Verse. 1998 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ اَوْ اُنْثٰى وَہُوَمُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّہٗ حَيٰوۃً طَيِّبَۃً۝۰ۚ وَلَـنَجْزِيَنَّہُمْ اَجْرَہُمْ بِاَحْسَنِ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۹۷
Man AAamila salihan min thakarin aw ontha wahuwa muminun falanuhyiyannahu hayatan tayyibatan walanajziyannahum ajrahum biahsani ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة» قيل هي حياة الجنة وقيل في الدنيا بالقناعة أو الرزق الحلال «ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون».

97

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} شرط وجوابه. وفي الحياة الطيبة خمسة أقوال: الأوّل ـ أنه الرزق الحلال؛ قاله ابن عباس وسعيد بن جُبير وعطاء والضحاك. الثاني ـ القناعة؛ قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ووهب بن منبّه، ورواه الحكم عن عكرمة عن ابن عباس، وهو قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. الثالث ـ توفيقه إلى الطاعات فإنها تؤديه إلى رضوان الله؛ قال معناه الضحاك. وقال أيضاً: من عمل صالحاً وهو مؤمن في فاقة ومَيْسرة فحياتُه طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله ولم يؤمن بربه ولا عمل صالحاً فمعيشته ضَنْكٌ لا خير فيها. وقال مجاهد وقَتادة وابن زيد: هي الجنة، وقاله الحسن، وقال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة. وقيل هي السعادة، روي عن ابن عباس أيضاً. وقال أبو بكر الورّاق: هي حلاوة الطاعة. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ: هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويردّ تدبيره إلى الحق. وقال جعفر الصادق: هي المعرفة بالله، وصدقُ المقام بين يدي الله. وقيل: الاستغناء عن الخلق والافتقارُ إلى الحق. وقيل: الرضا بالقضاء. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم} أي في الآخرة. {بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. وقال «فلنحيينه» ثم قال «ولنجزينهم» لأن «مَن» يصلح للواحد والجمع، فأعاد مرة على اللفظ ومرة على المعنى؛ وقد تقدّم. وقال أبو صالح: جلس ناس من أهل التوراة وناس من أهل الإنجيل وناس من أهل الأوثان، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل؛ فنزلت.

البيضاوي

تفسير : {مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ } بينه بالنوعين دفعاً للتخصيص. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً } في الدنيا يعيش عيشاً طيباً فإنه إن كان موسراً فظاهر وإن كان معسراً يطيب بالقناعة والرضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة، بخلاف الكافر فإنه إن كان معسراً فظاهر وإن كان موسراً لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه. وقيل في الآخرة. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الطاعة.

ابن كثير

تفسير : هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً، وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلممن ذكر أو أنثى، من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أنها هي السعادة. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة. وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضاً: هي العمل بالطاعة والانشراح بها، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن أبي شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه» تفسير : ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري به. وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانىء عن أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافاً، وقنع به»تفسير : . وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام عن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر، فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً»تفسير : ، انفرد بإخراجه مسلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَنْ عَمِلَ صَٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً } قيل: هي حياة الجنة، وقيل في الدنيا بالقناعة أو الرزق الحلال {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.

