Verse. 1991 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

اِنَّ اللہَ يَاْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَاِيْتَاۗئِ ذِي الْقُرْبٰى وَيَنْہٰى عَنِ الْفَحْشَاۗءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ۝۰ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ۝۹۰
Inna Allaha yamuru bialAAadli waalihsani waeetai thee alqurba wayanha AAani alfahshai waalmunkari waalbaghyi yaAAithukum laAAallakum tathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله يأمر بالعدل» التوحيد أو الإنصاف «والإحسان» أداء الفرائض أو أن تعبد الله كأنك تراه كما في الحديث «وإيتاءِ» إعطاء «ذي القربى» القرابة خصه بالذكر اهتماما به «وينهى عن الفحشاء» الزنا «والمنكر» شرعا من الكفر والمعاصي «والبغي» الظلم للناس خصه بالذكر اهتماما كما بدأ بالفحشاء كذلك «يعظكم» بالأمر والنهي «لعلكم تذكرون» تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال، وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر.

90

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب أتبعه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } فجمع في هذه الآية ما يتصل بالتكليف فرضاً ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموماً وخصوصاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان فضائل هذه الآية روي عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أولاً إلا حياء من محمد عليه السلام ولم يتقرر الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: « حديث : بينما أنا أحدثك إذا بجبريل نزل عن يميني فقال: يا محمد إن الله يأمر بالعدل والإحسان، العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان القيام بالفرائض وإيتاء ذي القربى، أي صلة ذي القرابة وينهى عن الفحشاء الزنا، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي الاستطالة » تفسير : . قال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي فأتيت أبا طالب فأخبرته فقال: يا معشر قريش اتبعوا ابن أخي ترشدوا ولئن كان صادقاً أو كاذباً فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمه اللين قال: يا عماه أتأمر الناس أن يتبعوني وتدع نفسك وجهد عليه، فأبى أن يسلم فنزل قوله: { أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } تفسير : [القصص: 56] وعن ابن مسعود رضي الله عنه: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية، وعن قتادة ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحب إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية وليس من خلق سيء إلا نهى الله عنه في هذه الآية، وروى القاضي في «تفسيره» عن ابن ماجه عن علي عليه السلام أنه قال: أمر الله تعالى نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج وأنا معه وأبو بكر فوقفنا على مجلس عليهم الوقار فقال أبو بكر: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشهادتين وإلى أن ينصروه فإن قريشاً كذبوه فقال مقرون بن عمرو: إلام تدعونا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } الآية فقال مقرون بن عمرو: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على الوليد فاستعاده، ثم قال: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته » تفسير : والله أعلم. المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية، أكثر الناس في تفسير هذه الآية قال ابن عباس في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض وقال في رواية أخرى: العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك فإن كان مؤمناً أحببت أن يزداد إيماناً، وإن كان كافراً أحببت أن يصير أخاك في الإسلام. وقال في رواية ثالثة: العدل هو التوحيد والإحسان الإخلاص فيه. وقال آخرون: يعني بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال، فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وقوله: {وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } يريد صلة الرحم بالمال فإن لم يكن فبالدعاء، روى أبو مسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم إن أهل البيت ليكونوا فجاراً فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم»تفسير : وقوله: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ } قيل: الزنا، وقيل: البخل، وقيل: كل الذنوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وسواء كانت في القول أو في الفعل، وأما المنكر فقيل: إنه الكفر بالله تعالى، وقيل: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، وأما البغي فقيل: الكبر والظلم، وقيل: أن تبغي على أخيك. واعلم أن في المأمورات كثرة وفي المنهيات أيضاً كثرة، وإنما حسن تفسير لفظ معين لشيء معين إذا حصل بين ذلك اللفظ وبين ذلك المعنى مناسبة. أما إذا لم تحصل هذه الحالة كان ذلك التفسير فاسداً، فإذا فسرنا العدل بشيء والإحسان بشيء آخر وجب أن نبين أن لفظ العدل يناسب ذلك المعنى، ولفظ الإحسان يناسب هذا المعنى، فلما لم نبين هذا المعنى كان ذلك مجرد التحكم، ولم يكن جعل بعض تلك المعنى تفسيراً لبعض تلك الألفاظ أولى من العكس، فثبت أن هذه الوجوه التي ذكرناها ليست قوية في تفسير هذه الآية، وأقول ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى أمر بثلاثة أشياء، وهي العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى عن ثلاثة أشياء هي: الفحشاء، والمنكر، والبغي فوجب أن يكون العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ثلاثة أشياء متغايرة ووجب أن تكون الفحشاء والمنكر والبغي ثلاثة أشياء متغايرة، لأن العطف يوجب المغايرة فنقول: أما العدل فهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وذلك أمر واجب الرعاية في جميع الأشياء، ولا بد من تفصيل القول فيه فنقول: الأحوال التي وقع التكليف بها إما الاعتقادات وإما أعمال الجوارح. أما الاعتقادات: فالعدل في كلها واجب الرعاية فأحدها: قال ابن عباس: إن المراد بالعدل هو قول لا إله إلا الله، وتحقيق القول فيه أن نفي الإله تعطيل محض وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتشبيه وهما مذمومان، والعدل هو إثبات الإله الواحد وهو قول لا إله إلا الله. وثانيها: أن القول بأن الإله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محض، والقول بأنه جسم وجوهر مركب من الأعضاء، ومختص بالمكان تشبيه محض، والعدل إثبات إله موجود متحقق بشرط أن يكون منزهاً عن الجسمية والجوهرية والأعضاء والأجزاء والمكان، وثالثها: أن القول بأن الإله غير موصوف بالصفات من العلم والقدرة تعطيل محض، والقول بأن صفاته حادثة متغيرة تشبيه محض. والعدل هو إثبات أن الإله عالم قادر حي مع الإعتراف بأن صفاته ليست حادثة ولا متغيرة. ورابعها: أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض، والقول بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض وهما مذمومان، والعدل أن يقال: إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه، وخامسها: القول بأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه تعالى يخلد في النار عبده العارف بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار كل من قال واعتقد أنه لا إله إلا الله، فهذه أمثلة ذكرناها في رعاية معنى العدل في الاعتقادات، وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح، فنذكر ستة أمثلة منها: أحدها: أن قوماً من نفاة التكاليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي، وليس لله عليه تكليف أصلاً وقال قوم من الهند؛ ومن المانوية إنه يجب على الإنسان أن يجتنب عن كل الطيبات وأن يبالغ في تعذيب نفسه وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى أن المانوية يخصون أنفسهم ويحترزون عن التزوج ويحترزون عن أكل الطعام الطيب والهند يحرقون أنفسهم ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، فهذان الطريقان مذمومان، والوسط المعتدل هو هذا الشرع الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم. وثانيها: أن التشديد في دين موسى عليه السلام غالب جداً، والتساهل في دين عيسى عليه السلام غالب جداً والوسط العدل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: كان شرع موسى عليه السلام في القتل العمد استيفاء القصاص لا محالة، وفي شرع عيسى عليه السلام العفو. أما في شرعنا فإن شاء استوفى القصاص على سبيل المماثلة، وإن شاء استوفى الدية وإن شاء عفا، وأيضاً شرع موسى يقتضي الاحتراز العظيم عن المرأة حال حيضها وشرع عيسى يقتضي حل وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا وهو أنه يحرم وطؤها احترازاً عن التلطخ بتلك الدماء الخبيثة أما لا يجب إخراجها عن الدار. وثالثها: أنه تعالى قال: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] يعني متباعدين عن طرفي الإفراط والتفريط في كل الأمور، وقال: { أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } تفسير : [الفرقان: 67] وقال: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تفسير : [الإسراء: 29] ولما بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات قال تعالى: { أية : طه * مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ } تفسير : [طه: 1، 2] ولما أخذ قوم في المساهلة قال: { أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } تفسير : [المؤمنون: 115] والمراد من الكل رعاية العدل والوسط. ورابعها: أن شريعتنا أمرت بالختان، والحكمة فيه أن رأس العضو جسم شديد الحس ولأجله عظم الالتذاذ عند الوقاع، فلو بقيت الجلدة على ذلك العضو بقي ذلك العضو على كمال القوة وشدة الإحساس فيعظم الإلتذاذ أما إذا قطعت تلك الجلدة وبقي ذلك العضو عارياً فيلقى الثياب وسائر الأجسام فيتصلب ويضعف حسه ويقل شعوره فيقل الالتذاذ بالوقاع فتقل الرغبة فيه، فكأن الشريعة إنما أمرت بالختان سعياً في تقليل تلك اللذة، حتى يصير ميل الإنسان إلى قضاء شهوة الجماع إلى حد الاعتدال، وأن لا تصير الرغبة فيه غالبة على الطبع، فالإخصاء وقطع الآلات على ما تذهب إليه المانوية مذموم لأنه إفراط، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة، والعدل الوسط هو الإتيان بالختان، فظهر بهذه الأمثلة أن العدل واجب الرعاية في جميع الأحوال، ومن الكلمات المشهورة قولهم: وبالعدل قامت السموات والأرض، ومعناه: أن مقادير العناصر لو لم تكن متعادلة متكافئة، بل كان بعضها أزيد بحسب الكمية وبحسب الكيفية من الآخر، لاستولى الغالب على المغلوب ووهى المغلوب، وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن، لعظمت السخونة في هذا العالم واحترق كل ما في هذا العالم، ولو كان بعدها أزيد مما هو الآن لاستولى البرد والجمود على هذا العالم، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وبطئها، فإن الواحد منها لو كان أزيد مما هو الآن أو كان أنقص مما هو الآن لاختلت مصالح هذا العالم فظهر بهذا السبب الذي ذكرناه صدق قولهم: وبالعدل قامت السماوات والأرض، فهذه إشارة مختصرة إلى شرح حقيقة العدل. وأما الإحسان فاعلم أن الزيادة على العدل قد تكون إحساناً وقد تكون إساءة مثاله: أن العدل في الطاعات هو أداء الواجبات أما الزيادة على الواجبات فهي أيضاً طاعات وذلك من باب الإحسان، وبالجملة فالمبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية هو الإحسان. والدليل عليه: أن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: « حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » تفسير : . فإن قالوا: لم سمي هذا المعنى بالإحسان؟ قلنا: كأنه بالمبالغة في الطاعة يحسن إلى نفسه ويوصل الخير والفعل الحسن إلى نفسه، والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب من الخيرات، والإحسان عبارة عن الزيادة في تلك الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية، وبحسب الدواعي والصوارف، وبحسب الاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية، فهذا هو الإحسان. واعلم أن الإحسان بالتفسير الذي ذكرناه دخل فيه التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله، ومن الظاهر أن الشفقة على خلق الله أقسام كثيرة وأشرفها وأجلها صلة الرحم لا جرم أنه سبحانه أفرده بالذكر فقال: {وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } فهذا تفصيل القول في هذه الثلاثة التي أمر الله تعالى بها. وأما الثلاثة التي نهى الله عنها، وهي الفحشاء والمنكر والبغي فنقول: إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعة، وهي الشهوانية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية وهذه القوة الرابعة أعني العقلية الملكية لا يحتاج الإنسان إلى تأديبها وتهذيبها، لأنها من جواهر الملائكة، ومن نتائج الأرواح القدسية العلوية، إنما المحتاج إلى التأديب والتهذيب تلك القوى الثلاثة الأولى. أما القوة الشهوانية، فهي إنما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية، وهذا النوع مخصوص باسم الفحش، ألا ترى أنه تعالى سمى الزنا فاحشة فقال: { أية : إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً } تفسير : [النساء: 22] فقوله تعالى: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ } المراد منه المنع من تحصيل اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة، وأما القوة الغضبية السبعية فهي: أبداً تسعى في إيصال الشر والبلاء والإيذاء إلى سائر الناس، ولا شك أن الناس ينكرون تلك الحالة، فالمنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية. وأما القوة الوهمية الشيطانية فهي أبداً تسعى في الاستعلاء على الناس والترفع وإظهار الرياسة والتقدم، وذلك هو المراد من البغي، فإنه لا معنى للبغي إلا التطاول على الناس والترفع عليهم، فظهر بما ذكرنا أن هذه الألفاظ الثلاثة منطبقة على أحوال هذه القوى الثلاثة، ومن العجائب في هذا الباب أن العقلاء قالوا: أخس هذه القوى الثلاثة هي الشهوانية، وأوسطها الغضبية وأعلاها الوهمية. والله تعالى راعى هذا الترتيب فبدأ بالفحشاء التي هي نتيجة القوة الشهوانية، ثم بالمنكر الذي هو نتيجة القوة الغضبية، ثم بالبغي الذي هو نتيجة القوة الوهمية، فهذا ما وصل إليه عقلي وخاطري في تفسير هذه الألفاظ، فإن يك صواباً فمن الرحمن، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله عنه بريئان والحمد لله على ما خصنا بهذا النوع من الفضل والإحسان إنه الملك الديان. ثم قال تعالى: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } والمراد بقوله تعالى: {يَعِظُكُمْ } أمره تعالى بتلك الثلاثة ونهيه عن هذه الثلاثة: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: { أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } تفسير : [النحل: 89] أردفه بهذه الآية مشتملة على الأمر بهذه الثلاثة، والنهي عن هذه الثلاثة، كان ذلك تنبيهاً على أن المراد بكون القرآن تبياناً لكل شيء هو هذه التكاليف الستة وهي في الحقيقة كذلك، لأن جوهر النفس من زمرة الملائكة ومن نتائج الأرواح العالية القدسية إلا أنه دخل في هذا العالم خالياً عارياً عن التعلقات فتلك الثلاثة التي أمر الله بها هي التي ترقيها بالمعارف الإلهية والأعمال الصالحة، وتلك المعارف والأعمال هي التي ترقيها إلى عالم الغيب وسرادقات القدس، ومجاورة الملائكة المقربين في جوار رب العالمين، وتلك الثلاثة التي نهى الله عنها هي التي تصدها عن تلك السعادات وتمنعها عن الفوز بتلك الخيرات، فلما أمر الله تعالى بتلك الثلاثة، ونهى عن هذه الثلاثة فقد نبه على كل ما يحتاج إليه المسافرون من عالم الدنيا إلى مبدأ عرصة القيامة. المسألة الثانية: قال الكعبي: الآية تدل على أنه تعالى لا يخلق الجور والفحشاء، وذلك من وجوه: الأول: أنه تعالى كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم، وكيف ينهى عما يريد تحصيله فيهم ولو كان الأمر كما قالوا لكان كأنه تعالى قال: إن الله يأمركم أن تفعلوا خلاف ما خلقه فيكم وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم، ومعلوم أن ذلك باطل في بديهة العقل. والثاني: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلو أنه تعالى أمر بتلك الثلاثة ثم إنه ما فعلها لدخل تحت قوله: { أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 44]. وتحت قوله: {أية : لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} تفسير : [الصف:2، 3] الثالث: أن قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ليس المراد منه الترجي والتمني، فإن ذلك محال على الله تعالى، فوجب أن يكون معناه أنه تعالى يعظكم لإرادة أن تتذكروا طاعته، وذلك يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل. الرابع: أنه تعالى لو صرح وقال: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ولكنه تمنع منه ويصد عنه ولا يمكن العبد منه. ثم قال: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْي } ولكنه يوجد كل هذه الثلاثة في العبد شاء أم أبى وأراده منه ومنعه من تركه، ومن الاحتراز عنه لحكم كل أحد عليه بالركاكة وفساد النظم والتركيب، وذلك يدل على كونه سبحانه متعالياً عن فعل القبائح. واعلم أن هذا النوع من الاستدلال كثير، وقد مر الجواب عنه والمعتمد في دفع هذه المشاغبات التعويل على سؤال الداعي وسؤال العلم، والله أعلم. المسألة الثالثة: اتفق المتكلمون من أهل السنة ومن المعتزلة على أن تذكر الأشياء من فعل الله لا من فعل العبد، والدليل عليه هو أن التذكرة عبارة عن طلب المتذكر فحال الطلب إما أن يكون له به شعور أو لا يكون له به شعور. فإن كان له شعور فذلك الذكر حاصل، والحاصل لا يطلب تحصيله. وإن لم يكن له به شعور فكيف يطلبه بعينه، لأن توجيه الطلب إليه بعينه حال ما لا يكون هو بعينه متصوراً محال. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } معناه أن المقصود من هذا الوعظ أن يقدموا على تحصيل ذلك التذكر، فإذا لم يكن التذكر فعلاً له فكيف طلب منه تحصيله، وهذا هو الذي يحتج به أصحابنا على أن قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } لا يدل على أنه تعالى يريد منه ذلك، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيـه ست مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} رُوي عن عثمان بن مَظْعُون أنه قال: لما نزلت هذه الآية قرأتُها على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجّب فقال: يا آل غالب، اتبعوه تفلحوا، فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق. وفي حديثٍ ـ إن أبا طالب لما قيل له: إن ٱبن أخيك زعم أن الله أنزل عليه «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» الآية، قال: اتبعوا ٱبن أخي، فوالله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق. وقال عكرمة: قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلى آخرها، فقال: يا ابن أخي أعد! فأعاد عليه فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لَطّلاوة، وإن أصله لمُورِق، وأعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر! وذكر الغَزْنَوِيّ أن عثمان بن مظعون هو القارىء. قال عثمان: ما أسلمت ابتداءً إلاّ حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فٱستقر الإيمان في قلبي، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال: يا ابن أخي أعد! فأعدت فقال: والله إن له لحلاوة،... وذكر تمام الخبر. وقال ابن مسعود: هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب. وحكى النقاش قال: يقال زكاة العدل الإحسان، وزكاة القدرة العفو، وزكاة الغنى المعروف، وزكاة الجاه كَتْبُ الرجل إلى إخوانه. الثانية: اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان؛ فقال ابن عباس: العدل لا إلٰه إلا الله، والإحسان أداء الفرائض. وقيل: العدل الفرض، والإحسان النافلة. وقال سفيان بن عُيينة: العدل هاهنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. عليّ بن أبي طالب: العدل الإنصاف، والإحسان التفضل. قال ابن عطية: العدل هو كل مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم والإنصاف، وإعطاء الحق. والإحسان هو فعل كل مندوب إليه؛ فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، إلا أن حَدّ الإجزاء منه داخل في العدل، والتكميلُ الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان. وأما قول ابن عباس ففيه نظر؛ لأن أداء الفرائض هي الإسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل، وذلك هو العدل، وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه حسبما يقتضيه تفسير النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله: «حديث : أنْ تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : . فإن صح هذا عن ابن عباس فإنما أراد الفرائض مكملة. وقال ابن العربي: العدل بين العبد وبين ربه إيثارُ حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديمُ رضاه على هواه، والاجتنابُ للزواجر والامتثال للأوامر. وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها؛ قال الله تعالى: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40] وعُزوبُ الأطماع عن الاتباع، ولزومُ القناعة في كل حالٍ ومعنًى. وأما العدل بينه وبين الخلق فبذلُ النصيحة، وتركُ الخيانة فيما قَلّ وكَثُر، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سِرٍّ ولا في عَلَن، والصبرُ على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقلّ ذلك الإنصافُ وترك الأذى. قلت: هذا التفصيل في العدل حَسَنٌ وعدل، وأما الإحسان فقد قال علماؤنا: الإحسان مصدر أحسن يُحْسن إحساناً. ويقال على معنيين: أحدهما متعد بنفسه؛ كقولك: أحسنت كذا، أي حسّنته وكمّلته، وهو منقول بالهمزة من حَسُن الشيء. وثانيهما متعدٍّ بحرف جر؛ كقولك: أحسنت إلى فلان، أي أوصلت إليه ما ينتفع به. قلت: وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معاً؛ فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض، حتى أن الطائر في سجنك والسِّنّوْر في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهّده بإحسانك؛ وهو تعالى غنيّ عن إحسانهم، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن. وهو في حديث جبريل بالمعنى الأوّل لا بالثاني؛ فإن المعنى الأوّل راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار. وهو المراد بقوله «حديث : أنْ تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه. ولعلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله: «حديث : وجُعلت قرّة عيني في الصلاة»تفسير : . وثانيهما ـ لا تنتهي إلى هذا، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له، وإليه الاشارة بقوله تعالى {أية : ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الشعراء: 218- 219] وقوله: {أية : إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} تفسير : [يونس: 61]. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي القرابة؛ يقول: يعطيهم المال كما قال {أية : وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} تفسير : [الإسراء: 26] يعني صلته. وهذا من باب عطف المندوب على الواجب، وبه استدّل الشافعيّ في إيجاب إيتاء المُكاتَب؛ على ما يأتي بيانه. وإنما خص ذا القربى لأن حقوقهم أوْكد وصلتهم أوجب؛ لتأكيد حق الرّحِم التي اشتق الله ٱسمها من ٱسمه، وجعل صلتها من صلته، فقال في الصحيح: «حديث : أمَا تَرْضَيْن أن أصِل من وصلك وأقطعَ من قطعك»تفسير : . ولا سِيّما إذا كانوا فقراء. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ} الفحشاء: الفُحْش، وهو كل قبيح من قول أو فعل. ابن عباس: هو الزنى. والمنكر: ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها. وقيل هو الشرك. والبغي: هو الكِبر والظلم والحِقد والتّعدّي؛ وحقيقته تجاوز الحدّ، وهو داخل تحت المنكر، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماماً به لشدة ضرره.وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ذنب أسرع عقوبةً من بَغْيٍ». تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : الباغي مصروع».تفسير : وقد وعد الله من بُغِيَ عليه بالنصر. وفي بعض الكتب المنّزلة: لو بَغَى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دَكًّا. الخامسة ـ ترجم الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال: (باب قول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، وقولِه: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ}، وتركِ إثارة الشر على مسلم أو كافر) ثم ذكر حديث عائشة في سِحْر لبِيد بنِ الأَعْصَم النبيَّ صلى الله عليه وسلم. قال ابن بطال: فتأوّل رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر؛ كما دلّ عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام: «حديث : أمّا الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثِير على الناس شرا».تفسير : ووجه ذلك ـ والله أعلم ـ أنه تأوّل في قول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} الندب بالإحسان إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته. فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي. قيل: وجه ذلك ـ والله أعلم ـ أنه لمّا أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله: «إنما بغيكم على أنفسكم» وضمِن تعالى نُصرة من بُغِيَ عليه، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن بَغى عليه؛ وكذلك فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره، وقد كان له الانتقام منه بقوله: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}. تفسير : [النحل: 126] ولكن آثر الصفح أخذاً بقوله: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. السادسة ـ تضمنت هذه الآية الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، وقد تقدّم القول فيهما. روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي، فحاجّها العامل وغلبها، بأنهم لم يُثبتوا عليه كبير ظلم ولا جوره في شيء؛ فقام فتًى من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإنه عدل ولم يحسن. قال: فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان، كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرينَ} تفسير : [النحل: 126]، وقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40]، وقال: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} تفسير : [المائدة: 45] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل، والندب إلى الفضل. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وقال سفيان بن عيينة، العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملاً، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وقوله: {وَإِيتَآءِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي: يأمر بصلة الأرحام؛ كما قال: {أية : وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} تفسير : [الإسراء: 26]. وقوله: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ} فالفواحش المحرمات، والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها، ولهذ قال في الموضع الآخر: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسير : [الأعراف: 33] وأما البغي، فهو العدوان على الناس، وقد جاء في الحديث: «حديث : ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم»تفسير : . وقوله: {يَعِظُكُم} أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقال الشعبي عن بشير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} الآية، رواه ابن جرير، وقال سعيد عن قتادة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} الآية، ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به، ويستحسنونه، إلا أمر الله به، وليس من خلق سيىء كانوا يتعايرونه بينهم، إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها. (قلت): ولهذا جاء في الحديث: «حديث : إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها»تفسير : وقال الحافظ أبو نُعيم في كتاب معرفة الصحابة: حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي، حدثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنكدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي عن علي بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأيته، فأبى قومه أن يدعوه، وقالوا: أنت كبيرنا، لم تكن لتخف إليه، قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت، وما أنت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما من أنا، فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا؟ فأنا عبد الله ورسوله» تفسير : قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} الآية، قالوا: اردد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب وسطاً في مضر - أي: شريفاً - وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم، قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساً، ولا تكونوا أذناباً. وقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا تجلس؟» تفسير : فقال: بلى، قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله، فبينما هو يحدثه، إذ شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته، واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى إلى السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، فقال: يامحمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة، فقال: «حديث : وما رأيتني فعلت؟» تفسير : قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك، قال: «حديث : وفطنت لذلك؟» تفسير : فقال عثمان: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاني رسول الله آنفاً وأنت جالس» تفسير : قال: رسول الله؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : ، قال: فما قال لك؟ قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} الآية، قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم، إسناد جيد متصل حسن، قد بين فيه السماع المتصل، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصراً. حديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا هريم عن ليث عن شهر بن حوشب، عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، إذ شخص بصره، فقال: «حديث : أتاني جبريل، فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} الآية»تفسير : وهذا إسناد لا بأس به، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } التوحيد أو الإِنصاف {وَٱلإْحْسَانِ } أداء الفرائض، أو «أن تعبد الله كأنك تراه» كما في الحديث {وَإِيتَاء } إعطاء {ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ } القرابة: خصه بالذكر اهتماما به {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء } الزنا {وَٱلْمُنْكَرِ } شرعا من الكفر والمعاصي {وَٱلْبَغْىَ } الظلم للناس: خصه بالذكر اهتماما، كما بدأ بالفحشاء، كذلك {يَعِظُكُمُ } بالأمر والنهي {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون، وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال. وفي المستدرك عن ابن مسعود: وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان...} الآية. في تأويل هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أن العدل: شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان: الصبر على أمره ونهيه وطاعة الله في سره وجهره {وإيتاء ذي القربى} صلة الرحم، {وينهى عن الفحشاء} يعني الزنى، {والمنكر} القبائح. {والبغي} الكبر والظلم حكاه ابن جرير الطبري. الثاني: أن العدل: القضاء بالحق، والإحسان: التفضل بالإنعام، وإيتاء ذي القربى: ما يستحقونه من النفقات. وينهى عن الفحشاء ما يستسر بفعله من القبائح. والمنكر: ما يتظاهر به منها فينكر. والبغي: منا يتطاول به من ظلم وغيره، وهذا معنى ما ذكره ابن عيسى. الثالث: أن العدل ها هنا استواء السريرة والعلانية في العمل لله. والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء والمنكر: أن تكون علانيته أحسن من سريرته، قاله سفيان بن عيينة. فأمر بثلاث ونهى عن ثلاث. {يعظكم لعلكم تذكرون} يحتمل وجهين: أحدهما: تتذكرون ما أمركم به وما نهاكم عنه. الثاني: تتذكرون ما أعده من ثواب طاعته وعقاب معصيته.

