١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
95
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} نهى عن الرُّشَا وأخذ الأموال على نقض العهد؛ أي لا تنقضوا عهودكم لعَرَض قليل من الدنيا. وإنما كان قليلاً وإن كثر لأنه مما يزول، فهو على التحقيق قليل، وهو المراد بقوله: «مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَد وما عند اللَّهِ باقٍ» فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفَد وتحول، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وَفّى بالعهد وثَبَت على العقد. ولقد أحسن من قال:شعر : المالُ ينفَدُ حِلُّه وحرامه يوماً وتبقى في غدٍ آثامُه ليس التَّقِيُّ بمتَّقٍ لإلٰهه حتى يطيب شرابه وطعامه تفسير : آخر:شعر : هَبِ الدنيا تساق إليك عفْوًا أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثلُ فَيْءٍ أظلّك ثم آذن بالزوال تفسير : قوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ} أي على الإسلام والطاعات وعن المعاصي. {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي من الطاعات، وجعلها أحسن لأن ما عداها من الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله. وقرأ عاصم وابن كثِير «ولنجزِيَنّ» بالنون على التعظيم. الباقون بالياء. وقيل: إن هذه الآية «ولا تشتروا» إلى هنا نزلت في امرىء القيس بن عابس الكندي وخصمه ٱبن أَسْوع، اختصما في أرض فأراد ٱمرؤ القيس أن يحلف فلما سمع هذه الآية نكل وأقَرّ له بحقه؛ والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } ولا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم. {ثَمَناً قَلِيلاً} عرضاً يسيراً، وهو ما كانت قريش يعدون لضعفاء المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد. {إِنَّمَا عَندَ ٱللَّهِ} من النصر والتغنيم في الدنيا والثواب في الآخرة. {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } مما يعدونكم. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } إن كنتم من أهل العلم والتمييز.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } من الدنيا بأن تنقضوه لأجله {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ } من الثواب {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } مما في الدنيا {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ذلك فلا تنقضوا.
النسفي
تفسير : {وَلاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا {بِعَهْدِ ٱللَّهِ } وبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً من الدنيا يسيراً كأن قوماً ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم الله {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ } من ثواب الآخرة {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِندَكُمْ } من أعراض الدنيا {يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من خزائن رحمته {بَاقٍ } لا ينفد {وَلَنَجْزِيَنَّ } وبالنون: مكي وعاصم {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } على أذى المشركين ومشاق الإسلام {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ } «من» مبهم يتناول النوعين إلا أن ظاهره للذكور فبين بقوله {من ذكر أو أنثى} ليعم الموعد النوعين {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } شرط الإيمان لأن أعمال الكفار غير معتد بها وهو يدل على أن العمل ليس من الإيمان {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً } أي في الدنيا لقوله {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وعده الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله {أية : فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ }تفسير : [آل عمران: 148] وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً إن كان موسراً فظاهر، وإن كان معسراً فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى. وأما الفاجر فأمره بالعكس، إن كان معسراً فظاهر، وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه. وقيل: الحياة الطيبة القناعة أو حلاوة الطاعة أو المعرفة بالله، وصدق المقام مع الله، وصدق الوقوف على أمر الله، والإعراض عما سوى الله
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [الآية: 95]. قال الجنيد وسئل من أحسن الخلق: قال: من جعل دينه سببًا وطريقًا للانبساط إلى الخلق فى الارتفاق منهم. قال ابن عطاء: أول عهد عليك من ربك أنه كفاك كل ما تحتاج إليه لئلا ترغب إلى غيره، ولا ترجع فى المهمات إلا إليه، فمن ضيّع عهده واشترى بما خصَّه الله تعالى به من كراماته شيئًا من حطام هذه الفانية وقد نقض عهد الله لأن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الآية: 95]. وهو الاعتماد عليه والاكتفاء به دون غيره.
