Verse. 1988 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَاَلْقَوْا اِلَى اللہِ يَوْمَىِٕذِۨ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْہُمْ مَّا كَانُوْا يَفْتَرُوْنَ۝۸۷
Waalqaw ila Allahi yawmaithin alssalama wadalla AAanhum ma kanoo yaftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وألقوا إلى الله يومئذ السلم» أي استسلموا لحكمه «وضل» غاب «عنهم ما كانوا يفترون» من أن آلهتهم تشفع لهم.

87

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } أي استسلموا لحكمه {وَضَلَّ } غاب {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن آلهتهم تشفع لهم.

ابو السعود

تفسير : {وَأَلْقَوْاْ} أي الذين أشركوا {إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} الاستسلامَ والانقيادَ لحُكمه العزيز الغالب بعد الاستكبار عنه في الدنيا {وَضَلَّ عَنْهُم} أي ضاع وبطل {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن لله سبحانه شركاءَ وأنهم ينصُرون ويشفعون لهم وذلك حين كذبوهم وتبرؤا منهم. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في أنفسهم {وَصُدُّواْ} غيرهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} الذي كانوا يستحقونه بكفرهم، قيل في زيادة عذابهم: حياتٌ أمثالُ البُخْت وعقاربُ أمثالُ البغال تلسَع إحداهن فيجد صاحبها حُمَتَها أربعين خريفاً، وقيل: يُخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة البرد إلى النار {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} متعلق بقوله: زدناهم، أي زدنا عذابَهم بسبب استمرارِهم على الإفساد وهو الصدّ المذكور. {وَيَوْمَ نَبْعَثُ} تكريرٌ لما سبق تثنيةً للتهديد {فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ} أي نبـياً {مّنْ أَنفُسِهِمْ} من جنسهم قطعاً لمعذرتهم وفي قوله تعالى: {عَلَيْهِمْ} إشعارٌ بأن شهادةَ أنبـيائِهم على الأمم تكون بمحضر منهم {وَجِئْنَا بِكَ} إيثارُ لفظ المجيء على البعث لكمال العنايةِ بشأنه عليه السلام، وصيغةُ الماضي للدِلالة على تحقق الوقوع {شَهِيدًا عَلَىٰ هَـؤُلآء} الأممِ وشهدائِهم كقوله تعالى: { أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41]، وقيل: على أمتك والعاملُ في الظرف محذوفٌ كما مر والمراد يوم القيامة {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} الكاملَ في الكتابـية الحقيقَ بأن يُخَص باسم الجنس، وهو إما استئنافٌ أو حال بتقدير قد {تِبْيَانًا} بـياناً بليغاً {لّكُلّ شَىْء} يتعلق بأمور الدين، ومن جملة ذلك أحوالُ الأممِ مع أنبـيائهم عليهم السلام فيكون كالدليل على كونه عليه السلام شهيداً عليهم وكذا من جملته ما أخبر به هذه الآيةُ الكريمة من بعث الشهداءِ وبعثِه عليه السلام شهيداً عليهم عليهم الصلاة والسلام، والتبـيانُ كالتِلقاء في كسر أوله، وكونُه تبـياناً لكل شيء من أمور الدين باعتبار أن فيه نصاً على بعضها وإحالةً لبعضها على السنة حيث أُمر باتباع النبـي عليه السلام وطاعته، وقيل فيه: { أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3] وحثًّا على الإجماع وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه حيث قال: « حديث : أصحابـي كالنّجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » تفسير : وقد اجتهدوا وقاموا ووطّأوا طرقَ الاجتهاد فكانت السنة والإجماعُ والقياسُ مستندةً إلى تبـيان الكتاب ولم يضُرَّ ما في البعض من الخفاء في كونه تبـياناً فإن المبالغةَ باعتبار الكمية دون الكيفية كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق: 29] إنه من قولك: فلان ظالم لعبده وظلام لعبـيده ومنه قوله سبحانه: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} تفسير : [المائدة: 72] {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} للعالمين فإن حرمانَ الكفرة من مغانم آثارِه من تفريطهم لا من جهة الكتاب {وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} خاصة أو يكون كلُّ ذلك خاصاً بهم لأنهم المنتفِعون بذلك.

