١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
94
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حذر في الآية الأولى عن نقض العهود والإيمان على الإطلاق، حذر في هذه الآية فقال: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } وليس المراد منه التحذير عن نقض مطلق الإيمان، وإلا لزم التكرير الخالي عن الفائدة في موضع واحد، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها، فلهذا المعنى قال المفسرون: المراد من هذه الآية نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض عهده، لأن هذا الوعيد وهو قوله: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } لا يليق بنقض عهد قبله، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وشرائعه. وقوله: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية، ومحنة بعد نعمة، فإن من نقض عهد الإسلام فقد سقط عن الدرجات العالية ووقع في مثل هذه الضلالة، ويدل على هذا قوله تعالى: {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوءَ } أي العذاب: {بِمَا صَدَدتُّمْ } أي بصدكم: {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي ذلك السوء الذي تذوقونه سوء عظيم وعقاب شديد، ثم أكد هذا التحذير فقال: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } يريد عرض الدنيا وإن كان كثيراً، إلا أن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون، يعني أنكم وإن وجدتم على نقض عهد الإسلام خيراً من خيرات الدنيا، فلا تلتفتوا إليه، لأن الذي أعده الله تعالى على البقاء على الإسلام خير وأفضل وأكمل مما يجدونه في الدنيا على نقض عهد الإسلام إن كنتم تعلمون التفاوت بين خيرات الدنيا وبين خيرات الآخرة، ثم ذكر الدليل القاطع على أن ما عند الله خير مما يجدونه من طيبات الدنيا فقال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } وفيه بحثان: البحث الأول: الحس شاهد بأن خيرات الدنيا منقطعة، والعقل دل على أن خيرات الآخرة باقية، والباقي خير من المنقطع، والدليل عليه أن هذا المنقطع إما أن يقال: إنه كان خيراً عالياً شريفاً أو كان خيراً دنياً خسيساً، فإن قلنا: إنه كان خيراً عالياً شريفاً فالعلم بأنه سينقطع يجعله منغصاً حال حصوله، وأما حال حصول ذلك الانقطاع فإنها تعظم الحسرة والحزن، وكون تلك النعمة العالية الشريفة كذلك ينغص فيها ويقلل مرتبتها وتفتر الرغبة فيها، وأما إن قلنا: إن تلك النعمة المنقطعة كانت من الخيرات الخسيسة فهمنا من الظاهر أن ذلك الخير الدائم وجب أن يكون أفضل من ذلك الخير المنقطع، فثبت بهذا أن قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } برهان قاطع على أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا. البحث الثاني: أن قوله: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } يدل على أن نعيم أهل الجنة باق لا ينقطع. وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه. واعلم أن المؤمن إذا آمن بالله فقد التزم شرائع الإسلام والإيمان، وحينئذ يجب عليه أمران: أحدهما: أن يصبر على ذلك الإلتزام وأن لا يرجع عنه وأن لا ينقضه بعد ثبوته. والثاني: أن يأتي بكل ما هو من شرائع الإسلام ولوازمه. إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الأول وهو الصبر على ما التزموه، فقال: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } أي على ما التزموه من شرائع الإسلام {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي يجزيهم على أحسن أعمالهم، وذلك لأن المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شك أنه على فعل المندوبات والواجبات يثاب لا على فعل المباحثات، فلهذا قال: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الثاني وهو الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام فقال: {مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لفظة «من» في قوله: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } تفيد العموم فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى؟ والجواب: أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتاً للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص. السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن الأيمان مغاير للعمل الصالح؟ والجواب: نعم لأنه تعالى جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح موجباً للثواب. وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء. السؤال الثالث: ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر بشرط الإيمان، فظاهر قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو كان مع عدمه. والجواب: أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان، أما إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العقاب فإنه لا يتوقف على الإيمان. السؤال الرابع: هذه الحياة الطيبة تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة. والجواب فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: قال القاضي: الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة. ولقائل أن يقول: لا يبعد أن يكون المراد من الحياة الطيبة ما يحصل في الآخرة، ثم إنه مع ذلك وعدهم الله على أنه إنما يجزيهم على ما هو أحسن أعمالهم فهذا لا امتناع فيه. فإن قيل: بتقدير أن تكون هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في الدنيا فما هي؟ والجواب: ذكروا فيه وجوهاً قيل: هو الرزق الحلال الطيب. وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال، وقيل: القناعة، وقيل: رزق يوم بيوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: « حديث : قنعني بما رزقتني » تفسير : وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: « حديث : اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً » تفسير : قال الواحدي وقول من يقول: إن القناعة حسن مختار لأنه لا يطيب عيش أحد في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريص فإنه يكون أبداً في الكد والعناء. واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه: الأول: أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى، وعرف أنه تعالى محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضياً بكل ما قضاه وقدره، وعلم أن مصلحته في ذلك، أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبداً في الحزن والشقاء. وثانيها: أن المؤمن أبداً يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها وعلى تقدير وقوعها يرضى بها، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، فعند وقوعها لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلاً عن تلك المعارف، فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه. وثالثها: أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى، والقلب إذا كان مملوءاً من هذه المعارف لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، أما قلب الجاهل فإنه خال عن معرفة الله تعالى فلا جرم يصير مملوءاً من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا. ورابعها: أن المؤمن عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها، أما الجاهل فإنه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فلا جرم يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها. وخامسها: أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة التقلب فلولا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه. واعلم أن ما كان واجب التغير فإنه عند وصوله إليه لا تنقلب حقيقته ولا تتبدل ماهيته، فعند وصوله إليه يكون أيضاً واجب التغير، فعند ذلك لا يطبع العاقل قلبه عليه ولا يقيم له في قلبه وزناً بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلاً عن هذه المعارف فيطبع قلبه عليها ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه فعند فوته وزواله يحترق قلبه ويعظم البلاء عنده، فهذه وجوه كافية في بيان أن عيش المؤمن العارف أطيب من عيش الكافر هذا كله إذا فسرنا الحياة الطيبة بأنها في الدنيا. والقول الثاني: وهو قول السدي إن هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر. والقول الثالث: وهو قول الحسن وسعيد بن جبير إن هذه الحياة الطيبة لا تحصل إلا في الآخرة والدليل عليه قوله تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلَـٰقِيهِ } تفسير : [الإنشقاق: 6] فبين أن هذا الكدح باقٍ إلى أن يصل إلى ربه وذلك ما قلناه، وأما بيان أن الحياة الطيبة في الجنة فلأنها حياة بلا موت وغنى بلا فقر، وصحة بلا مرض، وملك بلا زوال، وسعادة بلا شقاء، فثبت أن الحياة الطيبة ليست إلا تلك الحياة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَلنَجْزِيَنَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقد سبق تفسيره، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} كرر ذلك تأكيداً. {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} مبالغة في النهي عنه لعظم موقعه في الدِّين وتردده في معاشرات الناس؛ أي لا تعقِدوا الأيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزِل قدم بعد ثبوتها، أي عن الأيمان بعد المعرفة بالله. وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه؛ لأن القدم إذا زلّت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر؛ ومن هذا المعنى قول كُثَيّر:شعر : فلمـا توافينـا ثَبَتُّ وَزَلّـتِ تفسير : والعرب تقول لكل مبتلًى بعد عافية أو ساقط في وَرْطة: زلّت قدمه؛ كقول الشاعر:شعر : سَيُمَنُع منك السبقُ إن كنتَ سابقا وتقتل إن زلّت بك القدمان تفسير : ويقال لمن أخطأ في شيء: زلّ فيه. ثم توعّد تعالى بعدُ بعذاب في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة. وهذا الوعيد إنما هو فيمن نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن من عاهده ثم نقض عهده خرج عن الإيمان، ولهذا قال: {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي بصدّكم. وذَوْقُ السوء في الدنيا هو ما يحل بهم من المكروه.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيداً ومبالغة في قبح المنهي. {فَتَزِلَّ قَدَمٌ } أي عن محجة الإسلام. {بَعْدَ ثُبُوتِهَا } عليها والمراد أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بأقدام كثيرة. {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوءَ} العذاب في الدنيا. {بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} بصدكم عن الوفاء أو صدكم غيركم عنه، فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره. {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } كرّره تأكيدا {فَتَزِلَّ قَدَمٌ } أي أقدامكم عن محجة الإِسلام {بَعْدَ ثُبُوتِهَا } استقامتها عليها {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوء } أي العذاب {بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي بصدّكم عن الوفاء بالعهد، أو بصدّكم غيركم عنه لأنه يستنّ بكم {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الآخرة.
