١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي. واعلم أن الأمة عبارة عن القرن والجماعة. إذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: أن المراد أن كل نبي شاهد على أمته. والثاني: أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلا بد وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيداً عليهم. أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرسول بدليل قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] وثبت أيضاً أنه لا بد في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد فحصل من هذا أن عصراً من الإعصار لا يخلو من شهيد على الناس وذلك الشهيد لا بد وأن يكون غير جائز الخطأ، وإلا لافتقر إلى شهيد آخر ويمتد ذلك إلى غير النهاية وذلك باطل، فثبت أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة. قال أبو بكر الأصم: المراد بذلك الشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى أنها تشهد عليه وهي: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان. قال: والدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم. أجاب القاضي عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: {شَهِيدًا عَلَيْهِمْ } أي على الأمة فيجب أن يكون غيرهم. الثاني: أنه قال: {مِن كُلّ أمَّةٍ } فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة، وأما حمل هؤلاء الشهداء على الأنبياء فبعيد، وذلك لأن كونهم أنبياء مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه. ثم قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه تعلق هذا الكلام بما قبله أنه تعالى لما قال: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلآء } بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا معذرة. المسألة الثانية: من الناس من قال: القرآن تبيان لكل شيء وذلك لأن العلوم إما دينية أو غير دينية، أما العلوم التي ليست دينية فلا تعلق لها بهذه الآية، لأن من المعلوم بالضرورة أن الله تعالى إنما مدح القرآن بكونه مشتملاً على علوم الدين فأما ما لا يكون من علوم الدين فلا التفات إليه، وأما علوم الدين فإما الأصول، وإما الفروع، أما علم الأصول فهو بتمامه موجود في القرآن وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب، وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله تعالى إلا ما ورد في هذا القرآن، وإذا كان كذلك كان القول بالقياس باطلاً، وكان القرآن وافياً ببيان كل الأحكام، وأما الفقهاء فإنهم قالوا: القرآن إنما كان تبياناً لكل شيء، لأنه يدل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة، فإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصول كان ذلك الحكم ثابتاً بالقرآن، وهذه المسألة قد سبق ذكرها بالاستقصاء في سورة الأعراف، والله أعلم. المسألة الثالثة: روى الواحدي بإسناده عن الزجاج أنه قال: تبياناً في معنى اسم البيان ومثل التبيان التلقاء، وروى ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين أنهم قالوا: لم يأت من المصادر على تفعال إلا حرفان تبياناً وتلقاء، وإذا تركت هذين اللفظين استوى لك القياس فقلت: في كل مصدر تفعال بفتح التاء مثل تسيار وتذكار وتكرار، وقلت: في كل اسم تفعال بكسر التاء مثل تقصار وتمثال.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} وهم الأنبياء، شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة ودعَوْهم إلى الإيمان، في كل زمان شهيد وإن لم يكن نبياً؛ وفيهم قولان: أحدهما ـ أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء. الثاني ـ أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه. قلت: فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحّد الله؛ كقُس بن ساعدة، و حديث : زيد بن عمرو بن نُفيل الذي قال فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم: يُبعث أمةً وحده»تفسير : ، وسَطِيح، و حديث : وَرَقة بن نَوْفل الذي قال فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم: «رأيته ينغمس في أنهار الجنة»تفسير : . فهؤلاء ومن كان مثلهم حجةٌ على أهل زمانهم وشهيد عليهم. والله أعلم. وقوله {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاَءِ} تقدّم في البقرة والنساء. قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} نظيره: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38] وقد تقدّم، فلينظر هناك. وقال مجاهد: تبيانا للحلال والحرام.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} يعني: أمتك، أي: اذكر ذلك اليوم وهوله، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر سورة النساء، فلما وصل إلى قوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حسبك» تفسير : فقال ابن مسعود رضي الله عنه: فالتفت، فإذا عيناه تذرفان. وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ} قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع؛ من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم {وَهُدًى} أي: للقلوب {وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}. وقال الأوزاعي: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ} أي: بالسنة، ووجه اقتران قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} مع قوله: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} أن المراد - والله أعلم - أن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم القيامة {أية : فَلَنَسْئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 6] {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الحجر: 92-93] {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 109]، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} تفسير : [القصص: 85] أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه، ومعيدك يوم القيامة، وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو متجه حسن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمٍ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مّنْ أَنفُسِهِمْ } هو نبيّهم {وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد صلى الله عليه وسلم {شَهِيدًا عَلَىٰ هَؤُلآء } أي قومك {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {تِبْيَانًا } بيانا {لّكُلّ شَىْء } يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة {وَهَدَىٰ } من الضلالة {وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ } بالجنة {لِلْمُسْلِمِينَ } الموحِّدين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ويوم نبعث في كل أمةٍ شهيداً عليهم من أنفسِهم} وهم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة وفي كل زمان شهيد وإن لم يكن نبياً. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء. الثاني: أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه. {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم شهيداً على أمته.
النسفي
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ } يعني نبيهم لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم {وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد {شَهِيدًا عَلَىٰ هَـؤُلآءِ } على أمتك {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا } بليغاً {لّكُلِّ شَىْءٍ } من أمور الدين. أما في الأحكام المنصوصة فظاهر، وكذا فيما ثبت بالسنة أو بالإجماع أو بقول الصحابة أو بالقياس، لأن مرجع الكل إلى الكتاب حيث أمرنا فيه باتباع رسوله عليه السلام وطاعته بقوله: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } تفسير : [المائدة: 92] وحثنا على الإجماع فيه بقوله: {أية : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النساء: 115] وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه بقوله: «حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»تفسير : وقد اجتهدوا وقاسوا ووطّئوا طرق الاجتهاد والقياس مع أنه أمرنا به بقوله{أية : فاعتبروا يا أولي الأبصار}تفسير : [الحشر: 2]فكانت السنة والإجماع وقول الصحابي والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب فتبين أنه كان تبياناً لكل شيء {وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ } ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم بالجنة.
الخازن
تفسير : {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم} قال ابن عباس: يريد الأنبياء. قال المفسرون: كل نبي شاهد على أمته وهو أعدل شاهد عليها {من أنفسهم} يعني منهم لأن كل نبي إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ليشهدوا عليهم وبما فعلوا من كفر وإيمان وطاعة وعصيان {وجئنا بك} يا محمد {شهيداً على هؤلاء} يعني على قومك وأمتك وتم الكلام هنا ثم قال تبارك وتعالى {ونزلنا عليك الكتاب} يعني القرآن {تبياناً لكل شيء} اسم من البيان قال مجاهد: يعني لما أمر به وما نهى عنه. وقال أهل المعاني: تبياناً لكل شيء يعني من أمور الدين إما بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم به من بيان النبي صلى الله عليه سلم لأن النبي صلى الله عليه سلم بيَّن ما في القرآن من الأحكام والحدود والحلال والحرام، وجميع المأمورات والمنهيات, وإجماع الأمة فهو أيضاً أصل ومفتاح لعلوم الدين {وهدى} يعني من الضلالة {ورحمة} يعني لمن آمن به وصدقه {وبشرى للمسلمين} يعني وفيه بشرى للمسلمين من الله عز وجل. وقوله سبحانه وتعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} قال ابن عباس: العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان أداء الفرائض. وفي رواية عنه قال: العدل خلع الأنداد، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك إن كان مؤمناً تحب أن يزداد إيماناً، وإن كان كافراً تحب أن يكون أخاك في الإسلام. وقال في رواية أخرى عنه: العدل التوحيد والإحسان الإخلاص، وأصل العدل في اللغة المساواة في كل شيء من غير زيادة في شيء ولا غلو ولا نقصان فيه، ولا تقصير فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه والشر بأن تعفوا عنه: وقيل: العدل الإنصاف ولا إنصاف أعظم من الاعتراف للمنعم بإنعامه، والإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، وقيل يأمر بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل إلا ما هو عدل، ولا يقول إلا ماهو حسن {وإيتاء ذي القربى} يعني ويأمر بصلة الرحم وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك فيستحب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن وتودد {وينهى عن الفحشاء} قال ابن عباس: يعني الزنا. وقال غيره الفحشاء، وما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال والأفعال المذمومة {والمنكر} قال ابن عباس: يعني الشرك والكفر. وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة {والبغي} يعني الكبر والظلم. وقيل: البغي هو التطاول على الغير على سبيل الظلم والعدوان. قال بعضهم: إن أعجل المعاصي البغي ولو أن جبلين بغى أحدهما على الآخر لدك الباغي. وقال ابن عيينة في هذه الآية: العدل استواء السر والعلانية، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته والفحشاء والمنكر البغي، أن تكون علانتيه أحسن من سريريته، وقال بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء، فذكر: العدل وهو الإنصاف، والمساواة في الأقوال والأفعال وذكر في مقابلته الفحشاء، وهي ما قبح من الأقوال والأفعال وذكر الإحسان، وهو أن تعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من أساء إليك وذكر في مقابلته المنكر، وهو أن تنكر إحسان من أحسن إليك، وذكر إيتاء ذي القربى, والمراد به صلة القرابة والتودد إليهم، والشفقة عليهم وذكر في مقابلته البغي، وهو أن يتكبر عليهم أو بظلمهم حقوقهم ثم قال تعالى {يعظكم لعلكم تذكرون} يعني إنما أمركم بما أمركم به ونهاكم عما نهاكم عنه، لكي تتعظوا وتتذكروا فتعملوا، بما فيه رضا الله تعالى. قال ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية. وقال أهل المعاني: لما قال الله تعالى في الآية الأولى، ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء بيَّن في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه على سبيل الإجمال، فما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم، مما يجب أن يؤتى أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية وروى عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قرأ على الوليد بن المغيرة أنّ الله يأمر بالعدل إلى آخر الآية، فقال له: "يا ابن أخي أعد عليّ" فأعادها عليه فقال له الوليد: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر, وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر. قوله عز وجل {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} لما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة المأمورات والمنهيات على سبيل الإجمال، ذكر هذه الآية بعض ذلك الإجمال على التفصيل فبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد، لأنه آكد الحقوق فقال تعالى {وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم} نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأمرهم بالوفاء بهذه البيعة، وقيل: المراد منه كل ما يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه الوعد أيضاً لأن الوعد من العهد، وقيل: العهد هاهنا اليمين. قال القتيبي: العهد يمين وكفارته كفارة يمين فعلى هذا يجب الوفاء إذا كان فيه صلاح أما إذا لم يكن فيه صلاح، فلا يجب الوفاء به لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف يميناً ثم رأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه"تفسير : فيكون قوله وأفوا بعهد الله من العام الذي خصصته السنة. وقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية، ويشهد لهذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة"تفسير : {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} يعني تشديدها فتحنثوا فيها وفيه دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منها {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} يعني شهيداً بالوفاء بالعهد{إن الله يعلم ما تفعلون} يعني من وفاء العهد ونقضه ثم ضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً لنقض العهد فقال تعالى {ولا تكونوا} يعني في نقض العهد {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة} يعني من بعد إبرامه وإحكامه. قال الكلبي ومقاتل: هذه امرأة من قريش يقال لها ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم وكانت خرقاء حمقاء بها وسوسة، وكانت قد اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفلكه عظيمة على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف، أو الشعر أو الوبر وتأمر جواريها بالغزل فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا دأبها. والمعنى: أن هذه المرأة، لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض فكذلك من نقض العهد لا تركه ولا حين عاهد وفى به {أنكاثاً} جمع نكث وهو ما ينقض من الغزل أو الحبل بعد القتل {تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم} يعني دغلاً وخيانة وخديعة, والدخل ما يدخل في الشيء على سبيل الفساد، وقيل: الدخل والدغل أن يظهر الرجال الوفاء بالعهد ويبطن نقضه {أن تكون} يعني لأن تكون {أمة هي أربى من أمة} يعني أكثر وأعلى من أمة. قال مجاهد: وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوماً أكثر من أولئك وأعز نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا الأكثر. والمعنى: أنكم طلبتم العز بنقض العهد لأن كانت أمة أي جماعة أكثر من جماعة فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم بالوفاء بالعهد لمن عاهدوا وحالفوا، {إنما يبلوكم الله به} يعني يختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهد وهو أعلم بكم {وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} يعني في الدنيا فيثيب الطائع المحق، ويعاقب المسيء الخالف قوله سبحانه وتعالى {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} يعني على ملة واحدة ودين واحد، وهو دين الإسلام {ولكن يضل من يشاء} يعني بخذلانه إياه عدلاً منه {ويهدي من يشاء} بتوفيقه إياه فضلاً منه وذلك مما اقتضته الحكمة الإلهية لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهو قوله تعالى {ولتسألن عما كنتم تعملون} يعني في الدنيا فيجازى المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته أو يغفر له. قوله عز وجل {ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم} يعني خديعة وفساداً بينكم فتغروا بها الناس فيسكنوا إلى أيمانكم، ويأمنوا إليكم ثم تنقضونها. وإنما كرر هذا المعنى تأكيداً عليهم وإظهاراً لعظم أمر نقض العهد. قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام نهاهم عن نقض عهده، لأن الوعيد الذي بعده وهو قوله سبحانه وتعالى: فنزل قدم بعد ثبوتها لا يليق بنقض عهد غيره، إنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وبشريعته وقوله {فتزل قدم بعد ثبوتها} مثل يذكر لكل من وقع في بلاء ومحنة بعد عافية ونعمة أو سقط في ورطة بعد سلامة. تقول العرب لكل واقع في بلاء بعد عافية: زلت قدمه، والمعنى: فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام، بعد ثبوتها عليها {وتذوقوا السوء} يعني العذاب {بما صددتم عن سبيل الله} يعني بسبب صدكم غيركم عن دين الله وذلك لأن من نقض العهد، فقد علّم غيره نقض العهد فيكون هو أقدمه على ذلك {ولكم عذاب عظيم} يعني بنقضكم العهد {ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً} يعني ولا تنقضوا عهودكم وتطلبوا بنقضها عوضاً من الدنيا قليلاً، ولكن أوفوا بها {إنما عند الله} يعني فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بالعهد {هو خير لكم} يعني من عاجل الدنيا {إن كنتم تعلمون} يعني فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك فقال تبارك وتعالى {ما عندكم ينفد} يعني من متاع الدنيا، ولذاتها يفنى ويذهب {وما عند الله باق} يعني من ثواب الآخرة ونعيم الجنة {ولنجزين الذين صبروا} يعني على الوفاء بالعهد على السراء والضراء {أجرهم} يعني ثواب صبرهم {بأحسن ما كانوا يعملون} عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى"تفسير : وقوله سبحانه وتعالى {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} فإن قلت: من عمل صالحاً يفيد العموم فما فائدة الذكر والأنثى؟ قلت: هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين إلا أنه إذا ذكر وأطلق، كان الظاهر تناوله للذكر دون الأنثى فقيل من ذكر أو أنثى على التبيين، ليعلم الوعد للنوعين جميعاً وجواب آخر وهو أن الآية واردة بالوعد بالثواب والمبالغة في تقرير الوعد، من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتاً للتأكد, وإزالة لِوَهْمِ التخصيص, وقوله: وهو مؤمن، جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح موجباً للثواب {فلنحيينه حياة طيبة} قال سعيد بن جبير وعطاء: هي الرزق الحلال، وقال مقاتل: هي العيش في الطاعة، وقيل: هي حلاوة الطاعة. وقال الحسن هي القناعة وقيل رزق يوم بيوم، واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا، وإن كان فقيراً أطيب من عيش الكافر وإن كان غنياً لأن المؤمن لما علم أن رزقه من عند الله، وذلك بتقديره وتدبيره وعرف أن الله محسن كريم متفضل لا يفعل إلا الصواب، فكان المؤمن راضياً عن الله وراضياً بما قدره الله له ورزقه إياه، وعرف أنه له مصلحة في ذلك القدر الذي رزقه إياه فاستراحت نفسه من الكد والحرص فطاب عيشه بذلك وأما الكافر أو الجاهل بهذه الأصول الحريص على طلب الرزق فيكون أبداً في حزن وتعب وعناء وحرص وكد ولا ينال من الرزق إلا ما قدر له فظهر بهذا أن عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. وقال السدي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة: في قوله فلنحيينه حياة طيبة هي الجنة. وروى العوفي عن الحسن، قال: لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاوة، فثبت بهذا أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولقوله في سياق الآية {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} لأن ذلك الجزاء إنما يكون في الجنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} يعني: رسولَها، ويجوز أن يبعَثَ اللَّه شهوداً من الصَّالحين مع الرسُلِ، وقد قال بعضُ الصحابة: إِذا رأَيْت أحداً على معصية، فٱنهه، فإن أطاعك، وإِلاَّ كُنْتَ شاهداً عليه يَوْمَ القيامة. وقوله سبحانه: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـؤُلآءِ} الإشارة بـــ«هؤلاء» إلى هذه الأمَّة. وقوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ...} الآية: قال ابن مسعود رضي الله عنه: أجمعُ آية في كتاب اللَّهِ هذه الآية، ورُوِيَ عن عثمانَ بْنِ مظعون رضي الله عنه، أنه قال: لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قرأْتُها على أَبي طَالب، فَعجَبَ، وقالَ: يَا آلَ غَالِبٍ، اتَّبِعُوهُ تُفْلِحُوا فواللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ ليأَمرَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ. قال * ع *: و{العَدْلِ} فعلُ كلِّ مفروضٍ، و{ٱلإِحْسَـٰنِ} فعلُ كلِّ مندوب إِليه، {وَإِيتَآئِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ}: لفظُ يقتضي صلة الرحِمِ، ويعم جميع إِسداء الخَيْرِ إِلى القرابة، و{ٱلْفَحْشَاءِ} الزنا؛ قاله ابن عبَّاس ويتناولَ اللفْظُ سائر المعاصِي التي شِنْعَتُهَا ظاهرة، {وَٱلْمُنكَرِ} أعمُّ منه؛ لأنه يعمُّ جميع المعاصى والرذائلِ، والإذاءات على اختلاف أنواعها، {ٱلْبَغْيِ} هو إنشاء ظُلْم الإِنسان، والسعاية فيه، «وكُفيلاً» معناه: متكفِّلاً بوفائكم، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية. وهذا نوع آخر من التَّهديد، والأمة عبارة عن القرن والجماعة، والمراد أن كلَّ نبيٍّ شاهدٌ على أمَّته؛ لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم من أنفسهم لا من غيرهم. وقيل: المراد أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا، فلا بدَّ وأن يحصل فيهم واحدٌ يكون شهيداً عليهم، أمَّا الشَّهيد على الذين كانوا في عصر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - فهو الرسول؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}تفسير : [البقرة: 143] وقوله: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ}. وقال الأصم: المراد بالشَّهيد هو أنَّه - تعالى - ينطق عشرة من أعضاء الإنسان تشهد عليه، وهي: الأذنان، والعينان، والرجلان، واليدان، والجلد واللسان. قال: والدَّليل عليه أنه قال في صفة الشَّهيد أنَّه من أنفسهم، وهذه الأعضاء لا شكَّ أنها من أنفسهم. وأجاب القاضي عنه: بأنه - تعالى - قال: {شَهِيداً عَلَيْهِم}، أي: على الأمَّة، فيجب أن يكون غيرهم، وأيضاً قال: "مِنْ كل أمةٍ" فيجب أن يكون ذلك الشَّهيد من الأمَّة، وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها أنها من الأمة، وأما حمل الشهداء على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فبعيد؛ لأن كونهم مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضَّرورة، فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه. قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً} يجوز أن يكون "تِبْيَاناً" في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، وهو مصدر ولم يجىء من المصادر على هذه الزِّنة إلا لفظتان: هذا والتِّلقاء، وفي الأسماء كثيراً، نحو "التِّمساح والتِّمثال" وأما المصادر فقياسها فتح الأول؛ دلالة على التكثير كـ "التَّطوافِ" و "التَّجْوالِ". وقال ابن عطية: إنَّ "التِّبْيَان" اسمٌ وليس بمصدر والنحويُّون على خلافه. قال شهاب الدين - رحمه الله -: وقد رَوَى الواحديُّ بإسناده، عن الزجاج أنه قال: "التِّبيان" اسمٌ في معنى البيان. وجه تعلُّق هذا الكلام بما قبله: أنه - تعالى - قال: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} أي: أنه أزاح علتهم فميا كلِّفوا، فلا حجَّة لهم ولا معذرة. وقال نفاةُ القياس: دلَّت هذه الآية على أنَّ القرآن تبْيَانٌ لكل شيءٍ، والعلوم إمَّا دينية، أو غير دينية، فالتي ليست دينية، لا تعلُّق لها بهذه الآية؛ لأنَّا نعلمُ بالضرورة أنه تعالى إنما مدح القرآن بكونه مشتملاً على علوم الدين، وأمَّا غير ذلك، فلا التفاتَ إليه، وأما علومُ الدِّين: فإمَّا الأصول، وإما الفروع. فأما علم الأصول: فهو بتمامه موجودٌ في القرآن. وأما علم الفروع: فالأصل براءة الذِّمَّة، إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب، وذلك يدلُّ على أنه لا تكليف من الله إلاَّ ما ورد في هذا القرآن، وإذا كان كذلك، كان القول بالقياس باطلاً، وكان القرآن وافياً بتبيان كل الأحكام. قال الفقهاء: إنَّما كان القرآن "تِبياناً لكُلِّ شَيْءٍ"؛ لأنه دلَّ على أنَّ الإجماع حجةٌ، وخبر الواحد، والقياس حجة، فإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصولِ، كان ذلك الحكم ثابتاً بالقرآن، وقد تقدمت هذه المسألة في سورة الأعراف. قال المفسرون: "تِبْياناً لكُلِّ شَيْءٍ" يحتاج إليه الأمرِ، والنهيِ والحلالِ، والحرامِ، والحدودِ، والأحكامِ، "وهُدًى" من الضَّلالةِ، "ورحْمَةً" و "بشرى" وبشارة "للمسلمين"، قوله: "للمسلمين" متعلق بـ "بشرى"، وهو متعلق من حيث المعنى بـ "هدى ورحمة" أيضاً. وفي جواز كون هذا من التنازع، نظر، من حيث لزوم الفصل بين المصدر، ومعموله بالظرف، حال إعمالك غير الثالث؛ فتأمَّلهُ. وقياس من جوَّز [التنازع] في فعل التعجب، والتزام إعمال الثاني؛ لئلاَّ يلزم الفصل أن يجوز هذا على هذه الحالة.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الآية: 89]. قال الواسطى: أنزل عليك الكتاب: وإنما خوطبت به دون غيرك لأنك من أهل المخاطبة وخوطبوا جميعًا تبعًا لك فبين لهم مرادنا فيما خوطبوا به فإن البيان إليك. قال أبو عثمان المغربى: فى الكتاب تبيان كل شئ ومحمد صلى الله عليه وسلم هو المبين لتبيان الكتاب.
