Verse. 2002 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَاِذَا بَدَّلْنَاۗ اٰيَۃً مَّكَانَ اٰيَۃٍ۝۰ۙ وَّ اللہُ اَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوْۗا اِنَّمَاۗ اَنْتَ مُفْتَرٍ۝۰ۭ بَلْ اَكْثَرُہُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۱۰۱
Waitha baddalna ayatan makana ayatin waAllahu aAAlamu bima yunazzilu qaloo innama anta muftarin bal aktharuhum la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا بدلنا آية مكان آية» بنسخها وإنزال غيرها بمصلحة العباد «والله أعلم بما ينزل قالوا» أي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم «إنما أنت مفتر» كذاب تقوله من عندك «بل أكثرهم لا يعلمون» حقيقة القرآن وفائدة النسخ.

101

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى شرع من هذا الموضوع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية ألين منها تقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمر بأمر وغداً ينهى عنه، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه، فأنزل الله تعالى قوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } ومعنى التبديل، رفع الشيء مع وضع غيره مكانه. وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها، وهو نسخها بآية سواها، وقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } اعتراض دخل في الكلام، والمعنى: والله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف، أي هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قوله: {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } أي إذا كان هو أعلم بما ينزل فما بالهم ينسبون محمد صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ، وقوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يعلمون حقيقة القرآن وفائدة النسخ والتبديل وأن ذلك لمصالح العباد كما أن الطبيب يأمر المريض بشربة، ثم بعد مدة ينهاه عنها، ويأمره بضد تلك الشربة، وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ } تفسير روح القدس مر ذكره في سورة البقرة. وقال صاحب «الكشاف»: روح القدس جبريل عليه السلام أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال: حاتم الجود وزيد الخير، والمراد الروح المقدس، وحاتم الجواد وزيد الخير، والمقدس المطهر من الماء و «من» في قوله: {مِن رَبّكَ } صلة للقرآن أي أن جبريل نزل القرآن من ربك ليثبت الذين آمنوا أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب: {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ } مفعول لهما معطوف على محل ليثبت، والتقدير: تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة. وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الصفات لغيرهم. المسألة الثانية: قد ذكرنا أن مذهب أبي مسلم الأصفهاني: أن النسخ غير واقع في هذه الشريعة، فقال المراد ههنا: إذا بدلنا آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل أنه حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال المشركون: أنت مفتر في هذا التبديل، وأما سائر المفسرين فقالوا: النسخ واقع في هذه الشريعة، والكلام فيه على الاستقصاء في سائر السور. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: القرآن لا ينسخ بالسنة، واحتج على صحته بقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } وهذا يقتضي أن الآية لا تصير منسوخة إلا بآية أخرى، وهذا ضعيف لأن هذه تدل على أنه تعالى يبدل آية بآية أخرى ولا دلالة فيها على أنه تعالى لا يبدل آية إلا بآية، وأيضاً فجبريل عليه السلام قد ينزل بالسنة كما ينزل بالآية، وأيضاً فالسنة قد تكون مثبتة للآية، وأيضاً فهذا حكاية كلام الكفار، فكيف يصح التعلق به؟ والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} قيل: المعنى بدلنا شريعة متقدّمة بشريعة مستأنفة؛ قاله ابن بحر. مجاهد: أي رفعنا آية وجعلنا موضعها غيرها. وقال الجمهور: نسخنا آية بآية أشدّ منها عليهم. والنسخ والتبديل رفعُ الشيء مع وضع غيره مكانه. وقد تقدّم الكلام في النسخ في البقرة مستوفًى. {قَالُوۤاْ} يريد كفار قريش. {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} أي كاذبٌ مختلِق، وذلك لما رأوا من تبديل الحكم. فقال الله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله شرع الأحكام وتبديل البعض بالبعض. وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ} يعني جبريل، نزل بالقرآن كلِّه ناسخه ومنسوخه. وروي بإسناد صحيح عن عامر الشَّعْبِيّ قال: وُكِّل إسرافيل بمحمد صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، فكان يأتيه بالكلمة والكلمة، ثم نزل عليه جبريل بالقران. وفي صحيح مسلم أيضاً أنه نزل عليه بسورة «الحمد» مَلَك لم ينزل إلى الأرض قَطُّ. كما تقدّم في الفاتحة بيانه. {مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} أي من كلام ربك. {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بما فيه من الحجج والآيات. {وَهُدًى} أي وهو هدى. {وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}.]

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة لفظاً أو حكماً. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ } من المصالح فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو«يُنَزل» بالتخفيف. {قَالُواْ } أي الكفرة. {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} متقول على الله تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، وجواب {إِذَا } {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ}، اعتراض لتوبيخ الكفار على قولهم والتنبيه على فساد سندهم ويجوز أن يكون حالاً. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} حكمة الأحكام ولا يميزون الخطأ من الصواب.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين، وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان، وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} أي: كذاب، وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقال مجاهد: {بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ} أي: رفعناها، وأثبتنا غيرها، وقال قتادة: هو كقوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} تفسير : [البقرة: 106] الآية، فقال تعالى مجيباً لهم: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ} أي: جبريل {مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} أي: بالصدق والعدل {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فيصدقوا بما أنزل أولاً وثانياً، وتخبت له قلوبهم {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} أي: وجعله هادياً وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } بنسخها وإنزال غيرها لمصلحة العباد {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُواْ } أي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } كذاب تقوله من عندك {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } حقيقة القرآن وفائدة النسخ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا بدّلنا آيةً مكان آيةٍ} فيه وجهان: أحدهما: شريعة تقدمت بشريعة مستأنفة، قاله ابن بحر. الثاني: وهو قول الجمهور أي نسخنا آية بآية، إما نسخ الحكم والتلاوة وإما نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. {والله أعلم بما ينزل} يعني أعلم بالمصلحة فيه ينزله ناسخاً ويرفعه منسوخاً. {قالوا إنما مفْتَرٍ} أي كاذب. {بل أكثرهم لا يعلمون} فيه وجهان: أحدهما: لا يعلمون جواز النسخ. الثاني: لا يعلمون سبب ورود النسخ.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَدَّلْنَآ} نسخناها حكماً وتلاوة، أو حكماً دون التلاوة {لا يَعْلَمُونَ} جواز النسخ والله ـ تعالى ـ أعلم بالمصلحة فيما ينزله ناسخاً ومنسوخاً.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {بما ينزل} من الإنزال. ابن كثير وأبو عمرو {يلحدون} بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف. {فتنوا} مبنياً للفاعل: ابن عامر. {والخوف} بالنصب: عباس {إبراهام} هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان. {في ضيق} بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل". الآخرون بالفتح. الوقوف: {مكان آية} لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: {والله أعلم بما ينزل} جملة معترضة {مفتر} ط {لا يعلمون} ه {للمسلمين} ه {بشر} ط {مبين} ه {بآيات الله} لا لأن ما بعده خبر "إن" {أليم} ه {بآيات الله} ج لاختلاف الجملتين مع العطف {الكاذبون} ه {غضب من الله} ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. {عظيم} ه {على الآخرة} لا للعطف {الكافرين} ه {وأبصارهم} ط لاختلاف الجملتين {الغافلون} ه {الخاسرون} ه {وصبروا} لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد {رحيم} ه {لا يظلمون} ه {يصنعون} ه {ظالمون} ه {طيباً} ص لعطف المتفقتين {تعبدون} ه {لغير الله به} ج {رحيم} ه {على الله الكذب} ط {لا يفلحون} ط، ه {قليل} ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع {أليم} ه {من قبل} ج لابتداء النفي مع العطف {يظلمون} ه {وأصلحوا} لا لما مر {رحيم} ه {حنيفاً} ط {من المشركين} ه لا لأن {شاكر} وصف آخر أو بدل من {حنيفاً} {لا نعمة} ط {مستقيم} ه {حسنة} ط {الصالحين} ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار {حنيفاً} ط ه {المشركين} ط ه {اختلفوا فيه} ط {يختلفون} ه {أحسن} ط {بالمهتدين} ه {عوقبتم به} ط {للصابرين} ه {يمكرون} ه {محسنون} ه. التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: {وإذا بدلنا} ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها. {والله أعلم بما ينزل} شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس {بل أكثرهم لا يعلمون} فوائد النسخ والتبديل. قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ. ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه تعالى أخبر بتبديل مكان الآية. وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.{قل نزله} أي القرآن {روح القدس} هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود". والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم {من ربك} صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده. وقوله: {بالحق} حال أي متلبساً بالحكمة والصواب. {ليثبت الذين آمنوا} كقوله: {أية : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً}تفسير : [الأنفال: 2] فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به. {وهدى وبشرى} معطوفان على محل {ليثبت} أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. ثم حكى شبهة أخرى عنهم. كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه. واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب. وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي. وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه. وقيل: هو سلمان الفارسي. ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً {لسان الذي} واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي {يلحدون} يميلون قولهم عن الاستقامة {إليه} لسان {أعجمي} غير بيّن {وهذا} القرآن {لسان عربي مبين} ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها. قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته. ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً. وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز. ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله} يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : [البقرة: 7]. وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار. وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه. ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: {إنما يفتري الكذب} وفيه أيضاً رد لقولهم {إنما أنت مفتر} الافتراء {وأولئك} إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: {أية : إنما أنت مفتر}تفسير : [النحل: 101] ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم. وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر. وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم. فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي صلى الله عليه وسلم موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي. قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: {وأولئك هم الكاذبون} على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب. زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد. ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا. وقرأ هذه الآية. ثم إنه سبحانه من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: {من كفر بالله} اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من {الذين لا يؤمنون بآيات الله} وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر. واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: {ولكن من شرح بالكفر صدراً} أي طاب منه نفساً واعتقده {فعليهم غضب} وإما من المبتدأ الذي هو {أولئك} أو من الخبر الذي هو {الكاذبون}. وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر. وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب. وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء. قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم. فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه. فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. تفسير : فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر. وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية. وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار. أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار. وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع. ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب. فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ. ومنهم من قال: ليس له ذلك. واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال. ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده. وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله. ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام. ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية. وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله. ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه. والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب. قال بعض الأصوليين: في قوله: {وقلبه مطمئن بالإيمان} دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً. وانتصاب {صدراً} على التمييز وأصله. ولكن من شرح بالكفر صدره. فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير. قوله: {ذلك بأنهم} أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا {الدنيا على الآخرة} ولأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر. وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم. وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة. {وأولئك هم الغافلون} أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} وقال في أوائل سورة هود {أية : هم الأخسرون}تفسير : [الآية: 22] لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون. ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون". وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها. ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن. قال جار الله: معنى {ثم إن ربك} تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه. ومعنى {إن ربك لهم} أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم. ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير. وتكرير "إن" لطول الكلام. من قرأ {من بعد ما فتنوا} بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر. ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر. وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم. فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه سبحانه بكرمه يغفر لهم إذا تابوا. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه. وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية. ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: {أية : ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}تفسير : [العنكبوت:1 - 2] فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية. والضمير في قوله: {من بعدها} يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر. فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين تعالى أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة. قال الزجاج {يوم تأتي} منصوب بقوله:{رحيم} أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: {عن نفسها} إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس. وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره. ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم {أية : هؤلاء أضلونا}تفسير : [الأعراف: 38] {أية : ما كنا مشركين}تفسير : [الأنعام: 23] ونحو ذلك. عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: {وضرب الله مثلاً قرية} يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها. وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها. قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية. فوصف الله تعالى تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة. ثم قال: {يأتيها رزقها رغداً من كل مكان} دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه. قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف. وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل". قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة. وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد صلى الله عليه وسلم- فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء. عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم. نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان نبياً أما كان عربياً؟ كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي. والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره. فكانت الاستعارة مجردة. ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب. وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً. وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده. شعر : ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها تفسير : فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال. ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع. وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة. قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: {يصنعون} تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها. ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: {ولقد جاءهم} يعني أهل مكة {رسول منهم} من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه {فكذبوه فأخذهم العذاب وهم} متلبسون بالظلم. قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة. وقيل: القتل يوم بدر. وقيل: إن قول ابن عباس أولى. والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر. {فكلوا مما رزقكم الله} من الغنائم. فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء. وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: {فكلوا}. ورجح قول ابن عباس بأنه تعالى قال بعد ذلك: {إنما حرم عليكم الميتة} فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه سبحانه أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب {الكذب} بـ {لا تقولوا} أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم. وقوله: {هذا حلال وهذا حرام} بدل من الكذب ولك أن تنصب {الكذب} بـ {تصف} وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل. ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً. وقوله: {تصف ألسنتكم الكذب} من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر". واللام في قوله: {لتفتروا} لام العاقبة لا الغرض. والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: {لما تصف ألسنتكم الكذب} لم يكن فيه هذا البيان. ثم أوعد المفترين بقوله: {إن الذين يفترون} الآية. وقوله: {متاع} قال الزجاج: أي متاعهم. وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل. والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم. ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني في سورة الأنعام عند قوله: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر}تفسير : {الأنعام: 146] ثم قال: {وما ظلمناهم} كقوله هناك: {أية : ذلك جزيناهم ببغيهم}تفسير : [الأنعام: 146]. ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة. وقوله: {بجهالة} في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم. {إن ربك من بعدها} من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة. ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة قائلاً: {إن إبراهيم كان أمة} أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: شعر : ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد تفسير : وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده. وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده. وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: {أية : إني جاعلك للناس إماماً}تفسير : [البقرة: 124] وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم {قانتاً لله} قائماً بما يأمره الله. وعن ابن عباس: مطيعاً لله {حنيفاً} مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه. وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى. {ولم يك من المشركين} قط لا في الصغر ولا في الكبر {شاكراً لأنعمه} وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة. يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم {اجتباه} اختصه واصطفاه للنبوّة {وهداه إلى صراط مستقيم} إلى ملة الإسلام {وآتيناه في الدنيا حسنة} عن قتادة: هي أن الله تعالى حببه إلى أهل الأديان كلها. وقيل: الأموال والأولاد. وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم". {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه {أية : وألحقني بالصالحين}تفسير : [يوسف: 101]. قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: {ثم أوحينا إليك} تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل. قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟ فأجاب الله سبحانه بقوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت. فجعل عليهم السبت وشدد عليهم. ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" تفسير : وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها. والمعنى {إنما جعل} وبال {السبت} وهو المسخ {على الذين اختلفوا فيه} واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة. وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة. ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف. سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول. واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا. فما وجه جعل الجمعة عيداً؟ والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى. ثم أوعد اليهود بقوله: {وإن ربك ليحكم} الخ. ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم صلى الله عليه وسلم بين وجه المتابعة فقال: {ادع إلى سبيل ربك} الآية. وفيه أن طريقة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الدعوة كانت هكذا. وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم. فقوله: {بالحكمة} إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال. وقوله: {والموعظة الحسنة} إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق. وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: {وجادلهم بالتي} أي بالطريقة {التي هي أحسن} فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً. وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً. فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة. هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط. وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله تعالى فقال: {إن ربك هو أعلم} الآية. أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها. ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً {وإن عاقبتم} أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه. والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب. فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به. وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده. قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب. ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية. ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: {أية : وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم}تفسير : [البقرة: 190] أمر الله تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا. وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم. وفي قوله: {إن عاقبتم} رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح. ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً. {ولئن صبرتم لهو خير} أي صبركم خير لكم. فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير {للصابرين} من جنسهم. ثم صرح كل التصريح فقال: {واصبر} ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: {وما صبرك إلا بالله} أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر. وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: {ولا تحزن عليهم ولا تك} وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع. وأشار إليه بقوله: {ولا تحزن عليهم} قيل: أي على قتلى أحد. وقيل: على الكافرين كقوله: {أية : فلا تأس على القوم الكافرين}تفسير : [المائدة: 68] وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: {ولا تك في ضيق} من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه. وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله {ولم يك من المشركين} ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن. ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: {إن الله مع الذين اتقوا} المعاصي كلها {والذين هم محسنون} في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: {إن الله مع الذين اتقوا} استيفاء الزيادة {والذين هم محسنون} في ترك أصل الانتقام. فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة. وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق. واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص. فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل. التأويل: {وإذا بدلنا آية} إنه تعالى يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: {والله أعلم بما ينزل} {وبشرى للمسلمين} الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة. {إنما يعلمه بشر} ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {أية : وإذا مرضت فهو يشفين}تفسير : [الشعراء: 80] اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم}تفسير : [النساء: 113] ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر {يلحدون إليه أعجمي} هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: {أية : فإنما يسرناه بلسانك}تفسير : [مريم: 97] {إنما يفتري الكذب} لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله. {وأولئك هم الكاذبون} أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً"تفسير : . {من كفر بالله من بعد إيمانه} إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه {إلا من أكره} على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم {استحبوا} اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله {وإن الله لا يهدي} إلى حضرته {القوم الكافرين} بنعمته {وأولئك هم الغافلون} عما أعدّ الله لعباده الصالحين. {هم الخاسرون} لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية {ثم إن ربك للذين هاجروا} نفوسهم وهواهم {من بعد ما فتنوا} بمخالفة أوامر الحق ونواهيه {ثم جاهدوا} النفوس بسيوف الرياضات {وصبروا} على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ {يوم تأتي} أرباب النفوس {تجادل على نفسها} على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود {قرية} هي قرية شخص الإنسان {كانت آمنة} أي آهلة وهو الروح الإنساني {مطمئنة} بذكر الله {يأتيها رزقها} من المواهب {من كل مكان} روحاني وجسماني {فكفرت} النفس الأمارة {فأذاقها الله لباس الجوع} وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات {والخوف} وهو خوف الانقطاع عن الله {ولقد جاءهم رسول} الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه {وكلوا مما رزقكم الله} من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة {هذا حلال وهذا حرام} على عادة أهل الإباحة {وعلى الذين هادوا} أي تابوا {حرمنا} من موانع الوصول {ما قصصنا عليك} في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين. {وما ظلمناهم} بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا {ولم يك من المشركين} ممن له شركة مع الله في الوجود {اتبع ملة إبراهيم} في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً {أية : إني ذاهب إلى ربي}تفسير : [الصافات: 99] وأسري بمحمد راكباً {أية : سبحان الذي أسرى بعبده}تفسير : [الإسراء: 1] فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام". {وإن عاقبتهم} النفس الأمارة {فعاقبوا} أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها {بمثل ما عوقبتم به} من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب. {ولئن صبرتم} على معاقبتهم {لهو خير} لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك. {واصبر} على معاقبة النفس ومخالفة الهوى. {وما صبرك إلا بالله} لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له. {ولا تحزن} على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم. {ولا تك في ضيق مما يمكرون} فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} يعني بهذا التبديل النَّسْخَ، {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ}: أي قال كفَّار مكَّةَ و{رُوحُ ٱلْقُدُسِ}: هو جبريلُ؛ بلا خلاف. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} قال ابن عباس: كان بمكَّة غلامٌ أعجميٌّ لبعض قريشٍ يقال له: «بلعام»، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعلِّمه الإِسلام، ويرُومُهُ عليه، فقال بعضُ الكفَّار هذا يُعلِّم محمَّداً، وقيل: اسمُ الغلام «جبر»، وقيل: يَسار، وقيل: يَعيش، والأعجميُّ هو الذي لا يتكلَّم بالعربية، وأما العَجَمِيُّ، فقد يتكلَّم بالعربيَّة، ونسبته قائمة. وقوله: {وَهَـٰذَا} إشارة إلى القرآن والتقدير: وهذا سَرْدُ لسانٍ، أو نطقُ لِسانٍ.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ {‏وإذا بدلنا آية مكان آية‏} ‏ وقوله‏:‏ {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا‏}‏ ‏تفسير : [النحل: 110‏] قال‏:‏ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار‏.‏ وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاره‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا بدلنا آية مكان آية‏} ‏ قال‏:‏ هو كقوله ‏{أية : ‏ما ننسخ من آية أو ننسها‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 106‏]‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا بدلنا آية مكان آية‏} ‏ قال‏:‏ هذا في الناسخ والمنسوخ‏.‏ قال‏:‏ إذا نسخنا آية وجئنا بغيرها‏.‏ قالوا ما بالك‏؟‏ قلت‏:‏ كذا وكذا، ثم نقضته أنت تفتري‏.‏ قال الله‏:‏ ‏{‏والله أعلم بما ينزل‏}‏‏.