ابن عطية
تفسير : كرر النهي عن اتخاذ الأيمان {دخلاً بينكم} تهمماً بذلك ومبالغة في النهي عنه، لعظم موقعه من الدين وتردده في معاشرات الناس، و"الدخل" كما قلنا الغوائل الخدائع، وقوله {فتزل قدم بعد ثبوتها} استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط لأن القدم إذا زلت نقلت الإحسان من حال خير إلى حال شر، ومن هذا المعنى قول كثير: شعر : فلما توافينا ثبت وزلت تفسير : أي تنقلت من حال إلى حال، فاستعار لها الزلل، ومنه يقال لمن أخطأ في شيء: زل فيه، ثم توعد بعد بعذاب في الدنيا و {عذاب عظيم} في الآخرة، وقوله {بما صددتم عن سبيل الله} يدل على أن الآية فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله {ولا تشتروا بعهد الله} الآية، هذه آية نهي عن الرشا وأخذ الأموال على فعل ما يجب على الأخذ أو تركه، أو فعل ما يجب عليه تركه، فإن هذه هي التي عهد الله إلى عباده فيها، فمن أخذ على ذلك مالاً فقد أعطى عهد الله وأخذ قليلاً من الدنيا، ثم أخبر تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة ومواهب الآخرة خير لمن اتقى وعلم واهتدى، ثم بين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عنها، ومنن الآخرة باقية دائمة، وقرأ ابن كثير وعاصم "ولنجزين" بنون، وقرأ الباقون "وليجزين" بالياء ولم يختلفوا في قوله {ولنجزينهم} أنه بالنون، كذا قال أبو علي، وقال أبو حاتم: إن نافعاً روي عنه "وليجزينهم" بالياء، و{صبروا} معناه عن الشهوات وعلى مكاره الطاعة وهذه إشارة إلى الصبر عن شهوة كسب المال بالوجوه المذكورة، وقوله {بأحسن} أي بقدر أحسن ما كانوا يعملون، وقوله {من عمل صالحاً} يعم جميع أعمال الطاعة، ثم قيده بالإيمان، واختلف الناس في {الحياة الطيبة} فقال ابن عباس والضحاك: هو الرزق الحلال، وقال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هي القناعة وهذا طيب عيش الدنيا، وقال ابن عباس أيضاً: هي السعادة، وقال الحسن البصري: "الحياة الطيبة" هي حياة الآخرة ونعيم الجنة. قال القاضي أبو محمد: وهناك هو الطيب على الإطلاق، ولكن ظاهر هذا الوعد أنه في الدنيا، والذي أقول: إن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونيلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذ، فبهذا تطيب حياتهم وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال وصحة، أو قناعة فذلك كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب وجاء قوله {فلنحيينه} على لفظ {من}، وقوله {ولنجزينهم} على معناها، وهذا وعد بنعيم الجنة، وباقي الآية بين، وحكى الطبري عن أبي صالح أنه قال: نزلت هذه الآية بسبب قوم من أهل الملل تفاخروا، وقال كل منهم ملتي أفضل، فعرفهم الله تعالى في هذه الآية أفضل الملل.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ...} الآية: «الدَّخَل»؛ كما تقدَّم: الغوائلُ والخدائعُ، وكرَّر مبالغةً، قال الثعلبيُّ: قال أبو عُبَيْدة: كلُّ أمْرٍ لم يكنْ صحيحاً فهو دَخَل انتهى. وقوله: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } استعارةٌ للمستقيم الحال يقع في شرٍّ عظيم. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً...} الآية: هذه آية نهي عن الرُّشَا، وأخْذِ الأموال، ثم أخبر تعالى أنَّ ما عنده مِنْ نعيمِ الجنَّة، ومواهب الآخرة خَيْرٌ لمن اتقى وعَلِمَ وٱهتدى، ثم بيَّن سبحانه الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة، بأنَّ هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عَنْها، ومِنَنْ الآخرةِ باقيةٌ دائمةٌ، و{صَبَرُواْ} معناه عن الشهوات وعلى مكاره الطاعاتِ، وهذه إشارةٌ إلى الصبر عن شَهْوَةِ كَسْب المال بالوجوهِ المكْرُوهة. واختلف النَّاسُ في معنى «الحياة الطَّيِّبة» فقال ابن عباس: هو الرزقُ الحَلاَل وقال الحسن وعلي بن أبي طالب: هي القناعة. قال * ع *: والذي أقولُ به أنَّ طِيبَ الحياةِ اللازمَ للصالحين إِنما هو بنَشَاطِ نفوسهم ونُبْلها وقُوَّةَ رَجَائِهم، والرَّجَاءُ للنَّفْس أمرٌ مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عَنْهم، فإِن انَضَافَ إِلى هذا مَالٌ حلالٌ، وصِحَّةٌ أو قناعةٌ، فذلك كمالٌ، وإِلا فالطِّيبُ فيما ذكرناه رَاتِبٌ. وقوله سبحانه: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} الآية: وعْدٌ بنعيمِ الجنَّة. قال أبو حَيَّان: وروي عن نافع: «ولَيَجْزِيَنَّهُمْ» بالياء؛ التفاتاً من ضمير المتكَلِّم إِلى ضمير الغَيْبة، وينبغي أنْ يكون على تقدير قسَمٍ ثانٍ لا معطوفاً على «فَلَنُحْيِيَنَّهُ»، فيكون مِنْ عطف جملةٍ قَسَمِيَّة على جملةٍ قَسَمِيَّة، وكلتاهما محذوفةٌ، وليس من عطفِ جوابٍ، لتغاير الإسناد. انتهى.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} تصريحٌ بالنهي عنه بعد التضمين تأكيداً ومبالغةً في بـيان قبحِ المنهيِّ عنه وتمهيداً لقوله سبحانه: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ} عن مَحَجّة الحق {بَعْدَ ثُبُوتِهَا} عليها ورسوخِها فيها بالإيمان، وإفرادُ القدم وتنكيرُها للإيذان بأن زلَلَ قدمٍ واحدة ـ أيَّ قدمٍ كانت عزّت أو هانت ـ محذورٌ عظيم فكيف بأقدام كثيرة {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوء} أي العذابَ الدنيوي {بِمَا صَدَدتُّمْ} بصدودكم أو بصدّكم غيرَكم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذين ينتظم الوفاءَ بالعهود والأيمان، فإن من نقض البَـيعةَ وارتدّ جَعل ذلك سنةً لغيره {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} أي لا تأخذوا بمقابلة عهدِه تعالى وبَـيعةِ رسوله عليه السلام أو آياتِه الناطقة بإيجاب المحافظةِ على العهود والأيمان {ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا تستبدلوا بها عرَضاً يسيراً وهو ما كانت قريشٌ يعِدّون ضعفةَ المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد من حُطام الدنيا {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ} عز وجل من النصر والتنعيم والثوابِ الأخرويّ {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} مما يعِدونكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن كنتم من أهل العلمِ والتميـيزِ، وهو تعليلٌ للنهي على طريقة التحقيقِ كما أن قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ} تعليلٌ للخيرية بطريق الاستئنافِ أي ما تتمتعون به من نعيم الدنيا وإن جل بل الدنيا وما فيها جميعاً {يَنفَدُ} وإن جمّ عددُه، وينقضي وإن طال أمدُه {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من خزائن رحمتِه الدنيوية والأخروية {بَاقٍ} لا نفادَ له، أما الأخرويةُ فظاهرةٌ وأما الدنيويةُ فحيث كانت موصولةً بالأخروية ومستتبِعةً لها فقد انتظمت في سِمْط الباقيات. وفي إيثار الاسمِ على صيغة المضارعِ من الدلالة على الدوام ما لا يخفى، وقوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ} بنون العظمة على طريقة الالتفاتِ تكريرُ الوعد المستفادِ من قوله تعالى: {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} على نهج التوكيدِ القسميِّ مبالغةٌ في الحمل على الثبات في الدين، والالتفاتُ عما يقتضيه ظاهرُ الحال من أن يقال: ولنجزينكم أجركم بأحسن ما كنتم تعملون، للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والإشعارِ بعليتها للجزاء أي والله لنجزين {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} على أذية المشركين ومشاقِّ الإسلام التي من جملتها الوفاءُ بالعهود والفقرُ، وقرىء بالياء من غير التفاتٍ {أَجْرَهُمْ} مفعولٌ ثانٍ لنجزين أي لنُعطِينّهم أجرَهم الخاصَّ بهم بمقابلة صبرِهم على ما مُنوا به من الأمور المذكورة {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لنجزينهم بما كانوا يعملونه من الصبر المذكورِ، وإنما أضيف إليه الأحسنُ للإشعار بكمال حسنِه كما في قوله سبحانه: { أية : وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَخِرَةِ} تفسير : [آل عمران، الآية 148] لا لإفادة قصرِ الجزاءِ على الأحسن منه دون الحسَن، فإن ذلك مما لا يخطر ببال أحد، لا سيما بعد قوله تعالى: {أَجْرَهُمْ} و{لنجزينهم} بحسب أحسنِ أفرادِ أعمالِهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفردِ الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيه بمقابلة الفردِ الأعلى منها من الأجر الجزيلِ لا أنا نُعطي الأجر بحسب أفرادِها المتفاوتةِ في مراتب الحسن بأن نجزيَ الحسنَ منها بالأجر الحسَنِ والأحسنَ بالأحسن. وفيه ما لا يخفى من العُهدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزَعٍ، ونظمِه في سلك الصبر الجميل، أو لنجزينهم بجزاءٍ أحسنَ من أعمالهم. وأما التفسيرُ بما ترجح فعلُه من أعمالهم كالواجبات والمندوبات أو بما ترجح تركُه أيضاً كالمحرمات والمكروهات دلالةً على أن ذلك هو المدارُ للجزاء دون ما يستوي فعلُه وتركُه كالمباحات، فلا يساعده مقامُ الحثِّ على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنةِ المخصوصة والترغيبِ في تحصيل ثمراتها، بل التعرضُ لإخراج بعض أعمالِهم عن مدارية الجزاءِ من قبـيل تحجيرِ الرحمةِ الواسعة في مقام توسيعِ حِماها.
