Verse. 1992 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَ اَوْفُوْا بِعَہْدِ اللہِ اِذَا عٰہَدْتُّمْ وَلَا تَـنْقُضُوا الْاَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيْدِہَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللہَ عَلَيْكُمْ كَفِيْلًا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُوْنَ۝۹۱
Waawfoo biAAahdi Allahi itha AAahadtum wala tanqudoo alaymana baAAda tawkeediha waqad jaAAaltumu Allaha AAalaykum kafeelan inna Allaha yaAAlamu ma tafAAaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأوْفوا بعهد الله» من البيع والأيمان وغيرها «إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها» توثيقها «وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً» بالوفاء حيث حلفتم به والجملة حال «إن الله يعلم ما تفعلون» تهديد لهم.

91

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما جمع كل المأمورات والمنهيات في الآية الأولى على سبيل الإجمال، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام، فبدأ تعالى بالأمر بالوفاء بالعهد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير قوله: {بِعَهْدِ ٱللَّهِ } وجوهاً: الأول: قال صاحب «الكشاف»: عهد الله هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام لقوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10] أي ولا تنقضوا أيمان البيعة بعد توكيدها، أي بعد توثيقها باسم الله. الثاني: أن المراد منه كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره قال ابن عباس: والوعد من العهد، وقال ميمون بن مهران من عاهدته وف بعهده مسلماً كان أو كافراً فإنما العهد لله تعالى. الثالث: قال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق. الرابع: عهد الله هو اليمين بالله، وقال هذا القائل: إنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه، لأنه عليه السلام قال: « حديث : من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر » تفسير : . الخامس: قال القاضي: العهد يتناول كل أمر يجب الوفاء بمقتضاه، ومعلوم أن أدلة العقل والسمع أوكد في لزوم الوفاء بما يدلان على وجوبه من اليمين ولذلك لا يصح في هذين الدليلين التغير والاختلاف، ويصح ذلك في اليمين وربما ندب فيه خلاف الوفاء. ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ } فهذا يجب أن يكون مختصاً بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه لأن قوله: {إِذَا عَـٰهَدتُّمْ } يدل على هذا المعنى وحينئذ لا يبقى المعنى الذي ذكره القاضي معتبراً ولأنه تعالى قال في آخر الآية: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } وهذا يدل على أن الآية واردة فيمن آمن بالله والرسول، وأيضاً يجب أن لا يحمل هذا العهد على اليمين، لأنا لو حملناه عليه لكان قوله بعد ذلك: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } تكراراً لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان، لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك إلا إذا قيل إن الوفاء بالعهد عام فدخل تحته اليمين، ثم إنه تعالى خص اليمين بالذر تنبيهاً على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية، وعند هذا نقول الأولى أن يحمل هذا العهد على ما يلتزمه الإنسان باختياره ويدخل فيه المبايعة على الإيمان بالله وبرسوله ويدخل فيه عهد الجهاد، وعهد الوفاء بالملتزمات من المنذورات، والأشياء التي أكدها بالحلف واليمين، وفي قوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } مباحث: البحث الأول: قال الزجاج: يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان، والأصل الواو، والهمزة بدل منها. البحث الثاني: قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: يمين اللغو هي يمين الغموس، والدليل عليه أنه تعالى قال: {ولا تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان، فوجب أن يكون كل يمين قابلاً للبر والحنث، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان. واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب لا والله وبلى والله. قال إنما قال تعالى: {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } للفرق بين الأيمان المؤكدة بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين. البحث الثالث: قوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } عام دخله التخصيص، لأنا بينا أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان جاز نقضها. ثم قال: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } هذه واو الحال، أي لا تنقضوها وقد جعلتم الله كفيلاً عليكم بالوفاء، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه قد جعل الله كفيلاً بالوفاء بسبب ذلك الحلف. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } وفيه ترغيب وترهيب، والمراد فيجازيكم على ما تفعلون إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء، وتحريم النقض وقال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في المشبه به قولان: القول الأول: أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة، وقيل ريطة، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن. والقول الثاني: أن المراد بالمثل الوصف دون التعين، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحاً، والدعاء إليه إذا كان حسناً، وذلك يتم به من دون التعيين. المسألة الثانية: قوله: {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } أي من به قوة الغزل بإبرامها وفتلها. المسألة الثالثة: قوله: {أَنكَـٰثًا } قال الأزهري: واحدها: نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية، والنكث المصدر، ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه. المسألة الرابعة: في انتصاب قوله: {أَنكَـٰثًا } وجوه: الأول: قال الزجاج: أنكاثاً منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ومعنى نقضت نكثت، وهذا غلط منه، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله: {أَنكَـٰثًا } بمعنى المصدر؟ الثاني: قال الواحدي: أنكاثاً مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا قوله: نقضت غزلها أنكاثاً أي جعلت غزلها أنكاثاً. الثالث: إن قوله: {أَنكَـٰثًا } حال مؤكدة. المسألة الخامسة: قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها، والتقدير: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلاً وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثاً. ثم قال تعالى: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } قال الواحدي: الدخل والدغل الغش والخيانة. قال الزجاج: كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل، وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد. ثم قال: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } أربى أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا زاد، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف. قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز، فنهاهم الله تعالى عن ذلك. وقوله: {أَن تَكُونَ } معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم بسبب أن تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف. فقوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: أتتخذون أيمانكم دخلاً بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ } أي بما يأمركم وينهاكم، وقد تقدم ذكر الأمر والنهي: {وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} لفظٌ عام لجميع ما يُعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة. وهذه الآية مضمّن قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} لأن المعنى فيها: افعلوا كذا، وانتهوا عن كذا؛ فعطف على ذلك التقدير. وقد قيل: إنها نزلت في بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وقيل: نزلت في التزام الحِلف الذي كان في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء به؛ قاله قتادة ومجاهد وٱبن زيد. والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه. روى الصحيح عن جُبير بن مُطْعِم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا حِلْف في الإسلام وأيُّما حِلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة» تفسير : يعني في نصرة الحق والقيام به والمواساة. وهذا كنحو حِلف الفُضُول الذي ذكره ٱبن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى تُرَدّ عليه مَظْلِمته؛ فسمت قريش ذلك الحِلف حِلْفَ الفضول، أي حلف الفضائل. والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس. روى ٱبن إسحاق عن ٱبن شهاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدْعانِ حلفاً ما أحِبّ أن لي به حُمْر النَّعَم لو أدعى به في الإسلام لأجبت»تفسير : . وقال ٱبن إسحاق: تحامل الوليد بن عُتبة على حسين بن عليّ في مال له، لسلطان الوليد فإنه كان أميراً على المدينة؛ فقال له حسين بن عليّ: أحلِفُ بالله لَتُنْصِفَنّي من حقي أو لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعونّ بحِلف الفضول. قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف والله لئن دعانا لآخذن سيفي ثم لأقومنّ معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعاً. وبلغت المِسْوَرَ بن مَخْرمة فقال مثل ذلك. وبلغت عبدَ الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليدَ أنصفه. قال العلماء: فهذا الحِلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شدّه الإسلام وخصّه النبيّ عليه الصلاة والسلام من عموم قوله: «حديث : لا حِلْف في الإسلام»تفسير : . والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجاباً عاماً على من قدر من المكلّفين، وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [الشورى: 42]. وفي الصحيح من قوله: «حديث : أنُصر أَخاك ظالماً أو مظلوماً» قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تأخذ على يديهتفسير : ـ في رواية: حديث : تمنعه من الظلم ـ فإن ذلك نصره»تفسير : . وقد تقدّم قوله عليه السلام: «حديث : إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده».تفسير : الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} يقول بعد تشديدها وتغليظها؛ يقال: توكيد وتأكيد، ووكَدّ وأكّد، وهما لغتان. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} يعني شهيداً. ويقال حافظاً، ويقال ضامناً. وإنما قال «بَعْدَ تَوْكِيدِها» فَرْقاً بين اليمين المؤكّدة بالعزم وبين لَغْو اليمين. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك: التوكيد هو حلِف الإنسان في الشيء الواحد مراراً، يردّد فيه الأيمان ثلاثاً أو أكثر من ذلك؛ كقوله: والله لا أُنقصه من كذا، والله لا أنقصه من كذا، والله لا أنقصه من كذا. قال: فكفارة ذلك واحدةٌ مثل كفّارة اليمين. قال يحيـى بن سعيد: هي العهود، والعهد يمين، ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفّر. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُنْصَب لكل غادر لواء يوم القيامة عند ٱسته بقدر غَدْرته يقال هذه غدرة فلان»تفسير : . وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة، وحلّ ما انعقدت عليه اليمين. وقال ابن عمر: التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حلف واحدة فلا كفارة فيه. وقد تقدّم في المائدة.