الشوكاني

تفسير : هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح، وتعميم للوعد. ومعنى {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } من عمل عملاً صالحاً أي: عمل كان. وزيادة التمييز بذكر أو أنثى مع كون لفظ {من} شاملاً لهما لقصد التأكيد والمبالغة في تقرير الوعد. وقيل: إن لفظ {من} ظاهر في الذكور، فكان في التنصيص على الذكر والأنثى بيان لشموله للنوعين، وجملة {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } في محل نصب على الحال، جعل سبحانه الإيمان قيداً في الجزاء المذكور؛ لأن عمل الكافر لا اعتداد به، لقوله سبحانه: {أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً }تفسير : [الفرقان: 23]. ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً } وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة بماذا تكون؟ فقيل: بالرزق الحلال، روي ذلك عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك. وقيل: بالقناعة، قاله الحسن البصري، وزيد بن وهب، ووهب بن منبه. وروي أيضاً عن عليّ وابن عباس. وقيل: بالتوفيق إلى الطاعة، قاله الضحاك. وقيل: الحياة الطيبة: هي حياة الجنة. روي عن مجاهد وقتادة وعبد الرحمٰن بن زيد بن أسلم. وحكي عن الحسن أنه قال: لا تطيب الحياة لأحد إلاّ في الجنة، وقيل: الحياة الطيبة. هي السعادة. روي ذلك عن ابن عباس. وقيل: هي المعرفة بالله، حكي ذلك عن جعفر الصادق. وقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. وقال سهل بن عبد الله التستري: هي أن ينزع عن العبد تدبير نفسه، ويردّ تدبيره إلى الحق. وقيل: هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. وأكثر المفسرين على أن هذه الحياة الطيبة هي في الدنيا، لا في الآخرة؛ لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقد قدّمنا قريباً تفسير الجزاء بالأحسن. ووحد الضمير في "لنحيينه" وجمعه في {ولنجزينهم} حملاً على لفظ {من} وعلى معناه. ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح، وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء} والتقدير: فإذا أخذت في قراءته، فاستعذ. قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: معناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ: وليس معناه: أستعذ بعد أن تقرأ القرآن، ومثله: إذا أكلت فقل: بسم الله. قال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة، إلاّ ما روي عن أبي هريرة، وابن سيرين، وداود، ومالك، وحمزة من القراء، فإنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة، ذهبوا إلى ظاهر الآية، ومعنى {فاستعذ بالله} اسأله سبحانه أن يعيذك من الشيطان الرجيم، أي: من وساوسه. وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهمّ؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى، كذا قيل. وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة؛ لأنه إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته، فكيف بسائر أمته؟ وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب. وروي عن عطاء الوجوب أخذاً بظاهر الأمر. وقد تقدّم الكلام في الاستعاذة مستوفى في أوّل هذا التفسير. والضمير في {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } للشأن أو للشيطان، أي: ليس له تسلط "عَلَىٰ" إغواء {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة. وقالوا: المعنى: ليس له حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة. ومعنى {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يفوّضون أمورهم إليه في كل قول وفعل. فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم، وإن وسوس لأحد منهم، لا تؤثر فيه وسوسته. وهذه الجملة تعليل للأمر بالاستعاذة، وهؤلاء الجامعون بين الإيمان والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الحجر: 40] وقال الله فيهم: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } تفسير : [الحجر: 42]. ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان، فقال: {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ } أي: تسلطه على الإغواء {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } أي: يتخذونه ولياً ويطيعونه في وساوسه {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } الضمير في {به} يرجع إلى الله تعالى، أي: الذين هم بالله مشركون. وقيل: يرجع إلى الشيطان. والمعنى: والذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون بالله. {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها. ومعنى التبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه. وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها، وهو نسخها بآية سواها. وقد تقدّم الكلام في النسخ في البقرة {قَالُواْ } أي: كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ {إِنَّمَا أَنتَ } يا محمد {مُفْتَرٍ } أي: كاذب مختلق على الله، متقوّل عليه بما لم يقل، حيث تزعم أنه أمرك بشيء. ثم تزعم أنه أمرك بخلافه، فردّ الله سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم، فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } شيئاً من العلم أصلاً، أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ، فإنه مبنيّ على المصالح التي يعلمها الله سبحانه، فقد يكون في شرع هذا الشيء مصلحة مؤقتة بوقت، ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره، ولو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة، لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل والرفق واللطف. ثم بين سبحانه لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ، الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله، وأن رسوله افتراه فقال: {قُلْ نَزَّلَهُ } أي: القرآن المدلول عليه بذكر الآية. {رُوحُ ٱلْقُدُسِ } أي: جبريل، والقدس: التطهير. والمعنى: نزله الروح المطهر من أدناس البشرية، فهو من إضافة موصوف إلى الصفة {مِن رَبّكَ } أي: ابتداء تنزيله من عنده سبحانه، و {بِٱلْحَقّ } في محل نصب على الحال، أي: متلبساً بكونه حقاً ثابتاً لحكمة بالغة {لِيُثَبّتَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } على الإيمان، فيقولون: كلّ من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا؛ ولأنهم أيضاً إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ثبتت أقدامهم على الإيمان ورسخت عقائدهم. وقرىء {ليثبت} من الإثبات {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ } وهما معطوفان على محل {ليثبت} أي: تثبيتاً لهم وهداية وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبههم فقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } اللام هي الموطئة، أي: ولقد نعلم أن هؤلاء الكفار يقولون: إنما يعلم محمداً القرآن بشر من بني آدم غير ملك. وقد اختلف أهل العلم في تعيين هذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا، فقيل: هو غلام الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانياً فأسلم، وكان كفار قريش إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أخبار القرون الأولى مع كونه أمياً، قالوا: إنما يعلمه جبر، وقيل: اسمه يعيش، عبد لبني الحضرميّ، وكان يقرأ الكتب الأعجمية. وقيل: غلام لبني عامر بن لؤيّ، وقيل: هما غلامان: اسم أحدهما يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتاباً لهم. وقيل: كانا يقرآن التوراة والإنجيل. وقيل: هو سلمان الفارسي. وقيل: عنوا نصرانياً بمكة اسمه بلعام، وكان يقرأ التوراة. وقيل: عنوا رجلاً نصرانياً كان اسمه أبا ميسرة يتكلم بالرومية، وفي رواية اسمه عداس. قال النحاس: وهذه الأقوال غير متناقضة، لأنه يجوز أنهم زعموا أنهم جميعاً يعلمونه، ولكن لا يمكن الجمع باعتبار قول من قال: إنه سلمان، لأن هذه الآية مكية، وهو إنما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال: {لّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ } الإلحاد: الميل، يقال: لحد وألحد أي: مال عن القصد. وقد تقدّم في الأعراف. وقرأ حمزة والكسائي "يلحدون" بفتح الياء والحاء. وقرأ من عداهما بضم الياء وكسر الحاء، أي: لسان الذين يميلون إليه ويزعمون أنه يعلمك أعجميّ، يقال: رجل أعجم وإمرأة عجماء، أي: لا يفصحان، والعجمة: الإخفاء، وهي ضدّ البيان. والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بها أعجمياً. قال الفراء: الأعجم: الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجميّ: هو العجمي الذي أصله من العجم. وقال أبو علي الفارسي: العجمي المنسوب إلى العجم الذي لا يفصح، سواء كان من العرب أو من العجم، وكذلك الأعجم. والأعجمي: المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً. {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } الإشارة إلى القرآن، وسماه لساناً لأن العرب تقول للقصيدة والبيت: لساناً، ومنه قول الشاعر:شعر : لسان الشر تهديها إلينا وخنت وما حسبتك أن تخونا تفسير : أو أراد باللسان: البلاغة، فكأنه قال: وهذا القرآن ذو بلاغة عربية وبيان واضح، فكيف تزعمون أن بشراً يعلمه من العجم؟ وقد عجزتم أنتم عن معارضة سورة منه، وأنتم أهل اللسان العربي ورجال الفصاحة، وقادة البلاغة، وهاتان الجملتان مستأنفتان سيقتا لإبطال طعنهم ودفع كذبهم. ولما ذكر سبحانه جوابهم، وبخهم وهددّهم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي: لا يصدّقون بها {لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ } إلى الحق الذي هو سبيل النجاة، هداية موصلة إلى المطلوب لما علم من شقاوتهم {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } بسبب ما هم عليه من الكفر والتكذيب بآيات الله. ثم لما وقع منهم نسبة الافتراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ عليهم بقوله: {إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } فكيف يقع الافتراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رأس المؤمنين بها، والداعين إلى الإيمان بها. وهؤلاء الكفار هم الذين لا يؤمنون بها، فهم المفترون للكذب. قال الزجاج: المعنى: إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلاّ الله كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة، ثم سماهم الكاذبين. فقال: {وَأُوْلـئِكَ } أي: المتصفون بذلك {هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } أي: إن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عادتهم فهم الكاملون في الكذب، إذ لا كذب أعظم من تكذيبهم بآيات الله. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد ابن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه سئل عن الحياة الطيبة: المذكورة في الآية فقال: الحياة الطيبة الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا، وإذا صار إلى ربه، جازاه بأحسن ما كان يعمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الكسب الطيب، والعمل الصالح. وأخرج العسكري في الأمثال عن عليّ في الآية قال: القناعة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال: القنوع، قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الّلهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف عليّ كل غائبة لي بخير». وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه»تفسير : . وأخرج الترمذي، والنسائي من حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع به»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر عن عطاء قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة وغيرها من أجل قوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }. وقد ورد في مشروعية الاستعاذة عند التلاوة ما لعلنا قد قدّمنا ذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } يقول: سلطان الشيطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن مردويه، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } وقوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } قال: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاره. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } قال: هو كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا } تفسير : [البقرة: 106]. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه قال السيوطي: بسندٍ ضعيف عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بمكة قينا اسمه بلعام، وكان أعجمياً، فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ..} الآية. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عنه في الآية، قال: قالوا إنما يعلم محمداً عبد بن الحضرمي وهو صاحب الكتب، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج آدم بن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن عبد الله ابن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان من أهل عين التمر، يقال لأحدهما: يسار. والآخر: جبر، وكان يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن الإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن فيقف ويستمع، فقال المشركون: إنما يتعلم منهما، فنزلت هذه الآية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {مَن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينهُ حياةً طيبة} فيها خمسة تأويلات: أحدها: أنها الرزق الحلال، قاله ابن عباس. الثاني: أنها القناعة، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري. الثالث: أن يكون مؤمناً بالله عاملاً بطاعته، قاله الضحاك. الرابع: أنها السعادة، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الخامس: أنها الجنة، قاله مجاهد وقتادة. ويحتمل سادساً: أن تكون الحياة الطيبة العافية والكفاية. ويحتمل سابعاً: أنها الرضا بالقضاء. {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجازى على أحسن الأعمال وهي الطاعة، دون المباح منها. الثاني: مضاعفة الجزاء وهو الأحسن، كما قال تعالى {أية : من جاءَ بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160].

ابن عبد السلام

تفسير : {حَيَاةً طَيِّبَةً} بالرزق الحلال "ع"، أو القناعة، أو الإيمان بالله ـ تعالى ـ والعمل بطاعته، أو السعادة "ع"، أو الجنة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سئل عن هذه الآية ‏ {‏من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة‏}‏ قال‏:‏ الحياة الطيبة، الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا‏.‏ وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏فلنحيينه حياة طيبة‏}‏ قال‏:‏ الحياة الطيبة، الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا، وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فلنحيينه حياة طيبة‏}‏ قال‏:‏ يأكل حلالاً ويشرب حلالاً ويلبس حلالا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏حياة طيبة‏}‏ قال‏:‏ الكسب الطيب والعمل الصالح‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏حياة طيبة‏}‏ قال‏:‏ السعادة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏فلنحيينه حياة طيبة‏}‏ قال‏:‏ القنوع‏.‏ قال‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو‏:‏ ‏"‏حديث : اللهم قنّعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير‏ "‏‏. تفسير : وأخرج وكيع في الغرر، عن محمد بن كعب القرظي في قوله‏:‏ ‏ {‏فلنحيينه حياة طيبة‏} ‏ قال‏:‏ القناعة‏. وأخرج وكيع عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم:‏ ‏"حديث : ‏القناعة مال لا ينفد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم عن ابن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي والنسائي عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به‏ "‏‏. تفسير : وأخرج وكيع في الغرر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم:‏ ‏"حديث : ‏القناعة مال لا ينفد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏حياة طيبة‏}‏ قال‏:‏ ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة‏.