القشيري
تفسير : أَبعَدَكُم عَدَمُ صِدْقِكم في إِيمانِكم عن تحقُّقكم ببرهانكم، لأنكم وقفتم على حَدِّ التردد دون القطع والتعيين، فأفضى بكم تردُّدُكم إلى أوطانِ شِرْكِكُم، إذ الشكُّ في الله والشِّركُ به قرينان في الحُكْم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تتخذوا ايمانكم دخلا بينكم} مكرا وغدرا {فنزل} [بلغزد] نصب فى جواب النهى {قدم} اى اقدامكم ايها المؤمنون عن محجة الحق {بعد ثبوتها} عليها ورسوخها فيها بالايمان وافراد القدم وتنكيرها للايذان بان زلل قدم واحدة اى قدم كانت عزت او هانت محذور عظيم فكيف باقدام كثيرة {وتذوقوا السوء} أى العذاب الدنيوى {بما صددتم} بصدودكم وخروجكم او بصدكم ومنعكم غيركم {عن سبيل الله} الذى ينتظم الوفاء بالعهود والايمان فان من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره {ولكم} فى الآخرة {عذاب عظيم} شديد.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير، وعاصم {ولنجزين الذين صبروا} بالنون. الباقون بالياء. من قرأ بالنون فحجته إِجماعهم على قوله {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} أنه بالنون. ومن قرأ بالياء، فلقوله {وما عند الله باق} وليجزين الله الذين صبروا. نهى الله عباده المكلفين ان يتخذوا ايمانهم دخلاً بينهم، وقد فسرنا معنى دخلاً، وبيّن تعالى انه متى خالفوا ذلك زلت اقدامهم بعد ثبوتها، وهو مثل ضربه الله، والمعنى أنهم يضلّ بعد ان كان على الهدى. وقال قوم: الآية نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام والنصرة، نهوا عن نقض عهده، وترك نصرته. وقوله: {وتذوقوا السوء} يعني العذاب، جزاء على معاصيكم وما صددتم عن اتباع سبيل الله، ولكم مع ذلك عذاب عظيم تعذبون به. ثم نهاهم، فقال: {ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً} أي لا تخالفوا عهد الله بسبب شيء يسير تنالونه من حطام الدنيا، فيكون قد بعتم ما عند الله بالشيء الحقير، وبيّن ان الذي عند الله هو خير، وأشرف لكم إِن كنتم تعلمون حقيقة ذلك وتحققونه، ثم قال: إِن الذي عند الله لا ينفد، هو باق، والذي عندكم من نعيم الدنيا ينفد ويفنى، ثم أخبر بأنه يجزي الصابرين على بلائه وجهاد اعدائه أجرهم وثوابهم {بأحسن ما كانوا يعملون} وإِنما قال بأحسن ما كانوا، لأن احسن أعمالهم هو الطاعة لله تعالى، وما عداه من الحسن مباح ليس بطاعة، ولا يستحق عليه أجر ولا حمد، وذلك يدل على فساد قول من قال: لا يكون حسن احسن من حسن.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} تصريح بالنّهى بعد الاشارة اليه تأكيداً واشعاراً بعظمة قبح ذلك {فَتَزِلَّ قَدَمٌ} عن الايمان {بَعْدَ ثُبُوتِهَا} بالبيعة وافراد القدم مع اقتضاء العبارة جمعها للاشعار بانّ البائع له اقدام ثابتة فى مراتب الاسلام والايمان ولو زلّت قدم منها فكأنّما زلّت جميع الاقدام {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ} فى الدّنيا {بِمَا صَدَدتُّمْ} اهل الارض واهل مملكتكم فانّ الفاسد يفسد غيره لا محالة والنّاكث يمنع جميع مداركه وقواه {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} التّكوينىّ الّذى هو طريق القلب والتّكفليفىّ الّذى هو طريق الولاية والآخرة {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فى الآخرة قد كثرت الاخبار من طريق الخاصّة فى تفسير الآيات من قوله تعالى واوفوا بعهد الله الى قوله ولنجزينّهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون بولاية علىّ (ع) ونزولها حين قال النّبىّ (ص): "حديث : سلّموا على علىّ (ع) بامرة المؤمنين" تفسير : وامرهم بالبيعة معه.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} كرر النهى عن اتخاذ الإِيمان تأْكيدا عليهم ومبالغة فى تقبيح ذلك وتعظيم أمره ولكن بين النهيين مخالفة فالأَول بالتضمين والعرض لأَنه ذكر اتخاذ الإِيمان دخلا فى الكلام الأَول بعبارة تجعل حالا مما تسلط عليه النهى كما مر والثانى بالتصريح والذات لإِدخال ذات النهى على مادة الاتخاذ وذلك من باب الترقى فمن لم ينتبه بالأَول تنبه بالثانى ومن تنبه به ازداد بالثانى ورسخ فيه وقيل الأَول فى نقض مطلق العهد والإِيمان والثانى فى نقض بيعة الإِسلام بعد الدخول فيه والسياق اللاحق أنسب به وهو زلل القدم بعد الثبوت وذوق السواء بالصد عن سبيل الله عز وجل وثبوت العذاب العظيم كما قال. {فَتَزِلَّ} تزلق {قَدَمٌ} عن طريقة الإِسلام الواضحة والمراد فتزل أقدامكم بالجمع والتعريف بالإِضافة ولكن أفرد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بزلق قدمى الإِنسان معاً أو على أن من زلقت له قدم واحدة لا ينتفع بالأُخرى فى نفس ذلك الزلق فكيف يزلق قدمين أو على أن هلاك الإِنسان واحد أمر عظيم فكيف بجمع عظيم. {بَعْدَ ثُبُوتهَا} على طريقة الإِسلام الواضحة شبه الخروج إِلى النفاق والشرك عن الإِسلام بزلق القدم فى نحو الأَرض المبتلة التى تزلق الأَقدام والعرب تقول لمن وقع فى بلاء بعد عافية زلت قدمه {وَتَذُوقُوا السُّوءَ} وقرىء بفتح السين وإِسكان الواو حياً أى العذاب فى الدنيا بالقتل والسلب والغنيمة، {بِمَا صَدَدتُّمْ} ما مصدرية أى بصدكم أى بإِعراضكم وبمنعكم غيركم {عَن سَبِيلِ اللهِ} الذى هو الإِسلام أو الوفاء بالعهد والإِيمان ومن نقض عهد الإِسلام فقد جعل النقض سنة لغيره {وَلَكُمْ} فى الآخرة، {عَذَابٌ عَظِيمٌ} على زلل القدم زين الشيطان نعوذ بالله منه لقوم أسلموا بمكة أن ينقضوا عهد الإِسلام لجزعهم من غلبة قريش واستضعاف المسلمين وإِيذائهم ولما يعدهم قريش على النقض ويوعدونهم على الوفاء فثبتهم الله عز وجل بذلك والله أعلم. قدم وفد كنده وحضرموت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبايعوه على الإِسلام وإِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة ولم يهاجروا فيما قيل ولعله قبل نزول فرض الهجرة لما ظهر أن المراد لم يهاجروا من بلادهم ثم "حديث : إِن رجلا من حضرموت قام فتعلق برجل من كندة يقال له امرؤ القيس. فقال يا رسول الله: إِن هذا جاورنى فى أرضى فقطع طائفة منها فأدخلها فى أرضه. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل لك بينة على ما تزعم. فقال له: القوم كلهم يعلمون أنى صادق وأنه كاذب ولكنه أكرم عندهم عنى. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا امرؤ القيس ما يقول هذا. قال: ما يقول إلا الباطل. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقم فاحلف بالله الذى لا إِله إِلا هو، ما له قبلك شىء مما يقال وإِنه لكاذب فيما يقول. قال: نعم. قال الحضرمى: يا رسول الله إِنه رجل فاجر لا يبالى بما حلف عليه. فقال: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِنه من قطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة أتى الله وهو عليه ساخط، فقام امرؤ القيس يحلف فنزل قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ} تفسير : أى بالحلف بالله جل جلاله، {ثَمَناً} عرضاً محرما من الدنيا وسماه ثمناً لأَنه يكون فى الجملة ثمناً وأشار به إِلى الأَرض التى اقتطعها امرؤ القيس إِشارة وشمل غيرها وفى الآية دلالة على أن كل ثمن يصح تسميته مثمناً من حيث أنه أطلق فى الآية الشراء عليه. {قَلِيلاً} أشار إِلى أن الدنيا كلها قيل فأَيا ما اشترى أحد منها بالعهد فقد اشترى قليلا ولو عظم فى العيون القلوب، {إِنَّمَا عِندَ اللهِ} من الخير فى الآخرة لمن اتقى الله وفى الدنيا {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} مما تتوصلون إِليه باليمين أو غيرها وهو حرام، {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تميزون المصالح من المضار وفضل ما بين العوضين. {مَا عِندَكُمْ} من أموال الدنيا. {يَنفَدُ} ينقضى، {وَمَا عِنْدَ اللهِ} فى الآخرة، {بَاقٍ} لا ينقضى أو ما عنده فى الدنيا باق بمعنى أن خزائنه لا تنفد والجملتان تعليل للحكم السابق، {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا} على طاعة الله والمصائب من ضيق العيش وغيره وعن المعاصى وقرأ أبو كثير وعاصم بالنون وكذا روى النقاش عن الأَخفش عن ابن ذكوان قال أبو عمرو الدانى هو وهم لأَن الأَخفش ذكر ذلك عنه فى كتابه بالياء {أَجْرَهُم} مفعول ثان على تقدير الباء أو تضمين يجزى معنى يوفى أو يعطى {بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أى بحسنه ويعفو عن قبيحه أو يجزيه بأَحسنه الذى يكون جزاؤه أعظم شىء فكيف لا يجازيه بحسنه الذى هو دون ذلك فى الجزاء أو يجازيه على حسناته كلها بجزاء أحسنها قيل أو بجزاء أحسن من أعمالهم فقام الأَشعث بن قيس فأَخذ بمنكب امرىء القيس فقال ويلك يا امرؤ القيس إِنه قد نزلت آيتان فيك وفى صاحبك خيرهما له والأُخرى لك وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث : من قطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقى الله وهو عليه ساخطتفسير : ، فأَقبل امرؤ القيس فقال: يا رسول الله ما أنزل فى؟ فتلا عليه الآيتين، فقال امرؤ القيس: أما ما عندى فينفد، وأما صاحبى فيجازى بأَحسن ما كان يعمل، اللهم إِنه لصادق فإِنى أشهد الله أنه صادق ولكنى والله ما أدرى ما بلغ ما يدعى من أرضه فى أرضى قد أصبتها منذ زمان فله ما أدعى فى أرضى ومثله معه فنزل قوله تعالى: {منْ عَمِلَ صَالِحاً} يتناول الذكر والأُنثى وإِنما ذكرها بقوله: {مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} دفعاً لتخصيص الذكر لأَنه المطابق للفظ ومبالغة فى تقرير الوعد وتعميمه، {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} مخرج للكافر فإِنه لا يثاب على عمله الصالح فى الآخرة بل فى الدنيا فقط ويخفف عنه العذاب به فى الآخرة بعض تخفيف فيما قيل فدركات الكفار مختلفة كما روى قومنا من تخفيف عذاب أى طلب بالنسبة إِلى غيره أنه فى النار إِلى كعبه أو أن نعليه من ناراً أو أن تحت رجليه جمرتين. وروى أن أبا لهب أثيب بأَن يسقى فى النار بنقرة الأَيهم لعتقه أمة لما بشر بولادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولعل مثل هذه الإِثابة للمشرك مختصة به ـ صلى الله عليه وسلم ـ {فَلَنُحْيِيَنَّهُ} الفاء رابطة لجواب الشرط ولنحيينه جواب قسم محذوف والقسم وجوابه جواب الشرط أى فو الله لنحيينه {حَيَٰوةً طَيِّبَةً} فى الدنيا بالقناعة وذهاب ضيق الصدر وبالرزق الحلال كثيراً وقل {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} فى الآخرة عطف على لنحيينه واختار أبو حبان أنه جواب قسم مقدر والقسم المقدر معطوفان على القسم المقدر وجوابه لأَنه بالياء التفاتاً ونحيينه بالنون وقرأ عاصم وابن كثير ولنجزينه بالنون أيضاً {أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فقال امرؤ القيس: إِلى هذه يا رسول الله، فكبر وحمد الله وشكره، وقيل إِن الآيات الثلاث متصلات بما قبلهن من النهى عن نقض العهد واليمين على العموم أى لا تشتروا بنقض عهد الله أو لا تستبدلوا بعهد الله ثمناً قليلا، مثل ما كانت قريش تعده لمن نقض بيعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِنما عند الله من نصر وتغنيم فى الدنيا وثواب فى الآخرة خير لكم مما تعده على النقض وعرض الدنيا فإِن بأسره وليجزين الله من صبر على أذى الكفار ومشاق التكليف. قال سعيد بن جبير، وعطاء وابن عباس فى رواية عنه: الحياة الطيبة الرزق الحلال، وقال الحسن وعلى بن أبى طالب: القناعة، وقال مجاهد وقتادة: حياة الجنة، ورواه عوف عن الحسن، وقال لا تطيب حياة إِلا فيها غنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلاك وسعادة بلا شقاوة، وقال السدى: حياة القبر، لأَن المؤمن يستريح فيه من نكد الدنيا، وقال مقاتل: العيش فى الطاعة، وقيل: حلاوة الطاعة والتوفيق فى قلبه، وقيل رزق يوم بيوم، واعلم أن طيب حياة الصالحين إِنما هو بنشاط نفوسهم ونبلهم وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذ، فبهذا طابت حياتهم وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم ولو كانوا فقراء لرضاهم بالقسم وقناعتهم ورجاؤهم ثواب الآخرة فإِن كانوا أغنياء زاد طيب إِلى طيب، بخلاف الكافر فإِنه لا يرجو ثواب الآخرة، ولا يرضى بالقسم فإِن كان غنياً لم يتركه حرصه أن يتهنا بعيشه، وإِن كان فقيراً ازداد تنغصاً إِلى تنغص، روى أحمد والحاكم عن أبى موسى الأَشعرى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى"تفسير : ، ولما كانت القراءة من العمل الصالح بل أعظمه، ذكرها عقب ذكر العمل الصالح وذكر الاستعاذة عقبه أيضاً، بذلك ولتسلم القراءة من الوساوس بأن أمر نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يسأَل الله أن يمنعه من وسواس الشيطان وذلك السؤال هو معنى الاستعاذة فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ}.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ} ليس تأكيداً لقوله: تتخذون أيمانكم دَخَلا بينكم، لأن الأول عاب الله به عليهم عيباً، والثانى تصريح بما تضمنه العيب، فلو قلت أنت تسرق لا تسرق، لكان الثانى نهياً عما عابه من السرقة، لا تأكيداً، والعيب بالشئ يتضمن النهى عنه، فإذا نهيت بعد العيب فقد صرحت بالمضمون وأيضا الثانى على العموم فى البيعة والمال وسائر الحقوق وغير ذلك، والأول فى أن تكون أمة هى أنه أربى من أمة، ودعوى أنه الثانى عمله. ووجه تسمية بعض له تأكيداً أنه يؤخذ من الأول، مع أخذه منه صرح به ولا تعارض ذلك بقوله تعالى: {فتزل} إذ لا مانع من أن يقال فتنزل عما كان عليه قبل من الوفاء بالبيعة وسائر حقوق الإسلام، وليس صوابًا أن تقول العام بعد الخاص تكرير إلا بمعنى أن الخاص فى ضمن العام، وكذا فى العكس، ومن نفى التكرير أراد أنه ليس أحدهما عين الآخر. {فَتَزِلَّ} عن الإسلام أو عنه وعن سائر حقوقه كما مر آنفا. {قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} عليه، وأفرد القوم باعتبار كل فرد فى قوله لا تتخذوا، كأنه قيل: لا تتخذ يا زيد يمينك دخلا مع صاحبك فتزل قدمك، ولا تتخذ يا عمرو إلخ، وهكذا أو يقدر فتزل كل قدم منكم، وذلك أولى من دعوى استعمال النكرة على العموم الاستغراقى فى الإثبات، وأما ما قيل إِنه أفرد تلويحًا بأن زلة قدم واحدة أمر عظيم، كيف بأقدام كثيرة، فإنما أفاد نكتة وعظية لا قاعدة عربية، ولا يقبل فى التفسير ما لم يكن على القاعدة العربية، إذ لا يلزم أن الزلل لقدم واحدة حتى يبنى عليه، أن يقال فكيف أقدام، بل المقام لزلل القدم، هكذا أفردت أرغمت. {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} تنالوا بإعراضكم عن سبيل الله، أو يمنعكم غيركم عنه العذاب فى الدنيا بالقتل، وما دونه، وذلك بألسنتكم، وبفعلكم فإنه من نقض البيعة، وأريد جعل ذلك سنة لغيره، وذلك منع بالفعل، وإذا قال لغيره انقضها فذلك صد بلسانه، وأما عذاب الآخرة ففى قوله: {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فى الآخرة.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} قالوا هو تصريح بالنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً بعد التضمين لأن الاتخاذ المذكور فيما سبق وقع قيداً للمنهي عنه فكان منهياً عنه ضمناً تأكيداً ومبالغة في قبح النهي عنه وتمهيداً لقوله تعالى: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ} عن محجة الحق {بَعْدَ ثُبُوتِهَا} عليها ورسوخها فيها بالإيمان، وقيل ما تقدم كان نهياً عن الدخول في الحلف ونقض العهد بالقلة والكثرة وما هنا نهي عن الدخل في الأيمان التي يراد بها اقتطاع الحقوق فكأنه قيل: لا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم لتتوصلوا بذلك إلى قطع حقوق المسلمين. وقال أبو حيان: ((لم يتكرر النهي فإن ما سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلاً معللاً بشيء خاص وهو أن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي المستأنف الإنشائي عن اتخاذ الأيمان دخلاً على العموم فيشمل جميع الصور من الحلف في المبايعة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك)). ورد بأن قيد المنهي عنه منهي عنه فليس إخباراً صرفاً/ ولا عموم في الثاني لأن قوله تعالى: {فَتَزِلَّ} الخ إشارة إلى العلة السابقة إجمالاً على أنه قد يقال: إن الخاص مذكور في ضمن العام أيضاً فلا محيص عن التكرار أيضاً ولو سلم ما ذكره فتأمل. ونصب ـ تزل ـ بأن مضمرة في جواب النهي لبيان ما يترتب عليه