البيضاوي

تفسير : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} يعني البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }تفسير : [الفتح: 10] وقيل كل أمر يجب الوفاء به ولا يلائمه قوله: {إِذَا عَـٰهَدتُّمْ} وقيل النذور. وقيل الإِيمان بالله {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ} أي أيمان البيعة أو مطلق الأيمان. {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} بعد توثيقها بذكر الله تعالى، ومنه أكد بقلب الواو همزة {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} شاهداً بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من نقض الأيمان والعهود.

ابن كثير

تفسير : هذا مما يأمر الله تعالى به، وهو الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة، ولهذا قال: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلاَْيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ولا تعارض بين هذا وبين قوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لاَِيْمَـٰنِكُمْ} تفسير : [البقرة: 244] الآية، وبين قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَـٰنَكُمْ} تفسير : [المائدة: 89] أي: لا تتركوها بلا كفارة، وبين قوله عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني» تفسير : لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة ههنا، وهي قوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع، ولهذا قال مجاهد في قوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} يعني: الحلف، أي: حلف الجاهلية. ويؤيده ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد هو ابن أبي شيبة حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا هو ابن أبي زائدة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة» تفسير : وكذا رواه مسلم عن ابن أبي شيبة به. ومعناه: أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. وأما ما ورد في الصحيحين عن عاصم الأحول عن أنس رضي الله عنه أنه قال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دورنا، فمعناه: أنه آخى بينهم، فكانوا يتوارثون به حتى نسخ الله ذلك، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبد الله بن موسى، أخبرنا أبو ليلى عن بريدة في قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ} قال: نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فقال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ} هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام، {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا صخر بن جويرية عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلاً على بيعة الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يداً، ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون فصل بيني وبينه» تفسير : المرفوع منه في الصحيحين. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن عباس عن أبيه، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من شرط لأخيه شرطاً لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة»تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها. وقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا} قال عبد الله بن كثير والسدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئاً، نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده، وهذا القول أرجح وأظهر، سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. وقوله: {أَنكَـٰثًا} يحتمل أن يكون اسم مصدر، {نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا} أي: أنقاضاً، ويحتمل أن يكون بدلاً عن خبر كان، أي: لا تكونوا أنكاثاً، جمع نكث من ناكث، ولهذا قال بعده: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي: خديعة ومكراً {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي: تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم، غدرتم، فنهى الله عن ذلك؛ لينبه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى. وقد قدمنا - ولله الحمد - في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل، حتى إذا انقضى، وهو قريب من بلادهم، أغار عليهم، وهم غارون لا يشعرون، فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقدة حتى ينقضي أمدها» تفسير : فرجع معاوية رضي الله عنه بالجيش، قال ابن عباس: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي: أكثر، وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك. وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه. وقوله: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} قال سعيد بن جبير: يعني: بالكثرة، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: أي: بأمره إياكم بالوفاء بالعهد {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } من البيع والأَيمان وغيرها {إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلاْيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } توثيقها {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } بالوفاء حيث حلفتم به، والجملة حال {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } تهديد لهم.

الشوكاني

تفسير : خصّ سبحانه من جملة المأمورات التي تضمنها قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } الوفاء بالعهد، فقال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ } وظاهره العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره. وخصّ هذا العهد المذكور في هذه الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله. ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود، لم يكن ذلك موجباً لقصره على السبب، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وفسره بعضهم باليمين، وهو مدفوع بذكر الوفاء بالأَيمان بعده حيث قال سبحانه: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } أي: بعد تشديدها وتغليظها وتوثيقها، وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالأَيمان المؤكدة، لا بغيرها مما لا تأكيد فيه. فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يوكد منها. يقال: وكد وأكد توكيداً وتأكيداً، وهما لغتان. وقال الزجاج: الأصل الواو، والهمزة بدل منها، وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه»تفسير : ، حتى بالغ في ذلك صلى الله عليه وسلم فقال: «تفسير : والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني»تفسير : وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما، ويخصّ أيضاً من هذا العموم يمين اللغو، لقوله سبحانه: {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } تفسير : [البقرة: 225] ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هنا لإخراج أيمان اللغو. وقد تقدّم بسط الكلام على الأَيمان في البقرة. {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } أي: شهيداً. وقيل: حافظاً. وقيل: ضامناً. وقيل: رقيباً؛ لأن الكفيل يراعي حال المكفول به. وقيل: إن توكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مراراً. وحكى القرطبي عن ابن عمر: أن التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } فيجازيكم بحسب ذلك، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، وفيه ترغيب وترهيب. ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض، فقال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا } أي لا تكونوا فيما تصنعون من النقض، بعد التوكيد كالتي نقضت غزلها، أي: ما غزلته {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } أي: من بعد إبرام الغزل وإحكامه، وهو متعلق بـ {نقضت} {أَنكَـٰثًا } جمع نكث بكسر النون، ما ينكث فتله. قال الزجاج: انتصب {أنكاثاً} على المصدر؛ لأن معنى نقضت: نكثت. وردّ بأن {أنكاثاً} ليس بمصدر، وإنما هو جمع كما ذكرنا. وقال الواحدي: هو منصوب على أنه مفعول ثانٍ كما تقول كسرته أقطاعاً وأجزاء، أي: جعلته أقطاعاً وأجزاء. ويحتمل أن يكون حالاً. قال ابن قتيبة: هذه الآية متعلقة بما قبلها، والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأَيمان، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً. وجملة {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } في محل نصب على الحال. قال الجوهري: والدخل: المكر والخديعة، وقال أبو عبيدة: كلّ أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل، وقيل: الدخل ما أدخل في الشيء على فساده. وقال الزجاج: غشاً وغلاً {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } أي: بأن تكون جماعة هي أربى من جماعة، أي: أكثر عدداً منها وأوفر مالاً. يقال: ربا الشيء يربو إذا كثر، قال الفراء: المعنى: لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، أو لقلتكم وكثرتهم، وقد عزرتموهم بالأَيمان. قيل: وقد كانت قريش إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم، نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم. وقيل: هو تحذير للمؤمنين أن يغترّوا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم. {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ } أي: يختبركم بكونكم أكثر وأوفر، لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء، أم تنقضون اغتراراً بالكثرة؟ فالضمير في {به} راجع إلى مضمون جملة: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} أي: إنما يبلوكم الله بتلك الكثرة، ليعلم ما تصنعون، أو إنما يبلوكم الله بما يأمركم وينهاكم. {وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيوضح الحق والمحقين، ويرفع درجاتهم، ويبين الباطل والمبطلين، فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه. وفي هذا إنذار وتحذير من مخالفة الحق والركون إلى الباطل. أو يبين لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث والجنة والنار. ثم بيّن سبحانه أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } متفقة على الحق {وَلَـٰكِنِ } بحكم الإلهية {يُضِلُّ مَن يَشَاء } بخذلانه إياهم عدلاً منه فيهم {وَيَهْدِى مَن يَشَاء } بتوفيقه إياهم فضلاً منه عليهم {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23]. ولهذا قال: {ولتسألن عما كنتم تعملون} من الأعمال في الدنيا، واللام في {وليبيننّ لكم} وفي {ولتسألنّ} هما الموطئتان للقسم. ثم لما نهاهم سبحانه عن نقض مطلق الأيمان، نهاهم عن نقض أيمان مخصوصة، فقال: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } وهي أيمان البيعة. قال الواحدي: قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين. واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } من المبالغة، وبما في قوله: {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوء بِمَا صَدَدتُّمْ } لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صدّوا غيرهم عن الدخول في الإسلام. وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال جماعة من المفسرين: إن هذا تكرير لما قبله، لقصد التأكيد والتقرير. ومعنى {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } فتزلّ قدم من اتخذ يمينه دخلاً عن محجة الحق {بعد ثبوتها} عليها ورسوخها فيها. قيل: وأفرد القدم للإيذان بأن زلل قدم واحد، أيّ قدم كانت عزّت أو هانت محذور عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ وهذا استعارة للمستقيم الحال، يقع في شرّ عظيم ويسقط فيه، لأن القدم إذا زلت، نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شرّ. ويقال لمن أخطأ في شيء: زلت به قدمه، ومنه قول الشاعر:شعر : تداركتما عبساً وقد ثلّ عرشها وذبيان قد زلت بأقدامها النعل تفسير : {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوء بِمَا صَدَدتُّمْ } أي: تذوقوا العذاب السيء في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما بما صددتم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: بسبب صدودكم أنتم عن سبيل الله، وهو الإسلام، أو بسبب صدّكم لغيركم عن الإسلام، فإن من نقض البيعة وارتدّ، اقتدى به غيره في ذلك، فكان فعله سنّة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها ولهذا قال: {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي: متبالغ في العظم، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب الدنيا. ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله فقال: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } أي: لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضاً يسيراً حقيراً. وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيراً، فهو لكونه ذاهباً زائلاً يسير، ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال: {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع، وما عنده في الآخرية من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع هو خير لهم. ثم علل النهي عن أن يشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً، وأن ما عند الله هو خير لهم بقوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: إن كنتم من أهل العلم والتمييز بين الأشياء. ثم ذكر دليلاً قاطعاً على حقارة عرض الدنيا وخيرية ما عند الله فقال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } ومعلوم لكل عاقل أن ما ينفد ويزول وإن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل. أما نعيم الآخرة فظاهر، وأما نعيم الدنيا الذي أنعم الله به على المؤمنين فهو وإن كان زائلاً، لكنه لما كان متصلاً بنعيم الآخرة، كان من هذه الحيثية في حكم الباقي الذي لا ينقطع، ثم قال: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } اللام هي الموطئة، أي: لنجزينهم بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاقّ التكليف وجهاد الكافرين والصبر على ما ينالهم منهم من الإيذاء بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات. قيل: وإنما خصّ أحسن أعمالهم؛ لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل: المعنى: ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم، كقوله: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام: 160]، أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأعلى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، كذا قيل. قرأ عاصم وابن كثير {لنجزين} بالنون. وقرأ الباقون بالياء التحتية. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر في قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ } قال: أنزلت هذه الآية في بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنّ من أسلم بايع على الإسلام، فقال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ...} الآية، فلا يحملنكم قلة محمد وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} يقول: بعد تغليظها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف، فنزلت فيها هذه الآية {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا }. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص مثله. وفي الروايتين جميعاً أنها كانت مجنونة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدّي في سبب نزول الآية، قال: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير معناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } قال: ناس أكثر من ناس. وأخرجوا عن مجاهد في الآية قال: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ، فنهوا عن ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه النذور. الثاني: ما عاهد الله عليه من عهد في طاعة الله. الثالث: أنه التزام أحكام الدين بعد الدخول فيه. {ولا تنقضوا الأيمان بَعْدَ توكيدها} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: لا تنقضوها بالامتناع بعد توكيدها بالالتزام. الثاني: لا تنقضوها بالعذر بعد توكيدها بالوفاء. الثالث: لا تنقضوها بالحنث بعد توكيدها بالِبّر. وفي هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنها نزلت في الحلف الذي كان في الجاهلية بين أهل الشرك، فجاء الإسلام بالوفاء به. الثالث: أنها نزلت في كل عقد يمين عقده الإنسان على نفسه مختاراً يجب عليه الوفاء به ما لم تدع ضرورة إلى حله. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فليأت الذي هو خير" تفسير : محمول على الضرورة دون المباح. وأهل الحجاز يقولون. وكّدت هذه اليمين توكيداً، وأهل نجد يقولون أكدتها تأكيداً. قوله عز وجل: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً} وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن نقض عهده، وفيه قولان: أحدها: أنه عنى الحبْل، فعبر عنه بالغزل، قاله مجاهد. الثاني: أنه عنى الغزل حقيقة. {من بعد قوة} فيه قولان: أحدهما: من بعد إبرام. قاله قتادة. الثاني: أن القوة ما غزل على طاق ولم يثن. {أنكاثاً} يعني أنقاضاً، واحده نكث، وكل شيء نقض بعد الفتل أنكاثٌ. وقيل أن التي نقضت غزلها من بعد قوة امرأة بمكة حمقاء، قال الفراء: إنها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة، سميت جعدة لحمقها، كانت تغزل الصوف ثم تنقضه بعدما تبرمه، فلما كان هذا الفعل لو فعلتموه سفهاً تنكرونه كذلك نقض العهد الذي لا تنكرونه. {تتخذون أيمانكُمْ دَخَلاً بينكُمْ} فيه ستة تأويلات: أحدها: أن الدخل الغرور. الثاني: أن الدخل الخديعة. الثالث: أنه الغل والغش. الرابع: أن يكون داخل القلب من الغدر غير ما في الظاهر من لزوم الوفاء. الخامس: أنه الغدر والخيانة، قاله قتادة. السادس: أنه الحنث في الأيمان المؤكدة. {أن تكون أمة هي أربى من أمة} أن أكثر عدداً وأزيد مدداً، فتطلب بالكثرة أن تغدر بالأقل بأن تستبدل بعهد الأقل عهد الأكثر. وأربى: أفعل الربا، قال الشاعر: شعر : أسمـر خطيّـاً كـأنّ كعـوبه نوى القسب أو أربى ذراعاً على عشر