ابو السعود

تفسير : {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً} أي عملاً صالحاً أيَّ عملٍ كان، وهذا شروعٌ في تحريض كافةِ المؤمنين على كل عملٍ صالح غِبَّ ترغيبِ طائفةٍ منهم في الثبات على ما هم عليه من عمل صالحٍ مخصوصٍ دفعاً لتوهم اختصاصِ الأجر الموفورِ بهم وبعملهم المذكور وقوله تعالى: {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} مبالغةٌ في بـيان شمولِه للكل {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قيّده به إذ لا اعتدادَ بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب أو تخفيفِ العذاب لقوله تعالى: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان، الآية 23] وإيثارُ إيرادِه بالجملة الاسميةِ الحالية على نظمه في سلك الصلةِ لإفادة وجوبِ دوامه ومقارنتِه للعمل الصالح {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً} أما إن كان موسراً فظاهرٌ وأما إن كان معسِراً فيطيب عيشُه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقعِ الأجرِ العظيم كالصائم يطيب نهارُه بملاحظة نعيمِ ليلِه بخلاف الفاجر، فإنه إن كان معسراً فظاهرٌ وإن كان موسراً فلا يدعه الحِرصُ وخوفُ الفوات أن يتهنأ بعيشه {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} في الآخرة {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} حسبما نفعل بالصابرين فليس فيه شائبةُ تكرار، والجمعُ في الضمائر العائدةِ إلى الموصول لمراعاة جانبِ المعنى كما أن الإفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ، وإيثار ذلك على العكس لِما أن وقوعَ الجزاءِ بطريق الاجتماعِ المناسبِ للجمعية ووقوعَ ما في حيز الصلةِ وما يترتب عليه بطريق الافتراقِ والتعاقُب الملائمِ للإفراد، وإذ قد انتهى الأمرُ إلى أن مدار الجزاءِ المذكورِ وهو صلاحُ العمل وحسنُه رُتّب عليه بإلغاء الإرشاد إلى ما به يحسُن العمل الصالح ويخلُص عن شَوب الفساد فقيل: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ} أي إذا أردت قراءتَه عبّر بها عن إرادتها على طريقة إطلاقِ اسم المسبّب على السبب إيذاناً بأن المرادَ هي الإرادةُ المتصلةُ بالقراءة {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} فاسأله عز جارُه أن يعيذك {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} من وساوسه وخطَراتِه كيلا يوسوسَك عند القراءة فإن له هَمّةً بذلك، قال تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ} تفسير : [الحج: 52]، وتوجيهُ الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيصُ قراءة القرآن من بـين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبـيه على أنها لغيره عليه الصلاة والسلام وفي سائر الأعمال الصالحةِ أهمّ فإنه عليه السلام حيث أُمر بها عند قراءةِ القرآن الذي لا يأتيه الباطلُ من بـين يديه ولا من خلفه فما ظنكم بمن عداه عليه السلام وفيما عدا القراءةَ من الأعمال والأمرُ للندب وهذا مذهبُ الجمهور، وعند عطاءٍ للوجوب وقد أخذ بظاهر النظمِ الكريم فاستعاذ عَقيبَ القراءة أبو هريرة رضي الله عنه ومالكٌ وابنُ سيرينَ وداودُ وحمزةُ من القراء، وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه: قرأتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال عليه السلام: « حديث : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريلُ عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ ».

التستري

تفسير : قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}[97] قال: الحياة هي أن ينزع من العبد تدبيره، ويرد إلى تدبير الحق فيه.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [الآية: 97]. روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: هى القناعة. قال أبو يعقوب السوسى: الحياة الطيبة عيش الفقراء الصُّبر. وقيل: عيش الفقراء الراضين. قال سهل بن عبد الله: هو أن يُنزع عن العبد تدبيره ويرد إلى تدبير الحق فيه. قال الجريرى: هو العيش مع الله والفهم عن الله تعالى. وقال ابن عطاء: هو روح اليقين وصدق نية القلب. قال جعفر: الحياة الطيبة أن يطيب له بأن كل ذلك من الله إليه. قال ابن عطاء: العيش مع الله تعالى والسهو والإعراض عَمّا دونه. قال جعفر: هى المعرفة بالله وصدق المقام مع الله تعالى وصدق الوقوف مع الله تعالى. قال بعضهم: الحياة الطيبة الاستغناء بالله تعالى لا يريد به بدلاً ولا عنه حولاً. قال ابن عطاء: الحياة الطيبة بإسقاط الكونين عن سرّه حتى يبقى مع ربه. قال القاسم: هى التى لا يطمع فيها إلى غير الله تعالى.

القشيري

تفسير : الصالح ما يصلح للقبول، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر الله به. وقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً}: في الحال، {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}: في المآل؛ فصفَاءُ الحالِ يستوجِبُ وفاءَ المآلِ، والعملُ الصالحُ لا يكون من غير إيمان، ولذا قال: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}. ويقال {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي مصدِّقٌ بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح. ويقال {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي مصدِّقٌ بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه. قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}: الفاء للتعقيب، {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ...} الواو للعطف ففي الأولى مُعَجَّل، وفي الثانية مؤجَّل، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يُعْرَف بالنطق، وإنما يعرف ذلك بالذوق؛ فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة، وقوم قالوا إنه القناعة، وقوم قالوا إنه الرضا، وقوم قالوا إنه النجوى، وقوم قالوا إنه نسيم القرب... والكل صحيحٌ ولكلِّ واحدٍ أهل. ويقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب، وفي معناه قالوا: شعر : نحن في أكمل السرور ولكنْ ليس إلا بكم يَتِمُّ السرورُ عَيْبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودِّي أنكم غُيِّبٌ ونحن حُضُورُ تفسير : ويقال الحياة الطيبة للأَولياء ألا تكون لهم حاجةٌ ولا سؤالٌ ولا أَرَبٌ ولا مُطَالَبَةٌ وفرقٌ بين من له إرادة فتُرْفَع وبين من لا إرادةَ له فلا يريد شيئاً، الأولون قائمون بشرط العبودية، والآخرون مُعْتَقُون بشرط الحرية.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} معنى الآية ان العمل الصالح ثلاثة اشياء التبرى من الكون وما فيه بنعت تصاغره فى عين من يرى القدم وبذل الوجود لتصاريف الربوبية بنعت الرضا واللذة فى البلاء ورفع النظر عن الجزاء والاعواض بكل حال وهو مؤمن اى موقن مشاهد فى حاله وعلمه قبول الحق واقباله اليه بوصف الرضا عنه وايضا هو مشاهد ما وعده الله له من احكام الغيب بنور البصيرة وايضا وهو مخلص عن النظر الى غير الله وهو مؤمن بما يقول هاتف الغيب فى قلبه وايضا هو مؤمن بان وجوده وطاعته لا يليق بحضرة القدم من كان هكذا يلبس الحق سره وروحه وقلبه وعقله بركة حياته الازلية فيحييه بحياته ويريه بهاء جماله ويصيره مستانسا بوصله معافا من فضله فيكون ملبسا فى ظاهره وباطنه بلباس لطفه محروسا من قهره برعايته فمقامه مقام العافية خارجا من امتحان البلاء وهذا جزاء من اقبل عليه له لا لنفسه ولا لغيره فيبقى عيشه مع الحق بلا كدورة ولا فترة وفى جميع انفاسه مشاهدة مكاشف خارج من نعوت التغائر النفسانية بحوادث الشهوات وخطرات الشيطان ما اطيب حاله وما احلى شانه وما الذُّ حاله طوبى له ثم طوبى له روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال الحياة الطيبة هى القناعة وقال السوسى الحياة الطيبة عيش الفقراء الصبر وقيل عيش الفقراء الرضا وقال الجريرى هو العيش مع الله والفهم عن الله وقال ابن عطا اسقاط الكونين عن سره حتى يبقى مع ربه وقال ايضا روح اليقين وصدق نية القلب وقال سهل ذلك قلب بقى مع الله بلا روية الكون وقال جعفر يعيش مع الخلق بالنفس وقلبه معلق بمشاهدة الله وقال ايضا قلب مع الصفاء وروح مع اللقاء وبدن مع الوفاء وقيل حياة القلب مع الله بحسن المعرفة وتجريد الهمة قال الصادق القناعة والرضا وقال ايضا اذا كان قلبه فى محبة الله ولسانه فى ذكر الله وجوارحه فى خدمته === حياة طيبة وقال ايضا اذا اجتمع له خمس مقام وهو عيش السرمدية وحياة الابدية وصدق العبودية وقرب الصمدية وملك الازلية فذلك حياة طيبة وقال الواسطى هو الرضا بالميسور والصبر على كربة المقدور فما طابت حياة احد الا بالرضاء بما قدر الله وقضى وقال الاستاد فى قوله وهو مؤمن العمل الصالح لا يكون من غير المؤمن فمعناه عمل صالحا فى الحال وهو مؤمن ففى المآل لان صفاء الحال لا ينفع الا مع وفاء المآل فان الامور === ويقال وهو مؤمن اى مصدق بان نجاته بفضل الله لا بعمله الصالح ويقال الحياة الطيبة هو نسيم القربة يقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب وفى معناه قالوا شعر : نحن فى اكمل السّرور ولكن ليس الا بكم يتم السرور غبت ما نحن فيه يا اهل ودّى انكم غيب ونحن حضور تفسير : ويقال الحياة الطيبة الاولياء ان لا يتركه لهم سوالا ==== الا صدقه واما الخواص فالحياة الطيبة لهم ان لا يكون لهم حاجة ولا سوال ولا ارب ولا مطالبة وكم بين من له مراد فيرتفع وبين من لا ارادة له فلا يريد شيئا الاولون قائمون بشرط العبودية والآخرون معتقون بشرط الحرية.