ابن عطية

تفسير : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أجمل آية في كتاب الله آية في سورة النحل، وتلا هذه الآية، وروي عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب، فتعجب وقال: يا آل غالب، اتبعوه تفلحوا فوالله، إن الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق، وحكى النقاش قال: يقال زكاة العدل الإحسان، وزكاة القدرة العفو، وزكاة الغنى المعروف، وزكاة الجاه كتب الرجل إلى إخوانه. قال القاضي أبو محمد: و {العدل} هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق، {والإحسان} هو فعل كل مندوب إليه، فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، إلا أن حد الاجزاء منه داخل في العدل، والتكميل الزائد على حد الاجزاء داخل في الإحسان، وقال ابن عباس فيما حكى الطبري: {العدل} لا إله إلا الله، و {الإحسان} أداء الفرائض. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القسم الأخير نظر، لأن أداء الفرائض هي الإسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل عليه السلام، وذلك هو العدل، وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه، حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم أنه في حديث سؤال جبريل عليه السلام، بقوله: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : ، فإن صح هذا عن ابن عباس فإنما أراد أداء الفرائض مكملة {وإيتاء ذي القربى} لفظ يقتضي صلة الرحم ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، وتركه مبهماً أبلغ، لأن كل من وصل في ذلك إلى غاية وإن علت يرى أنه مقصر، وهذا المعنى المأمور به في جانب {ذي القربى} داخل تحت {العدل} و {الإحسان}، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماماً به وخضاً عليه، و {الفحشاء} الزنى، قاله ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: وغيره من المعاصي التي شنعتها ظاهرة وفاعلها أبداً متستر بها، وكأنهم خصوها بمعاني الفروج، والمنكر أعم منه، لأنه يعم جميع المعاصي والرذائل والإذايات على اختلاف أنواعها، و {البغي} هو إنشاء ظلم الإنسان والسعاية فيه، وهو داخل تحت {المنكر} لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماماً به لشدة ضرره بالناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ذنب أسرع عقوبة من بغي"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الباغي مصروع، وقد وعد الله تعالى من بُغِي عليه بالنصر"تفسير : ، وفي بعض الكتب المنزلة: لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكاً. قال القاضي أبو محمد: وتغيير المنكر فرض على الولاة، إلا أن المغير لا يعنّ لمستور، ولا يعمل ظناً، ولا يتجسس، ولا يغير إلا ما بدت صفحته، ويكون أمره ونهيه بمعروف، وهذا كله لغير الولاة ألزم وفرض على المسلمين عامة، ما لم يخف المغير إذاية أو ذلاً، ولا يغير المؤمن بيده ما وجد سلطاناً، فإن عدمه غير بيده، إلا أنه لا يصل إلى نصب القتال والمدارأة وإعمال السلاح إلا مع الرياسة والإمام المتبع، وينبغي للناس أن يغير المنكر منهم كل أحد تقي وغير تقي، ولو لم يغير إلا تقي لم يتغير منكر في الأغلب، وقد ذم الله تعالى قوماً بأنهم لم يتناهوا عن منكر فعلوه، فقد وصفهم بفعله وذمهم لما لم يتناهوا عنه وكل منكر فيه مدخل للنظر فلا مدخل لغير حملة العلم فيه، فهذه نبذة من القول في تغيير المنكر تضمنت ثمانية شروط، وروي أن جماعة رفعت على عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي، فحاجها العامل وغلبها بأنهم لم يبينوا عليه كبيرة ظلم، ولا جوروه له في شيء، فقام فتى من القوم، فقال يا أمير المؤمنين: إن الله أمر {بالعدل والإحسان}، وأنه عدل ولم يحسن، قال: فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل، وقوله {وأوفوا بعهد الله}، الآية مضمن قوله {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية، افعلوا كذا وانتهوا عن كذا، فعطف على ذلك التقدير قوله {وأوفوا}، و"عهد الله" لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة، وبالجملة كل ما كان طاعة بين العاهد وبين ربه، كان فيه نفع للغير أو لم يكن، وقوله {ولا تنقضوا الأيمان} خص في هذه الألفاظ العهود التي تقترن بها أيمان تهمماً بها وتنبيهاً عليها. قال القاضي أبو محمد: وهذا في كل ما كان الثبوت فيه على اليمين طاعة لله وما كان الانصراف عنه أصوب في الحق فهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" تفسير : . ويقال تأكيد وتوكيد ووكد وأكد وهما لغتان، وقال الزجاج: الهمزة مبدلة من الواو. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير بين، لأنه ليس في وجوه تصريفه ما يدل على ذلك، و {كفيلاً} معناه متكفلاً بوفائكم، وباقي الآية وعيد في ضمن خبر بعلم الله تعالى بأفعال عباده، وقالت فرقة: نزلت هذه الآية في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، رواه أبو ليلى عن مزيدة، وقال قتادة ومجاهد وابن زيد: نزلت فيما كان من تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فزادها الإسلام شدة. قال القاضي أبو محمد: كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة"تفسير : ، وهذا حديث معنى، وإن كان السبب بعض هذه الأشياء، فألفاظ الآية عامة على جهة مخاطبة العالمين أجمعين.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْعَدْلِ} شهادة التوحيد {وَالإِحْسَانِ} الصبر على طاعته في أمره ونهيه سراً وجهراً {وَإِيتَآىءِ ذِى الْقُرْبَى} صلة الرحم، والفحشاء: الزنا. والمنكر: القبائح، والبغي: الكبر والظلم، أو العدل: القضاء بالحق، والإحسان: التفضل بالإنعام، وإيتاء ذي القربى: صلة الأرحام، والفحشاء: ما يُسر من القبائح، والمنكر: ما يُظهر منها فينكر، والبغي ما يتطاول به من ظلم وغيره، أو العدل استواء السريرة والعلانية في العمل لله، والإحسان فضل السريرة على العلانية، والمنكر والبغي فضل العلانية على السريرة.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل ذي حق إلى حقه {وَٱلإْحْسَانِ } إلى من أساء إليكم أو هما الفرض والندب لأن الفرض لا بد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب {وَإِيتَآءِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } وإعطاء ذي القرابة وهو صلة الرحم {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ} عن الذنوب المفرطة في القبح {وَٱلْمُنْكَرِ } ما تنكره العقول {وَٱلْبَغْيِ} طلب التطاول بالظلم والكبر {يَعِظُكُمُ } حال أو مستأنف {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون بمواعظ الله. وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون فإنه قال: ما كنت أسلمت إلا حياء منه عليه السلام لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام، ولم يستقر الإيمان في قلبي حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر. وقال أبو جهل: إن إلٰهه ليأمر بمكارم الأخلاق وهي أجمع آية في القرآن للخير والشر، ولهذا يقرءُها كل خطيب على المنبر في آخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل مأمور ومنهي. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ } هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }تفسير : { [الفتح: 10] وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ } أيمان البيعة {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } بعد توثيقها باسم الله. و«أكد» و«وكد» لغتان فصيحتان والأصل الواو والهمزة بدل منها {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من البر والحنث فيجازيكم به

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ} الآية لما شرح الوعد، والوعيد، والتَّرغيب، والتَّرهيب، أتبعه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ} فجمع في هذه الآية ما يتصل بالتكاليف؛ فرضاً، ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق، والآداب: عموماً وخصوصاً. روى ابن عباس - رضي الله عنه-: أن عثمان بن مظعون الجمحيَّ قال: ما أسلمتُ أولاً إلاَّ حياء من محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يتقرر الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم، فبينما هو يحدِّثني، إذ رأيت بصره شخص إلى السماءِ، ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك؛ فسألته - صلوات الله وسلامه عليه - فقال: "بينما أنا أحدِّثك إذ بجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - ينزل عن يميني، فقال: يا محمد، إنَّ الله - تعالى - يأمرك بالعدل: شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان: القيام بالفرائض، وإيتاء ذي القربى، أي: صلة القربى، وينهى عن الفحشاء: الزِّنا، والمنكرِ: ما لا يعرف في شريعة، ولا سنة، والبغي: الاستطالة". قال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي، فأتيت أبا طالب؛ فأخبرته، فقال: يا معشر قريش، اتَّبعُوا ابن أخي؛ ترشدوا، ولئن كان صادقاً أو كاذباً، فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم من عمه اللِّين قال: يا عمَّاه، أتأمر الناس أن يتَّبعوني، وتدع نفسك! وجهد عليه؛ فأبى أن يسلم؛ فنزل: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56] . وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - "إنَّ أجمع آيةٍ في القرآن لخيرٍ وشرٍّ هذه الآية". وعن قتادة: ليس في القرآن من خلقٍ حسنٍ، كان في الجاهلية يعمل، ويستحسن، إلاَّ أمر الله - تعالى - به في هذه الآية، وليس من خلقٍ سيِّىءٍ، إلاَّ نهى عنه في هذه الآية. وعن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال: "أمر الله - تعالى - نبيَّهُ أن يعرض نفسه على قبائل العرب؛ فخرج، وأنا معه وأبو بكرٍ - رضي الله عنه - فوقفنا على مجلسٍ عليهم الوقارُ، فقال أبُو بكر - رضي الله عنه-: ممَّن القوم؟ فقالوا: من شيبان، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشهادتين إلى أن ينصروه؛ فإنَّ قريشاً كذَّبوه، فقال مقرون بن عمرو: إلام تدعونا، أخا قريش؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ} الآية فقال مقرون: دعوت والله، إلى مكارم [الأخلاق] ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قومٌ كذَّبوك، وظاهروا عليك". فصل قال ابن عباسٍ - رضي الله عنه-: العدلُ: التوحيدُ، والإحسانُ: أداءُ الفرائضِ، وعنه: العدلُ: الإخلاصُ في التوحيد، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تَراهُ" تفسير : وسمِّي هذا إحساناً؛ لأنه محسن إلى نفسه. وقيل: العدلُ: في الأفعال، والإحسان: في الأقوال؛ فلا تفعل إلاَّ ما هو عدلٌ، ولا تقل إلاَّ ما هو إحسانٌ. قوله: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، ولم يذكر متعلقات العدلِ والإحسان والبغي؛ ليعمَّ جميع ما يعدل فيه، ويحسن به وإليه ويبغي فيه، ولذلك لم يذكر المفعول الثاني للإيتاء، ونصَّ على الأول حضًّا عليه؛ لإدلائه بالقرابة، فإنَّ إيتاءه صدقة وصلة. قال - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : إنَّ أعجلَ الطَّاعةِ ثَواباً صِلةُ الرَّحمِ ". تفسير : وقوله: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} قيل: الزِّنا، وقيل: البُخل، وقيل: كل [ذنب] صغيرة كانت أو كبيرة، وقيل: ما قبح من القول أو الفعل، وأما المنكر فقيل: الكفر بالله، وقيل: ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، والبغي: التَّكبر والظُّلم. فصل قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - كلاماً حاصله: إنَّ في المأمورات كثرة، وفي المنهيَّات كثرة، وإنتما يحسن في تفسير لفظ بمعنًى إذا كان بين ذلك اللفظ والمعنى مناسبة، وألا يكون ذلك التفسير فاسداً، فإذا فسَّرنا العدل بشيء مثلاً، وجب أن يتبيَّن مناسبة العدل لذلك المعنى، وألاَّ يكون مجرَّد تحكم، فنقول: إنه - تعالى - أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء؛ وهي: العدل والإحسان وإيتاءِ ذي القربى، ونهى عن ثلاثة أشياء؛ وهي: الفحشاء والمنكر والبغي، فوجب أن يكون كل ثلاثة منها متغايرة؛ لأن العطف يوجب المغايرة، فنقول: العدل عبارة عن الأمور المتوسِّطة بين طرفي الإفراط والتَّفريط، وذلك واجب الرِّعاية في جميع الأشياء، فنقول: التَّكليف إمَّا في الاعتقادات وإما في أعمال الجوارح. أما الاعتقاد فنذكر منه أمثلة: أحدها: ما قاله ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: إن العدل هو قولنا: لا إله إلاَّ الله، وتحقيقه: أنَّ نفي الإله تعطيلٌ محضٌ، وإثبات أكثر من إله واحد إشراك وتشبيه، وهما مذمومان، والعدل هو إثبات إلهٍ واحد. وثانيها: أن القول بأنَّ الإله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محضٌ، والقول بأنه جسم مركب ومتحيِّز تشبيه محضٌ، والعدل: إثبات إلهٍ واحدٍ موجودٍ منزَّه عن الجسميَّة والأجزاء والمكان. وثالثها: أن القول بأنَّ الإله غير موصوف بالصِّفات من العلم والقدرة تعطيل محضٌ، و القول بأنَّ صفاته حادثة متغيِّرة تشبيه محض، العدل: إثبات أن الإله عالم قادرٌ حيٌّ، وأن صفاته ليست محدثة ولا متغيرة - سبحانه وتعالى -. ورابعها: أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محضٌ، والقول بأن العبد مستقلٌّ بأفعاله قدر محضٌ؛ وهما مذمومان، والعدل أن يقال: إن العبد يفعل الفعل بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله فيه. وأما رعاية العدل في أفعال الجوارح فنذكر منه أمثلة: أحدها: قال قوم: لا يجب على العبد شيء من الطَّاعات، ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي، ونفورا التَّكاليف أصلاً. وقال المانويَّة وقوم من الهند: إنه يجب على الإنسان أن يجتنب الطيِّبات، ويحترز عن كل ما يميل الطَّبع إليه، ويبالغ في تعذيب نفسه، حتى إن المانويَّة يخصُّون أنفسهم ويحترزون عن التزوج، ويحترزون عن أكل الطَّعام الطيِّب، والهند يحرقون أنفسهم، ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، فهذان الطريقان مذمومان، والعدل هو شرعنا. وثانيها: قيل: إنه كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - في القتلِ العمد استيفاءُ القصاص لا محالة، وفي شرع عيسى - صلوات الله وسلامه عليه - العَفو، وأمَّا في شرعنا: فإن شاء استوفى القصاص، وإن شاء عفا عن الدِّية، وإن شاء عفا مطلقاً. وقيل: كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - الاحتراز العظيم عن الحائض؛ حتَّى إنَّه يجب إخراجها من الدَّار، وفي شرع عيسى صلى الله عليه وسلم حلُّ وطئها، والعدل ما حكم به شرعنا؛ وهو تحريم وطئها فقط. وثالثها: قال - تعالى-: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تفسير : [البقرة: 143] وقال - جل ذكره -: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} تفسير : [الفرقان: 67] وقال - جل ذكره -: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا ". تفسير : ورابعها: أن شريعتنا أمرت بالختان، والحكمة فيه: أن رأس الذَّكر جسم شديد الإحساس، فلو بقيت القلفة، لبقي العضو على كمال قوَّته، فيعظم الالتذاذ، أمَّا إذا قطعت الجلدة، بقي العضو عارياً، فيلقى الثياب وسائر الأجسام، فيتصلب فيضعف حسُّه ويقل شعوره، فيقلُّ الالتذاذُ بالوقاع، فتقلُّ الرغبة فيه، فأمرت الشريعة بالختان؛ سعياً في تقليل تلك اللذة، حتَّى يصير ميلُ الإنسان إلى الوقاع معتدلاً، وألاّ تصير الرَّغبة فيه داعية غالبة على الطَّبع. فالذي ذهب إليه المانويَّة من الإخصاء وقطع الآلات مذموم؛ لأنه إفراطٌ، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة، والعدل الوسط هو الختانُ. واعلم أن الزِّيادة على العدل قد تكون إحساناً، وقد تكون إساءة؛ فالعدل في الطاعات هو أداءُ الواجبات، والزيادة على الواجبات طاعاتٌ، فهي من جملة الإحسانِ؛ ولهذا قال - صلوات الله وسلامه عليه - لجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - حين سأله عن الإحسان: "حديث : أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّك تَراهُ فإن لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ ". تفسير : وسمِّي هذا المعنى بالإحسان؛ لأنه بالمبالغة في الطاعة، كأنه يحسن إلى نفسه بإيصالِ الخير والفعل الحسن، ويدخل في الإحسان التعظيم لأمر الله، والشَّفقة على خلق الله، ويدخل في الشَّفقة على خلق الله أقسامٌ كثيرة، وأعظمها: صلة الرحم؛ فلهذا أفرده - تعالى - بالذِّكر، فقال - تعالى -: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} وأما الثَّلاثة التي نهى الله عنها؛ وهي: "الفحشاء والمنكر والبغي" فنقول: إنه - تعالى - أودع في النَّفس البشرية قوى اربعة؛ وهي: الشَّهوانيَّة البهيميَّة، والغضبية والسبعيَّة، والوهميَّة الشيطانية، والعقلية الملكية. فالعقلية الملكيَّة لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها؛ لأنه من جوهر الملائكة. وأما القوَّة الشهوانية فرغبتها في تحصيل اللذَّات الشهوانية، وهذا النَّوع مخصوص بالفحشاءِ، ألا ترى أنه - تعالى - سمى الزنا فاحشة؛ فقال - جل ذكره -: {أية : إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}تفسير : [الإسراء: 32]، وقوله - تعالى -: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} المراد منه: المنع من تحصيل اللذات الشهوانيَّة. وأما القوَّة الغضبية السبعية: فهي أبداً تسعى في إيصال الشرور والأذى إلى سائر النَّاس، وهذا ممَّا ينكره الناس، فالمنكر عبارةٌ عن الإفراطِ الحاصل من آثار القوَّة الغضبيَّة. وأما القوة الوهمية الشيطانية: فهي أبداً تسعى في الاستعلاء على الناس، والترفع وإظهار الرِّياسة والتكبُّر، وذلك هو المراد من البغي؛ فإنه لا معنى للبغي إلا التَّطاول على الناس والترفُّع عليهم. قوله: "يَعِظُكمْ" يجوز أن يكون مستأنفاً في قوَّة التعليل للأمر بما تقدم، أي: أن الوعظ سبب في أمره لكم بذلك، وجوَّز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في "يَنْهَى". وفي تخصيصه الحال بهذا الفاعل فقط نظر؛ إذ يظهر جعله حالاً من فاعل "يَأمرُ" أيضاً، بل أولى؛ فإنَّ الوعظ يكون بالأوامر والنَّواهي، فلا خصوصية له بالنَّهي. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال الكعبي: دلَّت الآية على أنَّه - تعالى - لا يخلق الجور والفحشاء من وجوه: الأول: أنه - تعالى - كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم، وكيف ينهى ويريد تحصيله فيهم؟ ولو كان الأمر ما قالوه، لكان كأنَّه - تعالى - قال: إنَّما يأمركم بخلاف ما خلقه فيكم، وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم، وذلك باطلٌ في بديهة العقل. الثاني: أنه - تعالى - أمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلو أنَّه - تعالى - أمر بتلك الثلاثة، ثم إنه - تعالى - ما فعلها، لدخل تحت قوله - تعالى -: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 44]، وقوله - عز وجل -: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2، 3]. الثالث: أن قوله - تعالى -: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ليس المراد منه الترجِّي والتَّمني؛ فإن ذلك محالٌ على الله - تعالى -، فوجب أن يكون معناه: أنه - تعالى - يعظكم لإرادة أن يذكروا طاعته، وذلك يدلُّ على أنه يريد الإيمان من الكلِّ. الرابع: أنه - تعالى - لو صرَّح وقال: إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ولكنَّه يمنع منه ويصدُّ عنه، ولا يمكن العبد منه، ثم قال - تعالى -: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْيِ}، ولكنَّه يوجد كل هذه الثلاثة في العبد شاء أم أبى، وأراده منه ومنعه من تركه، ومن الاحتراز عنه؛ لحكم كل واحدٍ عليه بالرَّكاكة وفساد النظم والتركيب، وذلك يدلُّ على كونه - تعالى - منزَّهاً عن فعل القبائح. والمعتمد في الجواب مسألة العلم والدَّاعي. فصل اتَّفق المتكلِّمون من أهل السنَّة ومن المعتزلة على أن تذكُّر الأشياء من فعل الله - تعالى - لا من فعل العبد؛ لأنَّ التذكُّر عبارة عن طلب المتذكر، فحال الطَّلب إمَّا أن يكون لديه شعور أو لا يكون؛ فإن كان له شعور به، فذلك الذِّكر حاصلٌ، والحاصل لا يطلب تحصيله، وإن لم يكن له به شعور، فكيف يطلبه بعينه؛ لأنَّ توجيه الطلب إليه بعينه حال ما لا يكون بعينه متصوراً محال. إذا ثبت هذا، فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} معناه: أن المقصود من هذا الوعظ أن يقدموا على تحصيل ذلك التذكُّر، فإذا لم يكن التذكر فعلاً له، فكيف طلب منه تحصيله؟ وهذا هو الذي يحتجُّ به أهل السنَّة على أنَّ قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لا يدلُّ على أنه - تعالى - يريد ذلك منه. قوله - تعالى -: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} الآية لما جمع المأمورات والمنهيَّات في الآية الأولى على سبيل الإجمال، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام، فبدأ بذكر الوفاء بالعهد. قال الزمخشري: عهد الله: هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام؛ لقوله - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]، {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} وقيل: كل عهدٍ يلتزمه الإنسان باختياره. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: والوَعْدُ من العهد. وقال ميمون بن مهران: من عاهدته، أوْفِ بعهده مسلماً كان أو كافراً، فإنَّما وفاء العهد لله - تعالى -. وقال الأصم: المراد منه الجهاد، وما فرض الله في الأموال من حق، وقيل: عهد الله هو اليمين بالله. قال الشعبي: العهد يمين الله، وكفَّارته كفارة يمين، وإنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَنْ حَلفَ علَى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرهَا خَيْراً مِنْها فلْيَأتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ وليكفرْ عن يَمينهِ ". تفسير : واعلم أن قوله - تعالى -: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} يجب أن يكون مختصًّا بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه، ويؤيِّده قوله - عز وجل - بعد ذلك: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً}، وأيضاً: يجب ألا يحمل العهد على اليمين؛ لأنَّا لو حملناه على اليمين، لكان قوله بعد ذلك: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} تكرار؛ لأنَّ الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان؛ لأن الأمر بالفعل يستلزم النَّهي عن التَّرك؛ إلاَّ إذا قلنا: إن الوفاء بالعهد عامٌّ يدخل تحته اليمين، ثم إنَّه تعالى - خصَّ اليمين بالذِّكر؛ تنبيهاً على أنَّه أولى أنواع العهد على ما تقدَّم، يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه عهد الجهاد، وعهد الوفاءِ بالملتزمات من المنذورات والمؤكدات بالحلف. قوله: "بَعْدَ تَوكِيدهَا" متعلق بفعل النَّهي، والتَّوكيد مصدر وكَّد يُوكِّدُ بالواو وفيه لغة أخرى: أكَّد يُؤكِّدُ بالهمز، ومعناه: التقوية؛ وهذا كقولهم: أرَّخْتُ الكتابَ ووَرَّخْتهُ، وليست الهمزة بدلاً من واو كما زعم أبو إسحاق؛ لأن الاستعمالين في المادَّتين متساويان، فليس ادِّعاء كون أحدهما أصلاً أولى من الآخر، وتبع مكي الزجاج - رحمهما الله تعالى - في ذلك، ثم قال: "ولا يحسن أن يقال: الواو بدل من الهمزة، كما لا يحسن أن يقال ذلك في "أحد"، إذ أصله "وحَد" فالهمزة بدلٌ من الواو" يعني: أنه لا قائل [بالعكس]. وكذلك تبعه في ذلك الزمخشري أيضاً، و "تَوْكيدِهَا" مصدر مضافٌ لمفعوله، وأدغم أبو عمرو الدَّال في التَّاء، ولا ثاني له في القرآن، أعني: أنه لم يدغم دال مفتوحة بعد ساكنٍ إلاَّ في هذا الحرف. قوله تعالى: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ} الجملة حال: إمَّا من فاعل "تَنْقضُوا"، وإمَّا من فاعل المصدر وإن كان محذوفاً. فصل المعنى: ولا تنقضوا الأيمان بعد تشديدها فتحنثوا فيها، و {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً}: شهيداً عليكم بالوفاء. {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} قالت الحنفيَّة: يمين اللَّغو هي يمين الغموس؛ لقوله - تعالى -: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} فنهى عن نقض الأيمان فوجب أن يكون كل يمين قابلاً للبر والحنث، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث، فوجب ألا يكون من الأيمان. وقال غيرهم: هي قول الإنسان في معرض حديثه: لا والله، وبلى والله؛ لأن قوله - تعالى - {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} إنما تقال للفرق بين الأيمان المؤكَّدة بالعزم وبالعقد، وبين غيرها. واعلم أن قوله - تعالى -: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} عامٌّ دخله التخصيص؛ لما تقدَّم من قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَنْ حَلفَ على يمينٍ فَرأى غَيْرهَا خيْراً منهَا، فليَأتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وليُكفر عن يَمينهِ ". تفسير : ثم إنه - تعالى - ضرب مثلاً لنقض العهد، فقال - جل ذكره-: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ}، أي: من بعد إبرامه وإحكامه. قال الكلبيُّ ومقاتل - رحمهما الله تعالى -: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم، وتلقب بـ "جعراء"، وكانت بها وسوسة وكانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع، وصنَّارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف أو الشعر والوبر هي وجواريها، فكُنَّ يغزلنَ إلى نصف النَّهار، فإذا انتصف النَّهار، أمرتهنَّ بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا دأبها. والمعنى: أنَّها لم تكفَّ عن العمل، ولا حين عملت كفَّت عن النقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد لا كفَّيتم عن العهد، ولا حين [عهدتم] وفيتم به. وقيل: المراد بالمثل: الوصف دو التَّعيين؛ لأن القصد بالأمثال صرف المكلَّف عن الفعل إذا كان قبيحاً، والدُّعاء إليه إذا كان حسناً، وذلك يتم دون التَّعيين. قوله تعالى: "أنكاثاً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه حال من "غَزلِهَا"، والأنْكَاثُ: جمع نِكْث بمعنى منكُوث، أي: منقوض. والثاني: أنه مفعول ثان لتضمين "نَقضَتْ" معنى صيَّرت؛ كما تقول: فرقته أجزاء. وجوَّز الزجاج فيه وجهاً ثالثاً، وهو النصب على المصدرية؛ لأنَّ معنى نكثت: نقضت، ومعنى نقضت: نكثت؛ فهو ملاق لعامله في المعنى. قيل: وهذا غلط منه؛ لأنَّ الأنكاث جمع نكث، وهو اسمٌ لا مصدر، فكيف يكون قوله: "أنْكَاثاً" بمعنى المصدر؟. والأنْكَاث: الأنقاض، واحدها نِكْث؛ وهو ما نقض بعد الفتل غزلاً كان أو حبلاً. فصل قال ابن قتيبة: هذه الآية متَّصلة بما قبلها، والتقدير: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، فإنَّكم إن فعلتم ذلك، كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته، فلما استحكم، نقضته فجعلته أنكاثاً. قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ} يجوز أن يكون الجملة حالاً من واو "تكونوا"، أو من الضمير المستتر في الجارِّ؛ إذ المعنى: تكونوا مشبهين كذا حال كونكم متَّخذين، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. قوله: "دَخَلاً بَيْنكُمْ" هو المفعول الثاني لـ "تَتَّخِذُونَ"، والدَّخلُ: الفساد والدَّغل. وقيل: "دَخَلاً" مفعول من أجله، وقيل: الدَّخل: الدَّاخل في الشيء ليس منه. قال الواحدي - رحمه الله تعالى -: "الدَّخلُ والدَّغلُ: الغِشُّ والخِيانةُ". وقيل: الدَّخل: ما أدخل في الشيء على فسادٍ، وقيل: الدَّخل والدَّغل: أن يظهر الوفاء به ويبطن الغدر والنقض. وقوله تعالى: "أنْ تَكُونَ" أي: بسبب أن تكون، أو مخافة أن تكون، و "تكون" يجوز أن تكون تامة؛ فتكون "أمَّةٌ" فاعلها، وأن تَكُونَ ناقصة، فتكون "أمَّةٌ" اسمها وهي مبتدأ، و "أرْبَى" خبره، والجملة في محلِّ نصب على الحال على الوجه الأول، وفي موضع الجر على الوجه الثاني، وجوَّز الكوفيون أن تكون "أمَّةٌ" اسمها، و "هِيَ" عماد، أي: ضمير فصل، و "أرْبَى" خبر "تَكونُ"، والبصريُّون لا يجيزون ذلك؛ لأجل تنكير الاسم، فلو كان الاسم معرفة، لجاز ذلك عندهم. فصل قال مجاهد - رحمه الله -: كانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا قوماً أكثر منهم وأعزَّ، نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا الأكثر، فالمعنى: طلبتم العز بنقص العهدِ؛ بأن كانت أمة أكثر من أمةٍ، فنهاهم الله - تعالى - عن ذلك. ومعنى "أرْبَى من أمَّةٍ"؛ أي: أزيدُ في العدد، والقوَّة، والشَّرف. ثم قال - جل ذكره -: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ}، أي يختبركم الله بأمره إيَّاكم بالوفاءِ بالعهد. والضمير في "به" يجوز أن يعود على المصدر المنسبك من "أنْ تَكُونَ"، تقديره: إنَّما يَبلُوكمُ الله بكون أمَّة، أي: يختبركم بذلك. وقيل: يعود على الرِّبا المدلول عليه بقوله: "هي أرْبَى". وقيل: على الكثرة؛ لأنَّها في معنى الكثير. قال ابن الأنباري رحمه الله تعالى: لما كان تأنيثها غير حقيقي، حملت على معنى التَّذكير؛ كما حملت الصَّيحة على الصِّياح ولم يتقدم للكثرة للفظ، وإنما هي مدلول عليها بالمعنى من قوله تعالى: {هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}. ثم قال: {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} في الدُّنيا، فيميِّز المحقَّ من المبطل. قوله - تعالى-: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} الآية لما أمر القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه - تعالى - قادرٌ على أن يجمعهم على هذا الوفاء، وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنَّه - سبحانه وتعالى جل ذكره - بحكم الألوهية يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء. والمعتزلة حملوا ذلك على الإلجاء، أي: لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى الكفر، لقدر عليه، إلاَّ أنَّ ذلك يبطل التَّكليف، فلا جرم ما ألجأهم إليه، وفوَّض الأمر إلى اختيارهم، وقد تقدَّم البحث في ذلك. وروى الواحدي رحمه الله: أنَّ عزيراً قال: ربِّ، خلقت الخلق فتضلُّ من تشاء وتهدي من تشاء، فقال: يا عزير، أعرض عن هذا، فأعاده ثانياً، فقال: يا عزير أعرض عن هذا، فأعاده ثالثاً، فقال: أعرض عن هذا وإلا محوتُ اسمك من [ديوان] النبوَّة. قالت المعتزلة: ومما يدلُّ على أن المراد من هذه المشيئة مشيئته الإلجاء أنه - تعالى - قال بعده: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فلو كانت أعمال العباد بخلق الله - تعالى -، لكان سؤالهم عنها عبثاً، وتقدَّم جوابه. قوله تعالى-: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} الآية لمَّا حذَّر في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان مطلقاً، قال في هذه الآية: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} وليس المراد منه التَّحذير عن نقض مطلق الأيمان، وإلاَّ لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أو أقدموا عليها. فلهذا قال المفسرون: المراد: نهي الذين بايعوا الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - عن نقض عهده؛ لأن قوله: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} لا يليق بنقض عهد قبله، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وبشرائعه. وقوله - تعالى-: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} منصوب بإضمار "أنْ" على جواب النهي. وهذا مثل يذكر لكل من وقع في بلاءٍ بعد عافيةٍ، أو سقط في ورطة بعد سلامة، أو محنة بعد نعمة. قوله: {بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} "مَا" مصدرية، و "صَددتُّمْ" يجوز أن يكون من الصُّدود، وأن يكون من الصدِّ، ومفعوله محذوف، ونكِّرت "قدم"؛ قال الزمخشري "فإن قلت: لِمَ وحِّدث القدم ونكِّرت؟. قلت: لاستعظام أن تزلَّ قدم واحدة عن طريق الحقِّ بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟". قال أبو حيَّان: الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع، وتارة يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد، فإذا لوحظ فيه المجموع، كان الإسناد معتبراً فيه الجمعيَّة، وإذا لوحظ فيه كل فردٍ فردٍ، فإنَّ الإسناد مطابق للفظ الجمع كثيراً، فيجمع ما أسند إليه، ومطابق لكل فردٍ فرد فيفرد؛ كقوله: {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَءَاتَتْ}تفسير : [يوسف: 31] لما كان لوحظ في قوله: "لَهُنَّ" معنى لكل واحدة، ولو جاء مراداً به الجمعيَّة أو على الكثير في الوجه الثاني، لجمع المتَّكأ؛ وعلى هذا يحمل قول الشاعر: [الطويل] شعر : 3359- فإنِّي رأيْتُ الضَّامرينَ مَتاعهُمْ يَموتُ ويَفْنَى فَارضِخِي مِنْ وِعَائيَا تفسير : أي: رأيت كلَّ ضامرٍ، ولذلك أفرد الضمير في "يَموتُ ويَفْنَى"، ولمَّا كان المعنى: لا يتخذ كل واحدٍ منكم جاء "فتَزلَّ قدَمٌ" مراعاةً لهذا المعنى. ثم قال: "وتَذُوقُوا السوء" مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير، إذا قلنا: إنَّ الإسناد لكل فرد فرد، فتكون الآية قد تعرَّضت للنَّهي عن اتِّخاذ الأيمان دخلاً باعتبار المجموع، وباعتبار كل فرد فرد، ودلَّ على ذلك بإفراد "قَدمٌ" وبجمع الضمير في "وتَذُوقُواْ". قال شهاب الدين - رضي الله عنه -: وبهذا التقدير الذي ذكره أبو حيان يفوت المعنى الجزل الذي اقتنصه الزمخشري من تنكير "قَدمٌ" وإفرادها، وأمَّا البيت المذكور، فإن النحويين خرَّجوه على أن المعنى: يَموتُ من ثم ومن ذكر، وأفرد الضمير لذلك لا لما ذكر. فصل المعنى: وتذوقوا العذاب بصدِّكم عن سبيل الله، وقيل: معناه: سهَّلتم نقض العهد على النَّاس بنقضكم العهد، {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، أي: ذلك السوء الذي تذوقونه "عَذابٌ عَظيمٌ". ثم أكَّد هذا التَّحذير فقال - جل ذكره -: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضاً قليلاً من الدنيا، ولكن أوفوا بها فإنَّ ما عند الله من الثَّواب لكم على الوفاء {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فضل ما بين العوضين. ثم ذكر الدَّليل القاطع على أنَّ ما عند الله خير فقال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}، أي الدنيا وما فيها تفنى، {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} فقوله: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ} مبتدأ وخبر، والنَّفادُ: الفَناءُ والذهاب، يقال: "نَفِدَ" بكسر العين "يَنْفَدُ" بفتحها نفَاداً ونُفوداً، وأما نقذَ بالذَّال المعجمة ففعله نَفَذَ الفتح ينفذُ بالضمِّ، وسيأتي. ويقال: أنفد القوم إذا فَنِيَ زادهم، وخَصْمٌ مُنافِدٌ لينفد حجة صاحبه، يقال: نافدته فنفدته. وقوله: "بَاقٍ" تقدَّم الكلام عليه في الوقف في سورة الرعد، وهذه الآية حجة عليه. قوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ} قرأ ابن كثيرٍ، وعاصم وابن ذكوان: "وَلنَجْزينَّ" بنون العظمة التفاتاً من الغيبة إلى التكلُّم، وتقدم تقرير الالتفات. والباقون بياء الغيبة رجوعاً إلى الله - تعالى -؛ لتقدم ذكره العزيز في قوله: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}. قوله: {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ} يجوز أن يكون ["أفعل"] على بابها من التفضيل، وإذا جازاهم بالأحسن، فلأن يجازيهم بالحسن أولى. وقيل: ليست للتَّفضيل، وكأنهم فرُّوا من مفهوم أفعل؛ إذ لا يلزم من المجازاة بالأحسن المجازاة بالحسن، وهو وهمٌ، لما تقدَّم من أنَّه من مفهوم الموافقة بطريق الأولى، والمعنى: ولنجزين الذين صبروا على الوفاءِ في السَّراء والضَّراء {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. ثم إنه رغَّب المؤمنين في الإتيان بكلِّ ما كان من شرائع الإسلام؛ فقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وفيه سؤالٌ: وهو أن لفظة "مَنْ" في قوله: "مَن عَملَ" تفيد العموم، فما الفائدة في ذكر الذَّكر والأنثى؟. والجواب: أن هذه الآية للوعد بالخيراتِ، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرَّحمة، فأتى بذكر الذَّكر والأنثى للتأكيد، وإزالة الوهم بالتخصيص. قوله: "مِنْ ذَكرٍ" "مِنْ" للبيان، فتتعلق بمحذوف، أعني: من ذكرٍ، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل "عَمِلَ"، وقوله: "وهُوَ مُؤمِنٌ" جملة حاليَّة أيضاً. وهذه الآية تدلُّ على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح؛ لأنه - تعالى - جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصَّالح موجباً للثَّواب، وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء. فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أنَّ الإتيان بالعمل الصَّالح إنما يفيد الأثر بشرط الإيمان، وظاهر قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7] يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو عدمه. فالجواب: أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان، أمَّا إفادته لأثرٍ غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العذاب؛ فإنَّه لا يتوقف على الإيمان. فصل قال سعيد بن جبير - رحمه الله - وعطاء: "الحياة الطَّيِّبة: هي الرِّزقُ الحلال" وقال الحسن: هي القناعة، وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. قال القاضي: الأقرب أنها تحصل في الدنيا؛ لقوله تعالى:{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} والمراد: ما [لا] يكون في الآخرة. قوله: "ولنَجْزِينَّهُمْ" راعى معنى "مَنْ"، فجمع الضمير بعد أن راعى لفظها، فأفرد في "لنحيينه" وما قبله، وقرأ العامة: "ولنجزينه" بنون العظمة؛ مراعاة لما قبله، وقرأ ابن عامر في رواية بياء الغيبة، وهذا ينبغي أن يكون على إضمار قسم ثان، فيكون من عطف جملة قسميَّة على جملة قسمية مثلها، حذفتا وبقي جوابهما، ولا جائز أن يكون من عطف جواب على جواب؛ لإفضائه إلى [إخبار] المتكلم عن نفسه إخبار الغائب، ولا يجوز؛ لو قلت: "زيد قال: والله لأضربن هِنْداً وليَنْفِينَّهَا زَيْدٌ" لم يجز، فإن أضمرت قسماً آخر، جاز، أي: وقال: والله لينفينَّها فإن لك في مثل هذا التركيب أن تحكي لفظه، ومنه {أية : وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [التوبة: 107] وأن يحكي معناه، ومنه {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} تفسير : [التوبة: 74] ولو جاء على اللفظ، لقيل ما قلنا.