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ} نزلت في بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام أو في الحلف الواقع في الجاهلية بين أهل الشرك والإسلام فجاء الإسلام بالوفاء به، أو في كل يمين منعقدة يجب الوفاء بها ما لم تدعُ ضرورة إلى الحنث، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : فليأتِ الذي هو خير" تفسير : محمول على الضرورة دون المباح، وأهل الحجاز يقولون: وكدت توكيداً، وأهل نجد أكدت تأكيداً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مزيدة بن جابر في قوله‏:‏ ‏ {‏وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم‏} ‏ قال‏:‏ نزلت هذه الآية في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع على الإسلام فقال‏:‏ ‏ {‏وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها‏}‏ فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها‏} ‏ قال‏:‏ تغليظها في الحلف‏:‏ ‏ {‏وقد جعلتم الله عليكم كفيلا‏ً}‏ قال‏:‏ وكيلاً‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها‏} ‏ يقول‏:‏ بعد تشديدها وتغليظها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها‏}‏ يعني، بعد تغليظها وتشديدها ‏ {‏وقد جعلتم الله عليكم كفيلا‏ً} ‏ يعني في العهد شهيداً، والله أعلم بالصواب‏.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} [الآية: 91]. قال النصرآباذى: أنت متردد بين صفتين: صفة الحق وصفتك، قال الله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ}، وقال: {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 111] فإلى أيهما نظرت فإنك الأحرى ثم العهود مختلفة فى الأقوال عهودٌ، وفى الأفعال عهودٌ، وفى الأحوال عهودٌ، والصدق مطلوب منك فى جميع ذلك، وهو على العوام عهود، وعلى الخواص عهود، وعلى خواص الخواص عهودٌ. فالعهد على العوام لزوم الظاهر، والعهد على الخواص حفظ السرائر، والعهد على خواص الخواص التخلّى من الكلّ لمن له الكُلُّ. وقال من حمل العهد بنفسه خيف عليه نقضه فى أول قدم، ومن حمله بالحق حفظ عليه عهوده ومواثيقه. قوله عز وجلّ: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [الآية: 91]. قال الواسطى: قد تقدمت العهود فى الميثاق الأول فمن أقام على وفاء الميثاق فتح له طريق الحقائق وقتًا بعد وقت، ومن خاف فى الميثاق الأول نفى مع وقته وأغلق دونه مسالك رشده.

القشيري

تفسير : يُفْرَضُ على كافةِ المسلمين الوفاءُ بعهد الله في قبول الإسلام والإيمان، فتجبُ عليهم استدامةُ الإيمان. ثم لكلِّ قوم منهم عهدٌ مخصوص عاهدوا الله عليه، فهم مُطَالَبُون بالوفاء به؛ فالزاهدُ عَهْده ألا يرجعَ إلى الدنيا، فإذا رجع إلى ما تركه منها فقد نَقضَ عهده ولم يفِ به. والعابد عاهده في تَرِكِ الهوى. والمريدُ عَاهَدَه في ترك العادة، وآثره بكل وجه. والعارف عهده التجرد له، وإنكار ما سواه. والمحب عهده تركُ نَفْسِهِ معه بكل وجه والموحِّد عهده الامتحاء عنه، وإفراده إياه بجميع الوجوه والعبد مَنْهِيٌّ عن تقصير عهده، مأمورٌ بالوفاء به.

