Verse. 1993 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَلَا تَكُوْنُوْا كَالَّتِيْ نَقَضَتْ غَزْلَہَا مِنْۢ بَعْدِ قُوَّۃٍ اَنْكَاثًا۝۰ۭ تَتَّخِذُوْنَ اَيْمَانَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ اَنْ تَكُوْنَ اُمَّۃٌ ہِىَ اَرْبٰى مِنْ اُمَّۃٍ۝۰ۭ اِنَّمَا يَبْلُوْكُمُ اللہُ بِہٖ۝۰ۭ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ مَا كُنْتُمْ فِيْہِ تَخْتَلِفُوْنَ۝۹۲
Wala takoonoo kaallatee naqadat ghazlaha min baAAdi quwwatin ankathan tattakhithoona aymanakum dakhalan baynakum an takoona ommatun hiya arba min ommatin innama yablookumu Allahu bihi walayubayyinanna lakum yawma alqiyamati ma kuntum feehi takhtalifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تكونوا كالتي نقضت» أفسدت «غزلها» ما غزلته «من بعد قوة» إحكام له وبرم «أنكاثا» حال جمع نكث وهو ما ينكث أي يحل إحكامه وهي امرأة حمقاء من مكة كانت تغزل طوال يومها ثم تنقضه «تتخذون» حال من ضمير تكونوا: أي لا تكونوا مثلها في اتخاذكم «أيمانكم دخلاً» هو ما يدخل في الشيء وليس منه أي فسادا أو خديعة «بينكم» بأن تنقضوها «أن» أي لأن «تكون أُمة» جماعة «هي أربى» أكثر «من أمة» وكانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجد أكثر منهم وأعز نقضوا حلف أولئك وحالفوهم «إنما يبلوكم» يختبركم «الله به» أي بما أمر به من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي أو يكون أمة أربى لينظر أتفون أم لا «وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون» في الدنيا من أمر العهد وغيره بأن يعذب الناكث ويثبت الوافي.

92

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} النّقض والنّكث واحد، والاسم النكث والنقض، والجمع الأنكاث. فشبَّهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويُبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتِله مُحْكَماً ثم تَحُلّه. ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى رَيْطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة كانت تفعل ذلك، فبها وقع التشبيه؛ قاله الفراء، وحكاه عبد الله بن كثير والسُّدِّي ولم يسمِّيا المرأة. وقال مجاهد وقتادة: وذلك ضَرْبُ مثلٍ، لا على امرأة معيّنة. و «أنكاثا» نصب على الحال. والدَّخَل: الدَّغَل والخديعة والغش. قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحاً فهو دَخَل. {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} قال المفسرون: نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى، ثم جاءت إحداهما قبيلة كثيرة قوية فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها ورجعت إلى هذه الكبرى ـ قاله مجاهد ـ فقال الله تعالى: لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى أو أكثر أموالاً فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة في الدنيا لأعدائكم المشركين. والمقصود النّهْي عن العَوْد إلى الكفر بسبب كثرة الكفار وكثرة أموالهم. وقال الفراء: المعنى لا تغدِروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم، وقد عززتموهم بالأيمان. {أَرْبَى} أي أكثر؛ من رَبَا الشيء يربو إذا كثر. والضمير في «به» يحتمل أن يعود على الوفاء الذي أمر الله به. ويحتمل أن يعود على الرباء؛ أي أن الله تعالى ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضِهم الظهورَ على بعض، واختبرهم بذلك ليرى من يجاهد نفسه فيخالفها ممن يتبعها ويعمل بمقتضى هواها؛ وهو معنى قوله: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من البعث وغيره.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} ما غزلته، مصدر بمعنى المفعول. {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } متعلق بـ {نَقَضَتْ } أي نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام. {أَنكَـٰثًا } طاقات نكث فتلها جمع نكث، وانتصابه على الحال من {غَزْلَهَا } أو المفعول الثاني لنقضت فإنه بمعنى صيرت، والمراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه. وقيل هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية فإنها كانت خرقاء تفعل ذلك. {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} حال من الضمير في {وَلاَ تَكُونُواْ}، أو في الجار الواقع موقع الخبر أي لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها، متخذي أيمانكم مفسدة ودخلاً بينكم، وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه. {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} لأن تكون جماعة أزيد عدداً وأوفر مالاً من جماعة، والمعنى لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة منابذتهم وقوتهم كقريش، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم. {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ } الضمير لأنه تكون أمة لأن بمعنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر. أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم. وقيل الضمير للرياء وقيل للأمر بالوفاء. {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ } أفسدت {غَزْلَهَا } ما غزلته {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } إحكامٍ له وبَرْم {أَنكَٰثًا } حال جمع نكث وهو ما ينكث: أي يحل إحكامه، وهي امرأة حمقاء من مكة كانت تغزل طول يومها ثم تنقضه {تَتَّخِذُونَ } حال من ضمير «تكونوا» أي لا تكونوا مثلها في اتخاذكم {أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلاً } هو ما يدخل في الشيء وليس منه: أي فسادا وخديعة {بَيْنِكُمْ } بأن تنقضوها {ءانٍ } أي لأن {تَكُونَ أُمَّةٌ } جماعة {هِىَ أَرْبَى } أكثر {مِنْ أُمَّةٍ } وكانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا أكثر منهم وأعزّ نقضوا حلف أولئك وحالفوهم {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ } يختبركم {ٱللَّهُ بِهِ } أي بما أمر به من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي، أو بكون أُمَّة أربى، لينظر أتفون أم لا؟ {وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } في الدنيا من أمر العهد وغيره، بأن يعذب الناكث ويثيب الوافي.

ابن عطية

تفسير : شبهت هذه الآية الذي يحلف أو يعاهد أو يبرم عقدة بالمرأة التي تغزل غزلها وتفتله محكماً، وشبه الذي ينقض عهده بعد الإحكام بتلك الغازلة إذا نقضت قوى ذلك الغزل فحلته بعد إبرامه، ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت سعد كانت تفعل ذلك، فبها وقع التشبيه، قاله عبد الله بن كثير والسدي ولم يسميا المرأة، وقيل كانت امرأة موسوسة تسمى خطية تغزل عند الحجر وتفعل ذلك، وقال مجاهد وقتادة، ذلك ضرب مثل لا على امرأة معينة و {أنكاثاً} نصب على الحال، والنكث النقض، و"القوة" في اللغة واحدة قوى الغزل والحبل، وغير ذلك مما يظفر، ومنه قول الأغلب الراجز: شعر : حبل عجوز فتلت سبع قوى تفسير : ويظهر لي أن المراد بـ "القوة" في الآية الشدة التي تحدث من تركيب قوى الغزل ولو قدرناها واحدة القوى لم يكن معها ما ينقض {أنكاثاً}، والعرب تقول أنكثت الحبل إذا انتقضت قواه، أما إن عرف الغزل أنه قوة واحدة، ولكن لها أجزاء كأنها قوة كثيرة له، قال مجاهد: المعنى من بعد إمرار قوة، و"الدخل" الدغل بعينه، وهي الذرائع إلى الخدع والغدر، وذلك أن المحلوف له مطمئن فيتمكن الحالف من ضره بما يريده، وقوله {أن تكون أمة هي أربى من أمة}، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت الأخرى ثم جاءت إحداهما قبيلة كبيرة، قوية فداخلتها، غدرت الأولى ونقضت معها ورجعت إلى هذه الكبرى، فقال الله تعالى ولا تنقضوا العهود من أجل أن تكون قبيلة أزيد من قبيلة في العدد والعزة و"الربا" الزيادة، ويحتمل أن يكون القول معناه لا تنقضوا الأيمان من أجل أن تكونوا أربى من غيركم أي أزيد خيراً، فمعناه لا تطلبوا الزيادة بعضكم على بعض بنقض العهود، و {يبلوكم} معناه يختبركم، والضمير في {به} يحتمل أن يعود على الوفاء الذي أمر الله به، ويحتمل أن يعود على الربا، أي أن الله تعالى ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضهم الظهور على بعض، واختبرهم بذلك ليرى من يجاهد نفسه ممن يتبعها هواها، وباقي الآية وعيد بين بيوم القيامة، وقوله {هي أربى} موضع {أربى} عند البصريين رفع وعند الكوفيين نصب، وهي عماد ولا يجوز العماد هنا عند البصريين لأنه لا يكون مع النكرة، و {أمة} نكرة، وحجة الكوفيين أن {أمة} وما جرى مجراها من أسماء الأجناس تنكيرها قريب من التعريف، ألا ترى أن إدخال الألف واللام عليها لا يخصصها كبير تخصيص، وفي هذا نظر، وقوله تعالى: {ولو شاء الله} الآية، أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه يبتلي عباده بالأوامر والنواهي ليذهب كل أحد إلى ما يسر له، وذلك منه تعالى بحق الملك، وأنه لا يسأل عما يفعل، ولو شاء لكان الناس كلهم في طريق واحد، إما في هدى وإما في ضلالة، ولكنه تعالى شاء أن يفرق بينهم، ويخص قوماً بالسعادة وقوماً بالشقاوة و {يضل} و {يهدي} معناه يخلق ذلك في القلوب خلافاً لقول المعتزلة، ثم توعد في آخر الآية بسؤال كل أحد يوم القيامة عن عمله، وهذا سؤال توبيخ، وليس ثم سؤال تفهم، وذلك هو المنفي في آيات.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا} امرأة حمقاء بمكة كانت تغزل الصوف ثم تنقضه بعد إبرامه. فشبه ناقض العهد بها في السفه والجهل تنفيراً من ذلك {غَزْلَهَا} عبّر عن الحبل بالغزل، أو أراد الغزل حقيقة {قُوَّةٍ} إبرام، أو القوة: ما غزل على طاقة ولم تثن {أَنكَاثاً} أنقاضاً واحدها نكث، وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث {دَخَلاً} غروراً، أو دغلاً وخديعة، أو غلاً وغشاً، أو أن يكون داخل القلب من الغدر غير ما في الظاهر من الوفاء، أو الغدر والخيانة. {أَرْبَى} أكثر عدداً وأزيد مدداً فتغدر بالأقل.

