Verse. 1999 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

فَاِذَا قَرَاْتَ الْقُرْاٰنَ فَاسْتَعِذْ بِاللہِ مِنَ الشَّيْطٰنِ الرَّجِيْمِ۝۹۸
Faitha qarata alqurana faistaAAith biAllahi mina alshshaytani alrrajeemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإذا قرأت القرآن» أي أردت قراءته «فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم» أي قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

98

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه لما قال قبل هذه الآية: { أية : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [النحل: 97] أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الشيطان ساع في إلقاء الوسوسة في القلب حتى في حق الأنبياء بدليل قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52] والاستعاذة بالله مانعة للشيطان من إلقاء الوسوسة بدليل قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 201] فلهذا السبب أمر الله تعالى رسوله بالاستعاذة عند القراءة حتى تبقى تلك القراءة مصونة عن الوسوسة. المسألة الثانية: قوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به الكل، لأن الرسول لما كان محتاجاً إلى الاستعاذة عند القراءة فغير الرسول أولى بها. المسألة الثالثة: الفاء في قوله: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } للتعقيب فظاهر هذه الآية يدل على أن الاستعاذة بعد قراءة القرآن وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين قال الواحدي: وهو قول أبي هريرة ومالك وداود قالوا: والفائدة فيه أنه إذا قرأ القرآن استحق به ثواباً عظيماً، فإن لم يأت بالاستعاذة وقعت الوسوسة في قلبه، وتلك الوسوسة تحبط ثواب القراءة أما إذا استعاذ بعد القراءة اندفعت الوساوس وبقي الثواب مصوناً عن الإحباط. أما الأكثرون من علماء الصحابة والتابعين فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، وقالوا: معنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، وليس معناه استعذ بعد القراءة، ومثله إذا أكلت فقل: {بِسْمِ اللَّهِ } وإذا سافرت فتأهب، ونظيره قوله تعالى: { أية : إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغسلوا } تفسير : [المائدة: 6] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا، وأيضاً لما ثبت أن الشيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرسول بدليل قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52] ومن الظاهر أنه تعالى إنما أمر الرسول بالاستعاذة عند القراءة لدفع تلك الوساوس، فهذا المقصود إنما يحصل عند تقديم الإستعاذة. المسألة الرابعة: مذهب عطاء: أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت القراءة في الصلاة أو غيرها، وسائر الفقهاء اتفقوا على أنه ليس كذلك، لأنه لا خلاف بينهم أنه إن لم يتعوذ قبل القراءة في الصلاة، فصلاته ماضية، وكذلك حال القراءة في غير الصلاة لكن حال القراءة في الصلاة آكد. المسألة الخامسة: المراد بالشيطان في هذه الآية قيل إبليس، والأقرب أنه للجنس، لأن لجميع المردة من الشياطين حظاً في الوسوسة. واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس، فأزال الله تعالى هذا الوهم، وبين أنه لا قدرة له ألبتة إلا على الوسوسة فقال: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفاً وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله تعالى، ولهذا المعنى قال المحققون: لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله تعالى، والتفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله: {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }. ثم قال: {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } قال ابن عباس: يطيعونه يقال: توليته أي أطعته وتوليت عنه أي أعرضت عنه: {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } الضمير في قوله: (به) إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه راجع إلى ربهم. والثاني: أنه راجع إلى الشيطان والمعنى بسببه، وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر كفرت بهذه الكلمة أي من أجلها، فكذلك قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } أي من أجله ومن أجل حمله إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين.

القرطبي

تفسير : فيه مسألة واحدة ـ وهي أن هذه الآية متصلة بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} فإذا أخذْتَ في قراءته فٱستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدَّك عن تدبّره والعمل بما فيه؛ وليس يريد استعذ بعد القراءة؛ بل هو كقولك: إذا أكلت فقل بسم الله؛ أي إذا أردت أن تأكل. وقد روى جُبير بن مُطْعِم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه»تفسير : . وروى أبو سعيد الخُدْرِيّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتعوّذ في صلاته قبل القراءة. قال الكِيَا الطبري: ونُقل عن بعض السلف التعوّذ بعد القراءة مطلقاً، احتجاجاً بقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} ولا شك أن ظاهر ذلك يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً}. تفسير : [النساء: 103] إلا أن غيره محتمل، مثلُ قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} تفسير : [الأنعام: 152] {أية : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الأحزاب: 53] وليس المراد به أن يسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم. ومثله قول القائل: إذا قلت فٱصْدُق، وإذا أحرمت فاغتسل؛ يعني قبل الإحرام. والمعنى في جميع ذلك: إذا أردت ذلك؛ فكذلك الاستعاذة. وقد تقدم هذا المعنى، وتقدّم القول في الاستعاذة مستوفًى.

البيضاوي

تفسير : {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ} إذا أردت قراءته كقوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ}تفسير : [المائده: 6] {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة، والجمهور على أنه للاستحباب. وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياساً، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل. وعن ابن مسعود (قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم فقال: حديث : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ)تفسير : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} تسلط وولاية {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} على أولياء الله تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ولذلك أمروا بالاستعاذة فذكر السلطنة بعد الأمر باستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطاناً. {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} يحبونه ويطيعونه. {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ } بالله أو بسبب الشيطان. {مُّشْرِكُونَ }.

ابن كثير

تفسير : هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير، وغيره من الأئمة. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة. والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارىء قراءته، ويخلط عليه، ويمنعه من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضاً ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، والصحيح الأول؛ لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم. وقوله: { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه، وقال آخرون: معناه: لا حجة له عليهم. وقال آخرون كقوله: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40]، {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} قال مجاهد: يطيعونه، وقال آخرون: اتخذوه ولياً من دون الله {هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} أي: أشركوا في عبادة الله تعالى، أي: أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى. وقال آخرون: معناه: أنه شركهم في الأموال والأولاد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ } أي أردت قراءته {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ } أي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله تعالى، قاله الزجاج. الثاني: فإذا كنت قارئاً فاستعذ بالله. الثالث: أنه من المؤخر الذي معناه مقدم، وتقديره: فإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم فاقرأ القرآن. والاستعاذة هي استدفاع الأذى بالأعلى من وجه الخضوع والتذلل والمعنى فاستعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراءتك لتسلم في التلاوة من الزلل، وفي التأويل من الخطأ. وقد ذكرنا في صدر الكتاب معنى الرجيم. قوله عز وجل: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} فيه أربعة تأويلات: أحدها: ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر، قاله سفيان. الثاني: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي، قاله مجاهد. الثالث: ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم باللَّه منه، لقوله تعالى {أية : وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} تفسير : [فصلت: 36]. الرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم حين قال عدو الله إبليس {أية : ولأغوينهم أجميعن إلا عبادَك منهم المخلصين} تفسير : [الحجر: 39-40] فقال الله تعالى {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} تفسير : [الحجر: 42] وفي معنى السلطان وجهان: أحدهما: الحجة، ومنه سمي الوالي سلطاناً لأنه حجة الله تعالى في الأرض. الثاني: أنها القدرة، مأخوذ من السُّلْطَة، وكذلك سمي السلطان سلطاناً لقدرته. {إنما سلطانه على الذين يتولونه} يعني يتبعونه. {والذين هُمْ به مشركون} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: والذين هم بالله مشركون، قاله مجاهد. الثاني: والذين أشركوا الشيطان في أعمالهم، قاله الربيع بن أنس. الثالث: والذين هم لأجل الشيطان وطاعته مشركون، قاله ابن قتيبة.

ابن عطية

تفسير : الفاء في قوله {فإذا} واصلة بين الكلامين، والعرب تستعملها في مثل هذا، وتقدير الآية فإذا أخذت في قراءة القرآن كما قال عز وجل {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} تفسير : [المائدة: 6]، وكما تقول لرجل إذ أكلت فَقُل: بسم الله، و"الاستعاذة" ندب عند الجميع، وحكى النقاش عن عطاء أن التعوذ واجب، ولفظ الاستعاذة هو على رتبة الآية، وقد ذكرت الخلاف الذي قيل فيه في صدر هذا الكتاب، و {الرجيم} المرجوم باللغة وهو إبليس، ثم أخبر الله تعالى أن إبليس ليس له ملكة ولا رياسة، هذا ظاهر "السلطان" عندي في هذه الآية، وذلك أن "السلطان" إن جعلناه الحجة فليس له حجة في الدنيا على أحد لا مؤمن ولا كافر، اللهم إلا أن يتأول متأول {ليس له سلطان} يوم القيامة، فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له من قبل أنفسهم، وهؤلاء الذين لا سلطان ولا رياسة لإبليس عليهم هم المؤمنون أجمعون، لأن الله لم يجعل سلطانه إلا على المشركين الذين يتولونه، والسلطان منفي هاهنا في الإشراك، إذ له عليهم ملكة ما في المعاصي وهم الذين قال الله فيهم {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [الحجر: 42] وهم الذين قال إبليس فيهم {أية : إلا عبادك منهم المخلصين} تفسير : [الحجر: 40]، و {يتولونه} معناه يجعلونه ولياً، والضمير فيه يحتمل أن يعود على اسم الله عز وجل، والظاهر أنه يعود على اسم إبليس، بمعنى من أجله وبسببه، كما تقول لمعلمك: أنا عالم بك، أي بسببك، فكأنه قال: والذين هم بسببه مشركون بالله، وهذا الإخبار بأن لا سلطان للشيطان على المؤمنين بعقب الأمر بالاستعاذة، تقتضي أن الاستعاذة تتصرف كيده، كأنها متضمنة للتوكل على الله والانقطاع إليه، وقوله {وإذا بدلنا آية مكان آية} كان كفار مكة إذا نسخ الله لفظ آية بلفظ أخرى ومعناها وإن بقي لفظها، لأن هذا كله يقع عليه التبديل، يقولون: لو كان هذا من عند الله لم يتبدل، وإنما هو من افتراء محمد، فهو يرجع من خطأ يبدلونه إلى صواب يراه بعد، فأخبر الله عز وجل أنه أعلم بما يصلح للعباد برهة من الدهر، ثم ما يصلح لهم بعد ذلك، وأنهم لا يعلمون هذا، وقرأ الجمهور "ينَزّل" بفتح النون وشد الزاي، وقرأ أبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، وعبّر بـ "الأكثر" مراعاة لما كان عند قليل منهم من توقف وقلة مبالغة في التكذيب والظن، ويحتمل أن يكون هذا اللفظ قرر على قليل منهم أنهم يعلمون ويكفرون تمرداً وعناداً، وأمر نبيه أن يخبر أن القرآن وناسخه ومنسوخه إنما جبريل عليه السلام وهو {روح القدس}، لا خلاف في ذلك، و {القدس} الموضع المطهر، فكأن جبريل أضيف إلى الأمر المطهر بإطلاق، وسمي روحاً إما لأنه ذو روح من جملة روح الله الذي بثه في خلقه، وخص هو بهذا الاسم، وإما لأنه يجري من الهدايات والرسالات ومن الملائكة أيضاً مجرى الروح من الأجساد لشرفه ومكانته، وقرأ ابن كثير "القدْس" بسكون الدال، وقرأ الباقون "القدُس" بضمها، وقوله {بالحق} أي مع الحق في أوامره ونواهيه وأحكامه ومصالحه، وأخباره، ويحتمل أن يكون قوله {بالحق} بمعنى حقاً، ويحتمل أن يريد {بالحق} في أن ينزل أي أنه واجب لمعنى المصلحة أن ينزل، وعلى هذا الاحتمال اعتراضات عند أصحاب الكلام على أصول الدين، وباقي الآية بين وقوله {ولقد نعلم أنهم يقولون}، قال ابن عباس: كان في مكة غلام أعجمي لبعض قريش يقال له بلعام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه ويعلمه الإسلام ويرومه عليه فقالت قريش: هذا يعلم محمداً من جهة الأعاجم، فنزلت الآية بسببه، وقال عكرمة وسفيان: كان اسم الغلام يعيش، وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان بمكة غلامان أحدهما اسمه جبر والآخر يسار، وكانا يقرآن بالرومية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما، فقالت قريش ذلك، ونزلت الآية، وقال ابن إسحاق: الإشارة إلى جبر، وقال الضحاك: الإشارة إلى سلمان الفارسي. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأن سلمان إنما أسلم بعد الهجرة بمدة وقرأت فرقة "لسان الذي"، وقرأ الحسن البصري "اللسان الذي" بالتعريف وبغير تنوين في رأي بشر، وقرأ نافع وابن كثير "يُلحدون" بضم الياء من ألحدَ إذا مال، وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر وأبي جعفر بن القعقاع، وقرأ حمزة والكسائي "يَلحدون" بفتح الياء من لحد، وهي قراءة عبد الله وطلحة وأبي عبد الرحمن والأعمش ومجاهد، وهما بمعنى، ومنه قول الشاعر: [الرمل] شعر : قدني من نصر الخبيبين قدي ليس أمري بالشحيح الماحد تفسير : يريد المائل عن الجود وحال الرياسة، وقوله {أعجمي} إضافة إلى أعجم لا إلى العجم لأنه كان يقول عجمي، والأعجمي هو الذي لا يتكلم بالعربية، وأما العجمي فقد يتكلم بالعربية ونسبته قائمة، وقوله {وهذا} إشارة إلى القرآن والتقدير، وهذا سرد لسان، أو نطق لسان، فهو على حذف مضاف، وهذا على أن يجعل اللسان هنا الجارحة، و"اللسان" في كلام العرب اللغة، ويحتمل أن يراد في هذه الآية، واللسان الخبر ومنه قول الأعشى: شعر : إني أتتني لسان غير كاذبة. تفسير : ومنه قول الآخر: [الوافر] شعر : لسان السوء يهديها إلينا وجيت وما حسبتك أن تجينا تفسير : وحكى الطبري عن سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله: {إنما يعلمه بشر}، {إنما} هي إشارة إلى كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر الآيات: "والله سميع عليم"، أو "عزيز حكيم"، أو نحو هذا، ثم يشتغل بسماع الوحي، فيبدل هو بغفور رحيم أو نحوه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الآيات: هو كما كتبت، ففتن، وقال أنا أعلم محمداً، وارتد ولحق بمكة، ونزلت الآية فيه. قال القاضي أبو محمد: هذا نصراني أسلم وكتب، ثم ارتد ولحق بمكة ومات، ثم لفظته الأرض، وإلا فهذا القول يضعف لأن الكاتب المشهور الذي ارتد لهذا السبب ولغيره من نحوه هو عبد الله بن أبي سرح العامري، ولسانه ليس بأعجمي فتأمله.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَرَأْتَ} أردت، أو إذا كنت قارئاً فاستعذ، أو تقديره فإذا استعذت بالله فاقرأ على التقديم والتأخير.

