١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا أيضاً من بقية وعيد المشركين، وفي الشركاء قولان: القول الأول: أنه تعالى يبعث الأصنام التي كان يعبدها المشركون، والمقصود من إعادتها أن المشركين يشاهدونها في غاية الذلة والحقارة. وأيضاً أنها تكذب المشركين، وكل ذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم، وإنما وصفهم الله بكونهم شركاء لوجهين: الأول: أن الكفار كانوا يسمونها بأنها شركاء الله. والثاني: أن الكفار جعلوا لهم نصيباً من أموالهم. والقول الثاني: أن المراد بالشركاء الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر، وهو قول الحسن، وإنما ذهب إلى هذا القول، لأنه تعالى حكى عن أولئك الشركاء أنهم ألقوا إلى الذين أشركوا إنهم لكاذبون، والأصنام جمادات فلا يصح منهم هذا القول، فوجب أن يكون المراد من الشركاء الشياطين حتى يصح منهم هذا القول وهذا بعيد، لأنه تعالى قادر على خلق الحياة في تلك الأصنام وعلى خلق العقل والنطق فيها، وحينئذ يصح منها هذا القول، ثم حكى تعالى عن المشركين أنهم إذا رأوا تلك الشركاء قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك. فإن قيل: فما فائدتهم في هذا القول؟ قلنا: فيه وجهان: الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين إحالة الذنب على هذه الأصنام وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم، فعند هذا تكذبهم تلك الأصنام. قال القاضي: هذا بعيد، لأن الكفار يعلمون علماً ضرورياً في الآخرة أن العذاب سينزل بهم وأنه لا نصرة ولا فدية ولا شفاعة. والقول الثاني: أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا مخطئين في عبادتها. ثم حكى تعالى أن الأصنام يكذبونهم، فقال: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمعنى: أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول، وقوله: {إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ } بدل من القول، والتقدير: فألقوا إليهم إنكم لكاذبون. فإن قيل: إن المشركين ما قالوا إلا أنهم لما أشاروا إلى الأصنام قالوا: إن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك وقد كانوا صادقين في كل ذلك، فكيف قالت الأصنام إنكم لكاذبون؟. قلنا: فيه وجوه: والأصح أن يقال المراد من قولهم هؤلاء شركاؤنا هو أن هؤلاء الذين كنا نقول إنهم شركاء الله في المعبودية، فالأصنام كذبوهم في إثبات هذه الشركة. وقيل: المراد إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة ويدل عليه قوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ } تفسير : [مريم: 82]. ثم قال تعالى: {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } وفيه وجهان: وقيل: ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان من أن لله شريكاً وصاحبة وولداً. وقيل: بطل ما كانوا يأملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها؛ وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى يُورِدوهم النار. وفي صحيح مسلم: «حديث : من كان يعبد شيئاً فَلْيَتَّبِعْه فيتّبِع من كان يعبد الشمس الشمسَ ويتّبع من كان يعبد القمر القمرَ ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت»تفسير : الحديث، خرجه من حديث أنس، والترمذي من حديث أبي هريرة، وفيه: «حديث : فيُمَثَّل لصاحب الصليب صليبُه ولصاحب التصاوير تصاويرُه ولصاحب النار نارُه فيتبعون ما كانوا يعبدون»تفسير : وذكر الحديث. {قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ} أي الذين جعلناهم لك شركاء. {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} أي ألقت إليهم الآلهة القول، أي نطقت بتكذيب من عبدها بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها، فيُنطق الله الأصنامَ حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار. وقيل: المراد بذلك الملائكة الذين عبدوهم. {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} يعني المشركين، أي استسلموا لعذابه وخضعوا لعزّه. وقيل: استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم. {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي زال عنهم ما زَيّن لهم الشيطان وما كانوا يؤمّلون من شفاعة آلهتهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا رَءا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ } من الشياطين وغيرها {قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا } نعبدهم {مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ } أي قالوا لهم {إِنَّكُمْ لَكَٰذِبُونَ } في قولكم إنكم عبدتمونا كما في آية أخرى { أية : مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ }، { أية : سَيَكْفُرُونَ بِعِبَٰدَتِهِمْ }.