القشيري
تفسير : تأتي - يومَ القيامة - كلُّ أمة مع رسولها، فلا أُمةَ كهذه الأمةِ فضلاً، ولا رسولَ كرسولنا صلى الله عليه وسلم - رتبةً وقَدْرَاً. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي القرآن تبياناً لكل شيء، فيه للمؤمنين شفاء، وهو لهم ضياء، وعلى الكافرين بلاء، وهو لهم سبب محنة وشقاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} ان الله سبحانه خلق الامم وجعل فيهم الاولياء والاكابر والانبياء والرسل فجعل الرسل شهداء على الانبياء وجعل الانبياء شهداء على الاولياء يشهدون عند الخلق بولايتهم وصدق محبتهم واخلاص توحيدهم وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا صادقا يشهد بولايتهم وصدق محبتهم واخلاص توحيدهم وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا صادقا يشهد بولاية اولياء امته واصفيائه خواص اهل نحلته فزال بذلك الابهام والعلن لانه كان عليه السّلام بين شواهدهم وحقائق اعمالهم فيما انزل الله عليه بلسان كتابه وواضح آياته قال الله سبحانه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} مبينا لكل حق وباطل يفبق بين الصديقين الغالطين وهو كتابه المكنون وخطابه المصون يخبر عما كان وما يكون من كل حد وكل علم وانار سبيل الحقيقة واوضح طريق المعرفة وهو سراج الله فى العالم يخرج بنوره كل طالب صادق من ظلمات الاوهام وشكوك القتام وهو خطاب الحبيب الى الحبيب وذوقه مع الحبيب وسره معجون فى الحبيب وغرائب مكشوفة له وعجائبه مصئونة فى قلبه لا يعرفها غيره بالحقيقة فمن تابعه وصل اليه بحظ وافر واصل حاضر قال ابو على الجورجانى الخلق شهداء بعضهم على بعض وامة محمد صلى الله عليه وسلم هم شهود الانبياء على جميع الامم ومحمد صلى الله عليه وسلم هو المزكى المقبول فمن قدمه فهو المقدم ومن اخره فهو الموخر ومن تعلق به نجا ومن تخلف عنه هلك قال الله وجئنا بك على هؤلاء شهيدا وقال الواسطى انزل عليك الكتاب وانما خوطبت به دون غيرك لانك اهل المخاطبة وخوطبوا جميعا تبعا لك فبين لهم مرادنا فيما خوطبوا به فان اليك البيان وقال ابو عثمان المغربى فى الكتاب تبيان كل شئ ومحمد صلى الله عليه وسمل هو المبين لتبيان الكتاب ثم وصف كتابه بعد وصفه بانه مبين علوم جميع صفاته واسمائه ونعوته وذاته بانه مع انه تبيان طريق معارفه وكواشفه هادٍ للمسترشدين طريق معرفة وحدانيته وفردانيته ورحمة على احبائه بانه يخاطبهم به من حيث داء محبته فى قلوبهم يسمعهم خطابه واناجيله الذى فيه انباء غرايب لطفه باوليائه وعجائب صنعه باحبائه واصفيائه ليستانسوا بخطابه وسماعه ويتواجدوا بلذة كلامه وذلك نعمة تامة ورحمة كافة عليهم وعلى جمهور سُلاّك الطريقة وقصادر الارادة وبشرى لكل مقبل اليه واقف عليه ومنقاد بين يديه بنعت الخضوع والتسليم يبشرهم برضوانه الاكبر ووصاله الاوفر وهؤلاء المخاطبون بهذه الحقائق يوكدهم الله الامر عليهم بان يعدلوا بين خلقه ويواسيهم باحسانه ورفقهم لهم برحمة وينهاهم عن مباشرة حظوظهم و الحسد على اخوانهم بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ان الله سبحانه دعا العباد الى الاتصاف بصفته منها العدل والاحسان والشفقة والرحمة والقدس والطهارة عما لا يليق به فهو العادل والمحسن والرحمن والرحيم غير ظالم جائز وهو منزه عن جميع العلل فمن كسى انوار هذه الصفات بنعت الذوق والمباشرة وحلاه بزينتها يخرج عادلاً محسنا رؤفا رحيما طاهرا مطهرا صدقا مصدقا وليا حبيبا محبوبا مريدا مرادا مراعى محفوظا يعدل بنفسه فيدفعها عن الشرك والشك وروية الغير وطلب العوض فى العبودية وياخذ منها الاتصاف بينها وبين عباد الله بان لا يرى عيب غيرها بل يرى عيبها فى جميع الاوقات وينصف بين عباد الله ويحسن الى من اساء اليه ويعبد الله بوصف الروية وشهود غيبه ويراعى ذوى القرابة فى المعرفة والمحبة من المريدين الصادقين ويرحم الجهال من المسلمين وينهى نفسه عن مباشرة فواحش دعوى الانائية ومباشرة الهوى والشهوة ويدفعها عن الظلم باستكباره عن العبودية ويامرها باذعانها عند تراب اقدام اولياء الله ليكون مطمئنة فى عبودية الحق ذاكرة لسلطان ربوبيته وقهر جبروته وملكوته واحاطته بكل ذرة وفناء الخليقة قال السارى ليس من العدل المقابلات بالمجاهدات والعدل روية المنة منه قديما وحديثا والاحسان الاستقامة بشرط الوفاء الى الابد لذلك قال استقيموا ولن تحصوا وقال بعضه العدل والاحسان ما استطاعها آدمى قط لان الله عز وجل يقول ولن تستطيعوا ان تعدّوا ان تعدلوا وكيف تستطيع ان تعدل بينك وبين الله فى استيفاء نعمه وتضييع وعظه وحكمه وليس من العدل ان تغتر عن طاعة من لا يغتر عن برك والاحسان هو الاستقامة الى الموت وهو ان تعبد الله كانك تراه كالمروى عن النبى صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم استقيموا ولن تحصوا اخبر انه لا يقدر احد ان يعدل بين خلقه فكيف يعدل بينه وبين ربه والفحشاء الاستهانة بالشريعة والمنكر الاصرار على الذنوب والبغى ظلم العباد وظلمه على نفسه افظع قال الواسطى العدل ان لا يوافق العبد غير ربه ولا يطالع غير حده والاحسان ان لا يرى حسنا الا من الله وايتاء ذى القربى فلا قريب اقرب اليك ممن انت له وبه واليه وافحش الفحشاء اضافة الاشياء الى غيره ملكا وايجادا وانكر المنكر رؤية الاشياء من غير الله ولغير الله واقبح البغى تلوين النعوت ورؤيتها بالعلل لعلكم تذكرون تعرفون فضله عليكم بالموعظة لعلكم تذكرون اى عسى ان تذكروا نعمة عليكم ومن جملة ما يتعلق بالعدل والاحسان الوفاء بعهد الله فى عبوديته بقوله {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} هذا العهد عهد الارواح مع الله حين خرجت من العدم بمحبة القدم والعبودية لربوبيته خالصًا من ايثار الشئ عليه من العرش الى الثرى عهد الله معها انه تعالى اواها على نعت الديمومية الى مشاهدة الابدية وعهدها مع الله خروجها مما لا يليق بالعبودية فحقيقة الوفاء بالعهد من الطرفين يتعلق بعناية الله ورعايته وكل الاجتهاد من العباد يبدو منها فان وقع النقض على عهدنا من غيره السابقة فى الازل وتغير عهدنا بحيث تتغير صفاتنا من حال الاستقامة الى حال الفترة فلم يقع النقض والنقض فى عهد الله لانه منزه عن التغائر الحدثانية وهو ذو رحمة واسعة يفى بعهده ولا علة عليه قال الله تعالى مان اوفى بعهده من الله قال النصرابادى انت متردد بين صفتين صفة الحق وصفتك قال اوفوا بعهد الله وقال ومن اوفى بعهده من الله الى ايّهما نظرت فانك الاحرى ثم العهود مختلفة فى الاقوال عهود وفى الاعمال عهود وفى الاحوال عهود والصدق مطلوب منك فى جميع ذلك وعلى العوام عهود وعلى الخواص عهود على خواص الخواص عهود فالعهد على العوام لزوم الظواهر والعهد على الخواص حفظ السرائر والعهد على خواص الخواص التجلى من الكل لمن له الكل وقا لمن حمل الحمد بنفسه وحوله نقضه فى اوّل قدم ومن حمله بالحق حفظ عليه عهده ومواثيقه وقال الواسطى تقدمت العهود فى الميثاق الاول فمن اقام على وفاء الميثاق فتح له طريق الحقائق وقتا بعد وقت ومن خان فى الميثاق بقى مع وقته واغلق دونه مسالك رشده وقد وقع لى نكتة ههنا من قوله سبحانه {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ان كان العهد واليمين وقعا من جانب العباد فى الازل تحقق لهم الاختيار فى الوفاء بالعهود والايمان وان وقعا م الحق صرفا وعهدا العباد وايمانهم من نتائجهم او فرعهما فقد سقط عنهم الاختيار وبقيت ايمانهم وعهودهم منقوضة ويخرجان من الحق على نعت الوفاء منه ابدا لانه صاحب الاختيار المنزه عن عوارضات التلوين وتغير الزمان والمكان.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم نبعث} تكرير لما سبق تثنية للتهديد {فى كل امة}[وياد كن اى محمد روزيرا كه برانكيزانيم درميان هر كروهى]{شهيدا عليهم} اى نبيا {من انفسهم} من جنسهم قطعا لمعذرتهم لانه كان يبعث انبياء الامم فيهم منهم ولوط عليه السلام لما تأهل فيهم وسكن فيما بينهم كان منهم وفى قوله عليهم اشعار بان شهادة انبيائهم على الأمم تكون بمحضرة منهم{وجئنا بك} [وبياريم ترا يا محمد]{شهيدا على هؤلاء} الامم وشهدائهم كقوله تعالى {أية : فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } تفسير : {ونزلنا عليك الكتاب} الكامل فى الكتابية الحقيق بان يخص به اسم الجنس وهو القرآن العظيم {تبيانا} بيانا بليغا {لكل شئ} يتعلق بامور الدين ومن ذلك احوال الامم مع انبيائهم. فان قلت كيف هذا ومعلوم ان اكثر الاحكام غير مبنية فى القرآن ولذلك اختلف العلماء فيها الى قيام الساعة. قلت كونه تبيانا لكل شئ من امور الدين باعتبار ان فيه نصا على بعضها واحالة لبعضها على السنة حيث امر باتباع النبى صلى الله عليه وسلم وطاعته وقيل فيه {أية : وما ينطق عن الهوى} تفسير : وحثاً على الاجماع وقد رضى رسول الله لامته باتباع اصحابه حيث قال "حديث : اصحابى كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم"تفسير : وقد اجتهدوا وقاسوا ووطأوا طرق الاجتهاد فكان السنة والاجماع والقياس مستندة الى تبيان الكتاب ولم يضر ما فى البعض من الخفاء فى كونه تبيانا فان المبالغة باعتبار دون الكيفية {وهدى} وكاملا فى الهداية من الضلالة {ورحمة} للعالمين فان حرمان الكفرة من مغانم آثاره من تفريطهم لا من جهة الكتاب {وبشرى} وبشارة بالجنة {للمسلمين} خاصة. وفيه اشارة الى ان فى الكتاب بيان كل شئ يحتاج اليه السالك فى اثناء السلوك والسير الى الله الى ان يصل الى اقصى مقام الكمال المقدر للانسان وهذا الكتاب هاد يهدى إلى الله عباده برحمته وبشارة لمن اسلم وجهه لله وتابع النبى صلى الله عليه وسلم بالوصول الى مقام الكمال وحضرة الجلال وكما ان المنزل عليه هو الرسول والبيان من لسانه يؤخذ لا من لسان غيره فكذا الملهم عليه هو وارث الرسول والارشاد من تربية غيره فمن اسلم اى استسلم وانقاد لتربية الوسائط ولم يتحرك بشئ من عند نفسه كالميت على يد الغسال فقد هدى الى طريق التطهر عن الادناس النفسانية ووصل الى درجات العارفين: قال الحافظ شعر : من بسر منزل عنقا نه بخود بردم راهه قطع اين مرحله بامرغ سليمان كردم تفسير : واعلم ان القرآن كاف لاهل الشريعة والحقيقة فمن مشى على ما صرح به واشار فقد امن من العثار ومن خرج عن العمل به واتبع نفسه وهواه فقد بعد عن الله واسخط مولاه. قال سهل بن عبد الله اصول الدين على ركنين التمسك بكتاب الله والاقتداء بسنة رسول الله وعن ابى يزيد قدس سره ستة اشياء حصن الاعضاء السبعة استعمال العلم وحسن الادب ومحاسبة النفس وحفظ اللسان وكثرة العبادة ومتابعة السنة. وقال جنيد البغدادى قدس سره مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. وقال على رضى الله عنه الطرق كلها مسدودة على الخلق الا من اقتفى اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى إِن اليوم الذي {نبعث في كلّ أمة شهيداً} اي من يشهد {عليهم من أنفسهم} اي من أمثالهم من البشر. ويجوز ان يكون ذلك نبيّهم الذي بعث اليهم، ويجوز ان يكونوا مؤمنين عارفين بالله ونبيه، ويشهدون عليهم بما فعلوه من المعاصي. وفي ذلك دلالة على ان كل عصر لا يخلو ممن يكون قوله حجة على اهل عصره، عدل عند الله، وهو قول الجبائي، وأكثر أهل العدل، وهو قولنا وإِن خالفناهم في من هو ذلك العدل والحجة. {وجئنا بك} يا محمد {شهيداً} على هؤلاء يعني كفار قريش وغيرهم، من الذين كفروا بنبوته. ثم قال {ونزلنا عليك الكتاب} يعنى القرآن {تبياناً لكل شيء} اي بياناً لكل أمر مشكل. والتبيان والبيان واحد. ومعنى العموم في قوله {لكل شيء} المراد به من أمور الدين: إِمّا بالنص عليه او الاحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي صلى الله عليه وسلم والحجج القائمين مقامه، او اجماع الأمة او الاستدلال، لان هذه الوجوه أصول الدين وطريق موصلة الى معرفته. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: الكلام لا يدل على شيء، لان كلام الحكيم يدل من وجهين: احدهما - أنه دليل على نفس المعنى الذي يحتاج اليه. والآخر - أنه دليل على صحة المعنى الذي يحتاج الى البرهان عليه. ولو لم يكن كذلك لخرج عن الحكمة وجرى مجرى اللغو الذي لا فائدة فيه. وقوله {وهدى ورحمة وبشرى} يعنى القرآن دلالة ورحمة وبشارة للمسلمين بالجنة.
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} لمّا كان هذه الآية تأكيداً لسابقتها فصّلها وأجمل الاولى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة والقرآن صورته واحكام القالب والقلب ايضاً صورته، ولمّا كان النّبوّة مقام الجمع بعد الفرق وتفصيلاً للوحدة الاجماليّة واجمالاً للكثرة كان فيه بيان كلّ شيءٍ وظهوره ولذلك قال {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى} الى الولاية والايمان القلبىّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة {وَرَحْمَةً} لانّ النّبوّة لكونها صورة الولاية رحمة بكون الولاية رحمة {وَبُشْرَىٰ} بشارة الى مراتب الولاية {لِلْمُسْلِمِينَ} البايعين بالبيعة العامّة او المنقادين المشار اليهم بقوله {أية : أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق:37].