ويقتضيه، قال في «البحر» وهو استعارة للوقوع في أمر عظيم لأن القدم إذا زلت انقلب الإنسان من حال خير إلى حال شر، وتوحيد القدم وتنكيرها ـ كما قال الزمخشري ـ للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام [كثيرة]، وقال أبو حيان: ((إن الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع وتارة يلحظ فيه [اعتبار] كل فرد فرد وفي الأول يكون الإسناد معتبراً فيه الجمعية وفي الثاني يكون الإسناد مطابقاً للفظ الجمع كثيراً فيجمع ما أسند إليه ومطابقاً لكل فرد فيفرد كقوله تعالى: {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ } تفسير : [يوسف: 31] فأفرد المتكأ لما لوحظ في {لَهُنَّ} كل واحدة منهن ولو جاء مراداً به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع وعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله:شعر : فإني وجدت الضامرين متاعهم يموت ويفنى فارضخي من وعائيا تفسير : أي كل ضامر، ولذا أفرد الضمير في يموت ويفنى، ولما كان المعنى هنا لا يتخذ كل واحد منكم جاء {فَتَزِلَّ قَدَمٌ} مراعاة لهذا المعنى، ثم قال سبحانه: {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوء} مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير إذا قلنا: إن الإسناد لكل فرد فرد فتكون الآية قد تعرضت للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً باعتبار المجموع وباعتبار كل فرد ودل على ذلك بإفراد {قَدَمٌ} وجمع الضمير في {وَتَذُوقُواْ})). وتعقب بأن ما ذكره الزمخشري نكتة سرية وهذا توجيه للإفراد من جهة العربية فلا ينافي النكتة المذكورة، والمراد من السوء العذاب الدنيوي من القتل والأسر والنهب والجلاء غير ذلك مما يسوء ولا يخفى ما في {تذوقوا} من الاستعارة {بِمَا صَدَدتُّمْ} بسبب صدودكم وإعراضكم أو صد غيركم ومنعه {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي ينتظم الوفاء بالعهود والأيمان فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره يتبعه فيها من بعده من أهل الشقاء والإعراض عن الحق فيكون صاداً عن السبيل. وجعل هذا بعضهم دليلاً أن الآية فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى {وَلَكُمْ} في الآخِرَةِ {عَذَابٌ عَظِيمٌ} لا يعلم عظمه إلا الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : لما حذّرهم من النّقض الذي يؤول إلى اتخاذ أيمانهم دخلاً فيهم، وأشار بالإجمال إلى ما في ذلك من الفساد فيهم، أعاد الكرّة إلى بيان عاقبة ذلك الصنيع إعادة تفيد التصريح بالنهي عن ذلك، وتأكيد التحذير، وتفصيل الفساد في الدنيا، وسوء العاقبة في الآخرة، فكان قوله تعالى: {ولا تتخذوا} تصريحاً بالنهي، وقوله تعالى: {تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم} تأكيداً لقوله قبله: {أية : تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم} تفسير : [سورة النحل: 92]، وكان تفريع قوله تعالى: {فتزل قدم} إلى قوله: {عن سبيل الله} تفصيلاً لما أجمل في معنى الدَخَل. وقوله تعالى: {ولكم عذاب عظيم} المعطوف على التفريع وعيد بعقاب الآخرة. وبهذا التّصدير وهذا التّفريع الناشىء عن جملة {ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم} فارقت هذه نظيرتَها السابقة بالتفصيل والزيادة فحقّ أن تعطف عليها لهذه المغايرة وإن كان شأن الجملة المؤكدة أن لا تعطف. والزّلل: تزلّق الرّجل وتنقّلها من موضعها دون إرادة صاحبها بسبب ملاسة الأرض من طين رطب أو تخلخل حصى أو حجر من تحت القدم فيسقط الماشي على الأرض. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فأزّلهما الشيطان عنها} تفسير : في سورة البقرة (36). وزلل القدم تمثيل لاختلال الحال والتعرّض للضرّ، لأنه يترتّب عليه السقوط أو الكسر، كما أن ثبوت القدم تمكّن الرّجل من الأرض، وهو تمثيل لاستقامة الحال ودوام السير. ولما كان المقصود تمثيل ما يجرّه نقض الأيْمان من الدخل شبّهت حالهم بحال الماشي في طريق بينما كانت قدمه ثابتة إذا هي قد زلّت به فصرع. فالمشبه بها حال رجل واحد، ولذلك نكرت {قدم} وأفردت، إذ ليس المقصود قدماً معيّنة ولا عدداً من الأقدام، فإنك تقول لجماعة يترددون في أمر: أراكم تقدّمون رجلاً وتؤخّرون أخرى. تمثيلاً لحالهم بحال الشخص المتردّد في المشي إلى الشيء. وزيادة {بعد ثبوتها} مع أن الزّلل لا يتصوّر إلا بعد الثبوت لتصوير اختلاف الحالين، وأنه انحطاط من حال سعادة إلى حال شقاء ومن حال سلامة إلى حال محنة. والثبوت: مصدر ثبت كالثّبات، وهو الرسوخ وعدم التنقّل، وخصّ المتأخرون من الكتاب الثبوت الذي بالواو بالمعنى المجازي وهو التحقّق مثل ثبوت عدالة الشاهد لدى القاضي، وخصّوا الثبات الذي بالألف بالمعنى الحقيقي وهي تفرقة حسنة. والذّوق: مستعار للإحساس القويّ كقوله تعالى: {أية : ليذوق وبال أمره}. تفسير : وتقدم في سورة العقود (95). والسّوء: ما يؤلم. والمراد به: ذوق السوء في الدنيا من معاملتهم معاملة الناكثين عن الدين أو الخائنين عهودهم. و{صددتم} هنا قاصر، أي بكونكم معرضين عن سبيل الله. وتقدّم آنفاً. ذلك أن الآيات جاءت في الحفاظ على العهد الذي يعاهدون الله عليه، أي على التمسّك بالإسلام. فسبيل الله: هو دين الإسلام. وقوله تعالى: {ولكم عذاب عظيم} هو عذاب الآخرة على الرجوع إلى الكفر أو على معصية غدْر العهد. وقد عصم الله المسلمين من الارتداد مدة مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة. وما ارتدّ أحد إلا بعد الهجرة حين ظهر النفاق، فكانت فلتة عبد الله بن سعد بن أبي سرح واحدة في المهاجرين وقد تاب وقبل توبته النبي صلى الله عليه وسلم
الواحدي
تفسير : {ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم فتزلَّ قدمٌ بعد ثبوتها} تزلّ عن الإِيمان بعد المعرفة بالله تعالى، وهذا إنَّما يستحقُّ في نقض معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرة الدِّين {وتذوقوا السوء} العذاب {بما صَدَدتُم عن سبيل الله} وذلك أنَّهم إذا نقضوا العهد لم يدخل غيرهم في الإِسلام، فيصير كأنهم صدُّوا عن سبيل الله وعن دين الله.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 94- ولا تسلكوا سبيل الغدر، فتتخذوا الأيمان سبيلاً للتغرير والخديعة، فإنه بسبب ذلك تزل الأقدام فتبتعدوا عن المحجة المستقيمة، ويكون فى ذلك إعراض عن سبيل اللَّه فى الوفاء، وتكونون قدوة سيئة فى الغدر، ويرى الناس فيكم صورة مشوهة للإسلام، فيعرضون عنه، وينزل السوء بكم فى الدنيا لعدم الثقة فيكم بسبب صدّكم عن طريق الحق وينزل بكم عذاب مؤلم شديد الإيلام. 95- ولا تستبدلوا بالوفاء بالعهود المؤكدة متاع الدنيا، فهو قليل مهما كان كثيرا، لأن ما عند اللَّه من جزاء المحافظين على العهد فى الدنيا، ومن نعيم الآخرة الدائم، خير لكم من كل ما يغريكم بنقض العهود، فتدبروا ذلك وافهموه إن كنتم من أهل العلم والتمييز بين الصالح وغير الصالح، ولا تفعلوا إلا ما فيه صلاح لكم فى دنياكم وأخراكم. 96- فإن ما عندكم - أيها الناس - من نعيم ينفد وينتهى مهما طال زمنه، وما عند اللَّه من نعيم الآخرة خالد لا ينقطع، ولنكافئن الذين صبروا على مشاق التكاليف بما وعدناهم به، من حسن الثواب المضاعف على أعمالهم، ينعمون به نعيما دائما فى الآخرة. 