اسماعيل حقي

تفسير : {من} [هركه] {عمل} [بكند] {صالحا} اى عملا صالحا اى عمل كان وهو ما كان لوجه الله تعالى ورضاه ليس فيه هوى ولا رياء والفرق بينهما ان الهوى بالنسبة الى النفس والرياء بالنسبة الى الخلق {من ذكر او انثى} اى حال كون ذلك العامل من رجل او امرأة بينه بالنوعين ليعمهما الوعد الآتى ولا يتوهم التخصيص بالذكور بناء على كثرة استعمال لفظ من فيهم وان الاناث لا يدخلن فى اكثر الاحكام والمحاورات الا بطريق التغليب او التبعية {وهو} اى والحال ان ذلك العامل {مؤمن} قيده به اذلا اعتداد باعمال الكرة فى استحقاق الثواب وانما المتوقع عليها تخفيف العذاب كما قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله تعالى يأمر بالكافر السخى الى جهنم فيقول لمالك خازن جهنم عذبه وخفف عنه العذاب على قدر سخائه الذى كان فى دار الدنيا"تفسير : كما فى تفسير السمرقدنى ويؤيده ما قيل انه لما عرج النبى صلى الله عليه وسلم اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال جبرائيل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كما فى انيس الوحدة {فلنحيينه حيوة طيبة} فى الدنيا يعيش عيشا طيبا لانه ان كان موسرا فظاهر وان كان معسرا فيطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقع الاجر العظيم فى الآخرة كالصائم يطيب نهاره بملاحظة نعيم ليله بخلاف الفاجر فانه ان كان معسرا فظاهر وان كان موسرا فلا يدعه الحرص وخوف الفوت ان يتهنأ بعيشه {ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون} اى ولنعطينهم فى الآخرة اجرهم الخاص بهم بما كانوا يعملون من الصالحات وانما اضيف اليه الاحسن للاشعار بكمال حسنه كما سبق فى حق الصابرين. وفى التأويلات النجمية يشير بالذكر الى القلب وبالانثى الى النفس فالعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة بتقوى الله وصدقه على وفق الطريقة تزكية عن صفاتها الذميمة وافعالها الطبيعية والعمل الصالح من القلب حسن توجهه الى الله بالكلية لطلب الله والاعراض عما سواه تصفية للتحلية بصفات الله والتخلق باخلاقه وبقوله {فلنحيينه حيوة طيبة} يشير الى احياء كل واحد منهما بالحياة الطيبة على قدر صلاحية عمله وحسن استعداد فى قبولها فاحياء النفس بالحياة الطيبة ان تصير مزكاة عن صفاتها متحلية باخلاق القلب الروحانى مطمئنة بذكر الله راجعة الى ربها راضية مرضية واحياء القلب بالحياة الطيبة ان يصير متخلقا باخلاق الله ويكون فانيا عن انانيته بهويته حيا بحياته طيبا عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث فان الله طيب عن هذه الاوصاف فلا يقبل الاطيبا. ثم اعلم ان صلاحية اعمال العباد انما تكون على قدر صدقهم فى المعاملات وحسن استعدادهم فى قبول الفيض الالهى فيكون طيب حياتهم باحياء الله اياهم بحسب ذلك ولنجزينهم فى الآخرة اجر كل طائفة منهم باوفر مان كانوا يظنون ان يجازيهم الله على اعمالهم بيانه قوله {أية : وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما } تفسير : وعن بعض اصحاب الامام احمد بن حنبل رحمه الله قال لما مات احمد رأيته فى المنام وهو يمشى ويتبختر فى مشيه فقلت له يا اخى أى مشية هذه قال مشية الخدام فى دار السلام فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لى والبسنى نعلين من ذهب وقال هذا جزاء قولك القرآن كلام الله المنزل غير مخلوق وقال يا احمد قم حيث شئت فدخلت الجنة فاذا سفيان الثورى رحمه الله له جناحان اخضران يطير بهما من نخلة الى نخلة وهو يقرأ هذه الآية {أية : الحمد لله الذى صدقنا وعده واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين}تفسير : فقلت له أى شئ خبر عبد الواحد الوراق رحمه الله قال تركته فى بحر من النور يراد به الملك الغفور فقلت ما فعل بشر بن الحارث رحمه الله فقال بخ بخ ومن مثل بشر تركته بين يدى الجليل والجليل سبحانه مقبل عليه وهو يقول كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب وتنعم يا من لم ينعم. وقال بعض الاخيار رأيت الشيخ ابا اسحاق ابراهيم بن على ابن يوسف الشيرازى رحمه الله فى المنام بعد وفاته وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج فقلت له ما هذا البياض فقال شرف الطاعة قلت والتاج قال عز العلم فعلم من هذا المذكور ان من عمل صالحا لا بد ان يصل اليه جزاء عمله وان الجزاء من جنس العمل وانه يختلف بحسب اختلاف حال العامل. فعلى العاقل المبادرة الى الاعمال الصالحة والصبر.على مشاق الطاعات الى ان يجيء وعد الله تعالى قال الحافظ. شعر : صبركن حافظ بسختى روزوشب عاقبت روزى بيابى كام را

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {مَن عَمِلَ صالحًا}؛ بأن صحبه الإخلاص، وتوفرت فيه شروط القبول، {من ذَكَرٍ أو أنثى وهو مؤمن}؛ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تحقيق العقاب، {فلنحيينَّهُ حياة طيبةً} في الدنيا، بالقناعة والكفاية مع التوفيق والهداية. قال البيضاوي: يعيش عيشًا طيبًا، فإنه، إن كان موسرًا، فظاهر، وإن كان معسرًا يطيبُ عيشه بالقناعة، والرضا بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم، بخلاف الكافر، فإنه، إن كان معسرًا فظاهر، وإن كان موسرًا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يهنأ بعيشه، وقيل: في الآخرة، أي: في الجنة. هـ. {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} من الطاعة، فيجازيهم على الحسن بجزاء الأحسن. وبالله التوفيق. الإشارة: الحياة الطيبة إنما تتحقق بكمالها عند أهل التجريد؛ حيث انقطعت عنهم الشواغل في الظاهر، والعلائق في الباطن، فاطمأنت قلوبهم بالله، وسكنت أرواحهم في حضرة الله، وتحققت أسرارهم بشهود الله، فدام سرورهم، واتصل حبورهم بحلاوة معرفة محبوبهم، وهذه نتيجة شرب الخمرة الأزلية، كما قال ابن الفارض في مدحها: شعر : وإنْ خَطَرَتْ يومًا على خاطرِ امرىءٍ أقامتْ به الأفراحُ وارتحلَ الهمّ تفسير : هذا في الخطور، فما بالك بالسكون ودوام الحضور؟ وقال أيضًا في شأنها: شعر : فما سكنَتْ والهمّ يومًا بموضع كذلك لا يسكُنْ مع النَّغَم الغَم تفسير : وإنما تحقق لهم هذا الأمر العظيم؛ لرسوخ قدمهم في مقام الإحسان، وسكونهم في جنة العرفان، فَهَبَّ عليهم نسيم الرضا والرضوان، وترقت أرواحهم إلى مقام الروح والريحان، فقلوبهم بحار زاخرة لا تكدرها الدلاء، وأرواحهم أنوار ساطعة لا يؤثر فيها ليل القبض والابتلاء، وأسرارهم بأنوار المواجهة مشرقة، فدام سرورها بكل ما يبرز من عنصر القضاء. والحاصل: أن أهل هذا المقام عندهم من الإكسير والقوة ما يقلبون به الأعيان، فيقلبون الشرِّيات خيريات، والمعاصي طاعات، والإساءة إحسانًا، والجلال جمالاً... وهكذا، فأَنَّى تغير قلوبَ هؤلاء الأكدارُ؟ وأنى تنزل بساحتهم الأغيارُ، وهم في حضرة الكريم الغفار؟ نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. ومن جملة الحياة الطيبة التنعم بحلاوة القرآن ولا يتحقق ذلك إلاَّ بالبعد والحفظ من خوض الشيطان