النسفي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ } في نقض الأيمان {كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته {أَنكَـٰثًا } جمع نكث وهو ما ينكث فتله. قيل: هي ريطة وكانت حمقاء تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ } حال كـ {أنكاثا}ً {دَخَلاً } أحد مفعولي {تتخذ} أي ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً {بَيْنِكُمْ } أي مفسدة وخيانة {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ } بسبب أن تكون أمة يعني جماعة قريش {هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } هي أزيد عدداً وأوفر مالاً من أمة من جماعة المؤمنين. {هي أربى} مبتدأ وخبر، في موضع الرفع صفة لـ {أمة} و{أمة} فاعل {تكون} وهي تامة و{هي} ليست بفصل لوقوعها بين نكرتين {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ } الضمير للمصدر أي إنما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما وكدتم من أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقلة المؤمنين وفقرهم {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } إِذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب، وفيه تحذير عن مخالفة ملة الإسلام {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } حنيفة مسلمة {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } من علم منه اختيار الضلالة {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } من علم منه اختيار الهداية {وَلَتُسُئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يوم القيامة فتجزون به. {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } كرر النهي عن اتخاذ الإيمان دخلاً بينهم تأكيداً عليهم وإظهاراً لعظمه {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها. وإنما وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن تثبت عليه فكيف بأقدام كثيرة {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوءَ } في الدنيا {بِمَا صَدَدتُّمْ } بصدودكم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وخروجكم عن الدين، أو بصدكم غيركم لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الآخرة

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا...} الآية: شَبَّهت هذه الآيةُ الذي يَحْلِفُ أو يعاهِدُ ويُبْرِمُ عَقْده، بالمرأة تغزِلُ غزْلها وتفتِله مُحْكماً، ثم تنقُضُ قُوَى ذلك الغَزْلِ، فتحلُّه بعد إِبرامه، و{أَنَكَـٰثًا} نصبٌ على الحالِ، «والنَّكْث» النقْصُ، والعربُ تقولُ انْتَكَثَ الحَبْلُ، إِذا انتقضَتْ قواه، و«الدَّخَلُ» الدَّغَل بعينه، وهو الذرائِعُ إِلى الخدْع والغدر، وذلك أن المحلوُفَ له مطمئنٌّ، فيتمكنُ الحالفُ مِنْ ضَرَره بما يريدُ. وقوله سبحانه: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} المعنى: لا تنقضوا الأيمان مِنْ أجْل أنْ تكونَ قبيلةٌ أزَيدَ من قبيلةٍ في العَدَد والعزَّة والقوَّة، و{يَبْلُوكُمُ} أي: يختبركم، والضميرُ في «به» يحتمل أنْ يعود على «الرِّبَا»، أي: أنَّ اللَّه ابتلى عباده بالربا، وطَلَبِ بعضهم الظُّهُورَ على بعضٍ، وٱختبرَهُمْ بذلك؛ ليرى مَنْ يجاهد بنفسِهِ، ممَّن يتَّبِعُ هواها، وباقي الآية وعيدٌ بيوم القيامة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال‏:‏ كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف، فنزلت هذه الآية ‏ {‏ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها‏ .‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن مردويه من طريق‏ حديث : عطاء بن أبي رباح قال‏:‏ قال لي ابن عباس‏:‏ يا عطاء، ألا أريك امرأة من أهل الجنة‏؟‏ فأراني حبشية صفراء، فقال‏:‏ ‏"‏هذه أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن بي هذه الموتة - يعني الجنون - فادع الله أن يعافيني‏.‏ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إن شئت دعوت الله فعافاك، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة، فاختارت الصبر والجنة ‏" تفسير : ‏قال‏:‏ وهذه المجنونة سعيدة الأسدية، وكانت تجمع الشعر والليف فنزلت هذه الآية ‏ {‏ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها‏ .‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها‏}‏ قال‏:‏ خرقاء كانت بمكة تنقضه بعدما تبرمه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها‏} ‏ قال‏:‏ كانت امرأة بمكة، كانت تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها تنقضه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها‏}‏ قال‏:‏ نقضت حبلها بعد إبرامها إياه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية‏:‏ لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم‏:‏ ما أحمق هذه‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم‏} ‏ قال‏:‏ خيانة وغدرا‏ً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏أن تكون أمة هي أربى من أمة‏} ‏ قال‏:‏ ناس أكثر من ناس‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏أن تكون أمة هي أربى من أمة‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهوا عن ذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ ولا تكونوا في نقض العهد بمنزلة التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، يعني بعد ما أبرمته ‏{‏تتخذون أيمانكم‏} ‏ يعني العهد ‏{‏دخلاً بينكم‏}‏ يعني بين أهل العهد، يعني مكراً أو خديعة ليدخل العلة فيستحل به نقض العهد ‏{‏أن تكون أمة هي أربى من أمة‏} ‏ يعني أكثر ‏ {‏إنما يبلوكم الله به‏} ‏ يعني بالكثرة ‏ {‏وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة‏} ‏ يعني المسلمة والمشركة ‏{‏أمة واحدة‏} ‏ يعني ملة الإسلام وحدها ‏{‏ولكن يضل من يشاء‏} ‏ يعني عن دينه، وهم المشركون ‏ {‏ويهدي من يشاء‏}‏ يعني المسلمين ‏ {‏ولتسألن‏}‏ يوم القيامة ‏ {‏عما كنتم تعملون‏}‏ ثم ضرب مثلاً آخر للناقض العهد فقال‏:‏ ‏ {‏ولا تتخذوا أيمانكم‏} ‏ يعني العهد ‏ {‏دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها‏}‏ يقول‏:‏ إن ناقض العهد يزل في دينه كما يزل قدم الرجل بعد الاستقامة ‏ {‏وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله‏}‏ يعني العقوبة ‏{‏ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلا‏ً} ‏ يعني عرضاً من الدنيا يسيراً ‏ {‏إنما عند الله‏} ‏ يعني الثواب ‏{‏هو خير لكم‏} ‏ يعني أفضل لكم من العاجل ‏{‏ما عندكم ينفد‏}‏ يعني ما عندكم من الأموال يفنى ‏{‏وما عند الله باق‏}‏ يعني وما عند الله في الآخرة من الثواب دائم لا يزول عن أهله، وليجزين ‏{‏الذين صبروا بأحسن ما كانوا يعملون‏} ‏ في الدنيا ويعفو عن سيئاتهم‏. وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال‏:‏ إياكم وأرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت، ولا تقيسوا الشيء بالشيء ‏ {‏فتزل قدم بعد ثبوتها‏}‏ وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل‏:‏ لا أعلم، فإنه ثلث العلم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ} فيما تصنعون من النقض {كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا} أي ما غزلتْه، مصدرٌ بمعنى المفعول {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} متعلق بنقضت أي كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد إبرامه وإحكامِه {أَنكَـٰثًا} طاقاتٍ نكثتْ فتلَها جمع نِكْث، وانتصابه على الحالية من غزْلَها أو على أنه مفعولٌ ثانٍ لنقضت فإنه بمعنى صيّرت، والمرادُ تقبـيحُ حالِ النقض بتشبـيه الناقض بمثل هذه الخرقاءِ المعتوهةِ. قيل: هي (رَيْطةُ بنتُ سعد بن تيم) وكانت خرقاءَ اتخذت مِغزلاً قدرَ ذراعٍ وصَنّارةً مثلَ أصبع وفلكةً عظيمةً على قدرها فكانت تغزِل هي وجواربها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقُضْن ما غزَلْن {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} حالٌ من الضمير في لا تكونوا أو في الجار والمجرور الواقعِ موقعَ الخبر أي مشابهين لامرأة شأنُها هذا حالَ كونِكم متَّخذين أيمانَكم مفسدةً ودخَلاً بـينكم، وأصلُ الدخَل ما يدخُل الشيء ولم يكن منه {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ} أي بأن تكون جماعة {هِىَ أَرْبَى} أي أزيد عدداً وأوفر مالاً {مِنْ أُمَّةٍ} من جماعة أخرى أي لا تغدُروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة مُنابذيهم وقوتهم كقريش، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكةً في أعادي حلفائِهم نقضوا عهدَهم وحالفوا أعداءهم {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} أي بأن تكون أمةٌ أربى من أمة، أي يعاملكم بذلك معاملةَ من يختبركم لينظر أتتمسكون بحبل الوفاءِ بعهد الله وبَـيعةِ رسولِه عليه السلام أم تغترّون بكثرة قريشٍ وشوكتِهم وقلةِ المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال {وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} حين جازاكم بأعمالكم ثواباً وعقاباً. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} مشيئةَ قسرٍ وإلجاءٍ {لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً} متفقةً على الإسلام {وَلَـٰكِن} لا يشاء ذلك لكونه مزاحِماً لقضية الحِكمة بل {يُضِلُّ مَن يَشَاء} إضلالَه أي يخلق فيه الضلالَ حسبما يصرِفُ اختيارَه الجزئيَّ إليه {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} هدايته حسبما يصرِف اختيارَه إلى تحصيلها {وَلَتُسْـئَلُنَّ} جميعاً يوم القيامة {عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا، وهذا إشارةٌ إلى ما لُوِّح به من الكسب الذي عليه يدور أمرُ الهداية والضلال.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ}. مَنْ نَقَضَ عهده أفسد بآخِرِ أمرِه أَوَّلَه، وهَدَمَ بِفِعْلِهِ ما أَسَّسَه، وقَلَعَ بيده ما غَرَسَه، وكان كمن نقضت غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً أي من بعد ما أبرمت فَتْلَه. وإنَّ السالكَ إذا وقعت له فترة، والمريدََ إذا حصلت له في الطريق وقفةٌ، والعارف إذا حصلت له حجَبَةٌ، والمحبِّ إذا استقبلته فرقةٌ - فهذه مِحَنٌ عظيمةٌ ومصائِبُ فجيعةٌ، فكما قيل: شعر : فَلأَبْكِيَنَّ على الهلالِ تأسُّفاً خوفَ الكسوفِ عليه قبل تمامه تفسير : فما هو إلا أَنْ تُكْشَفُ شَمْسُهُم، وينطفِىءَ - في الليلة الظلماءِ - سِراجُهم، ويتشتَّتَ من السماء نجومِهم، ويصيبَ أزهارَ أنْسِهم وربيعَ وَصْلِهم إعصارٌ فيه بلاءٌ شديدٌ، وعذابٌ أليم، فإنَّ الحقَّ - سبحانه إذا أراد بقوم بلاءً فكما يقوله: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 10] فإِنَّ آثارَ سُخْطِ الملوكِ مُوجِعةُ، وقصةَ إعراضِ السلطانِ مُوحِشَةٌ وكما قيل: شعر : والصبر يَحْسُنُ في المواطن كلها إلا عليكَ - فإنَّه مذمومٌ تفسير : هنالك تنسكب العَبَرَاتُ، وتُشَق الجيوب، وتُلْطَم الخدود، وتُعطَّلُ العِشار، وتخَرَّبُ المنازلُ، وتسودُّ الأبواب، وينوح النائح: شعر : وأتى الرسول فأخـ ـبر أنهم رحلوا قريبا رجعوا إلى أوطانهم فجرى لهم دمعي صبيبا وتركن ناراً في الضلوع وزرعن في رأسي مشيبا تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. بلاءُ كلِّ واحدٍ على ما يليق بحاله؛ فمن كان بلاؤه بحديث النَّفْسِ أو ببقائه عن هواه، وبحرمانه لكرائمه في عُقْباه فاسمُ البلاءِ في صفته مَجَازٌ، وإنما هذا بلاء العوام. ولكنَّ بلاَءَ الكِرامِ غيرُ هذا فهو كما قيل: شعر : مَنْ لم يَبِتَ - والحبُّ مِلْءُ فؤادِه لم يَدْرِ كيف تَفَتُّتُ الأكبادِ

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تكونوا} ايها المؤمنون فى نقض العهد {كالتى} كالمرأة التى {نقضت} النقض فى البناء والحبل وغيره ضد الابرام كما فى القاموس. بالفارسية [شكستن بيمان وبشم باز كردن باريسمان] {غزلها} الغزل [ريسمان رستن] وهو ههنا مصدر بمعنى المغزول اى ما غزلته من صوف وغيره {من بعد قوة} متعلق بنقضت اى من بعد ابرام ذلك الغزل واحكامه فجعلته {انكاثا} حال من غزلها جمع نكث بمعنى المنكوث وهو كل ما ينكث فتله اى يحل غزالا كان او حبلا. والمعنى طاقات نكثت فتلها والمراد تقبيح حال النقض تبشبيه حال الناقض بمثل هذه المرأة المعتوهة من غير تعيين اذلا يلزم فى التشبيه ان يكون للمشبه به وجود فى الخارج وقال الكلبى ومقاتل هى ربطة بنت سعد بن تيم القرشية الملكية وكانت خرقاء موسوسة اتخذت مغزلا قدر ذراع وسنارة مثل اصبع وهى بالكسر الحديدة فى رأس المغزل وفلكه عظيمة على قدرها فكانت تغزل هى وجواريها من الغداة الى نصف النهار تآمرهن بنقض جميع ما غزلن قال الكاشفى [حق سبحانه وتعالى تشبيه ميفرما يد يكستن عهد را به باره كردن وسن وميفر ما يدكه جنانجه آن زن حمقا رسن تاب داده خودرا ضايع ميكند مردم عاقل بايدكه هو رشته خود بسر انكشت نقض باره نكند تابحكم {أية : واوفوا بعهدى اوف بعهدكم}تفسير : جزاء وفا بيايد شعر : كرت هو ااست كه دلدار نكسلد بيمان نكاه دار سر رشته تا نكهدارد تفسير : {تتخذون ايمانكم دخلا بينكم} حال من الضمير فى لا تكونوا اى مشابهين بامرأة شأنها هذا حال كونكم متخذين ايمانكم مفسدة ودخلا بينكم واصل الدخل ما يدخل فى الشئ ولم يكن منه {ان تكون امة} اى بسبب ان تكون جماعة قريش {هى اربى من امة} ازيد عدد واوفر مالا من جماعة المؤمنين وهذا نهى لمن يحالف قوما فان وجد ايسر منهم واكثر ترك من حالف وذهب اليه.ومحل هى اربى من امة نصب خبر كان. وفى المدارك هى اربى مبتدأ وخبر فى موضع الرفع صفة لامة وامة فاعل يكون وهى تامة {انما يبلوكم الله به} اى بان تكون امة هى اربى من امة اى يعاملكم بذلك معاملة من يختبركم لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله ام تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال والظبى وان كان واحدا فهو خير من قطيع الخنزير والسواد الاعظم هو الواحد على الحق ويقال سمى الدجال دجالا لانه يغطى الارض بكثرة جموعه ولا يلزم منه كونه على الحق وافضل من فى الارض يومئذ لان الله تعالى لا ينظر الى الصور والاموال بل الى القلوب والاعمال فاذا كانت للناس قلوب واعمال صالحة يكونون مقبولين مطلقا سواء كانت لهم صورة حسنة واموال فاخرة ام لا والا فلا: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : ره راست بايد نه بالاى راست كه كافرهم ازروى صورت جوماست تفسير : {وليبيننَّ لكم يوم القيمة ما كنتم فيه تختلفون} فى الدنيا اذا جازاكم على اعمالكم بالثواب والعقاب وهو انذار وتخويف من مخالفة ملة الاسلام ودين الحق فانها مؤدية الى العذاب الابدى.