النسفي

تفسير : {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ } فإذا أردت قراءة القرآن {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } فعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأنها سبب له، والفاء للتعقيب إذ القراءة المصدرة بالاستعاذة من العمل الصالح المذكور {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } يعني إبليس {ٱلرَّجِيمِ } المطرود أو الملعون. قال ابن مسعود رضي الله عنه: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي: «قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام» {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ } لإبليس {سُلْطَـٰنٌ } تسلط وولاية {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } يتخذونه ولياً ويتبعون وساوسه {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } الضمير يعود إلى ربهم أو إلى الشيطان أي بسببه {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ } تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة رآها وهو معنى قوله {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } وبالتخفيف: مكي وأبو عمرو {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } هو جواب {إذا}ً. وقوله: {والله أعلم بما ينزل} اعتراض، كانوا يقولون إن محمداً يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً فيأتيهم بما هو أهون، ولقد افتروا فقد كان ينسخ الأشق بالأهون والأهون بالأشق {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } الحكمة في ذلك

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من أمته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان غير محتاج إلى الاستعاذة، وقد أمر بها فغيره أولى بذلك، ولما كان الشيطان ساعياً في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم وكانت الاستعاذة بالله مانعة من ذلك، فلهذا السبب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستعاذة عند القراءة، حتى تكون مصونة من وسواس الشيطان عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة، قال عمر: ولا أدري أي صلاة هي. قال: الله أكبر كبيراً ثلاثاً والحمد لله كثيراً ثلاثاً وسبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخته ونفثته وهمزته. قال: نفخته الكبر ونفثته السحر وهمزته المونة أخرجه أبو داود. المونة الجنون والفاء في قوله فاستعذ بالله للتعقيب. فظاهر لفظ الآية يدل على أن الاستعاذة بعد القراءة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول أبي هريرة وإليه ذهب مالك وجماعة وداود الظاهري. قالوا: لأن قارىء القرآن يستحق ثواباً عظيماً وربما حصلت الوساوس في قلب القارىء هل حصل له ذلك الثواب أم لا؟ فإذا استعاذ بعد القراءة اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصاً فأما مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار، فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، قالوا: ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله ومثله قوله سبحانه وتعالى {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}تفسير : [المائدة: 6] الخ ومثله من الكلام إذا أردت أن تأكل فقل: بسم الله وإذا أردت أن تسافر فتأهب، وأيضاً فإن الوسوسة إنما تحصل في أثناء القراءة فتقديم الاستعاذة على القراءة، لتذهب الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها، ومذهب عطاء أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أن الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أن الاستعاذة سنة في الصلاة وغيرها، وقد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها في أول سورة الفاتحة، والاستعاذة: الاعتصام بالله والالتجاء إليه من شر الشيطان ووسوسته. والمراد من الشيطان إبليس. وقيل: هو اسم جنس يطلق على المردة من الشياطين، لأن لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم بإقدار الله إياهم على ذلك {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} لما أمر الله رسوله صلى الله عليه سلم بالاستعاذة من الشيطان فكأن ذلك أوهم أن له سلطان يعني ليس له قدرة، ولا ولاية على الذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون، قال سفيان ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر ويظهر من هذا أن الاستعاذة، إنما تفيد إذا حضر بقلب الإنسان كونه ضعيفاً، وأنه لا يمكنه التحفظ من وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ثم قال تعالى {إنما سلطانه على الذين يتولونه} يعني يطيعونه ويدخلون في ولايته، يقال: توليته إذا أطعته وتوليت عنه إذا أعرضت عنه {والذين هم به مشركون} يعني بالله، وقيل: الضمير في به راجع إلى الشيطان، والمعنى هم من أهله مشركون بالله وقوله سبحانه وتعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل} وذلك أن المشركين من أهل مكة قالوا: إن محمداً يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً، ماهو إلا مفترٍ يتقوله من تلقاء نفسه فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكماً آخر والله أعلم بما ينزل اعتراض دخل في الكلام، والمعنى والله أعلم بما ينزل من الناسخ وبما هو أصلح لخلقه، وبما يغير ويبدل من أحكامه أي هو أعلم بجميع ذلك مما هو من مصالح عباده، وهذا نوع من توبيخ وتقريع للكفار على قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى {قالوا إنما أنت مفتر} أي تختلقه من عندك، والمعنى: إذا كان الله تعالى أعلم بما ينزل فما بالهم ينسبون محمداً إلى الافتراء والكذب لأجل التبديل والنسخ؟ وإنما فائدة ذلك ترجع إلى مصالح العباد، كما يقال: إن الطبيب يأمر المريض بشرب دواء ثم بعد ذلك ينهاه عنه ويأمر بغيره لما يرى فيه من المصلحة {بل أكثرهم لا يعلمون} يعني لا يعلمون فائدة الناسخ وتبديل النسوخ {قل} أي قل لهم يا محمد {نزله} يعني القرآن {روح القدس} يعني جبريل صلى الله عليه وسلم أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال حاتم الجود وطلحة الخير، والمعنى الروح المقدس المطهر {من ربك} يعني أن جبريل نزل بالقرآن من ربك يا محمد {بالحق ليثبت الذين آمنوا} يعني ليثبت بالقرآن قلوب المؤمنين فيزدادوا إيماناً ويقيناً {وهدى وبشرى} يعني وهو هدى وبشرى {للمسلمين}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ...} الآية: التقدير فإذا أخذُتَ في قراءة القُرآن، والاستعاذةُ ندْب، وعن عطاء أنَّ التعُّوذ واجبٌ، ولفظ الاستعاذة هو على رتبة هذه الآية، والرجيم المرْجُوم باللَّعْنة، وهو إبليس ثم أخبر تعالى أنَّ إبليسَ ليس له مَلَكةٌ ولا رياسة، هذا ظاهرُ السُّلْطان عندي في هذه الآية، وذلك أن السلطان إنْ جعلناه الحجَّةَ، فَلَيْسَ لإبليس حجة في الدنيا على أحد لا على مؤمنٍ ولا على كافر، إلا أنْ يتأول متأوِّل: ليس له سلطانٌ يوم القيامة، فيستقيمُ أنْ يكون بمعنى الحُجَّة؛ لأن إبليس له حُجَّة على الكافرين؛ أنَّه دعاهم بغير دَلِيل، فٱستجابوا له من قِبَلِ أنفسهم، و{يَتَوَلَّوْنَهُ}: معناه يجعلونه وليًّا، والضمير في «به» يحتملُ أن يعود على ٱسْمِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والظاهر أنه يعودُ على اسْمِ العدوِّ الشيطانِ، بمعنى مِنْ أجله، وبسببه، فكأنه قال: والَّذِينَ هم بَسَبِبه مشركُونَ باللَّه، وهذا الإخبار بأنْ لا سلطانَ للشيطانِ على المؤمنين بَعقِبِ الأَمر بالاستعاذة - يقتضي أنْ الاستعاذةَ تصرْفُ كيده، كأنها متضمِّنة للتوكُّل على اللَّه، والانقطاع إِليه.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى - {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} الآية لما قال - تعالى -: {أية : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 97]، أرشد إلى العمل الذي به يخلِّص أعماله من الوساوس، فقال - جل ذكره -: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} أي: فإذا أردت، فأضمر الإرادة. قال الزمخشري: "لأنَّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل، وعلى حسبه، فكان منه بسببٍ قويٍّ وملابسة ظاهرة". وقال ابن عطيَّة: ""فإذَا" وصلة بين الكلامين، والعرب تستعملها في هذا، وتقدير الآية: فإذا أخذت في قراءة القرآن، فاستعذ". وهذا مذهب الجمهور من القرَّاء والعلماء، وقد أخذ بظاهر الآية - فاستعاذ بعد أن قرأ - من الصحابة - أبو هريرة - رضي الله عنه -، ومن الأئمة: مالك وابن سيرين وداود، ومن القرَّاء حمزة - رضي الله عنهم؛ قالوا: لأنَّ الفاء في قوله: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} للتعقيب، والفائدة فيه: أنه إذا قرأ القرآن يستحقُّ به ثواباً عظيماً، فإذا لم يأت بالاستعاذة، وقعت الوسوسة في قلبه، وذلك الوسواس يحبط ثواب القراءة، فإذا استعاذ بعد القراءة، اندفعت تلك الوساوس، وبقي الثَّواب مصوناً عن الانحطاط. وذهب الأكثرون: إلى أنَّ الاستعاذة مقدمة على القراءة، والمعنى: إذا أردت أن تقرأ القرآن، فاستعذ؛ كقوله: إذَا أكلت، فقل: بِسْم الله، وإذا سافرت، فتأهَّب، وقوله - تعالى - {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَٰوةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} تفسير : [المائدة: 6]، وأيضاً: قد ثبت أن الشَّيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ بدليل قوله - عز وجل -: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَٰنُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} تفسير : [الحج: 52]، ومن الظاهر أنه - تعالى - إنما أمر الرَّسول - صلوات الله وسلامه عليه - بالاستعاذة عند القراءة؛ لدفع تلك الوساوس، وهذا المقصود إنَّما يحصل عند تقديم الاستعاذة. وذهب عطاء إلى أنَّ الاستعاذة واجبة عند قراءةِ القرآن، كانت في الصَّلاة أو غيرها. ولا خلاف بين العلماء في أن التَّعوذ قبل القراءة في الصَّلاة أوكد. واعلم أنَّ هذا الخطاب للرسول - صلوات الله وسلامه عليه-، والمراد منه الكلُّ؛ لأن الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - إذا كان محتاجاً للاستعاذة عند القراءةِ، فغيره أولى، والمراد بالشيطان في هذه الآية: قيل: إبليس، وقيل: الجنس؛ لأنَّ جميع المردة لهم حظٌّ في الوسوسة. ولما أمر رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بالاستعاذة من الشيطان، وكان ذلك يوهم أنَّ للشيطان قدرة على التصرُّف في أبدان النَّاس، فأزال الله تعالى هذا الوهم وبيَّن أنه لا قدرة له ألبتَّة على الوسوسة؛ فقال - تعالى -: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ويظهر من هذا أنَّ الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفاً، وأنَّه لا يمكنه التحفُّظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله -تعالى -، ولهذا المعنى قال المحقِّقون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله تعالى، ولا قوَّة على طاعة الله إلا بتوفيق الله، والتَّفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله: {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، والاستعاذة بالله هي الاعتصام به. ثم قال: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: يطيعونه، يقال: توليته، أي: أطعته، وتولَّيت عنه، أي: أعرضت عنه. قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} الضمير في "بِهِ" الظاهر عوده على الشيطان، لتتحد الضمائر، و المعنى: والذين هم به مشركون بسببه؛ كما تقول للرجل إذا تكلَّم بكلمة مؤدِّية إلى الكفر: كفرت بهذه الكلمة، أي: من أجلها؛ فكذلك قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} والمعنى: من أجل حمله إيَّاهم على الشِّرك صاروا مشركين. وقيل: والذين هم بإشراكهم إبليس مشركون بالله، ويجوز أن يعود على "ربِّهِمْ". قوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ} اعلم أنه - سبحانه جل ذكره - شرع في حكاية شبهات مُنْكِري نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان المشركون إذا نزلت آية فيها شدَّة، ثم نزلت آية ألين منها يقولون: إن محمَّداً يسخر بأصحابه؛ يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً، ما هو إلا مفترٍ يتقولَّه من تلقاء نفسه، فأنزل الله - تعالى -: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ} والتَّبدِيل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وهو هنا النسخ. قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} في هذه الجملة وجهان: أظهرهما: أنها اعتراضٌ بين الشرط وجوابه. والثاني: أنَّها حاليَّة؛ فعلى الأول يكون المعنى: والله أعلم بما ينزِّل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف، أي: هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا توبيخٌ للكفار على قولهم: "إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ"، أي: إذا كان هو أعلم بما ينزِّل، فما بالهم ينسبون محمداً إلى الافتراء؛ لأجل التَّبديل والنسخ، وقوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل، وأن ذلك لمصالح العباد، وقولهم: "إنَّما أنْت مُفتَرٍ" نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم الافتراء بأنواع من المبالغات وهي الحصر والخطاب، واسم الفاعل الدال على الثُّبوت والاستقرار، ومفعول "لا يعلمون" محذوف للعلم به، أي: لا يعلمون أنَّ في نسخ الشَّرائع وبعض القرآن حكماً بالغة. قوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ} تقدَّم تفسيره في البقرة. قال الزمخشري رحمه الله: "رُوحُ القدس: جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - أضيف إلى القدس وهو الطُّهْر؛ كما تقول: حاتم الجُودِ، وزيد الخَيْرِ، والمراد: الرُّوح المقدس، وحاتم الجواد، وزيد الخيِّر". و "مِنْ" في قوله: "مِن رَّبِّكَ" صلة للقرآن، أي أن جبريل نزَّل القرآن من ربك؛ ليثبِّت الذين آمنوا، أي: ليبلوهم بالنسخ، حتَّى إذا قالوا فيه: هو الحقُّ من ربِّنا، حكم لهم بثبات القدم في الدِّين، وصحَّة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب. قوله تعالى: {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ} يجوز أن يكون عطفاً على محلِّ "لِيُثبِّتَ" فينصبان، أو على لفظه باعتبار المصدر المؤوَّل؛ فيجران، والتقدير: تثبيتاً لهم، وإرشاداً وبشارة، وقد تقدم كلام الزمخشري في نظيرهما وما ردَّ به أبو حيَّان عليه وجوابه. وجوَّز أبو البقاء ارتفاعهما خبر مبتدإ محذوف، أي: وهو هدى، والجملة حال وقرىء: "لِيُثبتَ" مخففاً من "أثْبَت". فصل قد تقدَّم أن أبا مسلم الأصفهاني ينكر النسخ في هذه الشريعة، فقال: المراد ههنا: وإذا بدَّلنا آية مكان آية، أي: في الكتب المتقدمة؛ مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال المشركون: أنت مفترٍ في هذا التبديل، وأكثر المفسرين على خلافه، وقالوا: إن النسخ واقعٌ في هذه الشريعة. فصل قال الشافعي - رضي الله عنه -: القرآن لا ينسخ بالسنة؛ لقوله - تعالى -: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ} وهذا يقتضي أن الآية لا تنسخ إلا بآية أخرى، وهذا ضعيف؛ لأن هذه الآية تدلُّ على أنَّه - تعالى - يبدِّل آية بآيةٍ أخرى، ولا دلالة فيها على أنه - تعالى - لا يبدِّل آية إلا بآيةٍ، وأيضاً: فجبريل - عليه السلام - قد ينزل بالسنة كما ينزل بالآية. قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} الآية هذه حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - إنَّما يذكر هذه القصص، وهذه الكلمات إنما يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمُّها منه. واختلفوا في ذلك البشر: فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّم فتى بمكة اسمه "بلْعَام"، وكان نصرانيًّا أعجمي اللسان يقال له: أبو ميسرة، وكان يتكلم بالروميَّة، فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج، فكانوا يقولون: إنما يعلمه "بلعام". وقال عكرمة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرىء غلاماً لبني المغيرة، يقال له: "يَعِيش"، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما يعلمه "يَعِيش". وقال الفراء: كان اسمه "عائش" مملوك لحويطب بن عبد العزى، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وكان أعجميًّا، وقيل: اسمه "عدَّاس" غلام "عتبة بن ربيعة". وقال ابن إسحاق: كان رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - كثيراً ما يجلس عند المروة إلى غلام روميٍّ نصراني عبد لبني الحضرمي، يقال له: "جَبْر"، وكان يقرأ الكتب، وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا عبدان من أهل عين التَّمر، يقال لهما: يسار ويكنى: أبا فكيهة، وجبر، وكانا يصنعان السيوف بمكَّة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن، فيقف ويسمع. قال