ابن عطية
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أن المشركين إذا رأوا يوم القيامة بأبصارهم الأوثان والأصنام وكل معبود من دون الله لأنها تحشر معهم توبيخاً لهم على رؤوس الأشهاد أشاروا إليهم وقالوا هؤلاء كنا نعبد من دون الله، أرادوا بذلك تذنيب المعبودين وإدخالهم في المعصية، وأضافوا الشركاء إلى أنفسهم من حيث هم جعلوهم شركاء، وهذا كما يصف رجل آخر بأنه خير فتقول أنت ما فعل خيرك فأضفته إليه من حيث وصفه هو بتلك الصفة، والضمير في {أقول} عائد على الشركاء، فمن كان من المعبودين من البشر ألقى القول المعهود بلسانه، وما كان من الجمادات تكلمت بقدرة الله بتكذيب المشركين في وصفهم بأنهم آلهة وشركاء لله، ففي هذا وقع الكذب لا في العبادة وقال الطبري: المعنى إنكم لكاذبون، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا. قال القاضي أبو محمد: فكأنهم كذبوهم في التذنيب لهم وقوله {وألقوا إلى الله}، الضمير في {ألقوا} عائد على المشركين، والمعنى ألقوا إليه الاستسلام، وألقوا ما بأيديهم وذلوا لحكمه، ولم تكن لهم حيلة ولا دفع، و {السلم} الاستسلام، وقرأ الجمهور "السلَم" بفتح اللام، وروى يعقوب عن أبي عمرو سكون اللام، وقرأ مجاهد "السُّلُم" بضم السين واللام، وقوله {وضل عنهم} معناه وتلف عنهم كذبهم على الله وافتراؤهم الكفر والتشريك، وقوله {الذين كفروا} الآية، في ضمن قوله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} لأنه حل بهم عذاب الله وباشروا نقمته، ثم فسروه فأخبر أن الذين كفروا ومنعوا غيرهم من الدخول في الدين وسلوك سبيل الله زادهم عذاباً أجلّ من العذاب العام لجميع الناس عقوبة على إفسادهم، فيحتمل أن يكون قوله {الذين} بدلاً من الضمير في {يفترون}، و {زدناهم} فعل مستأنف إخباره، ويحتمل أن يكون {الذين} ابتداء و {زدناهم} خبره، وروي في ذلك أن الله تعالى يسلط عليهم عقارب وحيات لها أنياب كالنخل الطوال، قاله ابن مسعود، وقال عبيد بن عمير: لها أنياب كالنخل وعقارب كالبغال الدهم، ونحو هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، إن لجهنم سواحل فيها هذه الحيات وهذه العقارب، فيفر الكافر إلى السواحل من النار، فتلقاهم هذه الحيات والعقارب، فيفرون منها إلى النار فتتبعهم حتى تجد حر النار، فترجع، قال وهي في أسراب، وقوله تعالى {ويوم نبعث} الآية، هذه الآية في ضمنها وعيد، والمعنى واذكر يون نبعث في كل أمة شهيداً عليها، وهو رسولها الذي شاهد في الدنيا تكذيبها وكفرها، وإيمانها وهداها، ويجوز أن يبعث الله شهيداً من الصالحين مع الرسل، وقد قال بعض الصحابة: إذا رأيت أحداً على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيداً عليه يوم القيامة، {من أنفسهم} بحسب أن بعثة الرسل كذلك، في الدنيا وذلك أن الرسول الذي من نفس الأمة في اللسان والسير وفهم الأغراض والإشارات يتمكن له إفهامهم والرد على معانديهم، ولا يتمكن ذلك من غير من هو من الأمة، فلذلك لم يبعث الله قط نبياً إلا من الأمة المبعوث إليهم، وقوله {هؤلاء} إشارة إلى هذه الأمة و {الكتاب} القرآن، وقوله {تبياناً} اسم وليس بالمصدر، وهو كالنقصان، والمصادر في مثل هذا، التاء فيها مفتوحة كالترداد والتكرار، ونصب {تبياناً} على الحال. وقوله {لكل شيء} أي مما يحتاج في الشرع ولا بد منه في الملة كالحلال والحرام والدعاء إلى الله والتخويف من عذابه، وهذا حصر ما اقتضته عبارات المفسرين، وقال ابن مسعود: أنزل في هذا القرآن كل علم، وكل شيء قد بين لنا في القرآن، ثم تلا هذه الآية.