البقاعي

تفسير : ولما بين تعالى فضل هذا القرآن بما يقطع حجتهم، وكان قد قدم فضل من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، أخذ يبين اتصاف القرآن ببيان كل شيء، وتضمنه لذلك الطريق الأقوم، فقال تعالى جامعاً لما يتصل بالتكاليف فرضاً ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموماً وخصوصاً: {إن الله} أي الملك المستجمع لصفات الكمال {يأمر بالعدل} وهو الإنصاف الذي لا يقبل عمل يدونه، وأول درجاته التوحيد الذي بنيت السورة عليه، والعدل يعتبر تارة في المعنى فيراد به هيئة في الإنسان تطلب بها المساواة، وتارة في العقل فيراد به التقسيط القائم على الاستواء، وتارة يقال: هو الفضل كله من حيث إنه لا يخرج شيء من الفضائل عنه، وتارة يقال: هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر على استعماله في نفسه وفي غيره، وهو ميزان الله المبرأ من كل زلة وبه يستتب أمر العالم، وبه قامت السماوات والأرض، وهو وسط كل أطرافه جور، وبالجملة الشرع مجمع العدل، وبه تعرف حقائقه، ومن استقام على نهج الحق فقد استتب على منهج العدل - ذكره الرازي في اللوامع وفيه تلخيص، وفي آخر الجزء الخامس عشر من الثقفيات أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه: صف لي العدل، فقال: كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثل أخاً، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتعدَّى فتكون من العادين انتهى. {والإحسان} وهو فعل الطاعة على أعلى الوجوه، فالعدل فرض، والإحسان فضل، وهو مجاوزة النصفة إلى التحامل على النفس، لأنه ربما وقع في الفرض نقص فجبر بالنفل، وهو في التوحيد الارتقاء عن أول الدرجات، ومن أعلاه الغنى عن الأكوان، وتكون الأكوان في غيبتها عند انبساط نور الحق كالنجوم في انطماسها عند انتشار نور الشمس، وغايته الفناء حتى عن هذا الغنى، وشهود الله وحده، وهو التوحيد على الحقيقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه " حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" تفسير : وهو روح الإنسانية، ففي الجزء الثامن من الثقفيات حديث : عن عاصم بن كليب الجرمي قال:حدثني أبي كليب أنه شهد مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وأنا غلام أعقل وأفهم، قال: فانتهى بالجنازة إلى القبر ولما يمكن لها فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول سوّ ذا أو خذ ذا! قال: حتى ظن الناس أنها سنة، فالتفت إليهم فقال: أن هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسنتفسير : . {وإيتاء ذي القربى} فإنه من الإحسان، وهو أولى الناس بالبر، وذلك جامع للاحسان في صلة الرحم. ولما أمر بالمكارم، نهى عن المساوىء والملائم فقال تعالى: {وينهى عن الفحشاء} وهي ما اشتد تقصيره عن العدل فكان ضد الإحسان {والمنكر} وهو ما قصر عن العدل في الجملة {والبغي} وهو الاستعلاء على الغير ظلماً، وقال البيضاوي في سورة الشورى: هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتجزأ كمية أو كيفية. وهو من المنكر، صرح به اهتماماً، وهو أخو قطيعة الرحم ومشارك لها في تعجيل العقوبة "حديث : ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" تفسير : رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه ورفعه، وأصل البغي الإدارة، كأنه صار بفهم هذا المعنى المحظور - المحذور عند حذف مفعوله، لأن الإنسان - لكونه مجبولاً على النقصان - لا يكاد يصلح منه إرادة، فعليه أن يكون مسلوب الاختيار، مع الملك الجبار، الواحد القهار، فتكون إرادته تابعة لإرادته، واختياره من وراء طاعته، وعن الحسن أن الخلقين الأولين ما تركا طاعة إلا جمعاها والأخيرين ما تركا معصية إلا جمعاها. ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل والعفة والشجاعة، وزاد من الحسن ما شاء، فإن الإحسان من ثمرات العفة، والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ، نبه عليه سبحانه بقوله تعالى: {يعظكم} أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ثلاثة {لعلكم تذكرون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره، لما في ذلك من المعالي بما وهب الله من العقل، الداعي إلى كل خير، الناهي عن كل ضير، فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات، فمن كان له عقل واعتبر بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه، ويعلم أنه إن لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر، فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب الأرض، هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين، فكيف بالخالق بأن يصفه بما لا يليق به سبحانه، وعز اسمه، وتعالى جده، وعظم أمره!. ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس البحر وتعالت عن طوق البشر، عطف على ما أفهمه السياق - من نحو: فتذكروا أو فالزموا ما أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته، وبدأ بما هو مع جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل من الحجج القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم، فكانت أعظم العهود، ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق، فإذا ساروا فيها بما أمر سبحانه وتحروا رضاه علماً منهم بأنه العدل، قادهم ذلك إلى رتبة الأولين فقال تعالى: {وأوفوا} أي أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره {بعهد الله} أي الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل من التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعهأية : الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} تفسير : [الرعد:20] { أية : وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}تفسير : [البقرة:27] {إذا عاهدتم} بتقبلكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما عرف من عوائدكم، وصرحتم به عند شدائدكم {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه فقال تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان} واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى: {بعد توكيدها} وحذف الجار لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض، وذلك لا يكون إلا بالكذب الشامل له كله، بعضه بالقوة وبعضه بالفعل، ولعله جمع إشارة إلى أن المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة، لأن من فعل ذلك ولو في واحدة كان فاعلاً ذلك في الجميع، بخلاف من ينقض ما نقضه خير بالكفارة فإنه ناقض للبعض لا للكل، لأنه دائر مع الخير والأول دائر مع الهوى؛ ثم حذرهم من النقض بأنه مطلع قادر، فقال تعالى مقبحاً حالهم إذ ذاك: {وقد جعلتم الله} أي الذي له العظمة كلها {عليكم كفيلاً} أي شاهداً ورقيباً. ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه، قال تعالى مرغباً مرهباً: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم ما تفعلون *} فلم تفعلوا شيئاً إلا بمشيئته وقدرته، فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار وإن لم يصرح بالجعل، فمتى نقضتم فعل بكم فعل الكفيل القادر بالمكفول المماطل من أحد الحق والعقوبة. ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض وتقبيحه تنفيراً منه فقال تعالى: {ولا تكونوا} أي في نقضكم لهذا الأمر المعنوي {كالتي نقضت غزلها} ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد، قال تعالى: {من بعد قوة} عظيمة حصلت له {أنكاثاً} أي أنقاضاً، جمع نكث وهو كل شيء نقض بعد الفتل سواء كان حبلاً أو غزلاً، فهو مصدر مجموع من نقضت لأنه بمعنى نكثت، قال في القاموس: النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية. فيكون مثل جلست قعوداً، أي فتكونوا بفعلكم ذلك كهذه المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل في العقل، ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة بسبب أن ضررها لا يتعداها، وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين فقال تعالى: {تتخذون} أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء {أيمانكم دخلاً} أي فيضمحل كونها أيماناً إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور {بينكم} من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر، ولو كان على حذر لما نيل منه ولا جسر عليه، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل {أَن} أي تفعلون ذلك بسب أن {تكون أمة} أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها {هي} أي خاصة {أربى} أي أزيد وأعلى {من أمة} في القوة أو العدد، فإذا وجدت نفاداً لزيادتها غدرت. ولما عظم عليهم النقض، وبين أن من أسبابه الزيادة، حذرهم غوائل البطر فقال تعالى: {إنما يبلوكم} أي يختبركم {الله} أي الذي له الأمر كله {به} أي يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين "أو غيرهم" مع قدرته سبحانه على ما يريد، فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير {وليبينن لكم} أي إذا تجلى لفصل القضاء {يوم القيامة} مع هذا كله { ما كنتم} أي بجبلاتكم {فيه تختلفون *} فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات والكل بحضرته الشماء داخرون، ولديه صاغرون، ومن نوقش الحساب يهلك.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ} أي فيما نزّله تبـياناً لكل شيء وهدًى ورحمةً وبشرى للمسلمين، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجددِ والاستمرار {بِٱلْعَدْلِ} بمراعاة التوسطِ بـين طرفي الإفراطِ والتفريطِ وهو رأسُ الفضائل كلِّها يندرج تحته فضيلةُ القوةِ العقلية الملكية من الحِكمة المتوسطةِ بـين الحُرية والبَلادة، وفضيلةُ القوةِ الشهوية البهيمية من العِفة المتوسّطة بـين الخلاعة والخمود، وفضيلةُ القوة الغضبـية السبعية من الشجاعة المتوسطة بـين التهوُّرِ والجُبن، فمن الحِكم الاعتقادية التوحيدُ المتوسطُ بـين التعطيل والتشريك. نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن العدلَ هو التوحيدُ» والقولُ بالكسب المتوسّطِ بـين الجبر والقدَر، ومن الحِكم العملية التعبدُ بأداء الواجبات المتوسطِ بـين البَطالة والترهب، ومن الحِكم الخلُقية الجودُ المتوسط بـين البخل والتبذير {وَٱلإِحْسَانِ} أي الإتيانِ بما أمر به على الوجه اللائقِ وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفيةِ كما يشير إليه قولُه صلى الله عليه وسلم: « حديث : الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » تفسير : {وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي إعطاءِ الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو تخصيصٌ إثرَ تعميمٍ اهتماماً بشأنه {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء} الإفراط في مشايعة القوةِ الشهوية كالزنىٰ مثلاً {وَٱلْمُنْكَرِ} ما يُنكَر شرعاً أو عقلاً من الإفراط في إظهار آثار القوةِ الغضبـية {وَٱلْبَغْى} الاستعلاءُ والاستيلاءُ على الناس والتجبرُ عليهم وهو من آثار القوة الوهمية الشيطانيةِ التي هي حاصلةٌ من رذيلتَيْ القوتين المذكورتين الشهويةِ والغضبـية، وليس في البشر شرٌّ إلا وهو مندرجٌ في هذه الأقسام صادرٌ عنه بواسطة هذه القُوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: « حديث : هي أجمعُ آيةٍ في القرآن للخير والشر »تفسير : ، ولو لم يكن فيه غيرُ هذه الآية الكريمة لكفَتْ في كونه تبـياناً لكل شيءٍ وهدى (ورحمة) {يَعِظُكُم} بما يأمر وينهى، وهو إما استئنافٌ وإما حالٌ من الضميرين في الفعلين {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} طلباً لأن تتعظوا بذلك. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} هو البَـيعةُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها مبايعةٌ لله سبحانه لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10] {إِذَا عَـٰهَدتُّمْ} أي حافظوا على حدود ما عاهدتم الله عليه وبايعتم به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ} التي تحلِفون بها عند المعاهدة {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} حسبما هو المعهودُ في أثناء العهودِ لا على أن يكون النهيُ مقيداً بالتوكيد مختصاً به {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} شاهداً رقيباً، فإن الكفيلَ مُراعٍ لحال المكفول به محافظٌ عليه {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} من نقض الأيمان والعهودِ فيجازيكم على ذلك.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ}[90] قال: العدل قول لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والاقتداء بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، {وَٱلإحْسَانِ}[90] أن يحسن بعضكم إلى بعض، {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ}[90] أي من رزقه الله فضلاً فليُعطِ من استرعاه الله أمره من أقاربه، و {ٱلْفَحْشَاءِ}[90] الكذب الغيبة والبهتان، وما كان من الأقوال، {وَٱلْمُنْكَرِ}[90] ارتكاب المعاصي، وما كان من الأفعال، {يَعِظُكُمْ} [90] يؤدبكم بألطف أدب، وينبهكم بأحسن الانتباه، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[90] أي تتعظون وتنتهون. قال سهل: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} [الآية: 90]. قال بعضهم: العدل والإحسان ما استطاعهما آدمى قط لأن الله تعالى يقول: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 129] فكيف يستطيع أن يعدل بينه وبين الله تعالى فى استيفاء نعمه وتضييع وعظه وحكمه، وليس من العدل أن تَفتُر عن طاعة من لا يَفتُر عن بِرِّك والإحسان هو الاستقامة إلى الموت وهو أن تعبد الله كأنك تراه كالمروى عن النبى صلى الله عليه وسلم. وقال عليه السلام: "استقيموا ولن تحصوا". أخبر أنه لا يقدر أحد أن يعدل بين خلقه، فكيف يعدل بينه وبين ربه. والفحشاء: هو الاستهانة بالشريعة {وَٱلْمُنْكَرِ} هو الإصرار على الذنوب {ٱلْبَغْيِ} ظلم العباد وظلمه على نفسه أفظع. قال النيسابورى: ليس من العدل المقابلات بالمجاهدات، والعدل: رؤية المنة منه قديمًا وحديثًا. والإحسان الاستقامة بشرط الوفاء إلى الأبد؛ لذلك قال: استقيموا ولن تحصوا. قال سهل: العدل: قول: لا إله إلا الله. والإحسان: إحسانك إلى من استرعاك الله أمره، والفحشاء: الكذب والغيبة والبهتان وما كان من الأقوال. والمنكر: ارتكاب المعاصى وما كان من الأفعال، {يَعِظُكُمْ}: يؤدبكم باللطف والأدب، وينبهكم أحسن أنبائه، {لَعَلَّكُمْ} تتعظون: أى تنتهون. وقال بعضهم: العدل استقامة القلب، والإحسان: لزوم النفس لكل مستحسن من الأقوال والأفعال. وقيل: العدل: اعتدال القلب مع الحق، والإحسان: لزوم النفس المعاملة على رؤية الحق. وقيل: العدل: هو التوحيد، والإحسان: أداء الفرائض. وإيتاء ذى القربى: صلة الرحم، وينهى عن الفحشاء: الرياء والمنكر والمعاصى، والبغى: الظلم. قال سفيان بن عيينة: العدل الإنصاف، والإحسان التفضل.