القشيري

تفسير : ما ازدادوا في طول مدتهم إلا شكاً على شكٍ، وجحدوا على جحدٍ، وجرَوْا على منهاجهم في التكذيب، فلم يُصَدِّقوه صلى الله عليه وسلم، وما زادوا في ولايته إلا شكاً ومُرْية: شعر : وكذا الملولُ إذا أَرَادَ قطيعةً مَلَّ الوصال وقال كان وكانا تفسير : قوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ}: ردٌّ على فرط جهلهم بربهم، وبُعْدِ رتبتهم عن التحصيل، فلمَّا كانوا متفرقين في شهود المَلِكِ رُدُّوا في حين التعريف إليهم بِذِكْرِ المَلَكِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا بدلنا آية مكان آية} قال سلطال المفسرين ترجمان القرآن ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا نزلت عليه آية فيها شدة اخذ الناس بها وعملوا ما شاء الله ان يعملوا فيشق ذلك عليهم فينسخ الله هذه الشدة ويأتيهم بما هو ألين منها واهون عليهم رحمة من الله فيقول لهم كفار قريش ان محمدا يسخر باصحابه يأمرهم اليوم بامر وينهاهم عنه غدا ويأتيهم بما هو اهون عليهم وما هو الا مفتر يقوله من تلقاء نفسه. والمعنى اذا انزلنا آية من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلا منها بان نسخناها {والله اعلم بما ينزل} جملة معترضة بين الشرط وجوابه وهو قالوا لتوبيخ الكفرة على قولهم والتنبيه على فساد سندهم اى اعلم بما ينزل اولا وآخرا من الاحكام والشرائع التى هى مصالح ورب شئ يكون مصلحة فى وقت يكون مفسدة فى وقت آخر فينسخه ويثبت مكانه ما يكون مصلحة لخلقه {قالوا} اى الكفرة {انما انت مفتر} على الله متقول من عند نفسك {بل اكثرهم لا يعلمون} ان الله امر باشياء نظرا لصلاح عباده واقلهم يعلم الحكمة فى النسخ ولكن ينكر عنادا.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {والله أعلمُ بما يُنزَّل}: معترض بين الشرط، وهو: {إذا} وجوابه، وهو: {قالوا}؛ لتوبيخ الكفار، والتنبيه على فساد سندهم. و {هدى وبشرى}: عطف على: "ليُثبت". يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِذا بدّلنا آيةً مكان آيةٍ}؛ بأن نسخنا الأولى؛ لفظًا أو حكمًا، وجعلنا الثانية مكانها، {والله أعلم بما يُنزّل} من المصالح، فلعل ما يكون في وقت، يصير مفسدة بعده، فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ، يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه. فإذا نسخ، لهذه المصلحة، {قالوا} أي: الكفرة: {إِنما أنت مُفتَر}: كذاب مُتَقوِّل على الله، تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، قال تعالى: {بل أكثرهم لا يعلمون} حكمة النسخ ولا حقيقة القرآن، ولا يميزون الخطأ من الصواب. {قل نزّله روحُ القُدُس} يعني: جبريل. والقدس: الطهر والتنزيه؛ لأنه روح مُنزه عن لوث البشرية. نزله {من ربك} ملتبسًا {بالحق}: بالحكمة الباهرة، أو مع الحق في أمره ونهيه وإخباره، أو أنزله حقًا، {ليُثَبتَ الذين آمنوا} على الإيمان؛ لأنه كلام الله، ولأنهم إذا سمعوا الناسخ والمنسوخ، وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح، رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم. {و} أنزله {هدىً وبُشرى للمسلمين} المنقادين لأحكامه، أي: نزله؛ تثبيتًا وهداية وبشارة للمسلمين. {ولقد نعلم أنهم يقولون إِنما يُعلِّمِه بَشَرٌ} يعنون: غلامًا نصرانيًا اسمه: جبَر، وقيل: يعيش. قيل: كانا غلامين، اسم أحدهما: جبَر، والآخر يَسارٌ، وكانا يصنعان السيوف، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما، ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: هذان هما اللذان يعلمان محمدًا ما يقول. قال تعالى في الرد عليهم: {لسانُ الذي يُلحدون إِليه أعجمي} أي: لغة الرجل الذي يُمِيلُون قولَهم عن الاستقامة إليه، وينسبون إليه تعليم القرآن، أعجمي، {وهذا} القرآن {لسانٌ عربي مبين}؛ ذو بيان وفصاحة. قال البيضاوي: والجملتان مستأنفتان؛ لإبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون، - أي: القرآن - ما تلقفه منه؟ وثانيهما: هب أنه تلقف منه المعنى باستماع كلامه، لكن لم يتلقف منه اللفظ؛ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي، والقرآن، كما هو معجز باعتبار المعنى، معجز باعتبار اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف يعلم جميع ذلك من غلام سُوقي، سمع منه، بعض أوقات، كليمات عجمية، لعله لم يعرف معناها؟! فطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم. هـ. الإشارة: كما وقع النسخ في وحي أحكام، يقع في وحي إلهام؛ فقد يتجلى في قلب الولي شيء من الأخبار الغيبية، أو يأمر بشيء يليق، في الوقت، بالتربية، ثم يُخبر أو يأمر بخلافه؛ لوقوع النسخ أو المحو، فيظن من لا معرفة له بطريق الولاية أنه كذب، فيطعن أن يشك، فيكون ذلك قدحًا في بصيرته، وإخمادًا لنور سريرته، إن كان داخلاً تحت تربيته. والله تعالى ىأعلم. ثم ذكر وبال من طعن في كلام الله

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى: مخبراً عن احوال الكفَّار بأنّا متى {بدّلنا آية مكان آية} بأن رفعنا آية ونسخناها، وأتينا بأخرى بدلها، نعلم في ذلك من مصلحة الخلق، وقد يكون تبديلها برفع حكمها مع ثبوت تلاوتها [وقد يكون برفع تلاوتها دون حكمها] وقد يكون برفعهما. والتبديل - في اللغة - رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، تقول: بدله تبديلاً وأبدله إِبدالاً، واستبدل به استبدالاً. ثم قال: {والله أعلم بما ينزل} مما فيه صلاح الخلق من غيره. وقوله: {قالوا إِنما أنت مفتر} معناه يقول هؤلاء الذين جحدوا نبوتك وكفروا بآيات الله: إِنما أنت يا محمد مفترٍ كذاب في إِدعائك الرسالة من الله. ثم أخبر عنهم، فقال: {بل أكثرهم لا يعلمون} انك نبي، لتركهم النظر في معجزاتك، ولشبه داخلة عليهم، وان علمه بعضهم وكابر، وجحد ما يعلمه، ثم امره بأن يقول لهم {نزله روح القدس} يعني القرآن نزله جبريل (ع) {ليثبت الذين آمنوا} وتثبيته لهم هو استدعاؤه لهم به وبالطافه ومعونته الى الثبات على الاسلام وعلى تصديق محمد صلى الله عليه وسلم. ثم بيَّن أن القرآن هدى ودلالة وبشارة للمسلمين.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} آية من القرآن مكان آية منه بنسخ الاولى او حكماً من الاحكام مكان حكمٍ آخر فانّ الاحكام كلّها آيات لطفه وعلمه فى نظام الكلّ او آية مكان آيةٍ اخبرت بها بالبداء فيها ومحوها واثبات غيرها او آية من الآيات العظمى مكان اخرى بجعل علىٍّ (ع) بدلاً منك واخبارك ايّاهم بذلك {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} من حيث حكمه ومصالحه {قَالُوۤاْ} اى الكفّار او منافقوا امّتك {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} وليس ذلك باخبار ووحى من الله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} جواز النّسخ والتّبديل وكيفيّته والمصلحة فيه.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} بالنسخ فجعلنا آية ناسخة مكان آية منسوخة لفظاً أو حكماً أو قيماً {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} جملة معترضة بين الشرط والجواب وهو قالوا توبيخاً للكفار على قولهم وتقريعاً عليهم وتنبيها على فساد قولهم أو حال من الضمير فى بدلنا على طريق الالتفات من التكلم للغيبة والمعنى وإِذا نسخنا آية بآية ونحن أعلم بما ننزل من المصالح من نسخ آية بأُخرى وغيره، بحسب الحوادث بالشىء مصلحة أمس مفسدة اليوم فينسخه اليوم، ورب شىء مفسدة أمس نهى عنه، مصلحة اليوم أمر به، وقد كان ينسخ الأَهون بالأهون والأَشق بالأَشق والأَهون بالأشق والأَشق بأَهون للمصلحة، ألا يرون الطبيب الماهر يأْمر بدواء فى وقت وينهى عنه فى وقت وبالعكس باعتبار أنه مصلحة فى وقت مفسدة فى آخر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وينزل بإِسكان النون وتخفيف الزاى والمعنى واحد، ومنع بعض المعتزلة نسخ الأهون بالأَشق لأَنه لا مصلحة فى الانتقال من سهل إِلى عسر، وهو مبنى على انه لا بد من مراعاة مصلحة المكلف فالتحقيق أنه لا يلزم ذلك، وقيل لا يلزم تفصيلا لا عموماً ولئن سلمنا لنقولن أن فائدة الانتقال من سهل إِلى عسر كثرة الثواب، ومن نسخ أهون بأهون نسخ التوجه لبيت المقدس بالتوجه إِلى الكعبة، ومن نسخ الأَشق بالأهون نسخ العدة بالحول فى الوفاة بأَربعة أشهر وعشر، ونسخ بثبوت الواحد لعشرة بثبوته لاثنين فى: إِن يكن منكم عشرون. الآية ـ ومن نسخ أهون بأشق نسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية بتعيين الصوم. قال الله تعالى: {أية : وعلى الذين يطيقونه فدية}.. تفسير : الخ. وقيل التقدير لا يطيقونه ومن ذلك قوله تعالى: {أية : واللذان يأْتيانها منكم} تفسير : ـ الآية. ثم قال: {أية : واللاتى يأْتين الفاحشة من نسائكم}.. تفسير : إِلى قوله سبيلا.. ثم أنزل الزانية والزانى الخ.. أول ما نزل آية الأَذى ثم آية الحبس، ثم آية السبيل. كذا قيل فى تمثيل ويجوز النسخ بلا بدل لكن لم يقع عند الشافعى وقيل وقع، كنسخ وجوب تقديم الصدقة على مناجاة النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأجيب بوقوع البدل وهو الجواز باستحباب، وقال بعض المعتزلة لا يقع لأَنه مصلحة فيه، وأُجيب بعدم لزوم مراعاتها وعلى لزومها فهى موجودة إِذ فى الراحة من التكليف بذلك الحكم مصلحة وهى السلامة من عدم الإِخلال به والتهاون فيترتب عليه الدم عاجلا والعقاب آجلا {قَالُوا} أى كفار مكة {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} كاذب على الله سبحانه وتعالى تأْمر بشىء اليوم وتنهى عنه غداً يسخر باصحابك فنأْتيهم بما هو أهون صرفاً للمشقة عليهم، ولو كان ذلك من الله لم يختلف ولقد كذبوا فإِنه ينسخ الأهون بالأَشق والأَشق بالأهون والمثل بالمثل ولكنهم بعدوا عن العلم بمصلحة النسخ وحكمته، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ} فى التعبير بالأَكثر مثل ما مر {لاَ يَعْلَمُونَ} حكمة النسخ ومصلحة وحقيقة القرآن أو لا يعلمون الخطأَ من الصواب.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} بنسخ حكم الأولى أو لفظها أو حكمها ولفظها. {وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} مقتضى الظاهر، ونحن نعلم بما نزل، ولم يعبر بذلك لتفخيم الأمر بلفظ الجلالة والجملة معترضة أولى من أن تكون حالا، إلا أن التحقيق عندى أن المعترضة المقرونة بالواو معطوفة على الجملة التى هى فى وسطها ولو كان المعطوف لا يتقدم على المعطوف عليه، إذ لو جعلنا الواو اعتراضية لكانت كحرف الهجاء لا معنى لها، وكذا إذا قلدتم فى واو الاستئناف، وجعل الواو اعتراضية أو استئنافية خطأ، بل تجعل الواو عاطفة أو حالية، وساغ عطف الجملة المعترضة على الجملة التى هى فى داخلها قبل تمامها، مثل: إن قام ويقعدا أخواى يقعدا على أخواى قبل تمامه، ولا يصح ما قيل أن المعطوف عليه، قام وحده، إذ لا تعطف الجملة على فعل وحده. {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ} يا محمد {مُفْتَرٍ} كاذب على الله، إِذ لو كان القرآن من الله لم يأمرك بترك شئ بعد الأمر به، أو بفعل شئ بعد النهى عنه. {بَلْ أَكْثرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ليسوا من أهل العلم أو لا يعلمون حكمة النسخ وهى أن يعملوا بشئ إنى وقت معلوم عنده، فيأمرهم بخلافه فى ذلك لصلاحه، كما يأمرون عبيدهم ومَنْ تحت أيديهم، وعندهم أنه إذا كان كذا أمروهم بخلافه، إلا أنهم يجهلون، والله لا يجهل، ولهم بداوة، والله لا بداوة له، وللطيب الماهر يأمر أحداً بشئ، ثم ينهاه عنه، ويأمره بضده وكذلك أمر الديانة طب لأهلها. فخلف باختلاف الأسباب لأوقاتها، ولما شاء الله من الحكم، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان المشركون إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية أخرى تنسخها إِلى أخف منها تخفيفًا عليهم، أو إلى غير أخف لمصلحة قالوا: إن محمداً يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غداً، إنما هو مفتر يتقوَّله من تلقاء نفسه، فأنزل الله عز وجل: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون}.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ} أي إذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلاً منها بأن نسخناها بها، والظاهر على ما في "البحر" أن المراد نسخ اللفظ والمعنى، ويجوز أن يراد نسخ المعنى مع بقاء اللفظ {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ} من المصالح فكل من الناسخ والمنسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فإن كل وقت له مقتضى غير الآخر فكم من مصلحة تنقلب مفسدة في وقت آخر لانقلاب الأمور الداعية إليها، ونرى الطبيب الحاذق قد يأمر المريض بشربة ثم بعد ذلك ينهاه عنها ويأمره بضدها، وما الشرائع إلا مصالح للعباد وأدوية لأمراضهم المعنوية فتختلف حسب اختلاف ذلك في الأوقات وسبحان الحكيم العليم، والجملة إما معترضة لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم، وفي الالتفات إلى الغيبة مع الإسناد إلى الاسم الجليل ما لا يخفى من تربية المهابة وتحقيق معنى الاعتراض أو حالية كما قال أبو البقاء وغيره، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {ينزل} من الإنزال {قَالُواْ } أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} متقول على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، وقد بالغوا قاتلهم الله تعالى في نسبه الافتراء إلى حضرة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث وجهوا الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام وجاؤوا بالجملة الاسمية مع التأكيد بإنما، وحكاية هذا القول عنهم هٰهنا للإيذان بأنه كفرة ناشئة من نزغات الشيطان وأنه وليهم. وفي "الكشف" أن وجه ذكره عقيب الأمر بالاستعاذة عند القراءة أنه باب عظيم من أبوابه يفتن به الناقصين يوسوس إليهم البداء والتضاد وغير ذلك. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يعلمون شيئاً أصلاً أو لا يعلمون أن في التبديل المذكور حكماً بالغة، وإسناد هذا الحكم إلى أكثرهم لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكر عناداً. والآية دليل على نسخ القرآن بالقرآن وهي ساكتة عن نفي نسخه بغير ذلك مما فصل في "كتب الأصول".