اسماعيل حقي

تفسير : {واوفوا} اى استمروا على الايفاء وهو بالفارسية [وفا كردن]. قال الكاشفى {نزول آيت درشان جمعيست كه باحضرت رسالت صلى الله عليه وسلم درمكه عهد بستند وغلبه قريش وضعف مسلمانان مشاهده كرده جزع واضطراب درايشان بديد آمد شيطان خواست كه ابشانرا بفريبدتانقض عهد بيغمبر كنند حق سبحانه وتعالى بدين آيت ايشانرا ثابت قدم كردانيد وفرموده كه وفا كنيد] {بعهد الله} وهو البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام فانها مبايعة لله تعالى لقوله تعالى {أية : ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله}تفسير : لان الرسول فان فى الله باق بالله وفى الحديث "حديث : الحجر الاسود يمين الله فى ارضه فمن لم يدرك بيعة رسول الله فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله"تفسير : والمبايعة من جهة الرسول هو الوعد بالثواب ومن جهة الآخر التزام طاعته وسميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية ثم هو عام لكل عهد يلتزمه الانسان باختياره لان خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم {اذا عاهدتم} اذا عاقدتم وواثقتم والعهد العقد والميثاق {ولا تنقضوا الايمان} التى تحلفون بها عند المعاهدة اى لا تحنثوا فى الحلف {بعد توكيدها} حسبما هو المعهود فى اثناء العهود اى توثيقها بذكر الله وتشديدها باسمه كما فى بحر العلوم. وقال سعدى المفتى الظاهر ان المراد بالايمان الاشياء المحلوف عليها كما فى قوله عليه السلام "حديث : من حلف على يمين"تفسير : الخ لانه لو كان المراد باليمين ذكر اسم الله فهو غير التأكيد لا المؤكد فتأمل {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} شاهدا رقيبا فان الكفيل من يراعى لحال المكفول به محافظة عليه {ان الله يعلم ما تفعلون} من نقض الايمان والعهود فيجازيكم على ذلك.واعلم ان الوفاء تأدية ما اوجبت على نفسك اما بالقبول او بالنذر. وعن بعض المتكلمين اذا رأيتم الرجل اعطى من الكرامات حتى يمشى على الماء ويطير فى الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه فى حفظ الحدود والوفاء بالعهود ومتابعة الشريعة؟ قيل لحكيم أى شئ اعمل حتى اموت مسلما قال لا تصحب مع الله الا بالموافقة ولا مع الخلق الا بالمناصحة ولا مع النفس الا بالمخالفة ولا مع الشيطان الا بالعداوة ولا مع الدين الا بالوفاء. وفى التأويلات النجمية {وأوفوا بعهد الله} بائتمار اوامر الله وانتهاء نواهيه {اذا عاهدتم} مع الله يوم الميثاق {ولا تنقضوا الايمان} مع الله {بعد توكيدها} وهو اشهادكم على انفسكم وقولكم بلى شهدنا {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} بجزاء وفائكم وهو تكفل منكم بالوفاء بما عهد معكم على الجزاء كما قال {وأوفوا بعهدى اوف بعهدكم} وتفصيل الوفاء من الله والعبد ما شرح النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث معاذ رضى الله عنه فقال "حديث : هل تدرى يا معاذ ما حق الله على الناس" قال قلت الله ورسوله اعلم قال "حقه عليهم ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" اى يطلبوه بالعبادة ولا يطلبوا معه غيره ثم قال "أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله اذا فعلوا ذلك" قال قلت الله ورسوله اعلم قال "فان حق الناس على الله ان لا يعذبهم"تفسير : يعنى بعذاب الفراق والقطيعة بل يشرفهم بالوجدان والوصال كما قال "حديث : ألا من طلبنى وجدنى"تفسير : وفى المثنوى شعر : مادرين دهليز قاضىّ قضا بهر دعوىّ ألستيم وبلى جون بلى كفتيم آنرا ز امتحان فعل وقول ما شهوداست وبيان ازجه در دهليز قاضى تن زديم نى كه ما بهر كواهى آمديم تاكه ندهى آن كواهى اى شهيد توازين دهليزكى خواهى رهيد فعل وقول آمد كواهان ضمير هر دو بيدايى كند سر ستير جرعة برخاك وفا آنكس كه ريخت كى تواند صيد دولت زوكريخت بس بيمبر كفت بهر اين طريق با وفاتر ازعمل نبود رفيق كربود نيكى ابدا يارت شود وربود بد در لحد مارت شود

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وقد جعلتم}: حال، و {أنكاثًا}: حال من الغزل، وهو: جمع نِكْث - بالكسر - بمعنى منكوث، أي: منقوض. و {أن تكون}: مفعول من أجله، و {تتخذون}: جملة حالية من ضمير "تكونوا". يقول الحقّ جلّ جلالة: {وأوفوا بعهد الله}؛ كالبيعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، {إذا عاهدتم} الله على شيء من ذلك، {ولا تَنقضوا الأيمان}؛ أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، {بعد توكيدها}؛ بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً}؛ شاهدًا ورقيبًا، بتلك البيعة؛ فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، {إن الله يعلم ما تفعلون} في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيُكَفِّرْ عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. {ولا تكونوا كالتي نَقَضَتْ غزلها}: أفسدته {من بعد قوة} أي: إبرام وإحكام؛ {أنكاثًا} أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد: تشبيه الناقض بمَن هذا شأنه، وقيل: هي "ريطة بنت سعد القرشية"؛ فإنها كانت خرقاء - أي: حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يُوف، أو حلف ولم يَبر في يمينه. {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض؛ لأجل {أن تكون أُمةٌ هي أربى من أمةٍ}: بأن تكون جماعة أزيد عدداً وأوفر مالاً، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية؛ لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش؛ إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. {إنما يبلوكم}: يختبركم {اللهُ به}؛ بما أمر من الوفاء بالعهد؛ لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تَغْتَرُّونَ بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ {وليُبَيننَّ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} في الدنيا؛ حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. {ولو شاء اللهُ لجعلكم أمةً واحدة}؛ أهل دين واحد متفقين على الإسلام، {ولكن يُضل من يشاء} بعدله، {ويهدي من يشاء} بفضله، {ولتُسألنَّ يوم القيامة}؛ سؤال تبكيت ومجازاة، {عما كنتم تعملون} في الدنيا؛ لتُجازوا عليه. {ولا تتخذوا أيمانكم دَخَلاً بينكم}، كرره؛ تأكيدًا؛ مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، {فتزِلَّ قدمٌ} عن محجة الإسلام {بعد ثُبوتها}: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وُحد ونُكِّر؛ للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ {وتذوقوا السُّوءَ}: العذاب في الدنيا {بما صددتم عن سبيل الله} أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه؛ فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سُنَّة لغيره، {ولكم عذابٌ عظيم} في الآخرة. {ولا تشتروا بعهد الله} أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذكم {ثمنًا قليلاً}: عرضًا يسيرًا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، {إِنَّما عند الله} من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، {هو خيرٌ لكم} مما يعدونكم، {إن كنتم تعلمون} ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. {ما عندكم} من أعْرَاضِ الدنيا {يَنْفَذُ}؛ ينقضي ويفنى، {وما عند الله} من خزائن رحمته، وجزيل نعمته {باقٍ} لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد؛ طمعًا في العَرَضِ الفاني، {وليجزين الذين صبروا} على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، {أجرهم بأحسنِ ما كانوا يعملون} بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن: 29]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون؛ فمن عقد معهم عقدًا، أو أخذ منهم عهدًا، فلا يعول على شيء من ذلك؛ إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصًا في حقهم، بل هو كمال؛ لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلاَّ فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي اقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة

الجنابذي

تفسير : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} عطف على انّ الله يأمر بالعدل فانّه فى معنى اعدلوا، وعهد الله هو العهد المأخوذ فى البيعة العامّة النّبويّة الاسلامية او البيعة الخاصّة الولويّة الايمانيّة {إِذَا عَاهَدتُّمْ} التّقييد به نصّ على انّ هذا العهد امر واقع فى دار التّكليف وليس المراد ما وقع سابقاً فى الّذرّ كما يفسّر به العهود المطلقة فى القرآن وتنبيه على انّ الوفاء بالعهد لا يتصوّر ما لم يقع صورته فى دار التّكليف، والمراد بالوفاء بالعهد الوفاء بشروطه الّتى تؤخذ على المعاهد حين البيعة، والمراد بقوله اوفوا بعهدى اوف بعهدكم هو هذا العهد وشروطه، وتسمية ذلك عهد الله لانّه عهد مع من اذن الله له فى اخذ العهد عن عباده واليه اشار بقوله انّ الّذين يبايعونك انّما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم بطريق الحصر اشعاراً بانّ الواسطة لا حكم له وانّما الحكم لذى الواسطة فقط {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ} المراد بالايمان هى العهود المأخوذة بالبيعة، وتسميتها ايماناً لحصولها بالايمان كسائر المبايعات {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} يعنى لا تنقضوا البيعة النّبويّة بعد توكيدها بالبيعة الولويّة فانّ البيعة الاسلاميّة اذا لم تؤكّد بالبيعة الايمانيّة كان فى نقضها توبة وتقبل توبة ناقضها لأنّه كاشف فى الاغلب عن الارتداد الملّىّ، وامّا البيعة الايمانيّة فلا تقبل توبة ناقضها لانّه كاشف فى الاغلب عن الارتداد الفطرىّ وهو مبالغة فى نهى من يبايع عليّاً (ع) فى الغدير عن نقض بيعته بعد ما بايع محمّداً (ص) بيعة اسلاميّة ولقد اكّد تلك البيعة نفسها ايضاً بان امر النّبىّ (ص) الخلائق بالبيعة مع علىّ (ع) فى ذلك اليوم ثلاثة مرّاتٍ، وفى خبر ولقد عقد محمّد (ص) عليهم البيعة لعلىّ (ع) فى عشرة مواطن، وقد فسّرت الآية فى الاخبار ببيعة غدير خمٍّ {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} تعديته بعلى لتضمين معنى المراقبة اى جعلتم الله رقيباً عليكم بواسطة كفالته لاموركم فليكل الامور اليه رقيباً عليه فليحذر الفسوق بعده كما قال: بئس الاسم الفسوق بعد الايمان {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} جواب سؤالٍ عن العلّة او عن حال الله معهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} يعني المؤمنين، على السمع والطاعة. { وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} أي: بعد توكيد العهد، يقول: بعد تشديدها وتغليظها { وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. قال الحسن: عهد الأنبياء، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، يقول: وقد تكفّل الله لكم بالجنة إن تمسّكتم بدينه. قوله: { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً} أي: تنكثون العهد، يعني المؤمنين، ينهاهم عن ذلك. قال: فيكون مثلكم، إن نكثتم العهد، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، أي: من بعد ما أبرمته، فنقضته بعد ما كان غزلاً قوياً، {أَنْكَاثاً} أي: عن العهد. قال: {وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} وهو تقديم، وفيه إضمار. قال: { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ} أي: عهدكم { دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي: خيانة وغدراً، كما صنع المنافقون الذين خانوا الله إذ نقضوا الأَيمان فقالوا ولم يعملوا، وتركوا الوفاء بما أقروا لله به. والدخل هو الخيانة. { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي: أكثر من أمة. يقول فتنقضوا عهد الله لقوم هم أكثر من قوم. وقال بعضهم {أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي: [أن يكون قوم] أعز من قوم. وقال بعضهم: يقول: العهد بين الناس فيما وافق الحق. والمرأة التي ضربت مثلاً في غزلها كانت حمقاء تغزل الشعر، فإذا غزلته نقضته، ثم عادت فغزلته. وتفسير مجاهد قال: هذا في الحلفاء؛ كانوا يحالفون الحلفاء، ثم يجدون أكثر منهم وأعزَّ، فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون الذين هم أعز؛ فنهوا عن ذلك. قوله: { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ} أي: بالكثرة، يبتليكم، يختبركم { وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي: من الكفر والإِيمان.