القشيري

تفسير : العدل ما هو صواب وحسن، وهو نقيض الجور والظلم. أمر اللَّهُ الإنسانَ بالعدل فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين الخَلْق؛ فالعدلُ الذي بينه وبين نفسه مَنْعُها عما فيه هلاكُها، قال تعالى: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}تفسير : [النازعات: 40]، وكمالُ عدلِه مع نفسه كيُّ عُروقِ طمعِه. والعدلُ الذي بينه وبين ربِّه إيثارُ حقِّه تعالى على حظِّ نفسه، وتقديمُ رضا مولاه على ما سواه، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر. أو العدل الذي بينه وبين الخَلْق يكون ببذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف بكل وجه وألا تَشِيَ إلى أحد بالقول أو بالفعل، ولا بِالهَمِّ أو العزم. وإذا كان نصيبُ العوام بَذْلَ الإنصافَ وكَفَّ الأذى فإِنَّ صفةَ الخواص تَرْكُ الانتصاف، وإسداءُ الإِنْعَام، وتَرْك الانتقام، والصبرُ، على تَحَمُّلِ، ما يُصيبُكَ من البلوى. وأما الإحسان فيكون بمعنى العلم - والعلمُ مأمورٌ به - أي العلم بحدوثِ نَفْسه، وإثباتِ مُحْدِثه بصفات جلاله، ثم العلم بالأمور الدينية على حسب مراتبها. وأما الإحسانُ في الفعل فالحَسَنُ منه ما أمر الله به، وأَذِنَ لنا فيه، وحَكَمَ بمدح فاعله. ويقال الإحسان أن تقوم بكل حقِّ وَجَبَ عليك حتى لو كان لطيرٍ في مِلكِك، فلا تقصر في شأنه. ويقال أن تَقْضِيَ ما عليك من الحقوق وألا تقتضِيَ لك حقاً من أحد. ويقال الإحسان أن تتركَ كل ما لَكَ عند أحد، فأما غير ذلك فلا يكون إحساناً. وجاء في الخبر: " حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" تفسير : وهذه حال المشاهدة التي أشار إليها القوم. قوله: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} إعطاء ذي القرابة، وهو صلةُ الرَّحِمِ، مع مُقاساةِ ما منهم من الجَوْرِ والجفاءِ والحَسَدِ. {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ}: وذلك كلُّ قبيح مزجورٍ عنه في الشريعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله يأمر} فى القرآن {بالعدل} بان لا تظلموا انفسكم وغيركم ولا تجوروا اى بالتسوية فى الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وايصال كل حق الى ذى حقه أو يأمر بمراعاة التوسط بين الامور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين الجبر والقدر وكذا القول بان الله لا يؤاخذ عبده المؤمن بشئ من الذنوب مساهلة عظيمة والقول بانه يخلده فى النار بالمعاصى تشديد عظيم والعدل مذهب اهل السنة وعملا كالتعبد باداء الفرائض والواجبات المتوسطة بين البطالة والترهب وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير والشجاعة المتوسطة بين التهور والجبن والواجب معرفة الوسط فى كل شئ فان القصد ممدوح والافراط والتفريط مذمومان وقال صلى الله عليه وسلم لمن سأله مستشيراً فى الترهيب وصيام الدهر وقيام الليل كله بعد زجره اياه "حديث : ان لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا فصم وافطر وقم ونم"حديث : ولما رأى صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه يقرأ رافعا صوته فسأله فقال اوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال عليه السلام "اخفض من صوتك قليلا" واتى ابا بكر رضى الله عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال قد اسمعت من ناجيت فقال عليه السلام له "ارفع من صوتك قليلا"تفسير : ومثله الامام فانه لا يجهر فوق حاجة الناس ولا يخافت خافضا صوته بحيث يشتبه عليهم تلاوته فيراعى بين ذلك حدا وسطا والا فهو مسيئ. وفى التأويلات النجمية العدل صرف ما اعطاك الله من الآلات الجسمانية والروحانية ومن الاموال الدنيوية ومن شرائع الدين واعماله فى طلب الله والسير منك به اليه لان صرفه فى طلب غيره ظلم: قال الحافظ. شعر : فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد تفسير : {والاحسان} وان تحسنوا الاعمال مطلقا لقوله عليه السلام"حديث : ان الله كتب الاحسان فى كل شئ " تفسير : وعن فضيل انه قال لو احسن الرجل الاحسان كله وكان له دجاجة فاساء اليها لم يكن من المحسنين - روى - ان امرأة عذبت فى هرة حبستها ولم تطعمها الى ان ماتت. وامرأة رحمها الله وغفر لها بسبب ان سقت كلبا عطشان بخفها - وحكى - ان حضرة الشيخ الشبلى رحمه الله مر فى بعض طرق بغداد بهرّه ترعد من برد الهواء فاخذها وجعلها فى كمه رحمة لها فكان ذلك سبب قبوله عند الله ووصلوه الى درجة الولاية ويدخل فيه العفو عن الجرائم والاحسان الى من اساء شعر : هركه سنكت دهد ثمر بخشش تفسير : والصبر على الاوامر والنواهى واداء النوافل فان الفرض لا بد من ان يقع فيه تفريط فيجبره الندب وفى الحديث "حديث : حسنوا نوافلكم فبها تكمل فرائضكم"تفسير : وفى المرفوع "حديث : النافلة هدية المؤمن الى ربه فليحسن احدكم هديته وليطيبها"تفسير : كما فى المقاصد الحسنة. وايضا الاحسان هو المشاهدة كما قال عليه السلام "حديث : الاحسان ان تعبد الله كأنك تراه وان لم تكن تراه فانه يراك"تفسير : وليست المشاهدة رؤية الصانع بالبصر وهو ظاهر بل المراد بها حالة تحصل عند الرسوخ فى كمال الاعراض عما سوى الله وتمام توجهه الى حضرته بحيث لا يكون فى لسانه وقلبه وهمه غير الله وسميت هذه الحالة المشاهدة لمشاهدة البصيرة اياه تعالى كما اشار اليها بعض العارفين بقوله شعر : خيالك فى عينى وذكرك فى فمى وحبك فى قلبى فاين تغيب تفسير : كذا في الرسالة الرومية. وفى التأويلات النجمية الاحسان ان تحسن الى الخلق بما اعطاك الله واراك سبل الرشاد فترشدهم وتسلك بهم طريق الحق للوصول او الوصال يدل عليه قوله تعالى "حديث : احسن كما احسن الله اليك"تفسير : انتهى. وايضا العدل الاعراض عما سوى الله والاحسان الاقبال على الله {وايتائ ذى القربى} القربى بمعنى القرابة اى اعطاء الاقارب ما يحتاجون اليه من الماء والدعاء بالخير وهو داخل فى الاحسان وانما افرد بالذكر اظهارا لجلاله صلة الرحم وتنبيها على فضيلتها كقوله تعالى {أية : تنزل الملائكة والروح}تفسير : والرحم عام فى كل رحم محرما كان او غير محرم وارثاً كان او غير وارث من اولاد الاعمام والعمات والاخوال والخالات وغير ذلك وقطع الرحم حرام موجب لسخط الله وانقطاع ملائكة الرحمة عن بيت القاطع والصلة واجبة باعثة على كثرة الرزق وزيادة العمر سريعة التأثر ومعناها التفقد بالزيارة والاهداء والاعانة بالقول والفعل وعدم النسيان واقله التسليم وارسال السلام او المكتوب ولا توقيت فيها فى الشرع بل العبرة بالعرف والعادة كما فى شرح الطريقة. قال الكاشفى [در فصول عبد الوهاب فرموده كه عدل توحيد است ومحبت خداى واحسان دوستى حضرت بيغمبر وفرستادن صلوات برو وايتاء ذى القربى محبت اهل بيت است] ودعاء اصحابه رضى الله عنهم. وفى التأويلات النجمية اقرب القربى اليك نفسك فصلة رحمها ان تنجيها من المهالك وترجع بها الى مالك الممالك {وينهى عن الفحشاء} عن الذنوب المفرطة فى القبح قولا وفعلا كالكذب والبهتان والاستهانة بالشريعة والزنى واللواطة ونحوها وفى التأويلات هى ما يحجبك عن الله ويقطعك عنه اياما كان من مال او ولد او نحوهما فانه لا اقبح من الانقطاع عن الله ومثله اسبابه فان ما يجر الى الاقبح اقبح والعياذ بالله تعالى {والمنكر} وعما تنكره النفوس الزاكية السليمة ولا ترتضيه كما فى بحر العلوم او هو الشرك او مما لا يعرف فى شريعة ولا سنة او الاصرار على الذنب او ما اسخط الله تعالى. وفى التأويلات ما ينكر به عليك من اضلال اهل الحق واغوائهم واحداث البدع واثارة الفتن كما فى اهالى هذا الزمان خصوصا متصوفهم {والبغى} والظلم والاستيلاء على الناس والتطاول عليهم بلا سبب وتجسس عيوبهم وغيبتهم والطعن عليهم والتجاوز من الحق الى الباطل ونحو ذلك. وفى التأويلات هو ما ثار من سورة صفات نفسك فيصيب الخلق منك ما يضرهم ويؤذيهم [وآثر بقوت رياضت ببايد شكست ناقواعد سلوك درستى يابد زيرا بحكم اعدى عدوك بدترين دشمن نفس است] شعر : اين سك نفس شوم وبد ككاره كه دراغوش تست همواره بدترين قاصديست جان ترا مى خورد مغز استخوان ترا بيشتر كرترا ببندد جست محكمش بندكن كه دشمن تست تفسير : [در لطائف التقرير در تفسير اين آيت أورده كه استقامت ملك بسه جيزبود واضطراب اين به جيز منهى عنه وهريك ازيناها ثمره بس ثمره عدل نصر تست ونتيجه احسان ثنا ومدحست وفائدة صله رحم انس والفت اما نتيجه فحشاء فساد دين وثمره منكر برانكيحتن اعداء وحاصل بغى محروم ما ندن ازمتمنى]{يعظكم} [بند مبدهد خدى تعالى شمارا] يعنى بامر هذا المستحسنات ونهى هذه المستقبحات {لعلكم تذكرون} طلبا لان تتعظوا تأتمروا بالامر وتنتهوا بالنهى. وقد امر الله تعالى فى هذه الآية بثلاثة اشياء ونهى عن ثلاثة اشياء وجمع فى هذه الاشياء الستة علم الاولين والآخرين وجميع الخصال المحمودة والمذمومة ولذلك قال ابن مسعود رضى الله عنه هى اجمع آية فى القرآن للخير والشر ولذا يقرأها كل خطيب على المنبر فى آخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل مأمور ومنهى كما فى المدارك وحين اسقطت من الخطب لعنة اللاعنين لعلى امير المؤمنين رضى الله عنه اقيمت هذه الآية مقامها كما فى بحر العلوم. وقال الامام السيوطى فى كتاب الوسائل الى معرفة الاوائل اول من قرأ فى آخر الخبطة "حديث : ان الله يأمر بالعدل والاحسان"تفسير : الخ عمر بن عبد العزيز ولزمها الخطباء الى عصرنا هذا تولى عمر الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة اشهر وكان صاحب المائة الاولى بالاجماع. وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ "أية : ق"تفسير : اى فى آخر الخطبة. وكان عمر ابن الخطاب رضى الله عنه يقرا اذا الشمس كورت الى قوله ما احضرت. وكان عثمان بن عفان رضى الله عنه يقرأ آخر سورة النساء يستفتونك الآية. وكان على بن ابى طالب رضى الله عنه يقرأ الكافرون والاخلاص ذكر ذلك ابن الصلاح. يقول الفقير انظر ان كلا منهم اختار ما يناسب الحال والمقام بحسب اختلاف الزمان والا لكفى لهم الاقتداء بالنبى عليه السلام فى تلاوة سورة "ق" ومنه يعرف استحباب الترضية والتصلية فانها كانت بحسب المصلحة المقتضية لها وهى رد الروافض ومن يتبعهم فى البغض ولا شك ان مثل ذلك من مهمات الدين فليس هذا بمنكر وانما المنكر ترجيعات المؤذنين ولحون الائمة والخطباء بحيث يحرفون الكلم عن مواضعه رعاية للنغمات والمقامات الموسيقية نعم قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره اذا كان الذكر بنغمة لذيذة فله فى النفس اثر للصورة الحسنة فى النظر. واول من قرأ فى الخطبة ان الله وملائكته يصلون على النبى الآية المهدى العباسى وعليه العمل فى هذا الزمان اى فى الخطب المطولة واما فى الخطب المختصرة لبعض العارفين فليس ذلك فيه لكن المؤذن يقرأه عند خروج الخطيب. والاحوط فى هذا الزمان ان يقرا عنده ما اختاره حضرة الشيخ وفا قدس سره وهو عن ابى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا قلت لصاحبك انصت يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت فاستمعوا وانصتوا رحمكم الله"تفسير : وذلك لان اكثر المؤذنين اعتادوا فى الآية المذكورة ما يخرجها عن القرآنية من اللحن الفاحش ولنبك على غربة الدين ووحشة اهل اليقين وظهور البدع بين المسلمين.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنَّ الله يأمر بالعدل} أي: التوحيد، أو الإنصاف، أو فعل الفرائض، {والإحسانِ}، وهو: فعل المندوبات. وذلك في حقوق الله تعالى، وفي حق عباده، أو العدل في الأحكام، كل واحد فيما ولي فيه؛ "كلكم راع". والإحسان إلى عباد الله بَرهم وفَاجرهم. قال ابن عطية: العدل: هو فعل كل مفروض؛ من عقائد وشرائع، وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف، وإعطاء الحق. والإحسان هو: فعل كل مندوب إليه. وقال البيضاوي: {إن الله يأمر بالعدل}: بالتوسط في الأمور؛ اعتقادًا، كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب، المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملاً، كالتعبد بأداء الواجبات، المتوسط بين البطالة والترهب، وخُلُقًا، كالجود المتوسط بين البخل والتبذير، والإحسان: إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية، كالتطوع بالنوافل، أو بحسب الكيفية، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " تفسير : {وإيتاء ذي القربى}: وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو تخصيص بعد تعميم؛ للمبالغة. {وينهى عن الفحشاء}: عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية، كالزنى؛ فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها، {والمنكر}: ما ينكر على متعاطيه في إيثاره القوة الغضبية، {والبغي}: الاستعلاء والاستيلاء على الناس، والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام، صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: "هي أجمع آية في القرآن للخير والشر". وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون، فلو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء، وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقب قوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء}؛ للتنبيه عليه. هـ. وفي القوت: هي قطب القرآن. هـ. وعن عثمان بن مظعون: أنه قال: لَمَّا نزلت هذه الآية؛ قرأتُها على أبي طالب، فعجب، وقال: آلَ غالبٍ، اتبعوه تُفلحوا، فوالله إن الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق. هـ. قال ابن عطية: {وإيتاء ذي القربى}: لفظ يقتضي صلة الرحم، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، وتركه مبهمًا أبلغ؛ لأن كل من وصل في ذلك إلى غاية - وإن علت - يرى أنه مقصر، وهذا المعنى المأمور به في جانب ذي القربى داخل تحت العدل والإحسان، لكنه تعالى خصه بالذكر؛ اهتمامًا به وحضًا عليه. هـ. {يَعِظُكُم} بما ذكر من التمييز بين الأمر والنهي، والخير والشر، {لعلكم تذكَّرون}: تتعظون فتنهضون إلى ما أمرتكم به وندبتكم إليه، وتنكفوا عما نهيتكم عنه وحذرتكم منه. الإشارة: {إن الله يأمر بالعدل}؛ بالتوسط في الأمور كلها، كالتوسط في السير والمجاهدة؛ فإن الإسراف يوقع في الملل، قال - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : لا يكن أحدكم كالمنبت؛ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقىتفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: "حديث : إنَّ اللهَ لا يملَ حتى تَملواتفسير : . والله ما رأيت أحداً أسرف في الأحوال فوصل إلى ما قصد، إلا النادر، وخير الأمور أوسطها. ويأمر بالإحسان، وهو: مقام الشهود والعيان. {وإيتاء ذي القربى}؛ قرابة الدين، وهم: الإخوان في الله، ما يستحقونه من النصح والإرشاد، {وينهى عن الفحشاء }: الركون لغير الله، {والمنكر}: التكبر على عباد الله، {والبغي}: ظلم أحد من خلق الله، من الفيل إلى الذرة. وقال في الإحياء: بين التبذير والإقتار المذمومين وسط، وهو المحمود المأمور به، والواجب منه شيئان: واجب بالشرع، وواجب بالمروءة. والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحدًا منهما فهو بخيل، كالذي يمنع أداء الزكاة، ويمنع أهله وعياله النفقة، أو يؤديها لا بطيب نفسه، بل بتكلف، ومشقة. وكالذي يتيمم الخبيث من ماله، ولا يعطي من أطيبه وأوسطه، فهذا كله بُخل. وأما واجب المروءة فهو: ترك المضايفة والاستقصاء في المحقرات، وذلك يختلف؛ فيستقبح من الغني ما لا يستقبح من الفقير، ويستقبح من الرجل مع أقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب، وكذلك الجار والمماليك والضيف. هـ. وقال الورتجبي: إن الله تعالى دعا عباده إلى الاتّصاف بصفته، منها: العدل والإحسان والشفقة والرحمة، والقدس، والطهارة عما لا يليق به. فهو العادل والمحسن، والرحمن الرحيم، غير ظالم جائر، وهو مُنزه عن جميع العلل، فمن كُسِي أنوار هذه الصفات، بنعت الذوق والمباشرة، واستحلى تربيتها يخرج عادلاً محسنًا، رؤوفًا رحيمًا، طاهرًا مطهرًا، صادقًا مصدقًا، وليًا، حبيبًا محبوبًا، مريدًا مرادًا، مُراعَى محفوظًا، يعدل بنفسه فيدفعها عن الشك والشرك، ورؤية الغير وطلب العوض في العبودية، ويأخذ منها الإنصاف بينها وبين عباد الله، ويحسن إلى من أساء إليه، ويعبد الله بوصف الرؤية وشهود غيبه، ويراعي ذوي القرابة، في المعرفة والمحبة؛ من المريدين والصادقين، ويرحم الجهال من المسلمين، وينهى نفسه عن مباشرة فواحش الأنانية، ومباشرة الهوى والشهوة، ويدفعها عن الظلم؛ باستكباره عن العبودية، ويأمرها بإذعانها عند تراب أقدام أولياء الله؛ لتكون مطمئنة في عبودية الحق، ذاكرة لسلطان ربوبيته، وقهر جبروته وملكوته وإحاطته بكل ذرة، وفناء الخليقة في حقيقته. هـ. ومن مكارم الأخلاق الداخلة تحت العدل الوفاء بالعهد

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن نفسه {إن الله يأمر بالعدل} يعنى الانصاف بين الخلق، وفعل ما يجب على المكلف و {الإحسان} الى الغير، ومعناه يأمركم بالاحسان، فالأمر بالاول على وجه الإيجاب، وبالاحسان على وجه الندب. وفي ذلك دلالة على ان الامر يكون أمراً بالندوب اليه دون الواجب، {وإِيتاء ذي القربى} اي وأمرك باعطاء ذي القربي، ويحتمل امرين: احدهما - صلة الارحام، فيكون ذلك عاماً في جميع الخلق. والثاني - ان يكون أمراً بصلة قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين أرادهم الله بقوله {أية : فإِن لله خمسه وللرسول ولذي القربى}تفسير : على ما بيناه فيما قبل وقوله {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} انما جمع بين الاوصاف الثلاثة في النهي عنها مع ان الكل منكر فاحش، ليبين بذلك تفصيل ما نهى عنه، لان الفحشاء قد يكون ما يفعله الانسان في نفسه مما لا يظهر أمره ويعظم قبحه. والمنكر ما يظر للناس مما يجب عليهم إِنكاره، والبغي ما يتطاول به من الظلم لغيره، ولا يكون البغي إِلا من الفاعل لغيره، والظلم قد يكون ظلم الفاعل لنفسه. وروي عن ابي عيينة، أنه قال: العدل هو استواء السريرة والعلانية، والاحسان ان تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر ان يكون علانيته أحسن من سريرته. ثم بين تعالى أنه يعظ بما ذكره خلقه، لكي يذكروا ويتفكروا، ويرجعوا الى الحق. ثم أمر تعالى خلقه بأن يفوا بعهده اذا عاهدوا عليه، والعهد الذي يجب الوفاء به: هو كل فعل حسن اذا عقد عليه، وعاهد الله ليفعلنه بالعزم عليه، فانه يصير واجباً عليه، ولا يجوز له خلافه، ثم يكون عظم النقض بحسب الضرر به، فأما اذا رأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفّر، عند الفقهاء. وقال اصحابنا: اذا وجد خيراً منه فعل الخير، ولا كفارة عليه، وهذا يجوز فيما كان ينبغي ان يشرط، فأما اذا أطلقه وهو لا يأمن ان يكون غيره خير منه فقد أساء باطلاق العقد عليه. ثم قال {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} نهي منه تعالى عن حنث الأيمان بعد عقدها وتأكيدها، يقال أكدته تأكيداً ووكدته توكيداً، والأصل الواو. وانما أبدلت الهمزة منها كما قالوا: وقيت في أوقيت. وفي الآية دلالة على ان اليمين على المعصية غير منعقدة، لانها لو كانت منعقدة لما جاز نقضها، وأجمعوا على أنه يجب نقضها، ولا يجوز الوفاء بها، فعلم بذلك ان اليمين على المعصية غير منعقدة. والنقض في المعاني يمكن في ما لا يجوز ان يصح مع خلافه، بل إِن كان حقّاً فخلافه باطل، وإِن كان باطلاً فخلافه حق، نحو إِرادة الشيء وكراهته، والأمر بالشيء والنهي عنه والتوبة من الشيء والعود فيه وما أشبه ذلك. وقوله {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} اي حسيباً فيما عاهدتموه عليه {إِن الله يعلم ما تفعلون} من نقض العهد والوفاء به، وذلك تهديد ووعيد بأن يجازي على ما يكون منكم على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. وقيل: إِن الآية نزلت في الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام. وقال بعضهم نزلت في الحلف الذي كان عليه أهل الشرك، فأمروا في الاسلام بالوفاء به ذكره ابن زيد.

الجنابذي

تفسير : بيان العدل {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} العدل التّوسّط بين طرفى الافراط والتّفريط فى جملة الامور، او وضع كلّ شيءٍ موضعه، وهو يحصل بمعرفة تفاصيل الاشياء بمراتبها ومقاماتها ودقائق استحقاقاتها بحسب تعيّناتها واعطاء كلّ ما تستحقّه بحسب اقتضاء طبائعها فى التّكوينيّات واقتضاء افعالها فى التّكليفيّات وهو يقتضى السّياسات واجراء الحدود والامر بالمعروف والنّهى عن المنكر وتهديد المعرض وترغيب الرّاغب وهذا شأن الصّدور والقلب من جهتهما الخلقيّة حالكونهما مستنيرين بنور الرّسالة والنّبّوة بالاتّصاف بهما او بالاتّصال بهما ولذلك فسّر العدل فى اخبارنا بمحمّد (ص) لاختصاص النّبوّة والرّسالة به (ص) فى زمان التّخاطب وصحّ تفسيره بالنّبوّة والرّسالة وبوضع كلّ شيءٍ موضعه وبالتّوسّط بين الافراط والتّفريط فى جملة الامور {وَٱلإحْسَانِ} الاحسان امّا بمعنى صيرورة الانسان ذا حسنٍ او بمعنى ايصال المعروف مع اغماض النّظر عن الاستحقاق، والمناسب ههنا المعنى الثّانى لاعتبار الاضافة الى الغير فى العدل وفى ايتاء ذى القربى لكونه بعد العدل الّذى هو اعتبار الاستحقاق فى الاعطاء، والاحسان بهذا المعنى شأن الرّوح والقلب من جهته الرّوحيّة وهو شان الولاية، ولذلك فسّر فى الاخبار بعلىٍّ (ع) وصحّ تفسيره بالولاية من حيث الاتّصاف بها او من حيث الاتّصال بها {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} تخصيص بعد تعميم للعدل والاحسان باعتبار المتعلّق لاختصاص ذى القربى بمزيد رجحانٍ، وذو القربى اعمّ من القرابات الرّوحانيّة والجمسانيّة فى العالم الكبير والعالم الصّغير كما انّ متعلّق العدل والاحسان اعمّ ممّا فى العالم الكبير والصّغير ولمّا كان المستحقّ لاداء امانة الخلافة اصل ذوى القربى، ورد انّ المراد اداء امامٍ الى امامٍ {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} الفعل الّذى يعدّه العقلاء اى اصحاب الشّرع فاحشاً من غير اعتبار التّعدّى الى الغير مقابل العدل {وَٱلْمُنْكَرِ} اى الفعل المتعدّى الى الغير الّذى يعدّه الشّارعون قبيحاً ضدّ المعروف مقابل الحسان {وَٱلْبَغْيِ} التّطاول على النّاس او الخروج من طاعة العقل وعدم الانقياد لذى القربى مقابل ايتاء ذى القربى خصوصاً على تفسير ذى القربى بائمّه الهدى (ع) {يَعِظُكُمْ} ينصحكم ويبيّن ما ينفعكم ويضرّكم {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قيل لو لم يكن فى القرآن غير هذه الآية لصدق عليه انّه تبيان كلّ شيءٍ.

فرات الكوفي

تفسير : {إِن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى90} فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر [محمد بن علي. أ، ب] عليهما السلام قال: كنت معه جالساً فقال لي: إِن الله [تعالى. ر] يقول: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإِيتاء ذي القربى} قال: العدل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإحسان [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] وإِيتاء ذي القربى فاطمة [الزهراء. ر] عليها السلام. فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {إِن الله يأمر بالعدل والإحسان وإِيتاء ذي القربى} قال: العدل النبي والإحسان علي بن أبي طالب وذي القربى فاطمة عليهم الصلاة والسلام. فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام {إِن الله يأمر بالعدل والإحسان وإِيتاء ذي القربى} قال: العدل رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] والإحسان علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب] وذي القربى فاطمة وأولادها [عليهم السلام. أ].