القشيري
تفسير : تمنوا أن يَنْقِمُوا من إخوانهم الذين عاشروهم، وحملوهم على الزَّلَّة، فيتبرأون من شركائهم، ويلعن بعضهم بعضاً، وتضيق صدورهم من بعض.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا رأى الذين اشركوا شركاءهم} اوثانهم التى عبدوها {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا} اى آلهتنا التى جعلناها شركاء {الذين كنا ندعو من دونك} اى نعبدهم متجاوزين عبادتك وهو اعتراف بانهم كانوا مخطئين فى ذلك والتماس بتوزيع العذاب بينهم {فالقوا} اى شركاؤهم {اليهم القول} يقال القيت الى فلان كذا اى قلت اى انطقهم الله تعالى فاجابوهم بالتكذيب وقالوا لهم {انكم} ايها المشركون {لكاذبون} فى ادعائكم اننا شركاء لله اذ ما امرناكم بعبادتنا وكنا مشغولين بتسبيح الله وطاعته فارغين عنكم وعن احوالكم كما قال تعالى {أية : وان من شئ الا يسبح بحمده }
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن حال المشركين والكفار في الآخرة وأنهم إِذا رأوا شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله. وقيل انما سموا {شركاءهم} لأمرين: احدهما - لانهم جعلوا لهم نصيباً في أموالهم. الثاني - لانهم جعلوهم شركاء في العبادة. ومعنى قوله {هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك} اعتراف منهم على انفسهم بأنهم كانوا يشركون مع الله غيره في العبادة. وقوله {فألقوا إليهم القول إِنكم لكاذبون} قيل في معناه قولان: احدهما - ألقى المعبودون القول {إنكم لكاذبون} في أنا نستحق العبادة. والثاني - {إنكم لكاذبون} في قولكم إِنا دعوناكم الى العبادة. وقيل: انكم لكاذبون بقولكم إِنا آلهة. وإِلقاء المعنى الى النفس إِظهاره لها، حتى تدركه متميزاً من غيره، فهؤلاء ألقوا القول حتى فهموا عنهم انهم كاذبون. وقوله {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} معناه استسلموا بالذل لحكم الله - في قول قتادة - {وضل عنهم ما كانوا يفترون} اي يضل ما كانوا يأملونه ويقدرون من ان آلهتهم تشفع لهم. ثم أخبر تعالى ان الذين يكفرون بالله ويجحدون وحدانيته، ويكذبون رسله، ويصدون غيرهم عن اتباع الحق الذي هو سبيل الله {زدناهم عذاباً فوق العذاب}. قال ابن مسعود: أفاعي وعقارب النار لها أنياب كالنخل الطوال جزاءاً {بما كانوا يفسدون} في الارض.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} من الاصنام والكواكب والشّياطين وخلفاء الجور {قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا} اى الشّركاء {إِلَيْهِمُ} الى المشركين {ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} فى ادّعاء اشراكنا بل كنتم تعبدون اهواءكم وجعلتم صورة عبادتنا جالبة لمقتضى اهويتكم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ} أى أصنامهم التى يدعون أنها شركاء لله وإِضافتها إِليهم بعنوان لفظ الشركة للملابسة وكونهم هم المسمين لها بشركاء لله فى العبادة والحرث والأَنعام تعالى عن الشركة أو المراد بالشركاء الشياطين فإِنها تشاركهم فى الأَموال والأَولاد، وفى الكفر بحملهم على الكفر يعرف كل إِنسان الشيطان الذى كان يضله فى الدنيا {قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ} نطلبهم فى قضاء الحوائج أو نعبدهم أو نطيعهم فيما أمر ونابه من المعاصى والكفر وهذا الأَخير إِذا فسرنا الشركاء بالشياطين ويحتمل أيضا أن يكذبوا على الأَصنام، أمرتهم بالشرك والمعاصى فأطاعوها وإِنما قالوا ما ذكر الله عنهم حين رأُوا شركاءهم اعترافا بخطأهم فى ذلك ولا ينفعهم ذلك الاعتراف أو التماساً بأَن يلقى العذاب على الشركاء كله أجمع، لأَنها المعبودة والآمرة بالعبادة أو المطاعة والآمرة بالطاعة أو المدعوة فى الحوائج والآمرة بالدعاء فيها أو التماساً أن يلقى عليها شطر العذاب لذلك أو أكثره فيخفف عنهم وتذنيبا لها {فَأَلْقَوْا} أى طرحوا {إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} الواو فى ألقوا للشركاء فإِن كانت الشياطين فظاهر وإِن كانت الأَصنام فإِن الله سبحانه وتعالى ينطقها ويقدرها على إِلقاء القول والهاء فى إِليهم للمشركين وهم الذين ظلموا وإِنكم لكاذبون مفعول للقول أو لأَلقوا فإِن إِلقاء القول قول وهو أولى ولا سيما أن إِعمال المصدر المقرون بأَل شاذ أى فقالت الأَصنام أو الشركاء إِنكم لكاذبون فى قولكم إِننا شركاء لله