الالوسي

تفسير : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} قال قتادة ومجاهد: نزلت فيما كان من تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن مزيدة بن جابر أنها نزلت في بيعة النبـي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع على الإسلام، وظاهره أنها في البيعة على الإسلام مطلقاً، فالمراد بعهد الله تعالى البيعة كما نص عليه غير واحد. واعترض بأن الظاهر أنه عام في كل موثق وهو الذي يقتضيه كلام ميمون بن مهران، وسبب النزول ليس من المخصصات، ولذا قالوا: الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأجيب بأن قرينة التخصيص قوله تعالى فيما قبل: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [النحل: 88] الآية، وفيه نظر، وقال الأصم: المراد به الجهاد وما فرض في الأموال من حق ولا يلائمه قوله تعالى: {إِذَا عَـٰهَدتُّمْ} وقيل: المراد به النذر، وقيل: اليمين وتعقب ذلك الإمام بأنه حينئذ يكون قوله تعالى: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} تكراراً لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك، وإذا حمل العهد على العموم بحيث دخل تحته اليمين كان هذا من باب تخصيص بعض الأفراد بالذكر للاعتناء به وبعض من فسر العهد بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الأيمان على ما وقع عند تلك البيعة، وجوز بعضهم حملها على مطلق الأيمان. وفي «الحواشي السعدية» أن الظاهر أن المراد بها الأشياء المحلوف عليها كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» تفسير : لأنه لو كان المراد ذكر اسم الله تعالى كان عين التأكيد لا المؤكد فلم يكن محل ذكر العطف كما تقرر في المعاني ورد بأن المراد بها العقد لا المحلوف عليه لأن النقض إنما يلائم العقد ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} لأن المراد كون العقد مؤكداً بذكر الله تعالى لا بذكر غيره كما يفعله العامة الجهلة فالمعنى أن ذلك النهي لما ذكر لا عن نقض الحلف بغير الله تعالى وقال الواحدي: إن قوله سبحانه: {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} لإخراج لغو اليمين نحو لا والله بلى والله بناء على أن المعنى بعد توكيدها بالعزم والعقد ولغو اليمين ليست كذلك. ثم إذا حمل الأيمان على مطلقها فهو ـ كما قال الإمام ـ عام دخله التخصيص بالحديث السابق الدال على أنه متى كان الصلاح في نقض اليمين جاز نقضها. وتعقب بأن فيه تأملاً لأن الحظر لو لم يكن باقياً لما احتيج إلى الكفارة الساترة للذنب. وأجيب بأن وجوب الكفارة بطريق الزجر إذ أصل الأيمان الانعقاد ولو محظورة فلا ينافي لزوم موجبها، وجوز أن يقال: إن ذلك للإقدام على الحلف بالله/ تعالى في غير محله فليتأمل، والتوكيد التوثيق، ومنه أكد بقلب الواو همزة على ما ذهب إليه الزجاج وغيره من النحاة، وذهب آخرون إلى أن وكد وأكد لغتان أصليتان لأن الاستعمالين في المادة متساويان فلا يحسن القول بأن الواو بدل من الهمزة كما في «الدر المصون» وهو الذي اختاره أبو حيان. {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} أي شاهداً رقيباً فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه واستعمال الكفيل في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل والعلاقة اللزوم. والظاهر أن جعلهم مجاز أيضاً لأنهم لما فعلوا ذلك والله تعالى مطلع عليهم فكأنهم جعلوه سبحانه شاهداً قاله الخفاجي ثم قال: ولو أبقى الكفيل على ظاهره وجعل تمثيلاً لعدم تخلصهم من عقوبته وأنه يسلمهم لها كما يسلم الكفيل من كفله كما يقال: من ظلم فقد أقام كفيلاً بظلمه تنبيهاًعلى أنه لا يمكنه التخلص من العقوبة كما ذكره الراغب لكان معنى بليغاً جداً فتدبر، والظاهر أن الجملة في موضع الحال من فاعل {تَنقُضُواْ} وجوز أن تكون حالاً من فاعل المصدر وإن كان محذوفاً. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} أي من النقض فيجازيكم على ذلك في موضع التعليل للنهي السابق، وقال الخفاجي: إنه كالتفسير لما قبله.