الأعقم

تفسير : {إن الله يأمر بالعدل والإِحسان وإيتاء ذي القربى} أراد الإِحسان بالأموال والأخلاق الحسنة والإِرشاد والسعي الجميل، وقيل: العدل بالتوحيد، والإِحسان أداء الفرائض، وقيل: العدل في معاملة غيرك، والإِحسان إلى نفسك فلا تلقيها في العذاب، وإيتاء ذي القربى إعطاء ذي القربى حقهم بِصِلة رحمهم {وينهى عن الفحشاء} كل قبيح {والمنكر} ما ينكر الشرع {والبغي} الظلم والمكر، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية على الوليد فقال: يابن أخي أعد، فأعاد، فقال: إن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة، وأن أعلاه لمثمر وأن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، فقال عثمان بن مظعون: فأخبرت أبا طالب فقال: يا معشر العرب اتبعوا ابن أخي ترشدوا وتفلحوا {وأوفوا بعهد الله} هي البيعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الاسلام، وقيل: هو الإِيمان، وقيل: هو ما يلزم فعله {ولا تنقضوا الأيمان} أي لا تحنثوا فيها لما في الحنث من هتك الحرمة {بعد توكيدها} بعد تشديدها {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} قيل: شهيداً على الوفاء بذلك {إن الله يعلم ما تفعلون} {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً} أنقاضاً قيل: هي ريطة بنت سعيد وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع، وصنارة قدر أصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقض ما غزلن، يعني لا تكونوا في نقض الايمان كالمرأة التي اتخذت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته أنكاثاً {تتخذون أيمانكم} يعني ولا تنقضوا ايمانكم فتتخذونها {دخلاً بينكم} أي مفسدة ودغلاً {أن تكون أمة هي أربى من أمة} أي تكون جماعة أكثر من جماعة عدد فتحلفون معهم وتنقضون الأَيمان، وقيل: لا تنقضوا الأَيمان إذا رأيتم عدد الأعداء أكثر كما فعلته قريظة حالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونقضوا عهده {إنما يبلوكم الله به} أي يختبركم بالوفاء بالعهد، معناه يعاملكم معاملة المختبر ليقع الجزاء بالعمل {وليبينن لكم يوم القيامة} أي يخبركم بحقيقة {ما كنتم فيه تختلفون} {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} حنيفية مسلمة على طريقة الالجاء والاضطرار، وهو قادر على ذلك، يعني فتصيرون على مذهب واحد لا تختلفون في شيء {ولكن يضل من يشاء}، قيل: يعاقب من يشاء، وقيل: يخذل من علم أنه يختار الكفر {ويهدي من يشاء} وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الايمان {ولتسألن عما كنتم تعملون} {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم} يعني لا تتخذوا الإِيمان مكراً وخديعة وفساداً لأنهم يسكنون إلى ذلك {فتزل قدم بعد ثبوتها} فتهلكوا بعد ما كنتم آمنين، فثبوت القدم عبارة عن الأمن وزوالها عن الهلاك، وقيل: هي كناية عن الإِحباط {وتذوقوا السوء} أي العذاب {بما صددتم} بصدكم وإعراضكم {ولا تشتروا بعهد الله}، قيل: عهده لما أمر به من التناصر والتعاون والعمل بطاعته، أي لا تأخذوا على ذلك شيئاً من دينكم، وقيل: لا تنقضوا عهودكم التي تعاهدون تبتغون بنقضها ثمناً قليلاً من مال وغيره {إنما عند الله هو خير لكم} يعني ما يعطيكم الله مما أعدّ لكم على الوفاء بالعهد خير لكم من حطام تجمعونه {إن كنتم تعلمون} أن الآخرة خيرٌ والله أعلم {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن}، قيل: العمل الصالح الطاعات والايمان {فلنحيينّه حياة طيبةً}، قيل: الرزق الحلال، وقيل: القناعة والرضا عن الله في العسر واليسر، وقيل: الجنة والثواب الدائم، وقيل: حياة طيبة في القبر، وعن ابن عباس: الحياة الطيبة الرزق، وقيل: الحياة الطيبة الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} الإِتيان بالقدر الواجب من الطاعات فإِن نقص منه كان النقص جورا وهو ضد العدل والجور الميل عن الحق {وَالإِحْسَانِ} التأَنق فى الواجب والاجتهاد فى تصفيته والنفل هذا ما ظهر لى فى العدل والإِحسان. وقال ابن عيينة العدل استواء السر والعلانية والإِحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته وقيل العدل الإِنصاف والمساواة فى الأَقوال والأَفعال والإِحسان أن تعفو عمن ظلمك وتحسن إِلى من أساء إِليك والمنكر أن تسىء إِلى من أحسن إِليك وقيل العدل التوسط فى الأُمور اعتقادا وعملا وخلقا فالاعتقاد كالتوحيد فإِنه متوسط بين جحود الله وإِشراك غيره به تعالى، وكقولنا بأَن المخلوق كاسب لأَفعاله والله مقدر وخالق لها فإِنه متوسط بين القول بأَن المخلوق مجبر على فعله والقول بأَنه خالق له والعمل كالتعبد بآداء الواجبات وهو متوسط بين البطالة والترهب وهو خروجك عن المباحات كلها إِلا القدر الذى لابد منه خوفا من الله جل جلاله وهذا لا يحسن لهذه الأُمة بل لا يجوز لأَن منها ترك التزوج اللهم إِلا إِن جاز لمن قدر عليه فى مثل هذا الزمان والخلق كالجحود فإِنه متوسط بين البخل والإِسراف وأما الإِحسان فاحسان الطاعات بالعدد كإِكثار أعدادها كإِكثار النفل وكالتقليل منه والتوسط فإِنهما زيادة على الفرض فكانا إِحسانا من حيث أنهما مزيدان على الواجب وإِحسان للطاعة بحسب الإِتيان بها على الوجه الأَكمل كقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : اعبد الله كأَنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك" تفسير : والآية دليل على أن النفل مأمور به لكن أمر ندب والمراد مطلق الأَمر فى الآية لا يقيد وجوبه ولا يقيد عدمه فلا يلزم استعمال الكلمة فى معنييها أو حقيقتها ومجازها وهو لفظ يأمر وإِنما علق الأَمر بالفرض والنفل معا المعبر عنهما بالعدل والإِحسان لأَن الفرض لا بد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب ولذلك قال الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد بلغنى عن طلحة ابن عبيد الله "حديث : جاء رجل إِلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى إِذا دنا فإِذا هو يسأل عن الإِسلام فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمس صلوات فى اليوم والليلة قال هل غيرهن؟ قال: لا إِلا أن تطوع فقال رسول الله ـ صلى الله عيه وسلم ـ وصيام شهر رمضان ثم قال هل على غيره؟ قال: لا إِلا أن تطوع ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والزكاة قال: هل على غيرها؟ قال: لا إلآ أن تطوع. فأَدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفلح الرجل إِن صدق"تفسير : . فقيد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من التفريط وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : استقيموا ولن تحصوا" تفسير : أى لن تطيقوا حق الفرض فما ينبغى أن يترك ما يجبر كسر التفريط من النوافل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما العدل التوحيد والإِحسان أداء الفرائض وعنه الإِحسان أن تعبد الله كأَنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك إِن كان مؤمنا تحب أن يزداد إِيماناً وإِن كان كافراً تحب أن يكون أخاك فى الإِسلام وعنه الإِحسان الإِخلاص وقيل العدل الإِنصاف والإِنصاف أعظم من الاعتراف للمنعم بإِنعامه والإِحسان أن تحسن إِلى من أساء إِليك، وقيل العدل فى الفعل والإِحسان فى القول فلا تفعل إِلا ما هو عدل ولا تقل إِلا ما هو حسن {وَإِيتاءِ ذِى الْقُرْبَى} أى وإِعطاء ذى القربى حقه وما يحتاج إِليه والمرد صلة الرحم القريبة والبعيدة تصلها بمالك وإِن لم يكن فدعاء حسن وتودد بالقول والإِعانة قال الحسن حق الرحم أن لا تحرمها ولا تهجر. وذكر بعض أنه كان يقال إِن لم يكن لك ما تعطيه فامش إِليه برجلك وعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أن الرحم معلق بالعرش وليس الواصل بالمكافىء ولكن من إِذا انقطعت رحمه وصلها"تفسير : . والقربى مصدر يعنى القرابة وألفه للتأنيث وعطف إِيتاء ذى القربى على ما قبله عطف خاص على عام لتَأكيد ذلك الخاص، وحذف المفعول الثانى لإِيتاء للتعميم، أى إِيتاء ذى القربى حقه أو ما يحتاج إِليه كما مر، وهذا على تضمين الإِيتاء معنى الأَخطاء وإِما على إِبقائه على معناه من أنه جعل الشىء إِيتاء كذا وبالغا إِياه فالمحذوف المقدر هو المفعول الأَول، وعل كل حال فالمفعول الآخر بفتح الحاء هو ذى أُضيف إِليه المصدر {وَيَنْهَى عَن الْفَحْشَاءِ} المبالغة فى اتباع الشهوة وذلك فعل المعصية التى هى أكبر كبار الذنوب كالزنى وقتل الإِنسان المحرم القتل والبهتان وأما المبالغة فى الشهوة المباحة فلا تسمى فحشاء وكذا فعل المعاصى الصغار والكبار التى ليست بأكبر لا يسمى فحشاء إِلا إِن أكثر منها، ولو كان كل ذلك محرما معاقبا عليه والمبالغة فى الشهوة إِذا كانت حراما هى أقبح أحوال الإِنسان وأشنعها وقيل الفحشاء كل ما قبح من قول وفعل. وقال ابن عباس الزنى {وَالْمُنكَرِ} ما لا يعرف فى الشريعة ولا فى السنة فالعقول السليمة يكون عندها غير مألوف وتنفر منه. وعن ابن عباس هو الشرك وقيل الكذب وقيل ما ينكر على متعاطيه فى إِثارة القوة الغضبية وما ذكرته أولى فعطفه عطف عام على خاص على ما ذكرته وهو شامل للصغيرة فإِنها منكر {وَالْبَغْىِ} الاستعلاء على الناس والتجبر عليهم وهى الشيطنة التى هى مقتضى القوة الوهمية فإِن المخلوق ضعيف ولا سيما الإِنسان، والقوة التى يعتقدها التوهم فقد يقع منها بعض وقد لا يقع قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : ما من ذنب أجدر أن يحمل لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما يدخر له فى الآخرة من البغى وقطيعة الرحم"تفسير : ، رواه الشيخ هود وأحمد والبخارى فى الأَدب، وأبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبى بكرة زاد الطبرانى عنه فى كبيره والكذب وإِن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم حتى أن أهل البيت ليكونون فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إِذا تواصلوا. وعن مجاهد عن ابن عباس لو أن جبلا بغى على جبل لدك الباغى منهما، وروى ابن لآل عن أبى هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : لو بغى جبل على جبل لدك الباغى منهما والبغى يكون فى البدن والمال والعرضتفسير : ، وعطفه عطف خاص على عام لزيادة التغير عنه ولا يوجد شر من الإِنسان إِلا تولد من أحد الثلاثة؛ الفحشاء والمنكر والبغى، ولذلك قال ابن مسعود: هذه الآية أجمع آية فى القرآن للخير والشر وقيل البغى الشرك والظلم. قال ابن عيينة الفحشاء والمنكر والبغى أن تكون علانيته أحسن من سريرته {يَعِظُكُمْ} يأْمركم وينهاكم ويميز لكم بين الخير والشر {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون وكانت هذه الآية أن الله يَأْمر بالعدل الخ، سبب إِسلام عثمان بن مظعون حين سمعها رضى الله عنه، وروى أنه لما آمن قالها على أبى طالب فعجب أبو طالب وقال: يا آل غالب يعنى قريشاً ابتعوه تفلحوا فوالله أن الله أرسله ليأْمر بمكارم الأَخلاق، وروى عكرمة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالها على الوليد بن المغيرة فقال له: يا ابن أخى أعد على فأعادها. فقال له الوليد: والله إِن له حلاوة وإِن عليه لطلاوة وإِن أعلاه بمثمر وإِن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر. قال القاضى ما معناه إِنه ما من شىء يحتاج الناس إِليه فى أمر دينهم مما يجب أن يؤتى أو يترك إِلا وقد اشتملت عليه هذه الآية ولذلك أوردت عقب قوله تعالى: {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء}تفسير : لو لم يكن فى القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شىء وهدى ورحمة للعالمين وكان على بن أبى طالب يلعن على المنابر ولما انقضت دولة لاعنيه وزالت أقيمت هذه الآية على المنابر مقام اللعنة. {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ} ما جعله الإِنسان على نفسه من طاعة أو أمر مباح عقده على نفسه لأَحد قصد به التقرب فيدخل فى الطاعة أو لم يقصد الطاعة وكل من الطاعة والمباح ينسبان لله عز وجل إِذ لم يمنعهما بخلاف ولذا أضافهما الله بخلاف المعصية والمباح المقصود به ما لا يجوز فلا يجوز الإِبقاء بهما، وقيل عهد الله مبايعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الإِسلام لقوله سبحانه وتعالى: {أية : إِن الذين يبايعونك إِنما يبايعون الله} تفسير : ويدخل به كل مبايعة للإِمام العدل والقائم بأَمر الإسلام على الأَمر الدينى وقيل العهد الإِيمان بالله تعالى الذى عاهدوا الله عليه إِذ كانوا ذرا وقيل النذر وقيل اليمين وإِن كفارته كفارة يمين وقيل مغلظة وإِنما يجب الوفاء به إِذا كان صلاحاً أما إِذا كان فساداً دينياً أو دنيوياً فيجب عليه تركه ولا تلزمه الكفارة وقيل تلزمه وإِن لم يكن كذلك، لكنه ظهر له ما هو خير منه فليتركه ويفعل ما هو خير منه ويكفر يمينه وعلى هذا يكون تخصيص العهد بذلك من تخصيص الكتاب بالكتاب لأَنه قد نهى فى جل القرآن على المعاصى فلا يتوهم أحد أنه يجوز أو يجب الوفاء بعهد المعصية وأما إِذا ظهر ما هو خير منه فتخصيص بالسنة، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليأْت الذى هو خير وليكفر عن يمينه، رواه أحمد ومسلم والترمذى عن أبى هريرة ومثله عنه للربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد وقيل أيضاً فى اليمين على المعصية أنه مخصوص من إِطلاق الوفى فى الآية بالسنة، وقد يقال إِن التخصيص فى الآية نفسها لإِخافة العهد لله وعهد المعصية لا يضاف إِليه تعالى اللهم إِلا أن يقال إِنه يضاف إِليه من حيث أنه يحلف به الحالف وأوفيها، وقيل العهد حلف الجاهلية قال: صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : كل حلف فى الجاهلية لم يزده الإِسلام إِلا شدة"تفسير : ، وقيل كل ما وجب على الإِنسان من الفرائض ويرده قوله تعالى: {إِذَا عَاهَدتُّمْ} لأَن ما وجب عليه لا يشترط فيه معاهدته بل لزمه فعله عاهد أو لم يعاهد لكنه يصح أن يقال إِذا دخلتم فى الدين فدوموا فيه ولا تخرجوا منه ولا من جزء آياته فيصح معنى الآية ولو فسر بذلك القول: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ} جمع يمين وهو الحلف، {بَعْد تَوْكِيدِهَا} أى توثيقها بالله وتشديدها والمراد مطلق اليمين أو يمين البيعة ونقضها تركها والحنث فيها وهذا يشير إِلى أن العهد غير اليمين وإِلا كان هذا تأْكيداً لذاك وتأْسيس أولى من التأْكيد ووكد وأكد نعتان، الأَصل الواو والهمزة بدل منها. {وَقَدْ جَعَلتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا} مشاهداً على يمينكم وعهدكم فإِن الكفيل مراع الحال المكفول به رقيب عليه ومعنى جعلهم إِياه كفيلا حلفهم به ومعاهدتهم به والجملة حال من واو أوفوا أو واو وتنقضوا وقيل جعلتم الله كفيلا لكم بالجنة إِن تمسكتم بعهده الذى هو دينه وباليمين عليه، {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فى نقض اليمين والعهد وفى غيره وذلك تهديد لهم.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} بترك الميل عن الحق، والميل الجَوْر، يقول: مال بمعنى جار، ودين الله وسط لا إِفراط ولا تفريط، إما اعتقاداً كالتوحيد بين نفى الله وإثباته مع الشركة، وكإثبات صفات الله، وإنما هو بين نفيها وإثباتها مع اعتقاد أنها غيره يحتاج إليها حاشاه عن الحاجة، وقد عاب على الأشعرية ابن العربى إذ قال لا فرق بين قول من يقول: إنها عيره، وقول من قال إن الله فقير إلا تزيين اللفظ، وكالقول بأَن فعل المخلوق كسب منه، وخلق من الله المتوسط بين دعوى أنه مجبر علىعمله، لا كسب له فيه، وبين دعوى أنه خالق لا قدرة لله فيه. وإما عملا كأداء الواجب المتوسط بين البطالة والانقطاع بالكلية إلى العمل وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا رهبانية فى الإسلام" تفسير : وفى الهند قوم يتقربون إلى الله بترك اللذات كلها، وإليه وإلى ملكهم بقتل أنفسهم بالنار أو بالإِلقاء من عال. وإما خلقه كالجود بين البخل والتبذير، والشجاعة مع التحرز بين التهور والجبن، ودخل فى العدد الحكم بين الخصمين بالحق، بين الأولاد والأزواج. {وَالإِحْسَانِ} يفعل الطاعات والمبالغة فى تجويد الفرض، وفى الحديث: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" تفسير : وقصر بعضهم الآية على الحديث، وقيل: العدل التوحيد أو الإنصاف والإحسان أداء للفرائض، وذلك إحسان الإنسان إلى نفسه وإلى غيره من الخلق، ويجوز أن يكون الإحسان الإتيان بالأعمال حسنة صحية مجوَّدة. قال عيسى بن مريم: الإحسان أن تحسن إلى من أساء إِليك، وليس أن تحسن إِلى من أحسن إليك، كأنه يشير إِلى أن الإحسان إِلى من أحسن إليك كالفرض، وقيل: العدل أن ينصف من نفسه لغيره، وينتصف لنفسه من غيره، والإحسان أن يتصف ولا ينتصف، وقيل: العدل فى الفعل والإحسان فى القول وهو قول بعيد عن العدل والإنصاف، وعندى العدل أداء الواجب مطلقاً، والإحسان الزيادة عليه. {وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى} من جهة الأب أو الأم ما يحتاج إليه وجوبا إن اضطر إليه، وندبًا إن لم يضطر إليه، فهو داخل فيما مر من فرض أو نفل، وخصه إيذانا بشرفه إذ فيه صدقة وصلة، وفى الحديث: "حديث : أعجل الطاعة ثواب صلة الرحم "تفسير : {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ} الزنى وهو أقبح أحوال الإنسان، وقيل: ما ازداد قبحه من زنى أو غيره. {وَالْمُنْكَرِ} قيل ما ينكر على فاعله من إنهاض القوة الغضبية، وكل فحشاء منكر، وكل منكر فحشاء، وامتاز بالإنهاض المذكور، والواضح أن المنكر ما حرمه الشرع، وقيل: ما وعد عليه النار، والفحشاء: ما اشتد تحريمه فهو أعم منها، وقيل: المنكر الشرك وهو مباين للبغى، فتحصل فى الآية عطف الخاص على العام، وعطف العام على الخاص، وعطف مباين. {وَالْبَغْىِ} تطاول الإنسان بما ليس على غيره فى بدنه أو ماله أو عرضه، خصه بالذكر لمزيد عظمه. {يَعِظُكُمْ} بالأمر والنهى المذكورين، والجملة مستأنفة لتعم، ولو جعلت حالا من فاعل بأمر أو من فاعل بنهى لكان قيدًا له فقط، ولا وجه لكونه حالا من فاعلها لاختلاف عاملها، ولا حاجة إِلى تقدير مثله لأحدهما. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون، قال ابن الأثير فى المستدرك: هذه أجمع آية فى القرآن للخير والشر، قال الحسن البصرى: أمرت بكل خير، ونهت عن كل شر، قال ابن عباس رضى الله عنهما: إنه قال عثمان بن مظعون رضى الله عنه: ما أسلمت أولا إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتقرر الإيمان فى قلبى، فحضرته ذات يوم، فبينما هو يحدثنى إذ رأيت بصره شخص الى السماء، ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك، فسألته فقال: "حديث : بينا أحدثك إذْ جبريل نزل عن يميني فقال: إن الله يأمر بالعدل" تفسير : إلخ فوقع الإيمان فى قلبى، وقال: إن فى هذه الآية لحلاوة، وإن فى القرآن لطلاوة، وإن أعلاه لثمر، وأسفله لغدق بغين معجمة ودال مهملة أى كثير الماء أسفله، وما هو بكلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر. وكان بنو أمية يلعنون عليًّا فى المنابر، ولم تولى عمر بن عبد العزيز قطع ذلك فى كل بلد، وجعل مكانه:{إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية، فكان له على ذلك مدح عظيم، وقبول وهو حق، لأن اعتياد الشتم والإكثار منه ليس عبادة، ولا سيما ما كان انتقامًا وجهالة وبغيًا على المتقدم بالخلافة، وإنما أتمنى قطع ذلك ولو كان تورية، إذ كان مؤذن المالكية يقول: شتما لأصحابنا بتعريض وتورية بهم ليلة كل جمعة، من أبغض معاوية فأمه هاوية، مع أن عليا ومعاوية متباغضان، ويقول: من أبغض عليًّا فخصمه النبى، وكل من معاوية وعثمان أبغضا عليًّا وأبغضهما على، ويقول: من أبغض عثمان فأمه النيران، وعلىّ يبغضه. بلغ أكثم بن صيفى أمره صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رجلين فقالا له: مَن أنت وما جئت به، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله"تفسير : ، وتلا: إن الله يأمر بالعدل إلخ قال: ردِّد علينا، فردده حتى حفظناه، فأخبرا به أكثم قال: إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مذامها، فكونا فى هذا الأمر رأسا لا أذناباً، رواه أبو نعيم، عن عبد الملك بن عمير، وفعل الأمر، ولام الأمر، واسم فعل الأمر والمصدر النائب عنه الأصل فيهن الوجوب. وأما لفظ أمر، ويأمر ومر والأمر، موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، ولو لم يكن فى القرآن إِلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شئ وهدى ورحمة للعالمين، ولعل الله نبه على هذا بإيرادها عقب قوله: "أية : ونزلنا عليك الكتاب" تفسير : [النحل: 89] وبعد الإجمال فى الأمر والنهى فصّل بعضا فى قوله تبارك وتعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ} بالعهد الذى عاهدتم الله. {إِذَا عَاهَدْتُمْ} شامل للطاعة والمباح فى الوعد والنذر بأى لفظ وشمل بيعة الإِمام اعتباراً بما بعد، فإن الآية مكية، وإنما البيعة بالمدينة، ولا يلزم من وجوب الوفاء بالشئ إذا كان أن يكون جائز الوقوع فى الحال، ألا ترى إلى قوله: إذا عاهدتم، ودخل فيه بيعة الأنصار رضى الله عنهم الأولى والثانية والثالثة، ودخل فيه كل ما قبلوه عنه صلى الله عليه وسلم وحلف الجاهلية. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" تفسير : وكانوا يتحالفون على التناصر، فيبقى فى الإسلام على الوجه الشرعى، ونسخ الإرث به، والآية نزلت في بيعته وهى على العموم، وخصوص السبب لا ينقض عموم اللفظ. {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ليس التوكيد قيدا فلا تنقض، ولو لم تؤكد ولكن نزلت الآية وهم يؤكدونها، فكانت على ما هم عليه، وتوكيدها يكون بتكرير أسماء الله أو صفاته مثل: والله العزيز، وقدرة الله وعزته وأفعاله عندى، أو أراد بتوكيدها أنها بالله أو صفته أو فعله، وأنها فى طاعة أو مباح، وأنها بقصد لا يغلط أو نسيان أو توهم، أو لغو كقولهم: لا والله، وبلى والله، ولا شئ على من حلف على ما توهم فلا عليه وعلى معصية، ويجب النقض فيها، ويستحب فيما إذا رأى ما هو أفضل. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه"تفسير : فالآية عامة خصصتها السنة، وتجب المحافظة على الوفاء باليمين وإن نقضها وكفر فقد أساء، لأن ذلك كالتهاون، قال الله عز وجل: "أية : واحفظوا أيمانكم" تفسير : [المائدة: 89] وعموم آية السورة حجة أيضاً، والتوكيد والتأكيد والتأكيد بالواو بالهمز لغتان، وقيل: الهمز بدل منها. {وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} صامتًا بالوفاء، أو شاهدًا ورقيبا، وذلك استعارة أو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم، وكذا الجعل، ويجوز إبقاء كفيلا على ظاهره تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته، وأنه يسلمهم لها كما سلم الكفيل من كفله. والجملة حال من واو تنقضوا، وقد يراد بالعهد ما ذكر قبله، والأيمان وخصهما بالذكر بعد. {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} من إيفاء ونقض وسائر أعمالكم، أو من جعلكم الله عليكم كفيلا، وذلك تهديد وتخصيص علىالوفاء وعدم النقض.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ} أي فيما نزله عليك تبياناً لكل شيء، وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدد والاستمرار {بِٱلْعَدْلِ} أي بمراعاة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو رأس الفضائل كلها يندرج تحته فضيلة القوة العقلية الملكية من الحكمة المتوسطة بين الحرمزة والبلادة، وفضيلة القوة الشهوية البهيمية من العفة المتوسطة بين الخلاعة والخمود، وفضيلة القوة الغضبية السبعية من الشجاعة المتوسطة بين التهور والجبن. فمن الحكم الاعتقادية التوحيد المتوسط بين التعطيل ونفي الصنائع كما تقوله الدهرية والتشريك كما تقوله الثنوية والوثنية، وعليه اقتصر ابن عباس في تفسير العدل على ما رواه عنه البيهقي في "الأسماء والصفات" وابن جرير وابن المنذر وغيرهم، وضم إليه بعضهم القول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر. ومن الحكم العملية التعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة وترك العمل لزعم أنه لا فائدة فيه إذ الشقي والسعيد متعينان في الأزل كما ذهب إليه بعض الملاحدة والترهب بترك المباحات تشبيهاً بالرهبان. ومن الحكم الخلقية الجد المتوسط بين البخل والتبذير. وعن سفيان بن عيينة أن العدل استواء السريرة والعلانية في العمل. وأخرج ابن أبـي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي: صف لي العدل فقلت بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتكون من العادين، ولعل اختيار ذلك لأنه الأوفق بمقام السائل وإلا فما تقدم في تفسير أولى. {وَٱلإْحْسَانِ } أي إحسان الأعمال والعبادة أي الاتيان بها على الوجه اللائق، وهو إما بحسب الكيفية كما يشير إليه ما رواه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : أو بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل الجابرة لما في الواجبات من النقص، وجوز أن يراد بالإحسان الإحسان المتعدي بإلى لا المتعدي بنفسه فإنه يقال: أحسنه وأحسن إليه أي الإحسان إلى الناس والتفضل عليهم، فقد أخرج ابن النجار في "تاريخه" من طريق العكلي عن أبيه قال: مر علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه بقوم يتحدثون فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكر المروءة فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه إذ يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } فالعدل الإنصاف والإحسان التفضل فما بقي بعد هذا، وأعلى مراتب الإحسان على هذا الإحسان إلى المسيء وقد أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبـي حاتم عن الشعبـي قال: قال عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعدما فسر/ العدل بالتوحيد فسر الإحسان بأداء الفرائض، وفيه اعتبار الإحسان متعدياً بنفسه، وقيل: العدل أن ينصف وينتصف والإحسان أن ينصف ولا ينتصف؛ وقيل: العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال. {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي إعطاء الأقارب حقهم من الصلة والبر، وهذا داخل في العدل أو الإحسان وصرح به اهتماماً بشأنه، والظاهر أن المراد بذي القربى ما يعم سائر الأقارب سواء كانوا من جهة الأم أو من جهة الأب، وهذا هو المراد بذوي الأرحام الذين حث الشارع صلى الله عليه وسلم على صلتهم على الأصح، وقيل: ذوو الأرحام الأقارب من جهة الأم، وذكر الطبرسي أن المروي عن أبـي جعفر أن المراد من ذي القربى هنا قرابته صلى الله عليه وسلم المرادون في قوله سبحانه: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الأنفال: 41]. {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء } الإفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنا مثلاً، وفسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الفحشاء به، ولعله تمثيل لا تخصيص {وَٱلْمُنْكَرِ } ما ينكر على متعاطيه من الإفراط في إظهار القوة الغضبية، وعن ابن عباس ومقاتل تفسيره بالشرك، وعن ابن السائب أنه ما وعد عليه بالنار، وعن ابن عيينة أنه مخالفة السريرة للعلانية، وقيل: ما لا يوجب الحد في الدنيا لكن يوجب العذاب في الآخرة. وقال الزمخشري: ما تنكره العقول. وتعقبه ابن المنير فقال: إنه لفتة إلى الاعتزال ولو قال: المنكر ما أنكره الشرع لوافق الحق لكنه لا يدع بدعة المعتزلة في التحسين والتقبيح بالعقل، وقال في «الكشف» بعد قوله: ما تنكره العقول أي بعد رده إلى قوانين الشرع فالإِنكار بالعقل بالضرورة، وإنما الخلاف في مأخذه والمقصود أن ما يمكن أن يجري على المذهبين لا يحق المحاقة فيه وهو كالتعريض بابن المنير، واستظهر أبو حيان أن المنكر أعم من الفحشاء قال: لاشتماله على المعاصي والرذائل، وعلى أولاً ليس الأمر كذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى. {وَٱلْبَغْىَ } الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، وهو من آثار القوة الوهمية الشيطانية التي هي حاصلة من رذيلتي القوتين المذكورتين الشهوانية والغضبية، وأصل معنى البغي الطلب ثم اختص بطلب التطاول بالظلم والعدوان، ومن ثم فسر بما فسر وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وتخصيص كل من المتعاطفات الثلاثة المنهي عنها بالإشارة إلى قوة من القوى الثلاث مما ذهب إليه غير واحد. واعترض بأن ذلك مما لا دليل عليه، وقال بعضهم: المنكر أعم الثلاثة باعتبار أن المراد به ما ينكره الشرع ويقبحه من الأقوال أو الأفعال سواء عظم قبحه ومفسدته أم لا وسواء كان متعدياً إلى الغير أم لا، وأن المراد بالفحشاء ما عظم قبحه من ذلك، ومنه قيل لمن عظم قبحه في البخل فاحش، وعلى ذلك حمل الراغب قول الشاعر:شعر : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : والبغي التطاول بالظلم والعدوان ففي الآية عطف العام على الخاص وعطف الخاص على العام، وقيل: المراد بالفحشاء مقابل العدل ويفسر بما خرج عن سنن الاعتدال إلى جانب الإفراط، وبالمنكر ما يقابل ما فيه الإحسان ويفسر بما أتى به على غير الوجه اللائق بل على وجه ينكر ويستقبح وبالبغي ما يقابل إيتاء ذي القربى/ ويفسر بما فسر ويكون قد قوبل في الآية الأمر بالنهي وكل من المأمور به بكل من المنهي عنه وجمع بين الأمر والنهي مع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده لمزيد الاهتمام والاعتناء. والإمام الرازي قد أطال الكلام في هذا المقام وذكر أن ظاهر الآية يقتضي المغايرة بين الثلاثة المأمور بها ويقتضي أيضاً المغايرة بين الثلاثة المنهي عنها وشرع في بيان المغايرة بين الأول ثم قال: والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب من الخيرات والإحسان عبارة عن الزيادة في الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية وبحسب الدواعي والصوارف وبحسب الاستغراق في شهود مقام العبودية والربوبية، ويدخل في تفسير التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلقه سبحانه، ومن الظاهر أن الشفقة على الخلق أقسام كثيرة أشرفها وأجلها صلة الرحم لا جرم أنه سبحانه أفرده بالذكر، ثم شرع في بيان المغايرة بين الأخيرة وقال: تفصيل القول في ذلك أنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعة وهي الشهوانية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية، وهذه الأخيرة لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها لأنها من جوهر الملائكة عليهم السلام ونتائج الأرواح القدسية العلوية وإنما المحتاج إلى التهذيب الثلاثة قبلها، ولما كانت الأولى أعني القوة الشهوانية إنما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية وكان هذا النوع مخصوصاً باسم الفحش ـ ألا ترى أنه تعالى سمى الزنا فاحشة ـ أشار إلى تهذيبها بقوله سبحانه: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء } المراد منه المنع من تحصيل اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة، ولما كانت الثانية أعني القوة الغضبية السبعية تسعى أبداً في إيصال الشر والبلاء والإيذاء إلى سائر الناس أشار سبحانه إلى تهذيبها بنهيه تعالى عن المنكر إذ لا شك أن الناس ينكرون تلك الحالة فالمنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية، ولما كانت الثالثة أعني القوة الوهمية الشيطانية تسعى أبداً في الاستعلاء على الناس والترفع وإظهار الرياسة والتقدم أشار سبحانه إلى تهذيبها بالنهي عن البغي إذ لا معنى له إلا التطاول والترفع على الناس، ثم قال: ومن العجائب في هذا الباب أن العقلاء قالوا: أخس هذه القوى الثلاث الشهوانية وأوسطها الغضبية وأعلاها الوهمية، ولله تعالى راعى هذا الترتيب فبدأ سبحانه بذكر الفحشاء التي هي نتيجة القوة الشهوانية ثم بالمنكر الذي هو نتيجة القوة الغضبية ثم بالبغي الذي هي نتيجة القوة الوهمية اهـ. وما تقدم عن غير واحد مأخوذ من هذا، ولينظر هل يثبت بما قرره دليل التخصيص فيندفع الاعتراض السابق أم لا، ثم إن الظاهر عليه أن عطف البغي على ما قبله كعطف {إيتاء ذي ٱلْقُرْبَىٰ} على ما قبله. وبالجملة إن الآية كما أخرج البخاري في "الأدب" والبيهقي في "شعب الإيمان" والحاكم وصححه عن ابن مسعود أجمع آية للخير والشر، وأخرج البيهقي عن الحسن نحو ذلك، وأخرج الباوردي وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" عن عبد الملك بن عمير قال: حديث : بلغ أكتم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه فأتى قومه فانتدب رجلان فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكتم يسألك من أنت وما جئت به؟ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله ثم تلا عليهم هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ} الخ قالوا: ردد علينا هذا القول فردده عليه الصلاة والسلام عليهم حتى حفظوه فأتيا أكتم فأخبراه فلما سمع الآية قال: إني لأراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن مذامها فكونوا في هذا الأمر رأساً ولا تكونوا فيه أذناباًتفسير : ، وقد صارت هذه الآية أيضاً كما أخرج أحمد والطبراني والبخاري في "الأدب" عن ابن عباس سبب استقرار الايمان في قلب عثمان بن مظعون ومحبته للنبـي صلى الله عليه وسلم ولجمعها ما جمعت أقامها عمر بن عبد العزيز حين آلت/ الخلافة إليه مقام ما كان بنو أمية غضب الله تعالى عليهم يجعلونه في أواخر خطبهم من سب علي كرم الله تعالى وجهه ولعن كل من بغضه وسبه وكان ذلك من أعظم مآثره رضي الله تعالى عنه، وقال غير واحد: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية الكريمة لكفت في كونه تبياناً لكل شيء وهدى. ولعل إيرادها عقيب قوله تعالى: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [النحل: 89] للتنبيه عليه فإنها إذا نظر إلى أنها قد جمعت ما جمعت مع وجازتها استيقظت عيون البصائر وتحركت للنظر فيما عداها. وأخرج أحمد عن عثمان بن أبـي العاص حديث : قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ شخص بصره فقال أتاني: جبريل عليه السلام فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ} الخ.تفسير : واستدل بها على أن صيغة أمر تتناول الواجب والمندوب وموضوعها القدر المشترك وتحقيق ذلك في الأصول. {يَعِظُكُمْ} أي ينبهكم بما يأمر وينهى سبحانه أحسن تنبيه، وهو إما استئناف وإما حال من الضمير في الفعلين {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} طلباً لأن تتعظوا بذلك وتنتبهوا.