القشيري

تفسير : واستسلموا لأمر الله وحُكْمه، ويؤمئذ لا تضرُّع منهم يُرَى، ولا مِحْنةَ - يصرخون من ويلها - عنهم تُكْشَف.

اسماعيل حقي

تفسير : {والقوا} اى المشركون{الى الله يومئذ السلم} الاستسلام والانقياد لحكمه بعد الاستكبار عنه فى الدنيا. شعر : جون كار زدست رفت فرياد جه سود تفسير : {وضل عنهم} اى ضاع وبطل {ما كانوا يفترون} من ان لله شركاء وانهم ينصرونهم ويشفعون لهم وذلك حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

الجنابذي

تفسير : {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} الاستسلام والانقياد {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة والشّركاء واستحقاقهم العباد والشّفاعة والنّصرة.

اطفيش

تفسير : {وَأَلْقَوْا} أى المشركين وهم الذين ظلموا {إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} الخضوع لله والانقياد لحكمه بعد الاستكبار فى الدنيا لم تغن عنهم شيئا من دفع العذاب ولا من رد إِلى الدنيا لإِقامة حدود الله {وَضَلَّ} ضاع وبطل وما ضاع فهو غائب {عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من أن من شركاء وإِنهم يشفعون لهم.

اطفيش

تفسير : {وَأَلْقَوْا} أى الكافرون {إِلَى اللهِ يُوْمَئِذٍ السَّلَمَ} الخضوع للحق اعترافًا حين لا ينفع، {وَضَلَّ} ضاع {عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من أن الأصنام ومعبوداتهم تشفع لهم.