الضحاك: وكان - صلوات الله وسلامه عليه - إذا آذاه الكفَّار يقعد إليهما، فيستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلَّم محمد منهما فنزلت الآية. وقيل: سلمان الفارسي رضي الله عنه، فكذبهم الله - تعالى - بقوله: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}. قوله تعالى: {لِّسَانُ ٱلَّذِي} العامة على إضافة "لِسانُ" إلى ما بعده، و المراد باللسان هنا: القرآن، والعرب تقول للغة: لسان. وقرأ الحسن - رضي الله عنه -: اللِّسان معرفاً بـ "أل"، و "الَّذِي" نعت له وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: لا محلَّ لها؛ لاستئنافها، قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها حال من فاعل "يَقُولونَ"، أي: يقولون ذلك والحال هذه؛ أي: علمهم بأعجميَّة هذا البشر، وإبانة عربيَّة هذا القرآن كان ينبغي أن يمنعهم من تلك المقالة؛ كقولك: تَشْتمُ فلاناً وهُو قَدْ أحْسنَ إليْكَ، أي: وعلمك بإحسانه إليك كان يمنعك من شتمه، قاله أبو حيان رحمه الله. ثم قال: "وإنَّما ذهب الزمخشري إلى الاستئناف لا إلى الحال؛ لأن من مذهبه أنَّ مجيء الحال جملة اسميَّة من غير واو شاذٌّ، وهو مذهب مرجوح تبع فيه الفراء". و "أعجَميٌّ" خبر على كلتا القراءتين، والإلحاد في اللغة: الميل، يقال: لَحَدَ وألْحَدَ؛ إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحقِّ: مُلْحِد. وقرأ حمزة والكسائي: "يَلْحَدُونَ" بفتح الياء والحاء، والباقون بضم الياء وكسر الحاء. قال الواحدي - رحمه الله -: والأولى ضم الياء؛ لأنه لغة القرآن، ويدلُّ عليه قوله - تعالى -: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} تفسير : [الحج: 25] وتقدَّم خلاف القراء في المفتوح في الأعراف. والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة؛ ومنه يقال: الْحَدت له لَحْداً؛ إذا حفرت له في جانب القبر مائلاً عن الاستواء، وقبر مُلْحَد ومَلْحُود، ومنه المُلْحِد؛ لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلِّها، لم يمله عن دينٍ إلى دينٍ، وفسِّر الإلحاد في هذه الآية بالقولين. قال الفراء: يَمِيلُون من المَيْلِ. وقال الزجاج: يَمِيلُونَ من الإمالةِ، أي: لسان الذي يميلون القول إليه أعجمي. والأعجمي: قال أبو الفتح الموصلي: "تركيب" "ع ج م" وضع في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضدُّه البيان والإيضاح؛ ومنه قولهم: رَجُلٌ أعجم وامْرأةٌ عَجماء؛ إذا كانا لا يفصحان، والأعجمي: من لم يتكلم بالعربية. وقال الراغب: العجم خلاف العرب، والعجم منسوب إليهم، والأعجم: من في لسانه عجمه عربيًّا كان أو غير عربي؛ اعتباراً بقلَّة فهمه من العجمة. والأعجمي منسوب إليه، ومنه قيل للبهيمة: عجماء؛ لأنها لا تفصح عما في نفسها، وصلوات النَّهار عجماء، أي: لا يجهر فيها، والعجَمُ: النَّوى لاختفائه. قال بعضهم: معناه أن الحروف المجرَّدة لا تدلُّ على ما تدلُّ عليه الموصولة وأعْجَمتُ الكتابَ ضد أعربتهُ، وأعجمتهُ: أزلت عجمتهُ؛ كأشْكَيتهُ: أزلتُ شِكايَتهُ. قال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة، وإن كان من العرب، والأعجمي والعجمي: الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي: الذي لا يفصح سواءٌ كان من العرب أو من العجم؛ ألا ترى أنهم قالوا: زياد الأعجم؛ لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنَّه كان عربيًّا؟ وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في "الشعراء"، و "حم السجدة". وقال بعضهم: العجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً، والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن فصيحاً. فصل المعنى: إنَّ لسان الذي ينسبون التعلّم منه أعجمي، وهذا القرآن عربي فصيح، فتقرير هذا الجواب كأنه قال: هب أنه يتعلَّم المعاني من ذلك الأعجمي، إلا أنَّ القرآن إنَّما كان معجزاً لما في ألفاظه من الفصاحة، فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل، إلا أن ذلك لا يقدح في المقصود؛ لأن القرآن إنما كان معجزاً لفصاحته اللفظيَّة. ولما ذكر - تعالى - هذا الجواب، أردفه بالتهديد؛ فقال - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَٰتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} قال القاضي: لا يهديهم إلى طريق الجنَّة لقوله بعده: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: أنهم لما تركوا الإيمان بالله، لا يهديهم الله إلى الجنَّة، بل يسوقهم إلى النَّار، ثم إنه - تعالى - بين كونهم كاذبين في ذلك القول، فقال - تعالى -: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} والمقصود منه أنه - تعالى - بيَّن في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود، ثم بين في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصحَّ، وهم كذبوا فيه، والدليل على كذبهم وجوه: أحدها: أنهم لا يؤمنون بآيات الله تعالى وهم كافرون، وإذا كان الأمر كذلك، كانوا أعداء للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وكلام العدو ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتَّهم. وثانيها: أن التعلُّم لا يتأتَّى في جلسه واحدة ولا يتم بالخفية، بل التعلُّم إنما يتمُّ إذا اختلف المتعلِّم إلى المعلِّم أزمنة متطاولة، وإذا كان كذلك، اشتهر فيما بين [الخلق] أن محمداً - صلوات الله وسلامه عليه - يتعلم العلوم من فلان ومن فلان. وثالثها: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، وتعلُّمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في العلم والتحقيق إلى هذا الحد، لكان مشاراً إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية الشريفة والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟ وإذا كان الأمر كذلك، فالطَّعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الكلمات الرَّكيكة يدلُّ على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة باهرة، وهذه الآية تدلُّ على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش؛ لأن كلمة "إنَّما" للحصر، والمعنى: أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله - تعالى -. فإن قيل: قوله {لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} فعل، وقوله تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} اسم وعطف الجملة الاسميَّة على الجملة الفعلية قبيح فما السَّبب في حصولها ههنا؟. فالجواب: الفعل قد يكون لازماً وقد يكون مفارقاً، ويدلُّ عليه قوله - تعالى -: {أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُـنَّهُ} تفسير : [يوسف: 35] ذكره بلفظ الفعل تنبيهاً على أن ذلك الحبس لا يدوم. وقال فرعون لموسى: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}تفسير : [الشعراء: 29] ذكره بصيغة الاسم تنبيهاً على الدَّوام، وقالوا في قوله - تعالى -: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] لا يجوز أن يقال: إن آدم - صلوات الله وسلامه عليه - عاصٍ وغاوٍ؛ لأن صيغة الفعل لا تفيد الدَّوام، وصيغة الاسم تفيده. إذا عرفت هذه المقدمات، فقوله - تعالى -: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} تنبيه على أنَّ من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر. ثم قال - جل ذكره - {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}؛ تنبيهاً على أن صفة [الكذب] فيهم ثابتة [راسخة] دائمة؛ كما تقول: كذبت، وأنت كاذب، فيكون قولك: "وأنت كاذب" زيادة في الوصف بالكذب، ومعناه: إنَّ عادتك أن تكون كاذباً. واعلم أن الآية تدلُّ على ان الكاذب المفتري هو الذي لا يؤمن بآيات الله، والأمر كذلك؛ لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهيَّة ونبوَّة الأنبياء، ولا معنى لهذا الإنكار. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هَلْ يَكْذبُ المُؤمِنُ؟ قال: "لاَ" ثم قرأ هذه الآية. قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ} يجوز فيه أوجه: أحدهما: أن يكون بدلاً من "الَّذينَ لا يُؤمِنُونَ"، أي: إنَّما يفتري الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلم يدخل تحت الافتراء. الثاني: أنه بدل من "الكَاذبُونَ". الثالث: أنه بدلٌ من "أوْلئِكَ"، قاله الزمخشري. فعلى الأول يكون قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} جملة معترضة بين البَدَل والمُبْدَل منه. واستضعف ابو حيَّان الأوجه الثلاثة؛ فقال: "لأن الأوَّل يقتضي أنه لا يفتري الكذب إلا من كفر بالله من بعد إيمانه، والوجود يقتضي أن المفتري هو الذي لا يؤمن بالله سواء كان ممن كفر بعد إيمانه أو كان ممن لم يؤمن قطّ؛ بل الأكثر الثاني، وهو المفتري. قال: وأما الثاني: فيؤول المعنى إلى ذلك؛ إذ التقدير: وأولئك، أي: الذين لا يؤمنون هم من كفر بالله من بعد إيمانه، والذين لا يؤمنون هم المفترون. وأما الثالث: فكذلك؛ إذ التقدير: أن المشار إليهم هم من كفر بالله من بعد إيمانه، مخبراً عنهم بأنهم الكاذبون". الوجه الرابع: قال الزمخشري: "أن ينتصب على الذَّمِّ". قال ابن الخطيب: وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها من التَّعسُّف. الخامس: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر على الذَّمِّ. السادس: أن يرتفع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: فعليهم غضب؛ لدلالة ما بعد "مَنْ" الثانية عليه. السابع: أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها وخبر "مَنْ" الثانية قوله: "فَعَليْهم غَضب". قال ابن عطية رحمه الله: "إذ هو واحد بالمعنى؛ لأنَّ الإخبار في قوله - تعالى -: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ} إنَّما قصد به الصنف الشارح بالكفر". قال أبو حيَّان: "وهذا وإن كان كما ذكر، إلا أنَّهما جملتان شرطيتان، وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك، فلا بدَّ لكل واحدة منهما على انفرادها من جواب لا يشتركان فيه، فتقدير الحذف أجرى على صناعة الإعراب، وقد ضعَّفوا مذهب الأخفش في ادِّعائه أن قوله - تعالى -: {أية : فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 91] وقوله - جل ذكره -: {أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} تفسير : [الواقعة: 89] جواب لـ "أمَّا" و "إنْ"، هذا، وهما أداتا شرط وليست إحداهما الأخرى". الثامن: أن تكون "مَنْ" شرطية، وجوابها مقدَّر، تقديره: فعليهم غضبٌ؛ لدلالة ما بعد "مَنْ" الثانية عليه، وقد تقدَّم أن ابن عطيَّة جعل الجزاء لهما معاً، وتقدم الكلام معه فيه. قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} فيه أوجه: أحدها: أنه مستثنى مقدم من قوله: "فأولئك عليهم غضب" وهذا يكون فيه منقطعاً؛ لأن المكره لم يشرح بالكفر صدراً. وقال أبو البقاء: وقيل: ليس بمقدَّم؛ فهو كقول لبيد: [الطويل] شعر : 3360- ألاَ كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ بَاطلُ .................. تفسير : فظاهر كلامه يدلُّ على أن بيت لبيد لا تقديم فيه، وليس كذلك؛ فإنه ظاهر في التقديم جدًّا. الثاني: أنه مستثنى من جواب الشرط، أو من خبر المبتدأ المقدَّر، تقديره: لعليهم غضب من الله إلا من أكره، ولذلك قدر الزمخشري جزاء الشَّرط قبل الاستثناء وهو استثناء متصل؛ لأنَّ الكفر يكون بالقول من غير اعتقاد كالمكره، وقد يكون - والعياذ بالله - باعتقاد، فاستثنى الصنف الأول. {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} جملة حاليَّة {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} في هذه الحالة، وهذا يدلُّ على أن محلَّ الإيمان القلب، والذي [محله] القلب إما الاعتقاد، وإما كلام النَّفس؛ فوجب أن يكون الإيمان عبارة: إما عن المعرفة، وإما عن التَّصديق بكلام النَّفس. قوله تعالى: {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ} الاستدراك واضح؛ لأن قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} قد يسبق الوهم إلى الاستثناء مطلقاً، فاستدرك هذا، وقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} لا ينفي ذلك الوهم، و "مَنْ" إما شرطية أو موصولة، ولكن متى جعلت شرطية، فلا بدَّ من إضمار مبتدأ قبلها، لأنه لا يليها الجمل الشرطيَّة، قاله أبو حيَّان؛ ثم قال: ومثله: [الطويل] شعر : 3361-.................... ولكِنْ مَتى يَسْترفِدِ القَوْمُ أرْفدِ تفسير : أي: ولكن أنا متى يسترفد القوم. وإنَّما لم تقع الشرطية بعد "لكِنْ"؛ لأنَّ الاستدراك لا يقع في الشروط، هكذا قيل، وهو ممنوع. وانتصب "صَدْراً" على أنه مفعول للشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير؛ لأنه لا يشكل بصدر غيره؛ إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره، فهو نكرةٌ يراد بها المعرفة، والمراد بقوله: {مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}، أي: فتحه ووسعه لقبُول الكفر. فصل قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: نزلت هذه الآية في عمَّار بن ياسر؛ وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمَّه سميَّة وصهيباً وبلالاً وخبَّاباً وسالماً فعذبوهم. وأما سميَّة: فإنها ربطت بين بعيرين ووجىء في قُبُلها بحربة، فقتلت وقتل زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام - رضي الله عنهما-. وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وخبَّاب، وصهيب، وبلال، وعمَّار، وسميَّة - رضي الله عنهم -. أما الرَّسول صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر - رضي الله عنه - فمنعه قومه، وأخذ الآخرون، وألبسوا الدروع الحديد، ثم أجلسوهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد لحرِّ الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويشتم سميَّة، ثم طعنها في فرجها بحربة. وقال آخرون: ما نالوا منهم غير بلال؛ فإنهم جعلوا يعذِّبونه، ويقول: أحَدٌ أحَدٌ، حتى ملوه فتركوه. وقال خبَّاب: ولقد أوقدوا لي ناراً ما أطفأها إلا ودك ظهري، وقال مقاتل: نزلت في جبر مولى عامر الحضرمي، أكرهه سيِّده على الكفر، فكفر مكرهاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، ثم أسلم مولى جبر وحسن إسلامهما، وهاجر جبر مع سيِّده. فصل الإكراه الذي يجوز عنده التلفُّظ بكلمة الكفر: هو أن يعذَّب بعذابٍ لا طاقة له به؛ مثل: التَّخويف بالقتل؛ ومثل الضَّرب الشَّديد، والإتلافات القويَّة، وأجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرىء قلبه عن الرِّضا، وأن يقتصر على التَّعريضات؛ مثل أن يقول: إن محمداً كذَّاب، ويعني عند الكفار أو يعني به محمَّداً آخر، أو يذكره على نيَّة الاستفهام بمعنى الإنكار، وهنا بحثان: الأول: أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النيَّة، أو لأنه لمَّا عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النيَّة كان ملوماً وعفو الله متوقَّع. البحث الثاني: لو ضيَّق المكره الأمر عليه وشرح له أقسام التَّعريضات، وطلب منه أن يصرِّح بأنه ما أراد شيئاً منها، وما أراد إلاَّ ذلك المعنى - فههنا يتعيَّن إما التزام الكذب، وإما تعريض النفس للقتل، فمن الناس من قال: يباح له الكذب ههنا، ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهو الذي اختاره القاضي؛ قال: لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً، فوجب أن يقبح على كل حال، ولو جاز أن يخرج عن القبح لرعاية بعض المصالح، لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح، وحينئذٍ لا يبقى وثوق بوعد الله ولا وعيده؛ لاحتمال أنَّه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله - تعالى -. فصل أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن بلالاً صبر على العذاب، وكان يقول: أحد أحد، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما صنعت، بل عظَّمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلُّم بكلمة الكفر. وثانيها: ما روي أن مسيلمة الكذَّاب أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمَّد؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضاً فتركه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، فقال: ما تقول فيَّ؟ قال: أنا أصمُّ، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني: فقد صدع بالحقِّ، فهنيئاً له فسمَّى التلفظ بكلمة الكفر رخصة، وعظَّم حال من أمسك عنه حتى قتل. وثالثها: أن بذل [النفس] في تقرير الحق أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً؛ لقوله - صلوات الله وسلامه عليه-: "حديث : أفْضَلُ العِبادَاتِ أحْمزُهَا" تفسير : أي: أشقُّها. ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهَّر قلبه ولسانه عن الكفر، وأمَّا الذي تلفَّظ بها فهب أن قلبه طاهرٌ، إلا أنَّ لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة؛ فوجب أن يكون حال الأول أفضل. فصل الإكراه له مراتب: أحدها: أن يجب الفعل المكروه عليه؛ كما لو أكره على شرب الخمر، وأكل الخنزير، وأكل الميتة، فإذا أكره عليه بالسَّيف فهاهنا، يجب الأكل؛ وذلك لأن صون الرُّوح عن الفواتِ واجبٌ، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بالأكل، وليس في هذا الأكل ضررٌ على حيوان، وإلا إهانةٌ لحقِّ الله، فوجب أن يجب؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195]. المرتبة الثانية: أن يصير ذل الفعل مباحاً ولا يصير واجباً؛ كما لو أكره على التلفُّظ بكلمة الكفر، فههنا يباح له ذلك، ولكنه لا يجب. المرتبة الثالثة: أنه لا يجب ولا يباح، بل يحرم؛ كما لو أكرهه إنسان على قتل إنسان، أو على قطع عضو من أعضائه، فههنا يبقى الفعل على الحرمةِ الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا؟. قال الشافعي - رضي الله عنه - في أحد قوليه: يجب القصاص؛ لأنَّه قتله عمداً عدواناً، فوجب عليه القصاص؛ لقوله - تعالى -: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178]، وأيضاً: أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنَّ له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل، فلما كان يوهم إقدامه على القتل، أوجب إهدار دمه، فلأن يكون عند صدور القتل عنه حقيقة يصير دمه مهدراً أولى. فصل من الأفعال ما يمكن الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر، ومنها ما لا يقبل الإكراه، قيل: وهو الزِّنا؛ لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنعُ من انتشار الآلة، فحيث دخل الزِّنا في الوجود، دل على أنَّه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه. وقيل: الإكراه على الزِّنا مقصور؛ كما لو انتشر ذكره وهو نائمٌ فاستدخلته المرأة في تلك الحالة، أو كان به مرض الانتصاب، فلا يزال منتشراً، أو علم أنَّه لا يخلص من الإكراه إلا باستحضار الأسباب الموجبة للانتشار. فصل قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: ذهب بعض العلماء إلى أنَّ الرُّخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه؛ مثل أن يكره على السُّجود لغير الله تعالى أو الصَّلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم، أو ضربه، أو أكل ماله، أو الزِّنا، أو شرب الخمر، أو أكل الرِّبا، روي ذلك عن الحسن البصري، وهو قول الأوزاعي والشافعي وبعض المالكيَّة - رضي الله تعالى عنهم -. فصل قال القرطبي: وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان: الأول: أن يبيع ماله في حق وجوب عليه، فذلك ماضٍ سائغ لا رجوع فيه؛ لأنَّه يلزمه أداء الحقِّ من غير المبيع، وأما بيع المكره ظلماً أو قهراً، فذلك لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثَّمن ذلك الظالم فإنْ فات المتاع، رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه، وأما يمين المكره فغير لازمةٍ عند مالك والشافعي - رضي الله عنهما - وأكثر العلماء، قال ابن العربي: "واختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع أم لا؟". قال ابن العربي رحمه الله: "وأي فرقٍ بين الإكراه على اليمين في أنَّها لا تلزم، وبين الحنث في أنه لا يقع". فصل إذا أكره الرَّجل على أن يحلف وإلاَّ أخذ ماله، فقال مالك: لا تقيَّة في المال، فإنَّما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه. وقال ابن الماجشون: "لا يحنث وإن درأ عن ماله أيضاً". قال القرطبي: "وأجمع العلماء على أنَّ من أكره على الكفر فاختار القتل، أنَّه يكون أعظم أجراً عند الله ممَّن اختار الرخصة". فصل قال الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما -: لا يقع طلاق المكره، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: يقع. واستدلَّ الشافعي - رضي الله عنه - بقوله - تعالى -: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة: 256]، ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته؛ لأن ذاته موجودة؛ فوجب حمله على نفي آثاره، أي: لا أثر له ولا عبرة به، وقال - صلوات الله وسلامه عليه-: "حديث : رُفِعَ عن أمَّتي الخَطأ والنِّسيَانُ وما اسْتكْرِهُوا عليْهِ ". تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا طَلاقَ في إغلاقٍ"تفسير : ، أي: إكراه. فإن قالوا: طلقها، فيدخل تحت قوله - تعالى -: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ} تفسير : [البقرة: 230]. فالجواب: لمَّا تعارضت الدلائل، وجب أن يبقى ما كان على ما كان هو لنا. فصل قال القرطبي - رحمه الله -: "وأما نكاح المكره: فقال سحنون: أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة وقالوا: لا يجوز المقام عليه؛ لأنَّه لم ينعقد، فإن وطئها المكره على النِّكاح، لزمه المسمَّى من الصَّداق ولا حد عليه". قوله: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: إنه - تعالى - حكم عليهم بالعذاب، ثم وصف ذلك العذاب فقال - تعالى -: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. قوله: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ} مبتدأ وخبره؛ كما تقدم، والإشارة بـ "ذلك" إلى ما ذكر من الغضب والعذاب؛ ولذلك وحَّد، كقوله: "بين ذلك" و: [الرجز] شعر : 3362- كَأنَّهُ في الجِلْدِ.............. تفسير : قوله: {ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} أي: ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر؛ لأجل أنَّهم رجَّحوا الدنيا على الآخرة، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} أي: ذلك الارتداد إنما حصل لأجل أنه - تعالى - ما هداهم إلى الإيمان، وما عصمهم عن الكفر. قال القاضي: المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنَّة، وهذا ضعيف؛ لأن قوله - تعالى -: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} معطوف على قوله: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} فوجب أن يكون قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} علَّة وسبباً موجباً لإقدامهم على ذلك الارتداد، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سبباً لذلك الارتداد ولا علَّة، بل كسباً عنه ولا معلولاً له، فبطل هذا التَّأويل. ثم أكد أنه - تعالى - صرفهم عن الإيمان؛ فقال - عز وجل -: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان لوجوه: الأول: أنه - تعالى - أشرك ذكر ذلك في معرض الذَّم، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذَّم بتركه. الثاني: أنه - تعالى - أشرك بين السَّمع، والبصر، والقلب في هذا الطبع، ومعلوم أن مع فقد السمع والبصر قد يصحُّ أن يكون مؤمناً، فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب. الثالث: وصفهم بالغفلة، ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن المراد بهذا الطَّبع السِّمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وتقدَّم الجواب في أول سورة البقرة. ثم قال - تعالى -: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أي: عما يراد بهم في الآخرة. ثم قال: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ}، أي: المغبونون، والموجب لهذا الخسران أنه - تعالى - وصفهم بصفاتٍ ستة: أولها: أنهم استوجبوا غضب الله. وثانيها: أنَّهم استحقُّوا العذاب الأليمَ. وثالثها: أنَّهم استحبُّوا الحياة الدُّنيا على الآخرة. ورابعها: أنه - تعالى - حرمهم من الهِدايةِ. وخامسها: أنه - تعالى - طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. وسادسها: أنه - تعالى - جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة، فكل واحد من هذه الصِّفات من أعظم الموانع عن الفوز بالسعادات والخيرات، ومعلوم أنه - تعالى - إنما أدخل الإنسان في الدنيا؛ ليكون كالتَّاجر الذي يشتري بطاعته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة، عظم خسرانه؛ فلهذا قال - تعالى -: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي هم الخاسرون لا غيرهم. قوله - تعالى -: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ} الآية لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه، وحال من أكره على الكفر ذكر [بعده] حال من هاجر من بعد ما فتن. في خبر "إنَّ" هذه ثلاثة أوجه: أحدها: قوله - تعالى -: {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، و "إنَّ ربَّكَ" الثانية، واسمها تأكيد للأولى واسمها؛ فكأنه قيل: ثمَّ إنَّ ربّك إنَّ ربَّك لغفور رحيم، وحينئذ يجوز في قوله: "للَّذِينَ" وجهان: أحدهما: أن يتعلق بالخبرين على سبيل النتازع، أو بمحذوف على سبيل البيان؛ كأنه قيل: الغفران والرحمة للَّذين هاجروا. الثاني: أن الخبر هو نفس الجار بعدها؛ كما تقول: إنَّ زيداً لك، أي: هو لك لا عليك، بمعنى: هو ناصرهم لا خاذلهم، قال معناه الزمخشري، ثم قال: "كما يكون الملك للرجل لا عليه، فيكون محميًّا منفُوعاً غير مضرورٍ". قال شهاب الدِّين: "قد يتوهَّم أن قوله: "مَنْفُوعاً" استعمال غير جائز؛ لما قاله الأهوازي عليه رحمة الله في شرح موجز الرماني: إنَّه لا يقال: "مَنْفُوع" اسم مفعول من نفعته، فإن الناس قد ردُّوا على الأهوازي". الثالث: أن خبر الأولى مستغنًى عنه بخبر الثانية، يعني: أنه محذوف لفظاً؛ لدلالة ما بعده عليه، وهذا معنى قول أبي البقاء: "وقيل: لا خبر لـ "إنَّ" الأولى في اللَّفظ؛ لأنَّ خبر الثانية أغنى عنه". وحينئذ لا يحسن ردُّ أبي حيَّان عليه بقوله: "وهذا ليس بجيّد؛ لأنه ألغى حكم الأولى، وجعل الحكم للثانية، وهو عكس ما تقدَّم، وهو لا يجوز". قوله: {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} قرأ ابن عامر: "فَتَنُوا" مبنيًّا للفاعل، أي: فتنوا أنفسهم فإن عاد الضمير على المؤمنين، فالمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول ظاهراً، أو أنهم صبروا على عذاب المشركين، فكأنهم فتنوا أنفسهم. وإن عاد على المشركين، فهو واضح، أي: فتنوا المؤمنين. والباقون "فُتِنُوا" مبنياً للمفعول، والضمير في "بَعْدهَا" للمصادر المفهومة من الأفعال المتقدمة، أي: من بعد الفتنة، والهجرة، والجهاد. وقال ابن عطيَّة: "عائدٌ على الفتنة، أو الفتنة والهجرة أو الجهاد أو التوبة". فصل وجه القراءة الأولى أمور: الأول: أن يكون المراد أنَّ أكابر المشركين - وهم الذين آذوا فقراء المسلمين - لو تابوا وهاجروا وصبروا، فإنَّ الله يقبل توبتهم. والثاني: أن "فَتَن" و "أفْتنَ" بمعنى واحد؛ كما يقال: مَانَ وأمَان بمعنى واحد. والثالث: أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقيَّة؛ فكأنهم فتنوا أنفسهم؛ لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك الوقت. وأما وجه القراءة الثانية فظاهر؛ لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم المشركون على الرجوع عن الإيمان، فبين - تعالى - أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإن الله تعالى يغفر لهم تكلمهم كلمة الكفر. فصل يحتمل أن يكون المراد بالفتنةِ: هو وأنهم عذِّبوا، وأنهم خوِّفوا بالتَّعذيب، ويحتمل أن يكون المراد: أن أولئك المسلمين ارتدُّوا. وقال الحسن - رضي الله عنه -: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكَّة، فعرضت لهم فتنة فارتدُّوا، وشكُّوا في الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ثم أسلموا وهاجروا، ونزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فاستزلَّه الشيطان فلحق بالكفَّار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكَّة بقتله، فاستجار له عثمان، وكان أخاهُ لأمه، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه أسلم وحسن إسلامه فأنزل الله هذه الآية؛ قاله الحسن وعكرمة. وهذه الرِّواية إنا تصحُّ إذا جعلنا هذه السورة مدنية أو جعلنا هذه الآية منها مدنيَّة، ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ أولئك الضعفاء المعذَّبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقيَّة، فقوله: {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} يحتمل كلَّ واحدٍ من هذه الوجوه، وليس في اللفظ ما يدل على التَّعيين. وإذا كان كذلك، فهذه الآية إن كانت نازلة فيمن أظهر الكفر، فالمراد أن ذلك مما لا إثم فيه، وأن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكره، وإن كانت نازلة فيمن ارتدَّ، فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ذلك العقاب، ويحصل له الغفران والرحمة. قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ} يجوز أن ينتصب "يَوْمَ" بـ "رَحِيمٌ" ولا يلزم من ذلك [تقييد] رحمته بالظرف؛ لأنه إذا رحم في هذا اليوم، فرحمته في غيره أحرى وأولى. وأن ينتصب بـ "اذكُر" مقدَّرة، وراعى معنى "كل" فأنث الضمائر في قوله "تُجَادلُ... إلى آخره"؛ ومثله قوله: [الكامل] شعر : 3363- جَادَتْ عَليْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتركْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدَّرهَمِ تفسير : إلا أنه زاد في البيت الجمع على المعنى، وقد تقدَّم أول الكتاب. وقوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} حملاً على المعنى؛ فلذلك جمع. فإن قيل: النَّفس لا تكون لها نفس أخرى، فما معنى قوله: "تُجادِلُ عن نَفْسِهَا"؟. فالجواب: أن النَّفْس قد يراد بها بدن [الإنسان] الحيّ، وقد يراد بها ذات الشيء وحقيقته، فالنفس الأولى هي الجثَّة والبدن، والثانية: عينها وذاتها؛ فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، ولا يهمه شأن غيره، قال - تعالى -: {أية : لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 37]. روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لكعب الأحبار: خوِّفنا، قال يا أمير المؤمنين: والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيًّا، لأتت عليك تارات وأنت لا يهمُّك إلا نفسك، وإن لجهنَّم زفرة ما يبقى ملك مقرَّب، ولا نبي مرسلٌ إلا وقع جاثياً على ركبتيه، حتَّى إن إبراهيم خليل الرحمن - صلوات الله وسلامه عليه - ليدلي بالخلَّة فيقول: يا ربِّ، أنا خليلك إبراهيم لا أسألك إلا نفسي، وأن تصديق ذلك الذي أنزل عليكم: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}، ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار؛ كقولهم: { {أية : هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} تفسير : [الأعراف: 38]، وكقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} فيه محذوف، أي: جزاء ما عملت من غير بخسٍ ولا نقصان، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لا ينقصون. روى عكرمة عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - في هذه الآية قال: "ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة، حتى تخاصم الرُّوح الجسد، فتقول الرُّوح: يا رب، لم تكن لي يدٌ أبطش بها، ولا رجلٌ أمشي بها، ولا عينٌ أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، ولا عقلٌ أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد فضعِّف عليه أنواع العذاب، ونجِّني، ويقول الجسد: يا ربِّ، أنت خلقتني بيدك، فكنت كالخشبة، وليس لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عينٌ أبصر بها، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشُعَاع النُّور، فيه نطق لساني، وأبصرت عيني، ومشت رجلي، وسمعت أذني، فضعِّف عليه أنواع العذاب، ونجِّني منه، قال: فيضرب الله لهما مثلاً؛ أعمى ومقعداً دخلا [بستاناً] فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثَّمر، والمقعد لا يتناوله، فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر، [فغشيهما] العذاب".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم‏} ‏ قال‏:‏ هذا دليل من الله دل عليه عباده‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر، عن عطاء قال‏:‏ الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها، من أجل قوله‏:‏ ‏{‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه، عن جبير بن مطعم‏:‏ حديث : ‏أن النبي لما دخل في الصلاة كبر ثم قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان يتعوذ يقول‏:‏ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم‏. وأخرج أبو داود والبيهقي، عن أبي سعيد قال‏:‏ ‏‏"‏ حديث : كان رسول الله إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال‏: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا غيرك، ثم يقول‏:‏ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها في ذكر الإفك قالت‏‏: حديث : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال‏: ‏أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ‏{‏إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏[النور: 11‏]‏ الآيات ‏.‏