ابن عاشور

تفسير : استمرّ الكلام على شأن القرآن وتنزيهه عما يوسوسه الشيطان في الصدّ عن متابعته. ولما كان من أكبر الأغراض في هذه السورة بيان أن القرآن منزل من عند الله، وبيان فضله وهديه فابتدىء فيها بآية {أية : ينزل الملائكة بالروح من أمره} تفسير : [سورة النحل: 2]، ثم قفِّيت بما اختلقه المشركون من الطّعن فيه بعد تنقلات جاء فيها {أية : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} تفسير : [سورة النحل: 24]، وأتبع ذلك بتنقلات بديعة فأُعيد الكلام على القرآن وفضائله من قوله تعالى: {أية : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه} تفسير : [سورة النحل: 64] ثم قوله {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء }تفسير : [سورة النحل: 89]. وجاء في عقب ذلك بشاهد يجمع ما جاء به القرآن، وذلك آية {أية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان} تفسير : [سورة النحل: 90]، فلما استقرّ ما يقتضي تقرّر فضل القرآن في النفوس نبّه على نفاسته ويمنه بقوله: {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} تفسير : [سورة النحل: 98]، لا جرم تهيأ المقام لإبطال اختلاق آخر من اختلاقهم على القرآن اختلاقاً مموّهاً بالشبهات كاختلاقهم السابق الذي أشير إليه بقوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} تفسير : [سورة النحل: 24]. ذلك الاختلاق هو تعمّدهم التّمويه فيما يأتي من آيات القرآن مخالفاً لآيات أخرى لاختلاف المقتضي والمقام. والمغايرة باللين والشدّة، أو بالتعميم والتخصيص، ونحو ذلك مما يتبع اختلافه اختلاف المقامات واختلاف الأغراض واختلاف الأحوال التي يتعلّق بها، فيتّخذون من ظاهر ذلك دون وضعه مواضعه وحمله محاملهُ مغامز يتشدّقون بها في نواديهم، يجعلون ذلك اضطراباً من القول ويزعمونه شاهداً باقتداء قائله في إحدى المقالتين أو كلتيهما. وبعض ذلك ناشىء عن قصور مداركهم عن إدراك مرامي القرآن وسموّ معانيه، وبعضه ناشىء عن تعمّد للتجاهل تعلّقاً بظواهر الكلام يلبّسون بذلك على ضعفاء الإدراك من أتباعهم، ولذلك قال تعالى: {بل أكثرهم لا يعلمون}، أي ومنهم من يعلمون ولكنهم يكابرون. روي عن ابن عباس أنه قال: «كان إذا نزلت آية فيها شدّة ثم نزلت آية ألين منها يقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمر بأمرٍ وغداً ينهى عنه، وأنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه» اهــــ. وهذه الكلمة أحسن ما قالهُ المفسّرون في حاصل معنى هذه الآية. فالمراد من التبديل في قوله تعالى؛ {بدلنا} مطلقُ التغاير بين الأغراض والمقامات، أو التغاير في المعاني واختلافها باختلاف المقاصد والمقامات مع وضوح الجمع بين محاملها. والمراد بالآية الكلام التام من القرآن، وليس المراد علامة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أعني المعجزة بقرينة قوله تعالى: {والله أعلم بما ينزل}. فيشمل التبديلُ نسخ الأحكام مثل نسخ قوله تعالى: {أية : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} تفسير : [سورة الإسراء: 110] بقوله تعالى: {أية : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} تفسير : [سورة الحجر: 94]. وهذا قليل في القرآن الذي يقرأ على المشركين لأن نسخ الأحكام إنما كثر بعد الهجرة حين تكوّنت الجامعة الإسلامية، وأما نسخُ التلاوة فلم يرد من الآثار ما يقتضي وقوعه في مكّة فمن فسّر به الآية كما نقل عن مجاهد فهو مشكل. ويشمل التعارض بالعموم والخصوص ونحو ذلك من التعارض الذي يحمل بعضه على بعض، فيفسّر بعضه بعضاً ويؤوّل بعضه بعضاً، كقوله تعالى: {أية : والملائكة يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون لمن في الأرض} تفسير : في سورة الشورى (5) مع قوله تعالى: {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} تفسير : في سورة المؤمن (7)، فيأخذون بعموم {أية : ويستغفرون لمن في الأرض} تفسير : [سورة الشورى: 5] فيجعلونه مكذّباً لخصوص {أية : ويستغفرون للذين آمنوا} تفسير : [سورة غافر: 7] فيزعمونه إعراضاً عن أحد الأمرين إلى الأخير منهما. وكذلك قوله تعالى: {أية : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً} تفسير : [سورة المزمل: 10] يأخذون من ظاهره أنه أمر بمتاركتهم فإذا جاءت آيات بعد ذلك لدعوتهم وتهديدهم زعموا أنه انتقض كلامه وبدا له ما لم يكن يبدو له من قبل. وكذلك قوله تعالى: {أية : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} تفسير : [سورة الأحقاف: 9] مع آيات وصف عذاب المشركين وثواب المؤمنين. وكذلك قوله تعالى: {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [سورة الإسراء: 15] مع قوله تعالى: {أية : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} تفسير : [سورة النحل: 25] ومن هذا ما يبدو من تخالف بادىء الأمر كقوله بعد ذكر خلق الأرض {أية : ثم استوى إلى السماء} تفسير : في [سورة فصلت: 11] مع قوله تعالى: {أية : والأرض بعد ذلك دحاها} تفسير : من سورة النازعات (30)، فيحسبونه تناقضاً مع الغفلة عن محمل بعد ذلك من جعل (بعد) بمعنى (مع) وهو استعمال كثير، فهم يتوهّمون التناقض مع جهلهم أو تجاهلهم بالوَحَدات الثماني المقرّرة في المنطق. فالتبديل في قوله تعالى: {بدلنا} هو التعويض ببدل، أي عوض. والتعويض لا يقتضي إبطال المعوّض ــــ بفتح الواو ــــ بل يقتضي أن يجعل شيء عوضاً عن شيء. وقد يبدو للسامع أن مثل لفظ المعوّض ــــ بفتح الواو ــــ جعل عِوضاً عن مثل لفظ العوض ــــ بالكسر ــــ في آيات مختلفة باختلاف الأغراض من تبشير وإنذار، أو ترغيب وترهيب، أو إجمال وبيان، فيجعله الطاعنون اضطراباً لأن مثله قد كان بُدل ولا يتأملون في اختلاف الأغراض. وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى: {أية : ائت بقرآن غيرِ هذا أو بدّله} تفسير : في سورة يونس (15). و{مكان آية} منصوب على الظرفية المكانية بأن تأتي آية في الدعوة والخطاب في مكان آية أخرى أتت في مثل تلك الدعوة، فالمكان هنا مكان مجازي، وهو حالة الكلام والخطاب، كما يسمّى ذلك مقاماً، فيقال: هذا مقام الغضب، فلا تأت فيه بالمزح. وليس المرَاد مكانَها من ألواح المُصْحَف ولا بإبدالها مَحوُها منه. وجملة {والله أعلم بما ينزل} معترضة بين شرط {إذا} وجوابها. والمقصود منها تعليم المسلمين لا الردّ على المشركين، لأنهم لو علموا أن الله هو المنزل للقرآن لارتفع البهتان. والمعنى: أنه أعلم بما ينزل من آية بدل آية، فهو أعلم بمكان الأولى ومكان الثانية ومحملِ كلتيهما، وكل عنده بمقدار وعلى اعتبار. وقرأ الجمهور {بما ينزل} ــــ بفتح النون وتشديد الزاي ــــ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ــــ بسكون النون وتخفيف الزاي ــــ. وحكاية طعنهم في النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة قصر الموصوف على الصّفة، فجعلوه لا صفة له إلا الافتراء، وهو قصر إضافي، أي لستَ بمرسل من الله. وهذا من مجازفتهم وسرعتهم في الحكم الجائر فلم يقتصروا على أن تبديله افتراء بل جعلوا الرسول مقصوراً على كونه مفترياً لإفادة أن القرآن الوارد مقصور على كونه افتراء. وأصل الافتراء: الاختراع، وغَلَب على اختراع الخبر، أي اختلاقه، فساوَى الكذب في المعنى، ولذلك قد يطلق وحده كما هنا، وقد يطلق مقترناً بالكذب كقوله الآتي: {أية : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون} تفسير : [سورة النحل: 105] إرجاعاً به إلى أصل الاختراع فيجعل له مفعول هو آيل إلى معناه فصار في معنى المفعول المطلق. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب}تفسير : في [سورة العقود: 103]. و{بل} للإضراب الإبطالي على كلامهم، وهو من طريقة النقض الإجمالي في علم المناظرة. وضمير {أكثرهم} للذين قالوا إنما أنت مفتر، أي ليس كما قالوا ولكن أكثر القائلين ذلك لا يعلمون، أي لا يفهمون وضع الكلام مواضعه وحَمله محامله. وفهم من الحكم على أكثرهم بعدم العلم أن قليلاً منهم يعلمون أن ذلك ليس افتراء ولكنهم يقولون ذلك تلبيساً وبهتاناً ولا يعلمون أن التّنزيل من عند الله لا ينافي إبطال بعض الأحكام إذا اختلفت المصالح أو روعي الرّفق. ويجوز حمل لفظ أكثر على إرادة جميعهم كما تقدّم في هذه السورة.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه إذا بدل آية مكان آية، بأن نسخ آية أو أنساها، وأتى بخير منها أو مثلها - أن الكفار يجعلون ذلك سبباً للطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم. بادعاء أنه كاذب على الله، مفتر عليه, زعماً منهم أن نسخ الآية بالآية يلزمه البداء، وهو الرأي المجدد، وأن ذلك مستحيل على الله. فيفهم عندهم من ذلك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مفتر على الله، زاعمين أنه لو كان من الله لأقره وأثبته، ولم يطرأ له فيه رأي متجدد حتى ينسخه. والدليل على أن قوله: {بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} معناه: نسخنا آية وأنسيناها - قوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} تفسير : [البقرة: 106]، وقوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأعلى: 6-7] أي أن تنساه. والدليل على أنه إن نسخ آية أو أنساها، لا بد أن يأتي ببدل خير منها أو مثلها - قوله تعالى: {أية : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} تفسير : [البقرة: 106]، وقوله هنا {بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ}. وما زعمه المشركون واليهود: من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء، وهو الرأي المتجدد - ظاهر السقوط، واضح البطلان لكل عاقل. لأن النسخ لا يلزمه البداء ألبتة، بل الله جل وعلا يشرِّع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة. فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة. كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء، لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له، على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح. وقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} وقوله: {أية : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 106]، وقوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6-7] فقوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} بعد قوله:{إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} يدل عى أنه أعلم بما ينزل. فهو عالم بمصلحة الإنساء، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى - لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ عقلاً وشرعاً، ولا في وقوعه فعلاً، ومن ذكر عنه خلاف في ذلك كأبي مسلم الأصفهاني - فإنه إنما يعني أن النسخ تخصيص لزمن الحكم بالخطاب الجديد. لأن ظاهر الخطاب الأول استمرار الحكم في جميع الزمن. والخطاب الثاني دلَّ على تخصيص الحكم الأول بالزمن الذي قبل النسخ. فليس النسخ عنده رفعاً للحكم الأول. وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله في تعريف النسخ: شعر : رفع لحكم أو بيان الزمن بمحكم القرآن أو بالسنن تفسير : وإنما خالف فيه اليهود وبعض المشركين، زاعمين أنه يلزمه البداء كما بينا. ومن هنا قالت اليهود: إن شريعة موسى يستحيل نسخها. المسألة الثانية - لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنة. لأن الله جلَّ وعلا يقول: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [يونس: 15] - وبه تعلم أن النسخ بمجرد العقل ممنوع، وكذلك لا نسخ بالإجماع. لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم: لأنه ما دام حياً فالعبرة بقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، ولا حجة معه في قول الأمة، لأن اتِّباعه فرض على كل أحد ولذا لا بد في تعريف الإجماع من التقييد بكونه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما قال صاحب المراقي في تعريف الإجماع: شعر : وهو الاتفاق من مجتهدي الأمة من بعد وفاة أحمد تفسير : وبعد وفاته ينقطع النسخ. لأنه تشريع، ولا تشريع ألبتة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وإلى كون العقل والإجماع لا يصح النسخ بمجردهما - أشار في مراقي السعود أيضاً بقوله في النسخ: شعر : فلم يكن بالعقل أو مجرد الإجماع بل ينمى إلى المستند تفسير : وقوله "بل ينمى إلى المستند" يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أن نصاً منسوخ بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع، لا بنفس الإجماع. لما ذكرنا من منع النسخ به شرعاً. وكذلك لا يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق، وإليه أشار في المراقي بقوله: شعر : ومنع نسخ النص بالقياس هو الذي ارتضاه جل الناس تفسير : أى وهو الحق. المسألة الثالثة - اعلم أن ما يقوله بعض أهل الأصول من المالكية والشافعية وغيرهم: من جواز النسخ بلا بدل، وعزاه غير واحد للجمهور، وعليه درج في المراقي بقوله: شعر : وينسخ الخف بما له ثقل وقد يجيء عاريا من البدل تفسير : أنه باطل بلا شك. والعجب ممن قال به العلماء الأجلاء مع كثرتهم، مع أنه مخالف مخالفة صريحة لقوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}تفسير : [البقرة: 106] فلا كلام ألبتة لأحد بعد كلام الله تعالى: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}تفسير : [النساء: 122]، {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً}تفسير : [النساء: 87]، {أية : أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 140] فقد ربط جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين النسخ، وبين الإتيان ببدل المنسوخ على سبيل الشرط والجزاء. ومعلوم أن الصدق والكذب في الشرطية يتواردان على الربط. فيلزم أنه كلما وقع النسخ وقع الإتيان بخير من المنسوخ أو مثله كما هو ظاهر. وما زعمه بعض أهل العلم من أن النسخ وقع في القرآن بلا بدل وذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}تفسير : [المجادلة: 12] فإنه نسخ بقوله: {أية : أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ }تفسير : [المجادلة: 13] الآية، ولا بدل لهذا المنسوخ. فالجواب - أن له بدلاً، وهو أن وجوب تقديم الصدقة أمام المناجاة لما نسخ بقي استحباب الصدقة وندبها، بدلاً من الوجوب المنسوخ كما هو ظاهر. المسألة الرابعة - اعلم أنه يجوز نسخ الأخف بالأثقل، والأثقل بالأخف. فمثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المنصوص عليه في قوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}تفسير : [البقرة: 184] بأثقل منه، وهو تعيين إيجاب الصوم في قوله: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}تفسير : [البقرة: 185]. ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ}تفسير : [النساء: 15] الآية، بأثقل منه وهو الجلد والرجم المنصوص على الأول منهما في قوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}تفسير : [النور: 2]، وعلى الثاني منهما بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ثابتاً، وهي قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" ومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ }تفسير : [الأنفال: 65] الآية، بأخف منه وهو مصابرة المسلم اثنين منهم المنصوص عليه في قوله: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}تفسير : [الأنفال: 66] الآية. وكنسخ قوله تعالى: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 284] الآية، بقوله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286]. فإنه نسخ للأثقل بالأخف كما هو ظاهر. وكنسخ اعتداد المتوفى عنها بحول، المنصوص عليه في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ}تفسير : [البقرة: 240] الآية، بأخف منه هو الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، المنصوص عليه في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}تفسير : [البقرة: 234]. تنبيه اعلم- أن في قوله جل وعلا: {أية : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}تفسير : [البقرة: 106] إشكالاً من جهتين: الأولى - أن يقال: إما أن يكون الأثقل خيراً من الأخف. لأنه أكثر أجراً، أو الأخف خير من الأثقل لأنه أسهل منه، وأقرب إلى القدرة على الامتثال. وكون الأثقل خيراً يقتضي منع نسخه بالأخف، كما أن كون الأخف خيراً يقتضي منع نسخه بالأثقل. لأن الله صرح بأنه يأتي بما هو خير من المنسوخ أو مماثل له، لا ما هو دونه. وقد عرفت: أن الواقع جواز نسخ كل منهما بالآخر. الجهة الثانية من جهتي الإشكال في قوله {أَوْ مِثْلِهَا} لأنه يقال: ما الحكمة في نسخ المثل ليبدل منه مثله؟ وأي مزية للمثل على المثل حتى ينسخ ويبدل منه؟ والجواب عن الإشكال الأول - هو أن الخيرية تارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر، وذلك فيما إذا كان الأجر كثيراً جداً والامتثال غير شديد الصعوبة، كنسخ التخيير بين الإطعام والصوم بإيجاب الصوم. فإن في الصوم أجراً كثيراً كما في الحديث القدسي"حديث : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"تفسير : ، والصائمون من خيار الصابرين. لأنهم صبروا لله عن شهوة بطونهم وفروجهم. والله يقول: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10] ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنة لعدم القدرة على الامتثال، وإن عرض ما يقتضي ذلك كمرض أو سفر. فالتسهيل برخصة الإفطار منصوص بقوله {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}تفسير : [البقرة: 184]. وتارة تكون الخيرية في الأخف، وذلك فيما إذا كان الأثقل المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال. فإن الأخف يكون خيراً منه، لأن مظنة عدم الامتثال تعرض المكلف للوقوع فيما لا يرضي الله، وذلك كقوله: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 284] فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعباً جداً، شاقاً على النفوس، لا يكاد يسلم من الإخلال به، إلى من سلمه الله تعالى - فلا شك أن نسخ ذلك بقوله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286] خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق، وهكذا. والجواب عن الإشكال الثاني - هو أن قوله {أية : أَوْ مِثْلِهَا}تفسير : [البقرة: 106] يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما. فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون بها خيراً من المنسوخ، فيكون باعتبار ذاته مماثلاً للمنسوخ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لاتوجد في المنسوخ خيراً من المنسوخ. وإيضاحه - أن عامة المفسرين يمثلون لقوله {أَوْ مِثْلِهَا} بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام. فإن هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتيهما متماثلان. لأن كل واحد منهما جهة من الجهات، وهي في حقيقة أنفسها متساوية، فلا ينافي أن يكون الناسخ مشتملاً على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيراً من المنسوخ بذلك الاعتبار. فإن استقبال بيت الله الحرام تلزمه نتائج متعددة مشار لها في القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس، منها - أنه يسقط به احتجاج كفار مكة على النَّبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: تزعم أنك على ملة إبراهيم ولا تستقبل قبلته! وتسقط به حجة اليهود بقولهم: تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا، وقبلتنا من ديننا! وتسقط به أيضاً حجة علماء اليهود فإنهم عندهم في التوراة: أنه صلى الله عليه وسلم سوف يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يؤمر بالتحول عنه إلى استقبال بيت الله الحرام. فلو لم يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنه سيحول إلى بيت الله الحرام، والفرض أنه لم يحول. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدخاص هذه الحجج الباطلة بقوله: {أية : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 150] ثم بين الحكمة بقوله: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ }تفسير : [البقرة: 150] الآية. وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته صلى الله عليه وسلم إلى حب التحويل إلى بيت الله الحرام المشار إليه في قوله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 144] الآية. المسألة الخامسة - اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام: الأول - نسخ التلاوة والحكم معاً، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن.. " الحديث. فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعاً. الثاني - نسخ التلاوة وبقاء الحكم، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفاً، وأية خمس رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما. الثالث - نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ. كآية المصابرة، والعدة، والتخيير بين الصوم والإطعام، وحبس الزواني. كما ذكرنا ذلك كله آنفاً. المسألة السادسة - اعلم انه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة. بمتواتر السنة واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه، وفي نسخ المتواتر بأخبار الآحاد. وخلافهم في هذه المسائل معروف. وممن قال: بأن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة الشافعي رحمه الله. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - هو أن الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر. لأن الجميع وحي من الله تعالى. فمثال نسخ السنة بالكتاب: نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام. فإن استقبال بيت المقدس أولاً إنما وقع بالسنة لا بالقرآن، وقد نسخه الله بالقرآن في قوله: {أية : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}تفسير : [البقرة: 144] الآية. ومثال نسخ الكتاب بالسنة: نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكماً بالسنة المتواترة. ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكماً بالسنة المتواترة. وسورة الخلع وسورة الحفد: هما القنوت في الصبح عند المالكية. وقد أوضح صاحب (الدر المنثور) وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من كتاب الله ثم نسختا. وقد قدمنا (في سورة الأنعام) أن الذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه، وأنه لا معارضة بينهما. لأن المتواتر حق، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئاً جديداً لم يكن موجوداً قبل، فلا معارضة بينهما ألبتة لاختلاف زمنهما. فقوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً}تفسير : [الأنعام: 145] الآية. يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم الحمر الأهلية. لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك. فإذا صرح النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح "بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة" فلا معارضة ألبتة بين ذلك الحديث الصحيح وبين تلك الآية النازلة قبله بسنين. لأن الحديث دل على تحريم جديد، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح. فالتحقيق إن شاء الله - هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين، ودرج على خلافه وفاقا لجمهور صاحب المراقي بقوله: شعر : والنسخ بالآحاد للكتاب ليس بواقع على الصواب تفسير : ومن هنا تعلم - أنه لا دليل على بطلان قول من قال: إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث "حديث : لا وصية لوارث"تفسير : . والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة - اعلم أن التحقيق هو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل. فإن قيل: ما الفائدة في تشريع الحكم أولاً إذا كان سينسخ قبل التمكن من فعله؟ فالجواب - أن الحكمة ابتلاء المكلفين بالعزم على الامتثال. ويوضح هذا -أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ولده، وقد نسخ عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل. وبين أن الحكمة في ذلك: الابتلاء بقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }تفسير : [الصافات: 106-107] ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل: نسخ خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة، كما هو معروف. وقد أشار إلى هذه المسألة في مراقي السعود بقوله: شعر : والنسخ من قبل وقوع الفعل جاء وقوعاً في صحيح النقل تفسير : المسألة الثامنة - اعلم أن التحقيق: أنه ما كل زيادة على النص تكون نسخاً، وإن خالف في ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله. بل الزيادة على النص قسمان: قسم مخالف النص المذكور قبله، وهذه الزيادة تكون نسخاً على التحقيق. كزيادة تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع مثلاً، على المحرمات الأربعة المذكورة في آية: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}تفسير : [الأنعام: 145] الاية. لأن الحمر الأهلية ونحوها لم يسكت عن حكمه في الآية، بل مقتضى الحصر بالنفي والإثبات في قوله: {أية : لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً}تفسير : [الأنعام: 145] الآية - صريح في إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها. فكون زيادة تحريمها نسخاً أمر ظاهر. وقسم لا تكون الزيادة فيه مخالفة للنص، بل تكون زيادة شيء سكت عنه النص الأول، وهذا لا يكون نسخاً، بل بيان حكم شيء كان مسكوتاً عنه. كتغريب الزاني البكر، وكالحكم بالشاهد، واليمين في الأموال. فإن القرآن في الأول أوجب الجلد وسكت عما سواه، فزاد النَّبي حكماً كان مسكوتاً عنه، وهو التغريب. كما أن القرآن في الثاني فيه {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ}تفسير : [البقرة: 282] الآية. وسكت عن حكم الشاهد واليمين، فزاد النَّبي صلى الله عليه وسلم حكماً مسكوتاً عنه. وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : وليس نسخاً كل ما أفادا فيما رسا بالنص إلا ازديادا تفسير : وقد قدمنا (في الأنعام) في الكلام على قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} الآية.