فرات الكوفي
تفسير : {ونزلنا عَلَيْكَ الكتاب تبياناً لكل شيء89} [تقدّم في ذيل الآية 145/ الأعراف عن الباقر عليه السلام]
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أنفُسِهِمْ} وهو نبيهم فإِن نبى كل أُمة بعث منهم والأَنبياء أعدل الشهود والكلام هنا كالكلام فى ما مر معنى وإِعرابا وإِنما إِعادة تأكيد أو زيادة تهويل ولزيد يذكر قوله من انقسم فإِن من كان من نفس المشهود عليه أعرف بحاله فهو أقوى شهادة ليزيد بذكر قوله {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {شَهِيداً عَلَى هَؤُلاَءِ} الكفرة من أُمتك للعقاب والمؤمنين للثواب أو أعاد ذكر ذلك على أن المراد بالشهيد فى أحد الموضعين بنبى كل أُمة وفى الآخرة صلحاؤها الذين يشهدون عليها فإِذا قلناه فى الموضع الأَول إِن المراد الأَنبياء وفى الثانى صلحاؤهم كان ذكر قوله وجئناك إِلى آخره زيادة على ما أُريد فى الموضع الثانى وإِذا عكس ذلك كان ذكره بيانا للشاهد والمشهود عليه فى هذه الأُمة ولك أن تقول المراد فى أحدهما النبى والصالح وفى الآخر أحدهما فقط {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} كلام مستأنف أو حال محكية أى جئنا بك شهيدا عليهم والحال إِنا نزلنا عليك القرآن {تِبْيَاناً} تبيينا {لِكُلِّ شَىْءٍ} من أمر الدين فلا يبتغى المرء كفر عذر والجملة الماضية الواقعة حالا إِذا كانت مثبتة قيل لا بد من قد معها ظاهرة أو مقدرة وقيل تصح بلا قد والتبيان مصدر بين وقيل مصدر بان وأجاز الزجاج فتح تاءه فى غير القرآن وهو الذى يقاس عليه عند من قال بقياس تفعال، والكسرمحفوظ فى بعض الأَسماء كهذا وتلقاء وتمساح وإِن قلت ليس فى القرآن بيان كل شىء قلت فيه بيان كل شىء إِذا أنزل الله سبحانه وأمر فيه رسوله أن يبين للناس ما أنزل فيه كما قال تعالى: {أية : وأنزلنا إِليك الذكر لتبين للناس ما أُنزل إِليهم} تفسير : فإِن بعضا من الدين مفصل فيه وبعضا مفصل فى السنة وبعضا فى القياس وبعضا بالإِجماع وكل من القياس والإِجماع مَأخوذ من السنة الموكول إِليها الأَمر فى القرآن فكأَنهما مَأخوذان من القرآن {وَهُدًى} من الضلالة هدى تسليم وإِرشاد فهو يعم الشقى والسعيد. {وَرَحْمَةً} إِنعاما به على الفريقين أيضا وحرمان الشقى إِنما هو لتقصيره {وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} خاصة وقيل رحمة لمن آمن به وهم المسلمون وقيل هدى عصمة للمسلمين ورحمة لهم وبشرى لهم وهذا يتم على كون نزلنا مستأنفة.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} نبيًّا يشهد، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير نبى أو صالح فيهم، أو نبى وصالح معاً، ولا بد فى كل عصر من قائم على أهل عصره يكون صالحا حجة، ولا تخلو منه أمة يشهد هو لهم، وتشهد لهم أمته، ويزكى أمته، فإن دخل صلى الله عليه وسلم فى قوله: {ويوم نبعث} إلخ بلا بأس بذكره هنا شهيداً على غير أمته من الأنبياء، وجاز إرادة أمته فى الموصمين، ولا تكرار، ولأن الشهادة الأخيرة تزكية لهم، إذ شهدوا على الأنبياء وأممهم، وكذلك جعلناكم أمة وسطا إلخ. ولفظ على فى الخير والشر، والشاهد علو فى الجملة، أو لوجه ما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد على مَن يأتى من أمته إلى قيام الساعة، ومنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : حياتى خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتى خير لكم تعرض علىَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم وتعرض على القرابة"تفسير : . قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور" تفسير : رواه ابن أبى الدنيا عن أبى هريرة. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا"تفسير : رواه أحمد عن أنس، وروى داود مثله عن جابر، وزاد: وألهمهم أن يعملوا بطاعتك. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساءون" تفسير : رواه ابن أبى الدنيا عن أبى الدرداء، فكان أبو الدرداء يقول: اللهم إنى أعوذ بك أن يمقتنى خالى عبد الله بن رواحة إِذا رأيته يقول ذلك فى سجوده. {عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} بعطف يوم نبعث من كل أمة على يوم نبعث السابق، ويقدِر ما قدر فيه لبُعده، والأول يشمل الشهادة للأمم وعليها، كما مرّ، وهذا فى الشهادة عليها فقط لزيادة الزجر، وهذا التأسيس أولى من أن يقال: هذا تفسير للسابق، أو أن يقال: الشهادة عليهم بمعنى الإخبار عنهم إسلاما وكفرا، والأصل عدم التفسير، والأصل أن على للضرر، ومن أنفسهم من جنسهم أولاد من المعاشر لهم اللائق، ولو فسر بالنسب لأشكل بلوط وشعيب، إذ ليس هما من نسب أقومهما، إلا أن يحمل على النسب تحقيقا أو حكما، فإنهما من النسب حكما لعشرتهما لهم، أو من يكون نسبهم مثلهما شهد فى مقامه صالح من نسبهم، أو يعتبر الغالب. {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمَّد {شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ} أمتك فى إنزال هذا عليها زجر عظيم إلى آخرها، ويجوز أن يفسره هؤلاء شهداء الأمم، وهم أنبياؤه فهو شهيد على الأنبياء، وذلك لعلمه بعقائدهم، واستجماع شرعه لقواعدهم، ولأنه مرسل إلى الأنبياء وأممهم، فالأنبياء كآحاد أمته، ولا مانع من هذا، ولو جاء الحديث بأن هذه الأمة تشهد للأنبياء بالتبليغ، ولا مانع من تكرير الشهادة، والنبى صلى الله عليه وسلم يزكى أمته، وقوله تعالى: "أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً" تفسير : [النساء: 41] كهذه فى احتمال أن هؤلاء هم الأنبياء وزعم بعض أن الشهيد عشرة أجزاء من الإنسان: الأذنان، والعينان، والرجلان، واليدان، والجلد، واللسان، فذلك شهيد على الإنسان عن نفسه. ويرده المقابلة بقوله تعالى: "أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً" تفسير : [النساء: 41] وقوله تعالى: {فى كل أمة شهيداً عليهم} فالشهادة على الأمة لا على نفسه، ولعل قائله أراد الوعظ لا حقيقة التفسير، وكل ما لا يجوز التفسير به لا يجوز ما يوهم أنه تفسير. {وَنزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ} من التوحيد أو منه، ومن الفروع، لأن ما يقول النبى صلى الله عليه وسلم من الوحى وغيره، وما يقول العلماء هو فى القرآن والحديث مثل: "أية : وما آتاكم الرسول"تفسير : [الحشر: 7] "أية : وما ينطق عن الهوى" تفسير : [النجم: 3] وقوله: "حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" تفسير : أو من الدين والدنيا، ولو تفاوت الناس فى القرآن بقوة الفهم وضعفه، قال ابن عباس: لو ضاع لى بعير لوجدته فى القرآن. {وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} عطف على أنزل من السماء ماء، أو على أوحى ربك، أو على أخرجكم، أو الواو للحال، وصاحبها نا من جئنا، أو كاف بك، على تقدير: ونحن نزلنا، أو قد نزلنا وقد أجيز كون الماضى ولو متصرفا مثبتا مجرداً من قد حالا مع مرفوعه، والحال محكية، ولزمان لا يجرى على الله، ومَن قال بجريانه عليه احتل توحيده، لأنه تعالى والخالق له قليلا قليلا، والقرآن فيه بيان كل شئ، بتصريح أو فهم أو سنَّة أو قياس، وأما الإجماع فمأخوذ من ذلك إلا أنه بعد ذلك خفى موضع استنباطه من ذلك على غير المجمعين، والمراد كل شئ ما يحتاج إليه من أمر الدين، وللمسلمين نعت: لهدى ورحمة وبشرى، أو تنازعت فيه فيقدر لفظ لهم لما أهمل، والهاء عائد إلى المسلمين، وخص المسلمين لأنهم المنتفعون، أو لا تنازع، ولكن المراد هدى ورحمة لكل أحد، كما قال عز وجل: هدى ورحمة للعالمين وبشرى للمسلمين خاصة. وبشرى بمعنى التبشير اسم مصدر، والتبيان التبيين البليغ، ولا يوجد تفعال بكسر التاء فى المعانى المصدرية إلا تبيان وتلقاء بمعنى اللقاء، كما روى ثعلب عن الكوفيين، والمبرد من البصريين، وذكره الزجاج بلا حصر، وقيل له الزجاج، لأنه كان ينحت الزج، وهو ما يثبت فيه أصل الرمح. وباقى المعانى المصدرية كلها بالفتح: كالتستار، والتذكار، والتكرار، والتهدار، والتلعاب، وغير المعانى المصدرية بالكسر وصفا أو غيره: كالتمساح والتمثال، وتقصار لقلادة المرأة، وتعشار وتبراك لموضعين، ورجل تكلام وتلقام وتلعاب، وناقة تضراب قريبة بضراب الفحل، وتمراد لبيت الحمام، وتلفاف لثوبين ملفوفين، وتجفاف لما تجلل به الفرس، وتهواء لجزء ماض من الليل للقصير اللئيم وتيفاف لموافقة الهلال.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ} وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نبيهم الذي بعث فيهم في الدنيا، ومعنى كونه {مّنْ أَنفُسِهِمْ} أنه منهم، وذلك ليكون أقطع للمعذرة، ولا يرد لوط عليه السلام فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد منهم أيضاً، وقال ابن عطية: يجوز أن يبعث الله تعالى شهداء من الصالحين مع الأنبياء عليهم السلام، وقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: إذا رأيت أحداً على معصية فانهه فإن/ أطاعك وإلا كنت شهيداً عليه يوم القيامة، وذكر الإمام في الآية قولين الأول أن كل نبـي شاهد على قومه كما تقدم، والثاني إن كل قرن وجمع يحصل في الدنيا فلا بد أن يحصل فيهم من يكون شهيداً عليهم ولا بد أن لا يكون جائز الخطأ وإلا لاحتاج إلى آخر وهكذا فيلزم التسلسل، ووجود الشهيد كذلك في عصر النبـي صلى الله عليه وسلم ظاهر وأما بعده فلا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وهم قائمون مقام الشهيد المعصوم، ثم قال: وهذا يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة انتهى، وإلى أنه لا بد في كل عصر ممن يكون قوله حجة على أهل عصره ذهب الجبائي وأكثر المعتزلة، قال الطبرسي في «مجمع البيان»: ومذهبهم يوافق مذهب أصحابنا. يعني الشيعة. وإن خالفه في أن ذلك الحجة من هو. وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على هذا المطلب ضعيف، وتحقيق الكلام في ذلك يطلب من محله. وقال الأصم: المراد بالشهيد أجزاء من الإنسان، وذلك أنه تعالى ينطق عشرة أجزاء منه وهي الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان فتشهد عليه لأنه سبحانه قال في صفة الشهيد من أنفسهم. وتعقبه القاضي وغيره بأن كونه شهيداً على الأمة يقتضي أن يكون غيرهم، وأيضاً قوله تعالى: {مِن كُلّ أمَّةٍ} يأبـى ذلك إذ لا يصح وصف آحاد الأعضاء بأنها من الأمة؛ وأيضاً مقابلة ذلك بقوله سبحانه: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} يبعد ما ذكر كما لا يخفى، والمراد بهؤلاء أمته صلى الله عليه وسلم عند أكثر المفسرين، ولم يستبعد أن يكون المراد بهم ما يشمل الحاضرين وقت النزول وغيرهم إلى يوم القيامة فإن أعمال أمته عليه الصلاة والسلام تعرض عليه بعد موته. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم»تفسير : بل جاء أن أعمال العبد تعرض على أقاربه من الموتى، فقد أخرج ابن أبـي الدنيا عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تفضحوا أمواتكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور» تفسير : وأخرج أحمد عن أنس مرفوعاً «حديث : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا» تفسير : وأخرجه أبو داود من حديث جابر بزيادة «حديث : وألهمهم أن يعملوا بطاعتك»تفسير : . وأخرج ابن أبـي الدنيا عن أبـي الدرداء أنه قال: «إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساؤن» فكان أبو الدرداء يقول عند ذلك: اللهم إني أعوذ بك أن يمقتني خالي عبد الله بن رواحة إذا لقيته يقول ذلك في سجوده. والنبـي صلى الله عليه وسلم لأمته بمنزلة الوالد بل أولى، ولم أقف على عرض أعمال الأمم السابقة على أنبيائهم بعد الموت ولم أر من تعرض لذلك لا نفياً ولا إثباتاً، فإن قيل: إنها تعرض فأمر الشهادة مما لا غبار عليه في نبـي لم يبعث في أمته بعد خلوهم عنه نبـي آخر، وإن قيل: إنها لا تعرض احتاج أمر الشهادة إلى الفحص عن وجود أمر يفيد العلم المصحح لها أو التزام أن الشهيد ليس هو النبـي وحده كما سمعت فيما سبق، ثم إن حديث العرض على نبينا عليه الصلاة والسلام يشكل عليه حديث «حديث : ليذادن عن الحوض أقوام»تفسير : الخبر، وقد ذكر ذلك المناوي ولم يجب عنه، وقد أجبت عنه في بعض "تعليقاتي" فتأمل، وقيل: المراد بهم شهداء الأمم وهم الأنبياء عليهم السلام لعلمه عليه الصلاة والسلام بعقائدهم واستجماع شرعه لقواعدهم لا الأمة لأن كونه صلى الله عليه وسلم شهيداً على أمته علم مما تقدم فالآية مسوقة لشهادته عليه الصلاة والسلام على الأنبياء صلى الله عليه وسلم فتخلو عن التكرار. ورد بأن المراد بشهادته عليه الصلاة والسلام على أمته تزكيته وتعديله لهم بعد أن يشهدوا على تبليغ الأنبياء عليهم السلام حسبما علموه من كتابهم/ وهذا لم يعلم مما مر ليكون تكراراً وهو الوارد في الحديث، وقد ذكره غير واحد في تفسيره قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] و {عَلَىٰ} لا مضرة فيها وإن ضرت فالضرر مشترك. نعم لم يفهم مما قبل شهادة هذه الأمة على تبليغ الأنبياء عليهم السلام ليظهر كون هذه الشهادة للتزكية كما في آية البقرة، ولعل الأمر في ذلك سهل. وفي "إرشاد العقل السليم" أن قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ} تكرير لما سبق تثنية للتهديد، والمراد بهؤلاء الأمم وشهداؤهم، وإيثار لفظ المجيء على البعث لكمال العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع انتهى. وتعقب بأن حمل {هَـٰؤُلاۤءِ} على ما ذكر خلاف الظاهر، وجوز أن يكون إيثار المجىء على البعث للإيذان بالمغايرة بين الشهادتين بناءً على أن شهادته صلى الله عليه وسلم على أمته للتزكية ولا كذلك شهادة سائر الأنبياء عليهم السلام على أممهم. والظرف معمول لمحذوف كما مر، والمراد به يوم القيامة. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} الكامل في الكتابية الحقيق بأن يخص به اسم الجنس، وهذا ـ على ما في «البحر» ـ استئناف إخبار وليس داخلاً مع ما قبله لاختلاف الزمانين. وجوز غير واحد كونه حالاً بتقدير قد، وذكر بعض الأفاضل أن قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ} الخ إن كان كلاماً مبتدأ غير معطوف على قوله سبحانه: {نَبْعَثُ} و {شَهِيداً} حالاً مقدرة فلا إشكال في الحالية وإن كان عطفاً عليه، والتعبير بالماضي لما عرف في أمثاله، فمضمون الجملة الحالية متقدم بكثير فلا يتمشى التأويل الذي ذكروه في تصحيح كون الماضوية حالاً هنا، ففي صحة كونه حالاً كلام إلا أن يبنى على عدم جريان الزمان عليه سبحانه وتعالى. وتعقب بأنه ليس شيء لأن قوله سبحانه: {تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء} يدخل فيه العقائد والقواعد بالدخول الأولى، وذلك مستمر إلى البعث وما بعده، ولا حاجة إلى ما قيل من أن المعنى بحيث أو بحال أنا كنا نزلنا عليك وتلك الحيثية ثابتة له سبحانه وتعالى إلى الأبد انتهى، وفيه نظر. وزعم بعضهم أن الجملة حال من ضمير الرفع في الفعل العامل في الظرف أي خوفهم ذلك اليوم وقد نزلنا عليك الكتاب، وهو كما ترى والأسلم الاستئناف. والتبيان مصدر يدل على التكثير على ما روى ثعلب عن الكوفيين. والمبرد عن البصريين، قال سلامة الأنباري في «شرح المقامات»: كل ما ورد من المصادر عن العرب على تفعال فهو بفتح التاء إلا لفظتين وهما تبيان وتلقاء، وقال ابن عطية: هو اسم وليس بمصدر، وهذه الصيغة أيضاً في الأسماء قليلة، فعن ابن مالك أنه قال في «نظم الفرائد»: جاء على تفعال بالكسر وهو غير مصدر رجل تكلام وتلقام وتلعاب وتمساح للكذاب وتضراب للناقة القريبة بضراب الفحل وتمراد لبيت الحمام وتلفاف لثوبين ملفوفين وتجفاف لما تجلل به الفرس وتهواء لجزء ماض من الليل وتنبال للقصير اللئيم وتعشار وتبراك لموضعين، وزاد ابن جعوان تمثال وتيفاق لموافقة الهلال، واقتصر أبو جعفر النحاس في «شرح المعلقات» على أقل من ذلك فقال: ليس في كلام العرب على تفعال إلا أربعة أسماء وخامس مختلفت فيه يقال تبيان ويقال لقلادة المرأة تقصار وتعشار وتبراك والخامس تمساح وتمسح أكثر وأفصح انتهى، والمعروف أن {تِبْيَانًا} مصدر وليس باسم وإن قيل: إنه قول أكثر النحويين، وجوز الزجاج فيه الفتح في غير القرآن. والمراد من (كل شيء) على ما ذهب إليه جمع ما يتعلق بأمور الدين أي بياناً بليغاً لكل شيء يتعلق بذلك ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم عليهم السلام، وكذا ما أخبرت به هذه الآية من بعث الشهداء وبعثه عليه الصلاة والسلام، فانتظام/ الآية بما قبلها ظاهر، والدليل على تقدير الوصف المخصص للشيء المقام وأن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي لبيان الدين، ولذا أجيب السؤال عن الأهلة بما أجيب، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنتم أعلم بأمور دنياكم»تفسير : وكون الكتاب تبياناً لذلك باعتبار أن فيه نصاً على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة حيث أمر باتباع النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل فيه: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم: 3] وحثا على الإجماع في قوله سبحانه: {أية : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النساء: 115] الآية فإنها على ما روي عن الشافعي وجماعة دليل الإجماع، وقد رضي صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه حيث قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" تفسير : وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب، وقال بعض: {كُلَّ} للتكثير والتفخيم كما في قوله تعالى: {أية : تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا } تفسير : [الأحقاف: 25] إذ يأبـى الإحاطة والتعميم ما في التبيان من المبالغة في البيان وأن من أمور الدين تخصيصاً لا يقتضيه المقام. ورد الثاني بما سمعت آنفاً؛ والأول بأن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] إنه من قولك: فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } تفسير : [البقرة: 270] وقال بعضهم: لكل من القولين وجهة والمرجح للأول إبقاء (كل) على حقيقتها في الجملة، وتعقب بأنه يرجح الثاني إبقاء {شَىْء} على العموم وسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل ومن المجاز على قول. نعم ذهب أكثر المفسرين إلى اعتبار التخصيص وروي ذلك عن مجاهد. وقال الجلال المحلي في الرد على من لم يجوز تخصيص السنة بالكتاب: إنه يدل على الجواز قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء} وإن خص من عمومه ما خص بغير القرآن، وتوجيه كونه تبياناً لكل ما يتعلق بالدين بما تقدم هو الذي يقتضيه كلام غير واحد من الأجلة، فعن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله تعالى فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اقتدوا باللذين من بعدي أبـي بكر وعمر»تفسير : وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه أمر بقتل المحرم الزنبور، وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «حديث : لعن الله تعالى الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى»تفسير : فقالت له امرأة في ذلك فقال: مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت له: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] قالت: بلى. قال: فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه. وذهب بعضهم إلى ما يقتضيه ظاهر الآية غير قائل بالتخصيص ولا بأن (كل) للتكثير فقال: ما من شيء من أمر الدين والدنيا إلا يمكن استخراجه من القرآن وقد بين فيه كل شيء بياناً بليغاً واعتبر في ذلك مراتب الناس في الفهم فرب شيء يكون بياناً بليغاً لقوم ولا يكون كذلك لآخرين بل قد يكون بياناً لواحد ولا يكون بياناً لآخر فضلاً عن كون البيان بليغاً أو غير بليغ وليس هذا التفاوت قوي البصائر، ونظير ذلك اختلاف مراتب الإحساس لتفاوت قوى الإبصار، وقيل: معنى كونه تبياناً أنه كذلك في نفسه وهو لا يستدعي وجود مبين/ له فضلاً عن تشارك الجميع في تحقق هذا الوصف بالنسبة إليهم بأن يفهموا حال كل شيء منه على أتم وجه، ونظير ذلك الشمس فإنها منيرة في حد ذاتها، وإن لم يكن هناك مستنير أو ناظر، ويغني عن هذا الاعتبار اعتبار أن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية، ويؤيد القول بالظاهر أن الشيخ الأكبر قدس سره وغيره قد استخرجوا منه ما لا يحصى من الحوادث الكونية. وقد رأيت جدولاً حرفياً منسوباً إلى الشيخ كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل المحشر، وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل الجنة، وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل النار وكل ذلك على ما يزعمون مستخرج من الكتاب الكريم، ومثل هذا الجفر الجامع المنسوب إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه فإنهم قالوا: إنه جامع لما شاء الله تعالى من الحوادث الكونية وهو أيضاً مستخرج من القرآن العظيم. وقد نقل الجلال السيوطي عن المرسي أنه قال: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن عباس وابن مسعود حتى قال الأول: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه، وقيل: لا يخلو الزمان من عارف بجميع ذلك وهو الوارث المحمدي ويسمى الغوث وقطب الأقطاب والمظهر الأتم ومظهر الاسم الأعظم إلى غير ذلك، ويرد على هؤلاء القائلين حديث التأبير وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنتم أعلم بأمور دنياكم»تفسير : وأجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم قبل نزول ما يعلم منه عليه الصلاة والسلام حال التأبير، ويحتمل أن يكون بعد النزول وقال ذلك صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إليه والنظر فيه ولو رجع ونظر لعلم فوق ما علموا فأعلميتهم بأمور دنياهم إنما جاءت لكون علمهم بذلك لا يحتاج إلى الرجوع والنظر وعلمه عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى ذلك وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو استقبلت ما استدبرت لما سقت الهدي»تفسير : مع أن سوق الهدي من الأمور الدينية، وقد قالوا: إن القرآن العظيم تبيان لها، وهذا يرد عليهم لولا هذا الجواب فتأمل فالبحث بعد غير خال عن القيل والقال، وقال بعضهم: إن الأمور إما دينية أو دنيوية والدنيوية لا اهتمام للشارع بها إذ لم يبعث لها والدينية إما أصلية أو فرعية والاهتمام بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية فإن المطلوب أولاً بالذات من بعثة الأنبياء عليهم السلام هو التوحيد وما أشبهه بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى كما يشهد له قوله سبحانه: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] بناءً على تفسير كثير العبادة بالمعرفة، وقوله تعالى في الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفية: «حديث : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف»تفسير : والقرآن العظيم قد تكفل ببيان الأمور الدينية الأصلية على أتم وجه فليكن المراد من (كل شيء) ذلك، ولا يحتاج هذا إلى توجيه كونه تبياناً إلى ما احتاج إليه حمل (كل شيء) على أمور الدين مطلقاً من قولنا: إنه باعتبار أن فيه نصاً على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة الخ، واختار بعض المتأخرين أن (كل شيء) على ظاهره إلا أن المراد بالتبيان التبيان على سبيل الإجمال وما من شيء إلا بين في الكتاب حاله إجمالاً، ويكفي في ذلك بيان بعض أحواله والمبالغة باعتبار الكمية لا الكيفية على ما علمت سابقاً، ولو حمل التبيان على/ ما يعم الإجمال والتفصيل مع اعتبار مراتب المبين لهم واعتبر التوزيع جاز أيضاً فليتدبر، ونصب {تِبْيَانًا} على الحال كما قال أبو حيان وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي نزلنا عليك الكتاب لأجل التبيان. {وَهُدًى وَرَحْمَةً} للجميع بقرينة قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] وحرمان الكفرة من جهة تفريطهم {وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ } خاصة، وجوز صرف الجميع لهم لأنهم المنتفعون بذلك أو لأنه الهداية الدلالة الموصلة والرحمة الرحمة التامة.
