١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
99
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالإغواء والكُفْر، أي ليس لك قدرة على أن تحملهم على ذنب لا يُغفر؛ قاله سفيان. وقال مجاهد: لا حجة له على ما يدعوهم إليه من المعاصي. وقيل: إنه ليس له عليهم سلطان بحال؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عليهم حين قال عدوّ الله إبليس لعنه الله {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} قال الله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} تفسير : [الحجر: 42]. قلت: قد بينا أن هذا عامٌّ يدخله التخصيص، وقد أغوى آدمَ وحوّاءَ عليهما السلام بسلطانه، وقد شَوّش على الفضلاء أوقاتهم بقوله: من خلق ربّك؟ حسبما تقدّم في آخر الأعراف بيانه. {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي يطيعونه. يقال: تولّيته أي أطعته، وتوليت عنه، أي أعرضت عنه. {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} أي بالله؛ قاله مجاهد والضحاك. وقيل: يرجع «به» إلى الشيطان؛ قاله الربيع بن أنس والقُتَبيّ. والمعنى: والذين هم من أجله مشركون. يقال: كفرت بهذه الكلمة، أي من أجلها. وصار فلان بك عالماً، أي من أجلك. أي والذي تولّى الشيطانَ مشركون بالله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } تسلّط {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُلْطَانٌ} قدرة على حملهم على ذنب لا يغفر، أو حجة على ما يدعوهم إليه من المعصية، أو لا سلطان له عليهم لاستعاذتهم بالله ـ تعالى ـ لقوله ـ تعالى ـ: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ} تفسير : [الأعراف: 200]، أو لا سلطان له عليهم بحال لقوله ـ سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ} تفسير : [الحجر: 42].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري في قوله: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا} قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم, عن سفيان الثوري في قوله {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا} قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {إنما سلطانه على الذين يتولونه} قال: حجته على الذين يتولونه {والذين هم به مشركون} قال: يعدلونه برب العالمين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إنما سلطانه على الذين يتولونه} يقول: سلطان الشيطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال: إن عدو الله إبليس حين غلبت عليه الشقاوة قال: {أية : لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} تفسير : [ص: 82-83] فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل، وإنما سلطانه على قوم اتخذوه ولياً فأشركوه في أعمالهم.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّهُ} الضمير للشأن أو للشيطان {لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} تسلّطٌ وولاية {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي إليه يفوضون أمورَهم وبه يعوذون في كل ما يأتون وما يذرون فإن وسوستَه لا تؤثر فيهم ودعوتَه غيرُ مستجابة عندهم، وإيثارُ صيغةِ الماضي في الصلة الأولى للدِلالة على التحقق كما أن اختيارَ صيغةِ الاستقبالِ في الثانية لإفادة الاستمرارِ التجدّدي، وفي التعرض لوصف الربوبـية عِدَةٌ كريمةٌ بإعادة المتوكلين، والجملة تعليلٌ للأمر بالاستعاذة أو لجوابه المنويِّ أي يُعِذْك أو نحوه. {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ} أي تسلّطُه وولايتُه بدعوته المستتبعةِ للاستجابة لا سلطانُه بالقسر والإلجاء فإنه مُنتفٍ عن الفريقين لقوله سبحانه حكايةً عنه: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي } تفسير : [إبراهيم، الآية 22] وقد أفصح عنه قولُه تعالى: {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي يتخذونه وليًّا ويستجيبون دعوتَه ويُطيعونه فإن المقسورَ بمعزل من ذلك {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ} سبحانه وتعالى {مُّشْرِكُونَ} أو بسبب الشيطانِ مشركون إذ هو الذي حملهم على الإشراك بالله سبحانه، وقصُر سلطانه عليهم غِبَّ نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليلٌ على أنْ لا واسطة في الخارج بـين التوكل على الله تعالى وبـين تولي الشيطان وإن كان بـينهما واسطةٌ في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظمُ في سلك مَنْ يتولّى الشيطانَ من حيث لا يحتسب إذ به يتم التعليلُ ففيه مبالغةٌ في الحمل على التوكل والتحذيرِ عن مقابله، وإيثارُ الجملة الفعليةِ الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر من إفادة الاستمرارِ التجدّدي كما أن اختيارَ الجملةِ الاسميةِ في الثانية للدلالة على الثبات، وتكريرُ الموصولِ للاحتراز عن توهم كونِ الصلةِ الثانية حاليةً مفيدةً لعدم دخول غيرِ المشركين من أولياء الشيطانِ تحت سلطانِه، وتقديمُ الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارَنةِ بـينها وبـين ما يقابلها من التوكل على الله تعالى، ولو رُوعيَ الترتيبُ السابق لانفصل كلٌّ من القرينتين عما يقابلها. {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ} أي إذا أنزلنا آيةً من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلاً منها بأن نسخناها بها {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ} أولاً وآخِراً وبأن كلاًّ من ذلك ما نزلت حيثما نزلت إلا حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحة، فإن كل وقت له مقتضًى غيرُ مقتضى الآخَر، فكم من مصلحة في وقت تنقلب في وقت آخرَ مفسدةً وبالعكس، لانقلاب الأمورِ الداعية إلى ذلك وما الشرائعُ إلا مصالحُ للعباد في المعاش والمعاد، تدور حسبما تدور المصالحُ، والجملةُ إما معترضةٌ لتوبـيخ الكفرةِ والتنبـيهِ على فساد رأيهم، وفي الالتفات إلى الغَيبة مع إسناد الخبرِ إلى الاسم الجليلِ المستجمِع للصفات ما لا يخفى من تربـية المهابةِ وتحقيقِ معنى الاعتراض أو حالية وقرىء بالتخفيف من الإنزال {قَالُواْ} أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} أي متقوّلٌ على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهىٰ عنه، وحكايةُ هذا القول عنهم هٰهنا للإيذان بأن ذلك كَفْرةٌ ناشئةٌ من نزغات الشيطان وأنه وليُّهم {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون شيئاً أصلاً أو لا يعلمون أن في النسخ حِكَماً بالغةً، وإسنادُ هذا الحكمِ إلى الأكثر لما أن منهم مَنْ يعلم ذلك وإنما ينكره عِناداً.