القطان

تفسير : واذا بدلنا آية مكان آية: غيرنا ونسخنا مكانها آية. روح القدس: جبريل. يلحدون اليه: يميلون اليه. الأعجمي: من كان غير عربي. {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. واذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية اخرى (والله اعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل، وهذا دليل على مرونة الشرع الاسلامي، فقد تستدعي الحكمة والمصلحة ان يشرع الله حكما لعباده لامد معين، فيفعل، حتى اذا انتهى الامد واقتضت المصلحة التغيير شرع غيره مكانه) قال المشركون انما انت متقوِّل على الله تأمر بشيء ثم تنهى عنه، وان اكثرهم جاهلون لا يعلمون الحقائق. ثم بين الله لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ، الزاعمين ان ذلك لم يكن من عند الله وان رسول الله قد افتراه فقال: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} وهذا رد واضح من الله تعالى بانه هو الذي انزل هذا القرآن من عنده تثبيتا للمؤمنين وليكون هاديا للناس الى الصواب ومبشرا بالنعيم المقيم للمسلمين. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}. وإنا لنلعم ان هؤلاء المشركين يقولون افتراء، ان رجلا من البشر يعلم محمدا هذا الذي يتلوه عليكم. وهذا الذي يزعمون هو عبد رومي كان يقرأ التوراة بلغة اعجمية. فلسان الذي يقولون عنه أعجمي لا يفصح، والقرآن لسان عربي مبين واضح، تحداكم به اكثر من مرة، ولم تستطيعوا ان تأتوا بآية من مثله. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "يلحدون" بفتح الياء والحاء. والباقون "يحلدون" بضم الياء وكسر الحاء، وهما لغتان: لحد، وألحد. ثم توعدهم الله على ما قالوا بالعقاب في الدنيا والآخرة فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ان الذين اصروا على كفرهم ولم يؤمنوا بأن هذه الآيات من عند الله لا يهديهم الله، وفي الآخرة لهم عذاب اليم، ولا يفترى الكذب على الله الا الذين كفروا وجحدوا الوهيته واولئك وحدهم هم الكاذبون.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةً} (101) - وَإِذَا نَسَخْنَا حُكْمَ آيَةٍ فَأَبْدَلْنَا مَكَانَهُ حُكْمَ آيَةٍ أُخْرَى، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالذِي هُوَ أَصْلَحُ لِخَلْقِهِ، فِيمَا يُبْدِّلُ مِنْ أَحْكَامٍ، قَالَ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ مُتَقَوِّلٌ عَلَى اللهِ، تَأْمُرُ بِشَيءٍ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَنْهَى عَنْهُ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّبْدِيلِ مِنْ حِكَمٍ بَالِغَةٍ. وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ يَعْلَمُونَ ذلِكَ وَيُنْكِرُونَ الفَائِدَةَ عِنَاداً وَاسْتِكْبَاراً.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكماً آخر، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} فيما يغيّر ويبدل أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما عدّل من أحكامه {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ} يا محمّد {مُفْتَرٍ} وذلك أن المشركين قالوا: إن محمداً يسجد بأصحابه يأمرهم اليوم ويأمّرهم غداً ويأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه. قال الله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} حقيقة القرآن وبيان الناسخ والمنسوخ من الأحكام {قُلْ نَزَّلَهُ} يعني القرآن {رُوحُ ٱلْقُدُسِ} جبرئيل {مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تثبيتاً للمؤمنين وتقوية لإيمانهم [......] تصديقاً ويقيناً {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} آدمي وما هو من عند الله، واختلف العلماء في هذا البشر من هو: قال ابن عبّاس: كان قيناً بمكة اسمه بلعام وكان نصرانياً يسمى اللسان وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج منه فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عكرمة وقتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرّي غلاماً لبني المغيرة يقال له يعيش وكان يقرأ الكتب، [فقالوا]: إنما يعلمه يعيش فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلّم محمّد عن مملوك كان لحويطب بن عبد العزى وكان قد أسلم فحسن إسلامه وكان أعجمي فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني، يقال له: خير، عبد لبعض بني الحضرمي وكان يقرأ الكتب. وقال المشركون: والله ما يعلم محمداً كثيراً ما يأتي به إلاّ خير النصراني، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال طلحة بن عمر: بلغني أن خديجة رضي الله عنها كانت تختلف إلى خير فكانت قريش تقول: إن عبد بني الحضرمي يعلّم خديجة وخديجة، تعلّم محمّداً فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال عبيد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا عبدان من أهل [عين التمر] يقال لأحدهما يسار وللآخر خير، وكانا يصنعان السيوف بمكة وكانا يقرآن بالتوراة والإنجيل، فربما مرَّ بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن فيقف فيسمع. وقال الضحاك: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقصد إليهما فيستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمّد منهما، فنزلت هذه الآية. وقال السدي: كان بمكة رجل نصراني يقال له ابن يسرة يتكلّم بالرومي، فربما يقعد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الكفار: إنما يتعلم محمّد منه، فنزلت هذه الآية. وروى علي بن الحكم وعبيد بن سليمان عن الضحاك: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} قال: كانوا يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي، وهذا قول غير مرضي؛ لأن سلمان إنما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهذه الآية مكية. قال الله تكذيباً لهم [وإلزاماً] للحجة عليهم: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} أي يميلون إليه ويشيرون إليه. وخص الكسائي هذا الحرف من بين سائره فقرأ بفتح الياء والحاء؛ لأنه كان يحدّثه عن سفيان عن أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله كذلك. {أَعْجَمِيٌّ} والفرق بين الأعجمي والعجمي، والعربي والإعرابي: أن الأعجمي لا يفصح وأنه كان نازلاً بالبادية والعجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً. والإعرابي: البدوي، والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن فصيحاً. {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} فصيح، وأراد باللسان القرآن؛ لأن العرب تقول للقصيدة واللغة: لسان، كقول الشاعر: شعر : لسان السوء تهديها إلينا وحنت ما حسبتك أن تحينا تفسير : يعني باللسان القصيدة والكلمة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثمّ إن الله تعالى بعدما أخبر عن إغراء المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نسبوه إليه من الافتراء على الله وتبين أنهم المفترون دونه، فقال عز من قائل: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} لا محمدا. روى يعلي بن الأشدق حديث : عن عبد الله بن حماد قال: قلت يارسول الله المؤمن يزني؟ قال: "يكون ذلك". قال: قلت: يارسول الله المؤمن يسرق؟ قال: "قد يكون ذلك". قال: قلت: يارسول الله المؤمن يكذب؟ قال: "لا، قال الله {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}" . تفسير : وروى [سهيل] بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر يقول: إيّاكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان. {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} إختلف النحاة في العامل في (من) في قوله (من كفر) ومن يؤله ولكن من شرح بالكفر صدراً. فقال نحاة الكوفة: جوابهما جميعاً في قوله: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} إنمّا هذان جزءان إن إجتمعا أحدهما منعقد بالآخر فجوابهما واحد، كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى من يحسن ممن يأتينا نكرمه. وقال أهل البصرة: بل قوله (من كفر) مرفوع بالرد على الذي في قوله {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} ومعنى الكلام: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، ثمّ استثنى فقال {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ}. قال ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في عمار وذلك، أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأُمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قلبها بحربة، وقيل: لما أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الاسلام رحمة الله ورضوانه عليهما، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً. قال قتادة: حديث : أخذ بنو المغيرة عماراً وغطوه في بئر مصون وقالوا له: أكفر بمحمد [ولم يتعمد] ذلك وقلبه كان مطمئناً فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عماراً كفر. فقال: "كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه وإختلط الايمان بلحمه ودمه". فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، وقال: "مالك إن عادوا لك فعدلهم بما قلت" . تفسير : فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمّد: إن هاجروا إلينا فإنا [لا نرى أنكم] منّا حتّى تهاجروا الينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركهم قريش بالطريق ففتنوهم فكفروا كارهين. وروى ابن عون عن محمّد بن سيرين قال: تحدثنا أن هذه الآية نزلت في شأن عياش بن أبي ربيعة، وكان عياش من المهاجرين الأولين [وألجأ يضربه] أن يكون بلغ مابلغ أصحابه هذه [الفعلة] وكان قدم مهاجراً وكان براً بأُمه، فحلفت أن لا تأكل خبزاً ولا تستظل بظل حتّى يرجع إليها إبنها قال: فقدم عليه أبو جهل وكان أخاه لأُمه ورجل آخر فأراد أن يرجع معه فقال له أبو جهل: أُمك [لو قد جاعت ما أكلت ولو قد شمست] ما أستظلت، فقال ابنها: بلى القاها ثمّ أرجع. فقال: أما إذا أتيت فلا [تعطين راحلتك] أحداً، فإنه لا يزال لك من أمرك النصف ما لم تعط راحلتك أحداً فإنطلق هو وأبو جهل والرجل، فلما كانوا ببعض الطريق قال أبو جهل: لو تحوّل كل واحد منا على راحلة صاحبه فتحول كل واحد منهم على راحلة صاحبه فساروا. وضربه أبو جهل بالسوط على رأسه وحلّفه باللات والعزى فلم يزل به حتّى أعطاه الذي أراد بلسانه، ثمّ انطلق فرجع، وفيه نزلت هذه الآية {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ}. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في جبر مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيّده على الكفر فكفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالايمان، وأسلم مولى جبر وحسُن إسلامه وهاجر خير مع سيده. {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} أي فتح صدراً وكفر بالقبول وأتى على اختيار واستحباب {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وفي هذه الآية دليل على أن حقيقة الايمان والكفر تتعلق بالقلب دون اللسان وأن اللسان هو المعبّر والترجمان. حكم الآية إتفق الفقهاء على أن المكره على الكفر، وعلى شتم الرسول صلى الله عليه وسلم والأصحاب وترك الصلاة وقذف المحصنة وما أشبهها من ترك الطاعات وارتكاب الشبهات بوعيد متلف أو ضرب شديد لا يحتمله إن له أن يفعل ما أكره عليه، وإن أبى ذلك حتى يغضب في الله فهو أفضل له. وأما الإكراه على الطلاق فاختلفوا فيه: فأجاز أهل العراق الطلاق المكره، وكذلك قالوا في الاكراه على النذور والايمان [والرجعة] ونحوها، رأوا ذلك [جائزاً] ورووا في ذلك أحاديثاً واهية الأسانيد. وأما مالك والأوزاعي والشافعي: فإنهم أبطلوا طلاق المكره وقالوا: لما وجدنا الله سبحانه وتعالى عذر المكره على شيء، ليس [وراءه] في الشر مذهب وهو الكفر ولم يحكم به مع الإكراه، علمنا أن ما دونه أولى بالبطول وأجرى في العذر. وهو قول عمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والقاسم بن مخيمرة وعبيد بن عمير، وللشافعي في هذه المقالة مذهب ثالث: وهو أنه أجاز طلاق المكره إذا كان الإكراه من السلطان، ولم يجوّز ذلك إذا كان الاكراه من غير السلطان.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {بَدَّلْنَآ} ومنها: أبدلت واستبدلْتُ، أي: رفعتُ آية وطرحتُها. وجئت بأخرى بدلاً منها، وقد تدخل الباء على الشيء المتروك، كما في قوله تعالى: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ..} تفسير : [البقرة: 61]. أي: تتركون ما هو خير، وتستبدلون به ما هو أدنى. وما معنى الآية؟ كلمة آية لها مَعَانٍ متعددة منها: - الشيء العجيب الذي يُلفت الأنظار، ويُبهر العقول، كما نقول: هذا آية في الجمال، أو في الشجاعة، أو في الذكاء، أي: وصل فيه إلى حَدٍّ يدعو إلى التعجُّب والانبهار. - ومنها الآيات الكونية، حينما تتأمل في كون الله من حولك تجد آياتٍ تدلُّ على إبداع الخالق سبحانه وعجيب صنعته، وتجد تناسقاً وانسجاماً بين هذه الآيات الكونية. يقول تعالى عن هذا النوع من الآيات: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [فصلت: 37]. {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الشورى: 32]. ونلاحظ أن هذه الآيات الكونية ثابتة دائمة لا تتبدّل، كما قال الحق تبارك وتعالى: {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ..} تفسير : [الفتح: 23]. ـ ومن معاني الآية: المعجزة، وهي الأمر العجيب الخارق للعادة، وتأتي المعجزة على أيدي الأنبياء لتكون حُجّة لهم، ودليلاً على صدق ما جاءوا به من عند الله. ونلاحظ في هذا النوع من الآيات أنه يتبدّل ويتغيّر من نبي لآخر؛ لأن المعجزة لا يكون لها أثرها إلا إذا كان في شيء نبغ فيه القوم؛ لأن هذا هو مجال الإعجاز، فلو أتيناهم بمعجزة في مجال لا عِلْمَ لهم به لقالوا: لو أن لنا عِلْماً بهذا لأتيْنا بمثله؛ لذلك تأتي المعجزة فيما نبغُوا فيه، وعَلموه جيداً حتى اشتهروا به. فلما نبغَ قوم موسى عليه السلام في السحر كانت معجزته من نوع السحر الذي يتحدى سحرهم، فلما جاء عيسى - عليه السلام - ونبغ قومه في الطب والحكمة كانت معجزته من نفس النوع، فكان - عليه السلام - يبرىء الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله. فلما بُعِث محمد صلى الله عليه وسلم، ونبغ قومه في البلاغة والفصاحة والبيان، وكانوا يقيمون لها الأسواق، ويُعلّقون قصائدهم على أستار الكعبة اعتزازاً بها، فكان لا بُدَّ أنْ يتحدّاهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وهي القرآن الكريم، وهكذا تتبدّل المعجزات لتناسب كُلٌّ منها حال القوم، وتتحدّاهم بما اشتهروا به، لتكون أَدْعى للتصديق وأثبت للحجة. - ومن معاني كلمة آية: آيات القرآن الكريم التي نُسميّها حاملة الأحكام، فإذا كانت الآية هي الأمر العجيب، فما وجه العجب في آيات القرآن؟ وجه العجب في آيات القرآن أن تجدَ هذه الآيات في أُمّة أُمية، وأُنزِلتْ على نبي أُميٍّ في قوم من البدو الرُّحل الذين لا يجيدون شيئاً غير صناعة القول والكلام الفصيح، ثم تجد هذه الآيات تحمل من القوانين والأحكام والآداب ما يُرهب أقوى حضارتين معاصرتين، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الرومان في الغرب، فنراهم يتطلّعون للإسلام، ويبتغون في أحكامه ما ينقذهم، أليس هذا عجيباً؟ وهذا النوع الأخير من الآيات التي هي آيات الكتاب الكريم، والتي نُسمّيها حاملة الأحكام، هل تتبدّل هي الأخرى كسابقتها؟ نقول: آيات الكتاب لا تتبدّل؛ لأن أحكام الله المطلوبة مِمَّن عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأحكام المطلوبة مِمَّنْ تقوم عليه الساعة. وقد سُبق الإسلام باليهودية والمسيحية، فعندنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. اعترض على ذلك اليهود وقالوا: ما بال محمد لا يثبتُ على حال، فيأمر بالشيء اليوم، ويأمر بخلافه غداً، فإنْ كان البيت الصحيح هو الكعبة فصلاتكم لبيت المقدس باطلة، وإنْ كان بيت المقدس هو الصحيح، فصلاتكم للكعبة باطلة. لذلك قال الحق تبارك وتعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ..} [النحل: 101]. فالمراد بقوله الحق سبحانه: {آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ..} [النحل: 101]. أي: جِئْنا بآية تدلُّ على حكم يخالف ما جاء في التوراة، فقد كان استقبال الكعبة في القرآن بدل استقبال بيت المقدس في التوراة. وقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ..} [النحل: 101]. أي: يُنزل كل آية حَسْب ظروفها: أمةً وبيئةً ومكاناً وزماناً. وقوله: {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ..} [النحل: 101]. أي: اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب المتعمد، وأن هذا التحويل من عنده، وليس وَحْياً من الله تعالى؛ لأن أحكام الله لا تتناقض. ونقول: نعم أحكام الله سبحانه وتعالى لا تتناقض في الدين الواحد، أما إذا اختلفتْ الأديان فلا مانعَ من اختلاف الأحكام. إذن: فآيات القرآن الكريم لا تتبدّل، ولكن يحدث فيها نَسْخ، كما قال الحق تبارك وتعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ..} تفسير : [البقرة: 106]. وإليك أمثلة للنسْخ في القرآن الكريم: حينما قال الحق سبحانه: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ..} تفسير : [التغابن: 16]. جعل الاستطاعة ميزاناً للعمل، فالمشرّع سبحانه حين يرى أن الاستطاعةَ لا تكفي يُخفّف عنَّا الحكم، حتى لا يُكلِّفنا فوق طاقتنا، كما في صيام المريض والمسافر مثلاً، وقد قال تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286]. وقال: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} تفسير : [الطلاق: 7]. فليس لنا بعد ذلك أنْ نلويَ الآيات ونقول: إن الحكم الفلاني لم تَعُدْ النفس تُطيقه ولم يَعُد في وُسْعنا، فالحق سبحانه هو الذي يعلم الوُسْع ويُكلّف على قَدْره، فإنْ كان قد كلّف فقد علم الوُسْع، بدليل أنه سبحانه إذا وجد مشقة خفَّف عنكم من تلقاء نفسه سبحانه، كما قال تعالى: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ..} تفسير : [الأنفال: 66]. ففي بداية الإسلام حيث شجاعة المسلمين وقوتهم، قال تعالى: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ..}تفسير : [الأنفال: 65]. أي: نسبة واحد إلى عشرة، فحينما علم الحق سبحانه فيهم ضَعْفاً، قال: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ..} تفسير : [الأنفال: 66]. أي: نسبة واحد إلى اثنين. فالله تعالى هو الذي يعلم حقيقة وُسْعنا، ويُكلِّفنا بما نقدر عليه، ويُخفِّف عَنَّا عند الحاجة إلى التخفيف، فلا يصح أنْ نُقحِم أنفسنا في هذه القضية، ونُقدّر نحن الوُسْع بأهوائنا. ومن أمثلة النسخ أن العرب كانوا قديماً لا يعطون الآباء شيئاً من المال على اعتبار أن الوالد مُنْته ذاهب، ويجعلون الحظ كله للأبناء على اعتبار أنهم المقبلون على الحياة. وحينما أراد الحق سبحانه أن يجعل نصيباً للوالدين جعلها وصية فقال: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ..}تفسير : [البقرة: 180]. فلما استقر الإيمان في النفوس جعلها ميراثاً ثابتاً، وغَيَّر الحكم من الوصية إلى خير منها وهو الميراث، فقال تعالى: {أية : وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ..} تفسير : [النساء: 11]. إذن: الحق تبارك وتعالى حينما يُغيّر آية ينسخها بأفضل منها. وهذا واضح في تحريم الخمر مثلاً، حيث نرى هذا التدريج المحكم الذي يراعي طبيعة النفس البشرية، وأن هذا الأمر من العادات التي تمكَّنَتْ من النفوس، ولا بُدَّ لها من هذا التدرُّج، فهذا ليس أمراً عَقَدياً يحتاج إلى حُكْم قاطع لا جدال فيه. فانظر إلى هذا التدريج في تحريم الخمر: قال تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} تفسير : [النحل: 67]. أهل التذوق والفهم عن الله حينما سمعوا هذه الآية قالوا: لقد بيَّت الله للخمر أمراً في هذه الآية؛ ذلك لأنه وصف الرزق بأنه حَسَن، وسكت عن السَّكَر فلم يصفه بالحُسْن، فدلَّ ذلك على أن الخمر سيأتي فيه كلام فيما بعد. وحينما سُئِل صلى الله عليه وسلم عن الخمر رَدَّ القرآن عليهم: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..