سيد قطب

تفسير : ختم الدرس الماضي بقوله تعالى: {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}. تفسير : وفي هذا الدرس بيان لبعض ما في الكتاب من التبيان والهدى والرحمة والبشرى. فيه الأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وفيه الأمر بالوفاء بالعهد والنهي عن نقض الأيمان بعد توكيدها.. وكلها من مبادئ السلوك الأساسية التي جاء بها هذا الكتاب. وفيه بيان الجزاء المقرر لنقض العهد واتخاذ الأيمان للخداع والتضليل، وهو العذاب العظيم. والبشرى للذين صبروا وتوفيتهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. ثم يذكر بعض آداب قراءة هذا الكتاب. وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، لطرد شبحه من مجلس القرآن الكريم. كما يذكر بعض تقولات المشركين عن هذا الكتاب. فمنهم من يرمي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بافترائه على الله. ومنهم من يقول: إن غلاماً أعجمياً هو الذي يعلمه هذا القرآن! وفي نهاية الدرس يبين جزاء من يكفر بعد أيمانه، ومن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن فتنوا عن دينهم ثم هاجروا وجاهدوا وصبروا.. وكل أولئك تبيان، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون. وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، إن الله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة، إنما يبلوكم الله به، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولـكن يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ولتسألن عما كنتم تعملون}.. لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمة وينظم مجتمعاً، ثم لينشئ عالماً ويقيم نظاماً. جاء دعوة عالمية إنسانية لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس؛ إنما العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية. ومن ثم جاء بالمبادئ التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات، واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب، والثقة بالمعاملات والوعود والعهود: جاء {بالعدل} الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل، لا تميل مع الهوى، ولا تتأثر بالود والبغض، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب، والغنى والفقر، والقوة والضعف. إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للجميع. وإلى جوار العدل.. {الإحسان}.. يلطف من حدة العدل الصارم الجازم، ويدع الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثاراً لود القلوب، وشفاء لغل الصدور. ولمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه ليداوي جرحاً أو يكسب فضلاً. والإحسان أوسع مدلولاً، فكل عمل طيب إحسان، والأمر بالإحسان يشمل كل عمل وكل تعامل، فيشمل محيط الحياة كلها في علاقات العبد بربه، وعلاقاته بأسرته، وعلاقاته بالجماعة، وعلاقاته بالبشرية جميعاً. ومن الإحسان {إيتاء ذي القربى} إنما يبرز الأمر به تعظيماً لشأنه، وتوكيداً عليه. وما يبني هذا على عصبية الأسرة، إنما يبنيه على مبدأ التكافل الذي يتدرج به الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العام. وفق نظريته التنظيمية لهذا التكافل. {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}.. والفحشاء كل أمر يفحش أي يتجاوز الحد. ومنه ما خصص به غالباً وهو فاحشة الاعتداء على العرض، لأنه فعل فاحش فيه اعتداء وفيه تجاوز للحد حتى ليدل على الفحشاء ويختص بها. والمنكر كل فعل تنكره الفطرة ومن ثم تنكره الشريعة فهي شريعة الفطرة. وقد تنحرف الفطرة أحياناً فتبقى الشريعة ثابتة تشير إلى أصل الفطرة قبل انحرافها. والبغي الظلم وتجاوز الحق والعدل. وما من مجتمع يمكن أن يقوم على الفحشاء والمنكر والبغي.. ما من مجتمع تشيع فيه الفاحشة بكل مدلولاتها، والمنكر بكل مغرراته، والبغي بكل معقباته، ثم يقوم.. والفطرة البشرية تنتفض بعد فترة معينة ضد هذه العوامل الهدامة، مهما تبلغ قوتها، ومهما يستخدم الطغاة من الوسائل لحمايتها. وتاريخ البشرية كله انتفاضات وانتفاضات ضد الفحشاء والمنكر والبغي. فلا يهم أن تقوم عهود وأن تقوم دول عليها حيناً من الدهر، فالانتقاض عليها دليل على أنها عناصر غريبة على جسم الحياة، فهي تنتفض لطردها، كما ينتفض الحي ضد أي جسم غريب يدخل إليه. وأمر الله بالعدل والإحسان ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي يوافق الفطرة السليمة الصحيحة، ويقويها ويدفعها للمقاومة باسم الله. لذلك يجيء التعقيب: {يعظكم لعلكم تذكرون} فهي عظة للتذكر تذكر وحي الفطرة الأصيل القويم. {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون}.. والوفاء بعهد الله يشمل بيعة المسلمين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويشمل كل عهد على معروف يأمر به الله. والوفاء بالعهود هو الضمان لبقاء عنصر الثقة في التعامل بين الناس، وبدون هذه الثقة لا يقوم مجتمع، ولا تقوم إنسانية. والنص يخجل المتعاهدين أن ينقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله كفيلاً عليهم، وأشهدوه عهدهم، وجعلوه كافلاً للوفاء بها. ثم يهددهم خفياً {إن الله يعلم ما تفعلون}. وقد تشدد الإسلام في مسألة الوفاء بالعهود فلم يتسامح فيها أبداً، لأنها قاعدة الثقة التي ينفرط بدونها عقد الجماعة ويتهدم، والنصوص القرآنية هنا لا تقف عند حد الأمر بالوفاء والنهي عن النقض إنما تستطرد لضرب الأمثال، وتقبيح نكث العهد، ونفي الأسباب التي قد يتخذها بعضهم مبررات: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، أن تكون أمة هي أربى من أمة. إنما يبلوكم الله به. وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون}. فمثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها ثم تنقضه وتتركه مرة أخرى قطعاً منكوثة ومحلولة! وكل جزئية من جزيئات التشبيه تشي بالتحقير والترذيل والتعجب. وتشوه الأمر في النفوس وتقبحه في القلوب. وهو المقصود. وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مثله كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة الملتاثة العقل، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه! وكان بعضهم يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن محمداً ومن معه قلة ضعيفة، بينما قريش كثرة قوية. فنبههم إلى أن هذا ليس مبرراً لأن يتخذوا أقسامهم غشاً وخديعة فيتخلوا عنها: {تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة} أي بسبب كون أمة أكثر عدداً وقوة من أمة. وطلباً للمصلحة مع الأمة الأربى. ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهد تحقيقاً لما يسمى الآن "مصلحة الدولة" فتعقد دولة معاهدة مع دولة أو مجموعة دول، ثم تنقضها بسبب أن هناك دولة أربى أو مجموعة دول أربى في الصف الآخر، تحقيقاً "لمصلحة الدولة"! فالإسلام لا يقر مثل هذا المبرر، ويجزم بالوفاء بالعهد، وعدم اتخاذ الأيمان ذريعة للغش والدخل. ذلك في مقابل أنه لا يقر تعاهداً ولا تعاوناً على غير البر والتقوى. ولا يسمح بقيام تعاهد أو تعاون على الإثم والفسوق والعصيان، وأكل حقوق الناس، واستغلال الدول والشعوب.. وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية فنعم العالم بالطمأنينة والثقة والنظافة في المعاملات الفردية والدولية يوم كانت قيادة البشرية إلى الإسلام. والنص هنا يحذر من مثل ذلك المبرر، وينبه الى قيام مثل هذه الحالة: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} هو ابتلاء من الله لهم ليمتحن إرادتهم ووفاءهم وكرامتهم على أنفسهم وتحرجهم من نقض العهد الذي أشهدوا الله عليه: {إنما يبلوكم الله به}: ثم يكل أمر الخلافات التي تنشب بين الجماعات والأقوام إلى الله في يوم القيامة للفصل فيه: {وليبيِّنن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} يمهد بهذا لترضية النفوس بالوفاء بالعهد حتى لمخالفيهم في الرأي والعقيدة: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولـكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون}.. ولو شاء الله لخلق الناس باستعداد واحد، ولكنه خلقهم باستعدادات متفاوتة، نسخاً غير مكررة ولا معادة، وجعل نواميس للهدى والضلال، تمضي بها مشيئته في الناس، وكل مسؤول عما يعمل. فلا يكون الاختلاف في العقيدة سبباً في نقض العهود. فالاختلاف له أسبابه المتعلقة بمشيئة الله. والعهد مكفول مهما اختلفت المعتقدات. وهذه قمة في نظافة التعامل، والسماحة الدينية، لم يحققها في واقع الحياة إلا الإسلام في ظل هذا القرآن. ويمضي السياق في توكيده للوفاء بالعهود، ونهيه عن اتخاذ الأيمان للغش والخديعة، وبث الطمأنينة الكاذبة للحصول على منافع قريبة من منافع هذه الدنيا الفانية. ويحذر عاقبة ذلك في زعزعة قوائم الحياة النفسية والاجتماعية، وزلزلة العقائد والارتباطات والمعاملات. وينذر بالعذاب العظيم في الآخرة، ويلوح بما عند الله من عوض عما يفوتهم بالوفاء من منافع هزيلة. وينوه بفناء ما بأيديهم وبقاء ما عند الله الذي لا تنفد خزائنه، ولا ينقطع رزقه: {ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم، فتزل قدم بعد ثبوتها، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله، ولكم عذاب عظيم. ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً. إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون. ما عندكم ينفد وما عند الله باق. ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}. واتخاذ الأيمان غشاً وخداعاً يزعزع العقيدة في الضمير، ويشوه صورتها في ضمائر الآخرين. فالذي يقسم وهو يعلم أنه خادع في قسمه، لا يمكن أن تثبت له عقيدة، ولا أن تثبت له قدم على صراطها. وهو في الوقت ذاته يشوه صورة العقيدة عند من يقسم لهم ثم ينكث، ويعلمون أن أقسامه كانت للغش والدخل؛ ومن ثم يصدهم عن سبيل الله بهذا المثل السيئ الذي يضربه للمؤمنين بالله. ولقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم، ومن صدقهم في وعدهم، ومن إخلاصهم في أيمانهم، ومن نظافتهم في معاملاتهم. فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن تمسكهم بعهودهم. ولقد ترك القرآن وسنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفوس المسلمين أثراً قوياً وطابعاً عاماً في هذه الناحية ظل هو طابع التعامل الإسلامي الفردي والدولي المتميز.. روي أنه كان بين معاوية بن أبي سفيان وملك الروم أمد، فسار إليهم في أخر الأجل. (حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون) فقال له عمر بن عتبة: الله أكبر يا معاوية. وفاء لا غدر. سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "حديث : من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها" تفسير : فرجع معاوية بالجيش. والروايات عن حفظ العهود ـ مهما تكن المصلحة القريبة في نقضها ـ متواترة مشهورة. وقد ترك هذا القرآن في النفوس ذلك الطابع الإسلامي البارز. وهو يرغب ويرهب، وينذر ويحذر ويجعل العهد عهد الله، ويصور النفع الذي يجره نقضه ضئيلاً هزيلاً، وما عند الله على الوفاء عظيماً جزيلاً: {ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً. إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون}.. ويذكر بأن ما عند البشر ولو ملكه فرد فإنه زائل، وما عند الله باق دائم: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}، ويقوي العزائم على الوفاء، والصبر لتكاليف الوفاء، ويعد الصابرين أجراً حسناً {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} والتجاوز عما وقع منهم من عمل سيئ، ليكون الجزاء على أحسن العمل دون سواه. وبمناسبة العمل والجزاء، يعقب بالقاعدة العامة فيهما: {ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.. فيقرر بذلك القواعد التالية: أن الجنسين: الذكر والأنثى. متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله. ومع أن لفظ {من} حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل: {من ذكر أو أنثى} لزيادة تقرير هذه الحقيقة. وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى، وضيق المجتمع بها، واستياء من يبشر بمولدها، وتواريه من القوم حزناً وغماً وخجلاً وعاراً! وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها. قاعدة الإيمان بالله {وهو مؤمن} فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء، وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته، إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. والعقيدة هي المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعاً، وإلا فهي أنكاث. فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثاً وغاية. فتجعل الخير أصيلاً ثابتاً يستند إلى أصل كبير. لا عارضاً مزعزعاً يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل. وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض. لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال. فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه. وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب. وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة.. وليس المال إلا عنصراً واحداً يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله. وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة. وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات. فما أكرمه من جزاء!. ثم يأخذ السياق في شيء عن خاصة الكتاب. عن آداب قراءته. وعن تقولات المشركين عليه: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون}. والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تمهيد للجو الذي يتلى فيه كتاب الله، وتطهير له من الوسوسة واتجاه بالمشاعر إلى الله خالصة لا يشغلها شاغل من عالم الرجس والشر الذي يمثله الشيطان. فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.. {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} فالذين يتوجهون إلى الله وحده، ويخلصون قلوبهم لله، لا يملك الشيطان أن يسيطر عليهم، مهما وسوس لهم فإن صلتهم بالله تعصمهم أن ينساقوا معه، وينقادوا إليه. وقد يخطئون، لكنهم لا يستسلمون، فيطردون الشيطان عنهم ويثوبون إلى ربهم من قريب..{إنما سلطانه على الذين يتولونه} أولئك الذين يجعلونه وليهم ويستسلمون له بشهواتهم ونزواتهم، ومنهم من يشرك به. فقد عرفت عبادة الشيطان وعبادة إله الشر عند بعض الأقوام. على أن أتباعهم للشيطان نوع من الشرك بالولاء والاتباع. وعند ذكر المشركين يذكر تقولاتهم عن القرآن الكريم: {وإذا بدلنا آية مكان آية، والله أعلم بما ينزل قالوا: إنما أنت مفتر. بل أكثرهم لا يعلمون. قل: نزله روح القدس من ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى وبشرى للمسلمين. ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهـذا لسان عربي مبين. إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم. إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولـئك هم الكاذبون}.. إن المشركين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب. لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي. وأنه الرسالة الأخيرة التي ليست بعدها من السماء رسالة؛ وأن الله الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع. فإذا بدل آية انتهى أجلها واستنفدت أغراضها، ليأتي بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة، وأصلح للبقاء بعد ذلك الدهر الطويل الذي لا يعلمه إلا هو، فالشأن له، ومثل آيات هذا الكتاب كمثل الدواء تعطى للمريض منه جرعات حتى يشفى، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية. إن المشركين لا يدركون شيئاً من هذا كله، ومن ثم لم يدركوا حكمة تبديل آية مكان آية في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحسبوها افتراء منه وهو الصادق الأمين الذي لم يعهدوا عليه كذباً قط. {بل أكثرهم لا يعلمون}.. {قل: نزله روح القدس من ربك بالحق}.. فما يمكن أن يكون افتراء. وقد نزله {روح القدس} ـ جبريل عليه السلام ـ {من ربك} لا من عندك {بالحق} لا يتلبس به الباطل {ليثبت الذين آمنوا} الموصولة قلوبهم بالله، فهي تدرك أنه من عند الله، فتثبت على الحق وتطمئن إلى الصدق {وهدى وبشرى للمسلمين} بما يهديهم إلى الطريق المستقيم، وبما يبشرهم بالنصر والتمكين. {ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي. وهـذا لسان عربي مبين}... والفرية الأخرى بزعمهم أن الذي يعلم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا القرآن إنما هو بشر. سموه باسمه، واختلفت الروايات في تعيينه.. قيل: كانوا يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعاً يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذلك أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه. وقال محمد بن اسحاق في السيرة: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى سبيعة. غلام نصراني يقال له: جبر. عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله: {ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهـذا لسان عربي مبين}. وقال عبد الله بن كثير وعن عكرمة وقتادة كان اسمه "يعيش". وروى ابن جرير ـ بإسناده ـ عن ابن عباس قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم قنا بمكة وكان اسمه بلعام. وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا: إنما يعلمه بلعام. فأنزل الله هذه الآية.. وأما ما كان فقد رد عليهم الرد البسيط الواضح الذي لا يحتاج إلى جدل: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي. وهذا لسان عربي مبين} فكيف يمكن لمن لسانه أعجمي أن يعلم محمداً هذا الكتاب العربي المبين؟ وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، واغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يدبرونه وهم يعلمون كذبه وافتراءه. وإلا فكيف يقولون ـ وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه ـ إن أعجميا يملك أن يعلم محمدا هذا الكتاب. ولئن كان قادرا على مثله ليظهرن به لنفسه! واليوم، بعد ما تقدمت البشرية كثيرا، وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات، وعن نظم وتشريعات؛ يملك كل من يتذوق القول، وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية، والتشريعات القانونية أن يدرك أن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من عمل البشر. وحتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية، عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام 1954كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد ـ هو محمد ـ بل من عمل جماعة كبيرة. وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية بل إن بعض أجزائه كتب خارجها!!! دعاهم إلى هذا استكثار هذا الكتاب على موهبة رجل واحد. وعلى علم أمة واحدة. ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم: إنه من وحي رب العالمين. لأنهم ينكرون أن يكون لهذا الوجود إله، وأن يكون هناك وحي ورسل ونبوات! فكيف كان يمكن ـ وهذا رأي جماعة من العلماء في القرن العشرين ـ أن يعلمه بشر لسانه أعجمي عبد لبني فلان في الجزيرة العربية؟! ويعلل القرآن هذه المقولة الضالة فيقول: {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم}.. فهؤلاء الذين لم يؤمنوا بآيات الله لم يهدهم الله إلى الحقيقة في أمر هذا الكتاب، ولا يهديهم إلى الحقيقة في شيء ما. بكفرهم وإعراضهم عن الآيات المؤدية إلى الهدى {ولهم عذاب أليم} بعد ذلك الضلال المقيم. ثم يثني بأن الافتراء على الله لا يصدر إلا من مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون. ولا يمكن أن يصدر من الرسول الأمين: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله. وأولـئك هم الكاذبون}.. فالكذب جريمة فاحشة لا يقدم عليها مؤمن. وقد نفى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث له صدورها عن المسلم، وإن كان يصدر عنه غيرها من الذنوب. ثم ينتقل السياق إلى بيان أحكام من يكفر بعد الإيمان: {من كفر بالله من بعد إيمانه ـ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ـ ولـكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم. ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين. أولـئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأولـئك هم الغافلون. لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون}.. ولقد لقي المسلمون الأوائل في مكة من الأذى ما لا يطيقه إلا من نوى الشهادة، وآثر الحياة الأخرى، ورضي بعذاب الدنيا عن العودة إلى ملة الكفر والضلال. والنص هنا يغلظ جريمة من كفر بالله من بعد إيمانه. لأنه عرف الإيمان وذاقه، ثم ارتد عنه إيثاراً للحياة الدنيا على الآخرة. فرماهم بغضب من الله، وبالعذاب العظيم، والحرمان من الهداية؛ ووصمهم بالغفلة وانطماس القلوب والسمع والأبصار؛ وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون.. ذلك أن العقيدة لا يجوز أن تكون موضع مساومة، وحساب للربح والخسارة. ومتى آمن القلب بالله فلا يجوز أن يدخل عليه مؤثر من مؤثرات هذه الأرض؛ فللأرض حساب، وللعقيدة حساب ولا يتداخلان. وليست العقيدة هزلا، وليست صفقة قابلة للأخذ والرد فهي أعلى من هذا وأعز. ومن ثم كل هذا التغليظ في العقوبة، والتفظيع للجريمة. واستثنى من ذلك الحكم الدامغ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. أي من أظهر الكفر بلسانه نجاة لروحه من الهلاك، وقلبه ثابت على الإيمان مرتكن إليه مطمئن به. وقد روي أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر. روى ابن جرير ـ بإسناده ـ عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: "حديث : أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ـ "كيف تجد قلبك"؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن عادوا فعد"تفسير : .. فكانت رخصة في مثل هذه الحال. وقد أبى بعض المسلمين أن يظهروا الكفر بلسانهم مؤثرين الموت على لفظة باللسان. كذلك صنعت سمية أم ياسر، وهي تطعن بالحربة في موضع العفة حتى تموت وكذلك صنع أبوه ياسر. وقد كان بلال ـ رضوان الله عليه ـ يفعل المشركون به الأفاعيل حتى ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم وهو يقول: أحد. أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله. فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع! فلم يزل يقطعه إربا إربا، وهو ثابت على ذلك. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذيفة السهمي ـ أحد الصحابة رضوان الله عليهم ـ أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم، فقال له: تَنَصَّر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب أن أرجع عن دين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ طرفة عين ما فعلت. فقال: إذن أقتلك، فقال: أنت وذاك. قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريباً من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى. ثم أمر به فأنزل. ثم أمر بقدر. وفي رواية: بقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح. وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها. فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى. فطمع فيه ودعاه. فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي رواية أنه سجنه، ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبل رأسي. وأنا أطلقك. فقال: تطلق معي جميع أسارى المسلمين. فقال: نعم. فقبل رأسه، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده. فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما. ذلك أن العقيدة أمر عظيم، لا هوادة فيها ولا ترخص، وثمن الاحتفاظ بها فادح، ولكنها ترجحه في نفس المؤمن، وعند الله. وهي أمانة لا يؤتمن عليها إلا من يفديها بحياته وهانت الحياة وهان كل ما فيها من نعيم. {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم. يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. وتوفى كل نفس ما عملت، وهم لا يظلمون}. وقد كانوا من ضعاف العرب، الذين فتنهم المشركون الطغاة عن دينهم بالعذاب وغيره. ولكنهم هاجروا بعد ذلك عندما أمكنتهم الفرصة، وحسن إسلامهم، وجاهدوا في سبيل الله، صابرين على تكاليف الدعوة. فالله يبشرهم بأنه سيغفر لهم ويرحمهم {إن ربك لغفور رحيم}. ذلك يوم تشغل كل نفس بأمرها، لا تتلفت إلى سواها؛ {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} وهو تعبير يلقي ظل الهول الذي يشغل كل امرئ بنفسه، يجادل عنها لعلها تنجو من العذاب. ولا غناء في انشغال ولا جدال. إنما هو الجزاء. كل نفس وما كسبت. {وهم لا يظلمون}..

ابن عاشور

تفسير : لما جاء أن هذا القرآن تبيان لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين حسن التخلّص إلى تبيان أصول الهدى في التشريع للدين الإسلامي العائدة إلى الأمر والنهي، إذ الشريعة كلها أمر ونهي، والتّقوى منحصرة في الامتثال والاجتناب، فهذه الآية استئناف لبيان كون الكتاب تبياناً لكل شيء، فهي جامعة أصول التّشريع. وافتتاح الجملة بحرف التوكيد للاهتام بشأن ما حوته. وتصديرُهما باسم الجلالة للتّشريف، وذكر {يأمر} {وينهى} دون أن يقال: اعدلوا واجتنبوا الفحشاء، للتّشويق. ونظيره ما في الحديث «حديث : إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً» تفسير : الحديث. والعدل: إعطاء الحقّ إلى صاحبه. وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المُعاملات، إذ المسلم مأمور بالعدل في ذاته، قال تعالى: {أية : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} تفسير : [سورة البقرة: 195]، ومأمور بالعدل في المعاملة، وهي معاملة مع خالقه بالاعتراف له بصفاته وبأداء حقوقه؛ ومعاملة مع المخلوقات من أصول المعاشرة العائلية والمخالطة الاجتماعية وذلك في الأقوال والأفعال، قال تعالى: {أية : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} تفسير : [سورة الأنعام: 152]، وقال تعالى: {أية : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} تفسير : وقد تقدم في سورة النساء (58). ومن هذا تفرّعت شعب نظام المعاملات الاجتماعية من آداب، وحقوق وأقضية، وشهادات، ومعاملة مع الأمم، قال تعالى: {أية : ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} تفسير : [سورة المائدة: 8]. ومرجع تفاصيل العدل إلى أدلّة الشريعة. فالعدل هنا كلمة مُجملة جامعة فهي بإجمالها مناسبة إلى أحوال المسلمين حين كانوا بمكّة، فيصار فيها إلى ما هو مقرّر بين الناس في أصول الشرائع وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، فحقوق المسلمين بعضهم على بعض من الأخوّة والتناصح قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية. وأما الإحسان فهو معاملة بالحسنى ممن لا يلزمه إلى من هو أهلها. والحسَن: ما كان محبوباً عند المعامَل به ولم يكن لازماً لفاعله، وأعلاه ما كان في جانب الله تعالى مما فسّره النبي بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ودون ذلك التقرّب إلى الله بالنوافل. ثم الإحسان في المعاملة فيما زاد على العدل الواجب، وهو يدخل في جميع الأقوال والأفعال ومع سائر الأصناف إلا ما حُرم الإحسانَ بحكم الشرع. ومن أدْنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ: «حديث : أن امرأة بَغِيّا رأت كلباً يلهث من العطش يأكل الثّرى فنزعت خُفَّها وأدْلَتْه في بئر ونزعت فسقته فغفر الله لها»تفسير : . وفي الحديث «حديث : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحة»تفسير : . ومن الإحسان أن يجازي المحسَنُ إليه المحسِن على إحسانه إذ ليس الجزاء بواجب. فإلى حقيقة الإحسان ترجع أصول وفروع آداب المعاشرة كلها في العائلة والصحبة. والعفوُ عن الحقوق الواجبة من الإحسان لقوله تعالى: {أية : والعافيّن عن الناس والله يحبّ المحسنين} تفسير : [سورة آل عمران: 134]. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وبالوالدين إحسانا} تفسير : في سورة الأنعام (151). وخَصّ الله بالذّكر من جنس أنواع العدل والإحسان نوعاً مُهمّاً يكثر أن يغفل الناس عنه ويتهاونوا بحقّه أو بفضله، وهو إيتاء ذي القربى فقد تقرّر في نفوس الناس الاعتناء باجتلاب الأبعدِ واتّقاء شرّه، كما تقرّر في نفوسهم الغفلة عن القريب والاطمئنان من جانبه وتعوّد التساهل في حقوقه. ولأجل ذلك كثر أن يأخذوا أموال الأيتام من مواليهم، قال تعالى: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم} تفسير : [سورة النساء: 2]، وقال: {أية : وآت ذا القربى حقّه} تفسير : [سورة الإسراء: 26]، وقال: {أية : وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} تفسير : [سورة النساء: 127] الآية. ولأجل ذلك صرفوا معظم إحسانهم إلى الأبْعدين لاجتلاب المحمدة وحسن الذّكر بين الناس. ولم يزل هذا الخلق متفشّياً في الناس حتى في الإسلام إلى الآن ولا يكترثون بالأقربين. وقد كانوا في الجاهلية يقصدون بوصايا أموالهم أصحابهم من وجوه القوم، ولذلك قال تعالى: {أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين} تفسير : [سورة البقرة: 180]. فخصّ الله بالذكر من بين جنس العدل وجنس الإحسان إيتاء المال إلى ذي القربى تنبيهاً للمؤمنين يومئذٍ بأن القريب أحقّ بالإنصاف من غيره. وأحقّ بالإحسان من غيره لأنه محل الغفلة ولأن مصلحته أجدى من مصلحة أنواع كثيرة. وهذا راجع إلى تقويم نظام العائلة والقبيلة تهيئةً بنفوس الناس إلى أحكام المواريث التي شرعت فيما بعد. وعطف الخاص على العام اهتماماً به كثير في الكلام، فإيتاء ذي القربى ذو حكمين: وجوب لبعضه، وفضيلة لبعضه، وذلك قبل فرض الوصية، ثم فرض المواريث. وذو القربى: هو صاحب القرابة، أي من المؤتي. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} تفسير : في سورة الأنعام (152). والإيتاء الإعطاء. والمراد إعطاء المال، قال تعالى: {أية : قال أتمدّوننِ بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم} تفسير : [سورة النمل: 36]، وقال: {أية : وآتى المال على حبّه} تفسير : [سورة البقرة: 177]. ونهى الله عن الفحشاء والمنكر والبغي وهي أصول المفاسد. فأما الفحشاء: فاسم جامع لكل عمل أو قول تستفظعه النفوس لفساده من الآثام التي تفسد نفس المرء: من اعتقاد باطل أو عمل مفسد للخلق، والتي تضرّ بأفراد الناس بحيث تلقي فيهم الفساد من قتل أو سرقة أو قذف أو غصب مال، أو تضرّ بحال المجتمع وتدخل عليه الاضطراب من حرابة أو زنا أو تقامر أو شرب خمر. فدخل في الفحشاء كل ما يوجب اختلال المناسب الضروري، وقد سمّاها الله الفواحش. وتقدم ذكر الفحشاء عند قوله تعالى: {أية : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء} تفسير : في سورة البقرة (169)، وقوله: {أية : قل إنما حرّم ربّي الفواحش} تفسير : في سورة الأعراف (33) وهي مكية. وأما المنكر فهو ما تستنكره النفوس المعتدلة وتكرهه الشريعة من فعل أو قول، قال تعالى: {أية : وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً } تفسير : [سورة المجادلة: 2]، وقال: {أية : وتأتون في ناديكم المنكر} تفسير : [سورة العنكبوت: 29]. والاستنكار مراتب، منها مرتبة الحرام، ومنها مرتبة المكروه فإنه منهيّ عنه. وشمل المنكر كل ما يفضي إلى الإخلال بالمناسب الحاجي، وكذلك ما يعطّل المناسب التحسيني بدون ما يفضي منه إلى ضرّ. وخصّ الله بالذّكر نوعاً من الفحشاء والمنكر، وهو البغي اهتماماً بالنّهي عنه وسدّاً لذريعة وقوعه، لأن النفوس تنساق إليه بدافع الغضب وتغفل عما يشمله من النهي من عموم الفحشاء بسبب فُشُوّه بين الناس؛ وذلك أن العرب كانوا أهل بأس وشجاعة وإباء، فكانوا يكثر فيهم البغي على الغير إذا لقي المُعجَب بنفسه من أحد شيئاً يكرهه أو معاملةً يعُدّها هضيمة وتقصيراً في تعظيمه. وبذلك كان يختلط على مُريد البغي حُسْنُ الذبّ عما يسمّيه الشرف وقُبْحُ مجاوزة حدّ الجزاء. فالبغيُ هو الاعتداء في المعاملة، إما بدون مقابلة ذنب كالغارة التي كانت وسيلة كسب في الجاهلية، وإما بمجاوزة الحدّ في مقابلة الذنب كالإفراط في المؤاخذة، ولذا قال تعالى: {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتّقوا الله} تفسير : [سورة البقرة: 194]. وقال: {أية : ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغِيَ عليه لينصرنّه الله} تفسير : [سورة الحج: 60]. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : والإثم والبغي بغير الحقّ} تفسير : في سورة الأعراف (33). فهذه الآية جمعت أصول الشريعة في الأمر بثلاثة، والنهي عن ثلاثة، بل في الأمر بشيئين وتكملة، والنّهي عن شيئين وتكملة. روى أحمد بن حنبل: أن هذه كانت السبب في تمكّن الإيمان من عثمان بن مظعون، فإنها لما نزلت كان عثمان بن مظعون بجانب رسول الله وكان حديثَ الإسلام، وكان إسلامه حياءً من النبي وقرأها النبي عليه. قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان في قلبي. وعن عثمان بن أبي العاص: كنت عند رسول الله جالساً إذ شخص بصره، فقال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع {إن الله يأمر بالعدل} الآية اهــــ. وهذا يقتضي أن هذه الآية لم تنزل متّصلة بالآيات التي قبلها فكان وضعها في هذا الموضع صَالحاً لأن يكون بياناً لآية {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} تفسير : [سورة النحل: 89] الخ، ولأن تكون مقدّمة لما بعدها {أية : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} تفسير : [سورة النحل: 91] الآية. وعن ابن مسعود: أن هذه الآية أجمع آية في القرآن. وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به في هذه الآية، وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها. وروى ابن ماجه عن عليّ قال: أمر الله نبيئه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة في الموسم. فدعاهم إلى الإسلام وأن ينصروه، فقال مفروق بن عمرو منهم: إلاَم تدعونا أخا قريش، فتلا عليهم رسول الله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية. فقال: دعوتَ والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذّبوك وظاهروا عليك. وقد روي أن الفقرات الشهيرة التي شهد بها الوليد بن المغيرة للقرآن من قوله: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بكلام بشر» قالها عند سماع هذه الآية. وقد اهتدى الخليفة عمر بن عبد العزيز ــــ رحمه الله ــــ إلى ما جمعته هذه الآية من معاني الخير فلما استخلف سنة 99 كتب يأمر الخطباء بتلاوة هذه الآية في الخطبة يوم الجمعة وتُجعل تلاوتها عوضاً عما كانوا يأتونه في خطبة الجمعة من كلمات سبّ عليّ بن أبي طالب ــــ رضي الله عنه ــــ. وفي تلاوة هذه الآية عوضاً عن ذلك السبّ دقيقةُ أنها تقتضي النّهي عن ذلك السبّ إذ هو من الفحشاء والمنكر والبغي. ولم أقف على تعيين الوقت التي ابتدع فيه هذا السبّ ولكنه لم يكن في خلافة معاوية ــــ رضي الله عنه ــــ. وفي «السيرة الحلبية» أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألّف كتاباً سماه «الشجرة» بيّن فيه أن هذه الآية اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية وسمّاه السبكي في الطبقات «شجرة المعارف». وجملة {يعظكم} في موضع الحال من اسم الجلالة. والوعظ: كلام يقصد منه إبعاد المخاطب به عن الفساد وتحريضه على الصلاح. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فأعرض عنهم وعظهم} تفسير : في سورة النساء (63). والخطاب للمسلمين لأن الموعظة من شأن من هو محتاج للكمال النفساني، ولذلك قارنها بالرجاء بـ{لعلكم تذَّكرون}. والتذكر: مراجعة المنسيّ المغفول عنه، أي رجاء أن تتذكروا، أي تتذكروا بهذه الموعظة ما اشتملت عليه فإنها جامعة باقية في نفوسكم.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يأمر خلقه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. وأنه ينهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي. لأجل أن يتَّعظوا بأوامره ونواهيه، فيمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه. وحذف مفعول "يأمر"، "وينهى" لقصد التعميم. ومن الآيات التي أمر فيها بالعدل قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة: 8]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ}تفسير : [النساء: 58]. ومن الآيات التي أمر فيها بالإحسان قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [البقرة: 195]، وقوله: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }تفسير : [البقرة: 83]، وقوله: {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص: 77]، وقوله: {أية : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}تفسير : [البقرة: 83] وقوله: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ }تفسير : [التوبة: 91]. ومن الآيات التي أمر فيها بإيتاء ذي القربي قوله تعالى: {أية : فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الروم: 38]، وقوله {أية : وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً }تفسير : [الإسراء: 26] وقوله: {أية : وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [البقرة: 177] الآية، وقوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ}تفسير : [البلد: 14-15]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الآيات التي نهى فيها عن الفحشاء والمنكر والبغي قوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}تفسير : [الأنعام: 151] الآية، وقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [الأعراف: 33] الآية، وقوله: {أية : وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ}تفسير : [الأنعام: 120] والمنكر وإن لم يصرح باسمه في هذه الآيات، فهو داخل فيها. ومن الآيات التي جمع فيها بين الأمر بالعدل والتفضل بالإحسان قوله: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}تفسير : [النحل: 126] فهذا عدل، ثم دعا إلى الإحسان بقوله: {أية : وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }تفسير : [النحل: 126] وقوله {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى: 40]. وقوله: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ}تفسير : [المائدة: 45] فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله {أية : فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ }تفسير : [المائدة: 45]، وقوله {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ}تفسير : [الشورى: 41] الآية، فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]، وقوله {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}تفسير : [النساء: 148] فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله: {أية : إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}تفسير : [النساء: 149] إلى غير ذلك من الآيات. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن العدل في اللغة: القسط والإنصاف، وعدم الجور. وأصله التوسط بين المرتبتين. أي الإفراط والتفريط. فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل. والإحسان مصدر أحسن، وهي تستعمل متعدية بالحرف نحو: أحسن إلى والديك. ومنه قوله تعالى عن يوسف: {أية : وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ}تفسير : [يوسف: 10] الآية. وتستعمل متعدية بنفسها. كقولك: أحسن العامل عمله، أي اجاده وجاء به حسناً. والله جل وعلا يأمر بالإحسان بمعنييه المذكورين، فهما داخلان في الآية الكريمة، لأن الإحسان إلى عباد الله لوجه الله عمل أحسن فيه صاحبه. وقد فسر النَّبي صلى الله عليه وسلم الإحسان في حديث جبريل بقوله: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : . وقد قدمنا ذلك (في سورة هود). فإذا عرفت هذا، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا. كقول ابن عباس: العدل: لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض. لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط، وتجنب التفريط والإفراط. ومن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد أحسن. ولذا قال النَّبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات: "حديث : أفلح إن صدق"تفسير : . وكقول سفيان: العدل: استواء العلانية والسريرة. والإحسان: أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وكقول علي رضي الله عنه: العدل:الإنصاف. والإحسان: التفضل. إلى غير ذلك من أقوال السلف. والعلم عند الله تعالى: وقوله {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. الوعظ: الكلام الذي تلين له القلوب. تنبيه فإن قيل: يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي. كقوله هنا {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} مع أنه ما ذكر إل االأمر والنهي في قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} [النحل: 90] إلى قوله {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ}[النحل:90] الآية، وكقوله في (سورة البقرة) بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة: {أية : ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [البقرة: 232]، وقوله (في الطلاق) في نحو ذلك أيضاً: {أية : ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [الطلاق: 2]. وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة: {أية : يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً}تفسير : [النور: 17] الآية. مع أن المعروف عند الناس: أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك، لا بالأمر والنهي. فالجواب - أن ضابط الوعظ: هو الكلام الذي تلين له القلوب وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه. فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله. وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه. فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفاً وطمعاً. والفحشاء في لغة العرب: الخصلة المتناهية في القبح. ومنه قيل لشديد البخل: فاحش. كما في قول طرفة في معلقته: شعر : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : والمنكر اسم مفعول أنكر. وهو في الشرع: ما أنكره الشرع ونهى عنه وأوعد فاعله العقاب. والبغي: الظلم. وقد بين تعالى: أن الباغي يرجع ضرر بغيه على نفسه في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [يونس: 23]، وقوله: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43]. وقوله: {ذِي ٱلْقُرْبَىٰ}. أي صاحب القرابة من جهة الأب أو الأم، أو هما معاً. لأن إيتاء ذي القربى صدقة وصلة رحم. والإيتاء: الإعطاء. وأحد المفعولين محذوف. لأن المصدر أضيف إلى المفعول الأول وحذف الثاني. والأصل وإيتاء صاحب القرابة. كقوله: {أية : وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [البقرة: 177] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: العدل: الإِنصاف ومنه التوحيد. الإحسان: أداء الفرائض وترك المحارم مع مراقبة الله تعالى. وإيتاء ذي القربى: أي إعطاء ذي القربى حقوقهم من الصلة والبر. عن الفحشاء: الزنا. يعظكم: أي يأمركم وينهاكم. تذكرون: أي تتعظون. توكيدها: أي تغليظها. نقضت غزلها: أي أفسدت غزلها بعد ما غزلته. من بعد قوة: أي أحكام له وبرم. أنكاثاً: جمع نكث وهو ما ينكث ويحل بعد الإِبرام. كالتي نقضت غزلها: هي حمقاء مكة وتدعى رَيْطَة بنت سعد بن تيم القرشية. دخلاً بينكم: الدخل ما يدخل في الشيء وهو ليس منه للإِفساد والخديعة. أربى من أمة: أي أكثر منها عدداً وقوة. معنى الآيات: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} أي أن الله يأمر في الكتاب الذي أنزله تبياناً لكل شيء، يأمر بالعدل وهو الإِنصاف ومن ذلك أن يعبد الله بذكره وشكره لأنه الخالق المنعم وتترك عبادة غيره لأن غيره لم يخلق ولم يرزُق ولم ينعم بشيء. ولذا فسر هذا اللفظ بلا إله إلا الله، {وَٱلإحْسَانِ} وهو أداء الفرائض واجتناب المحرمات مع مراقبة الله تعالى في ذلك حتى يكون الأداء على الوجه المطلوب إتقاناً وجودة والإِجتناب خوفاً من الله حياء منه، وقوله {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي ذوي القرابات حقوقهم من البر والصلة. هذا مما أمر الله تعالى به في كتابه، ومما ينهى عنه الفحشاء وهو الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه وفحش حتى البخل {وَٱلْمُنْكَرِ} وهو كل ما أنكر الشرع وأنكرته الفطر السليمة والعقول الراجحة السديدة، وينهى عن البغي وهو الظلم والاعتداء ومجاوزة الحد في الأمور كلها، وقوله {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي أمر بهذا في كتابه رجاء أن تذكروا فتتعظوا فتمتثلوا الأمر وتجتنبوا النهي. وبذلك تكملون وتسعدون. ولذا ورد أن هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} إلى {تَذَكَّرُونَ} هي أجمع آية في كتاب الله للخير والشر. وهي كذلك فما من خيرٍ إلا وأمرت به ولا من شر إلا ونهت عنه. وقوله تعالى {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} أمر من الله تعالى لعبادة المؤمنين بالوفاء بالعهود فعلى كل مؤمن بايع إماماً أو عاهد أحداً على شيء أن يفي له بالعهد ولا ينقصه. "حديث : إذ لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" تفسير : كما في الحديث الشريف.. وقوله تعالى {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} الأيمان جمع يمين وهو الخلف بالله وتوكيدها تغليظها بالألفاظ الزائدة {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} اي وكيلاً، أي أثناء حلفكم به تعالى، فقد جعلتموه وكيلاً، فهذه الآية حرمت نقض الأيمان وهو نكثها وعدم الإِلتزام بها بالحنث فيها لمصالح مادية. وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فيه وعيد شديد لمن ينقض أيمانه بعد توكيدها. وقوله تعالى {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا}، وهي امرأة بمكة حمقاء تغزل ثم تنكث غزلها وتفسده بعد إبرامه وإحكامه فنهى الله تعالى المؤمنين أن ينقضوا أيمانهم بعد توكيدها فتكون حالهم كحال هذه الحمقاء. وقوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي إفساداً وخديعة كأن تحالفوا جماعة وتعاهدوها، ثم تنقضون عهدكم وتحلون ما أبرمتم من عهد وميثاق وتعاهدون جماعة أخرى لأنها أقوى وتنتفعون بها أكثر. هذا معنى قوله تعالى {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ} أي جماعة أكثر من جماعة رجالاً وسلاحاً أو مالاً ومنافع. وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} أي يختبركم فتعرض لكم هذه الأحوال وتجدون أنفسكم تميل إليها، ثم تذكرون نهي ربكم عن نقض الأيمان والعهود فتتركوا ذلك طاعة لربكم أولاً تفعلوا إيثاراً للدنيا عن الآخرة، {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} ثم يحكم بينكم ويجزيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.. وقوله تعالى {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} على التوحيد والهداية لفعل.. ولكن اقتضت حكمته العالية أن يهدي من يشاء هدايته لأنه رغب فيها وطلبها، ويضل من يشاء إضلاله لأنه رغب في الضلال وطلبه وأصر عليه بعد النهي عنه. وقوله تعالى: {وَلَتُسْأَلُنَّ} أي سؤال توبيخ وتأنيب {عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} من سوء وباطل، ولازم ذلك الجزاء العادل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسئية فلا يجزى إلا بمثلها وهم لا يظلمون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أجمع آية للخير والشر في القرآن وهي آية {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ..} الآية [90]. 2- وجوب العدل والإِحسان وإعطاء ذوي القربى حقوقهم الواجبة من البر والصلة. 3- تحريم الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه من الفواحش الظاهرة والباطنة. 4- تحريم البغي وهو الظلم بجميع صوره وأشكاله. 5- وجوب الوفاء بالعهود وحزمة نقضها. 6- حرمة نقض الأيمان بعد توكيدها وتوطين النفس عليها لتخرج لغو اليمين. 7- من بايع أميراً أو عاهد احداً يجب عليه الوفاء ولا يجوز النقض والنكث لمنافع دنيوية أبداً.