القشيري

تفسير : شيطانُ كُلِّ واحدٍ ما يشغله عن ربه، فمن تَسَلَّطَتْ عليه نَفْسُه حتى شَغَلَتْه عن ربه ولو بشهود طاعةٍ أو استحلاءِ عبادة أو ملاحظةِ حال - فذلك شيطانُه. والواجبُ عليه أن يستعيذَ بالله من شرِّ نَفْسِه، وشرِّ كل ذي شر.

اسماعيل حقي

تفسير : فاذا قرأت القرآن} اى اردت قراءته عبر عن الارادة بالقراءة على طريقة اطلاق اسم المسبب على السبب ايذانا بان المراد هى الارادة المتصلة بالقراءة {فاستعذ بالله} اى فاسأله تعالى ان يعيذك ويحفظك {من الشيطان} البعيد عن الخير {الرجيم} المرجوم بالطرد واللعن اى من وساوسه وخطراته كيلا يوسوسك عند القرآن فان ناصية كل مخلوق بيده او قل اعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو المختار من الروايات الاربع عشرة الواردة فى الفاظ الاستعاذة كما فى تفسير خوارجه بارسا قدس سره.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {فإِذا قرأتَ القرآنَ}؛ أردت قراءته، كقوله: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المَائدة: 6]، {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} أي: فسل الله أن يعيذك من وسواسه؛ لئلا يوسوسك في القراءة، فيحرمك حلاوة التلاوة؛ فإنه عدو لا يحب لابن آدم الربح أبدًا، والجمهور على أنه مستحق عند التلاوة، وعن عطاء: أنه واجب. ومذهب مالك: أنه لا يتعوذ في الصلاة. وعند الشافعي وأبي حنيفة: يتعوذ في كل ركعة؛ تمسكًا بظاهر الآية؛ لأن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره، وأخذ مالك بعمل أهل المدينة في ترك التعوذ في الصلاة. وهو تابع للقراءة في السر والجهر، وعن ابن مسعود: قرأتُ على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: "حديث : قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". تفسير : ثم قال تعالى: {إِنه ليس له سلطانٌ} أي: تسلط وولاية {على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} أي: لا تسلط له على أولياء الله المؤمنين به، والمتوكلين عليه، فإنهم لا يطيعون أوامره، ولا يصغون إلى وساوسه، إلا فيما يحتقر، على ندور وغفلة. {إِنما سلطانه} أي: تَسَلُّطُهُ {على الذين يتولونه}: يحبونه ويطيعونه، {والذين هم به} أي: بالله، أو: بسبب الشيطان، {مشركون}؛ حيث حملهم على الشرك فأطاعوه. الإشارة: الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي: الغيبة عنه في ذكر الله أو شهوده، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن. قال تعالى: {أية : فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الذَّاريات: 50]. فإن الشيطان كالكلب، كلما اشتغلت بدفعه قوي نبحه عليك، فإما أن يخرق الثياب، أو يقطع الإهاب، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقًا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو، فاتتك محبة الحبيب، ونال مراده منك. هـ. فالعاقل هو الذي يشتغل بذكر الله باللسان، ثم بالقلب، ثم بالروح، ثم بالسر، فحينئذ يذوب الشيطان ولا يبقى له أثر قط، أو يذعن له ويسلم شيطانه، فإنما حركه عليك؛ ليوحشك إليه. وفي الحكم: "إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده". فإذا تعلقْتَ بالقوي المتين، هرب عنك الشيطان اللعين. وسيأتي مزيد كلام إن شاء الله عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ...} تفسير : [فَاطِر: 6] الآية. وبالله التوفيق. ومن أقبح وسوسة الشيطان الطعن في القرآن كما أنان ذلك الحق

الجنابذي

تفسير : {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} جواب شرطٍ محذوف اى اذا كان اتّخاذ الايمان دخلاً سبباً لان تزلّ القدم وان يذاق السّوء والعذاب والصّدق فى الايمان والصّبر عليها سبباً لان يجزى الله جميع الاعمال بجزاء احسن الاعمال فاذا قرأت القرآن الّذى هو صورة شروط العهود والايمان وتذكرتها {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} فعلى هذا يكون الخطاب عامّاً لكلّ من يتأتّى منه الخطاب او خاصّاً على طريقة ايّاك اعنى واسمعى يا جارة {مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} فانّ الاستعاذة لها اثر عظيم فى منع الشّيطان سيّما اذا كانت بالفعل والحال او بالقول قريناً للفعل والحال، وبهذه الآية تمسّك من قال بوجوب الاستعاذة القوليّة او استحبابها فى اوّل القرائة ولذلك ضمّن قرأت معنى اردت القرائة وقد مضى فى اوّل فاتحة الكتاب تفصيل تامّ للاستعاذة وكيفيّتها.

الأعقم

تفسير : {فإذا قرأت القرآن}، قيل: أردت قراءة القرآن {فاستعذ بالله} أي اطلب الملجأ إلى الله والفزع إليه {من الشيطان الرجيم}، قيل: اللعين المبعّد من الرحمة، وقيل: المرمى بالشهب {إنه ليس له سلطان} يعني طريق يتسلط بها {على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه}، قيل: قوته وحجته {على الذين يتولونه} أي يتولون الشياطين باتباعهم واتباع آثارهم {والذين هم به مشركون}، قيل: الذين هم بالله مشركون، وقيل: به كناية عن الشيطان يعني الذين هم بالشيطان مشركون فيما يدعو إليه من عبادة الأوثان {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل} الآية نزلت في المشركين حين قالوا: أن محمداً يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً ما هو يقوله إلاَّ من تلقائه فنزلت الآية، وإذا بدّلنا آية مكان آية يعني نسخنا حكم آية أخرى لما في النسخ من المصلحة، وقيل: إذا نسخنا آية فرفعنا تلاوتها وحكمها بآية، وقيل: هي الشريعة التي كانت معمولاً بها في أهل الكتب المتقدمة {بل أكثرهم لا يعلمون} أن الله أعلم بالمصالح {قل} يا محمد {نزله} يعني القرآن وتبدل الآيات {روح القدس} جبريل {ليثبت الذين آمنوا} أي يكون لطفاً لهم {وهدى وبشرى للمسلمين} {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} أرادوا بالبشر غلاماً كان لخاطب قد أسلم وحسن إسلامه إسمه عائش أو يعيش وكان صاحب كتب، وقيل: عبد اجبر وشار كانا يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا مرَّ وقف عليهما يسمع ما يقرآن، فقالوا: يعلمانه، فقيل لأحدهما: تعلمانه؟ قال: بل هو يعلمني، وقيل: بل هو سلمان الفارسي {لسان} اللسان اللغة {الذي يلحدون اليه} ويقال: اللحد القبر، ولحده وهو ملحود وملحد إذا مال حفره عن الاستقامة، ثم استعير لكل من مال عن الاستقامة، يقال: ألحد فلان في قوله، وألحد في دينه، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها، والمعنى لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة اليه لسان {أعجمي} عربي {وهذا لسان عربي مبين} {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله} أي يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون، قوله تعالى: {لا يهديهم الله} لا يلطف بهم لأنهم من أهل المعاصي في الدنيا والعذاب في الآخرة {إنما يفتري الكذب} رداً لقولهم {إنما أنت مفتر} يعني إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن {وأولئك} إشارة إلى قريش، وقيل: {هم الكاذبون} على الحقيقة.

الهواري

تفسير : قوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. والرجيم الملعون، رجمه الله باللعنة. قال الحسن: نزلت في الصلاة، ثم صارت سنة في غير الصلاة إذ أراد أن يقرأ، وليس بمفروض. قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وهو كقوله: {إِنَّ عِبَادِي} يعني المؤمنين (أية : لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) تفسير : [الحجر:42] أي: لا تستطيع أن تضلّهم؛ وكقوله: (أية : وَمَن يَّهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ) تفسير : [الزمر:37]. قال: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي: الشيطان، أي: يعبدونه ويطيعونه، قال الحسن من غير أن يستطيع أن يكرههم هو عليه. وهو مثل قوله: {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي: بِمُضِلِّينَ (أية : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ) تفسير : [الصافات:162-163] أي: لا تضلوا إلا من هو صالى الجحيم. وكقوله: (أية : وَمَن يُّضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ)تفسير : [الأعراف:178] أي: لا يضل إلا خاسراً. قوله: { وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} أي: والذين هم بالله مشركون. فيها تقديم. وتقديمها فاستعذ بالله، ثم قال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}، أي: بالله؛ رجع إلى الكلام الأول. قال الحسن: أشركوا الشيطان بعبادة الله. قوله: { وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنْزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهذا في الناسخ والمنسوخ في تفسير بعضهم. قال الحسن: كانت الآية إذا نزلت فعُمِل بها وفيها شدّة، ثم نزلت بعدها آية فيها لين قالوا: إنما يأمر محمد أصحابه بالأمر، فإذا اشتد عليهم صرفهم إلى غيره، ولو كان هذا الأمر من عند الله لكان أمراً واحداً وما اختلف، ولكنه من قِبَل محمد. قال الله: { قُلْ} يا محمد { نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحَقِّ} والقدس الله، وروحه جبريل. فأخبر أنه نزل به جبريل من عند الله، وأن محمداً لم يغيّر منه شيئاً. قال: { لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.