سبحانه وتعالى أو فى قولكم إِنكم عبدتمونا حقيقة، وإِنما عبدتم أهواءكم كقوله عز وجل كلا سيكفرون بعبادتهم وقوله تعالى: ما كنتم إِيانا تعبدون أو فى قولكم إِنا حملناكم على الكفر والمعاصى وألزمناكم إِياها كقوله سبحانه: {أية : وما كان لى عليكم من سلطان إِلا أن دعوتكم فاستجبتم لى} تفسير : وهذان الوجهان فى الشياطين ولا مانع منه أيضاً فى الأَصنام أو تقول الأَصنام إِنكم كاذبون فى ادعائكم إِنا أمرناكم بعبادتنا أو بطلبنا أو بطاعتنا ولسنا نتكلم حتى نأمركم وفى مواجهة الأَصنام أو الشياطين لهم بذلك ازدياد غم وحسرة وغاية حقارة وذلة وقيل الواو فى ألقوا عائد إِلى المشركين والهاء فى إِليهم إِلى الشركاء أى كاذبون فى الدنيا غارون لنا وعليه فتكون الفاء غير سببية وما ذكرته أولى.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا رَأَى الّذِينَ} الناس الكافرون الذين {أَشْرَكُوا} بالله غير (شُرَكَاءَهُمْ) مفعول به لرأى، وهم الشياطين مطلقا، وشياطين الأصنام التى تتكلم من أجوافها هؤلاء الشياطين قيل والأصنام لا شركة بينهم و بين الكافرين العابدين لها فى مثل، ولا ألوهية، وأضيفت إليهم، لأن الإضافة تصح لأدنى ملابسة إذ كانوا يسمونها شريكة الله، وادعوا الشركة لها، وكذا فى قوله: شركاؤنا. قلت: بل يجعلون لها فى أموالهم نصيباً وهى شريكة لله على زعمهم فى الألوهية، وشريكة لهم فى أموالهم، والأولى أن شركاءهم ما يعبدونه من صنم أو وثن أو شيطان أو آدمى أو ملك، وقيل: شركاءهم المشركون الذين دعوهم إِلى الإشراك، وقيل: شركاءهم فى العقاب فسموا شركاء، ولا يظهر هذا، ولا القول الذى قبله لقولهم: كنا ندعوا من دونك، وإما أن الإضافة للحمل على الكفر قد يصح إلا من جانب الشياطين. {قَالُوا} أى الكفار العابدون لها، يقولون بألسنتهم، أو تخرس، ويقولون بجوارحهم. {رَبَّنَا هَؤُلاَء} الأصنام والشياطين ومَن ذكر {شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا} نعبد {مِنْ دُونِكَ} ولفظ الذين تغليب للعقلاء وهم الشياطين والملائكة والآدميون أو لدعواهم أن الأصنام عقلاء، وكذا قوله: {تَألَفوْا} فعل ماض، والواو للشركاء خلق الله السمع والتمييز للأصنام فتتكلم كما قال فألقوا {إِلَيْهِمُ} إِلى الكافرين العابدين لها {الْقَوْلَ} وقوله: {إِنّكُمْ لَكَاذِبُونَ} مفعول للقول، فيكون من إعمال المصدر المقرون بأل، أو لألقوا، لأن معناه قالوا فإن إلقاء القول هو التكلم به، والمعنى إنكم لكاذبون فى قولكم أن لله شركاء لا شريك له، وهذا تقوله هؤلاء الشياطين ولأصنام وغيرهم، أو المعنى إنكم لكاذبون فى العبادة ما عبدتمونا، تقوله الشياطين إنكاراً للواقع خوفًا وتقوله الأصنام بمعنى إنا لا نشعر بها حين أوقعتموها، وإنما العبادة ما عرفه المعبود وقبله، وما سوى ذلك فيه العقاب التام واسم العبادة، وهنا أجابت الأصنام ولا ينافى قوله تعالى: فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، لأن المعنى لم يجيبوا بالشفاعة، ودفع العذاب، أو المعنى: إنكم لكاذبون فى دعوى العبادة، بل عبدتم أهواءكم، وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم إلخ، وهذا تقوله الشياطين والأصنام إنكم عبدتم أهواءكم "كلا سيكفرون بعبادتهم ما كانوا إيانا يعبدون". ومعنى قول الملائكة ونحو عيسى إنكم لكاذبون ما رضينا أن تعبدونا أو أن عبادتكم باطلة، وإنما قالوا: ربنا هؤلاء إلخ تعجباً من إحضار الأصنام، مع أنه لا ذنوب لها، واعترافًا بخطئهم، وطمع فى أن يعذروا بعض عذر، فيسقط عنهم بعض العذاب، أو طمعًا أن يحط عليها، وعلى هؤلاء الشياطين نصف ذنوبهم أو أقل أو أكثر، أو طمعًا فى أن ينجوا من العذاب كله بالمعبودين الذين لا تحق لهم العبادة، ولا تحق إلا لله عز وجل، رد الله عز وجل عليهم بقوله: "أية : إِنَّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم"تفسير : [الأنبياء: 98] وذلك تعذيب لهم بها لا تعذيب لها.