ابن عاشور
تفسير : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} تكرير لجملة {أية : ويوم نبعث من كل أمةٍ شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا} تفسير : [سورة النحل: 84] ليبنى عليه عطف جملة {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} على جملة {ويوم نبعث في كل أمةٍ شهيداً عليهم}. ولما كان تكريراً أعيد نظير الجملة على صورة الجملة المؤكّدة مقترنة بالواو، ولأن في هذه الجملة زيادة وصف {من أنفسهم} فحصلت مغايرة مع الجملة السابقة والمغايرة مقتضية للعطف أيضاً. ومن دواعي تكرير مضمون الجملة السابقة أنه لبعد ما بين الجملتين بما اعترض بينهما من قوله تعالى: {أية : ثم لا يؤذن للذين كفروا}تفسير : [سورة النحل: 84] إلى قوله: {أية : بما كانوا يفسدون} تفسير : [سورة النحل: 88]، فهو كالإعادة في قول لبيد:شعر : فتنازعا سبطاً يطير ظلالُه كدخان مشعلة يشبّ ضِرامها مشمولةٍ غلثت بنابت عرفج كدخان نار ساطع أسنامها تفسير : مع أن الإعادة هنا أجدر لأن الفصل أطول. وقد حصل من هذه الإعادة تأكيد التهديد والتسجيل. وعُدّي فعل {نبعث} هنا بحرف {في}، وعُدّي نظيره في الجملة السابقة بحرف (مِن) ليحصل التفنّن بين المكرّرين تجديداً لنشاط السامعين. وزيد في هذه الجملة أن الشهيد يكون من أنفسهم زيادة في التذكير بأن شهادة الرسل على الأمم شهادة لا مطعن لهم فيها لأنها شهود من قومهم لا يجد المشهود عليهم فيها مساغاً للطعن. ولم تخل أيضاً بعد التعريض بالتحذير من صدّ الكافرين عن سبيل الله من حسن موقع تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم إذ بعث فيهم شهيداً يشهد لهم بما ينفعهم وبما يضرّ أعداءهم. والقول في بقيّة هذه الجملة مثل ما سبق في نظيرتها. ولما كان بعث الشهداء للأمم الماضية مراداً به بعثهم يوم القيامة عبّر عنه بالمضارع. وجملة {وجئنا بك شهيداً} يجوز أن تكون معطوفة على جملة {ويوم نبعث} كلّها. فالمعنى: وجئنا بك لما أرسلناك إلى أمّتك شهيداً عليهم، أي مقدّراً أن تكون شهيداً عليهم يوم القيامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان حيّاً في آن نزول هذه الآية كان شهيداً في الحال والاستقبال، فاختير لفظ الماضي في {جئنا} للإشارة إلى أنه مجيء حصل من يوم بعثته. ويعلم من ذلك أنه يحصل يوم القيامة بطريق المساواة لبقيّة إخوانه الشهداء على الأمم، إذ المقصود من ذلك كلّه تهديد قومه وتحذيرهم. وهذا الوجه شديد المناسبة بأن يعطف عليه قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب} [سورة النحل: 89] الآية. وقد علمت من هذا أن جملة {وجئنا بك شهيداً} ليست معطوفة على {نبعث} بحيث تدخل في حيّز الظرف وهو {يوم}، بل معطوفة على مجموع جملة {يوم نبعث}، لأن المقصود وجئنا بك شهيداً من وقت إرسالك. وعلى هذا يكون الكلام تَمّ عند قوله: {من أنفسهم}، فيحسن الوقف عليه لذلك. ويجوز أن تعطف على جملة {نبعث في كل أمّة شهيداً} فتدخل في حيّز الظرف ويكون الماضي مستعملاً في معنى الاستقبال مجازاً لتحقّق وقوعه، فشابه به ما حصل ومضى، فيكون الوقف على قوله: {شهيداً}. ويتحصّل من تغيير صيغة الفعل عن المضارع إلى الماضي تهيئة عطف {ونزلنا عليك الكتاب}. ولم يوصف الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ بأنه من أنفسهم لأنه مبعوث إلى جميع الأمم، وشهيد عليهم جميعاً، وأما وصفه بذلك في قوله تعالى: {أية : لقد جاءكم رسول من أنفُسكم} تفسير : في سورة التوبة (128) فذلك وصف كاشف اقتضاه مقام التّذكير للمخاطبين من المنافقين الذين ضَمّوا إلى الكفر بالله كفران نعمة بعث رسول إليهم من قومهم. وليس في قوله: {على هؤلاء} ما يقتضي تخصيص شهادته بكونها شهادة على المتحدّث عنهم من أهل الشرك، ولكن اقتصر عليهم لأن الكلام جار في تهديدهم وتحذيرهم. و{هؤلاء} إشارة إلى حاضر في الذّهن وهم المشركون الذين أكثر الحديث عليهم. وقد تتبّعتُ مواقع أمثال اسم الإشارة هذا في القرآن فرأيته يُعنى به المشركون من أهل مكّة. وتقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : في سورة النساء (41)، وقوله تعالى: {أية : فإن يكفر بها هؤلاء} تفسير : في سورة الأنعام (89). {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} عطف على جملة {وجئنا بك شهيداً} أي أرسلناك شهيداً على المشركين وأنزلنا عليك القرآن لينتفع به المسلمون، فرسول الله صلى الله عليه وسلم شهيد على المكذّبين ومرشد للمؤمنين. وهذا تخلّص للشروع في تعداد النّعم على المؤمنين من نعم الإرشاد ونعم الجزاء على الامتثال وبيان بركات هذا الكتاب المنزّل لهم. وتعريف الكتاب للعهد، وهو القرآن. و{تبياناً} مفعول لأجله. والتّبيان مصدر دالّ على المبالغة في المصدرية، ثم أريد به اسم الفاعل فحصلت مبالغتان، وهو ــــ بكسر التاء ــــ، ولا يوجد مصدر بوزن تفعال ــــ بكسر التاء ــــ إلا تِبيان بمعنى البيان كما هنا. وتِلقاء بمعنى اللّقاء لا بمعنى المكان، وما سوى ذلك من المصادر الواردة على هذه الزّنة فهي ــــ بفتح التاء ــــ. وأما أسماء الذوات والصفاتُ الواردة على هذه الزنة فهي ــــ بكسر التاء ــــ وهي قليلة، عدّ منها: تمثال، وتنبال، للقصير. وأنهاها ابن مالك في نظم الفوائد إلى أربع عشرة كلمة. و«كلّ شيء» يفيد العموم؛ إلا أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجيء الأديان والشّرائع: من إصلاح النفوس، وإكمال الأخلاق، وتقويم المجتمع المدنيّ، وتبيّن الحقوق، وما تتوقّف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما يأتي في خلال ذلك من الحقائق العلمية والدقائق الكونية، ووصف أحوال الأمم، وأسباب فلاحها وخسارها، والموعظة بآثارها بشواهد التاريخ، وما يتخلّل ذلك من قوانينهم وحضاراتهم وصنائعهم. وفي خلال ذلك كلّه أسرار ونكت من أصول العلوم والمعارف صالحة لأن تكون بياناً لكل شيء على وجه العموم الحقيقي إن سلك في بيانها طريق التفصيل واستنير فيها بما شرح الرسول صلى الله عليه وسلم وما قفّاه به أصحابه وعلماء أمّته، ثم ما يعود إلى الترغيب والترهيب من وصف ما أعدّ للطائعين وما أعدّ للمعرضين، ووصف عالم الغيب والحياة الآخرة. ففي كل ذلك بيان لكل شيء يقصد بيانه للتبصّر في هذا الغرض الجليل، فيؤول ذلك العموم العرفي بصريحه إلى عموم حقيقي بضمنه ولوازمه. وهذا من أبدع الإعجاز. وخصّ بالذّكر الهدى والرحمة والبُشرى لأهميتها؛ فالهدى ما يرجع من التّبيان إلى تقويم العقائد والأفهام والإنقاذ من الضلال. والرحمة ما يرجع منه إلى سعادة الحياتين الدنيا والأخرى، والبُشرى ما فيه من الوعد بالحسنيين الدنيوية والأخروية. وكل ذلك للمسلمين دون غيرهم لأن غيرهم لما أعرضوا عنه حَرموا أنفسهم الانتفاع بخواصّه كلها. فاللام في {لكل شيء} متعلق بالتبيان، وهي لام التقوية، لأن «كل شيء» في معنى المفعول به لــــ{تبياناً}. واللام في {للمسلمين} لام العلّة يتنازع تعلّقها «تبيان وهدى ورحمة وبُشرى» وهذا هو الوجه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ وَنَزَّلْنَا}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يوم القيامة يبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه يأتي بنبينا صلى الله عليه وسلم شاهداً علينا. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ }تفسير : [النساء: 41-42] الآية، وكقوله: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُم}تفسير : [المائدة: 109]، وكقوله: {أية : فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأعراف: 6]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما حديث : عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي قال: فقلت يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: "نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت "سورة النساء" حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} [النساء:41] فقال: "حسبك الآن" فإذا عيناه تذرفان اهـتفسير : وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه نزل على رسوله هذا الكتاب العظيم تبياناً لكل شيء. وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام: 38] على القول بأن المراد بالكتاب فيها القرآن. أما على القول بأنه اللوح المحفوظ. فلا بيان بالآية. وعلى كل حال فلا شك أن القرآن فيه بيان كل شيء. والسنة كلها تدخل في آية واحدة منه. وهي قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. وقال السيوطي في "الإكليل في استنباط التنزيل" قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وقال {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام: 38]، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : ستكون فتنة". قيل: وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم"تفسير : . أخرجه الترمذي، وغيره وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا خديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن. فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي: أراد به أصول العلم. وقال الحسن البصري: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة: التوارة، والإنجيل، والزبور، والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان، ثم أودع علوم القرآن: المفصل، ثم أودع علوم المفصل: فاتحة الكتاب. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير الكتب المنزلة. أخرجه البيهقي "في الشعب". وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع شرح السنة شرح للقرآن. وقال بعض السلف: ما سمعت حديثاً إلا التمست له آية من كتاب الله. وقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال ابن مسعود أيضاً: أنزل في القرآن كل علم، وبين لنا فيه كل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله لو أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة ". تفسير : وقال الشافعي أيضاً: جميع ما حكم به النَّبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. قلت: ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه"تفسير : رواه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط من حديث عائشة. وقال الشافعي أيضاً: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. فإن قيل: من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة؟ قلنا: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة. لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرض علينا الأخذ بقوله. وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم، أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ }تفسير : [الحشر: 7] وحدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"تفسير : . وحدثنا سفيان، عن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب: أنه أمر بقتل المحرم الزنبور. وروى البخاري عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله، فقالت له امرأة في ذلك. فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله. فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول؟! قال: لئن قرآتيه لقد وجدتيه! أما قرأت {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ }تفسير : [الحشر: 7]؟ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. وقال ابن برجان: ما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم من شيء فهو في القرآن، أو فيه أصله قرب أو بعد، فهمه من فهم، أو عمه عنه من عمه، وكذا كل ما حكم أو قضى به. وقال غيره: ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى. حتى إن بعضهم استنبط عمر النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين من قوله "في سورة المنافقين": {أية : وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ}تفسير : [المنافقون: 11] فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها "بالتغابن" ليظهر التغابن في فقده. وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلا ما استأثر الله به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم. مثل الخلفاء الأربعة، ومثل ابن مسعود، وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله. ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه. فنوعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها، وعدد كلماته وآياته، وسوره وأجزائه، وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة. من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه. فسموا القراء. واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة وغيرها. وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به. حتى إن بعضهم أعرب مشكله. وبعضهم أعربه كلمة كلمة. واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظاً يدل على معنى واحد، ولفظاً يدل على معنيين، ولفظاً يدل على أكثر، فأجروا الأول على حكمه، وأوضحوا الخفي منه، وخاضوا إلى ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني، وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضاه نظره. واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية. مثل قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده، وبقائه وقدمه، وقدرته وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به. وسموا هذا العلم بـ "أصول الدين". وتأملت طائفة معاني خطابه. فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنها ما يقتضي الخصوص، إلى غير ذلك فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإضمار، والنص والظاهر، والمجمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والاستقراء. وسموا هذا الفن "أصول الفقه". وأحكمت طائفة صحيح النظر، وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام، فأسسوا أصوله وفروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطاً حسناً. وسموه بـ "علم الفروع" وبـ "الفقه أيضاً". وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم. حتى ذكروا بدء الدنيا، وأول الأشياء: وسموا ذلك بـ "التاريخ والقصص". وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال، والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال، وتكاد تدكدك الجبال. فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت والمعاد، والنشر والحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار - فصولاً من المواعظ، وأصولاً من الزواجر. فسموا بذلك "الخطباء والوعاظ". واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير. مثل ما ورد في قصة يوسف: من البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤية الشمس والقمر والنجوم ساجدات، وسموه "تعبير الرؤيا". واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب. فإن عز عليهم إخراجها منه، فمن السنة التي هي شارحة الكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال. ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: {أية : وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}تفسير : [الأعراف: 199]. وأخذ قوم مما في آيات المواريت من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك "علم الفرائض" واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث، والربع والسدس والثمن "حساب الفرائض"، ومسائل العول. واستخرجوا منه أحكام الوصايا. ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر ومنازله، والنجوم والبروج، وغير ذلك - فاستخرجوا "علم المواقيت". ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم، وحسن السياق والمبادىء، والمقاطيع والمخالص والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك. فاستنبطوا منه "علم المعاني والبيان والبديع". ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة، فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق، جعلوا لها أعلاماً اصطلحوا عليها، مثل الغناء والبقاء، والحضور والخوف والهيبة، والأنس والوحشة، والقبض والبسط، وما أشبه ذلك. هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه. وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل، مثل: الطب والجدل والهيئة، والهندسة والجبر، والمقابلة والنجامة، وغير ذلك. أما الطب - فمداره على حفظ نظام الصحة، واستحكام القوة. وذلك إنما يكون باعتدال المزاج تبعاً للكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله: {أية : وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }تفسير : [الفرقان: 67]. وعرفناه فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله: {أية : شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ}تفسير : [النحل: 69]. ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب، وشفاء الصدور. وأما الهيئة - ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها من ملكوت السموات والأرض، وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات. وأما الهندسة - ففي قوله: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ}تفسير : [المرسلات: 30-31] فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له. وأما الجدل - فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج، والقول بالموجب، والمعارضة، وغير ذلك شيئاَ كثيراً، ومناظرة إبراهيم أصل في ذلك عظيم. وأما الجبر والمقابلة - فقد قيل: إن أوائل السور ذكر عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة الدنيا، وما مضى وما بقي، مضروباً بعضها في بعض. وأما النجامة - ففي قوله: {أية : أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ }تفسير : [الأحقاف: 4] فقد فسره ابن عباس بذلك. وفيه من أصول الصنائع، وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها - فمن الصنائع الخياطة في قوله: {أية : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ}تفسير : [الأعراف: 22] الآية. والحدادة في قوله تعالى: {أية : آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ }تفسير : [الكهف: 96]، وقوله: {أية : وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ}تفسير : [سبأ: 10] الآية. والبناء في آيات، والنجارة {أية : أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ}تفسير : [المؤمنون: 27]، والغزل {أية : نَقَضَتْ غَزْلَهَا}تفسير : [النحل: 92]، والنسج {أية : كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً}تفسير : [العنكبوت: 41]، والفلاحة {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ}تفسير : [الواقعة: 63] في آيات أخر، والصيد في آيات، والغوص {أية : وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ }تفسير : [ص: 37] {أية : وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً}تفسير : [فاطر: 12]، والصياغة {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً}تفسير : [الأعراف: 148] الآية. والزجاجة {أية : صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ}تفسير : [النمل: 44]، {أية : ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ }تفسير : [النور: 35]، والفخارة {أية : فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ}تفسير : [القصص: 38]، والملاحة {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ}تفسير : [الكهف: 79]، والكتابة {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}تفسير : [العلق: 4] في آيات أخر، والخبز والطحن {أية : أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ}تفسير : [يوسف: 36]، والطبخ {أية : بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}تفسير : [هود: 69]، والغسل والقصارة {أية : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ }تفسير : [المدثر: 4]، {أية : قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ}تفسير : [آل عمران: 52] وهم القصارون، والجزارة {أية : إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}تفسير : [المائدة: 3]، والبيع والشراء في آيات كثيرة، والصبغ {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 138] الآية، {أية : جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ}تفسير : [فاطر: 27] الآية، والحجارة {أية : وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً}تفسير : [الشعراء: 149]، والكيالة والوزن في آيات كثيرة، والرمي {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ}تفسير : [الأنفال: 17]، {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ}تفسير : [الأنفال: 60]. وفيه من أسماء الآلات، وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع ويقع في الكائنات - ما يحقق معنى قوله {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام: 38] انتهى كلام المرسي ملخصاً مع زيادات. قلت: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء. أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل، إلا وفي القرآن ما يدل عليها. وفيه علم عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل والملائكة، وعيون أخبار الأمم السالفة. كقصة آدم مع إبليس في إخراجه من الجنة، وفي الولد الذي سماه عبد الحارث، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة، وقوم لوط، وقوم شعيب الأولين والآخرين فإنه أرسل مرتين. وقوم تبع، ويونس، وإلياس، وأصحاب الرس، وقصة موسى في ولادته وفي إلقائه في اليم، وقتله القبطي، ومسيره إلى مدين وتزوجه ابنة شعيب، وكلامه تعالى بجانب الطور، وبعثه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، القوم الذين خرج بهم وأخذتهم الصعقة، وقصة القتال وذبح البقرة، وقصته في قتال الجبارين، وقصته مع الخضر والقوم الذين ساروا في سرب من الأرض إلى الصين، وقصة طالوت وداود مع جالوت وقتله، وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، وقصة القوم الذين خرجوا فراراً من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته النمروذ، ووضعه إسماعيل مع أمه بمكة، وبنائه البيت، وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها، وقصة مريم وولادتها عيسى وإرساله ورفعه، وقصة زكريا وابنه يحيى، وأيوب وذي الكفل، وقصة ذي القرنين ومسيره إلى مطلع الشمس ومغربها وبنائه السد، وقصة أصحاب الكهف والرقيم، وقصة بختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين، وقصة مؤمن آل فرعون، وقصة أصحاب الفيل، وقصة الجبار الذي أراد أن يصعد إلى السماء. وفيه من شأن النَّبي صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم به، وبشارة عيسى وبعثه وهجرته. ومن غزواته: غزوة بدر {في سورة الأنفال) وأحد (في آل عمران) وبدر الصغرى فيها، والخندق (في الأحزاب)، والنضير (في الحشر)، والحديبية (في الفتح)، وتبوك (في براءة)، وحجة الوادع (في المائدة)، ونكاحه زينب بنت جحش، وتحريم سريته، وتظاهر أزواجه عليه، وقصة الإفك، وقصة الإسراء، وانشقاق القمر، وسحر اليهود إياه. وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت، وقبض الروح وما يفعل بها بعد صعودها إلى السماء، وفتح الباب للمؤمنة وإلقاء الكافرة، وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، وأشراط الساعة الكبرى العشرة، وهي: نزول عيسى، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، والدابة، والدخان، ورفع القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وإغلاق باب التوبة، والخسف. وأحوال البعث: من نفخة الصور، والفزع، والصعق، والقيام، والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس، وظل العرش، والصراط، والميزان، والحوض، والحساب لقوم، ونجاة آخرين منه، وشهادة الأعضاء، وإيتاء الكتب بالأيمان والشمائل وخلف الظهور، والشفاعة، والجنة وأبوابها، وما فيها من الأشجار والثمار والأنهار، والحلي والألوان، والدرجات، ورؤيته تعالى، والنار وما فيها من الأودية، وأنواع العقاب، وألوان العذاب، والزقوم والحميم، إلى غير ذلك مما لو بسط جاء في مجلدات. وفي القرآن جميع أسمائه تعالى الحسنى كما ورد في حديث. وفيه أسمائه مطلقاً ألف اسم، وفيه من أسماء النَّبي صلى الله عليه وسلم جملة. وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون. وفيه شرائع الإسلام الثلاثمائة وخمس عشرة. وفيه أنواع الكبائر وكثير من الصغائر. وفيه تصديق كل حديث ورد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم - هذه جملة القول في ذلك اهـ كلام السيوطي (في الإكليل). وإنما أوردناه برمته مع طوله. لما فيه من إيضاح: أن القرآن فيه بيان كل شيء. وإن كانت في الكلام المذكور أشياء جديرة بالانتقاد تركنا مناقشتها خوف الإطالة المملة، مع كثرة الفائدة في الكلام المذكور في الجملة. وفي قوله تعالى: {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وجهان من الإعراب: أحدهما - أنه مفعول من أجله. والثاني - أنه مصدر منكر واقع حالاً. على حدِّ قوله في الخلاصة: شعر : ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع تفسير : تنبيه أظهر القولين: أن التبيان مصدر، ولم يسمع كسر تاء التفعال مصدراً إلا في التبيان والتلقاء. وقال بعض أهل العلم: التبيان اسم لا مصدر. قال أبو حيان (في البحر): والظاهر أن "تبياناً" مصدر جاء على تفعال، وإن كان باب المصادر يجيء على تفعال (بالفتح) كالترداد والتطواف. ونظير تبيان في كسر تائه: تلقاء، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن. وقال ابن عطية: "تِبْيَاناً" اسم وليس بمصدر. وهو قول أكثر النحاة. وروى ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين: أنه مصدر، ولم يجىء على تفعال من المصادر إلا ضربان: تبيان وتلقاء اهـ - والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم هدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ويفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة - أي مفهوم مخالفتها -: أن غير المسلمين ليسوا كذلك. وهذا المفهوم من هذه الآية صرح به جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}تفسير : [فصلت: 44]، وقوله: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}تفسير : [الإسراء: 82]، وقوله جل وعلا: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [التوبة: 124-125]، وقوله: {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً}تفسير : [المائدة: 64] في الموضعين.
الواحدي