السلمي
تفسير : قال أبو حفص: من أراد ألا يكون للشيطان عليه دليل فليصحح إيمانه، وليصحح فى الإيمان التوكل على الله، والإيمان هو أن لا يرجع فى السراء والضراء إلا إليه ولا يرضى بسواه عوضًا عنه، والتوكل هو الثقة بمضمون الرزق كثقتك بمعلومك، وهذا تفسير قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. قال النصرآباذى: من صحح نسبة مع الحق لن يؤثر عليه بعد ذلك منازعة طبع ولا وسوسة شيطان.
القشيري
تفسير : أنَّى يكون للشيطانِ سلطانُ على العبد والحقُّ - سبحانه - متفرِّدٌ بالإبداع، متوحِّدٌ بالاختراع؟
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} بين سبحانه ان الشيطان لا يغلب بالكفر والضلال على من اختارهم الله فى الازل بالايمان والمعرفة وبصفاته وباسمائه وبنعوته بنعت نفى الانداد والاضداد عن عبوديته والايقان فى وجوده والاذعان عند تصرفه والتوكل عليه فى امتحانه وبلائه ولا تسلط له عليهم لانهم فى رعاية الحق وعنايته لا يقدر ان يوسوسهم للتردد فى الايمان ولكن يوسوسهم من جهة الشهوات الدنياوية فاذا صبح انوار شمس جلاله على وجوههم وقلوبهم وارواحهم يحترق الشيطان عند القائه اليهم حتى افاقوا فاذا افاقوا يقصد اليهم ايضا بالوسواس فاذا استعانوا بالله من شره وآووا اليهبالتوكل احتبس الملعون فى مكانه يذوب كما يذوب الملح فى الماء قال ابو حفص من اراد ان لا يكون للشيطان عليه سبيل فليصحح ايمانه وليصحح بالايمان التوكل عليه ولايمان هو ان لا يرجع فى السراء والضرّاء الا اليه ولا يرضى بسواه عوضا عنه والتوكل هو الثقة بمضمون الرزق كثقتك بمعلومك وهذا تفسير قوله انه ليس له سلطان قال النصرابادى من صحح نسبته مع الحق لا توثر بعد ذلك عليه منازعة طبع ولا وسوسة شيطان ثم بيّن ان سلطانه على من {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} معنى سلطان الشيطان الحيل والمكر والخديعة والوسواس لا انه يطيق ان يضل احدا من خلق الله بغير اذن الله لانه تعالى يضل بنفسه ويهدى بنفسه ليس له شريك فيها اذ هو منفرد بالوحدانية الازلية وتسلطه انما على من اضله الله فى الازل وتسلطه اغراه وزيادة الوسوسة لمن تابعه وتابع هواه واما للمسلمين والمؤمنين فمن جهة مراد النفس لا للكفر والضلالة لانه يغويهم الى زيادة المعصية قال بعضهم من اتبع هواه فقد تولى الشيطان ومن ركن الى الدّنيا فقد اتبعه ومن احب الرياسة فقد اتبعه ومن خالف ظاهر العلم فقد تولاه ومن خان المسلمين فقد جعل للشيطان عليه سبيلا ومن ركب شيئا من المخالفات ظاهرا وباطنا فقد اهلك نفسه ومن تولى الشيطان فقد تبرء من الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {انه} اى الشيطان او الشان {ليس له سلطان} تسلط وولاية {على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} على اولياء الله المؤمنين به والمتوكلين عليه فان وسوسته لا توثر فيهم لما امر القارئ بان يسأل الله تعالى ان يعيذه من وساوسه وتوهم منه ان له تسلطا وولاية على اغواء بنى آدم كلهم بين الله تعالى ان لا تسلط له على المؤمنين المتوكلين فقوله انه الخ فى معرض التعليل للامر باللاستعاذة واشارة الى ان مجرد القول لا ينفع بل لا بد لمن اراد ان لا يكون للشيطان سبيل عليه ان يجمع بين الايمان والتوكل.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة او الخاصّة {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} بالاستعاذة به والتّوكّل عليه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَلْطَانٌ} تسلط وهو الولاية والرياسة وهذه الجملة تعليلية. {عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} عطف على آمنوا أى ليس له سلطان على الذين هم آمنوا ويتوكلون على ربهم أى على لجامعين بين الإِيمان والتوكل فإِنهم لا يطيعونه ولا يقبلون وساوسه إِلا على ندور وغفلة فأمروا بأَن يدفعوا ما يعرض لهم منه بالاستعاذة. وقال سفيان بن عيينة ليس له سلطان أن يحملهم على ذنب لا يغفر.
