضاهم في أنفسهم بالتلطف بهم من استعتبه كأعتبه إذا أعطاه العتبى وهي الرضا وأياً ما كان فالمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار، وانتصاب الظرف على ما قال الحوفي وغيره بمحذوف تقديره اذكر وقدره بعضهم خوفهم وهو في ذلك مفعول به، وقيل: وهو نصب على الظرفية بمحذوف أي يوم نبعث يحيق بهم ما يحيق، وقال الطبري: هو معطوف على ظرف محذوف العامل فيه ينكرونها أي ثم ينكرونها اليوم ويوم نبعث من كل أمة شهيداً فيشهد عليهم ويكذبهم وليس بشيء وتجري هذه الاحتمالات في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ...}.
ابن عاشور
تفسير : الواو عاطفة جملة {يوم نبعث} الخ على جملة {أية : فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} تفسير : [سورة النحل: 82] بتقدير: واذكر يوم نبعث من كل أمّة شهيداً. فالتذكير بذلك اليوم من البلاغ المبين. والمعنى: فإن تولّوا فإنما عليك البلاغ المبين، وسنجازي يوم نبعث من كل أمّة شهيداً عليها. ذلك أن وصف شهيد يقتضي أنه شاهد على المؤمنين به وعلى الكافرين، أي شهيد لأنه بلّغهم رسالة الله. وبعْثُ شهيدٍ من كل أمّة يفيد أن محمداً شهيد على هؤلاء الكافرين كما سيجيء عقبه قوله تعالى:{أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : [سورة النساء: 41]، وبذلك انتظم أمر العطف والتخلّص إلى وصف يوم الحساب وإلى التّنويه بشأنه. وانتصب {يوم نبعث} على المفعول به للفعل المقدّر. ولك أن تجعل {يوم} منصوباً على الظرفية لعامل محذوف يدلّ عليه الكلام المذكور يقدرّ بما يسمح به المعنى، مثل: نحاسبهم حساباً لا يستعتبون منه، أو وقعوا فيما وقعوا من الخطب العظيم. والذي دعا إلى هذا الحذف هو أن ما حقّه أن يكون عاملاً في الظرف وهو {لا يؤذن للذين كفروا} قد حوّل إلى جعله معطوفاً على جملة الظرف بحرف {ثمّ} الدال على التراخي الرتبي، إذ الأصْل: ويوم نبعث من كل أمّة شهيداً لا يؤذن للذين كفروا... إلى آخره، فبقي الظرف بدون متعلّق فلم يكن للسامع بُدّ من تقديره بما تذهب إليه نفسه. وذلك يفيد التهويل والتفظيع وهو من بديع الإيجاز. والشّهيد: الشّاهد. وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد} تفسير : في سورة النساء (41). والبعث: إحضاره في الموقف. و{ثم} للترتيب الرتبي، لأن إلجامهم عن الكلام مع تعذّر الاستعتاب أشدّ هولاً من الإتيان بالشهيد عليهم. وليست {ثم} للتراخي في الزمن، لأن عدم الإذن لهم مقارن لبعث الشّهيد عليهم. والمعنى: لا يؤذن لهم بالمجادلة عن أنفسهم، فحذف متعلق {يؤذن} لظهوره من قوله تعالى: {ولا هم يستعتبون}. ويجوز أن يكون نفي الإذن كناية عن الطّرد كما كان الإذن كناية عن الإكرام، كما في حديث جرير بن عبد الله «ما استأذنتُ رسول الله منذ أسلمت إلا أذن لي». وحينئذٍ لا يقدّر له متعلّق أو لا يؤذن لهم في الخروج من جهنّم حين يسألونه بقولهم: {أية : ادعوا ربّكم يخفّف عنّا يوماً من العذاب} تفسير : [سورة غافر: 49] فهو كقوله تعالى: {أية : فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون} تفسير : [سورة الجاثية: 35]. والاستعتاب: أصله طلب العُتبى، والعتبى: الرضى بعد الغضب، يقال: استعتب فلان فلاناً فأعتبه، إذا أرضاه، قال تعالى: {أية : وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} تفسير : [سورة فصلت: 24]. وإذا بُني للمجهول فالأصل أن يكون نائب فاعله هو المطلوبَ منه الرضى، تقول: استُعتِب فلانٌ فلم يُعْتب. وأما ما وقع في القرآن منه مبنيّاً للمجهول فقد وقع نائب فاعله ضمير المستعتبين كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى في سورة الروم (57): {أية : فيومئذٍ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون}، تفسير : وفي سورة الجاثية (35): {أية : فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون}. تفسير : ففسّره الراغب فقال: الاستعتاب أن يُطلب من الإنسان أن يَطلب العُتبى ا ه. وعليه فيقال: استُعتِبَ فلم يَسْتَعْتِب، ويقال: على الأصل استُعتب فلان فلم يُعْتب. وهذا استعمال نشأ عن الحذف. وأصله: استعتب له، أي طلب منه أن يستعتب، فكثر في الاستعمال حتى قلّ استعمال استُعتِب مبنيّاً للمجهول في غير هذا المعنى. وعطف {ولا هم يستعتبون} على {لا يؤذن للذين كفروا} وإن كان أخصّ منه، فهو عطف خاص على عام، للاهتمام بخصوصه للدّلالة على أنهم مأيوس من الرضى عنهم عند سائر أهل الموقف بحيث يعلمون أن لا طائل في استعتابهم، فلذلك لا يشير أحد عليهم بأن يستعتبوا. فإن جعلتَ {لا يؤذن} كناية عن الطّرد فالمعنى: أنهم يطردون ولا يجدون من يشير عليهم بأن يستعتبوا.