الطوسي

تفسير : هذا نهي من الله تعالى للمكلفين ان يكونوا {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً} فواحد الانكاث نكث، وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث: حبلاً كان او غزلاً، يقال منه: نكث فلان الحبل ينكثه نكثاً، والحبل منتكث اذا انتقضت قواه. و (الدخل) ما أدخل في الشيء على فساد، والمعنى تدخلون الايمان على فساد للغرور، وفي نيتكم الغدر بمن حلفتم له، لأنكم أكثر عدداً منهم أو، لان غيركم اكثر عدداً منكم وقيل الدخل الدغل والخديعة، وإِنما قيل الدخل، لأنه داخل القلب على ترك الوفاء والظاهر على الوفاء. وقيل {دخلاً} غلاّ وغشّاً، ويقال: انا اعلم دخل فلان ودخله ودخلته ودخيلته، والمعنى لا تنقضوا الايمان لكثرتكم، وقلة من حلفتم له او لقلتكم وكثرتهم، فاذا وجدتم اكثر منهم نقضتم بل احفظوا عهدكم. و {دخلاً} منصوب بأنه مفعول له. وقوله {أن تكون أمّة هي أربى من أمَّة} اي اكثر عدداً لطلب العز بهم مع الغدر بالأقل، وهو (أفعل) من الربا، قال الشاعر: شعر : واسمر خطيّ كأن كعوبه نوى العسيب قد اربا ذراعاً على عشر تفسير : ومنه أربا فلان للزيادة التي يزيدها على غريمه في رأس ماله (واربى) في موضع رفع. واجاز الفراء ان تكون في موضع نصب، وتكون هي عماداً. وقال الزجاج: لا يجوز ذلك، لان العماد لا يكون بين نكرتين، لان {أمَّة} نكرة، ويفارق قوله {أية : تجدوه عند الله هو خيراً}تفسير : لأن الهاء في تجدوه معرفة. وقوله {إنما يبلوكم الله به} معناه إِنما يختبركم الله بالامر بالوفاء، فالهاء في (به) عائدة على الأمر، وتحقيقه يعاملكم معاملة المختبر ليقع الجزاء بالعمل {وليبين لكم} أي ويفصل لكم ويظهر لكم {ما كنتم تختلفون} في صحته يوم القيامة. والتى نقضت غزلها من بعد إِبرام قيل: إِنها ريطة بنت عمرو بن كعب ابن سعيد بن تميم بن مرة، وكانت حمقاء، فضربه الله مثلاً، فقال {أوفوا بعهد الله إِذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} فتكونوا إِن فعلتم ذلك كإِمرأة غزلت غزلاً، وقوت قوته وأبرمت، فلما استحكم نقضته، فجعلته أنكاثاً أي انقاضاً، وهو ما ينقض من اخلاق بيوت الشعر والوبر ليعزل ثانية، ويعاد مع الجديد، ومنه قيل: لم بايع طائعاً ثم خرج عليك ناكثاً؟ لأنه نقض ما وكّده على نفسه بالايمان والعهود كفعل الناكثة غزلها. ومعنى {أن تكون} لأن تكون {أمة} أعزّ من أُمّة، وقوم أعلى من قوم، يريد لا تقطعوا بأيمانكم حقوقاً لهؤلاء، فتجعلوها لهؤلاء. وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فإِذا وجدوا أكثر منهم نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا اولئك الذين هم أَعزّ، فنهاهم الله عن ذلك. وقوله {ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة} اخبار منه تعالى عن أن العباد إِذا خالفوا أمره لم يعاجزوه، ولم يغالبوه تعالى عن ذلك، لأنه لو يشاء لأكرههم على أن يكونوا أمة واحدة، لكنه يشاء أن يجتمعوا على الايمان، على وجه يستحقون به الثواب. ومثله قوله {أية : ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} تفسير : كذلك قال سبحانه - ها هنا - ولكن ليمتحنكم ويختبركم لتستحقوا النعيم الذي أراده لكم، فيضل قوم، ويستحقوا الاضلال عن طريق الجنة، والحكم عليهم بأنهم ضالون. ويهتدي آخرون، فيستحقوا الهدى يعني الحكم لهم بالهداية، وإِرشادهم إِلى طريق الجنة. ثم قال {ولتسألن} يا معشر المكلفين {عما كنتم تعملون} في الدنيا من الطاعات والمعاصي، فتجازون عليه بقدره.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} واستحكام للفتل {أَنكَاثاً} جمع نكث بالكسر وهو امّا حال من الغزل لانّه مصدر بمعنى المفعول فى معنى الجمع او انكاثاً جمع فى معنى المفرد بحسب الاستعمال لانّه يقال حبل انكاث، وامّا مفعول ثانٍ لنقضت بتضمين معنى صيّرت وهو تشبيه تمثيلىّ لحال من بايع البيعة الاسلاميّة فانّ البيعة الاسلاميّة كالخيط المغزول الموصول من البائع الى من بايع معه بل الى الله، ثمّ اكّد تلك بالبيعة الايمانيّة فانّها مثل استحكام الخيط المفتول بفتل آخر ثمّ نقض البيعة فانّ نقضها مثل نقض فتل الخيط بحال امرأةٍ غزلت واتعبت نفسها فى غزلها واستحكامه ثمّ نقضت غزلها فى تحمّل المتاعب وعدم الانتفاع بالغزل، وفى الخبر انّ الّتى نقضت غزلها كانت امرأة من بنى تميم يقال لها ريطة كانت حمقاء تغزل الشّعر فاذا غزلته نقضت ثمّ عادت فغزلته فقال الله كالّتى نقضت غزلها {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ} عهودكم الّتى اخذت منكم فى البيعتين {دَخَلاً بَيْنَكُمْ} حال من اسم لا تكونوا او استيناف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ لقصد ذمّهم على حالهم هذه، والدّخل محرّكة الفساد فى العقل والجسم والمكر وما داخل الشّيء وليس منه، والرّيبة؛ الكلّ مناسب ههنا {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} كراهة ان تكون امّة هم علىّ (ع) واتباعه اربى من امّة هم مخالفوهم، او لأن تكون امّة هم قريش اربى من امّة هم محمّد (ص) واتباعه، الاربى الارفع سواء كان فى العدد، او فى المال، او فى القوّة، او فى الجاه {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ} به يختبركم باتّخاذ الايمان او بكون بعضٍ اربى من بعضٍ ليظهر ثبات على الايمان ونكث من ينكث {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} عطف على محذوف اى ليظهر سعادة السّعيد وشقاوة الشّقىّ ولبيّن {مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} واعظم ما فيه تختلفون ولاية علىٍّ (ع) لانّها النّبأ العظيم الّذى هم فيه مختلفون.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَكُونُوا} فى نقض العهد واليمين، {كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا} أى مغزولها فهو مصدر بمعنى اسم مفعول والمراد ضرب المثل لناقض العهد واليمين بأَن نقضه لهما كنقض امرأة ما غزلته لو فرضنا أن امرأة غزلت فنقضت غزلها وذلك أنها لم تكف عن الغزل ولما غزلت لم تبق الغزل بحاله بل نقضته، فنهاهم عن نقض العهد الشبيه بذلك. وقال الزمخشرى قيل هى ريطة بنت سعد بن تميم وكانت خرقاء اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل هى وجواريها من الغداة إِلى الظهر ثم تأْمرهن فينقضن ما غزلن. ا. هـ. وهو قول الكلبى ومقاتل وذكر أنها من قريش وأن سعد المذكور هو ابن كعب بن زيد مناة بن تيم فالزمخشرى إِنما نسبه إِلى جده الثانى والخرقاء الحمقاء وهى قليلة العقل وذكر أنها تغزل الصوف أو الوبر أو الشعر هى وجواريها وأن نقض ما غزلت هو دأبها تغزل هى وهن وتأمر بنقض الكل، وقيل امرأة حمقاء من أهل مكة تغزل طول يومها ثم تنقضه، وروى أنها تغزل الشعر، {مِن بَعْدِ قوَةٍ} أى من بعد إِحكام وإِبرام متعلق بنقضت، {أَنكَاثاً} بفتح الهمزة جمع نكث وهو ما ينكث أى يحل من طاقات الجبل أو الغزل بعد الإِبرام وهو حال من غزلها أو مفعول ثان لنقضت على تضمينه معنى صيرت {تَتَّخِذُونَ} حال من الواو فى ولا تكونوا أو من الضمير المستتر فى قوله كالتى أو خبر ثان المكون أى لا تكونوا ثابتين كهذه المرأة متخذين، {أَيْمَانُكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} فساداً وهو الخيانة والخديعة بنقض العهد واليمين؟ وأصل الدخل ما يدخل فى الشىء وليس منه أريد به هنا ما يدخل العهد واليمين على سبيل الإِفساد وقيل هو إِظهار الوفاء وإِبطال النقض ولا يصح فى تفسير الآية به إِلا على الزيادة على التشبيه فإِن تلك المرأة لا تبطن فى حال الاشتغال بالغزل أن تنقضه بل يبدو لها إِلا أن ينزل ما يبدو لها من النقض منزلة نقض أبطنته من حيث إِن مآلها النقض أو أُريد الإِبطان الحادث المتصل بالنقض أو كانت تبطن ذلك من أول الأَمر، وقال أبو عبيدة كل ما لم يكن صحيحاً فهو دخل {أَن تَكُونَ} أى بأَن تكون أو لأَن تكون متعلق بتتخذون أو بلا تكونوا وبلا تنقضوا، {أُمَّةٌ} جماعة {هِىَ أَرْبَى} أزيد وأكثر، {مِنْ أُمَّةٍ} كانوا يعاهدون قوماً ويتحالفون معه على السلم والعافية وإِذا رأوا قوماً أكثروا عظم قوة من ذلك القوم حالفوهم وعاهدوهم وتركوا الأَول فإِن حاربوا الأول حاربوا معهم وذلك واقع فى قريش يتركون من عاهدوه وحالفوه وينتقلون إِلى من هو عدوه إِذا كان أكثر وأقوى وواقع إِليهم بترك غيرهم من حالفه وعاهده وينتقل إِليهم لقوتهم وكثرتهم وواقع فيما بينهم وكذا غيرهم. {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ} أى يختبركم بكون أمة أربى من أمة لينظر أمتمسكون بالوفاء بالعهد واليمين فى بيعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعهدها أم تغترون بكثرة قريش وقوتهم وقلة المؤمنين وضعفهم فالهاء عائدة على مصدر تكون من قوله أن تكون سواء جعلناها تامة وهى أربى نعت أمة أو غير تامة وهى أربى خبر لأَن التحقيق أن المناقضة مصدر كالتامة وقيل الهاء عائدة إِلى الرباء المفهوم من أربى وهو زيادة أمة على أخرى وقيل إِلى الأَمر بالوفاء، {وَليُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامةِ} بياناً يتصل به الثواب للمسك والعقاب للناقض {مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فى الدنيا من أمر العهد وغيره ككفر وإِيمان.