Verse. 2003 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

قُلْ نَزَّلَہٗ رُوْحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَہُدًى وَّبُشْرٰى لِلْمُسْلِمِيْنَ۝۱۰۲
Qul nazzalahu roohu alqudusi min rabbika bialhaqqi liyuthabbita allatheena amanoo wahudan wabushra lilmuslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «نزَّله روح القدس» جبريل «من ربك بالحق» متعلق بنزل «ليثبت الذين آمنوا» بإيمانهم به «وهدى وبشرى للمسلمين».

102

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ } يعني جبريل عليه الصلاة والسلام، وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كقولهم: حاتم الجود وقرأ ابن كثير «رُوحُ ٱلْقُدُسِ» بالتخفيف وفي {ينزل} و {نزله} تنبيه على أن إنزاله مدرجاً على حسب المصالح بما يقتضي التبديل. {مّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} ملتبساً بالحكمة. {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} ليثبت الله الذين آمنوا على الإيمان بأنه كلامه، وأنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم. {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} المنقادين لحكمه، وهما معطوفان على محل {لِيُثَبِّتَ} أي تثبيتاً وهداية وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم وقرىء {لِيُثَبّتَ} بالتخفيف.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ } جبريل {مّن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ } متعلق ب «نزّل» {لِيُثَبّتَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بإيمانهم به {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ }.

النسفي

تفسير : {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ } أي جبريل عليه السلام أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال «حاتم الجود»؛ والمراد الروح المقدس وحاتم الجواد والمقدس المطهر من المآثم {مِن رَبِّكَ } من عنده وأمره {بِٱلْحَقِّ } حال أي نزله ملتبساً بالحكمة {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا، والحكمة لأنه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ } مفعول لهما معطوفان على محل {ليثبت} والتقدير تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة {لِلْمُسْلِمِينَ } وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } أرادوا به غلاماً كان لحويطب قد أسلم وحسن إسلامه، اسمه عائش أو يعيش وكان صاحب كتب، أو هو جبر غلام رومي لعامر بن الحضرمي، أو عبدان: جبر، ويسار، كانا يقرآن التوراة والإنجيل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ما يقرآن، أو سلمان الفارسي {لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ } وبفتح الياء والحاء: حمزة وعلي {أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } أي لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان أعجمي غير بيّن، وهذا القرآن لسان عربي مبين ذو بيان وفصاحة رداً لقولهم وإبطالاً لطعنهم، وهذه الجملة أعني {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} لا محل لها لأنها مستأنفة جواب لقولهم. واللسان اللغة. ويقال: ألحد القبر ولحده وهو ملحد وملحود إذا أمال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه، ثم استعير لكل إمالة عن الاستقامة فقالوا: ألحد فلان في قوله، وألحد في دينه ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها

ابو السعود

تفسير : {قُلْ نَزَّلَهُ} أي القرآنَ المدولَ عليه بالآية {رُوحُ ٱلْقُدُسِ} يعني جبريلُ عليه السلام أي الروحُ المطهّر من الأدناس البشرية، وإضافةُ الروحِ إلى القدس وهو الطُهْرُ كإضافة حاتم إلى الجود حيث قيل: حاتمُ الجودِ للمبالغة في ذلك الوصفِ كأنه طبعٌ منه، وفي صيغة التفعيلِ في الموضعين إشعارٌ بأن التدريجَ في الإنزال مما تقتضيه الحِكَمُ البالغة {مِن رَبّكَ} في إضافة الربِّ إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الدلالة على تحقيق إفاضةِ آثارِ الربوبـية عليه صلى الله عليه وسلم ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المبنيةِ على التلقين المحض {بِٱلْحَقّ} أي ملتبساً بالحق الثابتِ الموافقِ للحكمة المقتضيةِ له بحيث لا يفارقها إنشاءً ونسخاً، وفيه دَلالةٌ على أن النسخ حق {لِيُثَبّتَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} على الإيمان بأنه كلامُه تعالى فإنهم إذا سمعوا الناسخَ وتدبّروا ما فيه من رعاية المصالحِ اللائقة بالحال رسَخت عقائدُهم واطمأنت قلوبُهم، وقرىء ليُثبت من الإفعال {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} المنقادين لحُكمه تعالى وهما معطوفان على محل ليثبت أي تثبـيتاً وهدايةً وبشارةً، وفيه تعريضٌ بحصول أضدادِ الأمورِ المذكورة لمن سواهم من الكفار. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ} غيرَ ما نقل عنهم من المقالة الشنعاء {إِنَّمَا يُعَلّمُهُ} أي القرآنَ {بشّر} على طريق البتّ مع ظهور أنه نزّله روحُ القدس عليه الصلاة والسلام، وتحليةُ الجملةِ بفنون التأكيدِ لتحقيق ما تتضمنه من الوعيد، وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرارِ العلم بحسب الاستمرارِ التجدّدي في متعلَّقه فإنهم مستمرون على تفوّه تلك العظيمةِ، يعنون بذلك جبراً الروميَّ غلامَ عامر بنِ الحضرمي، وقيل: جبراً ويساراً كانا يصنعان السيفَ بمكة ويقرآن التوارةَ والإنجيلَ وكان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يمرّ عليهما ويسمع ما يقرآنه، وقيل: عابساً غلامَ حويطِب بنِ عبدِ العزّىٰ (كان) قد أسلم وكان صاحبَ كتب، وقيل: سلمانَ الفارسي، وإنما لم يصرَّح باسم من زعموا أنه يعلمه مع كونه أدخلَ في ظهور كذبِهم للإيذان بأن مدار خطابهم ليس نسبتَه عليه السلام إلى التعلم من شخص معينٍ بل من البشر كائناً مَنْ كان مع كونه عليه السلام معدِناً لعلوم الأولين والآخرين {لّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ} الإلحادُ الإمالةُ، مِنْ ألحد القبرَ إذا أمال حفرَه عن الاستقامة فحفر في شق منه ثم استُعير لكل إمالةٍ عن الاستقامة فقالوا: ألحد فلانٌ في قوله وألحد في دينه، أي لغةُ الرجلِ الذي يُميلون إليه القول عن الاستقامة أعجميةٌ غيرُ بـيِّنةٍ، وقرىء بفتح الياء والحاء وبتعريف اللسان {وَهَـٰذَا} أي القرآنُ الكريم {لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ} ذو بـيان وفصاحةٍ، والجملتان مستأنَفتان لإبطال طعنهم، وتقريرُه أن القرآن معجزٌ بنظمه كما أنه معجزٌ بمعناه فإن زعمتم أن بشراً يعلّمه معناه فكيف يعلّمه هذا النظمَ الذي أعجز جميعَ أهل الدنيا والتشبثُ في أثناء الطعن بأذيال أمثالِ هذه الخرافاتِ الركيكة دليلٌ على كمال عجزهم.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} [الآية: 102]. قال الواسطى: الأرواح ليس لها نوم ولا لذة ولا موت ولا حياة، بل هى جوهرة لطيفة، للطفه سمى روحًا، وللطف جبريل سمى روح القدس.