تفسير : {ويوم نبعث في كلِّ أمَّة شهيداً} وهو يوم القيامة، يبعث الله في كلِّ أُمَّةٍ شهيداً {عليهم من أنفسهم} وهو نبيُّهم؛ لأنَّ كلَّ نبيٍّ بُعث من قومه، {وجئنا بك شهيداً على هٰؤلاء} على قومك، وتمَّ الكلام ها هنا، ثمَّ قال: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً} بياناً {لكلِّ شيء} ممَّا أُمر به ونُهي عنه. {إنَّ الله يأمر بالعدل} شهادة أن لا إله إلاَّ الله {والإِحسان} وأداء الفرائض، وقيل: بالعدل في الأفعال، والإِحسان في الأقوال {وإيتاء ذي القربى} صلة الرَّحم، فتؤتي ذا قرابتك من فضل ما رزقك الله. {وينهى عن الفحشاء} الزِّنا {والمنكر} الشِّرك {والبغي} الاستطالة على النَّاس بالظُّلم {يعظكم} ينهاكم عن هذا كلِّه، ويأمركم بما أمركم به في هذه الآية {لعلكم تذكرون} لكي تتَّعظوا. {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} يعني: كلَّ عهدٍ يحسن في الشريعة الوفاء به {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} لا تحنثوا فيها بعد ما وكَّدتموه بالعزم {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} بالوفاء حيث حلفتم، والواو للحال. {ولا تكونوا كالتي نقضت} أفسدت {غزلها} وهي امرأة حمقاء كانت تغزل طول يومها، ثمَّ تنقضه وتفسده {من بعد قوة} الغزل بإمراره وفتله {أنكاثاً} قطعاً، وتمَّ الكلام ها هنا، ثمَّ قال: {تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم} أَيْ: غشَّاً وخديعةً {أن تكون} بأن تكون [أو لأن تكون] {أمة هي أربى من أمة} أَيْ: قوم أغنى وأعلى من قوم، وذلك أنهم كانوا يحالفون قوماً فيجدون أكثر منهم وأعزَّّ، فينقضون حلف أولئك، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزُّ، فنُهوا عن ذلك. {إنما يبلوكم الله به} أَيْ: بما أمر ونهى {وليبينن لكم يومَ القيامة ما كنتم فيه تختلفون} في الدُّنيا، ثمَّ نهى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين عاهدوه على نصرة الإِسلام عن أيمان الخديعة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {تِبْيَاناً} (89) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِكُفَّارِ قَوْمِكَ مَا سَيَحْصُلُ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِذْ يُحْضِرُ اللهُ نَبِيَّ كُلِّ أُمَّةٍ لِيَكُونَ شَاهِداً عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّهُ دَعَاهَا إِلى اللهِ، وَأَنْذَرَها عِقَابَهُ، وَحَذَّرَهَا عَذَابَهُ، ثُمَّ نَأْتِي بِكَ لِتَشْهَدَ عَلَى قَوْمِكَ (هؤُلاَءِ)، وَمَا أَجَابُوكَ بِهِ حِينَ دَعَوْتَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ. وَقَدْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ عِلْمَ كُلِّ شَيءٍ يَحْتَاجُهُ النَّاسُ، فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، وَفِي أُمُورِ مَعَاشِهِمْ، وَهُوَ هُدًى لِلْقُلُوبِ، وَرَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِعِبَادِهِ، إِذْ يَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ الخَيْرِ وَالرَّشَادِ، وَفِيهِ بُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ الجَنَّةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ..} [النحل: 89]. يعني من جنسهم. والمراد: أهل الدعوة إلى الله من الدُّعَاة والوعاظ والأئمة الذين بلّغوا الناس منهج الله، هؤلاء سوف يشهدون أمام الله سبحانه على مَنْ قصّر في منهج الله. وقد يكون معنى: {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ..} [النحل: 89]. أي: جزء من أجزائهم وعضواً من أعضائهم، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. وقوله: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ..} تفسير : [فصلت: 21]. والشهيد إذا كان من ذات الإنسان وبعض من أبعاضه فلا شكَّ أن حجته قوية وبيّنته واضحة. وقوله: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ..} [النحل: 89]. أي: شهيداً على أمتك كأنه صلى الله عليه وسلم شهيد على الشهداء. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ..} [النحل: 89]. الكتاب: القرآن الكريم .. تبياناً: أي بياناً تاماً لكل ما يحتاجه الإنسان، وكلمة (شيء) تُسمّى جنس الأجناس. أي: كل ما يُسمّى "شيء" فبيانُه في كتاب الله تعالى. فإنْ قال قائل: إنْ كان الأمر كذلك، فلماذا نطلب من العلماء أن يجتهدوا لِيُخرجوا لنا حُكْماً مُعيّناً؟ نقول: القرآن جاء معجزة، وجاء منهجاً في الأصول، وقد أعطى الحق تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حق التشريع، فقال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. إذن: فسُنة الرسول صلى الله عليه وسلم قَوْلاً أو فِعْلاً أو تقريراً ثابتة بالكتاب، وهي شارحة له ومُوضّحة، فصلاة المغرب مثلاً ثلاث ركعات، فأين هذا في كتاب الله؟ نقول في قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ..} تفسير : [الحشر: 7]. حديث : وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القضية حينما أرسل معاذ بن جبل رضي الله عنه - قاضياً لأهل اليمن، وأراد أن يستوثق من إمكانياته في القضاء. فسأله: "بِمَ تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإنْ لم تجد؟ قال: فبُسنة رسول الله، قال: فإنْ لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو - أي لا أُقصّر في الاجتهاد. فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي الله ورسوله" ". تفسير : إذن: فالاجتهاد مأخوذ من كتاب الله، وكل ما يستجد أمامنا من قضايا لا نصّ فيها، لا في الكتاب ولا في السنة، فقد أبيح لنا الاجتهادُ فيها. ونذكر هنا أن الإمام محمد عبده - رحمه الله - حُدِّث عنه وهو في باريس أن أحد المستشرقين قال له: أليس في آيات القرآن: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 38]. قال: بلى، قال له: فهات لي من القرآن: كم رغيفاً يوجد في أردب القمح؟ فقال الشيخ: نسأل الخباز فعنده إجابة هذا السؤال .. فقال المستشرق: أريد الجواب من القرآن الذي ما فرط في شيء، فقال الشيخ: هذا القرآن هو الذي علَّمنا فيما لا نعلم أن نسأل أهل الذكر فقال: {أية : فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 7]. إذن: القرآن أعطاني الحجة، وأعطاني ما أستند إليه حينما لا أجد نصّاً في كتاب الله، فالقرآن ذكر القواعد والأصول، وأعطاني حَقَّ الاجتهاد فيما يعِنّ لي من الفروع، وما يستجدّ من قضايا، وإذا وُجِد في القرآن حكم عام وجب أن يُؤخذ في طيّه ما يُؤخذ منه من أحكام صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله وكله. فقال: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. وكذلك الإجماع من الأمة؛ لأن الله تعالى قال: {أية : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ ..} تفسير : [النساء: 115]. وكل اجتهاد يُرَدُّ إلى أهل الاجتهاد: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ..} تفسير : [النساء: 83]. إذن: فكلّ ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الإجماع وعن الأئمة المجتهدين موجود في القرآن، فهو إذن صادق. ويجب هنا أن نُفرّق بين الأشياء والقضايا فهي كثيرة، فما الذي يتعرّض له القرآن؟ يتعرض القرآن للأحكام التكليفية المطلوبة من العبد الذي آمن بالله، وهناك أمور كونية لا يتأثر انتفاع الإنسان بها بأنْ يعلمها، فهو ينتفع بها سواء علمها أو جهلها، فكوْنُ الأرض كُروية الشكل، وكَوْنها تدور حول الشمس، وغير هذه الأمور من الكونيات إنْ علمها فبها ونعمتْ، وإنْ جهلها لا يمنعه جهله من الانتفاع بها. فالأُميّ الذي يعيش في الريف مثلاً ينتفع بالكهرباء، وهو لا يعلم شيئاً عن طبيعتها وكيفية عملها، ومع ذلك ينتفع بها، مجرد أن يضع أصبعه على زِرّ الكهرباء تُضيء له. فلو أن الحق تبارك وتعالى أبان الآيات الكونية إبانةً واضحة ربما صَدَّ العرب الذين لا يعرفون شيئاً عن حركة الكون، وليس لديهم من الثقافة ما يفهمون به مقاصد القرآن حول الآيات الكونية؛ ولذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهِلّة، كما حكى القرآن الكريم: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ ..} تفسير : [البقرة: 189]. والأهلة: جمع هلال، وهو ما يظهر من القمر في بداية الشهر حيث يبدو مثل قلامة الظفر، ثم يزداد تدريجياً إلى أنْ يصل إلى مرحلة البدر عند تمام استدارته، ثم يتناقص تدريجياً أيضاً إلى أنْ يعودَ إلى ما كان عليه، هذه عجيبة يرونها بأعينهم، ويسألون عنها. ولكن، كيف رَدَّ عليهم القرآن؟ لم يُوضح لهم القرآن الكريم كيف يحدث الهلال، وأن الأرض إذا حالتْ بين الشمس والقمر وحجبت عنه ضوء الشمس نتج عن ذلك وجود الهلال ومراحله المختلفة. فهذا التفصيل لا تستوعبه عقولهم، وليس لديهم من الثقافة ما يفهمون به مثل هذه القضايا الكونية؛ لذلك يقول لهم: اصرفوا نظركم عن هذه، وانظروا إلى حكمة الخالق سبحانه في الأهلة: {أية : قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ..} تفسير : [البقرة: 189]. فردّهم إلى أمر يتعلق بدينهم التقليدي، فاهتمّ ببيان الحكمة منها، وفي نفس الوقت ترك هذه المسألة للزمن يشرحها لهم، حيث سيجدون في القرآن ما يُعينهم على فَهْم هذا الموضوع. إذن: قوله تعالى: {أية : مِن شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 38]. أي: من كل شيء تكليفيّ، إنْ فعله المؤمن أثيب، وإنْ لم يفعله يُعاقب، أما الأمور الكونية فيعطيهم منها على قدر وَعْيهم لها، ويترك للزمن مهمة الإبانة بما يحدث فيه من فكر جديد. لذلك نرى القرآن الكريم لم يفرغ عطاءه كله في القرآن الذي نزل فيه، فلو فعل ذلك لاستقبل القرون الأخرى بغير عطاء، فالعقول تتفتّح على مَرِّ العصور وتتفتّق عن فكر جديد، ولا يصح أنْ يظلَّ العطاء الأول هو نفسه لا يتجدد، لا بُدَّ أن يكون لكل قرن عطاء جديد يناسب ارتقاءات البشر في علومه الكونية. حديث : والرسول صلى الله عليه وسلم حينما رأى الناس يُؤبّرون النخل، أي: يُلقّحونه. وهو ما يُعرف بعملية الإخصاب، حيث يأخذون من الذكر ويضعون في الأنثى، فماذا قال لهم؟ قال: لو لم تفعلوا لأثمر، ففي الموسم القادم تركوا هذه العملية فلم يُثمر النخل، فلما سئل صلى الله عليه وسلم قال: "أنتم أعلم بشئون دنياكم" ". تفسير : فهذا أمر دنيوي خاضع للتجربة ووليد بَحْث معمليّ، وليس من مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم توضيح هذه الأمور التي يتفق فيها الناس وتتفق فيها الأهواء، إنما الأحكام التكليفية التي تختلف فيها الأهواء فحسمها الحق بالحكم. فمثلاً في العالم موجاتٌ مادية تهتم بالاكتشافات والاختراعات والاستنباطات التي تُسخر أسرار الكون لخدمة الإنسان، فهل يختلف الناس حول مُعْطيات هذه الموجة المادية؟ هل نقول مثلاً: هذه كهرباء أمريكاني، وهذه كهرباء روسي؟ هل نقول: هذه كيمياء إنجليزي، وهذه كيمياء ألماني؟ فهذه مسألة وليدة المعمل والتجربة يتفق فيها كل الناس، في حين نجدهم يختلفون في أشياء نظرية ويتحاربون من أجلها، فهذه اشتراكية، وهذه رأسمالية، وهذه وجودية، وتلك علمانية .. الخ، فجاء الدين ليحسمَ ما تختلف فيه الأهواء. لذلك نرى كل معسكر يحاول أنْ يسرقَ ما توصَّل إليه المعسكر الآخر من اكتشافات واختراعات، ويرسل جواسيسه ليتابعوا أحدث ما توصّل إليه غيرهم، فهل يسرقون الأمور النظرية أيضاً؟ لا .. بل على العكس تجدهم يضعون الحواجز والاحتياطات لكي لا تنتقل هذه المبادئ إلى بلادهم وإلى أفكار مواطينهم. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من نفسه مثالاً ونموذجاً لتوضيح هذه المسألة، مع أنه قد يقول قائل: لا يصح في حَقّ رسول الله أن يُشير على الناس بشيء ويتضح خطأ مشورته، إنما الرسول هنا يريد أنْ يُؤصّل قاعدة في نفوس المتكلمين في شئون الدين: إياكم أنْ تُقحِموا أنفسكم في الأمور المادية المعملية التطبيقية، فهذه أمور يستوي فيها المؤمن والكافر. ولذلك عندما اكتشف العلماء كُروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس اعترض على ذلك بعض رجال الدين ووضعوا أنوفهم في قضية لا دَخْل للدين فيها، وقد حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك. وما قولكم بعد أن صعد العلماء إلى كواكب أخرى، وصوروا الأرض، وجاءت صورتها كُروية فعلاً؟ فلا تفتحوا على أنفسكم باسم الدين باباً لا تستطيعون غَلْقه. وقوله تعالى: {وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]. الحق تبارك وتعالى وصف القرآن هنا بأنه (هُدىً)، فإذا كان القرآن قد نزل تبياناً فكان التوافق يقتضي أن يقول: وهادياً، لكن لم يَصف القرآن بأنه هادٍ، بل هُدىً، وكأنه نفس الهدى؛ لأن هادياً ذاتٌ ثبت لها الهداية، إنما هُدى: يعني هو جوهر الهدى، كما نقول: فلان عادل. وفي المبالغة نقول: فلان عَدْل. كأن العَدْل مجسّم فيه، وليس مجرد واحد ثبتت له صفة العدل. وكذلك مثل قولنا عالم وعليم، وقد قال تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76]. فما معنى الهدى؟ هو الدلالة على الطريق الموصّل للغاية من أقرب الطرق. {وَرَحْمَةً} مرّة يُوصَف القرآن بأنه رحمة، ومرة بأنه: {أية : شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ ..} تفسير : [الإسراء: 82]. والشفاء: أن يُوجد داء يعالجه القرآن، والرحمة: هي الوقاية التي تمنع وجود الداء، وما دام القرآن كذلك فمَنْ عمل بمنهجه فقد بُشِّر بالثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} معناهُ بَيانٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر فيما تقدم أنه يبعث { فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } ذكر ذلك أيضا هنا، وخص منهم هذا الرسول الكريم فقال: { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ } أي: على أمتك تشهد عليهم بالخير والشر، وهذا من كمال عدل الله تعالى أن كل رسول يشهد على أمته لأنه أعظم اطلاعا من غيره على أعمال أمته، وأعدل وأشفق من أن يشهد عليهم إلا بما يستحقون. وهذا كقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }. تفسير : وقال تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ } تفسير : وقوله: { وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية، حتى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس، واعتبر هذا بالآية التي بعد هذه الآية وما فيها من أنواع الأوامر والنواهي التي لا تحصى، فلما كان هذا القرآن تبيانا لكل شيء صار حجة الله على العباد كلهم. فانقطعت به حجة الظالمين وانتفع به المسلمون فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة. فالهدى ما نالوه به من علم نافع وعمل صالح. والرحمة ما ترتب على ذلك من ثواب الدنيا والآخرة، كصلاح القلب وبره وطمأنينته، وتمام العقل الذي لا يتم إلا بتربيته على معانيه التي هي أجل المعاني وأعلاها، والأعمال الكريمة والأخلاق الفاضلة، والرزق الواسع والنصر على الأعداء بالقول والفعل ونيل رضا الله تعالى وكرامته العظيمة التي لا يعلم ما فيها من النعيم المقيم إلا الرب الرحيم.
همام الصنعاني
تفسير : 1523- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد في قوله تعالى: {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}: [الآية: 89]، قال: ممّا أحل لهم وحرَّم عَلَيْهم. 1524- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: حديث : سمعت أن مسليمة أخذ رجلين من أهل الإسلام، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. وكان مسليمة لا يُنكر أن محمداً رسول الله ويقول: هو نبي وأنا نبي، قال، فقال له: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم. فتركه، ثم جيء بالآخر، فقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن مسليمة رسول الله؟ قال: إني أصم. فقال: أسْمِعُوه، فاقل مثل مثالته الأُولى. فقال: إذا ذكروا لك محمداً سَمِعْتَ، وإذا ذكروا لك مسيلمة قلت إني أصم. اضربوا عنقه قال: فضربوا عنقه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أما هذا فقد مضى على يقين، وأما الآخر، فأخذ بالرخصة .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):