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ}. لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله {لاَ يُؤْذَنُ} ولكنه بين في (المرسلات) أن متعلق الإذن الاعتذار. أي لا يؤذن لهم في الاعتذار، لأنهم ليس لهم عذر يصح قبوله، وذلك في قوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}تفسير : [المرسلات: 35-36]. فإن قيل: ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا، وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم. كقوله تعالى عنهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23]، وقوله: {أية : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}تفسير : [النحل: 28]، وقوله: {أية : بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً}تفسير : [غافر: 74]، ونحو ذلك من الآيات. فالجواب - من أوجه: منها - أنهم يعتذرون حتى إذا قيل لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق. كما قال تعالى: {أية : وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ}تفسير : [النمل: 85]. ومنها - أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة. أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم، يصدق عليه في لغة العرب: أنه ليس بشيء، ولذا صرح تعالى بأن المنافقين بكم في قوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ}تفسير : [البقرة: 18] مع قوله عنهم: {أية : وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}تفسير : [المنافقون: 4] أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. وقال عنهم أيضاً: {أية : فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ }تفسير : [الأحزاب: 19] فهذا الذي ذكره جل و علا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم، مع تصريحه بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء، كما هو واضح. وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي: شعر : وإن كلام المرء في غير كنهه لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها تفسير : وقد بينا هذا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في مواضع منه. والترتيب بـ"ثمَّ" في قوله في هذه الآية الكريمة: {لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} على قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم. قوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}. اعلم أولاً- أن استعتب تستعمل في اللغة بمعنى طلب العتبى. أي الرجوع إلى ما يرضي العاتب ويسره. وتستعمل أيضاً في اللغة بمعنى أعتب: إذا أعطى العتبى. أي رجع إلى ما يحب العاتب ويرضى، فإذا علمت ذلك - فاعلم أن في قوله: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} وجهين من التفسير متقاربي المعنى. قال بعض أهل العلم: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا تطلب منهم العتبى، بمعنى لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا. وقال بعض العلماء: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي يعتبون، بمعنى يزال عنهم العتب، ويعطون العتبى وهي الرضا. لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين. وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور: {أية : وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}تفسير : [فصلت: 24] أي وإن يطلبوا العتبى - وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم - فما هم من المعتبين. بصيغة اس المفعول: أي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم. لأن العرب تقول: أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع تفسير : أي لا يرجع الدهر إلى مسرة من جزع ورضاه. وقول النابغة: شعر : فإن كنت مظلوماً فعبد ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب تفسير : وأما قول بشر بن أبي خازم: شعر : غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعتبوا بالصيلم تفسير : يعني أعتبناهم بالسيف، أي أرضيناهم بالقتل. فهو من قبيل التهكم، كقول عمرو بن معدي كرب: شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : لأن القتل ليس بإرضاء، والضرب الوجيع ليس بتحية. وأما على قراءة من قرأ {أية : وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ }تفسير : [فصلت: 24] بالبناء للمفعول {أية : فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}تفسير : [فصلت: 24] بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنهم لو طلبت منهم العتبى وردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله وطاعة رسله، فما هم من المعتبين: أي الراجعين إلى ما يرضي ربهم، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه أولاً، وهذه القراءة كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 28].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويوم نبعث: أي اذكر يوم نبعث. شهيداً: هو نبيها. لا يؤذن للذين كفروا: أي بالاعتذار فيتعذرون. ولا هم يستعتبون: أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى اعتقاد وقول وعمل ما يرضي الله عنهم. وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم: أي الذين كانوا يعبدونهم من دون الله كالأصنام والشياطين. فألقوا إليهم القول: أي ردوا عليهم قائلين لهم إنكم لكاذبون. وألقوا إلى الله يومئذ السلم: أي ذلوا له وخضعوا لحكمه واستسلموا. وضل عنهم ما كانوا يفترون: من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وتنجيهم من عذابه، ومعنى ضل غاب. عذاباً فوق العذاب: أنه عقارب وحيات كالنِّخل الطوال والبغال الموكفة. ونزلنا عليك الكتاب: أي القرآن. تبياناً لكل شيء: أي لكل ما بالأمة من حاجة إليه في معرفة الحلال والحرام والحق والباطل والثواب والعقاب. معنى الآيات: انحصر السياق الكريم في هذه الآيات الست في تقرير البعث والجزاء مع النبوة فقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ} أي اذكر يا رسولنا محمد يوم نبعث {مِن كُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم {شَهِيداً} هو نبيها الذي نبئ فيها وأرسل إليها {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالاعتذار فيعتذرون {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى اعتقاد وقول وعمل يرضي الله عنهم أي اذكر هذا لقومك، علهم يذكرون فيتعظون، فيتوبون، فينجون ويسعدون. وقوله في الآية الثانية [85] {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ} أي يوم القيامة {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي يمهلون. اذكر هذا أيضاً تذكيراً وتعليماً، واذكر لهم {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} في عرصات القيامة أو في جهنم صاحوا قائلين {رَبَّنَا} أي يا ربنا {هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ} أي نعبدهم بدعائهم والإستغاثة بهم، {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ} فوراً {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ}. {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} أي الإِستسلام فذلوا لحكمه {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} في الدنيا من ألوان الكذب والترهات كقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأنهم ينجون من النار بشفاعتهم، وأنهم وسيلتهم إلى الله كل ذلك ضل أي غاب عنهم ولم يعثروا منه على شيء. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} غيرهم بالدعوة إلى الكفر وأسبابه والحمل عليه أحياناً بالترهيب والترغيب {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} الذي استوجبوه بكفرهم. ورد أن هذه الزيادة من العذاب أنها عقارب كالبغال الدهم، وأنها حيات كالنخل الطوال والعياذ بالله تعالى من النار وما فيها من أنواع العذاب، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ} أي اذكر يا رسولنا يوم نبعث {فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي يوم القيامة {عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} أي على من أرسلت إليهم من أمتك. فكيف يكون الموقف إذ تشهد على أهل الإِيمان بالإِيمان وعلى أهل الكفر بالكفر. وعلى أهل التوحيد بالتوحيد، وعلى أهل الشرك بالشرك إنه لموقف صعب تعظم فيه الحسرة وتشتد الندامة.. وقوله تعالى في خطاب رسوله مقرراً نبوته والوحي إليه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي القرآن {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} الأمة في حاجة إلى معرفته من الحلال والحرام والأحكام والأدلة {وَهُدًى} من كل ضلال {وَرَحْمَةً} خاصة بالذين يعملون به ويطبقونه على أنفسهم وحياتهم فيكون رحمة عامة بينهم {وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} أي المنقادين لله في أمره ونهيه بشرى لهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل يوم القيامة، وبالنصر والفوز والكرامة في هذه الدار. وبعد إنزالنا عليك هذا الكتاب فلم يبق من عذر لمن يريد أن يعتذر يوم القيامة ولذا ستكون شهادتك على أمتك أعظم شهادة وأكثرها أثراً على نجاة الناجين وهلاك الهالكين ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث الآخر بما لا مزيد عليه لكثرة ألوان العرض لما يجرى في ذلك اليوم. 2- براءة الشياطين والأصنام الذين أشركهم الناس في عبادة الله من المشركين بهم والتبرؤ منهم وتكذيبهم. 3- زيادة العذاب لمن دعا إلى الشرك والكفر وحمل الناس على ذلك. 4- لا عذر لأحد بعد أن أنزل الله تعالى القرآن تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين.
القطان
تفسير : الامة: الجيل من الناس. شهيدا: شاهدا. لا يستعتبون: لا يقبل عذرهم. ولا هم ينظرون: لا يؤخرون. فالقوا اليهم القول: يعني ان شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم كذبوهم. السلم: الاستسلام تبيانا: بيانا. {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}. ويوم القيامة نحشرُ الناسَ ونأتي من كل أمةٍ بشهيدٍ يشهد لها او عليها بما قابلت رسولها، ويومئذ لا يُسمع من الكافرين أيُّ قول، ولا يُقبل لهم اعتذار. وذلك كما قال تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 35-36]. {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}. ويوم القيامة اذا رأى الظالمون عذابَ النار، وطلبوا ان يخفَّف عنهم لا يجابُ طلبُهم، ولا يؤخرون عن دخول جهنم. ثم اخبر الله عن محاولة المشركين إلقاءَ تبعه أعمالِهم على آلهتهم التي عبدوها وردَّ آلهتهم عليهم فقال: {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ}. واذا رأى الذين أشركوا آلهتَهم التي عبدوها قالوا: يا ربنا هؤلاء الذين كنا نعْبدهم مخطئين، فخفَّف عن العذابَ بإلقاء بعضِه عليهم. فيجيبهم شركاؤهم قائلين: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ}. فردّوا عليهم قولَهم وقالوا إنكم لكاذبون في دعواكم أنّنا شركاء لكم في الإثم، وإنكم لما عبدتمونا، إنما عبدتُم أهواءكم. {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. واستسلموا إلى الله خاضعين، ولم يجِدوا من ينصرهم وخاب ظنهم بمعبوداتهم وما كانوا يفترون على الله الكذب. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ}. ان الذين كفروا ومنعوا غيرهم من الإيمان بالله زدْناهم عذاباً فوق العذاب الذي استحقّوه بالكفر، بسبب ما كانوا يعملون من الفساد وإضلال غيرهم من الناس، فلهُم على ذلك عذابٌ مضاعف. ثم يخاطب الله رسولَه الكريمَ بهذه الآية المبشرة للمؤمنين. {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ}. اذكر أيها الرسول يومَ القيامة، يوم يبعثُ الله نبيَّ كلِ أمةٍ شاهداً عليهم، ونجيء بك شاهداً على هؤلاء الذين كذّبوك. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}. ولقد أنزلْنا عليك القرآن يبيّن للناس كلّ شيءٍ من الحق وما يحتاجون اليه، وفيه الهدايةُ والرحمة والبشرى للذين أسلموا وآمنوا بك وصدقوك.