الطوسي

تفسير : هذا وعد من الله تعالى بأن من عمل صالحاً من الطاعات سواء كان فاعله ذكراً او أنثى، وهو مع ذلك مؤمن بتوحيد الله، مقرّ بصدق أنبيائه، فأن الله يحييه حياة طيبة. وقال ابن عباس: الحياة الطيبة هو الرزق الحلال. وقال الحسن: هي القناعة. وقال قتادة: حياة طيبة في الجنة. وقال قوم: الأولى ان يكون المراد بها القناعة في الدنيا، لأنه عقيب ما توعد غيرهم به من العقوبة فيها مع ان اكثر المؤمنين ليسوا بمتسعي الرزق في الدنيا. ثم أَخبر انه يجزيهم زيادة على الحياة الطيبة {أجرهم} وثوابهم {بأحسن ما كانوا يعملون} وقد فسرّناه، وإِنما قال: {ولنجزينهم} بلفظ الجمع؛ لان (مَنْ) يقع على الواحد والجميع، فردّ الكناية على المعنى، ثم خاطب نبيه، فقال: يا محمد {فإِذا قرأت القرآن} والمراد به جميع المكلفين {فاستعذ بالله} والمعنى إِذا اردت قراءة القرآن {فاستعذ بالله} كما قال: {أية : إِذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}تفسير : والمعنى اذا اردتم القيام اليها، لأن بعد القراءة لا يجب الاستعاذة إِلا عند من لا يعتد بخلافه. وقال قوم: هو على التقديم والتأخير، وهذا لا يجوز لانه ضعيف، لانه لا يجوز التقديم، والتأخير في كل شيء، ولذلك حدود في العربية لا تتجاوز. وإِنما يجوز ذلك مع ارتفاع اللبس والشبهة. والاستعاذة عند التلاوة مستحبة غير واجبة - بلا خلاف - {من الشيطان الرجيم} أي استعذ بالله من المبعّد من رحمة الله المرجوم، من سخطه. ثم أخبر أنه {ليس} للشيطان سلطان ولا حجة {على الذين آمنوا} بالله وحده ولم يشركوا به سواه. وفوضوا أمرهم اليه وتوكلوا عليه. وإِنما سلطانه وقدرته على الذين يتولونه ويقبلون منه، وعلى الذين يشركون في عبادة الله سواه. وقال الجبائي: في الآية دلالة على ان الصرع ليس من قبل الشيطان، قال: لانه لو امكنه أن يصرعه، لكان له عليهم سلطان. وأجازه أبو الهذيل وابن الاخشاد، وقالا: إِنه يجري مجرى قوله {أية : كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ} تفسير : ولأن الله تعالى قال: {إِنما سلطانه على الذين يتولّونه} وإِنما أراد سلطان الاغواء والاضلال عن الحق. ومعنى قوله {والذين هم به مشركون} فيه قولان: احدهما - قال الربيع: من أن الذين يطيعونه فيما يدعو اليه من عبادة غير الله مشركون، فلما كان من اطاعه فيما يدعو اليه من عبادة غير الله مشركاً، كان به مشركاً، وهو من الايجاز الحسن. والثاني - قال الضحاك: الذين هم بالله مشركون.

الجنابذي

تفسير : {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً} اى عملاً واحداً صالحاً اىّ عمل كان وقد مرّ مراراً انّ العمل الصّالح الحقيقىّ هو الّذى يكون مرتبطاً بالولاية، او المراد بالتّنكير التّفخيم اى من عمل صالحاً عظيماً هو اصل جميع الصّالحات وهو عمل نفس الولاية {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} التّقييد به للاشارة الى انّ صورة العمل من غير ارتباطها بالولاية الّت هى الايمان غير معتبرة فى الحكم مثل الاعمال الّتى كانت لمنافقى الامّة، او المراد بالايمان ههنا الاسلام {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} الحياة الطّيّبة هى ما تكون خالية عن شوب الآلام فى الدّنيا والآخرة وقد فسّرت فى الاخبار بالقنوع بما رزقه الله والرّضا به {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لمّا كان هذه بشارة كاملة للمبتاعين كرّره تأكيداً.

اطفيش

تفسير : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا} عمل صالحا من فرض أو نفل، ودخل فيه ترك ما نهى عنه {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} والخنثى ذكر عن الله أو أنثى أو اقتصر على الغالب وفى ذكر الذكر والأنثى ترغيب لها، ودفع لتوهم أن لا ثوب لها، كما روى أن النساء اشتكين أنهن لا يذكرن فى الخير، فأوحى الله إليه صلى الله عليه وسلم أنهنَّ مشتركات مع الرجال فيما عملوا لإعانتهن بالقيام بالبيت، ومصالح الرجل، وذلك مثل قوله تعالى: "أية : إن المسلمين والمسلمات" تفسير : [الأحزاب: 35] إلخ ومثل قوله: {من ذكر أو أنثى}. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} موحِّد غير مصر على ذنب، إِذ لا ثواب للمشرك ولا للمصر، لأن الإحباط مراعى كالإحباط بالمن والأذى، وكقول عائشة: قل لفلان إنه أحبط عمله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيع ربا بتذرع كما ذكره الشيخ عامر فى الإيضاح، واختلف فى المشرك، هل ينقص عذابه فى النار بحسناته فى الدنيا؟ الصحيح لا، ونسب للجمهور، وكثرت أدلته فإن صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أبا طالب فى ضحضاح من فر إلى كعبيه فقط، والتخفيف عن أبى لهب فى كل يوم اثنين، فمن خصوصياته صلى الله عليه وسلم، وأعظم من هذا ما ذكروا أَنه يسقى أبو لهب فى مثل نقرة الإبهام، وقوله تعالى: "أية : فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه" تفسير : [الزلزلة: 7] خاص بالسعداء، وما بعده بالأشقياء، وأما دفع السوء فى الدنيا بما عمل من خير فوقع لا يختلف فيه. {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} فى الدنيا بالقناعة والرزق الحلال، موسراً أو متوسطا أو معسراً، وإراحة القلب عن الجزع، والحرص، وعدم القلق إذ صدق بأَن الله عز وجل ضمن رزقه ولو يومًا بيوم، ورضى بقسم الله، وانتظر أجر الآخرة، وإذا جاءه سوء لم يشتد عليه ما اشتد على الكافر، لأنه قد يتوقعه، فلم يجئه من حيث يتوقع الخير، بخلاف الكافر فإنه ما يتوقع السوء، فإذا جاء جاءه من حيث يتوقع الخير، فيزيد شدة فى قلبه، والمشرك والفاسق فى تعب القلب، أو مع البدن، ولو فى إيسار خوف النقص. وقيل: الحياة الطيبة لمدة الطاعة، وقيل: فى القبر لأنه يستريح من أذى الدنيا، فعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" تفسير : وقيل: الحياة الطيبة الحياة بالحلال لأنه لا يترتب عليها عقاب بخلاف الحياة بالحرام، كما جاء: "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به" وفيه أن المقام ليس لهذا، وقيل: فى الحنة لزوال الأذى فيها البتة، والصحيح أن ذلك فى الدنيا، أو فى البرزخ يأكل من ثمار الجنة عند باب الجنة، وإن كان شهيداً ففيها حتى تقوم الساعة ويموت كل شئ إلا الله، فلا أكل وأما الآخرة ففى قوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وإِن فسرت بالآخرة فقوله: ولنجزينَّهم فيها أيضًا بيان لكون مراتبها بقدر الأعمال، وليس فيه عطف الشئ على نفسه، ولا تكرير بين قوله: {من عمل صالحا} الخ وقوله: "أية : ولنجزينَّ الذين صبروا"تفسير : [النحل: 96] لأن الآخرة على العموم، والأولى فى حق من عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن جعلنا الأولى على العموم أيضًا فهذه إشارة إِلى جلب المصالح، أو الأولى على الصبر، وهذه على ما هو أعم، أو الأولى فى الدنيا، وهذه فى الآخرة، ولما ذكر الله عز وجل أنه يجازى على الصالحات، وذكر ما يخلص به العمل من الفساد، وهو الاستعاذة فقال حفظًا عنه، ودفعاً للوسوسة فى القراءة: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} أردت قراءة القرآن فالاستعاذة قبل القراءة أطلق للسبب، وهو القراءة على السبب، وهو الإرادة، أو إذا شارفت قراءة القرآن فأطلق لفظ أحد لتجاورين على الآخر، فى الآية على الوجهين مجاز مرسل تبعى. وقالت الظاهرية: بعدها للفظ الآية، ولا يقدرون الإرادة، وهو خطأ فاحش، ونسب لأبى هريرة، وابن سيرين، ومالك، والنخعى، وحمزة الغاربى وداود الأصبهانى الذى تنسب إليه الظاهرية، فعن نافع، عن جبير بن مطعم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل القراءة: "حديث : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"تفسير : والحديث يفسر القرآن وبالعكس، وهو رواية عن ابن سيرين، وزعم بعض أنه يستعوذ قبل القرآن وبعدها احتياطًا، وهو مخالف للسنة، ويستعاذ للقراءة فى الصلاة وغيرها وجوباً على الصحيح، لأن الأمر للوجوب، وقيل: استحبابًا، ونسبه قومنا للجمهور. ويستعاذ قبل القراءة فى الركعة الأولى فقط عندنا، وعند الحنفية وقال الشافعى: أول كل ركعة، لأن القراءة قد فصلت بالتكبير وما بعده، ثم رجع آخر إلى أنها أول الركعة الأولى فقط، وهو بعد تكبيرة الإحرام لا قبلها، لأنها للقراءة، وروى أنه صلى الله عليه وسلم إذا أتم التوجيه قال: "حديث : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم"تفسير : ، ولعله بذلك أخذ من يستعيذ قبل الإحرام، ولا يحسن ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم رجع إِلى أن لا يقال: أعوذ بالله السميع العليم إلخ، بل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإِلى أنه بعد الإحرام، وعن ابن سيرين: تجزى الاستعاذة فى العمر مرة واحدة فى الصلاة أو غيرها، ويرده أنها معلقة بالقراءة كالغسل من كل جنابة، إذ قال الله عز وجل: "أية : وإن كنتم جُنُبًا فاطّهَّروا" تفسير : [المائدة: 6] وكأنه قيل كلما أردت القراءة فاستعذ. وأجمع القراء وجمهور الفقهاء على أن الاستعاذة قبل القراءة، وجاء الحديث على ذلك، ومرّ حديث نافع وعن معقل بن يسار أنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم فقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يُمسي"تفسير : وفى الآية قراءة البسملة داخل السورة، ومنعه أصحابه. {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} قال ابن مسعود رضى الله عنه قلت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: "حديث : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ" تفسير : والمتبادر أنه أراد القلم الذى أمره الله بالكتابة فكتب، ولا يضرنا فى ذلك أنه متقدم فى الرتبة عن اللوح. ومعنى رواية جبريل عن القلم أنه ثبت عن القلم، وإلا فالقلم متقدم ساكت، وقيل: المراد القلم الذى ينسخ به جبريل من اللوح، والمراد بالشيطان إبليس، لأنه الذى سن كل شر، فالمراد الاستعاذة من شروره، ولو جرت على يد غيره، وقيل: إبليس وأعوانه، ولو آدميين، وأخذ من الآية أن الاستعاذة واجبه، وأنها للقرآن، وأنها توصل به، وأنها بعد الإحرام للصلاة متصلة بالقرآن غير مفصولة بالتكبير، ومن لم يطق الإعجام فهو معذور فى ترك الإعجام كما يعذر فى لفظ من الفاتحة أو غيرها لا يطيقه، وما فى كتب الفقه من الأقوال معروف، ويعتقد أن المعنى الاعتصام بالله تعالى.

