١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
93
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه سبحانه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء. أما المعتزلة: فإنهم حملوا ذلك على الإلجاء، أي لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى الكفر لقدر عليه، إلا أن ذلك يبطل التكليف، فلا جرم ما ألجأهم إليه وفوض الأمر إلى اختيارهم في هذه التكاليف، وأما قول أصحابنا فيه فهو ظاهر، وهذه المناظرة قد تكررت مراراً كثيرة، وروى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقال: يا عزير أعرض عن هذا، فأعاده ثانياً: فقال: أعرض عن هذا، فأعاده ثالثاً، فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة. قالت المعتزلة: ومما يدل على أن المراد من هذه المشيئة مشيئة الإلجاء، أنه تعالى قال بعده: {ولتسألن عما كنتم تعملون} فلو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عنها عبثاً، والجواب عنه قد سبق مراراً، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على ملة واحدة. {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} بخذلانه إياهم؛ عَدْلاً منه فيهم. {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} بتوفيقه إياهم؛ فضلاً منه عليهم، ولا يُسأل عما يفعل بل تسألون أنتم. والآية ترد على أهل القدر كما تقدم.واللام في «وليبينن ولتسئلن» مع النون المشددة يدلان على قسم مضمر، أي والله ليبينن لكم ولَتُسْأَلُنَّ.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } متفقة على الإِسلام. {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآء } بالخذلان. {وَيَهْدِى مَن يَشَاء } بالتوفيق. {وَلَتُسْـئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } سؤال تبكيت ومجازاة.
ابن كثير
تفسير : يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ} أيها الناس {أُمَّةً وَٰحِدَةً} كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} تفسير : [يونس: 99] أي: لوفق بينكم، ولما جعل اختلافاً ولا تباغض ولا شحناء {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} تفسير : [هود: 118-119]، وهكذا قال ههنا: {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ} ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم، فيجازيكم عليها؛ على الفتيل والنقير والقطمير. ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلاً، أي: خديعة ومكراً؛ لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، مثل لمن كان على الاستقامة، فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده، ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها، فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها، لكان ما عند الله هو خير له، أي: جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه، وآمن به، وطلبه، وحفظ عهده رجاء موعوده، ولهذا قال: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ} أي: يفرغ وينقضي؛ فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} أي: وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه دائم لا يحول ولا يزول {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قسم من الرب تعالى مؤكد باللام، أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي: ويتجاوز عن سيئها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } أهل دين واحد {وَلٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء وَلَتُسْئَلُنَّ } يوم القيامة سؤال تبكيت {عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } لتجازوا عليه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ} فيه وجهان: أحدهما: يريد به أن الدنيا فانية، والآخرة باقية. الثاني: أن طاعتكم تفنى وثوابها يبقى.
البقاعي
تفسير : ولما أمر ونهى، وخوف من العذاب في القيامة، وكان ربما ظن من لا علم له - وهم الأكثر - من كثرة التصريح بالحوالة على القيامة نقص القدرة في هذه الدار، صرح بنفي ذلك بقوله تعالى: {ولو شاء الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، أن يجعلكم أمة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه {لجعلكم أمة واحدة} متفقة على أمر واحد لا تؤم غيره، منفياً عنها أسباب الخلاف {ولكن} لم يشأ ذلك وشاء اختلافكم، فهو {يضل من يشاء} عدلاً منه، لأنه تام الملك عام الملك ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات {ويهدي} بفضله {من يشاء} ولو كان على أخس الأحوال، فبذلك يكونون مختلفين في المقاصد، يؤم هذا غير ما يؤمه هذا، فيأتي الخلاف مع تأدية العقل إلى أن الاجتماع خير من الافتراق فالاختلاف مع هذا من قدرته الباهرة. ولما تقرر بهذا أن الكل فعله وحده فلا فعل لغيره أصلاً، كان ربما أوقع في الوهم أنه لا حرج على أحد في شيء يفعله بين أن السؤال يكون عن المباشرة ظاهراً على ما يتعارف الناس في إسناد الفعل إلى من ظهر اكتسابه له، فقال تعالى مرغباً مرهباً مؤكداً لإنكارهم البعث عما ينشأ عنه: {ولتسئلن عما كنتم} أي كوناً أنتم مجبولون عليه {تعلمون *} وإن دق، فيجازي كلاًّ منكم على عمله وإن كان غنياً عن السؤال، فهو بكل شيء عليم. ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح القبائح، وأبعد الأشياء عن المكارم، وكان من أعظم أسباب الخلاف، فكان أمره جديراً بالتأكيد، أعاد الزجر عنه بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهباً مما يترتب على ذلك، فقال معبراً بالافتعال إشارة إلى أن ذلك لا يفعل إلا بعلاج شديد من النفس لأن الفطرة السليمة يشتد نفارها منه: {ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً} أي فساداً ومكراً وداء وخديعة {بينكم} أي في داخل عقولكم وأجسامكم {فتزل} أي فيكون ذلك سبباً لأن تزل {قدم} هي في غاية العظمة بسبب الثبات {بعد ثبوتها} عن مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا، فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها، وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد سلامة {وتذوقوا السوء} مع تلك الزلزلة {بما صددتم} أي أنفسكم ومنعتم غيركم بأيمانكم التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق {عن سبيل الله} أي الملك الأعلى، يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف {ولكم} مع ذلك {عذاب عظيم} ثابت غير منفك إذا متم على ذلك. ولما كان هذا خاصاً بالأيمان، أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد تأكيداً بعد تأكيد للدلالة على عظيم النقض فقال تعالى: {ولا تشتروا} أي تكلفوا أنفسكم لجاجاً وتركاً للنظر في العواقب أن تأخذوا وتستبدلوا {بعهد الله} أي الذي له الكمال كله {ثمناً قليلاً} أي من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيراً، ثم علل قلته بقوله تعالى: {إنما عند الله} أي الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين {هو خير لكم} ولا يعدل عن الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل؛ ثم شرط علم خيريته بكونهم من ذوي العلم فقال تعالى: {إن كنتم} أي بجبلاتكم {تعلمون *} أي ممن يتجدد له علم ولم تكونوا في عداد البهائم، فصار العهد الشامل للأيمان مبدوءاً في هذه الآيات بالأمر بالوفاء به ومختوماً بالنهي عن نقضه، والأيمان التي هي أخص منه وسط بين الأمر والنهي المتعلقين به، فصار الحث عليها على غاية من التأكيد عظيمة ورتبة من التوثيق جليلة، ثم بين خيريته وكثرته بقوله تعالى على سبيل التعليل: {ما عندكم} أي من أعراض الدنيا، وهو الذي تتعاطونه بطباعكم {ينفد} أي يفنى، فصاحبه منغص العيش أشد ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم {وما عند الله} أي الذي له الأمر كله من الثواب {باق} فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده؛ ثم لوح بما في ذلك من المشقة عطفاً على هذا المقدر فقال تعالى مؤكداً لأجل تكذيب المكذبين: {ولنجزين} أي الله - على قراءة الجماعة بالياء ونحن - على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتاً إلى التكلم للتعظيم {الذين صبروا} على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي {أجرهم} ولما كان كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه، أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال: {بأحسن ما كانوا} أي كوناً هو جبلة لهم {يعملون *}. ولما وعد بعد أن توعد، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفاً ولا وضيعاً، وإنما هو دائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة، وبالعهد أخرى، وهو الإيمان، فقال تعالى جواباً لمن كأنه قال: هذا خاص بأحد دون أحد، مرغباً في عموم شرائع الإسلام: {من عمل صالحاً} ولما كانت عامة، وكانت ربما خصت الذكور، بين المراد من عمومها بقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} فعم ثم قيد مشيراً بالإفراد إلى قلة الراسخين بقوله تعالى: {وهو مؤمن}. ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان، كان جديراً بالبلاء والامتحان، بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته، ولذلك أكد قوله: {فلنحيينه} دفعاً لما يتوهمه المستدرجون بما يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا {حياة طيبة} أي في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم، وطهارة الشيم {ولنجزينهم} كلهم {أجرهم} في الدنيا والآخرة {بأحسن ما كانوا} أي كوناً جبلياً {يعملون *} قال العلماء رضي الله عنهم: المطيع في عيشه هنيئة، إن كان موسراً فلا كلام فيه، وإن كان معسراً فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة، والفاجر بالعكس، إن كان معسراً فواضح، وإن كان موسراً فحرصه لا يدعه يتهنأ فهو لا يزال في عيشة ضنك. ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة، وأشارت بحسن ألفاظها وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقة، فلاح بذلك أن القرآن تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان، وختم ذلك بالحث على العمل الصالح، وكان القرآن تلاوة وتفكراً وعملاً بما ضمن أجل الأعمال الصالحة، تسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرىء هذا القرآن المنزل على مثل تلك الأساليب الفائقة يستعاذ من الشيطان لئلا يحول بوساوسه بين القارىء وبين مثل تلك الأغراض والعمل بها، وحاصله الحث على التدبر وصرف جميع الفكر إلى التفهم والالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح لئلا يفسده الشيطان بوساوسه، أو يحول بين الفهم وبينه، بياناً لقدر الأعمال الصالحة، وحثاً على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها، لا سيما أفعال القلوب التي هي أغلب ما تقدم هنا، فقال تعالى مخاطباً لأشرف خلقه ليفهم غيره من باب الأولى فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه: {فإذا قرأت} أي أردت أن تقرأ مثل { أية : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا}تفسير : [الأعراف: 4] {القرآن} الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث عليه، مع كونه تبياناً لكل شيء، وهو اسم جنس يشمل القليل منه والكثير {فاستعذ} أي إن شئت جهراً وإن شئت سراً؛ قال الإمام الشافعي: والإسرار أولى في الصلاة، وفي قول: يجهر كما يفعل خارج الصلاة. {بالله} أي سل الذي له الكمال كله أن يعيذك {من الشيطان} أي المحترق باللعنة {الرجيم *} أي المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباعه، فإنه لا عائق عن الإذعان، لأساليبه الحسان، إلا خذلان الرحمن، بوساوس الشيطان، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن ذلك أوفق للقرآن، وقد ورد به بعض الأخبار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً وهو المشهور ونص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه، والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة فيها القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره حديث : عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} [ الأنفال: 24] ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن {الحمد لله رب العالمين} تفسير : وفي رواية الموطأ حديث : أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نادى أبياً وأنه قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال أبي: فقرأت { الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت على آخرهاتفسير : . ومن طالع كتابي "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور" رأى مثل هذا أحاديث جداً من أحسنها حديث نزول سورة الكوثر، وقيل: التعوذ بعد القراءة لظاهر الآية، وختام القرآن بالمعوذتين موافق لهذا القول بالنسبة إلى الحال، والقول الأول الصحيح بالنسبة إلى ما ندب إليه المرتحل من قراءة الفاتحة وأول البقرة. ولما كان ذلك ربما هو أوهم تعظيمه، نفى ذلك بقوله جواباً لمن كأنه قال: هل له سلطان؟: {إنه ليس له سلطان} أي بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه {على الذين ءامنوا} بتوفيق ربهم لهم {وعلى ربهم} أي وحده {يتوكلون *} ويجوز أن يكون المعنى أنه لما تقرر في الأذهان أنه لا نجاة من الشيطان، لأنه سلط علينا بأنه يرانا من حيث لا نراه ويجري فينا مجرى الدم، وكانت فائدة الاستعاذة الإعاذة، أشير إلى حصولها بقوله على سبيل التعليل "إنه" أي استعذ بالله يعذك منه، لأنه ليس له سلطان على الذين آمنوا بالله ليردهم كلهم عما يرضي الله، وعلى ربهم وحده يتوكلون، ثم وصل بذلك ما أفهمه من أن له سلطاناً على غيرهم فقال تعالى: {إنما سلطانه} أي الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله له {على الذين يتولونه} أي تولوه وأصروا على ذلك بتجديد ولايته كل حين {والذين هم} أي بظواهرهم وبواطنهم {به} أي بالشيطان {مشركون *} دائماً لأنهم إذا تبعوا وساوسه، وأطاعوا أوامره فقد عبدوه فجعلوه بذلك شريكاً، فهم لا يتأملون دقائق القرآن بل ولا يفهمون ظواهره على ما هي عليه لما أعماهم به الشيطان من وساوسه، وحبسهم به عن هذه الأساليب من محابسه، فهم لا يزالون يطعنون فيه بقلوب عمية وألسنة بذية؛ ثم عطف على هذا المقدر - الذي دل عليه الكلام - ما أنتجه تسلط الشيطان عليهم فقال تعالى: {وإذا بدلنا} أي بعظمتنا بالنسخ {ءاية} سهلة كالعدة بأربعة أشهر وعشر، وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار، أو شاقّة كتحريم الخمر وإيجاب صلوات خمس، فجعلناها {مكان ءاية} شاقة كالعدة بحول، ومصابرة عشرة من الكفار، أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر وإيجاب ركعتين أول النهار وركعتين آخره، فكانت الثانية مكان الأولى وبدلاً منها، أو يكون المعنى: نسخنا آية صعبة فجعلنا مكانها آية سهلة؛ والتبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه {والله} أي الذي له الإحاطة الشاملة {أعلم بما ينزل} من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو بغيره {قالوا} أي الكفار {إنما أنت} أي يا محمد! {مفتر} أي فإنك تأمر اليوم بشيء وغداً تنهى عنه وتأمر بضده، وليس الأمر كما قالوا {بل أكثرهم} وهم الذين يستمرون على الكفر {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم، بل هم في عداد البهائم، لعدم انتفاعهم بما وهبهم الله من العقول، لانهماكهم في اتباع الشيطان، حتى زلت أقدامهم في هذا الأمر الواضح بعد إقامة البرهان بالإعجاز على أن كل ما كان معجزاً كان من عند الله، سواء كان ناسخاً أو منسوخاً أو لا، فصارت معرفة أن هذا القرآن وهذا غير قرآن بعرضه على هذا البرهان من أوضح الأمور وأسهلها تناولاً لمن أراد ذلك منهم أو من غيرهم من فرسان البلاغة فكأنه قيل: فما أقول؟ فقال: {قل} لمن واجهك بذلك منهم: {نزله} أي القرآن بحسب التدريج لأجل اتباع المصالح لإحاطة علم المتكلم به {روح القدس} الذي هو روح كله، ليس فيه داعٍ إلى هوى، فكيف يتوهم فيما ينزله افتراء لا سيما مع إضافته الطهر البالغ، فهو ينزله {من ربك} أيها المخاطب الذي أحسن إليك بإنزاله ثم بتبديله بحسب المصالح كما أحسن تربيتك بالنقل من حال إلى حال لا يصلح في واحدة منها ما يصلح في غيرها من الظهر إلى البطن، ثم من الرضاع إلى الفطام، فما بعده، فكيف تنكر تبديل الأحكام للمصالح ولا تنكر تبديل الأحوال لذلك، حال كون ذلك الإنزال {بالحق} أي الأمر الثابت الذي جل عن دعوى الافتراء بأنه لا يستطاع نقضه {ليثبت} أي تثبيتاً عظيماً {الذين آمنوا} في دينهم بما يرون من إعجاز البدل والمبدل مع تضاد الأحكام، وما فيه من الحكم والمصالح بحسب تلك الأحوال - مع ما كان في المنسوخ من مثل ذلك بحسب الأحوال السالفة - وليتمرنوا على حسن الانقياد، ويعلم بسرعة انقيادهم في ترك الألف تمام استسلامهم وخلوصهم عن شوائب الهوى؛ ثم عطف على محل {ليثبت} قوله: {وهدى} أي بياناً واضحاً {وبشرى} أي بما فيه من تجدد العهد بالملك الأعلى وتردد الرسول بينه وبينهم بوساطة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم {للمسلمين *} المنقادين المبرئين من الكبر الطامس للأفهام، المعمي للأحلام، ولولا مثل هذه الفوائد لفاتت حكمة تنجيمه.
القشيري
تفسير : ليست واقعةُ القوم بخسرانٍ يُصيبهم في أموالهم، أو من جهة تقصيرهم في أعمالهم ولِمَا صنيَّعوه من أحوالهم.. فهذه - لعمري - وجوهٌ وأسبابٌ، ولكنَّ سِرَّ القصةِ كما قيل: شعر : أنَا صَبٌّ لِمَنْ هَوَيْتُ ولكن ما احتيالي بسوء رأي الموالي؟ تفسير : قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}: لو شاء الله سَعَادَتَهمُ لَرَحِمَهُم، وعن المعاصي عَصَمَهُم، وبدوامِ الذكر - بَدَلَ الغفلة - ألهمهم.. ولكن سَبَقَتْ القسمةُ في ذلك، وما أحسن ما قالوا: شعر : شكا إليك ما وَجَدْ مَنْ خانه فيك الجَلَدْ حيرانُ.. لو شِئْتَ اهتدى ظمآنُ.. لو شِئْتَ وَرَدْ
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو شاء الله} مشيئة قسر والجاء { لجعلكم امة واحدة} متفقة على الاسلام {ولكن} لا يشاء ذلك لكونه مزاحما لقضبة الحكمة بل {يضل من يشاء} اضلاله اى يخلق فيه الضلال حسبما يصرف اختياره الجزئي اليه {ويهدى من يشاء} هدايته حسبما يصرف اختياره الى تحصيلها فالاضلال والهداية مبنيا على الاختبار. وفيه سر عظيم لا يعرفه الا الاخيار {و} بالله {لتسألن} جميعا يوم القيامة سؤال تبكيت ومجازاة لا سؤال تفهم {عما كنتم تعملون} فى الدنيا من الوفاء والنقض ونحوهما فتجزون به. واعلم ان العهود مواطنها لكثيرة ومن العهود الحقة ما يجرى بين المريدين الصادقين والشيوخ الكاملين من البيعة وهى لازمة حتى يلقوا الله تعالى وفى الآية اشارة الى المريد الذى تعلق بذيل ارادة صاحب ولاية من المشايخ وعاهده على صدق الطلب والثبات عليه عند مقاساة شدائد المجاهدات والتصبر على مخالفات النفس والهوى وملازمات الصحبة والانقياد للخدمة والتحمل على الاخوان وحفظ الادب معهم ففى اثناء تحمل هذه المشاق تسأم نفسه وتضعف عن حمل هذه الاثقال فينقض عهده ويفسخ عزمه ويرجع قهقرى ثم يتخذ ما كان اسباب طلب الله من الارادة والمجاهدة ولبس الخرقة وملازمة الصحبة والخدمة والفتوحات التى فتح الله له فى اثناء الطلب والسير آلات طلب الدنيا وادوات تحصيل شهوات نفسه بالتصنع والمرآة والسمعة ابتلاء من الله اظهار للعزة اذا عظمت النفس وشهواتها فى نظر النفس واعرضت عن الله فى طلبها فمثل هذا حسبه جهنم البعد والقطعية. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره هنا رجل ابن ابن المولى جلال يقال له ديوانه جلى يأكل ويشرب وشتغل بالشهوات ويزعم ان له نظرا الى الحقيقة من المظاهر حفظنا الله تعالى من الالحاد ففى حالة الاحتضار استغفر وقال يا حسرتا لم أعرف الطريق ويرجى ان يعفى لسبق ندامته وكان له كشوف سفلية وقطع بخطوة واحدة سبعين خطوة واكثر ولكن الكشوف السفلية مثلها مما كان فى مرتبة الطبيعة غير مقبولة بل هى من الشيطان وعوام الناس يعدون اصحاب امثال هذه الكشوف الشيطانية الاقطاب بل الغوث الاعظم لكونهم على الجهل الجمادى لا يميزون بين الخير والشر ولصعوبة هذا الامر قال المولى الجامى قدس سره فى بعض رباعياته شعر : در مسجد وخانقه بسى كرديدم بس شيخ ومريدرا كه بابوسيدم نه يكساعت از هستى خود رستم نه آنكه زخويش رسته باشد ديدم تفسير : اللهم اعصمنا من الدعوى واجعلنا من اهل التقوى.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً..} تهديد لهم على اعمالهم وتحذير عمّا يضمرونه من عداوة علىٍّ (ع) ولمّا كان قوله ولكن يضلّ من يشاء (الى آخر الآية) مشرعاً بالجبر واسقاط العقوبة قال ولتسئلنّ (الآية) اشعاراً بالاختيار وثبوت العقوبة.
