١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {مَا عِندَكُمْ } من أعراض الدنيا. {يَنْفَدُ} ينقضي ويفنى. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من خزائن رحمته. {بَاقٍ} لا ينفد، وهو تعليل للحكم السابق ودليل على أن نعيم أهل الجنة باق. {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ } على الفاقة وأذى الكفار، أو على مشاق التكاليف. وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون. {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بما يرجح فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا عِندَكُمْ } من الدنيا {يَنفَدُ } يفنى {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } دائم {ولَيَجْزِيَنَّ} بالياء والنون {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } على الوفاء بالعهود {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أحسن بمعنى حسن.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} [الآية: 96]. قال بعضهم: ما منكم من الطاعات فإنها فانية، وما من إليكم من جزاء أعمالكم فهو باق على الدّوام وأَنَّى يقابل ما يفنى بما يبقى. قال بعضهم: طاعاتكم مدخولة وجزائى وثوابى على طاعاتكم باقية بقاء الأبد. قال ابن عطاء: أوصافكم فانية، وأحوالكم ثابتة فلا يدعوا منها شيئًا، وما من الحق إليكم باقٍ فالعبد من كان فانيًا من أوصافه باقيًا لله تعالى عنده، وهو تفسير قوله: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}. قال جعفر: ما عندكم ينفذ: يعنى: الأفعال من الفرائض والنوافل، وما عند الله باق: من أوصافه ونعوته لأن الحدث يفنى والقديم يبقى. قوله عز وجلّ: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الآية: 96].
القشيري
تفسير : الذي عندكم عَرَضٌ حادث فانٍ، والذي عند الله من ثوابكم في مآلِكُم نِعَمٌ مجموعةٌ، لا مقطعوعةٌ ولا ممنوعة. ويقال ما عندكم أو ما منكم أو مالكم أفعالٌ معلولة وأحوالٌ مدخولة، وما عند الله فثوابٌ مقيمٌ ونعيمٌ عظيمٌ. ويقال ما منكم من معارفكم ومحابكم آثارٌ متعاقبةٌ، وأصناف متناوبة، أعيانُها غيرُ باقية وإن كانت أحكامُها غير باطلة والذي يتصف الحقُّ به من رحمته بكم ومحبته لكم وثباته عليكم فصفاتُ أزلية ونعوتٌ سرمدية. ويقال ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فَمُعرَّضُ للزوال، وقابلٌ للانقضاء، وما وَصَفْنَا به أَنْفُسَا من الإقبال لا يتناهي وأفضال لا تفْنى، كما قيل: شعر : ألا طال شوقُ الأبرار الى لقائي وإني للقائهم لأَشَدُّ شوقا تفسير : قوله: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ...}: جزاءُ الصبر الفوزُ بالطِّلْبَةِ، والظَّفَرُ بالبُغية. ومآلهم في الطلبات يختلف: فَمَنْ صَبَرَ على مقاساة مشقةٍ في الله. فعِوَضُه وثوابُه عظيمٌ من قِبَل الله، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]. ومَنْ صبر عن اتباع شهوةٍ لأَِجْل الله، وعن ارتكاب هفوةٍ مخافةً لله فجزاؤه كما قال تعالى:{أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 75]. ومَنْ صبر تحت جريان حُكْمِ الله، متحققاً بأنه بِمَرْآةٍ من الله فقد قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 153].