Verse. 2001 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

اِنَّمَا سُلْطٰنُہٗ عَلَي الَّذِيْنَ يَتَوَلَّوْنَہٗ وَالَّذِيْنَ ہُمْ بِہٖ مُشْرِكُوْنَ۝۱۰۰ۧ
Innama sultanuhu AAala allatheena yatawallawnahu waallatheena hum bihi mushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما سلطانه على الذين يتولوْنه» بطاعته «والذين هم به» أي الله «مشركون».

100

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } بطاعته {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ } أي الله {مُّشْرِكُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِهِ مُشْرِكُونَ} بالله، أو أشركوا الشيطان في أعمالهم، أو لأجل الشيطان وطاعته أشركوا.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [الآية: 100]. قال بعضهم: من اتبع هواه فقد تولى الشيطان، ومن ركن إلى الدنيا فقد اتبعه، ومن أحب الرئاسة فقد اتبعه، ومن خالف ظاهر العلم فقد تولاه، ومن خالف المسلمين فقد جعل للشيطان عليه سبيلاً، ومن ركن إلى شىء من المخالفات ظاهرًا وباطنًا فقد أهلك نفسه ومن تولى الشيطان فقد أهلك نفسه تبرأ من الحق.

القشيري

تفسير : إنما سلطانُه على الذين هم في غطاء غفلتهم، وستر ظنونهم ومشتبهاتهم. فأمَّا أصحاب التوحيد فإنهم يرون الحادثاتِ بالله ظهورُها، ومن اللَّهِ ابتداؤها، وإلى الله مآلها وانتهاؤها.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما سلطانه} اى تسلطه وغلبته بدعوته المستتبعة للاستجابة لا سلطانه بالقسر والالجاء فانه منتف عن الفريقين لقوله تعالى حكاية عنه {وما كان لى عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لى} وقد افصح عنه قوله تعالى {على الذين يتولونه} اى يتخذونه وليا ويستجيبون دعوته ويطيعونه فان المقسور بمعزل عن ذلك كذا فى الارشاد وهو جواب عما قال السمرقندى فى تفسيره من ان فى بناء الكلام على الحصر والاختصاص ردا للشيطان فى قوله للكفرة فى جهنم {وما كان لى عليكم من سلطان} وتكذيبا له انتهى. {والذين هم به} سبحانه وتعالى {مشركون} مثبتون الشريك فى الالوهية او بسبب الشيطان اذ هو الذى حملهم على الاشراك بالله قال فى التأويلات النجمية الخطاب فى هذه الآية مع الامة وان خص النبى صلى الله عليه وسلم لان الشيطان كان يفر من ظل عمر رضى الله عنه وهو احد تابعيه فكيف يقدر على ان يدور اليه سيما اسلم شيطانه على يده صلى الله عليه وسلم يدل عليه قوله {انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} يعنى سلطان نور الايمان والتوكل غالب على سلطان وسوسة الشيطان فاذا كان هذا حال الامة مع الشيطان فكيف يكون حال النبوة معه فثبت ان المراد بالخطاب الامة وانما خص النبى صلى الله عليه وسلم به لتعتبر الامة وتتنبه ان مثل النبى صلى الله عليه وسلم مهما يكن مأمورا بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فتكون الامة بها اولى واحق. قال بعضهم هل المراد كل شيطان او القرين فقط الظاهر انه فى حقنا القرين قال الله تعالى {أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين}تفسير : وفى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ابليس اما نحن فلان الانسان لا يؤذيه من الشياطين الا ما قرن به وما بعد فلا يضره شيئا والعاقل لا يستعيذ ممن لا يؤذيه واما الرسول صلى الله عليه وسلم فان قريته لما اسلم تعين ان يكون الاستعاذة من ابليس او اكابر جنوده وتخصيص الاستعاذة بالله عند قراءة القرآن من الشيطان الرجيم لمعان وفوائد اولها كى يتذكر القارئ واقعة الشيطان وبتفكر فى امره انه انما