الالوسي

تفسير : {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً} أي عملا صالحاً أي عمل كان، وهذا ـ كما قيل ـ شروع في تحريض كافة المؤمنين على كل عمل صالح غب ترغيب طائفة منهم في الثبات على ما هم عليه من عمل صالح مخصوص دفعاً لتوهم [اختصاص] الأجر الموفور بهم وبعملهم، وقوله تعالى: {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} دفع لتوهم تخصيص {مِنْ} بالذكور لتبادرهم من ظاهر لفظ {مِنْ} فإنه مذكر وعاد عليه ضميره وإن شمل النوعين وضعاً على الأصح، واستدل عليه بما رواه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه»تفسير : ، وقول أم سلمة: «فكيف تصنع النساء بذيولهن» الحديث فإن أم سلمة رضي الله تعالى عنها فهمت دخول النساء في {مِنْ} وأقرها على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأنهم أجمعوا على أنه لو قال: من دخل داري فهو حر فدخلها الإماء عتقن، وبعضهم يستدل على ذلك أيضاً بهذه الآية إذ لولا تناوله الأنثى وضعاً لما صح أن يبين بالنوعين. وفي "الكشف" كان الظاهر تناوله للذكور من حيث إن الإناث لا يدخلن في أكثر الأحكام والمحاورات وإن كان التناول على طريق التعميم والتغليب حاصلاً لكن لما أريد التنصيص ليكون أغبط للفريقين ونصاً في تناولهما بين بذكر النوعين اهـ، والقول الأصح أن التناول لا يحتاج إلى التغليب، وتمام الكلام في ذلك في "كتب الأصول". وقوله تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} في موضع الحال من فاعل {عَمِلَ} وقيد به إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة الصالحة في استحقاق الثواب إجماعاً، واختلف في ترتب تخفيف العقاب عليها، فقال بعضهم: لا يترتب أيضاً لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ } تفسير : [النحل: 85] وقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وقال الإمام: إن إفادة العمل الصالح لتخفيف العقاب غير مشروطة بالإيمان لقوله تعالى: {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} تفسير : [الزلزلة: 7] وحديث أبـي طالب أنه اخف الناس عذاباً لمحبته وحمايته النبـي صلى الله عليه وسلم. وفي "البحر" أن قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7] مخصص بهذه الآية ونحوها أو يراد ـ بمثقال ذرة ـ مثقال ذرة من إيمان كما جاء فيمن يخرج من النار من عصاة المؤمنين، وقال الكرماني: إن تخفيف العذاب عن أبـي طالب ليس جزاء لعمله بل هو لرجاء غيره أو هو من خصائص نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال بعضهم: الإيمان شرط لترتب التخفيف على الأعمال الصالحة إذا كانت مما يتوقف صحتها على النية التي لا تصح من كافر وليس شرطاً للترتب عليها إذا لم تكن كذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام. وإيثار الجملة الاسمية لإفادة وجوب دوام الإيمان ومقارنته للعمل الصالح في ترتب قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَٰوةً طَيّبَةً} الخ، والمراد بالحياة الطيبة الحياة التي تكون في الجنة إذ هناك حياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاوة، أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال: ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، وروي نحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد، ولله تعالى در من قال:شعر : لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم تفسير : وقال شريك: هي حياة تكون في البرزخ فقد جاء «حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار».تفسير : / وقال غير واحد: هي في الدنيا وأريد بها حياة تصحبها القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى له وقدره، فقد أخرج البيهقي في "الشعب" والحاكم وصححه وابن أبـي حاتم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسرها بذلك وقال: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير»تفسير : وجاء «القناعة مال لا ينفد». وقال أبو بكر الوراق: هي حياة تصحبها حلاوة الطاعة، وأخرج عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: الحياة الطيبة الرزق الحلال، وروي عن الضحاك ووجه بعضهم طيب هذه الحياة بأنه لا يترتب عليها عقاب بخلاف الحياة بالرزق الحرام فقد جاء «حديث : أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به» تفسير : وهو كما ترى، وقيل: غير ذلك؛ وأولى الأقوال على تقدير أن يكون ذلك في الدنيا تفسيرها بما يصحبه القناعة. قال الواحدي: إن تفسيرها بذلك حسن مختار فإنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريص فإنه أبداً في الكد والعناء. وقال الإمام: ((إن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه: الأول أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى وأنه سبحانه محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضياً بكل ما قضاه وقدره وعرف أن مصلحته في ذلك، وأما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبداً في الحزن والشقاء. الثاني أن المؤمن يستحضر أبداً في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها ويجد نفسه راضية بذلك فعند الوقوع لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه غافل عن تلك المعارف فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه. الثالث أن [قلب] المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى والقلب إذا كان مملوءاً بالمعرفة لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا وأما الجاهل فقلبه خال عن المعرفة متفرغ للأحزان من المصائب الدنيوية. الرابع أن المؤمن عارف أن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجدانها ولا غمه بفقدانها والجاهل لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فيعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها. الخامس أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة الزوال ولولا تغيرها وانقلابها ما وصلت إليه فعند وصولها إليه لا يتعلق بها قلبه ولا يعانقها معانقة العاشق فلا يحزنه فواتها والجاهل بخلاف ذلك)) اهـ، وللبحث فيه مجال. وأورد على التفسير المختار أن بعض من عمل صالحاً وهو مؤمن لم يرزق القناعة بل قد ابتلى بالقنوع، وأجيب بأن المراد بالمؤمن من كمل إيمانه أو يقال: المراد ـ بمن عمل صالحاً ـ من كان جميع عمله صالحاً. وقال البيضاوي في بيان ترتب احيائه حياة طيبة: إنه إن كان معسراً فظاهر وإن كان موسراً فطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقف الأجر العظيم في الأخرة أي على تخلف بعض مراداته عنه وضنك عيشه فقال الخفاجي: إن هذه الأمور لا بد من وجود بعضها في المؤمن والأخير ـ يعني توقع الأجر في الآخرة ـ عام شامل لكل مؤمن فلا يرد عليه أن هذا لا يوجد في كل من عمل صالحاً حتى يؤول المؤمن بمن كمل إيمانه إلى آخر ما سمعت. وتعقب بأن القناعة هي الرضا بالقسم كما في "القاموس" وغيره وتوقع الأجر العظيم لا يوجد بدون ذلك وكيف يحصل الأجر على تخلف المراد وضنك العيش مع الجزع وعدم الرضا، وكلامه ظاهر في تحقق هذا التوقع وإن لم يكن هناك قناعة ورضا ولا يكاد يقع هذا من مؤمن عارف فلا بد من التأويل. وبحث بعضهم فيه أيضاً بأن كمال الإيمان لا يكون بدون الرضا وكذا كون جميع الأعمال صالحة لا يوجد بدونه لأن الأعمال تشمل القلبية والقالبية والرضا من النوع الأول. والمراد من {لَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}/ لنعطينه ما تطيب به حياته فيؤول معنى الآية حينئذ على تقدير أن يراد القناعة والرضا من رضي بالقسمة وفعل كذا وكذا وهو مؤمن أو من عمل صالحاً وهو راض بالقسمة متصف بكذا وكذا مما فيه كمال الإيمان فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به حياته ويتضمن من رضي بالقسمة فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به حياته وهو كما ترى وفيه ما لا يخفى. نعم تفسير الحياة الطيبة بما يكون في الجنة سالم عن هذا القيل والقال، ويراد بها ما سلمت من توهم الموت والهرم وحلول الألم والسقم فيكون قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} إشارة إلى درء المفاسد، وقوله سبحانه: {وَلنَجْزيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إشارة إلى جلب المصالح ولكون الأول أهم قدم فليتأمل، وكأن المراد ولنجزينهم الخ حسبما يفعل بالصابرين فليس في الآية شائبة تكرار كما زعم الطبرسي، والجمع في الضمائر العائدة إلى الموصول لمراعاة جانب المعنى كما أن الإفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ، وإيثار ذلك على العكس بناءاً على كون الإحياء حياة طيبة في الدنيا وجزاء الأجر في الآخرة لما أن وقوع الجزاء بطريق الاجتماع المناسب للجمعية ووقوع ما في حيز الصلة وما يترتب عليه بطريق الافتراق والتعاقب الملائم للإفراد، وقيل بناءاً على كون ذلك في الآخرة: إن الجمع والإفراد لما تقدم، وكذا إيثار ذلك على العكس فيما عدا ضمير {لَنُحْيِيَنَّهُ} وأما في ضميره فلما أن الإحياء حياة طيبة بمعنى ما سلمت مما تقدم أمر واحد في الجميع لا يتفاوت فيه أهل الجنة فكأنهم في ذلك شيء واحد، ولما لم يكن الجزاء كذلك وكان أهل الجنة فيه متفاوتين جيء بضمير الجمع معه فتأمل كل ذلك. وروي عن نافع أنه قرأ {وليجزينهم} بالياء على الالتفات من التكلم إلى الغيبة. قال أبو حيان: ((وينبغي أن يكون ذلك على تقدير قسم ثان لا معطوفاً على {فَلَنُحْيِيَنَّهُ } فيكون من عطف جملة قسمية على مثلها وكلتاهما محذوفتان، ولا يكون من عطف جواب على مثله لتغاير الإسناد وإفضاء الثاني إلى إخبار المتكلم عن نفسه بإخبار الغائب وذلك لا يجوز، وعلى هذا لا يجوز زيد قال لأضربن هنداً ولينفينها تريد ولينفينها زيد فإن جعلته على إضمار قسم ثان جاز أي وقال زيد لينفينها لأن لك في هذا التركيب حكاية المعنى وحكاية اللفظ، ومن الثاني {أية : وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [التوبة: 107] ومن الأول {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ } تفسير : [التوبة: 74] ولو حكى اللفظ قيل ما قلنا)) ا هـ. واستدل بالآية على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح مغايرة الشرط للمشروط. هذا وإذ قد انتهى الأمر إلى مدار الجزاء وهو صلاح العمل وحسنه رتب عليه بالفاء الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح، ويخلص عن شوب الفساد فقيل: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ...}.