اطفيش
تفسير : {إِنَّهُ} أى الشيطان لا للشأن، ولو كان أقوى إذ لا دليل له. {لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} تسلط واستيلاء بالإجهار، وإنما شأنه - والعياذ بالله عز وجل منه - الوسوسة بالسوء، وقيل: ليس له سلطنة على عمل حتى لا تقبل التوبة منه، والجملة تعليل جملى {عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ} لا على غيره. {يَتَوَكَّلُونَ} عطف المضارعية الحالية التجديدية، على الماضوية الراسخة والآية دفع لتوهم من يتوهم أن له استيلاء على أولياء الله، إذا أمر بالاستعاذة منه، بل إذا عصوا سارعوا نادمين.
الالوسي
تفسير : {إِنَّهُ} الضمير للشأن أو للشيطان {لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} تسلط واستيلاء {عَلَى الَّذينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه يفوضون أمورهم وبه يعوذون فالمراد نفي التسلط بعد الاستعاذة فتكون الجملة تعليلاً للأمر بها أو لجوابه المنوي أي أن يعذك ونحوه. وقال البعض: المراد نفي ذلك مطلقاً، قال أبو حيان: وهو الذي يقتضيه ظاهر الأخبار وتعقب بأنه إذا لم يكن له تسلط فلم أمروا بالاستعاذة منه. وأجيب بأن المراد نفي ما عظم من التسلط وقد أخرج ابن جرير وغيره عن سفيان الثوري أنه قال في الآية: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم والاستعاذة من المحتقرات فهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرونه على ندور وغفلة فأمروا بالاستعاذة منه لمزيد الاعتناء بحفظهم، وقد ذهب إلى هذا البيضاوي ثم قال: فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطاناً. وفي "الكشف" أن هذه الجملة جارية مجرى البيان للاستعاذة المأمور بها وأنه لا يكفي فيها مجرد القول الفارغ عن اللجأ إلى الله تعالى واللجأ إنما هو بالإيمان أولاً والتوكل ثانياً، وأياً ما كان فوجه ترك العطف ظاهر وإيثار صيغة الماضي في الصلة الأولى للدلالة على التحقيق كما أن اختيار صيغة الاستقبال في الثانية لإفادة الاستمرار التجددي، وفي التعرض لوصف الربوبية تأكيد لنفي السلطان عن المؤمنين المتوكلين.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه الذين يتولَّونه، والذين هم به مشركون. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} تفسير : [الحجر: 42]، وقوله {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]، وقوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 65]، وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} تفسير : [سبأ: 21] الآية، وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي } تفسير : [إبراهيم: 22]. واختلف العلماء في معنى السلطان في هذه الآيات. فقال أكثر أهل العلم: هو الحجة، أي ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة الأوثان. وقال بعضهم: ليس له سلطان عليهم. أي تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ذنب لا توبة منه. وقد قدمنا هذا. والمراد ب، {الَّذين يتولونه} الذين يطعيونه فيوالونه بالطاعة. وأظهر الأقوال في قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] أن الضمير عائد إلى الشيطان لا إلى الله. ومعنى كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي. كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [يس: 60]، وقوله عن إبراهيم: {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ} تفسير : [مريم: 44] إلى غير ذلك من الآيات. وأما سلطانه على الذين يتولونه فهو ما جعلوه له على أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة، بغير موجب يستوجب ذلك. تنبيه فإن قيل: أثبت الله للشيطان سلطاناً على أوليائه في آيات. كقوله هنا {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [النحل: 100] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} تفسير : [الحجر: 42] فالاستثناء يدل على أن له سلطاناً على من اتبعه من الغاوين: مع أنه نفى عنه السلطان عليهم في آيات أخر. كقوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} تفسير : [سبأ: 20-21] الآية. وقوله تعالى حاكياً عنه مقرراً له: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]. فالجواب