الالوسي

تفسير : {وَأَلْقَوْاْ} أي الذين أشركوا، وقيل: هم وشركاؤهم جميعاً، والأكثرون على الأول {إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} الاستسلام والانقياد لحكمه تعالى العزيز الغالب بعد الإباء والاستكبار في الدنيا فلم يكن لهم إذ ذاك حيلة ولا دفع. وروى يعقوب عن أبـي عمرو أنه قرأ {السلم} بإسكان اللام، وقرأ مجاهد (السلم) بضم السين واللام {وَضَلَّ عَنْهُم} ضاع وبطل {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن لله سبحانه شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين سمعوا ما سمعوا. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 54] بنسبة ذلك إلى غيره سبحانه ورؤيته منه {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ} من النعمة بالغفلة عن منعهما {أية : فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 55] وبال ذلك أو فسوف تعلمون بظهور التوحيد أن لا تأثير لغيره تعالى في شيء {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ} فيعتقدون فيه من الجهالات ما يعتقدون وهو السوي {أية : نَصِيباً مّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ } تفسير : [النحل: 56] فيقولون هو أعطاني كذا ولو لم يعطني لكان كذا {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } تفسير : [النحل: 66] الإشارة فيه على ما في "أسرار القرآن" إلى ما تشربه الأرواح مما يحصل في العقول الصافية بين النفس والقلب من زلال بحر المشاهدة وهناك منازل اعتبار المعتبرين، والإشارة في قوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } تفسير : [النحل: 67] على ما فيه أيضاً إلى ما تتخذه الأرواح والأسرار من ثمرات نخيل القلوب وأعناب العقول من خمر المحبة والأنس الآخذة بها إلى حضيرة القدس:شعر : ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت لعادت إليه الروح وانتعش الجسم تفسير : {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} قيل أي نحل الأرواح {أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ} أي جبال أنوار الذات {بُيُوتًا} مقار لتسكنين فيها {وَمِنَ ٱلشَّجَرِ} أي ومن أشجار أنوار الصفات {أية : وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } تفسير : [النحل: 68] أنوار عروش الأفعال {ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} أي من ثمرات تلك الأشجار الصفاتية ونور بهاء الأنوار الذاتية وأزهار الأنوار الأفعالية {فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبّكِ} وهي صحارى قدسه تعالى وبراري جلاله جل شأنه {ذُلُلاً} منقادة لما أمرت به {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} وهو شراب معرفته تعالى بقدم جلاله وعز بقائه وتقدس ذاته سبحانه {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} باختلاف الثمرات {أية : فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } تفسير : [النحل: 69] لكل مريض المحبة وسقيم الألفة ولديغ الشوق، وقيل: الإشارة بالنحل إلى الذين هم في مبادىء السلوك من أرباب الاستعداد، ومن هنا قال الشيخ الأكبر قدس سره في مولانا ابن الفارض قدس سره حين سئل عنه: نحلة تدندن حول الحمى أمرهم الله تعالى أولاً أن يتخذوا مقار من العقائد الدينية التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات ومن العبادات الشرعية التي هي كالشجر في التشعب ومن المعاملات المرضية التي هي كالعروش في الارتفاع ثم يسلكوا سبله سبحانه وطرقه الموصلة إليه جل شأنه من تهذيب الباطن والمراقبة والفكر ونحو ذلك متذللين خاضعين غير معجبين، وفي ذلك إشارة إلى أن السلوك إنما يصح بعد تصحيح العقائد ومعرفة الأحكام الشرعية ليكون السالك على بصيرة في أمره وإلا فهو كمن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء، ومتى سلك على ذلك الوجه حصل له الفوز بالمطلوب وتفجرت ينابيع الحكمة من قلبه وصار ما يقذف به قلبه كالعسل شفاء من علل الشهوات وأمراض النفس لا سيما مرض التثبط والتكاسل عن العبادة وهو المرض البلغمي. وقال أبو بكر الوراق: النحلة لما اتبعت الأمر وسلكت سبل ربها على ما أمرت به جعل لعابها شفاءً للناس كذلك المؤمن إذا اتبع الأمر وحفظ السر وأقبل على ربه عز وجل جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاءً للخلق فمن نظر إليه اعتبر ومن سمع كلامه اتعظ ومن جالسه سعد انتهى. وفي الآية إشارة أيضاً إلى أنه تعالى قد يودع الشخص الحقير الشيء العزيز فإنه سبحانه أودع النحل وهي من أحقر الحيوانات وأضعفها العسل وهو من ألذ المذوقات وأحلاها فلا ينبغي