القشيري
تفسير : لا تختاروا على القيام بحقِّ اللَّهِ والوفاءِ بعهده عِوَضاً يسيراً مما تنتفعون به من حُطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإنَّ ما أعدَّ اللَّهُ لكم في جناته - بشرط وفائكم لإيمانكم - يوفي ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تشتروا بعهد الله} اى لا تأخذوا بمقابلة عهده تعالى وبيعة رسوله {ثمنا قليلاً} اى لا تستبدلوا بها عوضا يسيرا وهو ما كانت قريش يعدون ضعفه المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد من حطام الدنيا {ان ما عند الله} من النصر والتغنيم فى الدنيا والثواب فى الآخرة {هو خير لكم} مما يعدونكم {ان كنتم تعلمون} اى ان كنتم من اهل العلم والتمييز.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} بيعة محمّد (ص) او بيعة علىّ (ع) {ثَمَناً قَلِيلاً} من اعراض الدّنيا واغراضها بان تنكثوا بيعة علىّ (ع) خوفاً من فوت الجاه وطمعاً فى الرّياسة كما كان حال المترئّسين او طمعاً فى جيف الدّنيا كما كان حال المرئوسين {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ} ممّا ادّخره لعباده الوافين من نعم الجنان {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} علمتم انّه خير لكم.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَشْتَرُوا} لا تستبدلوا {بِعَهْدِ اللهِ} شامل لبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والباء داخلة على ما يتركونه {ثَمَنًا قَلِيلاً} بدلا هو قليل، ولو كان هو الدنيا كلها فكيف ثياب ودريهمات وهنوات تعدها قريش لمن يرتد من الضعفاء، وقيل: الآية تعم ذلك، وتعم أخذ الرشوة فى الحكم، وشهادة الزور وكتمها، وأخذ المال بغير حل، وكل آكل بالدين. {إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ} من العز الدنيوى والنصر والغنائم والجنة فى الآخرة. {هُوَ خَيْرٌ} لدوامه وعظمه {لَكُمْ} مما فى الدنيا من جهتهم لنقطاعه وحقارته. {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إن كنتم من أهل التمييز يظهر لكم خير منه أو إن كنتم تعلمون فلا تنقضوا.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} المراد به عند كثير بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان والاشتراء مجاز عن الاستبدال لمكان قوله تعالى: {ثَمَناً قَلِيلاً} فإن الثمن مشترى لا مشترى به أي لا تأخذوا بمقابلة عهده تعالى عوضاً يسيراً من الدنيا، قال الزمخشري: كان قوم ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم ولما كانوا يعدونهم من المواعيد إن رجعوا أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم الله تعالى بهذه الآية ونهاهم عن أن يستبدلوا ذلك بما وعدوهم به من عرض الدنيا، وقال ابن عطية: هذا نهي عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الآخذ فعله أو فعل ما يجب عليه تركه، فالمراد بعهد الله تعالى ما يعم ما تقدم وغيره ولا يخفى حسنه. {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ} أي ما أخبأه وادخره لكم في الدنيا والآخرة {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} من ذلك الثمن القليل {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن كنتم من أهل العلم والتمييز، فالفعل منزل منزلة اللازم، وقيل: متعد والمفعول محذوف وهو فضل ما بين العوضين والأول أبلغ ومستغن عن التقدير، وفي التعبير/ بأن ما لا يخفى، والجملة تعليل للنهي على طريقة التحقيق كما أن قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ...}.