صار شيطانا رجيما بعد ان كان ملكا كريما لانه فسق عن امر ربه وخالفه وابى ان يسجد لآدم واستكبر وكان من الكافرين اى فصار من الكافرين فينتبه بذلك عند قراءة القرآن ويصفى نيته قبل القراءة على ان يأتمر بما امر الله فى القرآن وينتهى عما نهاه عنه احترازا عن المخالفة فان فيها الطرد واللعن والرجم والفسق والكفر وانها مظنة للخلود فى النار وثانيها لان العبد لا يخلو من حديث النفس وهواجسها ومن القاء الشيطان ووساوسه وقلبه لا بد يتشوش بذلك فلا يجد حلاوة كلام الله فامر بالاستعاذة وتزكيته للنفس عن هواجسها وتصفيته للقلب عن وساوس الشيطان ليتجلى بنور القرآن فان التجلية تكون بعد التزكية والتصفية وثالثها لان فى كل كلمة من كلمات القرآن لله تعالى اشارات ومعانى وحقائق لا يفهمها الا قلب مطهر عن تلوثات الهواجس والوساوس معطر بطيب انفاس الحق وذلك مودع فى الاستعاذة بالله فامر بها لحصول الفهم - وروى - جبير بن مطعم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فقال "حديث : الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة واصيلا اعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه"تفسير : قال ابن مسعود رضى الله عنه نفخه الكبر ونفثه الشعر وهمزه الموتة يعنى الجنون. وفى قوله {انه ليس له سلطان} الآية اشارة الى ان تصرف الشيطان وقدرته بالاغوآء والاضلال على الانسان انما ينقطع بقدر نور الايمان وقوة التوكل فمهما يكمل الايمان والتوكل يكون المؤمن زاهدا عن الدنيا راغبا فى الآخرة متبتلاً الى الله تعالى فلا يبقى للشيطان عليه سلطان فى اضلاله واغوائه ولكن يأول امره الى الوسوسة وفيها صلاح المؤمن فان ابريز اخلاص قلبه عن غش صفات نفسه لا يتخلص الا بنار وسوسة الشيطان لانه يطلع على بقايا صفات نفسه بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد فى الرياضة ومجاهدة النفس وملازمة الذكر فبها تنقض وتمنحى بقية صفات النفس ويزداد نور الايمان وقوة التوكل وقربة الحق وقبوله. وفى بعض الاخبار ان النبى صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ان ابليس قال يا رب قلت فى كتابك ان عبادى ليس لك عليهم سلطان فمن هم فقال تعالى من كان نور وجهه من عرشى وطينه من طين ابراهيم ومحمد عليهما السلام وقلبه خزينتى قال ابليس فمن هم فقال تعالى من كان نادما على ذنبه وخائفا من خاتمته فنور وجهه من نور عرشى ومن كان يطعم الطعام ويرحم العباد فطينه من طينهما ومن كان راضيا بحكمى مسارعا الى ابتغاء مرضاتى فقلبه خزينتي " تفسير : وفى الخبر "اذا لعن المؤمن شيطانا يقول لعنت لعينا واذا قال اعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول قصم ظهرى لانه يحيل الى القادر". وفى الخبر "من استعاذ بالله فى اليوم عشر مرات من الشيطان وكل الله به ملكا يرد عنه الشياطين": قال الحافظ شعر : درراه عشق وسوسه اهر من بسيست هش دار وكوش دل بييام سروش كن تفسير : واعلم ان الاستعاذة واجبة على كل من شرع فى قراءة القرآن سواء بدأ من اوائل اسورة او من اجزائها مطلقا وان ارابد به افتتاح الكتب او الدرس كما يقرأ التلميذ على الاستاذ لا يتعوذ كذا فى انوار المشارق. والوجوب مذهب الجمهور كما فى الارشاد. وقال الفنارى فى تفسير الفاتحة والاستعاذة غير واجبة عند الجمهور والامر فى فاستعذ للندب انتهى. وقال الكاشفى فى تفسيره [وامر بساتعاذه قبل از قراءت بقول جمهور امر استحبابست وباختيار جمعى از كبرا برسبيل ايجاب. در تفسير قرطبى قولى هست كه استعاذه برحضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنها فرض بوده بوقت قراءت واقتداء امت