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} اخبر سبحانه ان كل وارد يرد على قلوبهم من موارد القرب الالوهية يجرى ولا يثبت ويبقى لهم اصل الاصل وهو مشاهدة جلاله وعزته وايضا ما عندكم من المعارف ينفد فى سبحات جمال المعروف وما فى عنديته من انوار الذات والصفات التى يبدو منها جميع المعارف باقية للعارفين المحبين فان بنقص المعارف لا ينقص الكواشف وان بنقص الاعمال لا ينقص الاحوال ثم اخبر انه يجازى المحبوسين فى قيود اسراء بلاء محبته وامتحان شوقه وبلاء عشقه بمشاهدته وكشف جماله لهم باحسن ما يرجون منه فان رجاءهم على قدر هممهم وهممهم على قدر نياتهم ونياتهم على قدر قصودهم وهى كلها معلولة مقصورة واجر جماله ووصاله غير محسوب من حيث وجود الخلق والخليقة قال تعالى انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب قال بعضهم ما منكم من الطاعات فانها فانية وما منى اليكم من جزاء اعمالكم فهو باق على الدوام وانى يقابل ما يفنى بما يبقى وقا لابن عطا اوصافكم فانية واحوالكم بائية فلا تدعوا منها شيئًا وما من الحق اليكم باق فالعبد من كان فانيا من اوصافه باقيا بما لله عنده وهو تفسير قوله ما عندكم ينفد وما عند الله باق وقال جعفر عليه السّلام ما عندكم ينفد يعنى الافعال من الفرايض والنوافل وما عند الله باق من اوصافه ونعوته لان الحديث يفنى والقديم يبقى قال ابو عثمان جزاء الصبر هو ان يعطى الله العبد الرضا فمن تحقق الصبر ولزم طريقة الصابرين فان الله يثيبه على حسن ثواب عاجلا وآجلا قال الله ولنجزين الذين صبروا الآية ويقال ما عندكم من معارفكم ومحابكم آثار متعاقبة وصفات متناوبة اعيانها غير ثابتة وان كانت احكامها غير باطلة والذى يتصف الحق به من رحمته بكم ومحبته لكم وثنائه عليكم فصفات ازلية ونعوت سرمدية ويقال ما عندكم من اشتياقكم الى لقائنا فيعرض الزوال وقبول الانقضاء وما وصفنا به نفسنا بما ورد به الاثار الا طال شوق الابرار الى لقائى وانا الى لقائهم لاشد شوقا وذلك اقبال لا يتناهى وافضال لا يفنى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما عندكم} من اعراض الدنيا وان كثرت {ينفد} يفنى وينقضى {وما عند الله} من انواع رحمة المخزونة {باق} لانفاد وهو حجة على الجهمية لانهم يقولون بان نعيم الجنة يتناهى وينقطع {ولنجزين} اى والله لنعطين {الذين صبروا} على اذية المشركين ومشاق الاسلام التى من جملتها الوفاء بالعهود والفقر {اجرهم} الخاص بهم بمقابلة صبرهم على الامور المذكورة وهو مفعول ثان لنجزين {باحسن ما كانوا يعملون} اى لنجزينهم بما كانوا يعملونه من الصبر المذكور وانما اضيف اليه الاحسن للاشعار بكمال حسنه كما فى قوله تعالى {أية : وحسن ثواب الآخرة}تفسير : فقد علم من الآيات ان للوفاء بالعهد والثبات على الايمان والصبر على المشاق ثمرات دنيويه واخروية. فعلى العاقل ان لا ينقض المعاهدة التى بينه وبين الله وكذا بين العلماء العاملين والصلحاء الكاملين. وعن بعض اهل العلم كنت بالمصيصة فاذا برجلين يتكلمان فى الخلوة مع الله تعالى فلما ارادا ان ينصرفا قال احدها للآخر تعال نجعل لهذا العلم ثمرة ولا يكون حجة علينا فقال له اعزم على ما شئت فقال ان لا آكل ما لمخلوق فيه صنع قال فتبعتهما وقلت انا معكما فقالا على الشرط قلت على أى شرط شرطتما فصعدا جبل لكام ودلانى على كهف وقالا تعبد فيه فدخلت فيه وجعل كل واحد يأتينى بما قسم الله تعالى وبقيت مدة ثم قلت الى متى اقيم ههنا انا اسير الى طرطوس وآكل من الحلال واعلم الناس العلم واقرئ القرآن فخرجت ودخلت طرطوس واقمت بها سنة فاذا انا برجل منهما قد وقف علىّ وقال يا فلان خنت فى عهدك ونقضت الميثاق ألا انك لو صبرت كما صبرنا لوهب لك ما وهب لنا قلت ما الذي وهب لكما قال ثلاثة اشياء طى الارض من المشرق الى المغرب بقدم واحد والمشى على الماء والحجبة اذا شئنا ثم احتجب عنى ففى هذه الحكاية ما يغنى العاقل عن التصريح فانظر