ابن عاشور
تفسير : الثمن القليل هو ما يعدهم به المشركون إن رجعوا عن الإسلام من مال وهناء عيش. وهذا نهي عن نقض عهد الإسلام لأجل ما فاتهم بدخولهم في الإسلام من منافع عند قوم الشّرك، وبهذا الاعتبار عطفت هذه الجملة على جملة {أية : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} تفسير : [سورة النحل: 91] وعلى جملة {أية : وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} تفسير : [سورة النحل: 94] لأن كل جملة منها تلتفت إلى غرض خاص مما قد يبعث على النّقض. والثّمن: العوض الذي يأخذه المعاوض. وتقدّم الكلام على نظير هذا عند قوله تعالى: {أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإيّاي فاتّقون} تفسير : في سورة البقرة (41). وذكرنا هناك أن {قليلاً} صفة كاشفة وليست مقيدة، أي أن كل عوض يؤخذ عن نقض عهد الله هو عوض قليل ولو كان أعظم المكتسبات. وجملة {إنما عند الله هو خير لكم} تعليل للنّهي باعتبار وصف عوض الاشتراء المنهي عنه بالقلّة، فإن ما عند الله هو خير من كل ثمن وإن عظم قدره. و«ما عند الله» هو ما ادّخره للمسلمين من خير في الدنيا وفي الآخرة، كما سننبّه عليه عند قوله تعالى: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} تفسير : [سورة النحل: 97] الآية؛ فخير الدنيا الموعود به أفضل مما يبذله لهم المشركون، وخير الآخرة أعظم من الكلّ، فالعندية هنا بمعنى الادِّخار لهم، كما تقول: لك عندي كذا، وليست عندية ملك الله تعالى كما في قوله: {أية : وعنده مفاتح الغيب} تفسير : [سورة الأنعام: 59] وقوله {أية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} تفسير : [سورة الحجر: 21] وقوله: {وما عند الله باق}. و{إنما} هذه مركّبة من (إن) و (مَا) الموصولة، فحقّها أن تكتب مفصولة (ما) عن (إنّ) لأنها ليست (ما) الكافّة، ولكنها كتبت في المصحف موصولة اعتباراً لحالة النّطق ولم يكن وصل أمثالها مطّرداً في جميع المواضع من المصحف. ومعنى {إن كنتم تعلمون} إن كنتم تعلمون حقيقة عواقب الأشياء ولا يغرّكم العاجل. وفيه حثّ لهم على التأمّل والعلم. وجملة {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} تذييل وتعليل لمضمون جملة {إنما عند الله هو خير لكم} بأن ما عند الله لهم خير متجدّد لا نفاد له، وأن ما يعطيهم المشركون محدود نافد لأن خزائن الناس صائرة إلى النفاد بالإعطاء وخزائن الله باقية. والنفاد: الانقراض. والبقاء: عدم الفناء. أي ما عند الله لا يفنى فالأجدر الاعتماد على عطاء الله الموعود على الإسلام دون الاعتماد على عطاء الناس الذين ينفَد رزقهم ولو كَثُر. وهذا الكلام جرى مجرى التذييل لما قبله، وأرسل إرسال المثل فيحمل على أعمّ، ولذلك كان ضمير {عندكم} عائداً إلى جميع الناس بقرينة التذييل والمثل، وبقرينة المقابلة بما عند لله، أي ما عندكم أيها الناس ما عند الموعود وما عند الواعد، لأن المنهيّين عن نقض العهد ليس بيدهم شيء. ولما كان في نهيهم عن أخذ ما يعدهم به المشركون حَمْلٌ لهم على حرمانِ أنفسهم من ذلك النّفع العاجل وُعِدو الجزاء على صبرهم بقوله تعالى: {وليجزينّ الذين صبروا أجرهم}. قرأه الجمهور {وليجزين} بياء الغيبة. والضمير عائد إلى اسم الجلالة من قوله تعالى: {بعهد الله} وما بعده، فهو النّاهي والواعد فلا جرم كان هو المجازي على امتثال أمره ونهيه. وقرأه ابن كثير وعاصم وابن ذكوان عن ابن عمر في إحدى روايتين عنه وأبو جعفرَ بنون العظمة فهو التفات. و{أجرهم} منصوب على المفعولية الثانية لــــ«يَجزين» بتضمينه معنى الإعطاء المتعدّي إلى مفعولين. والباء للسببية. و «أحسن» صيغة تفضيل مستعملة للمبالغة في الحسن. كما في قوله تعالى: {أية : قال ربّ السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه} تفسير : [سورة يوسف: 33]، أي بسبب عملهم البالغ في الحسن وهو عمل الدوام على الإسلام مع تجرّع ألم الفتنة من المشركين. وقد أكد الوعد بلام القسم ونون التوكيد.