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا رَءا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ} الذين كانوا يزعمونهم شركاء لله سبحانه وتعالى ويعبدونهم معه عز وجل؛ والمراد بهم كل من اتخذوه شريكاً له جل وعلا من صنم ووثن وشيطان وآدمي وملك وإضافتهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتخاذ، وقيل: أريد بهم معبوداتهم الباطلة كما تقدم، والإضافة إليهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم وأنعامهم، واقتصر بعضهم على الأصنام ولعل التعميم أولى، وقال الحسن: شركاؤهم الشياطين شركوهم في الأموال والأولاد، وقيل: شركوهم في الكفر أي كفروا مثل كفرهم، وقيل: شركوهم في وبال ذلك حيث حملوهم عليه. {قَالُواْ} أي بألسنتهم وقيل: ختم الله تعالى على أفواههم وأنطق جوارحهم فقالت عنهم {رَبَّنَا هَـؤُلآء شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ} أي نعبدهم ونطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذاب بينهم. واعترض بأنه لا يناسب تفسير الشركاء بالأصنام وفيه أنها تجيء على حالة يعقل معها عذابها فلا بأس في ذلك سواء فسرت الشركاء بالأصنام فقط أو بما يعمها وغيرها، وقال أبو مسلم: مقصودهم من ذلك إحالة الذنب على الشركاء ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم شيئاً. وتعقبه القاضي بأنه بعيد لأن الكفار يعلمون علماً ضرورياً في الآخرة أن العذاب سينزل بهم ولا نصرة ولا فدية ولا شفاعة، وأورد نحوه على ما ذكرنا بناء على أنهم يعلمون علماً ضرورياً أيضاً أنه لا يحمل أحد من عذابهم شيئاً. وأجيب بأنه على تقدير تسليم حصول العلم الضروري لهم بذلك إذ ذاك يجوز أن يدهشوا فيغفلوا عن ذلك فيقولوا ما يقولون طامعين فيما ذكر وهو نظير قولهم: {أية : يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [غافر: 49] {أية : يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} تفسير : [الزخرف: 77] {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً} تفسير : [فاطر: 37] إلى غير ذلك مما لهم علم ضروري عند بعضهم بأنه لا يكون. وقيل: إن القوم مع علمهم بأن ما يرجونه ويطمعون فيه لا يحصل لهم أصلاً وعدم غفلتهم عن ذلك تغلبهم أنفسهم بمقتضى الطبيعة لشدة ما هم فيه والعياذ بالله تعالى حتى تعلق آمالها بالمحال، وقيل: قالوا ذلك اعترافاً بأنهم كانوا مخطئين في عبادتهم. وتعقب بأنه لا يناسب قوله تعالى: {مِن دُونِكَ} وفيه تأمل. نعم قوله تعالى: {فَأَلْقَوْاْ} أي شركاؤهم {إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أظهر ملاءمة للأول فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ظاهر في كونه للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه والظاهر أن التكذيب راجع إلى دعوى أنهم كانوا يعبدونهم أو يطيعونهم من دون الله تعالى ومرادهم على ما قيل: إنكم ما عبدتمونتا حقيقة وإنما عبدتم أشياء تصورتموها بأذهانكم الفاسدة وزعمتم أنا هاتيك الأشياء وهيهات هيهات ليس بيننا وبينها جهة جامعة ولا علاقة نافعة، وقيل: إنما كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم لأن الأوثان ما كانوا راضين بعبادتهم لهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة لهم كما قالت الملائكة عليهم السلام: {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } تفسير : [سبأ: 41] يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن، والشياطين وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القسر/ والالجاء كما قال إبليس: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22] فكأنهم قالوا: ما عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم، وقيل: يجوز أن يكون الشياطين كاذبين في أخبارهم بكذب من عبدهم كما كذب إبليس عليه اللعنة في قوله: {أية : إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } تفسير : [إبراهيم: 22] وجوز أن يكون التكذيب راجعاً إلى أنهم شركاء لله سبحانه لا إلى أنهم كانوا يعبدونهم ومرادهم تنزيه الله جل وعلا عن الشريك في ذلك الموقف، وخص هذا بعضهم بتقدير إرادة الشياطين من الشركاء فافهم، والظاهر أن قائل هذا جميع الشركاء ولا يمنع من ذلك تفسيره بما يعم الأصنام إذ لا بعد في أن ينطقها الله تعالى الذي أنطق كل شيء بذلك، وجوز على التعميم أن يكون القائل بعضهم وهو من يعقل منهم؛ وكان الظاهر ـ فقالوا لهم إنكم لكاذبون ـ إلا أنه عدل إلى ما في النظم الكريم للإشارة إلى أنهم قالوا ذلك لهم على وجه الإفصاح بحيث يدرك ويمتاز عن غيره، وفيه من الإشعار بالحرص على تكذيبهم ما فيه، ويؤيد ذلك تأكيدهم الجملة الدالة على تكذيبهم أتم تأكيد، وهي في موضع البدل من القول كما قال الإمام أي ألقوا إليهم إنكم لكاذبون.