الى ذلك العالم كيف اختار ما عند الناس فحرم مما عند الله من الكرامات والكمالت وذلك ان نقض العهد بسبب عرض دنيوى فى صورة امر دينى فان التعليم واقراء الناس وان كان من الامور الاخروية الا انه لا بد لطالب الحق حين تخليه وانقطاعه من التجرد عن كل اسم ورسم وصورة: فان قيل شعر : منصب تعليم نوع شهوتيست تفسير : وما يعقل هذا المقام الا العالمون وفى المثنوى شعر : كرنبودى امتحان هربدى هر مخنث دروغا رستم بدى خود مخنث را زره بووشيده كير جون به بيند زحم كردد جون اسير تفسير : ونعم ما قيل وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان فمن زل عند الامتحان فقد افتضح وذاق وجع القطعية والفراق وماله من خلاق ومن ثبت وصبر وافتكر العاقبة ظفر بالمراد وجوزى جزاء لا يعلمه الا رب العباد فانه اعد لعباده الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
الجنابذي
تفسير : {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ} تعليل {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ} على عهدهم ولم ينكثوا {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يعنى نجزيهم بجميع اعمالهم جزاء احسن اعمالهم واحسن الاعمال هو الّذى كان على تذكّر من الله ومن الولاية بمراتب التّذكّر من اللّسانىّ والقلبىّ والصّورىّ الملكوتىّ والحقيقىّ التّحقيقى بل الاحسن هو نفس الولاية، وهذه الآية ارجى آيةٍ للبائعين فطوبى لمن صبر على بيعته، وقد مضى فى مطاوى ما اسلفنا تحقيق الجزاء باحسن الاعمال واسوئها.
اطفيش
تفسير : {مَا عِنْدَكُمْ} من الدنيا، ولو مما حل لكم {يَنْفَدُ} ينقضى. {وَمَا عِنْدَ اللهِ} فى الآخرة من الجنة لمن لم ينقض {بَاقٍ} لا ينقضى ومن الجائز أن يقال ما عند الله باق شامل لاستمرار الغنائم والفتوحات، وما يتأهل بالإسلام، وأيضًا تتصل نعم الدنيا الإسلامية بنعم الآخرة التى تدوم، فذلك دوام، أو ما عند الله فى الموضعين نعم الآخرة، أخبرنا سبحانه أنها خير من الدنيا وأنها باقية، ولا تكرر بهذا، ولعن الله حبهم بن صفوان على قوله: بأن نعم الآخرة تنقضى، بخلاف ما يعدكم به المشركون فشئ محصور حقير. {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا} على الوفاء وعدم النقض والفقر وإيذاء الكفار ومشاق التكليف، وعن اللذات، وعلى المصائب. {أَجْرَهُمْ} على ذلك مفعول ثان {بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} متعلق بأجرهم، ونجزى بمعنى نعطى، أى نعطيهم الإثابة بحسن ما يعملون، وأحسن خارج عن التفضيل بمعنى حسن متحرز به عن القبيح من أعمالهم، وما مصدرية أو اسم أو أجرهم مفعول مطلق لنجزى، والباء متعلق بنجزى، ولنجزينهم الجزاء المتأهلين له، والمراد ثواب عملهم الحسن، وهو الفرض والنفل، والصباح الذى قصدوا به العبادة أو باق على التفضيل بمعنى أنهم إذا صلوا قعودًا أو مضطجعين لعذر، متيممين كتبنا لهم الصلاة بوضوء وطهارة كاملة فى القيام، وما أشبه ذلك. وأما ما قيل من أن المعنى بجزاء أحسن من أعمالهم، فلا يصح لأن فيه إضافة اسم التفضيل إِلى ما لا يشمله لا تقول: يوسف أحسن إخوته، لأن إخوةه لا تشمله، وتقول يوسف أحسن أولاد يعقوب، لأن أولاد يعقوب يشمل يوسف، وذلك أنه فسر أحسن بالثواب، ولو فسر بالعمل لجاز لأنه يشمله، فيجوز أن يقدر لنجزينهم بالعمل الأعلى على العمل الأدنى، مثل أن يجازيهم بالفرض على الفعل يعطيه على النفل ثواب الفرض، ومن الأحسنية أن الحسنة بعشر فصاعداً أو أحسن ما كانوا يعملون الصبر، وهو من أعمال القلب، وهو من جملة الأعمال، وهو أحسنها لأن جميع التكاليف محتاجة إليه فهو رأسها.