الواحدي
تفسير : {ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً} لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضاً من الدُّنيا {إنَّ ما عند الله} أَيْ: ما عند الله من الثَّواب على الوفاء {خير لكم إن كنتم تعلمون} ذلك. {ما عندكم ينفد} يفنى وينقطع، يعني: في الدُّنيا {وما عند الله} من الثَّواب والكرامة {باق} دائمٌ لا ينقطع {ولنجزين الذين صبروا} على دينهم وعمَّا نهاهم الله تعالى {أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} يعني: الطَّاعات، وقوله: {فلنحيينه حياة طيبة} قيل هي القناعة، وقيل: هي حياة الجنَّة. {فإذا قرأت القرآن} أَيْ: إذا أردت أن تقرأ القرآن {فاستعذ بالله} فاسأل الله أن يعيذك ويمنعك {من الشَّيطان الرجيم}. {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا} أَيْ: حجَّةٌ في إغوائهم ودعائهم إلى الضَّلالة، والمعنى: ليس له عليهم سلطان الإِغواء. {إنما سلطانه على الذين يتولونه} يُطيعونه {والذين هم به} بسببه وطاعته فيما يدعوهم إليه {مشركون} بالله. {وإذا بدلنا آية} أَيْ: رفعناها وأنزلنا غيرها لنوعٍ من المصلحة {والله أعلم} بمصالح العباد في {ما ينزَّل} من النَّاسخ والمنسوخ {قالوا} يعني: الكفَّار {إنما أنت مفترٍ} كذَّابٌ تقوله من عندك {بل أكثرهم لا يعلمون} حقيقةَ القرآن وفائدةَ النَّسخ والتَّبديل.
د. أسعد حومد
تفسير : (95) - وَلاَ تَطْمَعُوا فِي أَنْ تَأْخُذُوا مُقَابِلَ نَقْضِ العَهْدِ المَذْكُورِ عِوَضاً يَسِيراً مِنْ عُرُوضِ الدُّنيا الفَانِيَةِ، فَهُوَ قَلِيلٌ مَهْمَا كَانَ كَثِيراً، فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ المُحَافِظِينَ عَلَى العُهُودِ، بِجَزِيلِ الثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ. (وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا وَبَايَعُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فِي مَكَّةَ، ثُمَّ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَنْقُضُوا مَا بَايَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ، جَزَعاً مِمَّا رَأَوُا مِنْ غَلَبَةِ قُرَيْشٍ، وَاسْتِضْعَافِهِمْ لِلْمُؤْمِنينَ، وَلِمَا كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ وَعْدٍ بِجَزِيلِ العَطَاءِ إِنِ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق تبارك وتعالى في هذه الآية ينهانا ويُحذِّرنا: إياك أنْ تجعلَ عَهْدَ الله الذي أكدته للناس، وجعلت الله عليه كفيلاً، فبعد أن كنت حُراً في أن تعاهد أو لا تعاهد، فبمجرد العهد أصبح نفاذه واجباً ومفروضاً عليك. أو: عهد الله - أي - شرعه الذي تعاهدتَ - على العمل به والحفاظ عليه، وهو العهد الإيماني الأعلى، وهو أن تؤمنَ بالله وبصدق الرسول في البلاغ عن الله، وتلتزم بكل ما جاء به الرسول من أحكام، إياك أنْ تقابله بشيء آخر تجعله أغْلى منه؛ لأنك إنْ نقضْتَ عهد الله لشيء آخر من متاع الدنيا الزائل فقد جعلتَ هذا الشيء أغلى من عهد الله؛ لأن الثمن مهما كان سيكون قليلاً. ثم يأتي تعليل ذلك في قوله: {إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..} [النحل: 95]. فالخير في الحقيقة ليس في متاع الدنيا مهما كَثُر، بل فيما عند الله تعالى، وقد أوضح ذلك في قوله تعالى: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} تفسير : [النحل: 96]. ولنا وقفة مع قوله تعالى: {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..} [النحل: 95]. فهذا أسلوب توكيد بالقصر بإعادة الضمير (هو)، فلم يَقُلِ الحق سبحانه إنما عند الله خير لكم، فيحتمل أن ما عند غيره أيضاً خيْرٌ لكم، أما في تعبير القرآن {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: الخير فيما عند الله على سبيل القَصْر، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80]. فجاء بالضمير "هو" ليؤكد أن الشافي هو الله لوجود مَظنّة أن يكون الشفاء من الطبيب، أما في الأشياء التي لا يُظَنّ فيها المشاركة فتأتي دون هذا التوكيد كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} تفسير : [الشعراء: 81]. فلم يقل: هو يميتني هو يُحيين؛ لأنه لا يميت ولا يُحيي إلا الله، فلا حاجةَ للتوكيد هنا. ما الذي يُخرج الإنسان عن الوفاء بالعهد؟ الذي يُخرج الإنسان عن الوفاء بالعهد أنْ يرى مصلحة سطحية فوق ما تعاقد عليه تجعله يخرج عما تعاهد عليه إلى هذه السطحية، ولكنه لو عقل وتدبَّر الأمر لعلم أنّ ما يسعى إليه ثمن بَخْسٌ، ومكسب قليل زائل إذا ما قارنه بما ادخِر له في حالة الوفاء؛ لأن ما أخذه حظاً من دنياه لا بُدّ له من زوال. والعقل يقول: إن الشيء، إذا كان قليلاً باقياً يفضل الكثير الذي لا يبقى، فما بالك إذا كان القليل هو الذي يفنى، والكثير هو الذي يبقى. ومثال ذلك: لو أعطيتُك فاكهة تكفيك أسبوعاً أو شهراً فأكلتها في يوم واحد، فقد تمتعْتَ بها مرة واحدة، وفاتَكَ منها مُتَعٌ وأكلاتٌ متعددة لو أكلتَها في وقتها. لذلك؛ فالحق سبحانه وتعالى يُنبِّهك أنَّ ما عند الله هو الخير الحقيقي، فجعل موازينك الإيمانية دقيقة، فمن الحُمْق أن تبيع الكثير الباقي بالقليل الفاني: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [النحل: 95]. في الآية دِقَّة الحساب، ودِقَّة المقارنة، ودِقَّة حَلِّ المعادلات الاقتصادية. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يحذر تعالى عباده من نقض العهود والأيمان لأجل متاع الدنيا وحطامها فقال: { وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا } تنالونه بالنقض وعدم الوفاء { إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ } من الثواب العاجل والآجل لمن آثر رضاه، وأوفى بما عاهد عليه الله { هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } من حطام الدنيا الزائلة { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }. فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الذي عندكم ولو كثر جدا لا بد أن { يَنْفَدُ } ويفنى، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ } ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس وهذا كقوله تعالى: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } {أية : وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ } تفسير : وفي هذا الحث والترغيب على الزهد في الدنيا خصوصا الزهد المتعين وهو الزهد فيما يكون ضررا على العبد ويوجب له الاشتغال عما أوجب الله عليه وتقديمه على حق الله فإن هذا الزهد واجب. ومن الدواعي للزهد أن يقابل العبد لذات الدنيا وشهواتها بخيرات الآخرة فإنه يجد من الفرق والتفاوت ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين وليس الزهد الممدوح هو الانقطاع للعبادات القاصرة كالصلاة والصيام والذكر ونحوها بل لا يكون العبد زاهدا زهدا صحيحا حتى يقوم بما يقدر عليه من الأوامر الشرعية الظاهرة والباطنة ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل فالزهد الحقيقي هو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا والرغبة والسعي في كل ما ينفع. { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا } على طاعة الله وعن معصيته وفطموا نفوسهم عن الشهوات الدنيوية المضرة يدينهم { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ولهذا ذكر جزاء العاملين في الدنيا والآخرة فقال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها بل لا تسمى أعمالا صالحة إلا بالإيمان والإيمان مقتض لها فإنه التصديق الجازم المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } وذلك بطمأنينة قلبه وسكون نفسه وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه ويرزقه الله رزقا حلالا طيبا من حيث لا يحتسب { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ } في الآخرة { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من أصناف اللذات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيؤتيه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):