ابن عاشور

تفسير : لما كان الوعد المتقدم بقوله تعالى؛ {أية : ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} تفسير : [سورة النحل: 96] خاصاً بأولئك الذين نهوا عن أن يشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً عُقب بتعميمه لكل من ساواهم في الثبات على الإسلام والعمل الصالح مع التبيين للأجر، فكانت هذه الجملة بمنزلة التذييل للتي قبلها، والبيان لما تضمّنته من مجمل الأجر. وكلا الاعتبارين يوجب فصلها عمّا قبلها. وقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} تبيين للعموم الذي دلّت عليه {مَن} الموصولة. وفي هذا البيان دلالة على أن أحكام الإسلام يستوي فيها الذكور والنساء عدا ما خصّصه الدين بأحد الصّنفين. وأكّد هذا الوعدُ كما أكّد المبيّن به. وذُكر «لنحيينّه» ليبنى عليه بيان نوع الحياة بقوله تعالى: {حياة طيبة}. وذلك المصدر هو المقصود، أي لنجعلنّ له حياة طيّبة. وابتدىء الوعد بإسناد الإحياء إلى ضمير الجلالة تشريفاً له كأنه قيل: فله حياة طيبة مِنّا. ولما كانت حياة الذّات لها مدّة معيّنة كثُر إطلاق الحياة على مدّتها، فوصفها بالطيّب بهذا الاعتبار، أي طيب ما يحصل فيها، فهذا الوصف مجاز عقلي، أي طيّباً ما فيها. ويقارنها من الأحول العارضة للمرء في مدّة حياته، فمن مات من المسلمين الذين عملوا صالحاً عوّضه الله عن عمله ما فاته من وعده. ويفسّر هذا المعنى ما ورد في الصحيح عن خباب بن الأرت قال: «هاجرنا مع رسول الله نبتغي بذلك وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنّا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، كان منهم مُصعَب بنُ عمير قتل يوم أُحد فلم يترك إلا نَمِرة كنّا إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطي بها رجلاه خرج رأسه، ومنّا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدُبُها». والطيِّب: ما يطيب ويحسن. وضد الطيّب: الخبيث والسيّىء. وهذا وعد بخيرات الدنيَا. وأعظمها الرضى بما قسم لهم وحسن أملهم بالعاقبة والصحّة والعافية وعزّة الإسلام في نفوسهم. وهذا مقام دقيق تتفاوت فيه الأحوال على تفاوت سرائر النفوس، ويعطي الله فيه عبادهُ المؤمنين على مراتب هممهم وآمالهم. ومن راقب نفسه رأى شواهد هذا. وقد عُقب بوعد جزاء الآخرة بقوله تعالى: {ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}، فاختص هذا بأجر الآخرة بالقرينة بخلاف نظيره المتقدّم آنفاً فإنه عامّ في الجَزاءين.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كل عامل سواء كان ذكراً أو أنثى عمل عملاً صالحاً فإنه جل وعلا يقسم ليحيينه حياة طيبة، وليجزينه أجره بأحسن ما كان يعمل. اعلم أولاً - أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور: الأول - موافقته لما جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم. لأن الله يقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. الثاني - أن يكون خالصاً لله تعالى. لأن الله جل وعلا يقول:{أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]، {أية : قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ}تفسير : [الزمر: 14-15]. الثالث - أن يكون مبنياً على أساس العقيدة الصحيحة. لأن الله يقول: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}تفسير : [النحل: 96] فقيَّد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح. وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة، كقوله في عمل غير المؤمن: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]، وقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [هود: 16]، وقوله: {أية : أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ}تفسير : [النور: 39] الآية، وقوله: {أية : أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}تفسير : [إبراهيم: 18]،إلى غير ذلك من الآيات. واختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة. فقال قوم: لا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهذه الحياة الطيبة في الجنة. لأن الحياة الدنيا لا تخلو من المصائب والأكدار، والأمراض والآلام والأحزان، ونحو ذلك وقال تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64]. والمراد بالحيوان: الحياة. وقال بعض العلماء: الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة في الدنيا، وذلك بأن يوفق الله عبده إلى ما يرضيه، ويرزقه العافية والرزق الحلال. كما قال تعالى: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}تفسير : [البقرة: 201]. قال مقيدة عفا الله عنه وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة. وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} صار قوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تكراراً معه. لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم. بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا. فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح. وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن تؤيَّده السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة: أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة، ووهب بن منبه - إلى أن قال - وقال الضحاك: هي الرزق الحلال، والعبادة في الدنيا. وقال الضحاك أيضاً - هي العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح - أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله ابن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه"تفسير : . ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرى به. وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانيء. عن أبي على الجنبي، عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به"تفسير : وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام عن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً"تفسير : انفرد بإخراجه مسلم اهـ من ابن كثير. وهذه الأحاديث ظاهرة في ترجيح القول: بأن الحياة الطيبة في الدنيا. لأن قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أفلح" تفسير : يدل على ذلك لأن من نال الفلاح نال حياة طيبة. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يعطى بها في الدنيا"تفسير : يدل على ذلك أيضاً. وابن كثير إنما ساق الأحاديث المذكورة لِيُنَبِّهَ على أنها ترجح القول المذكور. والعلم عند الله تعالى. وقد تقرر في الأصول: أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس: وإليه أشار في مراقي السعود جامعاً له مع نظائر يجب فيها تقديم الراجح من الاحتمالين بقوله: شعر : كذاك ما قابل ذا اعتلال من التأصل والاستقلال ومن تأسس عموم وبقا الأفراد والإطلاق مما ينتفى كذاك ترتيب لإيجاب العمل بماله الرجحان مما يحتمل تفسير : ومعنى كلام صاحب المراقي: أنه يقدم محتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح، كالتَّأصل، فإنه يقدم على الزيادة: نحو {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء}تفسير : [الشورى: 11] يحتمل كون الكاف زائدة، ويحمل أنها غير زائدة. فالمراد بالمثل الذات. كقول العرب: مثلك لا يفعل هذا. يعنون أنت لا ينبغي لك أن تفعل هذا فالمعنى: ليس كالله شيء. ونظيره من إطلاق المثل وإرادة الذات {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}تفسير : [الأحقاف: 10] أي على نفس القرآن لا شيء آخر مماثل له، وقوله: {أية : كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ}تفسير : [الأنعام: 122] أي كمن هو في الظلمات. وكالاستقلال فإنه يقدَّم على الإضمار. كقوله تعالى: {أية : أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ}تفسير : [المائدة: 33] الآية. فكثير من العلماء يضمرون قيوداً غير مذكورة فيقولون: أن يقتلو إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم إذا أخذوا المال ولم يقتلوا..الخ. فالمالكية يرجحون أن الإمام مخير بين المذكورات مطلقاً. لأن استقلال اللفظ أرجح من إضمار قيود غير مذكورة. لأن الأصل عدمها حتى تثبت بدليل. كما أشرنا إليه سابقاً (في المائدة) وكذلك التأسيس يقدم على التأكيد وهو محل الشاهد. كقوله: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : (في سورة الرحمن)، وقوله: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : (في المرسلات). قيل: تكرار اللفظ فيهما توكيد، وكونه تأسيساً أرجح لما ذكرنا. فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم. قيل: لفظ ذلك التكذيب فلا يتكرر منها لفظ. وكذا يقال (في سورة المرسلات) فيحمل على المكذبين بما ذكر، قيل كل لفظ الخ. فإذا علمت ذلك فاعلم - أنا إن حملنا الحياة الطيبة في الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيساً. وإن حملناها على حياة الجنة تكرر ذلك مع قوله بعده: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم} الآية. لأن حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه. وقال أبو حيان (في البحر): والظاهر من قول تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} أن ذلك في الدنيا. وهو قول الجمهور. ويدل عليه قوله {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم} يعني في الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَالِحاً} {حَيَاةً} (97) - مَنْ عَمِلَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقَامَ بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللهِ، مُصَدِّقٌ كُتُبَهُ وَرُسُلَهُ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعِدُهُ بِأَنْ يُحْيِيَهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، تَصْحَبُهَا القَنَاعَةُ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، وَالرِّضَا بِمَا قَدَّرَهُ اللهُ وَقَضَاهُ، إِذْ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ رِزْقٍ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ بِتَدْبِيرِ اللهِ تَعَالَى وَقِسْمَتِهِ، وَاللهُ مُحْسِنٌ كَرِيمٌ، لاَ يَفْعَلُ إِلاَّ مَا فِيهِ المَصْلَحَةُ، وَفِي الآخِرَةِ يَجْزِيهِ اللهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى، وَيُثِيبَهُ أَحْسَنَ الثَّوَابِ، جَزَاءَ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَمَا تَحَلَّى بِهِ مِنْ إِيمَاٍن.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق تبارك وتعالى يُعطينا قضية عامة، هي قضية المساواة بين الرجل والمرأة، فالعهود كانت عادةً تقع بين الرجال، وليس للمرأة تدخُّل في إعطاء العهود، حتى إنها لما دخلتْ في عهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة جعل واحداً من الصحابة يبايع النساء نيابة عنه. إذن: المرأة بعيدة عن هذا المعتَرك نظراً لأن هذا من خصائص الرجال عادةً، أراد سبحانه وتعالى أن يقول لنا: نحن لا نمنع أن يكونَ للأنثى عملٌ صالح. ولا تظنّ أن المسألة منسحبة على الرجال دون النساء، فالعمل الصالح مقبول من الذكر والأنثى على حدٍّ سواء، شريطة أنْ يتوفَّر له الإيمان، ولذلك يقول تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ ..} [النحل: 97]. وبذلك يكون العمل له جَدْوى ويكون مقبولاً عند الله؛ ولذلك نرى كثيراً من الناس الذين يُقدِّمون أعمالاً صالحةً، ويخدمون البشرية بالاختراعات والاكتشافات، ويداوون المرضى، ويبنون المستشفيات والمدارس، ولكن لا يتوفر لهم شرط الإيمان بالله. فنرى الحق تبارك وتعالى لا يبخس هؤلاء حقهم، ولكن يُعجِّله لهم في الدنيا؛ لأنه لا حَظَّ لهم في أجر الآخرة، يقول تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8]. وهذا كله خاصٌّ بأمور الدنيا، فالذي يحسن شيئاً ينال ثمرته، لكن في جزاء الآخرة نقول لهؤلاء: لا حَظَّ لكم اليوم، وخذوا أجركم مِمَّنْ عملتُم له فقد عملتُم الخير للإنسانية للشهرة وخلود الذكْر، وقد أخذتم ذلك في الدنيا فقد خَلَّدوا ذِكْراكم، ورفعوا شأنكم، وصنعوا لكم التماثيل، ولم يبخسوكم حَقَّكم في الشُّهْرة والتكريم. ويوم القيامة يواجههم الحق سبحانه وتعالى: فعلتم ليقال .. وقد قيل، فاذهبوا وخذوا ممَّنْ عملتم لهم. هؤلاء الذين قال الله في حقهم: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. يُفاجأ يوم القيامة أن له إلهاً كان ينبغي أنْ يؤمن به ويعمل ابتغاء وجهه ومرضاته. إذن: فالإيمان شَرْطٌ لقبول العمل الصالح، فإذا ما توفر الإيمان فقد استوى الذّكَر والأنثى في الثواب والجزاء. يقول تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ..} [النحل: 97]. هذه هي النتيجة الطبيعة للعمل الصالح الذي يبتغي صاحبه وجه الله والدار الآخرة، فيجمع الله له حظين من الجزاء، حظاً في الدنيا بالحياة الطيبة الهانئة، وحظاً في الآخرة: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]. ويقول الحق سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْتَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَيَاةً طَيِّبَةً} يعني القُنوع {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم} ثَوابُهم فِي الآخرةِ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 495 : 12 : 6 - سفين عن إسماعيل بن سُميع عن أبي الربيع عن بن عباس في قوله {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال، الرزق الطيب. [الآية 97]. 496 : 13 : 7 - سفين عن إسماعيل بن سميع عن أبي الربيع عن بن عباس في قوله {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال، في الآخرة. [الآية 97].

همام الصنعاني

تفسير : 1513- عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}: [الآية: 97]، قَالَ: الرِّزْقُ الطّيِّبُ في الدنيا {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم}: في الآخرة. [الآية: 97].