اطفيش

تفسير : {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} إِذا أردت قراءته فعبر بالقراءة عن إِرادتها لأَن إِرادتها سبب لها وملزومة لها. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور فى الاستعاذة من أنها قبل القراءة متصلة بها غير مفعول له؛ فذلك كقوله تعالى: {أية : إِذا قمتم إِلى الصلٰوة} تفسير : أى إِذا أردتم القيام إِليها، وكقولهم: إِذا أكلت فقل بسم الله، وإِذا سافرت فتأَهب، أى إِذا أردت الأَكل وإِذا أردت السفر، وذلك مذهب أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأَئمة وفقهاء الأَمصار وذلك أن الوسوسة تحصل فى أثناء القراءة فتقدم على القراءة لتذهب الوسوسة فلا تؤخر عن وقت الحاجة وسواء كان ذلك فى الصلاة أو غيرها، وقال أبو هريرة وجماعة من الصحابة والتابعين: إن الاستعاذة بعد القراءة فى الصلاة وغيرها، وهو قول مالك وجماعة وداود الظاهرى فى أحد قوليه وابن سيرين فى إِحدى الروايتين عنه والنخعى لأَن قارىء القرآن يستحق ثواباً عظيماً، وربما حصلت الوسوسة فى قلبه هل حصل ذلك الثواب أم لا، فإِذا استعاذ اندفعت وخلص الثواب ولظاهر الآية وحجة الجمهور ما روى عن أبى سعيد الخدرى، "حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إِذا قام إِلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إِله غيرك. ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه"تفسير : ، أخرجه الترمذى. وقال: الحديث أشهر حديث فى الباب وتكلم فى بعض رجاله، وقال أحمد: لا يصح. ولا أبى داود والنسائى عن أبى سعيد نحوه لكن قد نهاه جبريل عن هذا التعوذ، فقال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وأخرج أبو داود عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلى صلاة. قال عمر: ولا أدرى أى صلاة هى. قال: الله أكبر كبيرا ثلاثاً، والحمد لله كثيراً ثلاثاً، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثاً أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه، قال عمر: نفخه الكبر ونفثه الشعر وهمزه المؤتة أى الجنون وهمزه وسوسته فى الصلاة ونفخه إِلقاء الشبه فى الصلاة ليقطعها، وقيل إِذا قرأ الآية الأَولى استعاذ والخطاب للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويلتحق به غيره من أُمته لأَنها مخاطبة بما خوطب به إِلا ما قام دليله، ولأَنه إِذا احتاج إِلى الاستعاذة فغيره أحق بها. {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أى قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما هو المتبادر من لفظ الآية فأعوذ طلب للإِعاذة كما أن استعذ بمعنى اطلب الإِعاذة فإِن العين والتاء زائدتان للطلب، ولفظ أعوذ خبر ومعناه دعاء وطلب وقولك بالله من الشيطان الرجيم مذكور بلفظه فى الآية وكذلك قال صاحب الدرر اللوامع: وغير ما فى النحل لا يختار فجعل قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنه مذكور فى هذه السورة بلفظه، وقيل أعوذ مأخوذ من قوله تعالى: {أية : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} تفسير : وبالله من الشيطان الرجيم مأْخوذ من آية النحل هذه وكذلك مذهبنا ومذهب الشافعى وأبى حنيفة لفظا الآية، وحديث مطعم بن جبير المذكور، روى أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال عند جبريل: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فنهاه من ذلك، وقال له الذى أخذته من اللوح المحفوظ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا الذى نهاه عنه هو تعوذ النكار تمسكوا لجهلهم بما هو منسوخ منهى عنه، وروى أنه أول ما نزل جبريل على نبينا عليهما السلام، قال له: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال له: ثم قال له: قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال له ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيه دليل أيضا على تقدم التعوذ على القراءة وكان بعض المقرئين يقول: أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد، "حديث : وعن عبدالله ابن مسعود قرأت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. فقال لى: يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هكذا اقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ"تفسير : ، وروى عن اللوح المحفوظ عن القلم وهو أظهر. وكان جماعة من السلف يتعوذون كتعوذ النكار المنهى عنه وعن حمزة أستعيذ ونستعيذ واستعذت واختاره صاحب الهداية من الحنفية لمطابقة القرآن فى السين والتاء مع الإِفراد ولكن أستعيذ مثله وعن حميد بن قيس أعوذ بالله القادر من الشيطان الغادر. وعن أبى السماك أعوذ بالله القوى من الشيطان الغوى وعن قوم أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم وعن آخرين منهم أحمد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنه هو السميع العليم، وبه قال الثورى والأوزاعى جمعاً بين هذه الآية، وقوله فاستعذ بالله أنه هو السميع العليم ولحديث أبى سعيد المذكور وبذلك تمسك أيضاً أحمد فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وروى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل القراءة وجهر به جهراً. وروى أنه أول ما نزل جبريل قال: قل يا محمد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال. ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ باسم ربك الذى خلق.. الخ. وقيل: يقال أعوذ بالله وكلماته من الشيطان وهمزاته، وقيل: أعوذ بالله بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، وفيها ألفاظ أخر. قال الحلوانى فى جامعه: ليس للاستعاذة حد ينتهى إِليه من شاء زاد، ومن شاء نقص، والمختار عند أئمة القراء الجهر بها، وقيل يسر بها مطلقاً، وقيل يسر بها فيما عدا الفاتحة وأطلقوا اختيار الجهر وقيده أبو شامة بقيد لا بد منه، وهو أن يكون بحضرة من يسمعه، قال: لأن الجهر بالتعوذ إِظهار شعار القراءة كالجهر بالتلبية وتكبيرات العيد، ومن فوائده أن السامع ينصت للقراءة من أولها لا يفوته منها شىء، وإِذا خفى التعوذ لم يعلم السامع بها إِلا بعد أن فاته من المقروء شىء وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة فى الصلاة وخارجها، والجمهور على أن المراد بإِخفائها التلفظ مع إِسماع النفس فقط، وقيل الذكر فى القلب بلا تلفظ وإِذا قطع القراءة إِعراضاً أو تلقيناً أو بكلام أجنبى ولو رد السلام استأْنفها أو يتعلق بالقراءة فلا ولا يكفى استعاذة واحد عن غيره من واحد أو جماعة لأَن المقصود اعتصام القارىء والتجاؤه بالله من الشيطان الرجيم فلا يكفى تعوذ أحد عن أحد. ذكر ذلك ابن الجزرى. قال النووى: لو مر القارئ على قوم فسلم عليهم وعاد إِلى القراءة حسن أن يعيد التعوذ ومذهبنا الجهر بها إِن قرأها فى غير الصلاة قدر ما يسمع من يليه أو أكثر بلا مبالغة فى الجهر وفيما قيل تكبيرة الإِحرام قدر ما يسمع من يليه أو قدر ما يسمع نفسه فقط بلا فساد صلاة إِن صدر منه الجهر أكثر من ذلك لعدم الدخول فيهما وإِن استعاذ بعد الدخول تلفظ بها وأسمع نفسه فقط وقيل: يتلفظ ولا يسمع نفسه وفى النقص إِن جاوز ذلك خلاف، وإِن تلفظ بها فى غير الصلاة ولم يسمع نفسه أجزأه أيضاً ولا يجزيه إِن لم يتلفظها واقتصر على قلبه، وروى إِسحاق والمسيب عن نافع أنه يخفيها فى جميع القرآن. وروى سليم عن حمزة أخفاؤها فى جميعه إِلا الفاتحة فيجهر بها أو لها. وروى عنه خالد جواز الإسرار والجهر ووجه الإِخفاء أن لا يظن أنها من القرآن والفرق بين ما جلس إِليه وما لم يجلس إِليه ووجه الجهر أنه قد يثبت أنه ليس من القرآن بالإِجماع وهو دعاء والدعاء يجوز إسراره وإِجهاره. قال الله تعالى: {أية : ادعوا ربكم تضرعاً}تفسير : قيل: برفع صوت وخفته أى بإِسرار، وأجمع العلماء أن نحو قول أحد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليس آية من القرآن بل الأَمر به من القرآن والاستعاذة عندنا واجبة فى الصلاة وغيرها ويجوز وصل التعوذ والبسملة والسورة وقطعهن وقطع التعوذ وحده ووصل البسملة مع قطعهما عن السورة وكذا قال قوم: وهو الصحيح لظاهر الأَمر فى الآية ولا تعوذ إِلا فى قراءة الركعة الأُولى عندنا، وعند الشافعى وأبى حنيفة ذهابا إِلى أن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة. وقال ابن سيرين والنخعى وقوم: يتعوذ فى كل ركعة وهو المتبادر من ظاهر الآية لأَن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرر الشرط قياساً، فكلما تكررت إِرادة القراءة تكررت الاستعاذة وذلك للفصل بين قراءة الركعتين مما ليس متعلقا بالقراءة، وقال الجمهور: الاستعاذة مستحبة فى الصلاة وغيرها واجبة وكان مالك لا يرى التعوذ فى الصلاة المفروضة وقرأه فى قيام رمضان كان غير حافظ عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه تعوذ فى صلاة ومعنى أعوذ بالله أعتصم به فالاستعاذة تطهير القلب عن كل ما يشغل عن الله وأقرار بالعجز والضعف واعتراف بقدرة البارئ عز وجل وأنه الغنى القادر على دفع المضرات واعترافا بعداوة إِبليس وكل شيطان والمراد بالشيطان كل الشيطان لا إِبليس فقط والشيطان عند الجذاق فيعال من شطن إِذا بعد لأَنه بعيد من الخير والرحمة أو من شطن إِذا خالف أمر الله جل وعلا، فلو سمى أحد شيطان بدون ال لصرف الإِمالة النون وقيل فعلان من شاط يشيط فلو سمى به لمنع الصرف فلزيادة الأَلف والنون والعلمية، والرجيم فعيل بمعنى فاعل لأَنه يرجم الناس بالوسوسة أو الشر أو بمعنى مفعول لأَنه مرجوم بالشهب عند استراق السمع، وقيل مرجوم بالعذاب، وقيل بالشتم كما قيل فى قوله تعالى: {أية : لئن لم تنته لأرجمنك} تفسير : وقيل مطرود على الرحمة والخير ومنازل الملأ الأعلى ولما كان الأمر بالاستعاذة ربما توهم متوهم منه أن للشيطان ولاية على أولياء الله نفى ذلك بقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَلْطَانٌ}.

الالوسي

تفسير : {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي إذا أردت قراءة القرآن فاسأله عز جاره أن يعيذك {مِنْ} وساوس {ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} كيلا يوسوسك في القراءة، فالقراءة مجاز مرسل عن إرادتها إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، وكيفية الاستعاذة عند الجمهور من القراء وغيرهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لتظافر الروايات على أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ كذلك. وروى الثعلبـي والواحدي أن ابن مسعود قرأ عليه عليه الصلاة والسلام فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال له صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا ابن أم عبد قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ»تفسير : نعم أخرج أبو داود والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في ذكر الإفك قالت: «حديث : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال: اعوذ بالله السميع / العليم من الشيطان الرجيم {إن الذين جاؤوا بالإِفك} [النور: 11]»تفسير : الآية، وأخرجا عن سعيد انه قال: «حديث : كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم»تفسير : الخ وبذلك أخذ من استعاذ كذلك، وفي "الهداية" الأولى أن يقول: أستعيذ بالله ليوافق القرآن ويقرب [منه] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اهـ، والمختار ما سمعت أولاً لأن لفظ استعذ طلب العوذ وقوله: أعوذ امتثال مطابق لمقتضاه. والقرب من اللفظ مهدر، ويكفي لأولوية ما عليه الجمهور مجيؤه في المأثور. وقال بعض أصحابنا: ولا ينبغي أن يزيد المتعوذ السميع العليم لأنه ثناء وما بعد التعوذ محل القراءة لا محل الثناء وفيه أن هذا بعد تسليم الخبرين السابقين غير سديد على أنه ليس في ذلك إتيان بالثناء بعد التعود بل إتيان به في أثنائه كما لا يخفى. والأمر بها للندب عندهم، وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" وابن المنذر عن عطاء وروي عن الثوري أنها واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها لهذه الآية فحملا الأمر فيها على الوجوب نظراً إلى أنه حقيقة فيه، وعدم صلاحية كونها لدفع الوسوسة في القراءة صارفاً عنه بل يصح شرع الوجوب معه، وأجيب بأنه خلاف الإجماع، ويبعد منهما أن يبتدعا قولاً خارقاً له من بعد علمهما بأن ذلك لا يجوز فالله تعالى أعلم بالصارف على قول الجمهور، وقد يقال: هو تعليمه صلى الله عليه وسلم الاعرابـي الصلاة ولم يذكرها عليه الصلاة والسلام. وقد يجاب بأن تعليمه إياها بتعليمه ما هو من خصائصها وهي ليست من واجباتها بل من واجبات القراءة أو إن كونها تقال عند القراءة كان ظاهراً معهوداً فاستغنى عن ذكرها، وفيه أنه لا يتأتى على ما ستسمع قريباً إن شاء الله تعالى من قول أبـي يوسف عليه الرحمة، وقال الخفاجي: إن حمل الأمر على الندب لما روي من ترك النبـي صلى الله عليه وسلم لها، وإذا ثبت هذا كفى صارفاً. ومذهب ابن سيرين والنخعي وهو أحد قولي الشافعي أنها مشروعة في القراءة في كل ركعة لأن الأمر معلق على شرط فيتكرر بتكرره كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ } تفسير : [المائدة: 6] وأيضاً حيث كانت مشروعة في الركعة الأولى فهي مشروعة في غيرها من الركعات قياساً للاشتراك في العلة، ومذهب أبـي حنيفة ـ وهو القول الآخر للشافعي ـ أنها مشروعة في الأولى فقط لأن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، وقيل: إنها عند الإمام أبـي حنيفة للصلاة ولذا لا تكرر، والمذكور في "الهداية" وغيرها أنها عند الإمام ومحمد للقراءة دون الثناء حتى يأتي بها المسبوق دون المقتدي، وقال أبو يوسف: إنها للثناء وفي "الخلاصة" أنه الأصح، وتظهر ثمرة الخلاف في ثلاثة مسائل ذكرت فيها فما ذكره صاحب القيل لم نعثر عليه في كتب الأصحاب، ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في غيرها كقيام رمضان، والمروي عنه في غير الصلاة فيما سمعت من بعض مقلديه وعن أبـي هريرة وابن سيرين وداود وحمزة من القراء أن الاستعاذة عقب القراءة أخذاً بظاهر الآية. وللجمهور ما رواه أئمة القراءة مسنداً عن نافع عن جبير بن مطعم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). قال في "الكشف": دل الحديث على أن التقديم هو السنة فبقي سببية القراءة لها، والفاء في {فَٱسْتَعِذْ } دلت على السببية فلتقدر الإرادة ليصح، وأيضاً الفراغ عن العمل لا يناسب الاستعاذة من العدو وإنما يناسبها الشروع فيه والتوسط فلتقدر ليكونا ـ أي القراءة والاستعاذة ـ مسببتين عن سبب واحد لا يكون بينهما مجرد الصحبة الاتفاقية التي تنافيها الفاء، وإليه أشار صاحب "المفتاح" بقوله: بقرينة الفاء والسنة المستفيضة انتهى. ومنه يعلم أن ما قيل من أن الفاء لا دلالة فيها على ما ذكر وأن إجماعهم على صحة هذا المجاز يدل على أن القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة ليس بشرط فيه ليس بشيء؛ وكذا القول بالفرق بين هذه الآية وقوله/ تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ } تفسير : [المائدة: 6] الخ بأن ثمة دليلاً قائماً على المجاز فترك الظاهر له بخلاف ما نحن فيه، والظاهر أن المراد بالشيطان إبليس وأعوانه، وقيل: هو عام في كل متمرد عاتٍ من جن وإنس، وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لغيره عليه الصلاة والسلام وفي سائر الأعمال الصالحة أهم فإنه صلى الله عليه وسلم حيث أمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فما الظن بمن عداه عليه الصلاة والسلام فيما عدا القراءة من الأعمال.