القطان

تفسير : العدل: الانصاف، والاستقامة واعطاء كل ذي حق حقه. العهد: كل ما يلتزمه الانسان باختياره. ولا تنقضوا الايمان: لا تحنثوا بها. كفيلا: ضامنا. انكاثا: واحدها نكث، بمعنى منكوث، منقوض. دخلا بينكم: مكرا وخديعة: اربى: أكثر. {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ان الله يأمر عبادَه بالعدل في اقوالهم وأفعالهم، والإحسانِ الى الناس والتفضُّل عليهم ومساعدتهم، ويأمر بِصِلَة الأقارب والأرحام وإعطائهم ما يحتاجون اليه لدعم روابط المحبة بين الأُسَر، وينهى عن إتيان الفواحش والغلو في تحصيل الشهوات، كما ينهى عن الظلم والاعتداءِ على الغير.. واللهُ سبحانه يذكّركم بهذا ايها الناس ويوجّهكم الى الخير لعلكم تتذكرون فضله. أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي انه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي: صف العدل، فقلت بخٍ، سألتَ عن أمرٍ جسيم، كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمِثْل أخاً، وللنساءِ كذلك، وعاقبِ الناس قدْر ذنوبهم، ولا تضرِبنّ لغضبك سوطا واحداً فتكون من العادين. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حديث : اجمعُ آية في كتاب الله للخير والبعد عن الشر قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...} الآية . تفسير : رواه البخاري وابن جرير وابن المنذر. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. أوفوا أيها المؤمنون بالعهود التي تعطُونها على انفسكم، ولا تنقضوا الأيمان بالحنْثِ فيها بعدِ عقدِها، وقد جعلتم الله كفيلاً عليكم بالأيمان التي حلفتموها، ان الله رقيبٌ ومطلع عليكم، فكونوا عند عهودكم وأيمانكم. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}. لقد شدّد الاسلام على الوفاء بالعهود، ولم يتسامح فيها ابدا، لأنها قاعدةُ الثقة التي ينفرط بدونها عقدُ الجماعة، ولذلك أكد هنا بضربِ هذا المثل، بالمرأة الحمقاء التي تفتِلُ غَزْلَها ثم تنقضُه من بعد ان يكون قد اكتمل، منتخذين أيمانكم وسيلةً للمكرِ والخداع، وتنوون الغدر بمن عاقدتم، لأنكم اكثرُ وأقوى منهم. {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. انما يختبركم الله، فإن آثرتُم الوفاءَ كان لكم الغُنم في الدنيا والآخرة، وان اتجهتم الى الغدر كان الخسران، وليبيّنَ لكم يومَ القيامة حقيقةَ ما كنتم تختلفون عليه في الدنيا، ويجازيكم حسب أعمالكم. وهاتان الآيتان تدلان على أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم، مع العدالة والوفاء بالعهد وان العلاقات الدولية لا تنظَّم الا بالوفاء بالعهود، وان الدول الاسلامية إذا عقدت عهداً فإنما تعقده باسم الله فهو يتضمن يمين الله وكفالته، وفيهما ثلاثة معان لو نفَّذتها الدولُ لساد السلم العالم. اولها: انه لا يصح ان تكون المعاهدات سبيلاً للخديعة وإلا كانت غشّاً، والغش غير جائز في الاسلام في العلاقات الانسانية سواء كانت بين الافراد او الجماعات والدول. ثانيها: ان الوفاء بالعهد قوةٌ في ذاته، وان من ينقض عهده يكون كمن نقض ما بناه من اسباب القوة، مثلَ تلك الحمقاء التي نقضت غَزْلها بعد ان أحكمته. ثالثها: انه لا يصح ان يكون الباعث على نكث العهد الرغبةَ في القوة او الزيادة في رقعة الأرض او نحو ذلك، كما تفعل اسرائيل، وكانت من ورائها بريطانيا، واليوم امريكا. هذه المبادئ لم تكن معمولاً بها قبل الاسلام، وقد رأينا دولاً عظمى لم تفِ بالعهد وكذبت في عهودها فبدّد الله شملَها وعادت من الدول الفقيرة الحقيرة. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. ولو شاء الله لجعل الناس على دين واحد، ولكنه خلقهم متفاوتين بالاستعداد، وجعل نواميس للهدى والضلال، وشاء ان تختلفوا في الأجناس والالوان، ولكّلٍ اختيارٌ أُوتيه بحسب استعداده، وكلٌّ مسئول عما يعمل، فلا يكون الاختلاف في العقيدة سببا في نقض العهود. وهذه قمة في صدق التعامل والسماحة الدينية، لم يحققها في واقع الحياة الا الاسلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإحْسَانِ} {وَإِيتَآءِ} (90) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي كِتَابِهِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِالعَدْلِ وَالإِنْصَافِ، وَيَنْدُبُ إِلى الإِحْسَانِ وَالفَضْلِ، وَيَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِعْطَاءِ ذَوِي القُرْبَى مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَيَنْهَى عَنِ ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَالفَوَاحِشِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، مِمَّا يَأْتِيهِ العَبْدُ سِرّاً وَخفْيَةً. وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالخَيْرِ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَالشَّرِّ، لَعَلَّكُمْ تَتَذَكَّرُونَ مَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطْرَةِ مِنْ وَحْيٍ قَوِيمٍ أصِيلٍ، فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ. العَدْلِ - الاعْتِدَالِ وَالتَّوَسُّطِ فِي الأَمْرِ. الإِحْسَانِ - إِتْقَانِ العَمَلِ، أَوْ نَفْعِ الخَلْقِ. الفَحْشَاءِ - الذُّنُوبِ المُفْرِطَةِ في القُبْحِ. المُنْكَرِ - مَا تُنْكِرُهُ العُقُولُ مِنَ المَسَاوِئِ. البَغْيِ - الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي وَالتَّطَاوُلِ عَلَى النَّاسِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : للحق تبارك وتعالى في هذه الآية ثلاثة أوامر: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القُرْبى. وثلاثة نَواهٍ: عن الفحشاء والمنكر والبغي. ولما نزلت هذه الآية قال ابن مسعود: أجمعُ آيات القرآن للخير هذه الآية لأنها جمعتْ كل الفضائل التي يمكن أن تكون في القرآن الكريم. ولذلك سيدنا عثمان بن مظعون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب له أن يُسلِم، وكان يعرض عليه الإسلام دائماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب عَرْض الإسلام على أحد إلا إذا كان يرى فيه مخايل وشِيَماً تحسن في الإسلام. وكأنه - صلى الله عليه وسلم - ضَنَّ بهذه المخايل أن تكون في غير مسلم، لذلك كان حريصاً على إسلامه وكثيراً ما يعرضه عليه، إلا أن سيدنا عثمان بن مظعون تريَّث في الأمر، إلى أن جلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مجلس، فرآه رفع بصره إلى السماء ثم تنبه، فقال له ابن مظعون: ما حدث يا رسول الله؟ فقال: إن جبريل - عليه السلام - قد نزل عليَّ الساعة بقول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. قال ابن مظعون - رضي الله عنه: فاستقر حبُّ الإيمان في قلبي بهذه الآية الجامعة لكل خصال الخير. ثم ذهب فأخبر أبا طالب، فلما سمع أبو طالب ما قاله ابن مظعون في هذه الآية قال: يا معشر قريش آمِنُوا بالذي جاء به محمد، فإنه قد جاءكم بأحسن الأخلاق. حديث : ويُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض نفسه على قبائل العرب، وكان معه أبو بكر وعلي، قال علي: فإذا بمجلس عليه وقار ومَهَابة، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقام إليه مقرون بن عمرو وكان من شيبان ابن ثعلبة فقال: إلى أي شيء تدعونا يا أخا قريش؟ فقال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. فقال مقرون: إنك دعوت إلى مكارم الأخلاق وأحسن الأعمال، أفِكتْ قريش إن خاصمتْك وظاهرتْ عليك . تفسير : أخذ عثمان بن مظعون هذه الآية ونقلها إلى عكرمة بن أبي جهل، فأخذها عكرمة ونقلها إلى الوليد بن المغيرة، وقال له: إن آية نزلت على محمد تقول كذا وكذا، فأفكر الوليد بن المغيرة - أي: فكَّر فيما سمع - وقال: والله إن له لحلاوةً، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعْلَى عليه، وما هو بقول بشر. ومع شهادته هذه إلا أنه لم يؤمن، فقالوا: حَسْبُه أنه شهد للقرآن وهو كافر. وهكذا دخلتْ هذه الآيةُ قلوبَ هؤلاء القوم، واستقرتْ في أفئدتهم؛ لأنها آيةٌ جامعةٌ مانعةٌ، دعَتْ لكل خير، ونَهتْ عن كل شر. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ..} [النحل: 90]. ما العدل؟ العدل هو الإنصاف والمساواة وعدم الميْل؛ لأنه لا يكون إلا بين شيئين متناقضين، لذلك سُمِّي الحاكم العادل مُنْصِفاً؛ لأنه إذا مَثَلَ الخصمان أمامه جعل لكل منهما نصفَ تكوينه، وكأنه قسَم نفسه نصفين لا يميل لأحدهما ولا قَيْد شعرة، هذا هو الإنصاف. ومن أجل الإنصاف جُعِل الميزان، والميزان تختلف دِقّته حَسْب الموزون، فحساسية ميزان البُرّ غير حساسية ميزان الجواهر مثلاً، وتتناهى دقّة الميزان عند أصحاب صناعة العقاقير الطبية، حيث أقلّ زيادة في الميزان يمكن أن تحوّل الدواء إلى سُمٍّ، وقد شاهدنا تطوراً كبيراً في الموازين، حتى أصبحنا نزن أقلّ ما يمكن تصوّره. والعدل دائر في كل أقضية الحياة من القمة في شهادة ألا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق، فالعدل مطلوب في أمور التكليف كلها، في الأمور العقدية التي هي عمل القلب، وكذلك مطلوب في الأمور العملية التي هي أعمال الجوارح في حركة الحياة. فكيف يكون العدل في الأمور العقدية؟ لو نظرنا إلى معتقدات الكفار لوجدنا بعضهم يقول بعدم وجود إله في الكون، فأنكروا وجوده سبحانه مطلقاً، وآخرون يقولون بتعدُّد الآلهة، هكذا تناقضتْ الأقوال وتباعدتْ الآراء، فجاء العدل في الإسلام، فالإله واحد لا شريك له، مُنزّه عَمّا يُشبه الحوادث، كما وقف موقفَ العدل في صفاته سبحانه وتعالى. فلله سَمْع، ولكن ليس كأسماع المحدثات، لا ننفي عنه سبحانه مثل هذه الصفات فنكون من المعطّلة، ولا نُشبّهه سبحانه بغيره فنكون من المشبِّهة، بل نقول: ليس كمثله شيء، ونقف موقف العَدْل والوسطية. كذلك من الأمور العقدية التي تجلَّى فيها عدل الإسلام قضية الجبر والاختيار، حيث اختار موقفاً وسطاً بين مَنْ يقول إن الإنسان يفعل أفعاله باختياره دون دَخْل لله سبحانه في أعمال العبد؛ ولذلك رتَّبَ عليها ثواباً وعقاباً. ومن يقول: لا؛ بل كل الأعمال من الله والعبد مُجْبَر عليها. فيأتي الإسلام بالعدالة والوسطية في هذه القضية فيقول: بل الإنسان يعمل أعماله الاختيارية بالقوة التي خلقها الله فيه للاختيار. وفي التشريع والأحكام حدث تبايُن كبير بين شريعة موسى عليه السلام وبين شريعة عيسى عليه السلام - في القصاص مثلاً: في شريعة موسى حيث طغتْ المادية على بني إسرائيل حتى قالوا لموسى عليه السلام: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153]. فهم لا يفهمون الغيب ولا يقتنعون به، فكان المناسب لهم القِصَاص ولا بُدَّ، ولو تركهم الحق سبحانه لَكَثُر فيهم القتل، فهم لا ينتهون إلا بهذا الحُكْم الرادع: مَنْ قتَل يُقتلُ، والقتل أنْفى للقتل. وقد تعدّى بنو إسرائيل في طلبهم رؤية الله، فكوْنُك ترى الإله تناقض في الألوهية؛ لأنك حين تراه عينُك فقد حددّتَه في حيّز. إذن: كونه لا يرى عَيْن الكمال فيه سبحانه وتعالى. وكيف نطمع في رؤيته جَلَّ وعلاَ، ونحن لا نستطيع رؤية حتى بعض مخلوقاته، فالروح التي بين جَنْبي كل مِنّا ماذا نعرف عن طبيعتها وعن مكانها في الجسم، وبها نتحرك ونزاول أعمالنا، وبها نفكّر، وبها نعيش، أين هي؟! فإذا ما فارقتْ الروح الجسم وأخذ الله سره تحول إلى جيفة يسارع الناس في مواراتها التراب. هل رأيت هذه الروح؟ هل سمعتها؟ هل أدركتها بأي حاسّة من حواسِّك؟! فإذا كانت الروح وهي مخلوقة لله يعجز العقل عن إدراكها، فكيف بمَنْ خلق هذه الروح؟ فمن عظمته سبحانه أنه لا تُدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار. كذلك هناك أشياء مما يتطلبها الدين كالحق مثلاً، وهو معنًى من المعاني التي يدّعيها كل الناس، ويطلبون العمل بها، هذا الحق ما شَكْله؟ ما لونه؟ طويل أم قصير؟! فإذا كُنّا لا نستطيع أن نتصوّر الحق وهو مخلوق لله سبحانه، فكيف نتصور الله ونطمع في رؤيته؟! ومن إسراف بني إسرائيل في المادية أن جعلوا لله تعالى في التلمود جماعة من النقباء، وجعلوه سبحانه قاعداً على صخرة يُدلي رِجْليْه في قصعة من المرمر، ثم أتى حوت .. الخ .. سبحان الله؛ ألهذا الحدِّ وصلتْ بهم المادية؟ ومن هنا كان الكون في حاجة إلى طاقة روحية، تكون هي أيضاً مُسرفة في الروحانية ليحدث نوع من التوازن في الكون، فجاءت شريعة عيسى - عليه السلام - بعد مادية مُفْرطة وإسراف في الموسَوية، فكيف يكون حُكْم القصاص فيها وهي تهدف إلى أنْ تسموَ بروحانيات الناس؟ جاءت شريعة عيسى عليه السلام تُهدّىء الموقف إذا حدث قتل، فيكفي أن قُتِل واحد ولنستبقي الآخر ولا نثير ضجّة، ونهيج الأحقاد والترة بين الناس، فدَعَتْ هذه الشريعة إلى العفو عن القاتل. ثم جاء الإسلام ووقف موقف العدل والوسطية في هذا الحكم، فأقرّ القصاص ودعا إلى العفو، فأعطى وليَّ المقتول حَقّ القصاص، ودعاه في نفس الوقت إلى العفو في قوله تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ..} تفسير : [البقرة: 178]. ونلاحظ هنا أن القرآن جعلهم إخوة لِيُرقّق القلوب ويُزيل الضغائن. وللقصاص في الإسلام حكَم عالية، فليس الهدف منه أن يُضخّم هذه الجريمة، بل يهدف إلى حفظ حياة الناس كما قال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ ..} تفسير : [البقرة: 179]. فمن أراد أنْ يحافظَ على حياته فلا يُهدد حياة الآخرين. وحينما يُعطي ربُّنا تبارك وتعالى حقَّ القصاص لوليّ المقتول ويُمكِّنه منه تبردُ ناره، وتهدأ ثورته، فيفكر في العفو وهو قادر على الانتقام، وهكذا ينزع هذا الحكمُ الغِلَّ من الصدور ويُطفِىء نار الثأر بين الناس. ولذلك نرى في بعض البلاد التي تنتشر فيها عملية الثأر يأتي القاتل حاملاً كفنه على يده إلى وليّ المقتول، ويضع نفسه بين يديه مُعترفاً بجريمته: هاأنا بين يديْك اقتلني وهذا كفنِي. ما حدث ذلك أبداً إلا وعفا صاحب الحق ووليّ الدم، وهذا هو العدل الذي جاء به الإسلام، دين الوسطية والاعتدال. هذا العفو من وليّ الدم أداةُ بِنَاء، ووسيلة محبة، فحين نعطيه حَقّ القصاص، ثم هو يعفو، فقد أصبحت حياة القاتل هبةً من وليّ الدم، فكأنه استأثره واستبقاه بعفوه عنه، وهذا جميل يحفظه أهل القاتل، ويقولون: هذا حَقَن دم ابننا. موقف آخر لعدالة الإسلام ووسطيته نراها في حُكْم الحيض مثلاً، ففي شريعة موسى - عليه السلام - يُخرج الزوج زوجته من البيت طوال مدة الحيض لا يجمعهما بيت واحد. وفي شريعة عيسى - عليه السلام - لا مانع من وجودها في البيت، ولا مانع من معاشرتها والاستمتاع بها. فجاء الإسلام بالعدل في هذه القضية فقال: تبقى المرأة الحائض في بيتها لا تخرج منه، ولكن لا يقربها الزوج طوال مدة الحيض، فقال تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} تفسير : [البقرة: 222]. وكذلك لو أخذنا الناحية الاقتصادية في حياتنا، والتي هي عصب الحياة، والتي بها يتم استبقاء الحياة بالطعام والشراب والملْبس وغيره، وبها يتم استبقاء النوع بالزواج، وكُل هذا يحتاج إلى حركة إنتاج، وإلى حركة استهلاك، وبالإنتاج والاستهلاك تستمر الحياة، ولو توقف أحدهما لحدث في المجتمع بطالة وفساد. وبناء عليه وزّع الحق سبحانه وتعالى المواهب بين العباد، فما أعرفه أنا أخدم به الكل، وما يعرفه الكل يَخدمني به، وهكذا تستمر حركة الحياة. والكون الذي تعيش فيه أنت لك فيه مصالح وتُراودك فيه آمال، فإنْ شاركتَ في حركة الحياة واكتسبتَ المال الذي هو عصبُ الحياة فعليك أن تُوازنَ بين متطلباتك العاجلة وآمالك في المستقبل. فلو أنفقتَ جميع ما اكتسبت في نفقاتك الحاضرة فقد ضيَّعتَ على نفسك تحقيق الآمال في المستقبل، فلن تجد ما تبني به بيتاً مثلاً أو تشتري به سيارة، أو ترتقي بمستواك ببعض كماليات الحياة. وهذا ما نسميه الإسراف. وفي المقابل، كما لا يليق بك الإسراف حتى لا يبقى عندك شيء، وكذلك لا يليق بك التقتير والبخل والإمساك فتكنز كل ما تكتسب، ولا تنفق إلا ما يُمسِك الرمَق؛ لأنك في هذه الحالة لن تساهم في عملية الاستهلاك، فتكون سبباً في بطالة المجتمع وفساد حاله. وقد عالج القرآن هذه القضية علاجاً دقيقاً في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} تفسير : [الإسراء: 29]. أي: لا تُمسك يدك بُخْلاً وتقتيراً، فتكون ملُوماً من أهلك وأولادك، ومن الدنيا من حولك، فيكرهك الجميع، وكذلك لا تبسط يدك بالإنفاق بَسْطاً يصل إلى حَدّ الإسراف والتبذير، فيفوتك تحقيق الآمال وتتحسَّر حينما ترى المقتصد قد حقَّق ما لم تستطع أنت تحقيقه من آمال الحياة، وترقّى هو في حياته وأنت مُعْدم لا تملك شيئاً، فكان عليك أن تدّخر جُزْءاً من كَسْبك يمكنك أن ترتقي به حينما تريد. ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الإسراء: 27]. وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} تفسير : [الفرقان: 67]. إذن: فالعَدْل أمر دائر في كل حركات التكليف، سواء كان تكليفاً عَقَدياً، أو تكليفاً بواسطة الأعمال في حركة الحياة، فالأمر قائم على الوسطية والاعتدال، ومن هنا قالوا: خَيْر الأمور الوسط. وقوله: {وَٱلإحْسَانِ ..} [النحل: 90]. ما الإحسان؟ إذا كان العدل أن تأخذ حقَّك، وأنْ تُعاقب بمثل ما عُوقبت به كما قال تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 194]. وقوله: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} تفسير : [النحل: 126]. فالإحسان أنْ تتركَ هذا الحق، وأنْ تتنازلَ عنه ابتغاءَ وجه الله، عملاً بقوله تعالى: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. والناس في الإحسان على مراتب مختلفة حسب قدرة الإنسان واستِعداده الخُلقي. وأول هذه المراتب كظم الغيظ، من كَظْم القِرْبة المملوءة، فالإنسان يكظم غَيْظه في نفسه، ويحتمل ما يَعتلج بداخله على المذنب دون أن يتعدَّى ذلك إلى الانفعال والردّ بالمثل، ولكنه يظل يعاني ألم الغيظ بداخله وتتأجج ناره في قلبه. لذلك يحسُن الترقي إلى المرتبة الأعلى، وهي مرتبة العفو، فيأتي الإنسان ويقول: لماذا أدَعْ نفسي فريسة لهذا الغيظ؟ لماذا أشغل به نفسي، وأُقَاسي ألمه ومرارته؟ فيميل إلى أنْ يُريح نفسه ويقتلع جذور الغيظ من قلبه، فيعفو عمَّنْ أساء إليه، ويُخرِج المسألة كلها من قلبه. فإنِ ارتقى الإنسان في العفو، سعى إلى المرتبة الثالثة، وهي مرتبة أن تُحسن إلى مَنْ أساء إليك، وتزيد عما فرضَ لك حيث تنازلتَ عن الردِّ بالمثل، وارتقيتَ إلى درجة العارفين بالله، فالذي اعتدى اعتدى بقدرته، وانتقم بما يناسبه، والذي ترقّى في درجات الإحسان ترك الأمر لقدرة الله تعالى، وأيْن قدرتُك من قدرة ربك سبحانه وتعالى؟ إذن: فالإحسان اجمل بالمؤمن، وأفضل من الانتقام. لكن كيف يصل الأمر إلى أنْ تعفوَ عمَّنْ أساء، بل إلى أنْ تُحسِن إليه؟ نقول: هَبْ أن لك ولديْن اعتدى أحدهما على الآخر وأساء إليه، فماذا يكون موقفك منهما؟ وإلى أيّهما يميل قلبك؟ لا شكَّ أن القلب هنا يميل إلى المعتدى عليه، وقد يتعدَّى الأمر إلى أنْ تُرضيه بهدية وتُريه من حنانك وألطافك ما يُذهِب عنه ما يُعاني، والسبب في ذلك إساءة أخيه له فهي التي عطفَتْ قلبك إليه، وعادتْ عليه بالهدايا والألطاف. إذن: من الطبيعي أنْ يُحسِنَ المعتَدى عليه إلى المعتدِي، وأنْ يشكرَ له أنْ تسبَّب له في هذه النعم؛ ولذلك يقول الحسن البصري - رحمه الله: أفلا أُحسِن لمن جعل الله في جانبي؟ فالإحسان: أنْ تصنع فوق ما فرض الله عليك، بشرط أن يكونَ من جنس ما فرض الله عليك، ومن جنس ما تعبَّدنا الله به، فمثلاً تعبدنا الله بخمس صلوات في اليوم والليلة فلا مانعَ من الزيادة عليها من جنسها، وكذلك الأمر في الزكاة والصيام والحج. والإحسان هنا يكون بزيادة ما فرضه الله علينا. وقد يكون الإحسان في الكيفية دون زيادة في العمل، فلا أزيد مثلاً عن خمس صلوات، ولكن أُحسِن ما أنا بصدده من الفرْض، وأُتقِن ما أنا فيه من العمل، وأُخلِص في ذلك عملاً بحديث جبريل عليه السلام - حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكُنْ تراه فإنه يراك ". تفسير : فعليك أن تستحضر في عبادتك ربك عز وجل بجلاله وجماله وكماله، فإنْ لم تصل إلى هذه المرتبة فلا أقلّ من أن تؤمن أنه يراك ويطلع عليك، وهذه كافية لأنْ تُعطي العبادة حقّها ولا تسرق منها، فاللصُّ لا يجرؤ على سرقة البيت وهو يعلم أن صاحبه يراه، فإذا كنا نفعل ذلك مع بعضنا البعض فيخشى أحدنا نظر الآخرين، أيليق بنا أنْ نتجرأ على الله ونحن نعلم نظره إلينا؟! ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، إنْ كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم فالخلَل في إيمانكم، وإنْ كنتم تعتقدون أني أراكم، فَلِمَ جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟ ". تفسير : وقال بعضهم في معنى العدل والإحسان: العدل: أن تستوي السريرة مع العلانية. والإحسان: أن تعلو السريرة وتكون أفضل من العلانية. والمنكر: إنْ علَتْ العلانية على السريرة. وقوله تعالى: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} [النحل: 90]. إيتاء: أي إعطاء. قالوا: لأن العالم حَلَقات مقترنة، فكل قادر حوله أقرباء ضُعَفاء محتاجون، فلو أعطاهم من خيْره، وأفاض عليهم مِمّا أفاض الله عليه لَعَمَّ الخير كل المجتمع، وما وجدنا مُعْوزاً محتاجاً؛ ذلك لأن هذه الدوائر ستشمل المجتمع كله، كل قادر يُعطي مَنْ حوله. وقد تتداخل هذه الدوائر فتلتحم العطاءات وتتكامل، فلا نرى في مجتمعنا فقيراً، وقد حثتْ الآية على القريب، وحنَّنَتْ عليه القلوب؛ لأن البعيد عنك قريب لغيرك، وداخل في دائرة عطاء أخرى. وقد يكون الفقير قريباً لعدة أطراف يأخذ من هذا ويأخذ من هذا، وبذلك تتكامل الحياة وتستطرق موارد العيش لكل الناس. وقالوا: المراد هنا قرابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن قرابة النبي صلى الله عليه وسلم حرَّمتْ عليهم الزكاة التي أُحِلَّت لغيرهم من الفقراء، وأصبح لهم مَيْزة يمتازون بها عن قرابة الرسول، ولا يليق بنا أن نجعل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى الزكاة، وإنْ كان أقرباؤكم أصحابَ رحم، فلا تنسوا أن قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَوْلى من أرحامكم، كما قال تعالى: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..}تفسير : [الأحزاب: 6]. هذه هي مجموعة الأوامر الواردة في هذه الآية، وإنَّ مجتمعاً يُنفِّذ مثل هذه الأوامر ويتحلَّى بها أفراده، مجتمع ترتقي فيه الاستعدادات الخُلقية، إلى أن يترك الإنسان العقوبة والانتقام ويتعالى عن الاعتداء إلى العفو، بل إلى الإحسان، مجتمع تعمُّ فيه النعمة، ويستطرق فيه الخير إلى كل إنسان. إن مجتمعاً فيه هذه الصفات لَمجتمعٌ سعيد آمِنٌ يسوده الحب والإيمان والإحسان، إنه لجدير بالصدارة بين أمم الأرض كلها. وقوله: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ..} [النحل: 90]. وهذه مجموعة من النواهي تمثل مع الأوامر السابقة منهجاً قرآنياً قويماً يضمن سلامة المجتمع، وأُولى هذه النواهي النهي عن الفحشاء أو الفاحشة، والمتتبع لآيات القرآن الكريم سيجد أن الزنا هو الذنب الوحيد الذي سماه القرآن فاحشة، فهي إذن الزنا، أو كل شيء يخدش حُكْماً من أحكام الله تعالى، ولكن لماذا الزنا بالذات؟ نقول: لأن كل الذنوب الأخرى غير الزنا إنما تتعلق بمحيطات النفس الإنسانية، أما الزنا فيتعلَّق بالنفس الإنسانية ذاتها، ويترتب عليه اختلاط الأنساب وبه تدنَسُ الأعراض، وبه يشكُّ الرجل في أهله وأولاده، ويحدث بسبب هذا من الفساد ما لا يعلمه إلا الله؛ لذلك نصَّ عليه القرآن صراحة في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32]. ومن أقوال العلماء في الفاحشة: أنها الذنب العظيم الذي يخجل صاحبه منه ويستره عن الناس، فلا يستطيع أنْ يُجاهر به، كأنه هو نفسه حينما يقع فيه يعلم أنه لا يصحّ، ولا ينبغي لأحد أن يطلع عليه. (والمنكر) هو الذنب يتجرّأ عليه صاحبه، ويُجاهر به، ويستنكره الناس. إذن: لدينا هنا مرتبتان من الذنب: الأولى: أن صاحبه يتحرَّج أن يعرفه المجتمع فيستره في نفسه، وهذا هو الفحشاء. والثانية: ما تعالم به صاحبه وأنكره المجتمع، وهذا هو المنكر. (والبغْي) هو الظلم في أيِّ لَوْنٍ من ألوانه، وهو داخل في أشياء كثيرة أعظمها ما يقع في العقيدة من الشرك بالله، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. والظلم هنا أنْ تسلبَ الحق - تبارك وتعالى - صِفة من صفاته، وتشرك معه غيره وهو خلقك ورزقك، ومنه ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يُجرَّب عليه في يوم من الأيام أنْ قال خطبة أو ألقى قصيدة، كما لم يُجرّب عليه الكذب أو غيره من الصفات الذميمة، ومع هذا كله قالوا عنه حينما نزل عليه القرآن كذاب وساحر ومجنون، وأيُّ ظلم أعظم من هذا؟ ومن الظلم ظُلْم الإنسان لنفسه حينما يُحقِّق لها شهوة عاجلة ومُتعةً زائفة، تُورثه ندماً وحَسْرة وألماً آجلاً، وبذلك يكون قد ظلم نفسه ظلماً كبيراً وجَرَّ عليها ما لا تطيق، ذلك فَضْلاً عن ظلم الإنسان لغيره بشتى أنواع الظلم وأشكاله. إذن: الآية انتظمتْ مجموعة من الأوامر والنواهي التي تضمن سلامة المجتمع بما جمعتْ من مكارم الأخلاق، والأخلاق أعمُّ من أن تكون في الاعتقادات، وأعمُّ من أن تكون في المعجزة إيماناً بها، وأعمُّ من أن تكون في التكاليف، وأعمُّ من أن تكون في أمر لا حَدَّ فيه ولا حُكْمَ ولا إثم. وقوله: {يَعِظُكُمْ ..} [النحل: 90]. الوعظ: تذكير بالحكم، فعندنا أولاً إعلام بالحكم لكي نعرفه، ولكنه عُرْضة لأنْ نغفلَ عنه، فيكون الوعظ والتذكير به، ونحتاج إلى تكرار ذلك حتى لا نغفل. وعادة لا تكون العِظَة إلا فيما له قيمة، وما دام الشيء له قيمة فلا تصطفي له إلا مَنْ تحب، كذلك الحق - تبارك وتعالى - يحب خَلْقه وصَنْعته؛ لذلك يَعِظهم ويُذكِّرهم باستمرار لكي يكونوا دائماً على الجادة ليتمتعوا بنعم المسبِّب في الآخرة، كما تمتعوا بنعمة الأسباب في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} يعني اعطاءَهُم.