برو برسبيل سنت است] انتهى. والتعوذ فى الصلاة ينبغى ان يكون واجبا لظاهر الامر الا ان السلف اجمعوا على سنته كما فى الكافى. قال القرطبى ابو حنيفة والشافعى رحمهما الله يتعوذان فى الركعة الاولى فى الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها قراءة واحدة كما فى حواشى سعدى المفتى. والغرض نقى الوسوسة فى التلاوة فشرع لافتتاح القراءة. قال جعفر الصادق رضى الله عنه ان التعوذ تطهير الفم عن الكذب والغيبة والبهتان تعظيما لقراءة القرآن شعر : زبان آمد ازبهر شكر وسباس بغيبت نكرداندش حق شناس

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} ولا يؤمنون بالله {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} يعنى بعد الايمان او العطف من قبيل عطف الاوصاف العديدة لذات واحدة وانّ الله اسم لذاته تعالى بحسب مقام معروفيّته، ومقام المعروفيّة باعتبار وجهته الى الغيب يسمّى الله وباعتبار وجهته الى الخلق يسمّى عليّاً (ع) وفى الاخبار انّ الشّيطان يسلّط من المؤمن على بدنه ولا يسلّط على دينه وفى خبرٍ ليس له ان يزيلهم عن الولاية فامّا الذّنوب واشباه ذلك فانّه ينال منهم كما ينال من غيرهم.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ} رياسته النافذة أو حمله على ذنب لا يغفر من غير أن يستطيع وإِكراههم {عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَه} يتخذونه ولياً أو يلونه بالحب والطاعة وهم المنافقون المنهمكون فى معصية الله سواء أسروا الشرك أم لا. {وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} أى مشركون بسبب الشيطان أو مشركون بالله غيره فالضمير عائد إِلى الشيطان وإِلى الله جل جلاله، والوجه الأضول هو المتبادر ويحتمل أن يريد بالذين يتولونه والذين هم به مشركون فريقاً واحداً وهم المشركون كأَنه قيل إِنما سلطانه على الذين جمعوا بين توليه والإِشراك به ويحتمل أن يريد بالسلطان الحجة أى لا حجة له على المؤمنين المتوكلين يوم القيامة بعصيانهم إِياه إِنما حجته على متوليه والمشركين وهى أنه دعاهم بغير دليل فأجابوه.

اطفيش

تفسير : {إِنمَا سُلْطَانَهُ} قدرته المؤثرة بقدرة الله عز وجل. {عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} يهملون أنفسهم إليه، ولا يأخذون حذرهم منه ولا يتوقعون منه إهلاكا، كأنه وليهم الذى يجيبونه، ولا أظن أحداً يحب الشيطان إِلا على جهة المتابعة والتمثيل إلا من يتكلم له من عوف الصنم، فيعده حبيبًا، وقدم توليه على الإشراك، لأنه قوبل به ما اتصل به قبله، وهو التوكل على الله، ولأن الإشراك متولد من توليه متأخر عنه، كما أن التوكل على الله مرتب على الإتيان به، والماضوية فى آمنوا لتحقق الوقوع، والمضارعية فى يتوكلون ويقولون للتجدد، والاسمية فى قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} للثبات، وهذا تخصيص بعد تعميم، فإن المتولين له أعم من المشركين به، وهذا اولى من جعل ذلك من عطف صفة على أخرى، هكذا إنما سلطانه علىالجامعين بين توليه، والإشراك به، والهاء فى به فائدة إلى الشيطان، أى وقعوا فى الشرك بالشيطان، أو إلى الله أى أشركوا الشيطان بالله فى الألوهية.