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَكُونَوا كَالَّتِي نَقَضَتْ} فكت {غَزْلَهَا} مغزولها {مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} شدة المغزول وإتقانه {أَنْكَاثًا} أقسامًا منكوئة حال مقارنة، أو مفعول مطلق بمعنى نقضا أو مفعول ثان لتضمن نقضت معنى صيرته، امرأة حمقاء، من قريش اسمها ريطة بنت سعد بن تميم، اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة على قدر ذلك تغزل هى وجواريها من الغداة إِلى الطهى، ثم تأمر هُن فينقضن ما غزلن، وقيل امرأة اسمها ريطة بنت عمرو المرية، تلقب الحفراء، وكلتاهما تسمى خرقاء مكة. وأخرج ابن حاتم عن أبى بكر بن حفص، أن سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف، فنزلت الآية، وذكر ابن مردويه، عن ابن عطاء أنها شكت جنونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إنْ شئتِ دعوت الله يعافك، وإنْ شئتِ اصبري تدخلي الجنة"تفسير : ، فاختارت الصبر والجنة، وذكر عطاء أن ابن عباس أراه إياها. وقيل ليست الآية فى امرأة مخصوصة، بل مطلق من تفعل ذلك، ومن ذلك نساء نجد، تنقض إحداهن غزلها وتنقشه فتغزله بالصوف، وجملة قوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} خبر ثان لتكون، أو حال من اسمه أو من المستتر فى كالتى، ولا حاجة إِلى تقدير: أتتخذون بالاستفهام الإنكارى على الاستئناف، وأَيضا يصح الإنكار بلا همزة كما تعيب على أحد وتذمه بذكر فعله الخسيس، ودخلا فساداً وغشًا فى محالفتكم أن تحالفوا قومًا، فإذا رأيتم أعز منهم أو أكثر نقضتم المحالفة وحالفتم، الأعزّاء والأكثر. {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَربى مِنْ أُمَّةٍ} أكثر من أمة أى بأن تكون. أو لأن تكون متعلق بتتخذون، أو يقدر محلفة أن تكون، أو طمع أن تكون وأما بأن تنقضوها لأن تكون، فيضعف لمزيد الحذف، فلا يقدر القرآن به، والمعنى بأن تحالفوا الأمة الأكثر عدداً ومالا أو عزاً، أو تعذروا بالأولى وإنما يقرهم الله على المحالفة التى فى المحافظة التى على الحقوق، وهى ضمير فصل، ولو كان اسمها نكرة، هذا مذهب الكوفيين ويجوز كونها بلا خبر. {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ} يختبركم {اللهُ} ويكلفكم {بِه} بالإيفاء بالعهد، أو بالأمر بالإيفاء، أو بكون الأمة أربى، أو بالرّبُوّ، واختار بعضهم عوده إِلى الكون المذكور، والمعنى يخبركم أتبقون أيها المؤمنون على بيعة الرسول، وعلى ما أنتم عليه، أو تنقضون، وذلك لكثرة قريش، وقلة المؤمنين كعادة قريش فى الجاهلية، ينقضون الحلف إذا رأوا كثرة وعزة فى آخرين. {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من التصديق والتكذيب، والبقاء على العهد، ونقضه فيجازيكم على ذلك.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ} فيما تصنعون من النقض {كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا} مصدر بمعنى المفعول أي مغزولها، والفعل منه غزل يغزل بكسر الزاي، والنقض ضد الإبرام، وهو في الجرم فك أجزائه بعضها من بعض، وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} متعلق بنقضت على أنه ظرف له لا حال و ـ من ـ زائدة مطردة في مثله أي كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد إبرامه وإحكامه. {أَنكَـٰثًا} جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله وانتصابه قيل على أنه حال مؤكدة من {غزلها} وقيل: على أنه مفعول ثان لنقض لتضمنه معنى جعل، وجوز الزجاج كون النصب على المصدرية لأن {نَقَضَتْ} بمعنى نكثت فهو ملاق لعامله في المعنى. وقال في «الكشف»: إن جعله مفعولاً على التضمين أولى من جعله حالاً أو مصدراً، وفي الإتيان به مجموعاً مبالغة وكذلك في حذف الموصوفة ليدل على الخرقاء الحمقاء وما أشبه ذلك، وفي «الكشاف» ما يشير إلى اعتبار التضمين حيث قال: أي لا تكونوا كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته فجعلته أنكاثاً، وفي قوله: أنحت ـ على ما قال القطب ـ إشارة إلى أن {نَقَضَتْ} مجاز عن أرادت النقض على حد قوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ} تفسير : [المائدة: 6] وذكر أنه فسر بذلك جمعاً بين القصد والفعل ليدل على حماقتها واستحقاقها اللوم بذلك فإن نقضها لو كان من غير قصد لم تستحق ذلك ولأن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلاً كان أحسن، ولا يخفى ما في اعتبار التضمين وهذا المجاز من التكليف وكأنه لهذا قيل: إن اعتبار القصد لأن المتبادر من الفعل الاختياري وفي "الكشف" خرج ذلك المعنى من قوله تعالى: {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} فإن نقض المبرم لا يكون إلا بعد أنحاء بالغ وقصد تام ولم يرد بالموصول امرأة بعينها بل المراد من هذه صفته ففي الآية تشبيه حال الناقض بحال الناقض في أخس أحواله تحذيراً منه وأن ذلك ليس من فعل العقلاء وصاحبه داخل في عداد حمقى النساء، وقيل: المراد امرأة معلومة عند المخاطبين كانت تغزل فإذا برمت غزلها تنقضه وكانت تسمى خرقاء مكة، قال ابن الأنباري: كان اسمها ريطة بنت عمرو المرية تلقب الحفراء، وقال الكلبـي ومقاتل: هي امرأة من قريش اسمها ريطة بنت سعد التيمي اتخذت/ مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي بكر بن حفص قال: كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف فنزلت هذه الآية {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا} وروى ابن مردويه عن ابن عطاء أنها شكت جنونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبت أن يدعو لها بالمعافاة فقال لها عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن شئت دعوت فعافاك الله تعالى وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة»تفسير : فاختارت الصبر والجنة، وذكر عطاء أن ابن عباس أراه إياها، وعن مجاهد هذا فعل نساء نجد تنقض أحداهن غزلها ثم تنفشه فتغزله بالصوف، وإلى عدم التعيين ذهب قتادة عليه الرحمة. {تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} حال من الضمير في {لاَ تَكُونُواْ} أو في الجار والمجرور الواقع موقع الخبر. وجوز أن يكون خبر {تَكُونُواْ} و {كَٱلَّتِى} نقضت في موضع الحال وهو خلاف الظاهر، وقال الإمام: الجملة مستأنفة على سبيل الاستفهام الإنكاري أي أتتخذون، والدخل في الأصل ما يدخل الشيء ولم يكن منه ثم كنى به عن الفساد والعداوة المستبطنة كالدغل، وفسره قتادة بالغدر والخيانة، ونصبه على أنه مفعول ثان، وقيل: على المفعولية من أجله، وفائدة وقوع الجملة حالاً الإشارة إلى وجه الشبه أي لا تكونوا مشبهين بامرأة هذا شأنها متخذين أيمانكم وسيلة للغدر والفساد بينكم {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ} أي بأن تكون جماعة {هِىَ أَرْبَى} أي أزيد عدداً وأوفر مالاً {مِنْ أُمَّةٍ} أي من جماعة أخرى، والمعنى لا تغدروا بقوم بسبب كثرتكم وقلتهم بل حافظوا على أيمانكم معهم، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد أنه قال: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلفهم ويحالفون الذين هم أعز فنهوا عن ذلك فالمعنى لا تغدروا بجماعة بسبب أن تكون جماعة أخرى أكثر منها وأعز بل عليكم الوفاء بالأيمان والمحافظة عليها وإن قل من خلفتم له وكثر الآخر وجوز في {تَكُونَ} أن تكون تامة وناقصة وفي ـ هي ـ أن يكون مبتدأ وعماداً فأربى إما مرفوع أو منصوب وأنت تعلم أن البصريين لا يجوزون كون {هِىَ} عماد التنكر {أُمَّةٍ} وزعم بعض الشيعة أن هذه الآية قد حرفت وأصلها أن تكون أئمة هي أزكى من أئمتكم؛ ولعمري قد ضلوا سواء السبيل. {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} الضمير المجرور عائد إما على المصدر المنسبك من {أَن تَكُونَ} أو على المصدر المنفهم من {أَرْبَى} وهو الربو بمعنى الزيادة، وقول ابن جبير وابن السائب ومقاتل يعني بالكثرة مرادهم من هذا واكتفوا ببيان حاصل المعنى، وظن ابن الأنباري أنهم أرادوا أن الضمير راجع إلى نفس الكثرة لكن لما كان تأنيثها غير حقيقي صح التذكير وهو كما ترى، وقيل: إنه لأربى لتأويله بالكثير، وقيل: للأمر بالوفاء المدلول عليه بقوله تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ } تفسير : [النحل: 91] الخ ولا حاجة إلى جعله منفهماً من النهي عن الغدر بالعهد واختار بعضهم الأول لأنه أسرع تبادراً أي يعاملكم معاملة المختبر بذلك الكون لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله تعالى وبيعة رسوله عليه الصلاة والسلام أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال {وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فيجازيكم بأعمالكم ثواباً وعقاباً.