ابن عاشور

تفسير : لما أمر الله المؤمنين بملاك المصالح ونهاهم عن ملاك المفاسد بما أومأ إليه قوله: {أية : يعظكم لعلكم تذكرون } تفسير : [سورة النحل: 90]. فكان ذلك مناسبة حسنة لهذا الانتقال الذي هو من أغراض تفنّن القرآن، وأوضح لهم أنهم قد صاروا إلى كمال وخير بذلك الكتاب المبيّن لكل شيء. لا جرم ذكرهم الوفاء بالعهد الذي عاهدوا الله عليه عندما أسلموا، وهو ما بايعوا عليه النبي مما فيه: أن لا يعصوه في معروف. وقد كان النبي يأخذ البيعة على كل من أسلم من وقت ابتداء الإسلام في مكّة. وتكررت البيعة قبيل الهجرة وبعدها على أمور أخرى، مثل النّصرة التي بايع عليها الأنصار ليلة العقبة، ومثل بيعة الحديبية. والخطاب للمسلمين في الحفاظ على عهدهم بحفظ الشريعة، وإضافة العهد إلى الله لأنهم عاهدوا النبي على الإسلام الذي دعاهم الله إليه، فهم قد عاهدوا الله كما قال: {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [سورة الفتح: 10]، وقال: {أية : من المؤمنين رجال صَدقوا ما عاهدوا الله عليه} تفسير : [سورة الأحزاب: 23]. والمقصود: تحذير الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام من أن ينقضوا عهد الله. و{إذا} لمجرّد الظرفية، لأنّ المخاطبين قد عاهدوا الله على الإيمان والطاعة، فالإتيان باسم الزمان لتأكيد الوفاء. فالمعنى: أن من عاهد وجب عليه الوفاء بالعهد. والقرينة على ذلك قوله: {أية : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً}. تفسير : [سورة النحل: 91] والعهد: الحلف. وتقدّم في قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}. وكذلك النقض تقدم في تلك الآية، ونقض الأيمان: إبطال ما كانت لأجله. فالنقض إبطال المحْلوف عليه لا إبطال القسم، فجُعِل إبطال المحلوف عليه نقضاً لليمين في قوله: {ولا تنقضوا الأيمان} تهويلاً وتغليظاً للنّقض لأنه نقض لحرمة اليمين. و{بعد توكيدها} زيادة في التحذير، وليس قيْداً للنّهي بالبعدية، إذ المقصود أيمان معلومة وهي أيمان العهد والبيعة، وليست فيها بعدية. و{بعد} هنا بمعنى (مع)، إذ البعدية والمعيّة أثرهما واحد هنا، وهو حصول توثيق الأيمان وتوكيدها، كقول الشميذر الحارثي:شعر : بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعدما دفنتم بصحراء الغُمَيْر القوافيا تفسير : أي لا تذكروا أنّكم شعراء وأن لكم شعراً، أو لا تنطقوا بشعر مع وجود أسباب الإمساك عنه في وقعة صحراء الغُمير، وقوله تعالى: {أية : بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} تفسير : [سورة الحجرات: 11]، وقوله: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. والتّوكيد: التوثيق وتكرير الفتل، وليس هو توكيد اللفظ كما توهّمه بعضهم فهو ضدّ النقض. وإضافته إلى ضمير {الأيمان} ليس من إضافة المصدر إلى فاعله ولا إلى مفعوله إذ لم يقصد بالمصدر التجدّد بل الاسم، فهي الإضافة الأصلية على معنى اللام، أي التوكيد الثابت لها المختصّ بها. والمعنى: بعد ما فيها من التوكيد، وبيّنه قوله: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً}. والمعنى: ولا تنقضوا الأيمان بعد حلفها. وليس في الآية إشعار بأن من اليمين ما لا حرج في نقضه، وهو ما سمّوه يمين اللّغو، وذلك انزلاق عن مهيع النظم القرآني. ويؤيّد ما فسرناه قوله: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} الواقع موقع الحال من ضمير {لا تنقضوا}، أي لا تنقضوا الأيمان في حال جعلكم الله كفيلاً على أنفسكم إذا أقسمتم باسمه، فإن مدلول القسم أنه إشهاد الله بصدق ما يقوله المقسم: فيأتي باسم الله كالإتيان بذات الشاهد. ولذلك سُمّيَ الحلف شهادة في مواضع كثيرة، كقوله: {أية : فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين}تفسير : [سورة النور: 6]. والمعنى أن هذه الحالة أظهر في استحقاق النّهي عنها. والكفيل: الشاهد والضامن والرقيب على الشيء المراعى لتحقيق الغرض منه. والمعنى: أن القسم باسم الله إشهاد لله وكفالة به. وقد كانوا عند العهد يحلفون ويشهدون الكفلاء بالتنفيذ، قال الحارث بن حلّزة:شعر : واذكروا حلف ذي المجاز وما قُ دّم فيه العهود والكفلاء تفسير : و{عليكم} متعلّق بــــ{جعلتم} لا بــــ{كفيلاً} أي أقمتموه على أنفسكم مقام الكفيل، أي فهو الكفيل والمكفول له من باب قولهم: أنت الخصم والحكم، وقوله تعالى: {أية : وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} تفسير : [سورة التوبة: 118]. وجملة {إن الله يعلم ما تفعلون} معترضة. وهي خبر مراد منه التحذير من التساهل في التمسّك بالإيمان والإسلام لتذكيرهم أن الله يطّلع على ما يفعلونه، فالتوكيد بــــ{إن} للاهتمام بالخبر. وكذلك التأكيد ببناء الجملة بالمسند الفعلي دون أن يقال: إن الله عليم، ولا: قد يعلم الله. واختير الفعل المضارع في {يعلم} وفي {تفعلون} لدلالته على التجدّد، أي كلما فعلوا فعلاً فالله يعلمه. والمقصود من هذه الجمل كلها من قوله: {وأوفوا بعهد الله} إلى هنا تأكيد الوصاية بحفظ عهد الأيمان. وعدم الارتداد إلى الكفر، وسدّ مداخل فتنة المشركين إلى نفوس المسلمين، إذ يصدّونهم عن سبيل الإسلام بفنون الصدّ، كقولهم: {أية : نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} تفسير : [سورة سبأ: 35]، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : وكذلك فتنّا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين}. تفسير : وقد تقدم ذلك في سورة الأنعام (53). ولم يذكر المفسّرون سبباً لنزول هذه الآية، وليست بحاجة إلى سبب. وذكروا في الآية الآتية وهي قوله: {أية : من كفر بالله من بعد إيمانه} تفسير : [سورة النحل: 106] أن آية {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} إلى آخرها نزلت في الذين رجعوا إلى الكفر بعد الإيمان لما فتنهم المشركون كما سيأتي، فجعلوا بين الآيتين اتصالاً. قال في «الكشاف»: كأن قوماً ممن أسلم بمكة زَيّنَ لهم الشيطان لجزعهم ما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم، ولِمَا كانوا يَعِدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبّتهم الله ا هــــ. يريد أن لهجة التحذير في هذا الكلام إلى قوله: {أية : إنما يبلوكم الله به} تفسير : [سورة النحل: 92] تنبىء عن حالة من الوسوسة داخلت قلوب بعض حديثي الإسلام فنبّأهم الله بها وحذّرهم منها فسلموا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّم}. أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا. وظاهر الآية أنه شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين الناس. وكرر هذا في مواضع أخر. كقوله (في الأنعام) {أية : وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ}تفسير : [الأنعام: 152] الآية، وقوله في (الإسراء): {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}تفسير : [الإسراء: 34]. وقد قدمنا هذا (في الأنعام). وبين في موضع آخر: أن من نقض العهد إنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك. ذلك في قوله: {أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [الفتح: 10]. وبين في موضع آخر: أن نقض الميثاق يستوجب اللعن. وذلك في قوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ}تفسير : [المائدة: 13] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاهَدتُّمْ} {ٱلأَيْمَانَ} (91) - وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ وَمِيثَاقِهِ إِذَا وَاثَقْتُمُوهُ، وَعَقْدِهُ إِذَا عَاقَدْتُمُوهُ، فَأَوْجَبْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ حَقّاً لِمَنْ عَاقَدْتُمُوهُمْ وَوَاثَقْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ (وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ يَلْتَزِمُ بِهِ الإِنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ) وَأَشْهَدْتُمُ اللهَ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ. وَلاَ تُخَالِفُوا مَا عَقَدْتُمْ فِيهِ الأَيمَانَ، وَشَدَّدْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ شَاهِداً وَرَاعِياً عَلَيْكُمْ فِي الوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْكُمْ مِنْ وَفَاءٍ وَحَلْفٍ، وَبِرٍّ وَحَنْثٍ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى مَا تَفْعَلُونَ. كَفِيلاً - شَاهِداً أَوْ رَقِيباً أَوْ ضَامِناً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الوفاء: أنْ تفِيَ بما تعاهدتَ عليه، والعهود لا تكون في المفروض عليك، إنما تكون في المباحات، فأنت حُرٌّ أن تلقاني غداً وأنا كذلك، لكن إذا اتفقنا وتعاهدنا على اللقاء غداً في الساعة كذا ومكان كذا فقد تحوَّل الأمر من المباح إلى المفروض، وأصبح كُلٌ مِنَّا ملزماً بأن يفي بعهده؛ لأن كل واحد مِنّا عطَّل مصالحه ورتَّب أموره على هذا اللقاء، فلا يصح أنْ يفيَ أحدنا ويُخلِف الآخر، لأن ذلك يتسبب في عدم تكافؤ الفُرص، ومعلوم أن مصالح العبادِ في الدنيا قائمة على الوفاء بالعهد. وقد ينظر البعض إلى الوفاء بالعهد على أنه مُلْزَمٌ به وحده، أو أنه عِبْءٌ عليه دون غيره، لكنه في الحقيقة عليك وعلى غيرك، فكما طلب منك الوفاء طلبه كذلك من الآخرين، فكلّ تكليف لك لا تنظر إليه هذه النظرة، بل تنظر إليه على أنه لصالحك. فمن أخذ التكليف وأحكام الله من جانبه فقط يتعب، فالحق - تبارك وتعالى - كما كلفك لصالح الناس فقد كلَّف الناس جميعاً لصالحك، فحين نهاك عن السرقة مثلاً إياك أنْ تظنَّ أنه قيّد حريتك أمام الآخرين؛ لأنه سبحانه نهى جميع الناس أن يسرقوا منك، فمَنِ الفائز إذن؟ أنا قيَّدت حريتك بالحكم، وأنت فرْد واحد، ولكني قيّدتُ جميع الخلق من أجلك. كذلك حين أمرك الشرع بغضِّ بصرك على محارم الناس، أمر الناس جميعاً بغضِّ أبصارهم عن محارمك. إذن: لا تأخذ التكليف على أنه عليك، بل هو لك، وفي صالحك أنت. كثيرون من الأغنياء يتبرّمون من الإنفاق، ويضيقون بالبذْل، ومنهم مَنْ يَعُد ذلك مَغْرماً لأنه لا يدري الحكمة من تكليف الأغنياء بمساعدة الفقراء، لا يدري أننا نُؤمِّن له حياته. وها نحن نرى الدنيا دُوَلاً وأغياراً، فكم من غنيٍّ صار فقيراً، وكم من قوي صار ضعيفاً. إذن: فحينما يأخذ منك وأنت غنيّ نُطمئنك: لا تخَفْ إذا ضاقتْ بك الحال، وإذا تبدّل غِنَاك فقراً، فكما أخذنا منك في حال الغنى سنُعطيك في حال الفقر، وهكذا يجب أن تكون نظرتنا إلى الأمور التكليفية. وقوله تعالى: {بِعَهْدِ ٱللَّهِ ..} [النحل: 91]. عهد الله: هو الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول عَهْد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالله فانظر إلى ما طلبه منك وما كلّفك به، وإياك أن تُخِلّ بأمر من أموره؛ لأن الاختلال في أيّ أمر تكليفي من الله يُعَدُّ نَقْصاً في إيمانك؛ لأنك حينما آمنت بالله شهدتَ بما شهد الله به لنفسه سبحانه في قوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. فأوّل مَنْ شهد الله سبحانه لنفسه، وهذه شهادة الذات للذات (والملاَئِكة) أي: شهادة المشاهدة (وَأُولُوا العِلْم) أي: بالدليل والحجة. إذن: فأوّل عَهْد بينك وبين الله تعالى أنك آمنتَ به إلهاً حكيماً قادراً خالقاً مُربِّياً، فاستمع إلى ما يطلبه منك، فإنْ لم تستمع وتُنفّذ فاعلم أن العهد الإيماني الأول قد اختلَّ. ولذلك، فالحق - تبارك وتعالى - لم يُكلِّف الكافر، لأنه ليس بينه وبينه عهد، إنما يُكلِّف مَنْ آمن، فتجد كل آية من آيات الأحكام تبدأ بهذا النداء الإيماني: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} تفسير : [البقرة: 183]. كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ..} تفسير : [البقرة: 183]. فيا مَنْ آمنتَ بي رَباً، ورضيتني إلهاً اسمع مِنِّي؛ لأني سأعطيك قانون الصيانة لحياتك، هذا القانون الذي يُسعدك بالمسبِّب في الآخرة بعد أن أسعدك بالأسباب في الدنيا. وقوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ..} [النحل: 91]. الأَيْمان: جمع يمين، وهو الحلف الذي نحلفه ونُؤكِّد عليه فنقول: والله، وعهد الله .. الخ. إذن: فلا يليق بك أنْ تنقضَ ما أكَّدته من الأَيْمان، بل يلزمك أنْ تُوفِّي بها؛ لأنك إنْ وفَّيت بها وُفِّي لك بها أيضاً، فلا تأخذ الأمر من جانبك وحدك، ولكن انظر إلى المقابل. وكذلك العهد بين الناس بعضهم البعض مأخوذ من باطن العهد الإيماني بالله تعالى؛ لأننا حينما نتعاهد نُشهد الله على هذا العهد، فنقول: بيني وبينك عَهْد الله، فنُدخل بيننا الحق سبحانه وتعالى لِنُوثِّق ما تعاهدنا عليه، وربنا سبحانه وتعالى يقول: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ..} [النحل: 91]. أي: شاهداً ورقيباً وضامناً. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91]. أي: اعلم أن الله مُطَّلع عليك، يعلم خفايا الضمائر وما تُكِنّه الصدور، فاحذر حينما تعطي العهد أن تعطيه وأنت تنوي أن تخالفه، إياك أنْ تُعطي العهد خِدَاعاً، فربُّك سبحانه وتعالى يعلم ما تفعل. ثم يُعقِّب الحق سبحانه: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما استقصى تعالى في الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وذكر جملة المكارم والفضائل، حذَّر تعالى هنا من نقض العهود والمواثيق وعصيان أوامر الله تعالى، لأن العصيان سبب البلاء والحرمان، ثم ذكر تعالى ما أعده لأهل الإِيمان من الحياة الطيبة الكريمة. اللغَة: {تَنقُضُواْ} النقض ضدُّ الإِبرام، وهو فك أجزاء الشيء بعضها من بعض {تَوْكِيدِهَا} التوكيد التثبيتُ يقال: توكيد وتأكيد {أَنكَاثاً} أنقاضاً والنكث: النقضُ بعد الفتل {دَخَلاً} الدَّخل: الدَّغل والخديعة والغش قال أبو عبيدة: كل أمرٍ لم يكن صحيحاً فهو دخَل {يَنفَدُ} نفد الشيء ينْفد فني {أَعْجَمِيٌّ} الأعجمي الذي لا يتكلم العربية وقال الفراء: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإِن كان من العرب، والعجمي الذي أصله من العجم {يُلْحِدُونَ} الإِلحاد: الميل يقال لحد وألحد إِذا مال عن القصد والاستقامة. سَبَبُ النّزول: أ- روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس عند المروة إِلى غلام نصراني يقال له "جبْر" وكان يقرأ الكتب فقال المشركون: والله ما يعلِّمه ما يأتي به إِلا جبرٌ الرومي فأنزل الله عز وجل {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...} الآية. ب- عن ابن عباس حديث : أن المشركين أخذوا عمّار بن ياسر وأباه ياسراً وأمه سُميَّة وصهيباً وبلالاً فعذبوهم، ورُبطت "سُميَّة" بين بعيرين ووُجئ قُبُلها بحربة فقُتلت، وقُتل زوجها ياسر - وهما أول قتيلين في الإِسلام - وأمّا عمّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكرهاً، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول الكريم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنٌ بالإيمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعُدْ وأنزل الله {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ...} تفسير : الآية. التفسير: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} أي حافظوا على العهود التي عاهدتم عليها الرسول أو الناس وأدوها على الوفاء والتمام {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} أي ولا تنقضوا أيمان البيعة بعد توثيقها بذكر الله تعالى {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} أي جعلتم الله شاهداً ورقيباً على تلك البيعة {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} أي عليم بأفعالكم وسيجازيكم عليها {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} هذا مثلٌ ضربه الله لمن نكث عهده، شبِّهت الآية الذي يحلف ويعاهد ويُبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكماً ثم تحلُه أنكاثاً أي أنقاضاً قال المفسرون: كان بمكة امرأة حمقاء تغزل غزلاً ثم تنقضه، وكان الناس يقولون: ما أحمق هذه! {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي تتخذون أيمانكم خديعة ومكراً تخدعون بها الناس {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي لأجل أن تكون أمة أكثر عدداً وأوفر مالاً من غيرها قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزَّ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} أي إِنما يختبركم الله بما أمركم به من الوفاء بالعهد لينظر المطيع من العاصي {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي ليجازي كل عاملٍ بعمله من خير وشرّ {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لو شاء الله لخلق الناس باستعداد واحد، وجعلهم أهل ملةٍ واحدة، لا يختلفون ولا يفترقون {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي ولكنْ اقتضت حكمته أن يتركهم لاختيارهم، ناسٌ للسعادة وناس للشقاوة، فيضلُّ من يشاء بخذلانه إِياهم عدلاً، ويهدي من يشاء بتوفيقه إِياهم فضلاً {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم على الفتيل والقطمير {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} كرره تأكيداً ومبالغة في تعظيم شأن العهود أي لا تعقدوا الأيمان وتجعلوها خديعة ومكراً تغرون بها الناس لتحصلوا على بعض منافع الدنيا الفانية {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} أي فتزلَّ أقدامكم عن طريق الاستقامة وعن محجة الحق بعد رسوخها فيه قال ابن كثير: هذا مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزلَّ عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة، المشتملة على الصدّ عن سبيل الله، لأن الكافر إِذا رأى المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوقٌ بالدين، فيصد بسببه عن الدخول في الإِسلام ولهذا قال {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يصيبكم العقاب الدنيوي العاجل الذي يسوءكم لصدّكم غيركم عن اعتناق الإِسلام بسبب نقض العهود {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي ولكم في الآخرة عذاب كبير في نار جهنم {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا تستبدلوا عهد الله وعهد رسوله بحطام الدنيا الفاني {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي ما عند الله من الأجر والثواب خير لكم من متاع الدنيا العاجل إِذا كنتم تعلمون الحقيقة، ثم علَّل ذلك بقوله {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} أي ما عندكم أيها الناس فإِنه فانٍ زائل، وما عند الله فإِنه باقٍ دائم، لا انقطاع له ولا نَفَاد، فآثروا ما يبقى على ما يفنى {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ولنثيبنَّ الصابرين بأفضل الجزاء، ونعطيهم الأجر الوافي على أحسن الأعمال مع التجاوز عن السيئات، وهذا وعدٌ كريم بمنح أفضل الجزاء على أفضل العمل، ليكون الجزاء على أحسن العمل دون سواه، وكل ذلك بفضل الله {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي من فعل الصالحات ذكراً كان أو أنثى بشرط الإِيمان {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} أي فلنحيينَّه في الدنيا حياة طيبة بالقناعة والرزق الحلال، والتوفيق لصالح الأعمال وقال الحسن: لا تطيب الحياة لأحدٍ إِلا في الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وسعادة بلا شقاوة {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ولنجزينَّهم في الآخرة بجزاء أحسن أعمالهم، وما أكرمه من جزاء! {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} أي