ابن عاشور

تفسير : موقع فاء التّفريع هنا خفيّ ودقيق، ولذلك تصدّى بعض حذّاق المفسّرين إلى البحث عنه. فقال في «الكشاف»: «لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل به قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} إيذاناً بأن الاستعاذة من جملة الأعمال التي يجزل عليها الثواب» اهــــ. وهو إبداء مناسبة ضعيفة لا تقتضي تمكّن ارتباط أجزاء النظم. وقال فخر الدين: «لما قال: {أية : ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} تفسير : [سورة النحل: 97] أرشد إلى العلم الذي تَخلُص به الأعمال من الوسواس اه. وهو أمكن من كلام الكشاف. وزاد أبو السعود: «لما كان مدار الجزاء هو حسن العمل رتّب عليه الإرشاد إلى ما به يحسن العَمل الصالح بأن يخلُص من شوب الفساد». وفي كلاميهما من الوهن أنه لا وجه لتخصيص الاستعاذة بإرادة قراءة القرآن. وقول ابن عطية: «الفاء في {فإذا} واصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا»، فتكون الفاء على هذا لمجرّد وصل كلام بكلام واستشهد له بالاستعمال والعهدة عليه. وقال شرف الدين الطيبي: «قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن} متّصل بالفاء بما سبق من قوله تعالى: {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} تفسير : [سورة النحل: 89]. وذلك لأنه تعالى لما منّ على النبي بإنزال كتاب جامع لصفات الكمال وأنه تبيان لكل شيء، ونبّه على أنه تبيان لكل شيء بالكلمة الجامعة وهي قوله تعالى: {أية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان} تفسير : [سورة النحل: 90] الآية. وعطف عليه {أية : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} تفسير : [سورة النحل: 91]، وأكّده ذلك التأكيد، قال بعد ذلك {فإذا قرأت القرآن}، أي إذا شرعت في قراءة هذا الكتاب الشريف الجامع الذي نُبهتَ على بعض ما اشتمل عليه، ونازعك فيه الشيطان بهمزه ونفثه فاستعذ بالله منه والمقصود إرشاد الأمّة» ا هــــ. وهذا أحسن الوجوه وقد انقدح في فكري قبل مطالعة كلامه ثم وجدته في كلامه فحمدت الله وترحّمته عليه. وعليه فما بين جملة {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً} تفسير : [النحل: 89] الخ، وجملة {فإذا قرأت القرآن} جملة معترضة. والمقصود بالتفريع الشروع في التنويه بالقرآن. وإظهار اسم {القرآن} دون أن يضمر للكتاب لأجل بعد المعاد. والأظهر أن {قرأت} مستعمل في إرادة الفعل، مثل قوله تعالى: {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} تفسير : [سورة المائدة: 6]، وقوله: {أية : وأوفوا الكيل إذا كلتم} تفسير : [سورة الإسراء: 35] وقوله: {أية : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} تفسير : [سورة المجادلة: 3]، أي يريدون العَود إلى أزواجهم بقرينة قوله بعده {أية : من قبل أن يتماسا} تفسير : في سورة المجادلة (3)، وقوله تعالى: {أية : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذريّة ضعافا} تفسير : في سورة النساء (9)، أي أوشكوا أن يتركوا بعد موتهم، وقوله {أية : وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب} تفسير : [سورة الأحزاب: 53]، أي إذا أردتم أن تسألوهن، وفي الحديث إذا بايعت فقل: لا خلابة. وحَملهُ قليل من العلماء على الظاهر من وقوع الفعل فجعلوا إيقاع الاستعاذة بعد القراءة. ونُسب إلى مالك في المجموعة. والصحيح عن مالك خلافه، ونسب إلى النخعي وابن سيرين وداود الظاهري وروي عن أبي هُريرة. والباء في {بالله} لتعدية فعل الاستعاذة. يقال: عاذ بحصن، وعاذ بالحرم. والسين في {فاستعذ بالله} للطلب، أي فاطلب العوذ بالله من الشيطان، والعوذ: اللجأ إلى ما يعصم ويقي من أمر مضرّ. ومعنى طلب العوذ بالله محاولة العوذ به. ولا يتصوّر ذلك في جانب الله إلا بالدعاء أن يعيذه. ومن أحسن الامتثال محاكاة صيغة الأمر فيما هو من قبيل الأقوال بحيث لا يغيّر إلا التغيير الذي لا مناص منه فتكون محاكاة لفظ «استعذ» بما يدلّ على طلب العوذ بأن يقال: أستعيذ، أو أعوذ، فاختير لفظ أعوذ لأنه من صيغ الإنشاء، ففيه إنشاء الطلب بخلاف لفظ أستعيذ فإنه أخفى في إنشاء الطلب، على أنه اقتداء بما في الآية الأخرى {أية : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} تفسير : [سورة المؤمنون: 97] وأبقي ما عدا ذلك من ألفاظ آية الاستعاذة على حاله. وهذا أبدع الامتثال، فقد ورد في عمل النبي بهذا الأمر أنه كان يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يحاكي لفظ هذه الآية ولم يقل في الاستعاذة {أعوذ بك من همزات الشياطين} لأن ذلك في غير قراءة القرآن، فلذلك لم يحاكه النبي صلى الله عليه وسلم في استعاذته للقراءة. قال ابن عَطية: لم يصح عن النبي زيادة على هذا اللفظ. وما يروى من الزيادات لم يصحّ منه شيء. وجاء حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: «حديث : كان رسول الله إذا قام من الليل يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه الخ»تفسير : . فتلك استعاذة تعوّذ وليست الاستعاذةَ لأجل قراءة القرآن. واسم الشيطان تقدم عند قوله تعالى: {أية : إلى شياطينهم} تفسير : في سورة البقرة (14). والرجيم تقدم عند قوله تعالى: {أية : وحفظناها من كل شيطان رجيم} تفسير : في سورة الحجر (17). والخطاب للنبي والمراد عمومه لأمّته بقرينة قوله تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}. وإنما شرعت الاستعاذة عند ابتداء القراءة إيذاناً بنفاسة القرآن ونزاهته، إذ هو نازل من العالم القدسي الملَكي، فجعل افتتاح قراءته بالتجرّد عن النقائص النفسانية التي هي من عمل الشيطان ولا استطاعة للعبد أن يدفع تلك النقائص عن نفسه إلا بأن يسأل الله تعالى أن يبعد الشيطان عنه بأن يعُوذ بالله، لأن جانب الله قدسيّ لا تسلك الشياطين إلى من يأوي إليه، فأرشد الله رسوله إلى سؤال ذلك، وضمن له أن يعيذه منه، وأن يعيذ أمّته عوذاً مناسباً، كما شرعت التسمية في الأمور ذوات البال وكما شرعت الطهارة للصلاة. وإنما لم تشرع لذلك كلمة (باسم الله) لأن المقام مقام تخلّ عن النقائص، لا مقام استجلاب التيّمن والبركة، لأن القرآن نفسه يُمن وبركة وكمال تامّ، فالتيّمن حاصل وإنما يخشى الشيطان أن يغشى بركاتهِ فيُدخل فيها ما ينقصها، فإن قراءة القرآن عبارة مشتملة على النطق بألفاظه والتّفهّم لمعانيه وكلاهما معرّض لوسوسة الشيطان وسوسة تتعلّق بألفاظه مثل الإنساء، لأن الإنساء يضيع على القارىء ما يحتوي عليه المقدار المنسي من إرشاد، ووسوسةٌ تتعلّق بمعانيه مثل أن يخطىء فهماً أو يقلب عليه مراداً، وذلك أشد من وسوسة الإنساء. وهذا المعنى يلائم محمل الأمر بالاستعاذة عند الشروع في القراءة. فأما الذين حملوا تعلّق الأمر بالاستعاذة أنَها بعد الفراغ من القراءة، فقالوا لأن القارىء كان في عبادة فربما دخله عُجب أو رياء وهما من الشيطان فأمر بالتعوّذ منه للسلامة من تسويله ذلك. ومحمل الأمر في هذه الآية عند الجمهور على النّدب لانتفاء أمارات الإيجاب، فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّنه. فمن العلماء من ندبه مطلقاً في الصلاة وغيرها عند كل قراءة. وجعل بعضُهم جميعَ قراءة الصلاة قراءة واحدة تكفي استعاذة واحدة في أوّلها، وهو قول جمهور هؤلاء. ومنهم من جعل قراءة كل ركعة قراءة مستقلة. ومن العلماء من جعله مندوباً للقراءة في غير الصلاة، وهو قول مالك، وكرهها في قراءة صلاة الفريضة وأباحها بلا ندب في قراءة صلاة النافلة. ولعلّه رأى أن في الصلاة كفاية في الحفظ من الشيطان. وقيل: الأمر للوجوب، فقيل في قراءة الصلاة خاصة ونسب إلى عطاء. وقد أطلق القرآن على قرآن الصلاة في قوله تعالى: {أية : إن قرآن الفجر كان مشهودا} تفسير : [سورة الإسراء: 78] وقال: الثوري بالوجوب في قراءة الصلاة وغيرها. وعن ابن سيرين تجب الاستعاذة عند القراءة مرّة في العمر، وقال قوم: الوجوب خاص بالنبي والنّدب لبقية أمّته. ومدارك هذه الأقوال ترجع إلى تأويل الفعل في قوله تعالى: {قرأت}، وتأويل الأمر في قوله تعالى: {فاستعذ}، وتأويل القرآن مع ما حفّ بذلك من السّنة فعلاً وتركاً. وعلى الأقوال كلها فالاستعاذة مشروعة لللشروع في القراءة أو لإرادته، وليست مشروعة عند كلّ تلفّظ بألفاظ القرآن كالنّطق بآية أو آيات من القرآن في التعليم أو الموعظة أو شبههما، خلافاً لما يفعله بعض المتحذّقين إذا ساق آية من القرآن في غير مقام القراءة أن يقول كقوله تعالى بعدَ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويسوق آية. وجملة {إنه ليس له سلطان} الآية تعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان عند إرادة قراءة القرآن وبيان لصفة الاستعاذة. فأما كونها تعليلاً فلزيادة الحثّ على الامتثال للأمر بأن الاستعاذة تمنع تسلّط الشيطان على المستعيذ لأن الله منعه من التسلّط على الذين آمنوا المتوكّلين، والاستعاذة منه شعبة من شعب التوكّل على الله لأن اللّجأ إليه توكّل عليه. وفي الإعلام بالعلّة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال إذ يصير عالماً بالحكمة وأما كونها بياناً فلما تضمّنته من ذكر التوكّل على الله ليبيّن أن الاستعاذة إعراب عن التوَكّل على الله تعالى لدفع سلطان الشيْطان ليعقد المستعيذُ نيّتَه على ذلك. وليست الاستعاذة مجرّد قول بدون استحضار نيّة العَوذ بالله. فجملة {وعلى ربهم يتوكلون} صفة ثانية للموصول. وقدّم المجرور على الفعل للقصر، أي لا يتوكّلون إلا على ربّهم. وجعل فعلها مضارعاً لإفاة تجدّد التوكّل واستمراره. فنَفي سلطان الشيطان مشروط بالأمرين: الإيمان، والتوكّل. ومن هذا تفسير لقوله تعالى في الآية الأخرى {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}تفسير : [سورة الحجر: 42]. والسّلطان: مصدر بوزن الغُفران، وهو التسلّط والتصرّف المكين. فالمعنى أن الإيمان مبدأ أصيل لتوهين سلطان الشيطان في نفس المؤمن فإذا انضمّ إليه التوكّل على الله اندفع سلطان الشيطان عن المؤمن المتوكّل. وجملة {إنما سلطانه على الذين يتولونه} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن مضمون الجملة قبلها يثير سؤال سائل يقول: فسلطانه على من؟. والقصر المستفاد من {إنما} قصر إضافي بقرينة المقابلة، أي دون الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون، فحصل به تأكيد جملة {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا} لزيادة الاهتمام بتقرير مضمونها، فلا يفهم من القصر أنه لا سلطان له على غير هذين الفريقين وهم المؤمنون الذين أهملوا التوكّل والذين انخدعوا لبعض وسوسة الشيطان. ومعنى {يتولونه} يتّخذونه ولياً لهم، وهم الملازمون للمِلل المؤسّسة على ما يخالف الهدي الإلهي عن رغْبة فيها وابتهاج بها. ولا شكّ أن الذين يتولّونه فريق غير المشركين لأن العطف يقتضي بظاهره المغايرة، وهم أصناف كثيرة من أهل الكتاب. وإعادة اسم الموصول في قوله: {والذين هم به مشركون} لأن ولايتهم للشيطان أقوى. وعبّر بالمضارع للدّلالة على تجدّد التولّي، أي الذين يجدّدون تولّيه، للتّنبيه على أنهم كلما تولّوه بالميل إلى طاعته تمكّن منهم سلطانه، وأنه إذا انقطع التولّي بالإقلاع أو بالتوبة انسلخ سلطانه عليهم. وإنما عطف {وعلى ربهم يتوكلون} دون إعادة اسم الموصول للإشارة إلى أن الوصفين كصلة واحدة لموصول واحد لأن المقصود اجتماع الصّلتين. والباء في {به مشركون} للسببية، والضمير المجرور عائد إلى الشيطان، أي صاروا مشركين بسببه. وليست هي كالباء في قوله تعالى: {أية : وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا} تفسير : [سورة الأعراف: 33]. وجعلت الصّلة جملة اسمية لدلالتها على الدّوام والثّبات، لأن الإشراك صفة مستمرّة لأن قرارها القلب، بخلاف المعاصي لأن مظاهرها الجوارح، للإشارة إلى أن سلطان الشيطان على المشركين أشدّ وأدوم لأن سببه ثابت ودائم. وتقديم المجرور في {به مشركون} لإفادة الحصر، أي ما أشركوا إلا بسببه، ردّاً عليهم إذ يقولون {أية : لو شاء الله ما أشركنا} تفسير : [سورة الأنعام: 148] وقولهم: {أية : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} تفسير : [سورة النحل: 35] وقولهم: {أية : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} تفسير : [سورة الأعراف: 28].