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اذا لم يكن الاعداء من قبيل اهل المعرفة بخطاب الله صار سجيتهما الانكار عليه لبعد مكانها من معرفة الله وشهوده ووجوده وما صدر منه من كلامه العزيز ردّهم الله بقوله قل نزله روح القدس يعنى ان اله سبحانه كلم فى الازل فاوحى كلامه الى جبرئيل وامره او يوحى حبيبه امر حبيبه ان يبلغه الى المؤمنين الذين عرفوا الله بالارواح حين اخذها الحق بميثاقه وكلمها بكلامه حين قالوا بلى ليثبتوا فى معرفة الله بخطاب الله ويستقيموا فى طاعته ثم وصف كتابه بانه معرف جميع صفاته وذاته لاهله ومبشر لهم بوصال حبيبهم ابدا بقوله {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} وان الله سبحانه اذا اراد ان يتكلم يتكلم بنفسه مع نفسه كما يليق جلاله بلا همهمة ولا صوت ولا شئ من صفة الحدثان ثم يلبس كلامه قوة من قوته وجلالا من جلاله وعظمة من عظمته فيسمع جبرئيل على ما يليق بقوته يسمع كلامه بقوة قدسية مستعارة من قدس الله ولولا ذلك لذاب بسماعه اهل الملكوت ثم ان جبرئيل احتمل ذلك ونزل به الى النبى صلى الله عليه وسلم فالبس الحق ذلك القوة والجلال قلب نبيه فسمعه بتلك القوة ثم يفيض تلك القوة فى جميع وجوده فتقل عليه فحفظه الله بحفظه حتى بقى تحت اثقال برجاء وحيه الا ترى الى قوله تعالى انا سنلقى عليك قولا ثقيلا وهو الملقى وهو الحامل ولولا قوّته الازلية اعانته لطاش فى اقل سماع يسمع من كلامه وروح القدس مع جميع الارواح المقدسة من فيض تجلى قدس جلاله فكلها يكون قدسية فاى روح قدسه عليه اقرب فهو اظهر فى قدسها لا يلتصق بها العلل والحوادث قال الواسطى الارواح ليس لها نوم ولا لذة ولا موت ولا حياة بل هيى جوهرة لطيفة للطفه سمى روحا وللطف جبرئيل سمى روح القدس.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} ردا عليهم {نزله} اى القرآن المدلول عليه بالآية {روح القدس} اى الروح المقدس المطهر من الادناس البشرية وهو جبريل عليه السلام واضافة الروح ال القدس وهو الطير كاضافة حاتم الى الجود حيث قيل حاتم الجود للمبالغة فى ذلك الوصف كأنه طبع منه فالمراد الروح المقدس وحاتم الجواد وفى صيغة التفعيل فى الموضعين اشعار بان التدريج فى الانزال مما يقتضيه الحكمة البالغة {من ربك} من سيدك ومتولى امرك {بالحق} فى موقع الحال اى نزله ملتبسا بالحق الثابت الموافق للحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها انشاء ونسخا وفيه دلالة على ان النسخ حق {ليثبت} الله تعالى أو جبريل مجازا {الذين آمنوا} على الايمان بانه كلامه فانهم اذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم على ان الله حكيم فلا يفعل الا ما هو حكمة وصواب {وهدى} من الضلالة {وبشرى} بالجنة {للمسلمين} المنقادين لحكمه تعالى وهما معطوفان على محل ليثبت والتقدير تثبيتا لهم وهداية وبشارة. وفيه تعريض بحصول اضداد الامور المذكورة لمن سواهم من الكفار قال فى التأويلات النجمية ان الله تعالى هو الطيب والقرآن هو الدواء يعالج به من مرض القلوب كقوله تعالى {أية : وشفاء لما فى الصدور}تفسير : كما ان الطيب يداوى المريض كل وقت بنوع من الادوية على حسب المزاج والعلة لازالتها ويبدل الا شربه والمعاجين بنوع آخر وهو اعلم بالمعالجة من غيره وكذلك الله عز وجل يعالج قلوب العباد بتبديل آية وانزال آية مكانها والله اعلم بما ينزل ويعالج به العبد فالذين لا يعلمون قوانين الامراض والمعالجات يحملون ذلك على الافتراء وفى التنزيل والتبديل تثبيت الايمان فى قلوب المؤمنين بازالة امراض الشكوك عن قلوبهم فان القرآن شفاء وهدى لصحة الدين وسلامة القلوب وبشارة للمسلمين الذي استسلموا للطبيب والمعالجة لصحة دينهم وكان الصحابة رضى الله عنهم يكتفون ببعض السور القرآنية ويشتغلون فى العمل بها فان المقصود من القرآن العمل به - حديث : روى - ان رجلا جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم وقال علمنى مما علمك الله فدفعه الى رجل يعلمه القرآن فعلمه {اذا زلزلت الارض} حتى بلغ {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فقال الرجل حسبى فاخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فقال "دعوه فقد فقه الرجل"تفسير : : قال الشيخ سعد قدس سره شعر : علم جندانكه بيشتر خوانى جون عمل درتونيست نادانى نه محقق بود نه دانشمدند جار بايى بروكتابى جند آن نهى مغزراجه علم وخبر كه بروهيرم است ويا دفتر تفسير : وقال [عالم نا برهيز كاركوريست شعله دار. بى فائده هركه عمر درياخت جيزى نخريدوزر بيند اخت]اى اضاع المال ولم يكن على شئ نسأل الله التوفيق للتقوى والعمل بالقرآن فى كل مكان وزمان.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ} اى جبرئيل فانّه من الارواح واضافته الى القدس لتنزّهه عن شوائب النّقص، او المراد بروح القدس الملك الّذى هو اعظم من جبرئيل لم يكن مع احدٍ من الانبياء (ع) و كان مع محمّد (ص) وقد أسلفنا انّه ربّ النّوع الانسانىّ {مِن رَّبِّكَ} حقّ العبارة ان يقال من ربّى لكنّه عدل الى الخطاب امّ لانّه مستأنف من الله غير محكىّ بالقول بتقدير نزّله اى نزّله من ربّك او لفرض المحكىّ بالقول غير محكىّ بالقول ومثله كثيراً ما يقع فى المحكىّ بالقول، او لانّ خطاب من ربّك ليس لمحمّدٍ (ص) بل لكلّ من يتأتّى منه الخطاب، او للشّيطان يعنى قل للشّيطان المنكر للولاية نزّله روح القدس من ربك {بِٱلْحَقِّ} والضّمير فى نزّله للتّبديل وارجاعه الى خصوص امر ولاية علىّ (ع) يؤيّد التّفسير الاخير للآية المبدلة {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} هذا ايضاً يؤيّد التّفسير الاخير للآية فانّ الولاية هى الّتى يثبّت بها ايمان المؤمنين وهى الهدى والبشرى للمسلمين.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} لهم يا محمد {نَزَّلَهُ} أى القرآن {رُوحُ الْقُدُسِ} أى روح الطهر وهو جبريل وإِنما أُضيف اسمه وهو روح للقدس كما يقال حاتم الجود وزيد الخير وطلحة والأَصل الروح المقدس بالنعت ثم أُضيف للمصدر وقرأ ابن كثير بإِسكان الدال تحقيقا، والإِنزال والتنزيل معنى واحد والإِنزال عام والتنزيل خاص بالتدريج كما أن القرآن منزل بالتدريج على حسب المصالح مما يقتضى التبديل {مِن رَّبِّكَ} مقتضى الظاهر أن يقول من ربى فعدل عنه إِلى الخطاب تأسيا له وتقوية، فإِنما يفيده إِضافة رب إِليه بالخطاب أكثر مما يفيده إِضافته إِليه بالتكلم أو إِيذان بأَن له أن يعبر بما شاء إِذا خاطبهم بما أمر به مثل أن يقول من ربى أو من ربكم أو من الله أو من الرب وهو ذلك بحسب من يظهر له أنه يؤثر فيهم بخلاف ما لو قالوا له قل نزله روح القدس من ربى فإنه نص فى أن يقول من ربى بالإِضافة للياء فقط أو خاطب بذلك من يصلح أى: قل يا محمد نزله روح القدس من ربك يا أبا لهب أو يا أبا جهل ونحو ذلك فمن يقول أنت مفتر {بِالْحَقِ} ملتبسا بما هو صحيح وحكمه {لِيُثَبِّتَ} روح القدس {الَّذِينَ آمَنُوا} به فيزدادوا إِيمانا ويرسخ الإِيمان به فيهم بل المؤمن يزداد يقينا بنفس النسخ إذا تدبر رعاية الصلاح والحكمة {وَهُدًى وَبُشْرَى} بالنصب على التعليل عطفا على معنى يثبت وذلك لأَن فاعل التثبيت والهداية والتبشير وهو روح القدس تثبيتا للذين آمنوا بالنصب فصح بذلك من قبيل عطف التوهم فى غير القرآن أو هما بالجر عطف على المصدر أو بالرفع أى هود والمجرور باللام {لِلْمُسْلِمِينَ} المنقادين لحكمه وهم الذين آمنوا المثبتون وعبر عنهم بالمسلمين لا بالضمير يصفهم بالانقياد للحكم، وفى الآية تعريض بأَن ضد الهدى والبشرى الضد المؤمنين المسلمين وفسره ليثبت بإِسكان الثاء المثلثة وتخفيف الموحدة بعدها.