التقيد بالصور والاحتجاب بالهيآت، وفي الحديث «حديث : رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله تعالى لأبره»تفسير : وعن يعسوب المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرّزْقِ } تفسير : [النحل: 71] قيل: الإشارة فيه إلى تفاوت أرزاق السالكين فرزق بعضهم طاعات، وبعض آخر مقامات وبعض حالات وبعض مكاشفات وبعض مشاهدات وبعض معرفة وبعض محبة وبعض توحيد إلى غير ذلك، وذكروا أن رزق الأشباح العبودية ورزق الأرواح رؤية أنوار الربوبية ورزق العقول الأفكار ورزق القلوب الأذكار ورزق الأسرار حقائق العلوم الغيبية المكشوفة لها في مجالس القرب ومشاهدة الغيب {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} لتقدسه تعالى عن الأوهام والإشارات والعبارات وتنزهه سبحانه عن درك الخليقة فإن الخلق لا يدرك إلا خلقاً، ولذا قال علي كرم الله تعالى وجهه: إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها فلا يعرف الله تعالى إلا الله عز وجل وعلل النهي بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 74] {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا} محباً لغير الله تعالى ولا شك أن المحب أسير بيد المحبوب لا يقدر على شيء لأنه مقيد بوثاق المحبة {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا} فجعلناه محباً لنا مقبلاً بقلبه علينا متجرداً عما سوانا وآتيناه من لدنا علماً {فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا} وذلك من النعم الباطنة {أية : وَجَهْرًا } تفسير : [النحل: 75] وذلك من النعم الظاهرة {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} لا استعداد فيه للنطق وهو مثل المشرك {لا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء} لعدم استطاعته وقصور قوته للنقص اللازم لاستعداده {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} لعجزه بالطبع عن تحصيل حاجة {أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} لعدم استعداده وشرارته بالطبع فلا يناسب إلا الشر الذي هو العدم {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} وهو الموحد القائم بالله تعالى الفاني عن غيره، والعدل على ما قيل: ظل الوحدة في عالم الكثرة {أية : وَهُوَ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [النحل: 76] صراط العزيز الحميد الذي عليه خاصته تعالى من أهل البقاء بعد الفناء الممدود على نار الطبيعة لأهل الحقيقة يمرون عليه كالبرق اللامع {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} علم مراتب الغيوب أو ما غاب من حقيقتهما أو ما خفي فيهما من أمر/ القيامة الكبرى {وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ } أي القيامة الكبرى بالقياس إلى الأمور الزمانية {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } وهو بناءً على التمثيل وإلا فقد قيل: إن أمر الساعة ليس بزماني وما كان كذلك يدركه من يدركه لا في الزمان {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تفسير : [النحل: 77] ومن ذلك أمر الساعة {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } تفسير : [النحل: 78] الآية، قال في "أسرار القرآن": أخبر سبحانه أنه أخرجهم من بطون الأقدار وأرحام العدم وأصلاب المشيئة على نعت الجهل لا يعلمون شيئاً من أحكام الربوبية وأمور العبودية وأوصاف الأزل فألبسهم أسماعاً من نور سمعه وكساهم أبصاراً من نور بصره وأودع في قلوبهم علوم غيبته لعلهم يشكرونه انتهى. وهو ظاهر في أن المراد بالأفئدة القلوب. وذكر بعض من أدركناه من المرتاضين في كتابه "الفوائد" و "شرحه" أن مشاعر الإنسان الصدر، والمراد به الخيال والنفس الكلية التي هي محل الصور العلمية كلية أو جزئية فهو محل العلم المقابل للجهل، والقلب وهو محل المعاني واليقين بالنسب الحكمية ويقابله الشك والريب، والفؤاد وهو محل المعارف الإلهية المجرد عن جميع الصور والنسب والأوضاع والإشارات والجهات والأوقات ويقابلها الإنكار وهو أعلى المشاعر، ونور الله تعالى المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى»تفسير : وهو الوجود لأنه الجهة العليا من الإنسان أعني وجهه من جهة ربه وبه يعرف الله تعالى وهو في الإنسان بمنزلة الملك في المدينة والقلب بمنزلة الوزير له انتهى، وله أيضاً كلام في الأم وكذا في الأب غير ما ذكر، وذلك أنه يطلق الأب على المادة والأم على الصورة، وزعم أن قول الصادق رضي الله تعالى عنه: إن الله تعالى خلق المؤمنين من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه أبوه النور وأمه الرحمة إشارة إلى ذلك وأن