الشنقيطي

تفسير : أظهر القولين في هذه الآية الكريمة: أن الكلام على حذف الإرادة. أي فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله..الآية. وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن وفرغ من قراءته استعاذ بالله من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب إليه بعض أهل العلم. والدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها. كقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المائدة: 6] الآية، أي أردتم القيام إليها كما هو ظاهر. وقوله: {أية : إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ} تفسير : [المجادلة: 9] الآية. أي إذا أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم. لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى كما هو واضح. وظاهر هذه الآية الكريمة: أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة عند القراءة. لأن صيغة افعل للوجوب كما تقرر في الأصول. وقال كثير من أهل العلم: إن الأمر في الآية للندب والاستحباب، وحكى عليه الإجماع أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة، وظاهر الآية أيضاً: الأمر بالاستعاذة عند القراءة في الصلاة لعموم الآية. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 98- وإن الذى يحمى النفس من نزعات الهوى هو القرآن، فإذا تدبرت هذا - أيها المؤمن - وأردت أن تحيا بعيداً عن تلاعب الشيطان، وتفوز بطيب الحياة فى الدارين، فإنى أرشدك إلى أمر يعينك على هذا، وهو قراءة القرآن، وإذا أردت قراءة القرآن فاستفتح قراءته بالدعاء الخالص إلى اللَّه أن يمنع عنك وساوس الشيطان المطرود من رحمة اللَّه، أخذ العهد على نفسه أن يغوى الناس ويوقعهم فى عصيان اللَّه. 99- فإنك إن فعلت هذا مخلصا للَّه، حماك اللَّه منه، وَبعُدَت عنك وساوسه، إنه ليس له تأثير على الذين عمرت قلوبهم بالإيمان باللَّه، واستمداد العون منه - وحده - والاعتماد عليه. 100- إنما تأثيره وخطره على الذين خلت قلوبهم من التعلق باللَّه وحبه فلم يكن لهم عاصم من تأثيره، فانقادوا له كما ينقاد الصديق لصديقه، حتى أوقعتهم فى أن يُشركوا باللَّه فى العبادة آلهة لا تضر ولا تنفع. 101- وإذا جعلنا معجزة لك بدل معجزة مساوية لنبى سابق، فجئناك بالقرآن معجزة، رموك بالافتراء والكذب على اللَّه، واللَّه - وحده - هو العليم علما ليس فوقه علم بما ينزل على الأنبياء من معجزات، ولكن أكثرهم ليسوا من أهل العلم والمعرفة الصادقة. 102- قل لهم مبينا منزلة معجزتك - أيها النبى -: إن القرآن قد نزل علىّ من ربى مع جبريل الروح الطاهر، مقترنا بالحق، مشتملا عليه، ليثبت به قلوب المؤمنين، وليكون هاديا للناس إلى الصواب ومبشرا بالنعيم لكل المسلمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فإذا قرأت القرآن: أي أردت أن تقرأ القرآن. فاستعذ بالله من الشيطان: أي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لحمايتك من وسواسه. إنه ليس له سلطان: أي قوة وتسلط على إفساد الذين آمنوا وإضلالهم، ما داموا متوكلين على الله. وإذا بدلنا آية مكان آية: أي بنسخها وإنزاله آية أخرى غيرها لمصلحة العباد. قل نزله روح القدس: أي جبريل عليه السلام. ليثبت الذين آمنوا: أي على إيمانهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في هداية المسلمين وتكميلهم، فقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} يا محمد أنت أو أحد من المؤمنين أتباعك {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} أي إذا كنت قارئا عازماً على القراءة فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن ذلك يقيك من وسواسه الذي قد يفسد عليك تلاوتك، وقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ} أي للشيطان {سُلْطَانٌ} يعني تسلط وغلبة وقهر {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وهذه بشرى خير للمؤمنين {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} بطاعته والعمل بتزيينه للشر والباطل، {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}. هؤلاء هم الذين يتسلط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلهم حتى يهلكهم. وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} أي نسخنا حكماً بحكم آخر بآية أخرى قال المشركون المكذبون بالوحي الإِلهي {إِنَّمَآ أَنتَ} يا محمد {مُفْتَرٍ} تقول بالكذب والخرص، أي يقول اليوم شيئاً ويقول غداً خلافه. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} فإنه ينزله لمصلحة عباده فينسخ ويثبت لأجل مصالح المؤمنين. وعلم الله تعالى رسوله كيف يرد على هذه الشبهة وقال له {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} فلست أنت الذي تقول ما تشاء وإنما هو وحي الله وكلامه ينزل به جبريل عليه السلام من عند ربك بالحق الثابت عند الله الذي لا يتبدل ولا يتغير، وذلك لفائدة تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وإسلامهم. فكلما نزل قرآن ازداد المؤمنون إيماناً فهو كالغيث ينزل على الأرض كلما نزل ازدادت حياتها نضرة وبهجة فكذلك نزول القرآن تحيا به قلوب المؤمنين، وهو أي القرآن هدىً من كل ضلالة. وبشرى لكل المسلمين بفلاح الدنيا وفوز الآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحباب الاستعاذة عند قراءة القرآن بلفظ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. 2- بيان أنه لا تسلط للشيطان على المؤمنين المتوكلين على ربهم. 3- بيان أن سلطان الشيطان على أوليائه العاملين بطاعته المشركين بربهم. 4- بيان أن القرآن فيه الناسخ والمنسوخ. 5- بيان فائدة نزول القرآن بالناسخ والمنسوخ وهي تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وهدى من الضلالة وبشرى للمسلمين بالفوز والفلاح في الدارين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} {ٱلشَّيْطَانِ} (98) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم وَعِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ القُرْآنِ. اسْتَعِذْ بِاللهِ - اعْتَصِمْ بِاللهِ وَالْجَأْ إِلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الاستعاذة: اللجوء والاعتصام بالله من شيء تخافُه، فأنت لا تلجأ ولا تعتصم، ولا تستجير ولا تستنجد إلا إذا استشعرتَ في نفسك أنك ضعيف عن مقاومة عدوك. فإذا كان عدوك الشيطان بما جعل الله له من قوة وسلطان، وما له من مداخل للنفس البشرية فلا حَوْلَ لك ولا قُوّة في مقاومته إلا أنْ تلجأ إلى الله القوي الذي خلقك وخلق هذا الشيطان، وهو القادر وحده على رَدّه عنك؛ لأن الشيطان في معركة مع الإنسان تدور رحاها إلى يوم القيامة. وقد أقسم الشيطان للحق تبارك وتعالى، فقال: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]. فما عليك إلا أن تكون من هؤلاء، ما عليك إلا أنْ ترتمي في حضن ربك عز وجل وتعتصم به، فهو سبحانه القوي القادر على أنْ يدفعَ عنك ما لم تستطع أنت دَفْعه عن نفسك، فلا تقاومه بقوتك أنت؛ لأنه لا طاقة لك به، ولا تدعه ينفرد بك؛ لأنه إن انفرد بك وأبعدك عن الله فسوف تكون له الغلبة. ولذلك نقول دائماً: لا حَوْلَ ولا قوةَ إلا بالله، أي: لا حول: لا تحوُّل عن المعصية. ولا قوة. أي: على الطاعة إلا بالله. ونحن نرى الصبي الصغير الذي يسير في الشارع مثلاً قد يتعرَّض لمَنْ يعتدي عليه من أمثاله من الصبية، أما إذا كان في صُحْبة والده فلا يجرؤ أحد منهم أنْ يتعرضَ له، فما بالك بمَنْ يسير في صُحْبة ربه تبارك وتعالى، ويُلْقي بنفسه في حماية الله سبحانه؟! وفي مقام الاستعاذة بالله نذكر قاعدة إيمانية علَّمنا إياها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: "حديث : من استعاذ بالله فأعيذوه ". تفسير : فيلزم المؤمن أنْ يعيذ من استعاذ بالله، وإنْ كان في أحب الأشياء إليه، حديث : والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا القدوة في ذلك، حينما تزوج من فتاة على قدر كبير من الحسن والجمال لدرجة أن نساءه غِرْنَ منها، وأخذْنَ في الكَيْد لها وزحزحتها من أمامهن حتى لا تغلبهن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كيف لهُنَّ ذلك؟ حاولْنَ استغلال أن هذه الفتاة ما تزال صغيرة غِرة، تتمتع بسلامة النية وصفاء السريرة، ليس لديها من تجارب الحياة ما تتعلم منه لُؤْماً أو مكْراً، وهي أيضاً ما تزال في نشوة فرحتها بأنْ أصبحت أماً للمؤمنين، وتحرص كل الحرص على إرضاء النبي صلى الله عليه وسلم فاستغل نساء النبي صلى الله عليه وسلم هذا كله، وقالت لها إحداهن: إذا دخلتِ على رسول الله فقولي له: أعوذ بالله منك، فإنه يحب هذه الكلمة. أخذت الفتاة هذه الكلمة بما لديها من سلامة النية، ومحبة لرسول الله، وحرص على إرضائه، وقالت له: أعوذ بالله منك، وهي لا تدري معنى هذه العبارة فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد عُذْت بمعاذ، الحقي بأهلك" ". تفسير : أي: ما دُمْت استعذت بالله فأنا قبلت هذه الاستعاذة؛ لأنكِ استعذت بمعاذ أي: بمن يجب علينا أن نترككِ من أجله، ثم طلقها النبي صلى الله عليه وسلم امتثالاً لهذه الاستعاذة. إذن: مَن استعاذ بالله لا بُدَّ للمؤمن أنْ يُعيذه، ومن استجار بالله لا بُدَّ للمؤمن أن يكون جندياً من جنود الله، ويجيره حتى يبلغ مأمنه. وفي الآية الكريمة أسلوب شرط، اقترن جوابه بالفاء في قوله تعالى: {فَٱسْتَعِذْ ..} [النحل: 98]. فإذا رأيت الفاء فاعلم أن ما بعدها مترتبٌ على ما قبلها، كما لو قُلْتَ: إذا قابلت محمداً فقُلْ له كذا .. فلا يتم القول إلا بعد المقابلة. أما في الآية الكريمة فالمراد: إذا أردت قراءة القرآن فاستعِذْ؛ لأن الاستعاذة هنا تكون سابقة على القراءة، كما جاء في قَول الحق تبارك وتعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ..} تفسير : [المائدة: 6]. فالمعنى: إذا أردتُمْ إقامة الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وكذلك إذا أردتَ قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن القرآن كلام الله. ولو آمنّا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتكلم لعلمنا أن قراءة القرآن تختلف عن أي قراءة أخرى، فأنت كي تقرأ القرآن تقوم بعمليات متعددة: أولها: استحضار قداسة المُنْزِل سبحانه الذي آمنتَ به وأقبلتَ على كلامه. ثانيها: استحضار صدق الرسول في بلاغ القرآن المنزّل عليه. ثالثها: استحضار عظمة القرآن الكريم، بما فيه من أوجه الإعجاز، وما يحويه من الآداب والأحكام. إذن: لديك ثلاث عمليات تستعد بها لقراءة كلام الله في قرآنه الكريم، وكل منها عمل صالح لن يدعكَ الشيطانُ تؤديه دون أنْ يتعرَّض لك، ويُوسوس لك، ويصرفك عما أنت مُقبِلٌ عليه. وساعتها لن تستطيع منعه إلا إذا استعنت عليه بالله، واستعذتَ منه بالله، وبذلك تكون في معية الله منزل القرآن سبحانه وتعالى، وفي رحاب عظمة المنزل عليه محمد صدقاً، ومع استقبال ما في القرآن من إعجاز وآداب وأحكام. ومن هنا وجب علينا الاستعاذة بالله من الشيطان قبل قراءة القرآن. ومع ذلك لا مانع من حَمْل المعنى على الاستعاذة أيضاً بعد قراءة القرآن، فيكون المراد: إذا قرأتَ القرآن فاستعذ بالله .. أي: بعد القراءة؛ لأنك بعد أن قرأتَ كتاب الله خرجتَ منه بزاد إيماني وتجليّات ربانية، وتعرَّضْتَ لآداب وأحكام طُلبت منك، فعليك - إذن - أن تستعيذ بالله من الشيطان أن يفسِد عليك هذا الزاد وتلك التجليات أو يصرفك عن أداء هذه الآداب والأحكام. وقوله تعالى: {مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: 98]. أي: الملعون المطرود من رحمة الله؛ لأن الشيطان ليس مخلوقاً جديداً يحتاج أنْ نُجرِّبه لنعرف طبيعته وكيفية التعامل معه، بل له معنا سوابق عداء منذ أبينا آدم عليه السلام. وقد حذر الله تعالى آدم منه فقال: {أية : يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ..} تفسير : [طه: 117]. وسبق أنْ رُجم ولُعِن وأُبعِد من رحمة الله، فقد هددنا بقوله: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ..} تفسير : [الإسراء: 62]. إذن: هناك عداوة مسبقة بيننا وبينه منذ خُلِق الإنسان، وإلى قيام الساعة. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ...}.

الجيلاني

تفسير : ومن جملة الأعمال الصالحة المثمرة للحياة الطيبة المعنوية، بل من أجلّها: قراءة القرآن المشتمل على المعارف والحقائق، والمكاشفات والمشاهدات المترتبة على سلوك طريق التوحيد والعرفان {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} أي: قصدتَ قراءته أيها القارئ الطالب لاستكشاف غوامض مرمزاته، ومعضلات إشاراته {فَٱسْتَعِذْ} والتجأ أولاً {بِٱللَّهِ} المتجلي بصفة الكلام المعجز لقاطبة الأنام، الحفيظ لخلَّص عباده من جميع ما لا يعنيهم من المعاصي والآثام {مِنَ} وساوس {ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: 98] المطرود والمعبد عن ساحة عزِّ الحضور برجوم آثار الأوصاف القهرية الإلهية، ومن غوائله وتسويلاته التي هي جنود الهوى والغفلة، والتخيلات الباطلة، والتوهمات المثيرة لأنواع الأماني والشهوات. {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} أي: استيلاء وغلبة {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله، وأيقنوا بحقية كتبه ورسله، وباليوم الموعود وما فيه من العرض والجزاء {وَ} مع ذلك {عَلَىٰ رَبِّهِمْ} ومربيهم لا على غيره من الأسباب الوسائل العادية {يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] ويُسلمون ويُسندون جميع أمورهم إليه أصالةً. وكيف يكون للشيطان استيلاء على المؤمنين الموقنين؛ إذ هم يعادونه عداوةً شديدةً، ويخاصمون معه مخاصمة مستمرة {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ} واستيلاؤه {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} ويحبونه ويقبلون قوله، ويسمعون غوايته، ويطيعون أمره {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ} أي: بسبب إغوائه وإغرائه ووسوسته {مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] بالله الواحد الأحد، المنزه عن الشريك والولد. ثمَّ قال سبحانه: {وَ} من كمال قدرتنا، ووفور حكمتنا: نسخ بعض الآيات وتبديلها بالنسبة إلى بعض الأعصار والأزمان، فإنا {إِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً} ناسخة {مَّكَانَ آيَةٍ} منسوخةٍ لحكمة ظهرت علينا، ومصلحة لاحت لدينا، فلا بدَّ ألاَّ نُسأل عن نسخنا وتبديلنا، بل عن جميع أفعالنا مطلقاً، ولا يُسند فعلنا إلى غيرنا مطلقاً {وَ} كيف يُسند فعله سبحانه لغيره؛ إذ {ٱللَّهُ} المطلع لجميع ما كان ويكون اطلاع حضور وشهود {أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} بحسب الأوقات والأزمان، فله نسخ ما ثبت، وإثبات ما نسخ {قَالُوۤاْ} أي: المشركون المعاندون حين ظهر في القرآن نسخ بعض الآيات المثبتة، وإثبات بعض المنسوخات القديمة متهكمين طاعنين: {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} أي: ما أنت أيها المدَّعي للرسالة والوحي إلاَّ مفترٍ كذاب، قلتَ بقولٍ من تلقاء نفسك، ثمَّ ظهر لك ما فيه، بلدتَ بأخرى على مقتضى أهوائك وأمانيك، ونسبته إلى ربك افتراءً ومراً، مع أنك أخبرت أن ربك يقول: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}تفسير : [ق: 29]، كل ذلك؛ أي: النسخ والتبديل، والإنزال من عندنا لحكمة ظهرت علينا {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] حكمة النسخ والتبديل في الأحكام، فينكرونها. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل، ما أنا مفتر في هذا النسخ والتبديل، بل {نَزَّلَهُ} أي: القرآن {رُوحُ ٱلْقُدُسِ} أي: جبرائيل عليه السلام عليّ هكذا، وهو منزه عن جميع النقائض، فكيف عن الافتراء، وأوصاني أنه منزل {مِن رَّبِّكَ} الذي ربَّاك بأنواع التربية، وأيدك بهذا الكلام المعجز ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} والصدق المطابق للواقع بلا شائبة شك وتردد، وإنما أنزله {لِيُثَبِّتَ} ويقرر {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تثبيتاً وتقريراً في مرتبة اليقين العلمي {وَهُدًى} أي: هدايةً ورشداً للعارفين المتحققين في مرتبة اليقين العيني {وَبُشْرَىٰ} أي: بشارة وتمكيناً لأهل الكشف والشهود في مرتبة اليقين الحقي، كل ذلك {لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] المسلّمين أمورهم كلها إلى الله طوعاً ورغبة. ثمَّ أخبر سبحانه عن مطاعن المشركين بالقرآن والرسول، فقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ} لا يسلّمون نزول القرآن منا وحياً وإلهاماً، ويكذبونك يا أكمل الرسل في نسبتك إنزاله إلينا، بل {يَقُولُونَ} ما هو إلاَّ مفترٍ {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ} هذا {بَشَرٌ} أي: عبدٌ رومي، أو رجلٌ من العجم، أو رجالٌ أخر على ما قالوا، وكيف يقولون وينسبون أولئك المكابرون المعاندون هذا إلى القرآن؛ إذ {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ} أي: يميلون وينسبون {إِلَيْهِ} عناداً {أَعْجَمِيٌّ} معلّق غير بيّنٍ، وأنت عربي لا تفهم لغتهم {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ} فصيح {مُّبِينٌ} [النحل: 103] واضحٌ بليغٌ في أعلى مراتب البلاغة، بحيث عجزت عن معارضته مصاقع الخطباء مع كمال تحديهم، ومع ظهور إعجازه واعتراف الكل بأنه معجزٌ، لم يقبلوا حقيته، ولم يصدقوا أنه كلام الله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على وحدة ذاته، وكمال أوصافه وأسمائه، طبع الله على قلوبهم وختمها، بحيث {لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} المضلُّ المذلُّ إلى حقية كتابه ورسوله الذي أنزل إليه، بل {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 104] في النشأة الأولى والأخرى، ثمَّ قلّبَ سبحانه ما فتروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأعاده عليه، فقال: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ} على الله بنسبة كلامه إلى غيره {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ولا يصدقون {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على كمال توحيده {وَأُوْلـٰئِكَ} المفترون المسرفون {هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} [النحل: 105] المقصورون على الكذب والافتراء والمراء من شدة قسوتهم، وخبث باطنهم. {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ} المستحق للإيمان والعبودية، سيما ارتد {مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} أي: بعدما آمن له - العياذ بالله - فقد استحق غضب الله وقهره {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} على الكفر، وهَدِّدَ بالقتل وأنواع العقوبات حين العجز، فأجرى كلمة الكفر على لسانه {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} متمكن فيه، راسخ غير متزلزلٍ، بلا مطابقةٍ وموافقةٍ بلسانه، فهو باقٍ على إيمانه، ولا غضب عليه، بل له الأجر الجزيل؛ لأن العبرة في الإيمان والكفر بالقلب، لأنهما فعلان له أصالةً {وَلَـٰكِن} من المغضوبين {مَّن شَرَحَ} وملأ {بِالْكُفْرِ صَدْراً} اعتقاداً أو رضاءً مستحسناً له، مستطيباً إياه {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} وقهرٌ نازلٌ {مِّنَ ٱللَّهِ} المنتقم الغيور {وَلَهُمْ} في النشأة الأخرى {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] لعظم جرمهم الذي هو الارتداد، العياذ بالله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: فإذا أردت القراءة لكتاب الله الذي هو أشرف الكتب وأجلها وفيه صلاح القلوب والعلوم الكثيرة فإن الشيطان أحرص ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها. فالطريق إلى السلامة من شره الالتجاء إلى الله، والاستعاذة به من شره، فيقول القارئ: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " متدبرا لمعناها، معتمدا بقلبه على الله في صرفه عنه، مجتهدا في دفع وساوسه وأفكاره الرديئة مجتهدا، على السبب الأقوى في دفعه، وهو التحلي بحلية الإيمان والتوكل. فإن الشيطان { لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } أي: تسلط { عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ } وحده لا شريك له { يَتَوَكَّلُونَ } فيدفع الله عن المؤمنين المتوكلين عليه شر الشيطان ولا يبق له عليهم سبيل. { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ } أي: تسلطه { عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } أي: يجعلونه لهم وليا، وذلك بتخليهم عن ولاية الله، ودخولهم في طاعة الشيطان، وانضمامهم لحزبه، فهم الذين جعلوا له ولاية على أنفسهم، فأزَّهم إلى المعاصي أزًّا وقادهم إلى النار قَوْدًا.