الهواري
تفسير : { وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإيمان. وهو كقوله: (أية : وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاها) تفسير : [السجدة:13]. وكقوله: (أية : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) تفسير : [يونس:99]. {وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ} أي: بفعله { وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي: فتخونوا الله ولا تكملوا فرائضه. { فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} أي: تزل إلى الكفر والنفاق بعد ما كانت على الإِيمان. فتزل إلى النار {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وإذ عظّم الله شيئاً فهو عظيم. والسوء عذاب الدنيا، وهو القتل بالسيف. يقول: إن أنتم نافقتم فباينتم بنفاقكم قتلتم في الدنيا ولكم في الآخرة عذاب عظيم. قوله: { وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: من الدنيا. ذكروا أنه قدم وفد من كندة وحضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإِسلام ولم يهاجروا، وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ثم إن رجلاً من حضرموت قام فتعلق برجل من كندة يقال له امرأ القيس، فقال يا رسول الله، إن هذا جاورني في أرض لي فقطع طائفة منها فأدخلها في أرضه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : هل لك بينة على ما تزعم؟ فقال: القوم كلهم يعلمون أني صادق وأنه كاذب، ولكنه أكرم عندهم مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا امرأ القيس، ما يقول هذا؟" قال: ما يقول إلا الباطل. قال: "فقم فاحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له قِبَلك من شيء مما يقول، وإنه لكاذب فيما يقول". قال: نعم. قال الحضرمي، إنا لله، أتجعلها يا رسول الله إليه، إنه رجل فاجر لا يبالي بما حلف عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط". فقام امرؤ القيس ليحلف، فنزلت هاتان الآيتان: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي:عرضاً من الدنيا يسيراً { إِنَّمَا عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قال: { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. فقام الأشعث بن قيس فأخذ بمنكبي امرىء القيس فقال: ويلك يا امرأ القيس إنه قد نزلت آيتان فيك وفي صاحبك، خيرتهما له، والأخرى لك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط ". فأقبل امرؤ القيس فقال: يا رسول الله، ما أنزل في؟ فتلا عليه الآيتين. فقال امرؤ القيس: أما ما عندي فينفد، وأما صاحبي فيجازى بأحسن ما كان يعمل؛ اللهم إنه صادق، وإني أشهد الله إنه صادق، ولكن والله ما أدري ما بلغ ما يدّعي من أرضه في أرضي، فقد أصبتها منذ زمان، فله ما ادّعى في أرضي ومثلها معها. فنزلت هذه الآية. {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فقال امرؤ القيس: إليَّ هذه الآية يا رسول الله؟ قال: نعم، فكبّر امرؤ القيس. وحمد الله وشكره . تفسير : ذكر بعضهم في قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال: هي القناعة، وقال بعضهم: هي الجنة.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أى متحدة الدين متفقة وهو دين الإِسلام بتوفيق الجميع إِليه ولكن اقتضت حكمته أن يوفق بعضاً ويخذل بعضاً أو بالإِلجاء والجبر عليه ولكن اقتضت حكمته أن بعضاً يعصى باختياره وبعضاً يطيع باختياره ليعاقب ويثبت كما قال، {وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ} أى يخذله أى لا يوافقه فيعصى باختياره بعد أن يبين له وليس ذلك جبراً تعالى عنه {وَيَهْدِى} يوفق {مَن يَشَاءُ} ولا يسأَل عما يفعل، {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يوم القيامة سؤال تبكيت ومجازاة {عَمَّا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} فى الدنيا.