الالوسي
تفسير : {مَا عِندَكُمْ} الخ تعليل للخيرية بطريق الاستئناف أي ما تتمتعون به من نعيم الدنيا بل الدنيا وما فيها جميعاً {يَنفَدُ} ينقضي ويفنى وإن جم عدده وطال مدده، يقال: نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفاداً ونفوداً إذا ذهب وفني، وأما نفذ بالذال المعجمة فبفتح العين ومضارعه ينفذ بضمها {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية {بَاقٍ} لا نفاد له؛ أما الأخروية فظاهر، وأما الدنيوية فحيث كانت موصولة بالأخروية ومستتبعة لها فقد انتظمت في سلك الباقيات الصالحات. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أن المراد بما عند الله في الموضعين الثواب الأخروي واختاره بعض الأئمة، وفي إيثار الاسم على صيغة المضارع من الدلالة على الدوام ما لا يخفى. ورد بالآية على جهم بن صفوان حيث زعم أن نعيم الجنة منقطع. وقوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ} بنون العظمة وهي قراءة عاصم وابن كثير على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم تكرير للوعد المستفاد من قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [النحل: 95] على نهج التوكيد القسمي مبالغة في الحمل على الثبات على العهد. وقرأ باقي السبعة بالياء فلا التفات. والعدول عما يقتضيه ظاهر الحال من أن يقال: ولنجزينكم ـ بالنون أو بالياء ـ أجركم بأحسن ما كنتم تعملون للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والإشعار بعليتها للجزاء أي والله لنجزين {ٱلَّذِينَ صَبَروا} على العهد أو على أذية المشركين ومشاق الإسلام التي من جملتها الوفاء بالعهود وإن وعد المعاهدون على نقضها بما وعدوا {أَجْرَهُمْ} مفعول {لنجزين} أي لنعطينهم أجرهم الخاص بهم بمقابلة صبرهم {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وهو الصبر فإنه من الأعمال القلبية، والكلام على حذف مضاف أي لنجزينهم بجزاء صبرهم، وكان الصبر أحسن الأعمال لاحتياج جميع التكاليف إليه فهو رأسها قاله أبو حيان. وفي "إرشاد العقل السليم" إنما أضيف الأحسن إلى ما ذكر للإشعار بكمال حسنه كما في قوله تعالى: {أية : وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [آل عمران: 148] لا لإفادة قصر الجزاء على الأحسن منه دون الحسن فإن ذلك مما لا يخطر ببال أحد لا سيما بعد قوله تعالى: {أَجْرَهُمْ} فالإضافة للترغيب. وجوز أن يكون المعنى لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم أي لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالحسن والأحسن بالأحسن، وفيه ما لا يخفى من العدة الجميلة بإغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزع ونظمه في سلك الصبر الجميل، وأن يكون {أَحْسَنُ} صفة جزاء محذوفاً والإضافة على معنى من التفضيلية أي لنجزينهم بجزاء أحسن من أعمالهم، وكونه أحسن لمضاعفته، وقيل: المراد بالأحسن ما ترجح فعله على تركه كالواجبات والمندوبات أو بما ترجح تركه أيضاً كالمحرمات والمكروهات والحسن ما لم يترجح فعله ولا تركه وهو لا يثاب عليه. وتعقبه في "الإرشاد" بأنه لا يساعده مقام الحث على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنة المخصوصة والترغيب في تحصيل ثمراتها بل التعرض لإخراج بعض أعمالهم من مدارية الجزاء من قبيل تحجير الرحمة الواسعة في مقام توسيع حماها، وقيل: المراد بالأحسن النفل، وكان/ أحسن لأنه لم يحتم بل يأتي الإنسان به مختاراً غير ملزم، وإذا علمت المجازاة على النفل الذي هو أحسن علمت المجازاة على الفرض الذي هو حسن، ولا يخفى أنه ليس بحسن أصلاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ما عنده من نعيم الجنة باق لا يفنى. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}تفسير : [هود: 108]، وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}تفسير : [ص: 54]، وقوله: {أية : وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً}تفسير : [الكهف: 2-3] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم - أي جزاء عملهم - بأحسن ما كانوا يعملون. وبين في موضع آخر: أنه جزاء بلا حساب. كما في قوله: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]. تنبيه استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن فعل المباح حسن. لأن قوله في هذه الآية {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} صيغة تفضيل تدل على المشاركة، والواجب أحسن من المندوب، والمندوب أحسن من المباح. فيجازون بالأحسن الذي هو الواجب والمندوب، دون مشاركهما في الحسن وهو المباح. وعليه درج في مراقي السعود في قوله: شعر : ما ربنا لم ينه عنه حسن وغيره القبيح والمستهجن تفسير : إلا أن الحسن ينقسم إلى حسن وأحسن. ومن ذلك قوله تعالى لموسى {أية : فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}تفسير : [الأعراف: 145] الآية. فالجزاء المنصوص عليه في قوله: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}تفسير : [النحل: 126] حسن. والصبر المذكور في قوله: {أية : وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}تفسير : [النحل: 126] أحسن. وهكذا. وقرأ هذا الحرف ابن كثير وعاصم وابن ذكوان بخلف عنه "ولنجزين" بنون العظمة. وقرأه الباقون بالياء، وهو الطريق الثاني لابن ذكوان.
د. أسعد حومد
تفسير : (96) - مَا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا يَنْفَدُ وَيَفْنَى، وَمَا تَحْصُلُونَ عَلَيْهِ نَتِيجَةَ الغَدْرِ وَنَقْضِ العَهْدِ، وَالحَنَثِ بِالأَيْمَانِ، كُلُّهُ يَنْفَدُ، لأَِنَّهُ عَرَضٌ زَائِلٌ، أَمَّا ثَوابُ اللهِ لَكُمْ فِي الجَنَّةِ فَهُوَ بَاقٍ، وَلاَ انْقِطَاعَ لَهُ وَلاَ نَفَادَ، لأَِنَّهُ دَائِمٌ لاَ يَحُولُ وَلاَ يَزُولُ. وَيُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَيَجْزِي الصَّابِرِينَ عَلَى صَبْرِهِمْ، وَهُوَ أَحْسَنُ أَعْمَالِهِمْ، لأَِنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ تَحْتَاجُ إِلى الصَّبْرِ، وَهُوَ أُسُّ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَحِينَ يَجْزِي اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعِدُهُمْ بِالتَّجَاوُزِ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ. يَنْفَدُ - يَنْقَضِي وَيَفْنَى وَيَزُولُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يُوضِّح الحق تبارك وتعالى أن حظَّ الإنسان من دُنْياه عَرَضٌ زائل، فإمَّا أن تفوته بالموت، أو يفوتك هو بما يجري عليك من أحداث، أما ما عند الله فهو بَاق لا نفاد له. {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ ..} [النحل: 96]. كلمة {صَبَرُوۤاْ} تدلُّ على أن الإنسان سيتعرّض لِهزَّاتٍ نفسية نتيجة ما يقع فيه من التردد بين الوفاء بالعهد أو نَقْضه، حينما يلوح له بريق المال وتتحرَّك بين جنباته شهوات النفس، فيقول له الحق تبارك وتعالى: اصبر .. اصبر لا تكُنْ عَجُولاً، وقارن المسائل مقارنة هادئة، وتحمَّل كل مشقة نفسية، وتغلّب على شهوة النفس؛ لتصل إلى النتيجة المحمودة. فالتلميذ الذي يجتهد ويتعب ويتحمَّل مشقة الدرس والتحصيل يصبر على الشهوات العاجلة لما ينتظره من شهوات باقية آجلة، فوراء الدرس والتحصيل غايةٌ أكبر وهَدَفٌ أَسْمى. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ ..} [النحل: 96]. أي: على مشقَّات الوفاء بالعهود. {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 96]. أي: أجراً بالزيادة في الجزاء على أحسن ما يكون؛ فالإنسان حين يعمل مفروضاً أو مندوباً فله الجزاء، أما المباح فالمفروض ألا جزاء له، ولكنّ فضل الله يجزي عليه أيضاً. ثم يقول الحق سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):