} تفسير : [البقرة: 219]. جاء هذا على سبيل النصح والإرشاد، لا على سبيل الحكم والتشريع، فعلى كل مؤمن يثق بكلام ربه أن يرى له مَخْرجاً من أَسرْ هذه العادة السيئة. ثم لُوحِظ أن بعض الناس يُصلي وهو مخمور، حتى قال بعضهم في صلاته: أعبد ما تعبدون، فجاء الحكم: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ..} تفسير : [النساء: 43]. ومقتضى هذا الحكم أنْ يصرفهم عن الخمر معظم الوقت، فلا تتأتى لهم الصلاة دون سُكْر إلا إذا امتنعوا عنها قبل الصلاة بوقت كافٍ، وهكذا عوَّدهم على تركها معظم الوقت، كما يحدث الآن مع الطبيب الذي يعالج مريضه من التدخين مثلاً، فينصحه بتقليل الكمية تدريجياً حتى يتمكَّن من التغلب على هذه العادة. وبذلك وصل الشارع الحكيم سبحانه بالنفوس إلى مرحلة ألفَتْ فيها تَرْك الخمر، وبدأت تنصرف عنها، وأصبحت النفوس مُهيّئة لتقبُّل التحريم المطلق، فقال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ ..} تفسير : [المائدة: 90]. إذن: الحق سبحانه وتعالى نسخ آية وحُكْماً بما هو أحسن منه. والعجيب أنْ نرى من علمائنا مَنْ يتعصّب للقرآن، فلا يقبل القول بالنسخ فيه، كيف والقرآن نفسه يقول: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ..} تفسير : [البقرة: 106]. قالوا: لأن هناك شيئاً يُسمَّى البداء .. ففي النسخ كأن الله تعالى أعطى حُكْماً ثم تبيّن له خطؤه، فعدل عنه إلى حُكْم آخر. ونقول لهؤلاء: لقد جانبكم الصواب في هذا القول، فمعنى النسخ إعلان انتهاء الحكم السابق بحكم جديد أفضل منه، وبهذا المعنى يقع النسخ في القرآن الكريم. ومنهم مَنْ يقف عند قوه الحق تبارك وتعالى: {أية : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ..} تفسير : [البقرة: 106]. فيقول: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} فيها عِلَّة للتبديل، وضرورة تقتضي النسخ وهي الخيرية، فما عِلَّة التبديل في قوله: {أَوْ مِثْلِهَا}؟ أولاً: في قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} قد يقول قائل: ولماذا لم يَأْتِ بالخيرية من البداية؟ نقول: لأن الحق سبحانه حينما قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ..}تفسير : [آل عمران: 102]. وهذه منزلة عالية في التقوى، لا يقوم بها إلا الخواصّ من عباد الله، شَقَّتْ هذه الآية على الصحابة وقالوا: ومَنْ يستطيع ذلك يا رسول الله؟ فنزلت: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ..} تفسير : [التغابن: 16]. وجعل الله تعالى التقوى على قدر الاستطاعة، وهكذا نسخت الآية الأولى مطلوباً، ولكنها بقيت ارتقاء، فَمنْ أراد أنْ يرتقي بتقواه إلى (حَقّ تُقَاتِهِ) فبها ونِعْمت، وأكثر الله من أمثاله وجزاه خيراً، ومَنْ لم يستطع أخذ بالثانية. ولو نظرنا إلى هاتين الآيتين نظرة أخرى لوجدنا الأولى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ..} تفسير : [آل عمران: 102]. وإنْ كانت تدعو إلى كثير من التقوى إلا أن العاملين بها قِلَّة، في حين أن الثانية: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ..} تفسير : [التغابن: 16]. وإنْ جعلتَ التقوى على قَدْر الاستطاعة إلا أن العاملين بها كثير، ومن هنا كانت الثانية خَيْراً من الأولى، كما نقول: قليل دائم خير من كثير منقطع. أما في قوله تعالى: {أَوْ مِثْلِهَا} أي: أن الأولى مِثْل الثانية، فما وَجْه التغيير هنا، وما سبب التَبديل؟ نقول: سببه هنا اختبار المكلَّف في مدى طاعته وانصياعه، إنْ نُقِل من أمر إلى مثله، حيث لا مشقَّة في هذا، ولا تيسيرَ في ذاك، هل سيمتثل ويطيع، أم سيجادل ويناقش؟ مثل هذه القضية واضحة في حادث تحويل القبلة، حيث لا مشقة على الناس في الاتجاه نحو بيت المقدس، ولا تيسير عليهم في الاتجاه نحو الكعبة، الأمر اختبار للطاعة والانصياع لأمر الله، فكان من الناس مَنْ قال: سمعاً وطاعة ونفّذوا أمر الله فوراً دون جدال، وكان منهم مَن اعترض وأنكر واتهم رسول الله بالكذب على الله. ومن ذلك أيضاً ما نراه في مناسك الحج مما سنَّه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نُقبل الحجر الأسعد وهو حجر، ونرمي الجمرات وهي أيضاً حجر، إذن: هذه أمور لا مجال للعقل فيها، بل هي لاختبار الطاعة والانقياد للمشرع سبحانه وتعالى. ثم يقول تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101]. بل: حرف يفيد الإضراب عن الكلام السابق وتقرير كلام جديد، فالحق سبحانه وتعالى يُلغي كلامهم السابق: {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ..} [النحل: 101]. ويقول لهم: لا ليس بمفتر ولا كذاب، فهذا اتهام باطل، بل أكثرهم لا يعلمون. وكلمة {أَكْثَرُهُمْ} هنا ليس بالضرورة أنْ تقابل بالأقل، فيمكن أن نقول: أكثرهم لا يعلمون. وأيضاً: أكثرهم يعلمون كما جاء في قول الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} تفسير : [الحج: 18]. هكذا بالإجماع، تسجد لله تعالى جميع المخلوقات إلا الإنسان، فمنه كثير يسجد، يقابله أيضاً كثير حَقَّ عليه العذاب، فلم يقُلْ القرآن: وقليل حَقَّ عليه العذاب. وعلى فَرْض أن: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101]. إذن: هناك أقلية تعلم صِدْق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه، وتعلم كذبهم وافتراءهم على رسول الله حينما اتهموه بالكذب، ويعلمون صِدْق كل آية في مكانها، وحكمة الله المرادة من هذه الآية. فَمنْ هم هؤلاء الذين يعلمون في صفوف الكفار والمشركين؟ قالوا: لقد كان بين هؤلاء قَوْم أصحاب عقول راجحة، وفَهْم للأمور، ويعلمون وجه الحق والصواب في هذه المسألة، ولكنهم أنكروها، كما قال الحق تبارك وتعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. وأيضاً من هؤلاء أصحاب عقول يفكرون في الهدى، ويُراودهم الإسلام، وكأن لديهم مشروعَ إسلام يُعِدون أنفسهم له، وهم على علم أن كلام الكفار واتهامهم لرسول الله باطل وافتراء. وأيضاً من هؤلاء مؤمنون فعلاً، ولكن تنقصهم القوة الذاتية التي تدفع عنهم، والعصبية التي تردّ عنهم كَيْد الكفار، وليس عندهم أيضاً طاقة أنْ يهاجروا، فهم ما يزالون بين أهل مكة إلا أنهم مؤمنون ويعلمون صِدْق رسول الله وافتراء الكفار عليه، لكن لا قدرة لهم على إعلان إيمانهم. وفي هؤلاء يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} تفسير : [الفتح: 24-25]. أي: تدخلوا على أهل مكة وقد اختلط الحابل بالنابل، والمؤمن بالكافر، فتقتلوا إخوانكم المؤمنين دون علم. {أية : لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح: 25]. أي: لو كانوا مُميّزين، الكفار في جانب، والمؤمنون في جانب لَعذَّبْنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً. إذن: فإن كان أكثرهم لا يعلمون ويتهمونك بالكذب والافتراء فإنَّ غير الأكثرية يعلم أنهم كاذبون في قولهم: {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ..} [النحل: 101]. وما داموا اتهموك بالافتراء فقُلْ رداً عليهم: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} [الآية: 101]. يقول: رفعناها وأَنزلنا غيرها. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن عن عبيد بن مسلم بن الحضرمي قال: [كان] لنا غلامان نصرانيان من أَهل عين التمر يسمى أَحدهما بسار والآخر خبر. وكان صيقلين. وكانا يقرآن كتابهما. فربما مر رسول الله، فقام عليهما. فقال المشركون: إِنما يتعلم محمد منهما. فأَنزل الله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} يعنون: بسارا وخبراً يقول: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} .. يعني: بسارا وخبراً ثم قال: {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [الآية: 103]. أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد قال: قالت قريش: إِنما يعلِّم محمداً عبد لابن الحضرمي رومي، وكان صاحب كتب. يقول الله عز وجل: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ}. أَي: يتكلم بالرومية، {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [الآية: 103].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن يتتبعون ما يرونه حجة لهم، وهو أن الله تعالى هو الحاكم الحكيم، الذي يشرع الأحكام، ويبدل حكما مكان آخر لحكمته ورحمته، فإذا رأوه كذلك قدحوا في الرسول وبما جاء به و { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ } قال الله تعالى: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فهم جهال لا علم لهم بربهم ولا بشرعه، ومن المعلوم أن قدح الجاهل بلا علم لا عبرة به، فإن القدح في الشيء فرع عن العلم به، وما يشتمل عليه مما يوجب المدح أو القدح. ولهذا ذكر تعالى حكمته في ذلك فقال: { قُلْ نزلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ } وهو جبريل الرسول المقدس المنزه عن كل عيب وخيانة وآفة. { بِالْحَقِّ } أي: نزوله بالحق وهو مشتمل على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه، فلا سبيل لأحد أن يقدح فيه قدحا صحيحا، لأنه إذا علم أنه الحق علم أن ما عارضه وناقضه باطل. { لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا } عند نزول آياته وتواردها عليهم وقتا بعد وقت، فلا يزال الحق يصل إلى قلوبهم شيئا فشيئا حتى يكون إيمانهم أثبت من الجبال الرواسي، وأيضا فإنهم يعلمون أنه الحق، وإذا شرع حكما [من الأحكام] ثم نسخه علموا أنه أبدله بما هو مثله أو خير منه لهم وأن نسخه هو المناسب للحكمة الربانية والمناسبة العقلية. { وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } أي: يهديهم إلى حقائق الأشياء ويبين لهم الحق من الباطل والهدى من الضلال، ويبشرهم أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا. وأيضا فإنه كلما نزل شيئا فشيئا، كان أعظم هداية وبشارة لهم مما لو أتاهم جملة واحدة وتفرق الفكر فيه بل ينزل الله حكما وبشارة [أكثر] فإذا فهموه وعقلوه وعرفوا المراد منه وترووا منه أنزل نظيره وهكذا. ولذلك بلغ الصحابة رضي الله عنهم به مبلغا عظيما، وتغيرت أخلاقهم وطبائعهم، وانتقلوا إلى أخلاق وعوائد وأعمال فاقوا بها الأولين والآخرين. وكان أعلى وأولى لمن بعدهم أن يتربوا بعلومه ويتخلقوا بأخلاقه، ويستضيئوا بنوره في ظلمات الغي والجهالات ويجعلوه إمامهم في جميع الحالات، فبذلك تستقيم أمورهم الدينية والدنيوية.