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} على الإسلام بالإجبار، وليس الإجبار حكمة إذ لا يمدح المجبر ولا يذم ولا يستحق ثوابًا ولا عقابًا أو لو شاء الله لجعلكم على الإسلام باختياركم. {وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} بالخذلان عن الهدى لاختيار الضلال بالكسب الاختيارى. {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} بالتوفيق إليه، لاختيار المهتدى وكلا الاختيارين مخلوق لله سبحانه، ومع خلقه لا إجبار، هذا مذهبنا، فللعبد قدرة مؤثرة إذن الله عز وجل مخلوقة له تعالى، وشهر عن الأشعرية أن له قدرة مقارنة غير مؤثرة، وزعمت المعتزلة أن له قدرة مؤثرة مستقلة عن الله، ولا تحتاج إلى إذنه، قبحهم الله عز وجل، وزعمت المجبرة لعنهم الله، أن العبد مجبر، والذى حفظت من قبل أن مذهب الأشعرية مذهبنا، وهم أهل المذاهب الأربعة، وقل من نسب إليهم ما ذكرته قبل هذا عنهم أراد بهم قومًا بعينهم من فوقهم، ولا واجب على الله عز وجل، وتوفيقه لمن يشاء فضل وإِحسان، وقد تم الإضلال لأن أهله أكثر {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سؤال تبكيت وتوبيخ، والسؤال المنفى فى مثل قوله: "أية : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون" تفسير : [القصص: 78] "أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إِنس ولا جان"تفسير : [الرحمن: 39] الاستفهام الحقيقى، لأن الله لا يخفى عنه شئ، أو المنفى عند الخروج من القبور، والمثبت فى الموقف، أو كل فيه يسألون فى موقف دون آخر سؤالا غير حقيقى على كل حال.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ} أيها الناس {أُمَّةً وَاحِدَةً} متفقة على الإسلام {وَلَـٰكِنْ} لا يشاء ذلك رعاية للحكمة بل {يُضِلُّ مَن يَشَاء} إضلاله بأن يخلق فيه الضلال حسبما يصرف اختياره التابع/ لاستعداده له {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} هدايته حسبما يصرف اختياره التابع لاستعداده لتحصيلها {وَلَتُسْأَلُنَّ} جميعاً يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة لا سؤال استفسار وتفهم {عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تستمرون على عمله في الدنيا بقدركم المؤثرة بإذن الله تعالى، والآية ظاهرة في أن مشيئة الله تعالى لإسلام الخلق كلهم ما وقعت وأنه سبحانه إنما شاء منهم الافتراق والاختلاف، فإيمان وكفر وتصديق وتكذيب ووقع الأمر كما شاء جل وعلا، والمعتزلة ينكرون كون الضلال بمشيئته تعالى ويزعمون أنه سبحانه إنما شاء من الجميع الإيمان ووقع خلاف ما شاء عز شأنه. وأجاب الزمخشري عن الآية بأن المعنى لو شاء على طريقة الإلجاء والقسر لجعلكم أمة واحدة مسلمة فإنه سبحانه قادر على ذلك لكن اقتضت الحكمة أن يضل ويخذل من يشاء ممن علم سبحانه أنه يختار الكفر ويصمم عليه ويهدي من يشاء بأن يلطف بمن علم أنه يختار الايمان، والحاصل أنه تعالى بني الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء ولو كان العبيد مضطرين للهداية والضلال لما أثبت سبحانه لهم عملاً يسئلون عنه بقوله: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} اهـ، وللعسكري نحوه. وقد قدمنا لك غير مرة أن المذهب الحق على ما بينه علامة المتأخرين الكوراني وألف فيه عدة "رسائل" أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى لا أنه لا قدرة له أصلاً كما يقول الجبرية ولا أن له قدرة مقارنة غير مؤثرة كما هو المشهور عند الأشعرية ولا أن له قدرة مؤثرة وإن لم يؤذن لله تعالى كما يقول المعتزلة وأن له اختياراً أعطيه بعد طلب استعداده الثابت في علم الله تعالى له فللعبد في هذا المذهب اختيار والعبد مجبور فيه بمعنى أنه لا بد من أن يكون له لأن استعداده الأزلي الغير المجعول قد طلبه من الجواد المطلق والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها والإثابة والتعذيب إنما يترتبان على الاستعداد للخير والشر الثابت في نفس الأمر والخير والشر يدلان على ذلك نحو دلالة الأثر على المؤثر والغاية على ذي الغاية وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ومن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجه غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وقال ابن المنير: إن أهل السنة عن الإجبار بمعزل لأنهم يثبتون للعبد قدرة واختياراً وأفعالاً وهم مع ذلك يوحدون الله تعالى حق توحيده فيجعلون قدرته سبحانه هي الموجدة والمؤثرة وقدرة العبد مقارنة فحسب وبذلك يميز بين الاختياري والقسري وتقوم [بها] حجة الله تعالى على عباده اهـ وهذا هو المشهور من مذهب الأشعرية وهو كما ترى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام وما فيه من النقض والإبرام.