ابن عاشور
تفسير : {الذين أشركوا} هم الذين ظلموا الذين يرون العذاب، وهم الذين كفروا الذين لا يؤذن لهم. وإجراء هذه الصّلات الثلاث عليهم لزيادة التسجيل عليهم بأنواع إجرامهم الراجعة إلى تكذيب ما دعاهم الله إليه، وهو نكتة الإظهار في مقام الإضمار هنا، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : وإذا رءا الذين ظلموا العذاب} تفسير : [سورة النحل: 85]. فالإشراك المقصود هنا هو إشراكهم الأصنام في صفة الإلهية مع الله تعالى، فيتعيّن أن يكون المراد بالشركاء الأصنام، أي الشركاء لله حسب اعتقادهم. وبهذا الاعتبار أضيف لفظ شركاء إلى ضمير {الذين ظلموا} في قوله تعالى: {شركاءهم}، كقول خالد بن الصقعب النهدي لعمرو بن معديكرب وقد تحدّث عَمْرو في مجلس قوم بأنه أغار على بني نهد وقتل خالداً، وكان خالد حاضراً في ذلك المجلس فناداه: مهلاً أبا ثور قتيلُك يسمع، أي قتيلك المزعوم، فالإضافة للتهكّم. والمعنى: إذا رأى الذين أشركوا الشركاء عندهم، أي في ظنّهم. ولك أن تجعل لفظ «شركاء» لقباً زال منه معنى الوصف بالشركة وصار لقباً للأصنام، فتكون الإضافة على أصلها. والمعنى: أنهم يرون الأصنام حين تقذف معهم في النار، قال تعالى: {أية : وقودها الناس والحجارة} تفسير : [سورة البقرة: 24]. وقولهم: {ربنا هؤلاء شركاؤنا} إما من قبيل الاعتراف عن غير إرادة فضحاً لهم، كقوله تعالى: {أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم} تفسير : [سورة النور: 24]، وإما من قبيل التنصّل وإلقاء التّبعة على المعبودات كأنهم يقولون هؤلاء أغروَنا بعبادتهم من قبيل قوله تعالى: {أية : وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرّة فنتبرّأ منهم كما تبرّأوا منا} تفسير : [سورة البقرة: 167]. والفاء في {فألقوا} للتّعقيب للدّلالة على المبادرة بتكذيب ما تضمّنه مقالهم، أنطق الله تلك الأصنام فكذّبت ما تضمّنه مقالهم من كون الأصنام شركاء لله، أو من كون عبادتهم بإغراء منها تفضيحاً لهم وحسرة عليهم. والجمع في اسم الإشارة واسم الموصول جمعُ العقلاء جرياً على اعتقادهم إلهية الأصنام. ولما كان نطق الأصنام غير جار على المتعارف عبّر عنه بالإلقاء المؤذن بكون القول أجراه الله على أفواه الأصنام من دون أن يكونوا ناطقين فكأنه سقط منها. وإسناد الإلقاء إلى ضمير الشركاء مجاز عقلي لأنها مَظهره. وأجرى عليهم ضمير جمع العقلاء في فعل «ألقوا» مُشاكلةً لاسم الإشارة واسم الموصول للعقلاء. ووصفهم بالكذب متعلّق بما تضمّنه كلامهم أن أولئك آلهة يُدعون من دون الله على نحو ما وقع في الحديث: «حديث : فيقال للنّصارى: ما كنتم تعبدون، فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتّخذَ الله من ولد»تفسير : . وأما صريح كلامهم وهو قولهم: {هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك} فهم صادقون فيه. وجملة {إنكم لكاذبون} بدل من {القول}. وأعيد فعل {ألقَوا} في قوله: {وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم} لاختلاف فاعل الإلقاء، فضمير القول الثاني عائد إلى {الذين أشركوا}. ولك أن تجعل فعل {ألقوا} الثاني مماثلاً لفعل «ألقوا» السابق. ولك أن تجعل الإلقاء تمثيلاً لحالهم بحال المحارب إذا غُلب إذ يلقي سلاحه بين يدي غالبه، ففي قوله: {ألقوا} مكنية تمثيلية مع ما في لفظ {ألقوا} من المشاكلة. و{السلم} ــــ بفتح اللام ــــ: الاستسلام، أي الطاعة وترك العناد. {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي غاب عنهم وزايلهم ما كانوا يفترونه في الدنيا من الاختلافات للأصنام من أنها تسمع لهم ونحو ذلك.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا معبوداتهم التي كانوا يشركونها بالله في عبادته قالوا لربهم: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك! وأن معبوداتهم تكذبهم في ذلك فيقولون لهم: كذبتم! ما كنتم إيانا تعبدون! وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 5-6]، وقوله: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }تفسير : [مريم: 81-82]، وقوله: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }تفسير : [العنكبوت: 25]، وقوله: {أية : وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ}تفسير : [القصص: 64]، وقوله: {أية : فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}تفسير : [يونس: 28]، إلى غير ذلك من الآيات. فإن قيل: كيف كذبتهم آلهتهم ونفوا أنهم عبدوهم، مع أن الواقع خلاف ما قالوا، وأنهم كانوا يعبدونهم في دار الدنيا من دون الله! فالجواب -أن تكذيبهم لهم منصب على زعمهم أنهم آلهة، وأن عبادتهم حق، وأنها تقربهم إلى الله زلفى. ولا شك أن كل ذلك من أعظم الكذب وأشنع الافتراء. ولذلك هم صادقون فيما ألقوا إليهم من القول، ونطقوا فيه بأنهم كاذبون. ومراد الكفار بقولهم لربهم: هؤلاء شركاؤنا، قيل ليحملوا شركاءهم تبعة ذنبهم. وقيل: ليكونوا شركاءهم في العذاب، كما قال تعالى: {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 38]، وقد نص تعالى على أنهم وما يعبدونه من دون الله في النار جميعاً في قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] الآية. وأخرج من ذلك الملائكة وعيسى وعزيراً بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 101] الآية، لأنهم ما عبدوهم برضاهم. بل لو أطاعوهم لأخلصوا العبادة لله وحده جلَّ وعلا.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَأَى} {نَدْعُوْا} {لَكَاذِبُونَ} (86) - وَحِينَ يَرَى المُشْرِكُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ آلِهَتَهُمُ الذِينَ أَشْرَكُوهُمْ بِالعِبَادَةِ مَعَ اللهِ، يَقُولُونَ للهِ العَظِيمِ الجَبَّارِ: رَبَّنَا هؤلاءِ هُمُ الذِينَ كُنَّا نَعْبُدُهُمْ مِنْ دُونِكَ. وَيَسْأَلُونَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَضَلاَلِهِمْ، وَصَرْفِهِمْ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ الحَقِّ، فَيَرُدُّ هؤلاءِ المَعْبُودُونَ عَلَى المُشْرِكِينَ قَائِلِينَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْكُمْ بِعِبَادَتِنَا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَعْبدُونَا وَلكِنْ عَبَدْتُمْ أَهْوَاءَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذلك حينما يجمع الله المشركين وشركاءهم من شياطين الإنس والجن والأصنام، وكل مَنْ أشركوه مع الله وَجْهاً لوجه يوم القيامة، وتكون بينهما هذه المواجهة .. حينما يرى المشركون شركاءهم الذين أضلّوهم وزيّنوا لهم المعصية، وزيّنوا لهم الشرك والكفر بالله .. يقولون: هؤلاء هم سببُ ضلالنا وكُفْرنا .. كما قال تعالى عنهم في آية أخرى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} تفسير : [البقرة: 166]. ويقول تعالى: {أية : يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 31]. وقوله: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ ..} [النحل: 86]. أي: ردُّوا عليهم بالمثل، وناقشوهم بالحجة، كما قال تعالى في حَقِّ الشيطان. {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. إذن: ردّوا عليهم القول: ما كان عليكم سلطان. نحن دعوناكم فاستجبتم لنا، ولم يكن لنا قوة تُرغمكم على الفعل، ولا حُجّة تُقنعكم بالكفر؛ ولذلك يتهمونهم بالكذب: {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} [النحل: 86]. أي: كاذبون في هذه الدعوى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ} معناهُ قالُوا.
الجيلاني
تفسير : {وَ} الله {إِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} حين يأسوا وقنطوا من شفاعتهم ومعاونتهم، وعاينوهم أنهم هكلى أمثالهم {قَالُواْ} متضرعين إلى الله نادمين: {رَبَّنَا} يا من ربَّانا بأنواع اللطف والكرم، فكَفَرنا نعمك و بك، وبأوامرك ونواهيك الجارية على ألسنة رسلك {هَـٰؤُلآءِ} الهلكى الغاوون {شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ} عناداً ومكابرةً، وبواسطة هؤلاء الضُلاّل رَدَدْنا قول أنبيائك ورسلك وكتبك، ثمَّ لما سمع شركاؤهم منهم قولهم هذا {فَألْقَوْا} وأجابوا {إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ}: ما تَدْعُون وما تعبدون إيها الضالون الظالمون إلاَّ أهويتكم وأمانيكم {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} [النحل: 86] مقصورون على الكذب والزور في دعوى إطاعتنا وعبادتنا. {وَ} حين اضطر أولئك المشركون الضالون {أَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} أي: الاستسلام والانقياد بعدما تعنتوا واستكبروا في النشأة الأولى، وما ينفعهم حينئذٍ انقيادهم وتسليمهم {وَضَلَّ عَنْهُم} اي: خَفِي عليهم، وضاع عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [النحل: 87] على شركائهم من الشفاعة لدى الحاجة، حتى تبرأوا منهم و كذَّبوهم. ثمَّ قال سبحانه: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وأعرضوا عن الحق بأنفسهم {وَ} مع ذلك {صَدُّواْ} ومنعا ضعفاء الأنام {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الموصِل