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} الآية، عن ابن عباس في حديث فيه طول منه أن عثمان بن مظعون كان جليس النبي صلى الله عليه وسلم وقتاً فقال له عثمان: ما رأيتك تفعل فعلتك الغداة؟ قال: وما رأيتني فعلت قال: شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته على يمينك فتحرفت عني إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك قال: أو فطنت لذلك أتاني رسول الله آنفاً وأنت جالس قال: فماذا قال لك، قال لي: ان الله يأمرك بالعدل والإِحسان وذكر الآية، قال عثمان: فذلك حين استقر الإِيمان في قلبي فأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء، وصل به ما يقتضي التكاليف فرضاً ونفلاً وأخلاقاً وأدباً والعدل فعل فروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في أداء الأمانات وترك الظلم والانصاف وإعطاء الحق والإِحسان فعل كل مندوب إليه وإيتاء ذي القربى هو صلة الرحم وهو مندرج تحت الإِحسان لكنه نبه عليه اهتماماً به وحضاً على الإِحسان إليه والفحشاء الزنا والمنكر الشرك والبغي التطاول بالظلم والسعاية فيه وهو داخل في المنكر ونبه عليه اهتماماً باجتنابه يعظكم به أي بالأمر والنهي لعلكم تذكرون تنتهون لما أمرتم به ونهيتهم عنه. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} عهد الله علم لما عقده الإِنسان والتزمه. {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ} أي العهود الموثقة بالايمان نهي عن نقضها تهمماً بها. {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} أي بعد توثيقها باسم الله تعالى وكفالة الله شهادته ومراقبته والجملة من قوله: وقد جعلتم في موضع الحال. {وَلاَ تَكُونُواْ} أي في نقض العهد بعد توكيده وتوثيقه بالله تعالى كالمرأة الورهاء تبرم فتل غزلها ثم تنقضه نكثاً وهو ما يحل فتله والتشبيه لا يقتضي تعيين المشبه به وعن الكلبي ومقاتل الورهاء هي من قريش خرقاء اسمها ريطة بنت سعد بن تيم تلقب بجفراء اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها كانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن والظاهر أن قوله: من بعد قوّة أي شدة حدثت من تركيب قوى الغزل والنكث في اللغة الحبل إذا انتقضت قواه والدخل الفساد والدغل جعلوا الإِيمان ذريعة إلى الخدع والغدر وذلك أن المخلوق له مطمئن فيمكن للحالف ضره بما يريده قالوا: نزلت في العرب كانوا إذا حالفوا قبيلة فجاء أكثر منها عدداً حالفوه وغدروا بالتي كانت أقل. {هِيَ أَرْبَىٰ} أي أزيد وأكثر والضمير في به عائد على المصدر المنسبك من أن تكون أي بسبب كون أمة هي أربى من أمة. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} الآية، هذه المشيئة مشيئة اختيار على مذهب أهل السنة ابتلى الناس بالأمر والنهي ليذهب كل إلى ما يسر له. {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} كرر النهي عن اتخاذ الايمان دخلاً تهمما بذلك مبالغة في النهي عنه لعظم موقعه من الدين. قال ابن عطية: وتردده في معاملات الناس. وقال الزمخشري: تأكيداً عليهم وإظهار العظم ما يرتكب منه "انتهى". وقيل إنما كرر لاختلاف المعنيين لأن الأول نهي عن الدخول في الحلف ونقض العهد بالقلة والكثرة وهنا نهي عن الدخل في الايمان التي يراد بها اقتطاع حقوق فكأنه قال: دخلاً بينكم لتتوصلوا بها الى قطع أموال الناس وأقول لم يتكرر النهي عن اتخاذ الايمان دخلاً وإنما سبق اخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلاً معللاً بشىء خاص وهو أن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي بقوله: ولا تتخذوا، استئناف إنشاء عن اتخاذ الايمان دخلاً على العموم فيشمل جميع الصور من الحلف في المبايعة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك وانتصب فتزل على جواب النهي وهو استعارة لمن كان مستقيماً ووقع في أمر عظيم وسقط لأن القدم إذا زلت تقلب الإِنسان من حال خير إلى شر. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} الآية، هذه آية نهي عن الرشاء وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الأخذ فعله أو فعل ما يجب عليه تركه فإِن هذا هي التي عهد الله إلى عباده فيها وبين تعالى الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتقتضي عن الانسان وينقضي عنها والتي في الآخرة باقية دائمة ودل قوله تعالى: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} على أن نعيم الجنة لا ينقطع أبداً وما موصولة وهي اسم ان وعند الله صلة والموصول وهو خير لكم جملة في موضع خبر ان وما في الجملتين موصول بمعنى الذي وينفد خبر الأولى وباق خبر الثانية. وهو مؤمن جملة حالية والظاهر من قوله: فلنحيينه، إن ذلك في الدنيا ويدل عليه قوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم} يعني في الآخرة. {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} الآية، لما ذكر تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء وذكر أشياء مما بين في الكتاب، فإِن كان الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لفظاً فالمراد أمته ونفي تعالى سلطان الشيطان عن المؤمنين والسلطان هنا التسلط والولاية والمعنى أنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته وظاهر الاخبار انتفاء سلطنته عن المؤمنين مطلقاً ولما ذكر تعالى إنزال الكتاب تبياناً لكل شىء وأمر بالاستعاذة عند قراءته. ذكر تعالى نتيجة ولاية الشيطان لأوليائه المشركين وما يلقيه إليهم من الأباطيل فألقي إليهم إنكار النسخ لما رأوا تبديل آية مكان آية، وتقدم الكلام في النسخ في البقرة والظاهر أن هذا التبديل رفع آية لفظاً ومعنى يجوز أن يكون التبديل لحكم المعنى وإبقاء اللفظ ووجدت الكفار بذلك طعناً في الدين وما علموا أن المصالح تختلف بحسب اختلاف الأشخاص والأوقات وكما وقع نسخ شريعة بشريعة يقع في شريعة واحدة وأخبر تعالى أنه العالم بما ينزل لا أنتم، وما ينزل مما يقره وما يرفعه فمرجع علم ذلك إليه، وروح القدس هنا هو جبريل عليه السلام وأضاف الرب إلى كاف الخطاب تشريفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم باختصاص الاضافة وبالحق حال أي ملتسباً بالحق سواء كان ناسخاً أم منسوخاً وليثبت معناه أنهم لا يضطربون في شىء منه لكونه نسخاً بل النسخ مثبت لهم على إيمانهم ودل اختصاص التعليل بالمسلمين على اتصاف الكفار بضده من لحاق الاضطراب لهم قال الزمخشري: وهدى وبشرى مفعول لهما معطوفان على محل ليثبت "انتهى". تقدم الردّ عليه وفي نحو هذا وهو قوله: {أية : لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً} تفسير : [النحل: 64] في هذه السورة ولا يمتنع عطفه على المصدر المنسبك من أن والفعل لأنه مجرور فيكون هدى وبشرى مجرورين كما تقول: جئت لأحسن إلى زيد وإكرام لخالد إذ التقدير لإِحسان إلى زيد وجاء إسناد التعليم إلى مبهم لم يعين. وقال ابن عباس: كان في مكة غلام أعجمي لبعض قريش يقال له: بلعام فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه الإِسلام ويرويه عليه فقالت قريش: هذا يعلم محمداً من جهة الأعاجم وقد ذكروا أسماء ناس أخر غير بلعام لا يصح شىء منها قال الزمخشري: فإِن قلت الجملة التي هي قوله: لسان الذي يلحدون إليه، أعجمي ما محلها. قلت: لا محل لها لأنها مستأنفة جواب لقولهم: ومثله قوله: الله أعلم حيث يجعل رسالاته بعد قوله: وإذا جاءتهم آية قالوا: لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله "انتهى". يجوز عندي أن تكون جملة حالية فموضعها نصب وذلك أبلغ في الانكار عليهم أي يقولون ذلك والحال هذه أي علمهم بأعجمية هذا البشر وآياته عربية هذا القرآن كان يمنعهم من تلك المقالة كما تقول تشتم فلاناً وهو قد أحسن إليك أي علمك بإِحسانه لك كان يقتضي منعك من شتمه وإنما ذهب الزمخشري الى الاستئناف ولم يذهب إلى الحال لأن مذهبه ان مجيء الجملة الحالية الاسمية بغير واوشاذ وهو مذهب مرجوح جداً ومجيء ذلك بغير واو لا يكاد ينحصر كثرة في كلام العرب وهو مذهب تبع فيه الفراء واما الله أعلم فظاهر قوله فيها لأنها جملة خالية من ضمير يعود على ذي الحال لأن ذا الحال هو ضمير وفي هذه الآية ذو الحال ضمير يقولون: والضمير الذي في جملة الحال هو ضمير الحال في يلحدون فالجملة ان عريت عن الواو ففيها ضمير ذي الحال. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الآية، أخبر تعالى عنهم بأنهم لا يهديهم الله أبداً إذ كانوا جاحدين آيات الله وما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات وخصوصاً القرآن فمن بالغ في جحد آيات الله سد الله باب الهداية عنهم وذكر تعالى وعيده بالعذاب الأليم لهم ومعنى لا يهديهم لا يخلق الإِيمان في قلوبهم وهذا عام مخصوص فقد اهتدى قوم كفروا بآيات الله. {مَن كَفَرَ} من شرطية وجوابه محذوف تقديره فهو مؤاخذ بكفره والاستثناء منقطع تقديره لكن من أكره على الكفر ولفظ به وقلبه مطمئن بالإِيمان فلا يؤخذ به. {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ} من شرطية جوابه فعليهم غضب. وقال ابن عطية: وقيل فعليهم خبر عن من الأولى والثانية إذا هو واحد بالمعنى لأن الأخبار في قوله: من كفر إنما قصد الصنف الشارح بالكفر صدراً انتهى هذا. وان كان كما ذكر في هاتان جملتان شرطيتان وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك فلا بد لكل واحدة منهن من جواب على انفراد لا يشتركان فيه فتقدير الحذف أجرى على صناعة الاعراب وعلى كون من في موضع رفع على الابتداء يجوز أن تكون شرطية كما ذكرنا وان تكون موصولة وما بعدها صلتها والخبر محذوف لدلالة ما بعده عليه لما ذكرنا في حذف جواب الشرط إلا أن من الثانية لا يجوز أن تكون شرطاً حتى يقدر قبلها مبتدأ لأن من وليت لكن فيتعين إذ ذاك أن تكون من موصولة فإِن قدر مبتدأ بعد لكن جاز أن تكون شرطية في موضع خبر ذلك المبتدأ المقدر كقوله: شعر : ولكن متى يسترفد القوم أرفد تفسير : أي ولكن أنا فكذلك هنا أي ولكن هم من شرح بالكفر صدراً أي منهم وأجاز الحوفي والزمخشري أن تكون من بدلاً من الذين لا يؤمنون ومن الكاذبون ولم يجز الزجاج إلا أن يكون بدلاً من الكاذبون لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله وأجاز الزمخشري أيضاً أن يكون بدلاً من أولئك فإِذا كان بدلاً من الذين لا يؤمنون فيكون قوله: وأولئك هم الكاذبون جملة اعتراض بين البدل والمبدل منه والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منه المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء وإذا كان بدلاً من الكاذبون فالتقدير وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه وإذا كان بدلاً من أولئك فالتقدير من كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون وهذه الأوجه الثلاثة عندي ضعيفة لأن الأول يقتضي أنه لا يفتري الكذب إلا من كفر بالله من بعد إيمانه والوجود يقتضي أن من يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن وسواء أكان ممن كفر بعد الإِيمان أم كان ممن لم يؤمن قط بل من لم يؤمن قط هم الأكثرون المفترون الكذب. وأما الثاني فيؤول في المعنى إلى ذلك إذ التقدير أولئك أي الذين لا يؤمنون هم من كفر بالله من بعد إيمانه والذين لا يؤمنون هم المفترون. وأما الثالث: فكذلك إذ التقدير أن المشار إليهم هم من كفر بالله من بعد إيمانه مخبر عنهم الكاذبون. قال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب على الذم وهذا بعيد أيضاً والذي تقتضيه فصاحة الكلام جعل الجمل كلها مستقلة لا ترتبط بما قبلها من حيث الإِعراب بل من حيث المعنى والمناسبة والظاهر أن ذلك إشارة إلى ما استحقوه من الغضب والعذاب أي كائن لهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة. {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ} فيه دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك وهم عمار وأصحابه رضي الله عنهم. {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ} الآية، يوم ظرف وهو منصوب باذكر على أنه مفعول به والظاهر عموم كل نفس فيجادل المؤمن والكافر وجداله بالكذب والجحد فتشهد عليهم الرسل والجوارح فحيئنذٍ لا ينطقون. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً} أي من قرى الأولين جعلت مثلاً لمكة على معنى التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة. قال الزمخشري: يجوز أن يراد قرية مقدرة على هذه الصفة وأن يكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها "انتهى". لا يجوز أن يراد قرية على هذه الصفة بل لا بد من وجودها لقوله: {أية : وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ}تفسير : [النحل: 113] الآية. {كَانَتْ آمِنَةً} ابتداء بصفة إلا من لأنه نعيم لخائف والاطمئنان زيادة في الأمن فلا يزعجها خوف. {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا} أقواتها كل حين واسعة من جميع جهاتها لا تتعذر منها جهة وأنعم جمع نعمة كشدة وأشدوا لإِذاقة واللباس كناية عن وصول الخوف والجوع إليهم ولما تقدم ذكر إلا من وإيتاء الرزق قابلهما بالجوع الناشىء عن انقطاع الرزق وبالخوف قدّم الجوع ليلي المتأخر وهو إتيان الرزق كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}تفسير : [آل عمران: 106] الآية. والظاهر أن الضمير في ولقد جاءهم، عائد على ما عاد عليه في قوله: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}. ولما تقدم فكرت بأنعم الله جاء هنا واشكروا نعمة الله وفي البقرة جاء: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 172] لم يذكر من كفر نعمته فقال: واشكروا الله ولما أمرهم بالأكل مما رزقهم عدد عليهم محرماته تعالى ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم دون اتباع ما شرع الله تعالى على لسان أنبيائه وكذا جاء في البقرة ذكر ما حرم إثر قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} وقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ} تقدم تفسير مثله في البقرة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تفصيل البيان من جملة التبيان بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} [النحل: 90] وهو صرف ما أعطاك الله من آلات الجسمانية والروحانية، ومن مال الدنيا وجاهها ومن شرائع الدين وأعماله في طلب الله والسير منك به إليه؛ لأن صرفه في طلب غيره ظلم، والإحسان أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله وإياك سبيل الرشاد وترشدهم وتسلك بهم طريق الحق للوصول والوصال يدل عليه قوله: {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} تفسير : [القصص: 77] وأيضاً العدل صدق التوجه إلى الله بكليتك لكليته، والإحسان أن تستعين بالله في توفيقك للعدل وقطع النظر في المعاملان من نفسك ورديئها منه {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} [النحل: 90] إليك نفسك فصلة رحمها أن تنجيها من المهالك، وترجع بها إلى مالك الممالك. {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} [النحل: 90] وهي ما يحجبك عن الله ويقطعك عنه {وَٱلْمُنْكَرِ} ما ينكر به عليك من إضلال الخلق وإغوائهم وإحداث البدع وإثارة الفتن {وَٱلْبَغْيِ} ما ثار من سورة صفات نفسك فيصيب الخلق منك ما يضرهم ويؤذيهم {يَعِظُكُمْ} بأمر هذه المستحسنات ونهي هذه المستقبحات {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] وتتعظون فتأتمرون بالأمر، وتنهون بالنهي. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} [النحل: 91] بائتمار أوامر الله وانتهاء نواهيه {إِذَا عَاهَدتُّمْ} [النحل: 91] مع الله يوم الميثاق {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ} مع الله يوم الميثاق {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91] وهو إشهادكم على أنفسكم وقولكم: {أية : بَلَىٰ شَهِدْنَآ} تفسير : [الأعراف: 172] {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} [النحل: 91] أي: جعلتموه كفيلاً بجزاء أوقاتكم وهو تكفل منكم بالوفاء بما عاهد معكم على الجزاء كما قال: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير : [البقرة: 40]. وتفصيل الوفاء من الله والعبد، بما حديث : شرح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ فقال: "هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس" قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" أي: يطلبوه بالعبادة ولا يطلبوا معه غيره ثم قال: "أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذ فعلوا ذلك؟" قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الناس على الله ألا يعذبهم" يعني: بعذاب الفراق والقطيعة، بل يشرفهم بالوجدان والوصال كما قال: "ألا من طلبني وجدني ". تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] من نقض العهد والوفاء به، وفي قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} [النحل: 92] إشارة إلى المريد الذي تعلق بذيل إرادة صاحب ولاية من المشايخ وعاهده على صدق الطلب والثبات عليه عند مقاساة شدائد المجاهدات، والصبر على مخالفات النفس والهوى، وملازمة الصحبة والانقياد للخدمة، ولتحمل عن الأحوال، وحفظ الأدب معهم ففي أثناء تحمل هذا المشاق تسأم نفسه وتضعف عن حمل الأثقال، فينقض عهده ويفسخ عزمه ويرجع قهقري، ثم يتخذ ما كان أسباب طلب الله من الإرادة والمجاهدة ولبس الخرقة وملازمة الصحبة والخدمة والفتوحات التي فتح الله له في أثناء الطلب، والسير آلات طلب الدنيا وآداب تحصيل شهوات نفسه بالتصنع والمرايات والسمعة ابتلاءً من الله إظهاراً للعزة أن عظمت الدنيا وشهواتها في نظر النفس، وأعرضت عن الله في طلبها، وهذا معنى قوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] أي: الدنيا أعلى عندكم من الآخرة، {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92] من أمر الدنيا والآخرة وأمر الطلب. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [النحل: 93] في طلب الله {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} [النحل: 93] عن طريق الطلب في تيه الحرمان {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [النحل: 93] إلى حضرة الجلال بالوصول والوصال، وإحالة الضلالة والهداية إلى المشيئة لإظهار القدرة ونفي العجز حتى لا يتوهم أحد أن أحداً يقدر على شيء بغير مشيئته لعجزه عن المنع ولكن الإرادة القديمة اقتضت بالحكمة القديمة أن يصل بعضهم بأفعال نفسه الخبيثة، ويهدي بعضهم بأفعال روحه الشريف؛ فلهذا قال: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] يعني: إنما الجزاء على الأعمال لا على الأحوال فينبغي ألاّ يكون العبد جبرياً لا ينظر إلى الأعمال ولا قدريّا لا ينظر إلى إرادة الله ومشيئته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقه وحق عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل وال ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء ونواب الخليفة، ونواب القاضي. والعدل هو ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء جميع ما عليك فلا تبخس لهم حقا ولا تغشهم ولا تخدعهم وتظلمهم. فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحب وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره. وخص الله إيتاء ذي القربى -وإن كان داخلا في العموم- لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك. ويدخل في ذلك جميع الأقارب قريبهم وبعيدهم لكن كل ما كان أقرب كان أحق بالبر. وقوله: { وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ } وهو كل ذنب عظيم استفحشته الشرائع والفطر كالشرك بالله والقتل بغير حق والزنا والسرقة والعجب والكبر واحتقار الخلق وغير ذلك من الفواحش. ويدخل في المنكر كل ذنب ومعصية متعلق بحق الله تعالى. وبالبغي كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض. فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به. وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي فهي مما نهى الله عنه. وبها يعلم حسن ما أمر الله به وقبح ما نهى عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال وترد إليها سائر الأحوال، فتبارك من جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور والفرقان بين جميع الأشياء. ولهذا قال: { يَعِظُكُمْ } به أي: بما بينه لكم في كتابه بأمركم بما فيه غاية صلاحكم ونهيكم عما فيه مضرتكم. { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما يعظكم به فتفهمونه وتعقلونه، فإنكم إذا تذكرتموه وعقلتموه عملتم بمقتضاه فسعدتم سعادة لا شقاوة معها. فلما أمر بما هو واجب في أصل الشرع أمر بوفاء ما أوجبه العبد على نفسه فقال: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ ...}.