د. أسعد حومد
تفسير : (84) - وَحَذِّرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ هؤلاءِ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ اليَوْمُ الذِي يَبْعَثُ اللهُ فِيهِ الخَلْقَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ عَلَيْهَا هُوَ نَبِيُّها، يَشْهَدُ عَلَيْهَا، بِمَا أَجَابَتْهُ بِهِ حِينَمَا بَلَّغَهَا رِسَالَةَ رَبِّهِ، ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا - بَعْدَ شَهَادَةِ الأَنْبِيَاءِ - بِالكَلاَمِ وَالاعْتِذَارِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلاَنِ مَا سَيَعَتَذِرُونَ بِهِ وَكَذِبَهُ، وَلاَ يُطلَبُ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَرْضُوا رَبَّهُمْ، وَيُزِيلُوا عَتَبَهُ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، لأِنَّهُ قَدْ فَاتَ أَوَانُ العِتَابِ وَالاسْتِرْضَاءِ. وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ - لاَ يُطْلَبُ مِنْهُمُ اسْتِرْضَاءُ رَبِّهِمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} يعني رسولها {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} في الاعتذار {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يسترضون، يعني لا يكلّفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون للرجوع إلى دار الدنيا [فيتوبون] {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} كفروا {ٱلْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} يؤخّرون {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} يوم القيامة {شُرَكَآءَهُمْ} أوثانهم {قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ} أرباباً ونعبدهم {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ} أي قالوا لهم، يقال: ألقيت إليك كذا، يعني: قلت لك {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا علمنا بعبادتكم إيانا {وَأَلْقَوْاْ} يعني المشركين {إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم ولم تغن عنهم آلهتهم شيئاً {وَضَلَّ} زال [........] {عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من إنها تشفع لهم. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ}. روى عبد الله بن مرة عن مسروق قال: قال عبد الله: {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ}، قال: عقارب لها أنياب أمثال النخل الطوال، ابن عبّاس ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار يسيل من تحت العرش، يعذبون بها ثلث على مقدار الليل وثلثان على مقدار النهار. سعيد بن جبير: حيّات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمّتها أربعين خريفاً. وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار. ويقال: هو أنهم يحملون أثقال أتباعهم. كما قال الله تعالى {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] . ويقال: إنه يضاعف لهم العذاب. {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} في الدنيا من الكفر وصد الناس عن الإيمان {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } يعني عليها، وإنما قال: {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} لأنه كان يبعث إلى الأُمم أنبياءها منها {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمّد {شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} الذين بُعثت إليهم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام {وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}، {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} يعني بالإنصاف {وَٱلإحْسَانِ} إلى الناس، الوالبي عن ابن عبّاس: العدل: التوحيد، والإحسان أداء الفرائض. [وقيل: ] العدل: شهادة أن لا إله إلاّ الله، والاحسان: الاخلاص فيه. عطاء عنه: العدل: مصطلح الأنداد، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، مقاتل: العدل: التوحيد، والإحسان: العفو عن الناس، وقيل: العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال. كقوله: {أية : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} تفسير : [البقرة: 83]. {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} صلة الرحم {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} القبيح من الأقوال والأفعال. وقال ابن عبّاس: الزنا. {وَٱلْمُنْكَرِ} ما لا يُعرف في شريعة ولا سنّة {وَٱلْبَغْيِ} الفسق والظلم. وقال ابن عيينة: [والعدل في مستوى] السر والعلانية. والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء أن تكون علانيته أحسن من سريرته. {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون. قتادة: إن الله تعالى أمر عباده بمكارم الأخلاق ومعاليها، ونهاهم عن سفاسف الأخلاق ومذاقها. وقال ابن مسعود: وأجمع آية في القرآن هذه الآية. شهر بن حوشب عن ابن عبّاس قال: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته بمكة جالساً إذ مرَّ به عثمان بن مظعون فكسر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله: "ألا تجلس" قال: بلى، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله فبينما هو يحدّثه إذ شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره إلى السماء فنظر ساعة فأخذ يضع بصره حتّى وقع على يمينه في الأرض فتحرّف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنّه يستفهم شيئاً يقال له، ثمّ شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره إلى السماء كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتّى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان كحالته الأولى، فقال: يا محمّد فيما كنت أُجالسك ما رأيتك تفعل فعلتك لغداة؟ قال: "وما رأيتني فعلت"؟ قال: رأيتك تشخص بصرك إلى السماء ثمّ وضعته على يمينك فتحرّفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفهم شيئاً يقال لك. فقال: "أو فطنت إلى ذلك"؟ قال: نعم، قال: "أتاني رسول الله جبرائيل آنفاً وأنت جالس" قال: نعم: فماذا قال: لك؟ قال: قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} إلى آخره . تفسير : قال عثمان: فذلك الحين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم. وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على الوليد بن المغيرة { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} إلى آخر الآية، قال له: يابن أخ أعد، فأعاد عليه. فقال: إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة فإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول بشر، ثمّ لم يسلم، فأنزل الله فيه: {أية : وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} تفسير : [النجم: 34]. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} تشديدها [ويحنثوا فيها]، والتوكيد لغة أهل الحجاز، أمّا أهل نجد فإنهم يقولون: أُكّدت تأكيداً {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} بالوفاء {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاماً. فقال بعضهم: نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم الله بالوفاء بها. وقال مجاهد وقتادة: نزلت في حِلف أهل الجاهلية. ثمّ ضرب جلّ ثناؤه مثلاً لنقض العهد، فقال عز من قائل: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} أي من بعد إبرامه وإحكامه، وكان بعض أهل اللغة يقول: القوة ما غزل على طاقة واحدة ولم يثن. الكلبي ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم كانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفتل عظمة على قدرها وكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر وتأمر جواريها بذلك فكنّ يغزلنّ من الغداة إلى نصف النهار، فإذا إنتصف النهار أمرت جواريها بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها. وقوله {أَنكَاثاً} يعني أنقاضاً واحدتها نكثة، وهو كل ما نقض بعد الفتل غزلاً كان أو حبالاً {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي دخلاً وخيانة وخديعة. قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل. {أَن تَكُونَ} أي لأن تكون {أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى} أكثر وأجلّ {مِنْ أُمَّةٍ}. قال مجاهد: ذلك أنهم كانوا يحالفون الحلف فيجدون أكبر منهم وأعز ويستيقنوه فيحلف هؤلاء ويحالفون الأكثر فنهاهم الله تعالى عن ذلك {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} يختبركم بأمره إياكم بالوفاء بالعهد {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} في الدنيا {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} على ملّة واحدة، {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } بخذلانه إياهم عدلا منه فيهم {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} بتوفيقه إياهم فضلاً منه {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق تبارك وتعالى يُنبّهنا هنا إلى أن المسألة ليست ديناً، وتنتهي القضية آمن مَنْ آمن، وكفر مَنْ كفر .. إنما ينتظرنا بعث وحساب وثواب وعقاب .. مرجع إلى الله تعالى ووقوف بين يديه، فإنْ لم تذكر الله بما أنعم عليك سابقاً فاحتط للقائك به لاحقاً. والشهيد: هو نبيُّ الأمة الذي يشهد عليهم بما بلّغهم من منهج الله. وقال تعالى في آية أخرى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143]. فكأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعطاها الله أمانة الشهادة على الخَلْق لأنها بلغتهم، فكل مَنْ آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مطلوب منه أن يُبلّغ ما بلَّغه الرسول، ليكون شاهداً على مَنْ بلغه أنه بلَّغه: {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [النحل: 84]. فحينما يشهد عليهم الشهيد لا يُؤْذَن لهم في الاعتذار، كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36]. أو حينما يقول أحدهم: {أية : رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ..} تفسير : [المؤمنون: 99-100]. فلا يُجَاب لذلك؛ لأنه لو عاد إلى الدنيا لفعل كما كان يفعل من قبل، فيقول تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ..} تفسير : [الأنعام: 28]. وقوله: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ..} [النحل: 84]. يستعتبون: مادة استعتب من العتاب، والعتاب مأخوذ من العَتْب، وأصله الغضب والموجدة تجدها على شخص آخر صدر منه نحوك ما لم يكن مُتوقّعاً منه .. فتجد في نفسك موجدة وغضباً على مَنْ أساء إليك. فإن استقرّ العَتْب الذي هو الغضب والموجدة في النفس، فأنت إمّا أنْ تعتب على مَنْ أساء إليك وتُوضّح له ما أغضبك، فربما كان له عُذْر، أو أساء عن غير قصد منه، فإن أوضح لك المسألة وأرضاك وأذهب غضبك فقد أعتبك .. فنقول: عتَب فلان على فلان فأعتبه، أي: أزال عَتْبه. والإنسان لا يُعاتب إلا عزيزاً عليه يحرص على علاقته به، ويضعه موضعاً لا تتأتى منه الإساءة، ومن حقه عليك أن تعاتبه ولا تدعْ هذه الإساءة تهدم ما بينكما. إذن: معنى: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل: 84]. أي: لا يطلب أحد منهم أنْ يرجعوا عما أوجب العَتْب وهو كفرهم .. فلم يَعُد هناك وقت لعتاب؛ لأن الآخرة دار حساب، وليست دار عمل أو توبة .. لم تَعُدْ دارَ تكليف. ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حال الذين كفروا في يوم القيامة وأنه لا يقبل لهم عذر ولا يرفع عنهم العقاب وأن شركاءهم تتبرأ منهم ويقرون على أنفسهم بالكفر والافتراء على الله فقال: { وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } يشهد عليهم بأعمالهم وماذا أجابوا به الداعي إلى الهدى وذلك الشهيد الذي يبعثه الله أزكى الشهداء وأعدلهم وهم الرسل الذين إذا شهدوا تم عليهم الحكم. فـ { لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } في الاعتذار لأن اعتذارهم بعد ما علم يقينا بطلان ما هم عليه، اعتذار كاذب لا يفيدهم شيئا، وإن طلبوا أيضا الرجوع إلى الدنيا ليستدركوا لم يجابوا ولم يعتبوا، بل يبادرهم العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم من غير إنظار ولا إمهال من حين يرونه لأنهم لا حساب عليهم لأنهم لا حسنات لهم وإنما تعد أعمالهم وتحصى ويوقفون عليها ويقرون بها ويفتضحون. { وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ } يوم القيامة وعلموا بطلانها ولم يمكنهم الإنكار. { قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ } ليس عندها نفع ولا شفع، فنوَّهوا بأنفسهم ببطلانها، وكفروا بها، وبدت البغضاء والعداوة بينهم وبينها، { فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ } أي: ردت عليهم شركاؤهم قولهم، فقالت لهم: { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } حيث جعلتمونا شركاء لله، وعبدتمونا معه فلم نأمركم بذلك، ولا زعمنا أن فينا استحقاقا للألوهية فاللوم عليكم. فحينئذ استسلموا لله، وخضعوا لحكمه وعلموا إنهم مستحقون للعذاب. { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } فدخلوا النار وقد امتلأت قلوبهم من مقت أنفسهم ومن حمد ربهم وأنه لم يعاقبهم إلا بما كسبوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):