إلى توحيده، وهو اشرع الشريف المصطفوي {زِدْنَاهُمْ} في النشأة الأخرى بسبب ضلالهم وإضلالهم {عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] الغير عن متابعتك يا أكمل الرسل، ويفسدون في أنفسهم. {وَ} اذكر لهم {يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} وهو نبيهم ورسولهم {وَجِئْنَا بِكَ} أي أكمل الرسل {شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} الغواة البغاة، المنهمكين في بحر الإعراض الإضلال {وَ} الحال: أنا قد {نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} المشتمل لفوائد جميع الأديان والكتب، وجعلناه {تِبْيَاناً} موضحاً مفصلاً {لِّكُلِّ شَيْءٍ} يُحتاج إليه من أمور الدين من الشعائر والأحكام والأركان، والآداب والأخلاق، واملندوبات والمحظورات، والمواعظ والتذكيرات، والقصص التي عتبر منها المعتبرون المسترشدون بالنسبة إلى عوام المؤمنين {وَهُدًى} إلى معارف وحقائق، يهديهم إلى طريق التوحيد المنجي عن غياهب التقليدات والتخمينات بالنسبة إلى خواصهم. {وَرَحْمَةً} أي: كشفاً وشهوداً مترتبة على الجذبة الخطفة، والخطوة بالنسبة إلى خواص الخواص {وَ} بالجملة: ما هو إلاَّ {بُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] المنقادين لله بسرائرهم وظواهرهم، مفوضين أمورهم كلها إليه بلا تلعثهم وتذبذب. وكيف لا يسلمون ويفوضون {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لمصالح عباده {يَأْمُرُ} أولاً عباده {بِٱلْعَدْلِ} أي: القِسط والاعتدال في جميع الأفعال والأقوال، والشئون والأطوار {وَٱلإحْسَانِ} ثانياً؛ لأنهم ما لم يعتدلوا ولم يستقيموا لم يتأت لهم التخلق بأخلاق الله التي هي كمال الإحسان والعرفان {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} ثالثاً؛ أي: إيصال ما حصل لهم من الم عارف والحقائق، والمكاشفات والمشاهدات إلى مستحقهم من ذوي القربى من جهة الدين، المتوجهين نحو الحق عن ظهر القلب، الراغبين إليه عن محض المحبة والوداد، المتعطشين إلى زلال توحيده؛ لأنهم ما لم يتمكنوا ويتقرروا في مرتبة الإحسان، لم يتأت منهم الاستكمال والاسترشاد. وكما يرغِّب سبحانه عباده بموجبات الإيمان والتوحيد، ومعظِّمات أصوله وأركانه، ينفِّرهم أيضاً عن غوائله ومهلكاتهم ومغوياتهم، فقال: {وَيَنْهَىٰ} أولاً {عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} أي: إفراط القوة الشهوية الموجبة لرذالة النفس، وسقوطها عن المروءة والعدالة المقتضية للتخلق بالأخلاق المرضية الإلهية، وخروجها عن الحدود الشرعية الموضوعة لحفظه حكمة الزواج والتناسل بمتابعة القوى البهيمية الناشئة عن طغيان الطبيعة الهيولانية الناسوتية، المناقية لصفاء القوى الروحانية اللاهوتية. {وَ} عن {ٱلْمُنْكَرِ} ثانياً؛ إذ كل من رُكّب على جموح القوة الغضبية، وأخذ سيق الهذيانات المثيرة لأنواع الفتن والبليات، وعمل بمقتضاها، ونبذَ الحلم والرحمة وراء ظهره، فهو بمراحلٍ عن مرتبة الإحسان، بل لا يرجى منه إلاَّ الخذلان والخسران {وَ} عن {ٱلْبَغْيِ} ثالثاً؛ لأن من تمكن وتمادى على مقتضى كلتا القوتين الشهوية والغضبية فقط، سقط عن المروءة والعدالة اللتين هما من أقوى أسباب الكمال المستلزم للإرشاد والتكميل، ومتى سقطتا عنه فقد استكبر على خلق الله، وتجبر ويقى وظلم، ألا لعنة الله على الظلمين ، إنما {يَعِظُكُمْ} الله المصلح لأحوالكم بما يعظكم {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] رجاء أن تتعظوا وتتمثلوا بما أمروا، وتجنبوا عما نهوا؛ كي تصلوا إلى صفاء توحيده المسقط للمنافرات رأساً. {وَ} من علامة اتعاظكم وتذكركم الوفاء بالعهود والمواثيق {أَوْفُواْ} أيها الطالبون لمرتبة العدالة {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} وميثاقه الذي عهدتم مع الله بألسنة استعداداتكم في بدء فطرتكم، وكذا بجميع العهود والمواثيق {إِذَا عَاهَدتُّمْ} مع إخوانكم، وبني نوعكم {وَ} أيضاً {لاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ} سيما {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} وتغليظها {وَ} كيف تنقضونها؛ إذ {قَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ} الرقيب {عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} وكيلاً لتلك البيعة {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائرهم ومخائلهم {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] من نقض الأيمان وأمراتها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):