97- أن من عمل عملاً صالحا فى هذه الدنيا، سواء كان ذكراً أو أنثى مندفعا إلى هذا العمل الصالح بقوة الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فإننا لا بد أن نحييه فى هذه الحياة الدنيا حياة طيبة لا تنغيص فيها، تغمرها القناعة والرضا والصبر على مصائب الدنيا، والشكر على نعم اللَّه فيها، وفى الآخرة لا بد أن نجزى هذا الفريق من الناس حسن الثواب المضاعف على أعمالهم فى الدنيا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: دخلاً بينكم: أي لأجل الإفساد والخديعة. وتذوقوا السوء: أي العذاب. ما عندكم ينفد: يفنى وينتهي. وهو مؤمن: أي والحال أنه عندما عمل صالحاً كان مؤمناً، إذ بدون إيمان لا عمل يقبل. حياة طيبة: في الدنيا بالقناعة والرزق الحلال وفي الآخرة هي حياة الجنة. بأحسن ما كانوا يعملون: أي يجزيهم على كل أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب الأحسن فيها. معنى الآيات: ما زال السياق في تربية المؤمنين أهل القرآن الذي هو تبيان كل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وقال تعالى {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً} أي خديعة {بَيْنَكُمْ} لتتوصلوا بالأيمان إلى غرضٍ دنيوي سافل، {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} بأن يقع أحدكم في كبيرة من هذا النوع، يحلف بالله بقصد الخداع والتضليل فتذوقوا السوء في الدنيا بسبب صدكم عن سبيل الله من تعاهدونهم أو تبايعونهم وتعطونهم أيمانكم وعهودكم ثم تنقضوها فهؤلاء ينصرفون عن الإِسلام ويعرضون عنه بسبب ما رأوا منكم من النقض والنكث، وتتحملون وزر ذلك، ويكون لكم العذاب العظيم يوم القيامة. فإياكم والوقوع في مثل هذه الورطة، فاحذروا أن تزل قدم أحدكم عن الإِسلام بعد أن رسخت فيه. وقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وكل ما في الدنيا قليل وقوله تعالى إنما عند الله هو خير لكم قطعاً، لأن ما عندكُمْ من مالٍ أو متاعٍ ينفد أي يفنى، {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} لانفاذ له، فاذكروا هذا ولا تبيعوا الغالي بالرخيص والباقي بالفاني، وقوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ} على عهودهم {أَجْرَهُمْ} على صبرهم {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي يضاعف لهم الأجر فيعطيهم سائر أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب أفضلها وأكملها حتى يكون أجر النافلة، كأجر الفريضة وهذا وعد من الله تعالى لمن يصبر على إيمانه وإسلامه ولا يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، ووعدٌ ثان في قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} إلا أن أصحاب هذا الوعد هم أهل الإِيمان والعمل الصالح، الإِيمان الحق الذي يدفع إلى العمل الصالح، ولازم ذلك أنهم تخلوا عن الشرك والمعاصي، هؤلاء وعدهم ربهم بأنه يحييهم في الدنيا حياة طيبةً لا خبث فيها قناعة وطيب طعام وشراب ورضا، هذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة والجزاء يكون بحسب أحسن عمل عملوه من كل نوع، من الصلاة كأفضل صلاة وفي الصدقات بأفضل صدقة وهكذا. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وآتنا ما وعدتهم إنك برٌ رحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة اتخاذ الأيمان طريقاً إلى الغش والخديعة والإِفساد. 2- ما عند الله خير مما يحصل عليه الإِنسان بمعصيته الرحمن من حطام الدنيا. 3- عظم أجر الصبر على طاعة الله تعالى فعلاً وتركاً. 4- وعد الصدق لمن آمن وعمل صالحاً من ذكر وأنثى بالحياة الطبية في الدنيا والآخرة.
القطان
تفسير : ان تزل قدم بعد ثبوتها ان تقعوا في المحن والخطايا ما عندكم ينفد: ينتهي ولا يبقى. فاذا قرأت القرآن: فاذا اردت ان تقرأ القرآن. السلطان: التسلط. يتولونه: يطيعونه. {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. يؤكد الله تعالى على التمسّك بالعهود والأيمان، والمحافظة عليها، ويحذّر من نقضها واتخاذها سبيلاً للمكر والخديعة والتغرير بالناس، رجاء منفعة دنيوية زائلة. وفي هذه الآيات تهديد ووعيد لمن ترك الحق الى الباطل، والهدى الى الضلال. ثم اكد هذا التحذير بقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. لا تغرَّنَّكم الدنيا فتؤْثِروا منافعكم الخاصة بنقض العهود، فانّ متاعَ الدنيا قليل زائل، مهما كان كثيراً، وان ما عند الله من جزيل الأجر والثواب هو خيرٌ لكم من ذلك العَرَض القليل إن كنتم من ذوي العقول الراجحة. {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. ان كل ما عندكم زائل لا يبقى، وما عند الله من نعيم الآخرة خالد لا ينقطع، وسوف نكافئ الذين صبروا على مشاق التكليف بما وعدناهم، بثوابٍ احسن بكثير مما كانوا يعملون.. ينعمون به دائما في جنات عدن. قراءات: قرأ ابن كثير وعاصم: "ولنجزين" بالنون، والباقون "وليجزين" بالياء. ثم رغّب في المثابرة على أداء الطاعات والواجبات الدينية فقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. في هذه الآيات الكريمة حَضٌّ على العمل الصالح لجميع الناس ذكورا واناثا، وان العمل الصالح مع الايمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الدنيا، يحيا فيها مطمئنا في رعاية الله وعند الله في الآخرة له الجزاء الأوفى، والنصيب العظيم من الأجر والثواب. وقد كرر الله قوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} للترغيب في العمل الصالح. {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}. هنا يرشدنا الله تعالى الى ان الذي يحمي النفس من كل شر هو القرآن الكريم، فاذا اردت ايها المؤمن ان تقرأ القرآنَ فاستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، وبذلك تفوز بطيب الحياة في الدارَين. {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. إذا فعلت أيها المؤمن ما أمرك الله مخلصاً، حماك الله من الشيطان، لأنه لا تأثير له على الذين آمنوا بصدق، وعلى ربهم يتوكلون، واليه بقلوبهم يتوجهون. أما الفريق الثاني الذين يجعلون الشيطان وليَّهم، ويستسلمون له بشهواتهم ونزواتهم فهم الذين عناهم بقوله: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}. يعني أنهم اشركوا بسبب طاعتهم للشيطان وليِّ امرهم، وبسبب اغوائه لهم - بالله جلّ جلاله.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَيْمَانَكُمْ} (94) - وَلاَ تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ، التِي تَحْلِفُونَها فِيمَا تَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، خَدِيعَةً تَغُرُّونَ بِهَا النَّاسَ (دَخَلاً بَيْنَكُمْ) فَإِنَّكُمْ بِعَمَلِكُمْ هَذَا تَكُونُونَ قَدْ وَقَعْتُمْ فِي ثَلاَثٍ مِنَ المَحْضُورَاتِ: أ - أَنَّكُمْ تَضِلُّونَ وَتَبْتَعِدُونَ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى، بَعْدَ أَنْ رَسَخَتْ أَقْدَامُكُمْ فِيهَا (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا). ب - أَنَّكُمْ تَكُونُونَ قُدْوَةً سَيِّئَةً لِسِوَاكُمْ، وَتَسُنُّونَ سُنَّةً لِغَيْرِكُمْ فِيهَا صَدٌّ لِلنَّاسِ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ. جـ - أَنَّكُمْ سَتُعَاقَبُونَ عَلَى فِعْلِكُمْ هذا فِي الآخِرَةِ جَزَاءَ مَا اجْتَرَحْتُمْ مِنْ مُجَانَبَةِ الحَقِّ، وَالإِعْرَاضِ عَنْ أَهْلِهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً} خديعة وفساداً { بَيْنَكُمْ} يغرون بها الناس فتسكنون إلى إيمانكم ويأمنون ثمّ ينقضونها ويختلفون فيها {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} فتهلكوا بعد ما كنتم آمنين، والعرب تقول لكل مبتل بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلّت قدميه. كقول الشاعر: شعر : سيمنع منك السبق إن كنت سابقاً وتلطع إن زلت بك القدمان تفسير : {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ} العذاب { بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} يعني ولا تنقظوا عهودكم تطلبون بنقضها عوضاً قليلاً من الدنيا، ولكن أوفوا بها فإنما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فصل ما بين العوضين ثمّ بين ذلك {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ} بالنون عاصم. الباقون بالياء. {ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤا} على الوفاء في السرّاء والضراء {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} دون أسوأها ويغفر سيئاتهم بفضله {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} اختلفوا فيها: فقال سعيد بن جبير وعطاء والضحاك: هي الرزق الحلال، وهو رواية ابن أبي مالك وأبي الربيع عن ابن عبّاس. وقال الحسن وعلي وزيد ووهب بن منبّه: هي القناعة والرضا بما قسم الله، وهذه رواية عكرمة عن ابن عبّاس. وقال مقاتل بن حيان: يعني أحسن في الطاعة، وهي رواية عبيد بن سليم عن الضحاك، فقال: من يعمل صالحاً وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة فحياة طيبة. ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل عملاً صالحاً فمعيشة ضنك لا خير فيها. أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. الوالبي عن ابن عبّاس: هي السعادة، مجاهد وقتادة وابن زيد: هي الجنة، ومثله روي عن الحسن وقال: لا تطيب الحياة لأحد إلاّ في الجنة. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. قال أبو صالح: جلس ناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الأوثان، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} يعني فإذا كنت قارئاً للقرآن {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}. قال محمّد بن جرير، وقال الآخرون: مجازه: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ} تفسير : [المائدة: 6] الآية، أي الطهارة مقدمة على الصلاة، وقوله: و{أية : إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] معناها وإذا أردتم تطليق النساء لأنه محال أن يأمرهم بالتطليق المعين بعد ما مضى التطليق. وأما حكم الآية: فاعلم أن الاستعاذة عند قراءة القرآن مستحبة في الصلاة وغير الصلاة، هذا قول جماعة الفقهاء إلاّ مالكاً، فإنه لا يتعوذ إلاّ في قيام رمضان، واحتج بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وإنما تأويل هذا الحديث أنه كان يفتتح القراءة في الصلاة بالحمد لله رب العالمين، يدل عليه أن الصلاة تفتتح بالتكبير بلا خلاف على أن الخبر متروك الظاهر. ويدل على صحة ما قلنا حديث "حديث : جبير بن مطعم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي فقال: الله أكبر كبيراً والحمد لله وسبحان الله بكرة وأصيلاً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخة ونفثة وهمزة ". تفسير : وقال ابن مسعود: نفخة الكبر ونفثة الشعر وهمزة المرض يعني الجنون، فإذا تقرر هذا ثبت أن الخبر المتقدم متروك بالظاهر مأخوذ المعنى. واختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة: فقال أكثرهم: قبل القراءة، وهو قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور. وقال أبو هريرة: يتعوذ بعد القراءة وإليه ذهب داود بن علي. وقال مالك في الصلاة التي يتعوذ فيها وهي قيام رمضان: يتعوذ بعد القراءة واحتج بظاهر الآية، وقد بينّا وجهها، والدليل على أنها قبل القراءة، ماروى أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" تفسير : ثمّ يقرأ، وأما الكلام في محل الاستعاذة في الصلاة، فقد قال الشافعي: يقولها في أول الركعة، وقيل: إن قال حيث يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحسن ما يقرأ به في شيء من الصلاة كما أمره به في أول ركعة. هذا قول عامة الفقهاء. وقال ابن سيرين: يتعوذ في كل ركعة قبل القراءة. والصحيح المذهب الأوّل، لأن المروي في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتعوّذ إلاّ في الأولى، وأما صفتها وفي الصلاة فهي أن ينظر فإن كانت صلاة يسرّ فيها بالقراءة أسرّ فيها بالاستعاذة، وإن كانت يجهر فيها بالقراءة: فقال الشافعي في (الأم): روي أن أبا هريرة أمّ الناس رافعاً صوته: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، وكان ابن عمر يعوذ في نفسه. قال الشافعي: فإن شاء جهر بها وإن شاء أسرّ بها. قال الثعلبي: والاختيار الاخفاء ليفرّق بين ما هو قرآن وما هو ليس بقرآن. فأما لفظة الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لنص القرآن والخبر المتصل المتسلسل، وهو أني قرآت على الشيخ أبي الفضل محمّد بن أبي جعفر الخزاعي، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في المواضع كلّها فأني قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن بن محمّد بالبصرة فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على عبد الله أبي حامد الزنجاني فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على أبي عثمان إسماعيل بن إبراهيم الأهوازي فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على محمّد بن عبد الله بن بسطام فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على روح بن عبد المؤمن فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على يعقوب الحضرمي فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على سلام بن المنذر، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عاصم فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد الله بن مسعود فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: "حديث : يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ ". تفسير : قال ابن عجلان: وهكذا علمني أخي أحمد، وقال: هكذا علمني أخي، وقال: هكذا علمني وكيع بن الجراح، وقال: هكذا علمني سفيان الثوري. {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} حجة وولاية {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. قال سفيان: ليس له سلطان أن يحملهم على ذنب لا يغفر. {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} يطيعونه {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ} أي بالله {مُشْرِكُونَ}. وقال بعضهم: الكناية راجعة إلى الشيطان، ومجاز الكلام: الذين يسمعون قوله مشركون بالله، وهذا كما يقال: صار فلان بك عالماً، أي من أجلك وبسببك عالماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وردتْ كلمة الدّخَل في الآية قبل السابقة وقلنا: إن معناها: أن تُدخِلَ في الشيء شيئاً أدْنى منه من جنسه على سبيل الغشِّ والخداع، وإن كان المعنى واحداً في الآيتين فإن الآية السابقة جاءت لتوضيح سبب الدَّخَل وعَلّته، وهي أن تكون أُمة أَرْبى من أمة، ويكسب أحد الأطراف على حساب الآخر. أما في هذه الآية فجاءت لتوضيح النتيجة من وجود الدَّخَل، وهي: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ..} [النحل: 94]. ففي الآية نَهْيٌ عن اتخاذ الأَيْمان للغش والخداع والتدليس؛ لأن نتيجة هذا الفعل فساد يأتي على المجتمع من أساسه، وفَقْد للثقة المتبادلة بين الناس والتي عليها يقوم التعامل، وتُبنَى حركة الحياة، فالذي يُعطي عهداً ويُخلْفه، ويحلف يميناً ويحنث فيه يشتهر عنه أنه مُخلِف للعهد ناقض للميثاق. وبناءً عليه يسحب الناس منه الثقة فيه، ولا يجرؤ أحد على الصَّفَق معه، فيصبح مَهيناً ينفضُ الناس أيديهم منه، بعد أنْ كان أميناً وأهلاً للثقة ومَحَلاً للتقدير. هذا معنى قوله تعالى: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ..} [النحل: 94]. وبذلك يسقط حقُّه مع المجتمع، ويحيق به سوء فِعْله، ويجني بيده ثمار ما أفسده في المجتمع، وبانتشار هذا الخلُق السيئ تتعطّل حركة الحياة، وتضيع الثقة والأمانة. إذن: هذه زَلَّة وكَبْوة بعد ثبات وقوة، بعد أنْ كان أَهْلاً للثقة صاحب وفاء بالعهود والمواثيق يُقبِل عليه الناس، ويُحبُّون التعامل معه بما لديْه من شرف الكلمة وصِدْق الوعد، فإذا به يتراجع للوراء، ويتقهقر للخلف، ويفقد هذه المكانة. ولذلك نجد أهل المال والتجارة يقولون: فلان اهتزَّ مركزه في السوق أي: زَلَّتْ قدمه بما حدث منه من نقْضٍ للعهود، وحِنْث في الأيمان وغير ذلك مما لا يليق بأهل الثقة في السوق، ومثل هذا ينتهي به الأمر إلى أنْ يعلنَ إفلاسه في دنيا التعامل مع الناس. أما الوفاء بالعهود والمواثيق والأَيْمان فيجعل قدمك في حركة الحياة ثابتة لا تتزحزح ولا تهتزّ، فترى مال الناس جميعاً مالَه، وتجد أصحاب الأموال مقبلين عليك يضعون أموالهم بين يديك، بما تتمتع به من سمعة طيبة ونزاهة وأمانة في التعامل. ولذلك، فالتشريع الإسلامي حينما شرع لنا الشركة راعى هذا النوع من الناس الذي لا يملك إلا سمعة طيبة وأمانة ونزاهة ووفاء، هذا هو رأس مالهم، فإنْ دخل شريك بما لديْه من رأس المال، فهذا شريك بما لديْه من شرف الكلمة وشرف السلوك، ووجاهة بين الناس، وماضٍ مُشرِّف من التعامل. وهذه يسمونها "شركة الوجوه والأعيان" وهذا الوجيه في دنيا المال والتجارة لم يأخذ هذه الوجاهة إلا بما اكتسبه من احترام الناس وثقتهم، وبما له من سوابق فضائل ومكارم. وكذلك، قد نرى هذه الثقة لا في شخص من الأشخاص، بل نراها في ماركة من الماركات أو العلامات التجارية، فنراها تُبَاع وتُشْترى، ولها قيمة غالية في السوق بما نالتْه من احترام الناس وتقديرهم، وهذا أيضاً نتيجة الصدق والالتزام والأمانة وشرف الكلمة. وقوله تعالى: {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94]. السوء: أي العذاب الذي يسُوء صاحبه في الدنيا من مهانة واحتقار بين الناس، وكسَاد في الحال، بعد أنْ سقط من نظر المجتمع، وهدم جِسْر الثقة بينه وبين مجتمعه. وقوله تعالى: {بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [النحل: 94]. الحديث هنا عن الذين ينقضون العهود والأَيْمان ولا يُوفُونَ بها، فهل في هذا صَدٌّ عن سبيل الله؟ نقول: أولاً إن معنى سبيل الله: كل شيء يجعل حركة الحياة منتظمة تُدَار بشرف وأمانة وصِدْق ونفاذ عهد. ومن هنا، فالذي يُخلف العهد، ولا يفي بالمواثيق يعطي للمجتمع قدوة سيئة تجعل صاحب المال يضِنُّ بماله، وصاحب المعروف يتراجع، فلو أقرضتَ إنساناً وغدرَ بكَ فلا أظنُّك مُقرِضاً لآخر. إذن: لا شَكَّ أن في هذا صداً عن سبيل الله، وتزهيداً للناس في فعْل الخير. وقوله تعالى: {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94]. فبالإضافة إلى ما حاقَ بهم من خسارة في الدنيا، وبعد أنْ زَلَّتْ بهم القدم، ونزل بهم من عذاب الدنيا ألوانٌ ما زال ينتظرهم عذاب عظيم أي في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أكد تهديد الطالب الناكث بإعادة قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} [النحل: 94] أي: لا تتخذوا معاهدتكم مع المشايخ شبكة تصادون بها الدنيا، وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب بعد ثبوتها مدة عليه {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ} [النحل: 94] تجارة الدنيا والآخرة {بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النحل: 94] وطلبه متعرضاً إلى الدنيا ونعيمها {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94] بالانقطاع والإعراض عن الله، وما ذنب أعظم منه ولا عذاب أعظم من القطيعة عن الله والحرمان منه. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} [النحل: 95] أي: بالمعاهدة على طلب الله، {ثَمَناً قَلِيلاً} [النحل: 95] وهو متاع الدنيا الفانية لقوله: {أية : مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77] {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ} من القربات والكمالات {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [النحل: 95] قدرها بأداء حقها {مَا عِندَكُمْ} [النحل: 96] لله من الدنيا ونعيمها {يَنفَدُ} [النحل: 96] ويفنى {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} [النحل: 96] لكم من الكمالات {بَاقٍ} [النحل: 96] إلى الأبد {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ} [النحل: 96] على مقاساة شدائد طلب الله {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 96] يعني: بأوفر أجر كانوا عليه يعملون بأنهم على أجر قد سمعوا به وفهموا منه على قدر عقولهم، وقد قال تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". ثم أخبر عما أُعد للطالبين الراغبين بقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} [النحل: 97] يشير بالذكر إلى القلب، وبالأنثى إلى النفس، فالعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة بتقوى القلب وصدقه على وفق الطريقة تزكية بصفات الله والتخلق بأخلاقه لطلب الله، والإعراض عما سواه، وبقوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] يشير إلى إحياء كل واحد منهما بالحياة الطبية على قدر صلاحية عمله وحسن استعداده في قبولها. فإحياء النفس: بالحياة الطيبة أن تصير مزكاة عن صفاتها متحلية بأخلاق القلب الروحاني مطمئنة بذكر الله راجعة إلى ربها {أية : رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر: 28]. وإحياء القلب: وحياته الطيبة أن يكون متخلقاً بأخلاق الله، ويكون فانياً عن أنانيته باقياً بهويته حياً بحياته طيباً عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث، فإن الله طيب عن هذا الاتصاف فلا يقبل إلا طيباً. ثم اعلم أن صلاحية أعمال العباد إنما تكون على قدر صدقهم في المعاملات، وحسن استعدادهم في قبول الفيض الإلهي فيكون طيب حياتهم بإحياء الله إياهم بحسب ذلك؛ ولهذا اختلف تفسير المفسرين وتحقيق المحققين في قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] على ما مرَّ ذكره، ثم قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} [النحل: 97] في الآخرة {أَجْرَهُم} [النحل: 97] أي: أجر كل طائفة منهم {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] أي: بأوفر ما كانوا يطمعون أن يجازيهم الله على أعمالهم بيانه قوله: {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40]. ثم أخبر عن الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن بقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: 98] الخطاب مع الأمة وإن خص به النبي صلى الله عليه وسلم به؛ لأن الشيطان كان يفر من ظل عمر وهو أحد تابعيه، فكيف يقدر أن يدور حواليه سيما أسلم شيطانه على يده صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] يعني: سلطان نور الإيمان، والتوكل غالب على سلطان وسوسة الشيطان، فإن كان هذا حال الأمة مع الشيطان، فكيف يكون كمال النبوة معه؟! فثبت أن المراد بالخطاب الأمة، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بع لتعتبر الأمة وتتنبه أن مثل هذا النبي صلى الله عليه وسلم مهما يكون كمال النبوة معه فيثبت آلته مأموراً بالاستعاذة بالله من الشيطان، فتكون الأمة بها أولى وأحق. فأما تخصيص الاستعاذة بالله عند قراءة القرآن من الشيطان الردين لمعانٍ وفوائد: فأولهما: لكي يتذكر القارئ واقعة الشيطان ويتفكر في أمره إنما صار شيطاناً رجيماً بعد أن كان ملكاً كريماً، لأنه فسق عن أمر ربه وخالفه وأبى أن يسجد لآدم {أية : وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} تفسير : [البقرة: 34] أي: فصار من الكافرين فينتبه بذلك عند قراءة القرآن ويصفي نيته قبل القراءة على أن يأتمر بما أمر الله في القرآن وينتهي عما نهاه عنه احترازاً عن المخالفة، فإن فيها الطرد واللعن والرجم والفسق والكفر وإنها مظنة للخلود في النار. وثانيها: لأن العبد لا يخلو من حديث النفس وهواجسها ومن إلقاء الشيطان ووساوسه وقلبه لا بد يتشوش بذلك، فلا يجد حلاوة كلام الله فأمره بالاستعاذة تزكية للنفس عن هواجسها وتصفية للقلب عن وساوس الشيطان؛ ليتحلى بنور القرآن فإن التحلية تكون بعد التزكية والتصفية، فافهم جدّاً. ثالثها: ولأن في كل كلمة من كلمات القرآن لله تعالى إشارات ومعانٍ وحقائق لا يفهمها إلا قلب مطهر عن تلوثات الهواجس والوساوس معطر بطيب أنفاس الحق، وذلك مودع في الاستعاذة بالله فأمر بها لحصول الفهم. وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] إشارة إلى أن تصرف الشيطان وقدرته المخلوقة بالإغواء والإضلال على الإنسان إنما تنقطع بقدرة قوة الإيمان وقوة التوكل معاً ويكمل الإيمان والتوكل بأن يكون المؤمن زاهداً عن الدنيا راغباً في الآخرة متبتلاً إلى الله، فلا يبقى للشيطان عليه سلطان في إضلاله وإغوائه؛ ولكي يئول أمره إلى الوسوسة وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه عن غش صفات نفسه لا يتخلص إلا بنار وسوسة الشيطان؛ لأنه يطلع على بقايا صفات نفسه بما تكون الوسوسة من جنسه، فيزيد في الرياضة ومجاهدة النفس مع ملازمة الذكر فتنقض وتنمحي بقية صفات النفس، ويزداد نور الإيمان، وقوة التوكل وقربة الحق بقوله:
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ } وعهودكم ومواثيقكم تبعا لأهوائكم متى شئتم وفيتم بها، ومتى شئتم نقضتموها، فإنكم إذا فعلتم ذلك تزل أقدامكم بعد ثبوتها على الصراط المستقيم، { وَتَذُوقُوا السُّوءَ } أي: العذاب الذي يسوءكم ويحزنكم { بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } حيث ضللتم وأضللتم غيركم { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } مضاعف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):