هو: أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه، وذلك من وجهين: الأول - أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة. فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أَنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن. الثاني - أن الله لم يجعل له عليهم سلطاناً ابتداء ألبتة, ولكنهم هم الذين سلَّطوه على أنفسهم بطاعاته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة. لأن الله يقول: {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76]. وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم. ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله. وقد بينا هذا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلْطَانٌ} {آمَنُواْ} (99) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ الشَّيْطَانَ لاَ سُلْطَةَ لَهُ وَلاَ سُلْطَانَ عَلَى المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى ارْتِكَابِ ذَنْبٍ لاَ يَتُوبُونَ مِنْهُ. سُلْطَانٍ - تَسَلُّطٌ أَوْ وِلاَيَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لحكمة أرادها الخالق سبحانه أنْ جعل للشيطان سلطاناً. أي: تسلطاً. وكلمة (السلطان) مأخوذة من السَّليط، وهو الزيت الذي كانوا يُوقِدون به السُّرج والمصابيح قبل اكتشاف الكهرباء، فكانوا يضعون هذا الزيت في إناء مغلق مثل السلطانية يخرج منه فتيلة، وعندما توقد تمتصّ من هذا الزيت وتُضيء؛ ولذلك سُمِّيتْ الحجة سُلْطاناً؛ لأنها تنير لصاحبها وَجْه الحق. والسلطان، إما سلطان حجة تقنعك بالفعل، فتفعل وأنت راضٍ مقتنع به. وإما سلطان قَهْر وغلبة يجبرك على الفعل ويحملك عليه قَهْراً دون اقتناع به. إذن: تنفيذ المطلوب له قوتان: قوة الحجة التي تُضيء لك وتُوضّح أمامك معالم الحق، وقوة القهر التي تُجبرك على تنفيذ المطلوب عن غير اقتناع وإنْ لم ترهَا. والحقيقة أن الشيطان لا يملك أيّاً من هاتين القوتين، لا قوة الحجة والإقناع، ولا قوة القهر. وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى على لسان الشيطان يوم القيامة: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 22]. هذا حوار يدور يوم القيامة بعد أن انتهتْ المسألة وتكشفتْ الحقيقة، وجاء وقت المصارحة والمواجهة. يقول الشيطان لأوليائه مُتنصلاً من المسئولية: ما كان عندي من سلطان عليكم، لا سلطان حجة تقنعكم أنْ تفعلوا عن رضاً، ولا سلطان قَهْر أجبركم به أن تفعلوا وأنتم كارهون، أنا فقط أشرتُ ووسوستُ فأتيتموني طائعين. {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. أي: نحن في الخيبة سواء، فلا أستطيع نجدتكم، ولا تستطيعون نجدتي؛ لأن الصُّراخَ يكون من شخص وقع في ضائقة أو شدة لا يستطيع الخلاص منها بنفسه، فيصرخ بصوت عالٍ لعله يجد مَنْ يُغيثه ويُخلِّصه، فإذا ما استجاب له القوم فقد أصرخوه. أي: أزالوا سبب صُرَاخه. إذن: فالمعنى: لا أنا أستطيع إزالة سبب صراخكم، ولا أنتم تستطيعون إزالة سبب صُرَاخي. وكذلك في حوار آخر دار بين أهل الباطل الذين تكاتفوا عليه في الدنيا، وها هي المواجهة يوم القيامة: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} تفسير : [الصافات: 24-30]. والمراد بقوله: (عَنِ اليَمِينِ) أن الإنسان يزاول أعماله بكلتا يديه، لكن اليد اليمنى هي العُمْدة في العمل، فأتيته عن اليمين أي: من ناحية اليد الفاعلة. وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} تفسير : [الصافات: 30]. أي: في انتظار إشارة منّا، مجرد إشارة، فسارعتم ووقعتم فيما وقعتُم فيه. فعلى مَنْ يكون تسلط الشيطان وتلك الغلبة والقهر؟ يُوضّح الحق تبارك وتعالى أن تسلّط الشيطان لا يقع على مَنْ آمن به رباً، ولجأ إليه واعتصم به، وما دُمْت آمنتَ بالله فأنت في مَعيّته وحِفْظه، ولا يستطيع الشيطان وهو مخلوق لله تعالى أنْ يتسلّط عليك أو يغلبك. إذن: الحصن الذي يقينا كيْدَ الشيطان هو الإيمان بالله والتوكّل عليه سبحانه. فعلى مَنْ إذن يتسلّط الشيطان؟ يُوضِّح الحق تبارك وتعالى الجانب المقابل، فيقول: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):