إِذا أردت تلاوة القرآن {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} أي فاسأل الله أن يحفظك من وساوس الشيطان وخطراته، كيلا يوسوس لك عند القراءة فيصدَّك عن تدبر القرآن والعمل بما فيه {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ليس له تسلطٌ وقدرة على المؤمنين بالإِغواء والكفر لأنهم في كنف الرحمن {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي يعتمدون على الله فيما نابهم من شدائد {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي إِنما تسلُّطه وسيطرته على الذين يطيعونه ويتخذونه لهم ولياً {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} أي بسبب إِغوائه أصبحوا مشركين في عبادتهم وذبائحهم، ومطاعمهم ومشاربهم {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} أي وإِذا أنزلنا آيةٌ مكان آية وجعلناها بدلاً منها بأن ننسخ تلاوتها أو حكمها {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} جملة اعتراضية سيقت للتوبيخ أي والله أعلم بما هو أصلح للعباد وبما فيه خيرهم، فإِنَّ مثل آياتِ هذا الكتاب كمثل الدواء يُعطى منه للمريض جرعات حتى يماثل الشفاء، ثم يستبدل بما يصلح له من أنواع أخرى من الأطعمة {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} أي قال الكفرة الجاهلون إنما أنت يا محمد متقوِّلٌ كاذبٌ على الله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي أكثرهم جهلة لا يعلمون حكمة الله فيقولون ذلك سفهاً وجهلاً قال ابن عباس: كان إِذا نزلت آية فيها شدة ثم نسخت قال كفار قريش: والله ما محمد إِلا يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم بأمرٍ، وينهاهم غداً عنه، وإِنه لا يقول: ذلك إِلا من عند نفسه فنزلت {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} أي قل لهم يا محمد: إِنما نزَّله جبريل الأمين من عند أحكم الحاكمين بالصدق والعدل {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ليثبّت المؤمنين بما فيه من الحجج والبراهين فيزدادوا إِيماناً ويقيناً {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} أي وهداية وبشارة لأهل الإِسلام الذين انقادوا لحكمه تعالى، وفيه تعريضٌ بالكفار الذين لم يستسلموا لله تعالى {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} أي قد علمنا مقالة المشركين الشنيعة ودعواهم أن هذا القرآن من تعليم "جبْر الرومي" وقد ردَّ تعالى عليهم بقوله {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} أي لسان الذي يزعمون أنه علَّمه وينسبون إِليه التعليم أعجميٌ {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} أي وهذا القرآن عربيٌ في غاية الفصاحة، فكيف يمكن لمن لسانُه أعجمي أن يُعلم محمداً هذا الكتاب العربيُّ المبين؟ ومن أين للأعجمي أن يذوق بلاغة هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه!! {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} أي إِن الذين لا يُصدّقون بهذا القرآن لا يوفقهم الله لإِصابة الحق، ولا يهديهم إِلى طريق النجاة والسعادة {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي لهم في الآخرة عذابٌ موجع مؤلم، وهذا تهديدٌ لهم ووعيد على كفرهم وافترائهم {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي لا يكذب على الله إِلا من لم يؤمن بالله ولا بآياته، لأنه لا يخاف عقاباً يردعه، فالكذب جريمةٌ فاحشة لا يُقدم عليها مؤمن، وهذا ردُّ لقولهم {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} {وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} أي وأولئك هم الكاذبون على الحقيقة لا محمد الرسول الأمين {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} أي من تلفَّظ بكلمة الكفر وارتد عن الدين بعد ما دخل فيه {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} أي إِلا من تلفَّظ بكلمة الكفر مكرهاً والحال أن قلبه مملوءٌ إِيماناً ويقيناً، والآيةُ تغليظٌ لجريمة المرتد لأنه عرف الإِيمان وذاقه ثم ارتدَّ إِيثاراً للحياة الدنيا على الآخرة قال المفسرون: حديث : نزلت في عمار بن ياسر أخذه المشركون فعذبوه حتى أعطاهم ما أرادوا مُكْرهاً فقال الناس: إِنَّ عماراً كفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ عماراً ملئ إِيماناً من فرقه إِلى قدمه، واختلط الإِيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإِيمان قال: إِن عادوا فعُدْ تفسير : {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} أي طابت نفسه بالكفر وانشرح صدره له {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي ولهم غضبٌ شديد مع عذاب جهنم، إِذْ لا جرم أعظم من جرمهم {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} أي ذلك العذاب بسبب أنهم آثروا الدنيا واختاروها على الآخرة {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا يوفقهم إِلى الإِيمان ولا يعصمهم من الزيغ والضلال {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم فجعل عليها غلافاً بحيث لا تُذعن للحق ولا تسمعه ولا تبصره {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} أي الكاملون في الغفلة إِذْ أغفلتهم الدنيا عن تدبر العواقب {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ} أي حقاً ولا شك ولا ريب في أنهم الخاسرون في الآخرة لأنهم ضيَّعوا أعمارهم في غير منفعة تعود عليهم قال المفسرون: وصفهم تعالى بست صفات هي: الغضب من الله، والعذاب العظيم، واختيارهم الدنيا على الآخرة، وحرمانهم من الهدى، والطبع على قلوبهم، وجعلهم من الغافلين {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} أي ثم إِن ربك يا محمد للذين هاجروا في سبيل الله بعد ما فتنهم المشركون الطغاة عن دينهم بالعذاب {ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} أي ثم جاهدوا في سبيل الله وصبروا على مشاقّ الجهاد {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي إِن ربك بعد تلك الهجرة والجهاد والصبر سيغفر لهم ويرحمهم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- التشبيه التمثيلي {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} الآية شبه تعالى من يحلف ثم لا يفي بعهده بالمرأة التي تغزل غزلاً ثم تنقضه. 2- الاستعارة في {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} استعار القدم للرسوخ في الدين والتمكن فيه لأن أصل الثبات يكون بالقدم ولما كان الزلل عن محجة الحق يشبه زلل القدم وانزلاقها عبَّر به عن الانزلاق الحسي بطريق الاستعارة. 3- الطباق بين {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} وبين {أَعْجَمِيٌّ .. عَرَبِيٌّ} وبين {يَنفَدُ ... بَاقٍ}, 4- جناس الاشتقاق {قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} وفيه مجاز مرسل من إِطلاق اسم المسبَّب على السبب أي إِذا أردت قراءة القرآن. 5- الاعتراض {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} الجملة اعتراضية لبيان الحكمة الإِلهية في النسخ، وفيه التفات من المتكلم إِلى الغائب، وذكر الاسم الجليل لتربية المهابة في النفس. 6- الاستعارة اللطيفة {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} استعار اللسان للغّة والكلام كقول الشاعر: شعر : لسانُ السُّوءِ تُهديها إِلينا وخُنْت وما حسبتُك أن تخونا تفسير : والعرب تستعمل اللسان بمعنى اللغة كقوله تعالى {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}تفسير : [إبراهيم: 4]. لطيفَة: السرُّ في الاستعاذة قبل قراءة القرآن أن القرآن هو الذكر الحكيم، والحق المبين، ولما كان الشيطان يثير الشبهات بوساوسه، ويفسد القلوب بدسائسه، أُمر صلى الله عليه وسلم بأن يستعيذ بالله ويلتجئ إِليه عند تلاوة القرآن، لأن قوة الإِنسان تضعف عن دفعه بسهولة فيحتاج إِلى الاستعانة بالله العلي الكبير.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره ويؤكده على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها فقال: { وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } بعقدها على اسم الله تعالى: { وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ } أيها المتعاقدون { كَفِيلا } فلا يحل لكم أن لا تحكموا ما جعلتم الله عليكم كفيلا فيكون ذلك ترك تعظيم الله واستهانة به، وقد رضي الآخر منك باليمين والتوكيد الذي جعلت الله فيه كفيلا. فكما ائتمنك وأحسن ظنه فيك فلتف له بما قلته وأكدته. { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } يجازي كل عامل بعمله على حسب نيته ومقصده. { وَلا تَكُونُوا } في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك { كَالَّتِي } تغزل غزلا قويا فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته { أَنْكَاثًا } فتعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة. وقوله: { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } أي: لا تنبغي هذه الحالة منكم تعقدون الأيمان المؤكدة وتنتظرون فيها الفرص، فإذا كان العاقد لها ضعيفا غير قادر على الآخر أتمها لا لتعظيم العقد واليمين بل لعجزه، وإن كان قويا يرى مصلحته الدنيوية في نقضها نقضها غير مبال بعهد الله ويمينه. كل ذلك دورانا مع أهوية النفوس، وتقديما لها على مراد الله منكم، وعلى المروءة الإنسانية، والأخلاق المرضية لأجل أن تكون أمة أكثر عددا وقوة من الأخرى. وهذا ابتلاء من الله وامتحان يبتليكم الله به حيث قيض من أسباب المحن ما يمتحن به الصادق الوفي من الفاجر الشقي. { وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيجازي كلا بما عمل، ويخزي الغادر.