ابن عاشور
تفسير : لما أحال البيان إلى يوم القيامة زادهم إعلاماً بحكمة هذا التأخير فأعلمهم أنه قادر على أن يبيّن لهم الحقّ من هذه الدار فيجعلهم أمّة واحدة. ولكنه أضلّ من شاء، أي خلق فيه داعية الضلال، وهدى من شاء، أي خلق فيه داعية الهُدى. وأحال الأمر هنا على المشيئة إجمالاً، لتعذّر نشر مطاوي الحكمة من ذلك. ومرجعها إلى مشيئة الله تعالى أن يخلق الناس على هذا الاختلاف الناشىء عن اختلاف أحوال التفكير ومراتب المدارك والعقول، وذلك يتولّد من تطوّرات عظيمة تعرض للإنسان في تناسله وحضارته وغير ذلك مما أجمله قوله تعالى: {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} تفسير : [سورة التين: 2 - 6]. وهذه المشيئة لا يطّلع على كنهها إلا الله تعالى وتظهر آثارها في فرقة المهتدين وفرقة الضالين. ولما كان قوله: {ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء} قد يغترّ به قصّار الأنظار فيحسبون أن الضالين والمهتدين سواء عند الله وأن الضالين معذورون في ضلالهم إذ كان من أثر مشيئة الله فعقّب ذلك بقوله: {ولتسألن عما كنتم تعملون} مؤكّداً بتأكيدين كما تقدم نظيره آنفاً، أي عما تعملون من عللِ ضلالٍ أو عمل هدى. والسؤال: كنية عن المحاسبة، لأنه سؤال حكيم تترتّب عليه الإنارة وليس سؤال استطلاع.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدَةً} {وَلَتُسْأَلُنَّ} (93) - وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ، وَأَزَالَ مَا بَيْنَكُمْ مِنِ اخْتِلاَفٍ، وَلكِنَّهُ تَعَالَى يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا الجَزَاءَ الأَوْفَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لو حرف امتناع لامتناع. أي: امتناع وجود الجواب لامتناع وجود الشرط، كما في قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]. فقد امتنع الفساد لامتناع تعدّد الآلهة. فلو شاء الله لجعلَ العالم كله أمةً واحدة على الحق، لا على الضلال، أمة واحدة في الإيمان والهداية، كما جعل الأجناس الأخرى أمةً واحدة في الانصياع لمرادات الله منها. ذلك لأن كل أجناس الوجود المخلوقة للإنسان قبل أن يفِدَ إلى الحياة مخلوقة بالحق خَلْقاً تسخيرياً، فلا يوجد جنس من الأجناس تأَبَّى عما قصد منه، لا الجماد ولا النبات ولا الحيوان. كل هذه الأكوان تسير سَيْراً سليماً كما أراد الله منها، والعجيب أن يكون الإنسان هو المخلوق الوحيد المختلّ في الكون، ذلك لما له من حرية الاختيار، يفعل أو لا يفعل. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} تفسير : [الحج: 18]. هكذا تسجد كل هذه المخلوقات لله دون استثناء، إلا في الإنسان فقال تعالى: {أية : وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} تفسير : [الحج: 18]. فلماذا حدث هذا الاختلاف عند الناس؟ لأنهم أصحاب الاختيار، فيستطيع الواحد منهم أن يفعلَ أو لا يفعل، هل هذه المسألة خرجت عن إرادة الله، أم أرادها الله سبحانه وتعالى؟ قالوا بأن الله زاول قدرته المطلقة في خَلْق الأشياء المُسخرة، بحيث لا يخرج شيء عما أريد منه، وكان من الممكن أنْ يأتيَ الإنسان على هذه الصورة من التسخير، لكنه في هذه الحالة لن يزيد شيئاً، ولن يضيف جديداً في الكون، أليستْ الملائكة قائمة على التسخير؟ فالتسخير يُثبِت القدرة لله تعالى، فلا يخرج عن قدرته ولا عن مراده شيء، لكن الاختيار يثبت المحبوبية لله تعالى، وهذا فَرْقٌ يجب أنْ نتدبّره. فمثلاً لو كان عندك عبدان أو خادمان أحدهما سعيد، والآخر مسعود، فأخذت سعيداً وقيَّدته إليك في حبل، في حين تركت مسعوداً حراً طليقاً، وحين أمرت كلاً منهما لَبَّى وأطاع، فأيّ طاعة ستكون أحبّ إليك: طاعة القهر والتسخير، أم الطاعة بالاختيار؟ فكأن الحق تبارك وتعالى خلق الإنسان وكرَّمه بأنْ جعلَه مختاراً في أنْ يطيعَ أو أنْ يعصيَ، فإذا ما أتى طائعاً مختاراً، وهو قادر على المعصية، فقد أثبتَ المحبوبية لربه سبحانه وتعالى. ولا بُدَّ أنْ تتوافرَ للاختيار شروطٌ. أولها العقل، فهو آلة الاختيار، كذلك لا يُكلّف المجنون، فإذا توفّر العقل فلا بُدَّ له من النُّضْج والبلوغ، ويتمّ ذلك حينما يكون الإنسان قادراً على إنجاب مِثْله، وأصبحتْ له ذاتية مولده. وهذه سِمَة اكتمال الذات؛ فهو قبل هذا الاكتمال ناقص التكوين، وليس أَهْلاً للتكليف، فإذا كان عاقلاً ناضجاً بالبلوغ واكتمال الذات، فلا بُدَّ له أن يكون مختاراً غَيْرَ مُكْرهٍ، فإنْ أُكْرِه على الشيء فلن يسأل عنه، فإنِ اختلَّ شَرْط من هذه الثلاثة فلا معنى للاختيار، وبذلك يضمن الحق تبارك وتعالى للإنسان السلامة في الاختيار. والحق تبارك وتعالى وإن كرَّم الإنسان بالاختيار، فمن رحمته به أنْ يجعلَ فيه بعض الأعضاء اضطرارية مُسخّرة لا دَخْلَ له فيها. ولو تأملنا هذه الأعضاء لوجدناها جوهرية، وتتوقف عليها حياة الإنسان، فكان من رحمة الله بنا أنْ جعل هذه الأعضاء تعمل وتُؤدِّي وظيفتها دون أنْ نشعرَ. فالقلب مثلاً يعمل بانتظام في اليقظة والمنام دون أن نشعرَ به، وكذلك التنفس والكُلَى والكبد والأمعاء وغيرها تعمل بقدرته سبحانه مُسخّرة، كالجماد والنبات والحيوان. ومن لُطْفِ الله بخَلْقه أنْ جعلَ هذه الأعضاء مُسخّرة، لأنه بالله لو أنت مختار في عمل هذه الأعضاء، كيف تتنفس مثلاً وأنت نائم؟! إذن: من رحمة الله أنْ جعلكَ مختاراً في الأعمال التي تعرِضُ لك، وتحتاج فيها إلى النظر في البدائل؛ ولذلك يقولون: الإنسان أبو البدائل. فالحيوان مثلاً وهو أقرب الأجناس إلى الإنسان ليس لديْه هذه البدائل ولا يعرفها، فإذا آذيتَ حيواناً فإنه يُؤذيك، وليس لديه بديل آخر. ولكن إذا آذيْت إنساناً، فيحتمل أن يردّ عليك بالمثل، أو بأكثر مما فعلتَ، أو أقلّ، أو يعفو ويصفح، والعقل هو الذي يُرجِّح أحد هذه البدائل. إذن: لو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الناس أمة واحدة لجعلها، كما قال تعالى: {أية : أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} تفسير : [الرعد: 31]. ولكنه سبحانه وتعالى لم يشَأْ ذلك، بدليل قوله: {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ..} [النحل: 93]. وهذه الآية يقف عندها المتمحِّكون، والذين قَصُرَتْ أنظارهم في فهْم كتاب الله، فيقولون: طالما أن الله هو الذي يضِلّ الناس، فلماذا يُعذِّبهم؟ ونتعجَّب من هذا الفهم لكتاب الله ونقول لهؤلاء: لماذا أخذتُمْ جانب الضلال وتركتُم جانب الهدى؟ لماذا لم تقولوا: طالما أن الله بيده الهداية، وهو الذي يهدي، فلماذا يُدخِلنا الجنة؟ إذن: هذه كلمة يقولها المسرفون؛ لأن معنى: {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ..} [النحل: 93]. أي: يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا من خلال عمله بالهداية، مثل ما يحدث عندنا في لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلاناً وأرسبت فلاناً، فليست هذه مهمتها، بل مهمتها أن تنظر أوراق الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك. وكذلك الحق - تبارك وتعالى - لا يجعل العبد ضالاً، بل يحكم على عمله أنه ضلال وأنه ضَالّ؛ فالمعنى إذن: يحكم بضلال مَنْ يشاء، ويحكم بهُدَى مَنْ يشاء، وليس لأحد أن ينقلَ الأمر إلى عكس هذا الفهم، بدليل قوله تعالى بعدها: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93]. فالعبد لا يُسأل إلا عَمَّا عملتْ يداه، والسؤال هنا معناه حرية الاختيار في العمل، وكيف تسأل عن شيء لا دَخْل لك فيه؟ فلنفهم - إذن - عن الحق تبارك وتعالى مُرَادَهُ من الآية. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { لَوْ شَاءَ اللَّهُ } لجمع الناس على الهدى وجعلهم { أُمَّةً وَاحِدَةً } ولكنه تعالى المنفرد بالهداية والإضلال، وهدايته وإضلاله من أفعاله التابعة لعلمه وحكمته، يعطي الهداية من يستحقها فضلا ويمنعها من لا يستحقها عدلا. { وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر فيجازيكم عليها أتم الجزاء وأعدله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):