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي يجعلونه والياً عليهم فيحبونه ويطيعونه ويستجيبون دعوته فالمراد بالسلطان التسلط والولاية بالدعوة المستتبعة للاستجابة لا ما يعم ذلك والتسلط بالقسر والإلجاء فإن في جعل التولي صلة {مَا} يفصح بنفي أرادة التسلط القسري فإن المقسور بمعزل عنه بهذا المعنى، وقد نفي هذا أيضاً عن الكفرة في قوله تعالى حكاية عن اللعين: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22] {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ } أي بسبب الشيطان وإغوائه إياهم {مُّشْرِكُونَ} بالله تعالى، وقيل: أي بإشراكهم الشيطان مشركون بالله تعالى، وجوز أن يكون الضمير للرب تعالى شأنه والباء للتعدية، وروي ذلك عن مجاهد ورجح الأول باتحاد الضمائر فيه مع تبادره إلى الذهن، وفي "إرشاد العقل السليم" ما يشعر باختيار الأخير، وذكر فيه أيضاً أن قصر سلطان اللعين على المذكورين غب نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليل على أنه لا واسطة في الخارج بين التوكل على الله تعالى وتولي الشيطان وإن كان بينهما واسطة في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظم في سلك من يتولى الشيطان من حيث لا يحتسب إذ به يتم التعليل، ففيه مبالغة في الحمل على التوكل والتحذير عن مقابله. وإيثار الجملة الفعلية الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر آنفاً والاسمية في الثانية للدلالة على الثبات، وتكرير الموصول للاحتراز عن توهم كون الصلة الثانية حالية مفيدة لعدم دخول غير المشركين من أولياء الشيطان تحت سلطانه./ وتقديم الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارنة بينها وبين ما يقابلها من التوكل على الله تعالى ولو روعي الترتيب السابق لانفصل كل من القرينتين عما يقابلها اهـ، وقيل لما كان كل من الإيمان والتولي منشأ لما بعده قدم عليه، وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُلْطَانُهُ} (100) - إِنَّمَا تَسَلُّطُهُ بِالغَوَايَةِ وَالضَّلاَلَةِ يَكُونُ عَلَى الَّذِينَ يَجْعَلُونَهُ نَصِيراً فَيُحِبُّونَهُ وَيُطِيعُونَهُ، وَيَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَتِهِ، وَالَّذِينَ هُمْ بِسَبَبِ إِغْوَائِهِ يُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ. يَتَوَلَّوْنَهُ - يَتَّخِذُونَهُ وَلِيّاً مُطَاعاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى يتولونه: أي يتخذونه وَليّاً يطيعون أمره، ويخضعون لوسوسته، ويتبعون خطواته: {ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100]. أي: مشركون بالله، أو يكون المعنى: وهُمْ به أي بسببه أشركوا؛ لأنه أصبح له أوامر ونواه وهم يطيعونه، وهذه هي العبادة بعينها، فكأنهم عبدوه من دون الله بما قدّموه من طاعته في أمره ونَهْيه. وقد سَمَّى الله طريقة الشيطان في الإضلال والغواية وَسْوسةً، والوسوسة في الحقيقة هي صَوْت الحُليّ حينما يتحرك في أيدي النساء، فيُحدِث صوتاً رقيقاً فيه جاذبية وإغراء تهيج له النفس، وكذلك الشيطان يدخل إليك عن طريق الإغراء والتزيين، فإذا ما هاجتْ عليك نفسُك وحدّثتْك بالمعصية تركك لها، فعند هذه النقطة تنتهي مُهمته. ولكن، هل النفس لا تفعل المعصية إلا بوسوسة الشيطان؟ قالوا: لا، فالنفس - والمراد هنا النفس الأمّارة بالسوء - قد تفعل المعصية من نفسها دون وسوسة من الشيطان، وقد يُوسْوِسُ الشيطان لها، وينزغها نَزغاً ويُؤلِّبها، ويُزِّين لها معصية ما كانت على بالها. فكيف - إذن - يُفرّق بين هاتين المعصيتين؟ النفس حينما ترغب في معصية أو شهوة تراها تقف عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها، وإذا قاومتَ نفسك، وحاولتَ صَرْفها عن هذه الشهوة ألحَّتْ عليك بها، وطلبتها بعينها، فشهوة النفس إذن ثابتة؛ لأنها تشتهي شيئاً واحداً تُلح عليه. ولكن حينما يُوسوِسُ الشيطان لك بشهوة فوجد منك مقاومة وقدرة على مجابهته صرف نظرك إلى أخرى؛ لأنه يريدك عاصياً بأيِّ شكل من الأشكال، فتراه يُزيِّن لك معصية أخرى وأخرى، إلى أنْ ينال منك ما يريد. ومن ذلك ما نراه في الرشوة مثلاً - والعياذ بالله - فإنْ رفضتَ رشوة المال زيَّن لك رشوة الهدية، وإنْ رفضتَ رشوة الهدية زيَّنَ لك الرشوة بقضاء مصلحة مقابلة. وهكذا يظل هذا اللعين وراءك حتى يصل إلى نقطة ضَعْف فيك، إذن: فهو ليس كالنفس يقف بك عند شهوة واحدة، ولكنه يريد أن يُوقِع بك على أيِّ صورة من الصور. ولكي نقفَ على مداخل الشيطان ونكون منه على حَذر يجب أنْ نعلم أن الشيطان على علم كبير وصل به إلى صفوف الملائكة، بل سَمَّوه "طاووس الملائكة"، ويمكن أن نقف على شيء من علم الشيطان في دِقّة قَسَمه، حينما أقسم للحق تبارك وتعالى أن يُغوي بني آدم، فقال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]. هكذا عرف الشيطان أنْ يُقسِم القسَم المناسب، فلم يَقُلْ: بقوتي ولا بحجتي سأغوي الخَلْق، بل عرف لله تعالى صفة العزة، فهو سبحانه عزيز لا يُغلب؛ لذلك ترك لخلْقه حرية الإيمان به، فقال: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]. فالمعنى: فبعزتك عن خَلْقك: يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، سوف أدخل من هذا الباب لإغواء البشر، ولكنني لا أجرؤ على الاقتراب ممَّنْ اخترتَهم واصطفيتَهم، لن أتعرَّضَ لعبادك المخلصين، ولا دَخْلَ لي بهم، ولا سلطان لي عليهم. كذلك يجب أن نعلم أن الشيطان دقيق في تخطيطه، وهذا من مداخله وتلبيسه الذي يدعونا إلى الحذر من هذا اللعين. فالشيطان لا حاجة له في أن يذهب إلى الخمارات مثلاً، فقد كفاه أهلُها مشقة الوَسْوسة، ووفّروا عليه المجهود، هؤلاء هم أولياؤه وأحبابه ومُريحوه بما هم عليه من معصية الله، ولكنه في حاجة إلى أن يكون في المساجد ليُفسِد على أهل الطاعة طاعتهم. وقد أوضح هذه القضية وفطن إليها الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان، وكان مشهوراً بالفِطْنة، وعلى دراية بمداخل الشيطان وتلبيسه، وكل هذا جعل له باعاً طويلاً في الإفتاء، وقد عرض عليه أحدهم هذه المسألة: قال: يا إمام كان لديّ مال دفنته في مكان كذا، وجعلتُ عليه علامة، فجاء السَّيْل وطمس هذه العلامة، فلم أَهتدِ إليه، فماذا أفعل؟ فتبسَّم أبو حنيفة وقال: يا بُني ليس في هذا علم، ففي أيّ باب من أبواب الفقه سيجد أبو حنيفة هذه القضية؟! ولكني سأحتال لك. وفعلاً تفتقتْ قريحة الإمام عن هذه الحيلة التي تدل على عِلْمه وفقهه، قال له: إذا جئتَ في الليل فتوضّأ، وقُمْ بين يدي ربّك مُتهجِّداً. وفي الصباح أخبرني خبرك. وفي صلاة الفجر قابله الرجل مُبتسِماً. يقول: لقد وجدتُ المال، فقال: كيف؟ قال الرجل: حينما وقفتُ بين يديْ ربي في الصلاة تذكرت المكان وذهبتُ فوجدت مالي، فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعَك تُتِم ليلتك مع ربك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [النحل: 100] أي: يتولون بوسواسه وإغوائه؛ لأنها على وفق طبعهم وهو لعنهم {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] أي: بما يوافق طبعهم وهواهم يقبلون إضلاله ويشركون. ثم أخبر أن من تأثير الإغواء ألا ينسبوه إلى الافتراء بقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101] إشارة إلى أن الله هو الطيب والقرآن هو الدواء يعالج به مرض القلوب، كقوله تعالى: {أية : وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [يونس: 57] كما أن الطبيب يداوي المريض كل وقت بنوع من الأدوية على حسب المزاج والعلة لإزالتها ويبدل الأشربة والمعادن بنوع آخر وهو أعلم بالمعالجة من غيره، فكذلك الله عز وجل يعالج قلوب العباد بتبديل آية وإنزال آية مكانها {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101] ويعالج به العبد، فالذين لا يعلمون قوانين الأمراض والمعالجات {قَالُوۤاْ} [النحل: 101] لمحمد {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} [النحل: 101] أنت تبدل الآيات من تلقاء نفسك وأنت مفتر {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] حكمة التبديل وما فيه من المصالح. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم ويلزمهم بقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} [النحل: 102] أي: معالجة منه {بِٱلْحَقِّ} [النحل: 102] أي: هو محق بهذه المعالجة {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النحل: 102] أي: يثبت الإيمان في قلوب المؤمنون بإزالة أمراض الشكوك عن قلوبهم من نور القرآن فإنه شفاء {وَهُدًى} [النحل: 102] لصحة الدين وسلامة القلوب {وَبُشْرَىٰ} [النحل: 102] بشارة {لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] الذين استسلموا للطبيب، والمعالجة بصحته له منهم. ثم يشير بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] أي: أن طب القلوب ومعالجتها ليس من شأن البشر بنظر العقل؛ لأن الطب معنى على معرفة الأمراض والعلل وكيفيتها وكميتها، ومعرفة إزالتها بالأدوية ومعرفة الأدوية وخواصها، وكيفية استعمالها ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وإن القلوب بيد لله هو يعلم داءها ودواءها، والتفاوت في أمزجتها، وكيفية معالجتها، ويضيق عن ذلك نطوق عقول البشر بحيث لا يطلع على قوانين معارفها ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فلهذا كان يقول إبراهيم عليه السلام: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ} تفسير : [الشعراء: 80] لا تطلع على قوته {أية : يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80] يعني: لا اطلاع لي على المعالجة إلا أن يعلمني الله كيفية المعالجة، فلما علَّم الله النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن هذه المعالجة وكيفيتها من علته بقوله: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء: 113] ومع هذا كان يقول: "نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر" ويقول: "إن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء". وفي قوله تعالى: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} [النحل: 103] إنه يعلمك القرآن {أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] إشارة إلى أن الأعجمي هو الذي لا يفهم من كلام الله ما أودع الله فيه من الأسرار والإشارات والمعاني والحقائق، فإنه لا يحصل ذلك إلا لمن رزقه الله فهماً يفهم به اللسان العربي المبين هو الذي يسَّره الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبيَّن له معانيه، كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} تفسير : [مريم: 97] وقال: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} تفسير : [القيامة: 18-19] فالعربي المبين هو الذي أعطاه الله قلباً فهيماً ولساناً مبيناً، فافهم جدّاً. ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [النحل: 104] وهي ما أودع الله في القرآن من المعاني والحقائق التي تتعلق بمواهب الله وبه صار القرآن معجزاً فمن لم يؤمن {لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} [النحل: 104] إلى فهم القرآن {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 104] إذ لم يهتدوا إلى الإيمان بدفعهم ما فيه.