ما اصطلح عليه المتقدمون والحكماء من أن الأب هو الصورة والأم هي المادة وأن الصورة إذا نكحت المادة تولد عنهما الشيء توهماً منهم أن النشور والخلق في بطن المادة بعيد من جهة المناسبة إلى آخر ما قال فتفطن وإياك أن تعدل عن الطريق السوي {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرٰتٍ فِى جَوّ ٱلسَّمَآء} فيه إشارة إلى تسخير طير القوى الروحانية والنفسانية من الفكر والعقل النظري والعملي بل الوهم والتخيل في فضاء عالم الأرواح {مَا يُمْسِكُهُنَّ} من غير تعلق بمادة ولا اعتماد على جسم ثقيل {أية : إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [النحل: 79] عز وجل {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً} وهو ما يستظل به من وهج نار الحاجة فالماء ظل للعطشان والطعام ظل للجَيْعَان وكل ما يقوم بحاجة شخص ظل له، وفي الخبر «حديث : السلطان ظل الله تعالى في الأرض يأوي إليه كل مظلوم»تفسير : ، وقيل: الظلال الأولياء يستظل بهم المريدون من شدة حر الهجران ويأوون إليهم من قهر الطغيان، وقد يؤل قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً} بنحو هذا فما أشبه الأولياء بالجبال {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} فيه إشارة إلى ما جعل للعارفين من سرابيل روح الأنس لئلا يحترقوا بنيران القدس وأشار تعالى بقوله جل جلاله: {وَسَرٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} إلى ما من به من المعرفة والمحبة ليدفع بذلك كيد الشياطين والنفوس {أية : كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } تفسير : [النحل: 81] تنقادون لأمره سبحانه في العبودية وتخضعون لعز الربوية، قال ابن عطاء: تمام النعمة السكون إلى المنعم، وقال حمدون: تمامها في الدنيا المعرفة وفي الآخرة الرؤية، وقال أبو محمد الحريري: تمامها خلو القلب من الشرك الخفي وسلامة/ النفس من الرياء والسمعة {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} وهي هداية النبـي أو وجوده بقوة الفطرة {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} لعنادهم وغلبة صفات نفوسهم {أية : وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [النحل: 83] لشهادة فطرهم بحقيته {وَيَوْمَ نَبْعَثُ من كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} في الاعتذار عن التخلف عن دعوته إذ لا عذر لهم {أية : وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } تفسير : [النحل: 84] لأنهم قد حق عليهم القول بمقتضى استعدادهم نسأل الله تعالى العفو والعافية {أية : وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } تفسير : [النحل: 87] قيل: هذا في الموقف الثاني حين تضعف غواشي أنفسهم المظلمة وترق حجبها الكثيفة وأما في الموقف الأول حين قوة هيآت الرذائل وشدة شكيمة النفس في الشيطنة فلا يستسلمون كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } تفسير : [المجادلة: 18] وقيل: المستسلمون بعض والحالفون بعض فافهم والله تعالى أعلم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. إلقاؤهم إلى الله السلم: هو انقيادهم له، وخضوعهم. حيث لا ينفعهم ذلك كما تقدم في قوله: {أية : فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}تفسير : [النحل: 28]. والآيات الدالة على ذلك كثيرة. كقوله: {أية : بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}تفسير : [الصافات: 26] وقوله:{أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ}تفسير : [طه: 111] ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفاً من ذلك في الكلام على قوله: {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}. وقوله: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي غاب عنهم واضمحل ما كانوا يفترونه. من أن شركاءهم تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى. كما قال تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [يونس: 18] الآية، وكقوله: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3]. وضلال ذلك عنهم مذكور في آيات كثيرة. كقوله تعالى: {أية : وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }تفسير : [يونس: 30]، وقوله: {أية : فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [القصص: 75]. وقد قدمنا معاني "الضلال" في القرآن وفي اللغة بشواهدها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 87- حينئذٍ استسلم المشركون للَّه، وخضعوا لقضائه، وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من أن معبوداتهم تشفع لهم، وتدفع العذاب عنهم. 88- الذين كفروا ومنعوا غيرهم عن طريق اللَّه، وهو طريق الخير والحق، زدناهم عذابا فوق العذاب الذى استحقوه بالكفر، بسبب ما كانوا يتعمدونه من الإفساد وإضلال العباد. 89- وحذر - أيها النبى - كفار قومك مما سيحصل يوم نُحضر من كل أمة شهيداً عليها، هو نبيها الذى يكون بين أبنائها، ليكون ذلك أقطع لعذرها، ونجئ بك - أيها النبى - شهيداً على هؤلاء الذين كذبوك، وعليهم أن يعتبروا من الآن، قد نزلنا القرآن فيه بيان كل شئ من الحق، وفيه الهداية، وفيه الرحمة والبشرى بالنعيم، للذين يذعنون له ويؤمنون به. 90- إن اللَّه يأمر عباده بأن يعدلوا فى أقوالهم وأفعالهم، ويقصدوا إلى الأحسن من كل الأمور، فيفضلوه على غيره، كما يأمر بإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه لدعم روابط المحبة بين الأسر، وينهى عن فعل كل خطيئة، خصوصاً الذنوب المفرطة فى القبح، وكل ما تنكره الشرائع والعقول السليمة، كما ينهى عن الاعتداء على الغير، واللَّه - سبحانه - بهذا يذكركم ويوجهكم إلى الصالح من أموركم، لعلكم تتذكرون فضله فى حسن توجيهكم، فتمتثلوا كلامه. 91- وأوفوا بالعهود التى تقطعونها على أنفسكم، مشهدين اللَّه على الوفاء بها، ما دام الوفاء متسقا مع ما شرعه اللَّه، ولا تنقضوا الأيمان بالحِنث فيها، بعد تأكيدها بذكر اللَّه، وبالعزم و بالتصميم عليها وقد راعيتم فى عهودكم وحلفكم أن اللَّه يكفل وفاءكم، وأن اللَّه رقيب ومطلع عليكم، فكونوا عند عهودكم وأيمانكم، لأن اللَّه - سبحانه - يعلم ما يكون منكم من وفاء وخُلف وبرّ وحِنث، فيجازيكم على ما تفعلون.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (87) - وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَجِدُ المُشْرِكُونَ أَنْفُسَهُمْ فُرَادَى ضِعَافاً أَمَامَ اللهِ القَوِيِّ الجَبَّارِ، وَيُعَايِنُونَ العَذَابَ وَيَتَلَفَّتُونَ فَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَاصِراً مِنْ دُونِهِ، وَيَتَذَكَّرُونَ كُفْرَهُمْ وَإِجْرَامَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، فَيَذِلُّونَ وَيَسْتَكِينُونَ للهِ. (وَقِيلَ إِنَّ الأَرْبَابَ هُمُ الذِينَ يُلْقُونَ السَّلَمَ للهِ، وَالوَاقِعُ أَنَّهُمْ جَمِيعاً العَابِدُونَ وَالمَعْبُودُونَ يَلْقَونَ السَّلَمَ للهِ العَظيمِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ). وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمْ وَتَلاَشَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ افْتِرَاءً وَكَذِباً عَلَى اللهِ. السَّلَمَ - الاسْتِسْلاَمَ وَالانْقِيَادَ لِحِكْمَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : السَّلَم: أي الاستسلام .. فقد انتهى وقت الاختيار ومضى زمن المهْلة، تعمل أو لا تعمل. إنما الآن {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : ؟ الأمر والملك لله، وما داموا لم يُسلِّموا طواعية واختياراً، فَلْيُسلّموا له قَهْراً ورَغْماً عن أنوفهم. وهنا تتضح لنا مَيْزة من مَيْزات الإيمان، فقد جعلني استسلم لله عز وجل مختاراً، بدل أنْ استسلمَ قَهْراً يوم أنْ تتكشّف الحقيقة على أنه لا إله إلا الله، وسوف يُواجهني سبحانه وتعالى في يوم لا اختيار لي فيه. وقوله: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [النحل: 87]. كلمة: الضلال تردُ بمعانٍ متعددة، منها: ضلَّ أي غاب عنهم شفعاؤهم، فأخذوا يبحثون عنهم فلَم يجدوهم، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} تفسير : [السجدة: 10]. أي: يغيبوا في الأرض، حيث تأكل الأرض ذرّاتهم، وتُغيِّبهم في بطنها .. وكذلك نقول: الضالة أي الدابة التي ضلَّتْ أي: غابتْ عن صاحبها. ومن معاني الضلال: النسيان، ومنه قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 282]. ومن معانيه: التردد، كما في قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7]. فلم يكُنْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهج ثم تركه وانصرف عنه وفارقه، ثم هداه الله .. بل كان صلى الله عليه وسلم مُتحيّراً مُتردّداً فيما عليه سادة القوم وأهل العقول الراجحة من أفعال تتنافى مع العقل السليم والفطرة النَّيرة، فكانت حيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يراه من أفعال هؤلاء وهو لا يعرف حقيقتها. فقوله: {وَضَلَّ عَنْهُم ..} [النحل: 87]. أي: غاب عنهم: {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [النحل: 87]. أي: يكذبون من ادعائهم آلهةً وشفعاءَ من دون الله. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.