ابن عاشور

تفسير : تشنيع لحال الذين ينقضون العهد. وعطف على جملة {أية : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها}تفسير : [سورة النحل: 91]. واعتمد العطف على المغايرة في المعنى بين الجملتين لما في هذه الثانية من التمثيل وإن كانت من جهة الموقع كالتوكيد لجملة {ولا تنقضوا الأيمان}. نُهوا عن أن يكونوا مَضْرِب مثل معروف في العرب بالاستهزاء، وهو المرأة التي تَنقض غزلها بعد شَدّ فتله. فالتي نقضت غزلها امرأةٌ اسمها رَيطة بنت سعد التيمية من بني تيم من قريش. وعُبّر عنها بطريق الموصولية لاشتهارها بمضمون الصّلة ولأن مضمون الصّلة، هو الحالة المشبّه بها في هذا التمثيل، ولأن القرآن لم يذكر فيه بالاسم العلم إلا من اشتهر بأمر عظيم مثل جالوت وقارون. وقد ذُكر من قصّتها أنها كانت امرأة خرقاء مختلّة العقل، ولها جوارٍ، وقد اتّخذت مِغْزلاً قدر ذراع وصِنّارَة مثل أصبع وَفَلْكَةً عظيمة على قدر ذلك، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فتنقض ما غزلته، وهكذا تفعل كل يوم، فكان حالها إفساد ما كان نافعاً محكماً من عملها وإرجاعه إلى عدم الصلاح، فنهوا عن أن يكون حالهم كحالها في نقضهم عهد الله وهو عهد الإيمان بالرجوع إلى الكفر وأعمال الجاهلية. ووجه الشّبه الرجوع إلى فساد بعد التلبّس بصلاح. والغزل: هنا مصدر بمعنى المفعول، أي المغزول، لأنه الذي يقبل النقض. والغَزل: فتل نتف من الصوف أو الشعر لتُجعل خيوطاً محكمة اتصال الأجزاء بواسطة إدارة آلة الغَزل بحيث تلتفّ النتف المفتولة باليد فتصير خيطاً غليظاً طويلاً بقدر الحاجة ليكون سَدًى أو لُحْمَة للنسج. والقوة: إحكام الغزل، أي نقضته مع كونه محكم الفتل لا موجب لنقضه، فإنه لو كان فتله غير محكم لكان عذرٌ لنقضه. والأنكاث ــــ بفتح الهمزة ــــ: جمع نِكْث ــــ بكسر النّون وسكون الكاف ــــ أي منكوث، أي منقوض، ونظيره نِقض وأنقاض. والمراد بصيغة الجمع أن ما كان غزلاً واحداً جعلتْه منقوضاً، أي خيوطاً عديدة. وذلك بأن صيّرته إلى الحالة التي كان عليها قبل الغزل وهي كونه خيوطاً ذات عدد. وانتصب {أنكاثاً} على الحال من {غزلها}، أي نقضته فإذا هو أنكاث. وجملة {تتخذون أيمانكم} حال من ضمير {أية : ولا تنقضوا الأيمان} تفسير : [سورة النحل: 91]. والدخَل ــــ بفتحتين ــــ: الفساد، أي تجعلون أيمانكم التي حلفتموها.. والدّخل أيضاً: الشيء الفاسد. ومن كلام العرب: تَرى الفتيان كالنخْل وما يدريك ما الدَخْل (سكن الخاء لغةً أو للضرورة إن كان نظماً، أو للسجع إن كان نثراً)، أي ما يدريك ما فيهم من فساد. والمعنى: تجعلون أيمانكم الحقيقة بأن تكون معظّمة وصالحة فيجعلونها فاسدة كاذبة، فيكون وصف الأيمان بالدّخل حقيقة عقلية؛ أو تجعلونها سبب فساد بينكم إذ تجعلونها وسيلة للغَدر والمكر فيكون وصف الأيمان بالدّخل مجازاً عقلياً. ووجه الفساد أنها تقتضي اطمئنان المتحالفين فإذا نقضها أحد الجانبين فقد تسبّب في الخصام والحقد. وهذا تحذير لهم وتخويف من سوء عاقبة نقض اليمين، وليس بمقتضٍ أن نقضاً حدَث فيهم. و{أن تكون أمة} معمول للام جرّ محذوفة كما هو غالب حالها مع {أنْ}. والمعنى التعليل، وهو علّة لنقض الأيمان المنهيّ عنه، أي تنقضون الأيمان بسبب أن تكون أمّة أربى من أمّة، أي أقوى وأكثر. والأمّة: الطائفة والقبيلة. والمقصود طائفة المشركين وأحْلافهم. و{أربى}: أزيد، وهو اسم تفضيل من الرُبُوّ بوزن العُلُوّ، أي الزيادة، يحتمل الحقيقة أعني كثرة العدد، والمجاز أعني رفاهية الحال وحسن العيش. وكلمة {أربى} تعطي هذه المعاني كلها فلا تَعدلها كلمة أخرى تصلحُ لجميع هذه المعاني، فوقعها هنا من مقتضى الإعجاز. والمعنى: لا يبعثكم على نقض الأيمان كونُ أمّة أحسن من أمّة. ومعلوم أن الأمّة التي هي أحسن هي المنقوض لأجلها وأن الأمّة المفضولة هي المنفصَل عنها، أي لا يحملكم على نقض الحلف أن يكون المشركون أكثر عدداً وأموالاً من المسلمين فيبعثكم ذلك على الانفصال عن جماعة المسلمين وعلى الرجوع إلى الكفّار. وجملة {إنما يبلوكم الله به} مستأنفة استئنافاً بيانياً للتعليل بما يقتضي الحكمة، وهو أن ذلك يبتلي الله به صدق الإيمان كقوله تعالى: {أية : ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم} تفسير : [سورة الأنعام: 165]. والقصر المستفاد من قوله تعالى: {إنما يبلوكم الله به} قصر موصوف على صفة. والتقدير: ما ذلك الرُبُوّ إلا بلوى لكم. والبَلْو: الاختبار. ومعنى إسناده إلى الله الكناية عن إظهار حال المسلمين. وله نظائر في القرآن. وضمير {به} يعود إلى المصدر المنسبك من قوله: {أن تكون أمة هي أربى من أمة}. ثم عطف عليه تأكيدُ أنه سيبيّن لهم يوم القيامة ما يختلفون فيه من الأحوال فتظهر الحقائق كما هي غير مغشّاة بزخارف الشّهوات ولا بمكاره مخالفة الطباع، لأن الآخرة دار الحقائق لا لبس فيها، فيومئذٍ تعلمون أنّ الإسلام هو الخير المحض وأن الكفر شرّ محض. وأكّد هذا الوعد بمؤكّدين: القسم الذي دلّت عليه اللام ونون التوكيد. ثم يظهر ذلك أيضاً في ترتّب آثاره إذ يكون النعيم إثر الإيمان ويكون العذاب إثر الشرك، وكل ذلك بيان لما كانوا مختلفين فيه في الدنيا.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 92- ولا تكونوا فى الحنث فى أيمانكم بعد توكيدها مثل المرأة المجنونة التى تغزل الصوف وتحكم غزله، ثم تعود فتنقضه وتتركه محلولاً، متخذين أيمانكم وسيلة للتغرير والخداع لغيركم، مع أنكم مصرون على الغدر بهم، لأنكم أكثر وأقوى منهم، أو تنوون الانضمام لأعدائهم الأقوى منهم، أو لترجون زيادة القوة بالغدر، وإنما يختبركم اللَّه فإن آثرتم الوفاء كان لكم الغنم فى الدنيا والآخرة، وإن اتجهتم إلى الغدر كان الخسران. وليبين لكم يوم القيامة حقيقة ما كنتم عليه تختلفون عليه فى الدنيا، ويجازيكم حسب أعمالكم. 93- ولو شاء اللَّه لجعلكم أمة واحدة فى الجنس واللون والإيمان ليس بينها تخالف، وذلك بخلقكم خلقا آخر. كالملائكة لا اختيار لها، ولكن شاء اللَّه أن تختلفوا فى الأجناس والألوان، وأن يجعل لكم اختيارا، فمن اختار شهوات الدنيا وآثرها على رضا اللَّه تركه وما يريد، ومن أراد رضا اللَّه بالعمل الصالح سهّل له ما أراد. وتأكدوا بعد ذلك أنكم ستسألون جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون فى الدنيا، وتجازون حسب أعمالكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنكَاثاً} {أَيْمَانَكُمْ} {ٱلْقِيَامَةِ} (92) - قِيلَ إِنَّهُ كَانَتْ فِي مَكَّةَ امْرَأَةٌ مُلْتَاثَةُ العَقْلِ تَغْزِلُ غَزْلَهَا فِي النَّهَارِ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَنْقُضُهُ فِي اللَّيْلِ (أَنْكَاثاً)، وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى فِعْلَ هذِهِ المَرْأَةِ المُلْتَاثَةِ العَقْلِ مَثَلاً لِلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ تَحْقِيراً لَهُمْ، وَتَقْبِيحاً لِفِعْلِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: وَلاَ تَكُونُوا يَا أَيُّهَا القَوْمُ فِي نَقْضِكُمْ أَيْمَانَكُمْ بَعْدَ تَوْكِيدِها، وَإِعْطَائِكُمْ رَبَّكُمُ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ، كَمَنْ تَنْقُضُ غَزْلَهَا بَعْدَ إِبْرَامِهِ حَمَاقَةً وَجَهْلاً. إِذْ تَجْعَلُونَ أَيْمَانَكُمُ التِي تَحْلِفُونَهَا عَلَى أَنَّكُمْ مُوفُونَ بِالعَهْدِ الذِي عَاهَدْتُمْ عَلَيهِ، وَسِيلَةً لِلْخِدَاعِ، وَلِغِشِّ مَنْ عَاقَدْتُمُوهُمْ لِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ تُضْمِرُونَ الغَدْرَ وَعَدَمَ الوَفَاءِ، إِذا وَجَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنَ الجَمَاعَةِ التَي تَعَاقَدْتُمْ مَعَهَا، وَأَكْثَرَ عَدَداً، فَإِذا وَجَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنَ الجَمَاعَةِ الأُولى، التِي تَعَاقَدْتُمْ مَعَهَا، تَحَالَفْتُمْ مَعَهُ، وَحَنِثْتُمْ بِأَيْمَانِكُمْ التِي أَقْسَمْتُمُوها لِلجَمَاعَةِ الأُوْلَى (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ). وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالوَفَاءِ بِالعُهُودِ لِيَخْتَبِرَكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ، وَيَبْلُوَ إِيمَانَكُمْ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ - مِنْ بَعْدِ إِبْرَامٍ وَإِحْكَامٍ. أَنْكَاثاً - أَنْقَاضاً مَحْلُولَةَ الفَتْلِ. دَخَلاً بَيْنَكُمْ - مَفْسَدَةً وَخِيَانَةً وَخَدِيعَةً بَيْنَكُمْ. أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ - أَنْ تَكُونَ جَمَاعَةٌ. هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ - أَكْثَرُ عَدَداً وَأَعَزُّ نَفَراً أَوْ أَوْفَرُ مَالاً. يَبْلُوَكُمْ - يَخْتَبِركُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق تبارك وتعالى يضرب لنا في هذه الآية مثلاً توضيحياً للذين ينقضون العهد والأَيْمان، ولا يُوفون بها، بهذه المرأة القرشية الحمقاء ريْطة بنت عامر، وكانت تأمر جواريها بغزل الصوف من الصبح إلى الظهر، ثم تأمرهُنَّ بنقض ما غزلنه من الظهر حتى العصر، والمتأمل في هذا المثل يجد فيه دروساً متعددة. أولاً: ما الغزل؟ الغَزْل عملية كان يقوم بها النساء قديماً، فكُنَّ يُحضِرْن المادة التي تصلح للغزل مثل الصوف أو الوبر ومثل القطن الآن، وهذه الأشياء عبارة عن شعيرات دقيقة تختلف في طولها من نوع لآخر يُسمُّونها التيلة، فيقولون "هذه تيلة قصيرة" "وهذه طويلة". والغَزْل هو أن نُكوِّن من هذه الشعيرات خَيْطاً طويلاً ممتداً وانسيابياً دون عُقَد فيه لكي يصلح للنسجْ بعد ذلك، وتتم هذه العملية بآلة بدائية تسمى المغزل. تقوم المرأة بخلط هذه الشعيرات الدقيقة ثم بَرْمِها بالمغزل، ليخرج في النهاية خيطٌ طويل مُنْسابٌ متناسق لا عُقَد فيه. والآية هنا ذكرتْ المرأة في هذا العمل؛ لأنه عمل خاص بالنساء في هذا الوقت دون الرجال، فكانت المرأة تكنّ في بيتها وتمارس مثل هذه الصناعات البسيطة التي تكوِّن منها أثاث بيتها من فَرْش وملابس وغيره. وإلى الآن نرى المرأة التي تحافظ على كرامتها من زحمة الحياة ومُعْترك الاختلاط، نراها تقوم بمثل هذا العمل النسائي. وقد تطور المغزل الآن إلى ماكينة تريكو أو ماكينة خياطة، مما يُيسِّر للنساء هذه الأعمال، ويحفظهُنَّ في بيوتهن، وينشر في البيت جَواً من التعاون بين الأم وأولادها، وأمامنا مثلاً مشروع الأسر المنتجة حيث تشارك المرأة بجزء كبير في رُقِّي المجتمع، فلا مانع إذن من عمل المرأة إذا كان عملاً شريفاً يحفظ عليها كرامتها ويصُون حرمتها. فالقرآن ضرب لنا مثلاً بعمل المرأة الجاهلية، هذا العمل الذي يحتاج إلى جَهْد ووقت في الغزل، ويحتاج إلى أكثر منه في نَقْضه وفكِّه، فهذه عملية شاقة جداً، وربما أمرت الجواري بفكِّ الغزل والنسيج أيضاً؛ ولذلك أطلقوا عليها حمقاء قريش. وقوله: {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ..} [النحل: 92]. كلمة قوة هنا تدلُّنا على المراحل التي تمرُّ بها عملية الغَزْل، وكم هي شاقة، بداية من جَزِّ الصوف من الغنم أو الوبر من الجمال، ثم خَلْط أطراف كل تيلة من هذه الشعيرات، بحيث تكون طرف كل تيلة منها في وسط الأخرى لكي يتم التلاحم بينها بهذا المزج، ثم تدير المرأة المغزل بين أصابعها لتخرج لنا في النهاية بضعة سنتيمترات من الخيط، ولو قارنَّا بين هذه العملية اليدوية، وبين ما توصلتْ إليه صناعة الغزل الآن لَتبيَّن لنا كم كانت شاقة عليهم. فكأن القرآن الكريم شبَّه الذي يُعطِي العهد ويُوثِّقه بالأيْمان المؤكدة، ويجعل الله وكيلاً وشاهداً على ما يقول بالتي غزلتْ هذا الغزل، وتحملت مشقته، ثم راحتْ فنقضت ما أنجزته، وفكَّتْ ما غزلته. وكذلك كلمة (قوة) تدلُّناَ على أن كل عمل يحتاج إلى قوة، هذه القوة إما أنْ تُحرِّك الساكن أو تُسكِّن المتحرِّك؛ لذلك قال تعالى في آية أخرى: {أية : خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ..} تفسير : [البقرة: 63]. لأن ساكن الخير نريد أن نحركك إليه، ومتحرك الشر نريد أن نكفك عنه. وهذه يسمونها في عالم الحركة (قانون العطالة) المتحرك يظل مُتحرِّكاً إلى أنْ يعرضَ له شيء يُسكنه، والساكن يظل ساكناً إلى أنْ يعرِضَ له شيء يُحرِّكه. ومن هنا يتعجَّب الكثيرون من الأقمار الصناعية التي تدور أعواماً عدة في الفضاء: ما الوقود الذي يُحرِّك هذه الأقمار طوال هذه الأعوام؟ والواقع أنه لا يوجد وقود يحركها، الوقود في مرحلة الانطلاق فقط، إلى أن يخرج من منطقة الهواء والجذْب، فإذا ما استقرّ القمر أو السفينة الفضائية في منطقة عدم الجذب تدور وتتحرك بنفسها دون وقود، فهناك الشيء المتحرك يظل متحركاً، والساكن يظل ساكناً. والحق - تبارك وتعالى - بهذا المثَل المشَاهد يُحذرنا من إخلاف العهد ونقْضه؛ لأنه سبحانه يريد أن يصونَ مصالح الخلق؛ لأنها قائمة على التعاقد والتعاهد والأيْمان التي تبرم بينهم، فمَنْ خان العهد أو نقضَ الأيْمان لا يُوثق فيه، ولا يُطْمأنُ إلى حركته في الحياة، ويُسقطه المجتمع من نظره، ويعزله عن حركة التعامل التي تقوم على الثقة المتبادلة بين الناس. وقوله: {أَنكَاثاً ..} [النحل: 92]. جمع نِكْث، وهو ما نُقِض وحُلَّ فَتْله من الغزل. وقوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ..} [النحل: 92]. الدَّخَل: أنْ تدخل في الشيء شيئاً أدنى منه من جنسه على سبيل الغِشِّ والخداع، كأن تدخل في الذهب عيار 24 قيراطاً مثلاً ذهباً من عيار 18 قيراطاً، أو كأن تُدخِلَ في اللوز مثلاً نَوى المشمش على أنه منه. فكأن الأَيْمان القائمة على الصدق والوفاء يعطيها صاحبها وهو ينوي بها الخداع والغش، فيحلف لصاحبه وهو يقصد تنويمه والتغرير به. وقوله: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ..} [النحل: 92]. هذه هي العلة في أنْ نتخذَ الأَيْمان دَخَلاً فيما بيننا، الأَيْمان الزائفة الخادعة؛ ذلك لأن الذي باع نوى المشمش مثلاً على أنه لوز، فقد أَرْبى أي: أخذ أزيْد من حقه ونقص حَقَّ الآخرين، فالعلة إذن في الخداع بالأَيْمان الطمع وطلب الزيادة على حساب الآخرين. وقد تأتي الزيادة بصورة أخرى، كأن تُعاهِد شخصاً على شيء ما، وأدَّيْتَ له بالعهود والأيْمان والمواثيق، ثم عنَّ لك مَنْ هو أقوى منه سواء كان بالقهر والسلطان أو بالإغراء، فنقضت العهد الأول لأن الثاني أرْبى منه وأزيد. وفي مثل هذه المواقف يجب أن يأخذ الإنسان حِذْره، فمَنْ يُدريك لعله يُفعل بك كما فعلت، ويُكال لك بنفس المكيال الذي كِلْتَ به لغيرك، فاحذر إذا تجرأتَ على خَلْق الله أن يُجَرِّيء الله عليك مَنْ يسقيك من نفس الكأس. وإذا كنت صاحب حرفة أو صناعة، فإياك أنْ تغُشَّ الناس، وتذكَّر أن لك عندهم مصالح، وفي أيديهم لك حرف وصناعات، فإذا تجرأْتَ عليهم جرَّأهم الله عليك؛ لأنه سبحانه يقول: أنا القيُّوم، أي: القائم على أمركم، فناموا أنتم فأنا لا أنام، فهذه مسألة يجب أن نلحظها جيداً. مَنْ تَجرّأ على الناس جرَّأهم الله عليه، ومَنْ أخلص عمله وأتقنه قذف الله في قلوب الخلق أنْ يُتقنوا له حاجته. وقوله: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ ..} [النحل: 92]. أي: يختبركم الله تعالى بهذا العهد، فهو سبحانه يعلم ما أنتم عليه ساعة أنْ عقدتم العهد، أَفِي نيتكم الوفاء، أم في نيتكم الغدر والخداع؟ وهَبْ أنك تنوي الوفاء ثم عرضَ لك ما حال بينك وبينه، فالله سبحانه يعلم حقائق الأمور ولا يخفَى عليه شيء. إذن: الابتلاء هنا لا يعني النكبة والبلاء، بل يعني مجرد الاختبار والنكبة والبلاء على الذي يفشل في الاختبار، فالعبرة هنا بالنتيجة. وقوله: {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92]. فيوم القيامة تجتمع الخصوم، وتتكشَّف الحقائق، ويأتي القضاء فيما اختلفنا فيه في الدنيا، وهَبْ أن إنساناً عمَّى على قضاء الأرض في أشياء، نقول له: إن عَمَّيْتَ على قضاء الأرض فلن تُعمىَ على قضاء السماء، وانتظر يوماً نجتمع فيه ونحكم هذه المسائل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}: أَي بعد تغليظها في الحلف. يقول: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} [الآية: 92]. يقول: نقضت حبلها بعد إِمرار قوة. {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [الآية: 92]. قال: يعني أَكثر وأَعز. قال: كانوا يتحالفون الحلفاءَ فيجدون أَكثر منهم وأَعز، فينقضون حلف هؤلاءِ ويحالفون هؤلاءِ الذين أَعز، فنهوا عن ذلك. يقول: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} يعني: أَن يكون قوم أَكثر من قوم وأَعز. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [الآية: 100]، قال: يعدلون بالله، عز وجل. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ} [الآية: 100]: حجته.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قُوَّةٍ أَنكَاثاً} فالقُوةُ: الكُبَّةُ. والأَنْكَاثُ: المَنقوضةُ مِنهَا. تفسير : وقوله تعالى: {دَخَلاً بَيْنَكُمْ} معناهُ فَسَادٌ. تفسير : وقوله تعالى: {هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ} معناه أكثرُ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما علم الله منكم ما فعلتم ونقضتم من الأيمان {لاَ تَكُونُواْ} في نقضها وعدم وثوقها {كَٱلَّتِي} أي: كالمرأة التي {نَقَضَتْ} ونفقيت {غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} أي: بعدما غزلتها وفتلتها قويةً محكمةً نقضتها {أَنكَاثاً} بلا غرضٍ يترتب على نقضها سوى الجنون والجزن، فأنتم كذلك في نقضكم أيمانكم الوثيقة بذكر الله وعلمه بلا غرضٍ منكم يتعلق بنقضها سوى أنكم {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ} أي: نقضها {دَخَلاً} أي: خديعةً ومكيدةً واقعةً {بَيْنَكُمْ} محفوظةً إلى {أَن تَكُونَ} وتقع {أُمَّةٌ} قوية {هِيَ أَرْبَىٰ} أيك أقوى وأزيد عَدَداً وعُدَداً {مِنْ أُمَّةٍ} أنتم تحلفون معهم، فتنقضون حلف الأمة الضعيفة، وتتبعون القوية بعد نقض العهود واليمين، وما هذا إلاَّ مكر وخديعة مع الله، ومع عباده {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ} ويختبركم {ٱللَّهُ بِهِ} أي: بازدياد القوية؛ لكي يظهر أتمسكون إيمانكم أم تنقضون {وَلَيُبَيِّنَنَّ} ويوضح {لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92] فيثيبكم بالوفاء، ويفضحكم ويعاقبكم بالنقض. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} القادر على جميع المقدورات هدايتكم جميعاً {لَجَعَلَكُمْ} وخلقكم {أُمَّةً وَاحِدَةً} منفقةً على الهداية والإسلام {وَلـٰكِن} حكمته تقتضي خلاف ذلك، ولذلك {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} على مقتضى قهره وجلاله {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} على مقتضى لطفه وجماله {وَلَتُسْأَلُنَّ} وتحاسبنَّ كل منكم في يوم الجزاء {عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وبعدما أشار سبحانه إلى قبح المكر والخديعة باليمين والحلف ترويجاً لما في نفوسهم من الظلم والعدوان صرحَ بالنهي تأكيداً ومبالغةً؛ ليحترز المؤمنون على أمثاله، فقال: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ} أيها المؤمنون {أَيْمَانَكُمْ} ومواثقيكم {دَخَلاً} أي: مفسدةً مبطنةً مخفيفةً {بَيْنَكُمْ} ترويجاً لكذبكم {فَتَزِلَّ قَدَمٌ} أي: قدم كل منكم عن شعائر الإيمان {بَعْدَ ثُبُوتِهَا} واستقرارها فيها {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ} العذاب في النشأة الأولى {بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: بسبب ميلكم وانحرافكم عن طريق الحق الذي هو الوفاء بالعهود والمواثيق {وَلَكُمْ} بارتكاب المنهي {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94] في النشأة الأخرى بأضعاف ما في الأولى. {وَ} أيضاً {لاَ تَشْتَرُواْ} ولا تستبدلوا وتأخذوا أيها المؤمنون {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} أي: بنقض عهده، والارتداد عن دينه {ثَمَناً قَلِيلاً} أي: حطاماً دنيوياً {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ} لوفائكم بعهده، وثباتكم على دينه أجر عظيم أخروي {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لبقائه وعدم زواله ودوام لذّته {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [النحل: 95] خيريته لاخترتم ألبتة. وكيف لا يكون ما عند الله خيراً؛ إذ {مَا عِندَكُمْ} من حطام الدنيا ومزخرفاتها {يَنفَدُ} أي: يزول ويضمحل {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من اللذات الأخروية، والمعارف اليقينية {بَاقٍ} بقاءً أبدياً سمردياً إلى ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. ثمَّ قال سبحانه: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ} على ما فوتوا من الأعراض الدنيوية؛ بسبب ثباتهم وتقررهم على الأمور الأخروية، ولم ينقضوا العهود والمواثيق المتعلقة بالدين، ولم يتسبدلوا الأعلى الباقي بالأدنى الفاني، ولحقهم بذلك ما لحقهم من المحن والشدائد القاحلة، وضاع عنهم ما ضاع من لذاتها وشهواتها، فصبروا على جميع ما أعطيناهم {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 96] أي: لنجزينهم ونثيبنهم بجزاءٍ أحسن من مقتضى عملهم؛ لوفائهم على عهودنا ومواثيقنا، وجريهم على مقتضى أمرنا ونهينا. {مَنْ عَمِلَ} منكم عملاً {صَالِحاً} لقبولنا، ناشئاً {مِّن ذَكَرٍ} منك {أَوْ أُنْثَىٰ وَ} الحال أنه {هُوَ} في حين العمل {مُؤْمِنٌ} موحِّد بالله، مصدق لرسل والكتب المنزلة إليهم، ممتثل بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، طالب للترقي من العلم إلى العين، ثمَّ إلى الحق {فَلَنُحْيِيَنَّهُ} بعد فنائه عن لوازم بشريته وموته، وانخلاعه عن مقتضيات أوصاف بهيميته بإرادته واختياره {حَيَاةً طَيِّبَةً} معنوية خالصة عن وصمة الموت والفوت مطلقاً، خالية من شوب الزوال والانقضاء، صافية عن الكدورات المتعلقة للحياة الصورية {وَ} بالجملة: {لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم} أي: أجر عملهم وصبرهم عن مقتضيات القوى البشرية، والحياة الصورية {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] أي: أحسن وأوفر من جزاء عملهم الذي جاءوا به حين كانوا سائرين إلينا، طالبين الوصول إلى صفاء توحيدنا.