اطفيش

تفسير : {قُلْ نَزَّلَهُ} رد الضمير للقرآن لدلالة قوله: "أية : وإِذا بدَّلنا آية" تفسير : [النحل: 101] إلخ عليه. {رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثْبِتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} من التنازع كما مر، أو يختص بشرى به، قل يا محمد لهم: نزل القرآن بالتدريج بحساب الحكمة والمصالح كما هو مقتضى التشديد للزاى، إذ لم يقل أنزل بالهمزة والتخفيف، وكلاهما مستعمل فى شأن القرآن، والروح جبريل الذى هو فى إحياء القلوب بالوحى كالروح للجسد، والقدس للطهارة من إضافة الموصوف إلى صفته المعنوية اللغوية، لا الاصطلاحية، كما تقول: حاتم الجود، وسحبان الفصاحة، وزيد النصر، وإله القدرة والاصطلاحية: حاتم الجواد، وزيد المنصور؛ بأن تجعل للقدس اسما لجبريل مبالغة وتضيفه إليه، وأضيف للطهر، لأنه يجئ بما هو طهارة للنفوس وهو القرآن والحكم والفيض الإلهى، أَو الطهرة من أدناس الشر، ومقتضى ظاهر مزرى، وفى ترك مطالهم حط لقدرهم، ولكن جاء بالكاف لتربية الإجلال والمخالفة فى قلبه صلى الله عليه وسلم. وإذا أصاب المؤمن فتور أو ارتياب ما أو حادث زال بما ينزل، أو لم يصابوا بذلك، لكن يزدادون به قوة، وهذا النسخ الذى هو ريبة للكفار حجة المؤمنين، يزدادون به رسوخًا لتدربهم وتدبرهم فى الناسخ والمنسوخ، وهدى وبشرى مجروران عطفًا على مجرور اللام، أَى لتثبيت الذين آمنوا وللهدى وبشرى قيل ويجوز النصب على التعليل لجواز أعطيت زيدًا الحبى له وإكرامًا الحر أولى، والنصب ما هو إلا كعطف التوهم وهو عطف على المعنى، نحو: زرتك لأحدثك، وإجلالا لك تتوهم أنك قلت: زرتك تحديثًا لك، وأيضا لو قيل نزله روح القدس من ربك تثبيته الذين آمنوا بنصب تثبيت على التعليل، لكان المفعول من أجله معرفة وهو مرجوح. والآية تلويح بالخذلان للكفار والإضلال لهم، والخزى ومعنى هدى للمسلمين وتبشيرهم لزيادة لهم من ذلك، فلا تحصيل حاصل، وإن شئت فقل: المراد بالمسلمين من قضى الله إسلامه، واستحضر مثل هذا فى سائر الآيات الشبيهات بهذه فيشمل ابتداء ذلك واستمراره بعد، لا خصوص الزيادة فانهم أفهمك الله الرحمن الرحيم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ نَزَّلَهُ} أي القرآن المدلول عليه بالآية، وقال الطبرسي: أي الناسخ المدلول عليه بما تقدم {رُوحُ ٱلْقُدُسِ} يعني جبريل عليه السلام وأطلق عليه ذلك من حيث إنه ينزل بالقدس من الله تعالى أي مما يطهر النفوس من القرآن والحكمة والفيض الإلهي، وقيل: لطهره من الأدناس البشرية، والإضافة عند بعض للاختصاص كما في {أية : رَبّ ٱلْعِزَّةِ } تفسير : [الصافات: 180] وجعلها بعض المحققين من إضافة الموصوف للصفة على جعله نفس القدس مبالغة نحو ـ خبر سوء ورجل صدق ـ على ما ارتضاه الرضيّ، ومثل ذلك حاتم الجود وسحبان الفصاحة وخالف في ذلك صاحب "الكشف" مختاراً أنها للاختصاص، ولا يخفى ما في صيغة التفعيل بناء على القول بأنها تفيد التدريج من المناسبة لمقتضى المقام لما فيها من الإشارة إلى أنه أنزل دفعات على حسب المصالح {مِن رَبّكَ} في إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الدلالة على تحقيق إفاضة آثار الربوبية عليه عليه الصلاة والسلام ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المنبئة عن التلقين المحض كما في "إرشاد العقل السليم"، وكأنه اعتناء بأمر هذه الدلالة لم يقل من ربكم على أن في ترك خطابهم من حط قدرهم ما فيه، و {مِنْ} لابتداء الغاية مجازاً {بِٱلْحَقّ} أي ملتبساً بالحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها ناسخاً كان أو منسوخاً. {لِيُثَبّتَ ٱلَّذِينَ ءامَنُوا} أي على الإيمان بما يجب الإيمان به لما فيه/ من الحجج القاطعة والأدلة الساطعة أو على الإيمان بأنه كلامه تعالى فإنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح رسخت عقائدهم واطمأنت به قلوبهم، وأول بعضهم الآية على هذا الوجه بقوله: ليبين ثباتهم وتعقب بأنه لا حاجة إليه إذ التثبيت بعد النسخ لم يكن قبله فإن نظر إلى مطلق الإيمان صح. وقرىء {لِيُثَبّتَ} من الإفعال. {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} عطف على محل {لِيُثَبّتَ } عند الزمخشري ومن تابعه وهو نظير زرتك لأحدثك وإجلالاً لك أي تثبيتاً وهداية وبشارة، وتعقب بأنه إذا اعتبر الكل فعل المنزل على الإسناد المجازي لم يكن للفرق بإدخال اللام في البعض والترك في البعض وجه ظاهر، وكذا إذا اعتبر فعل الله تعالى كما هو كذلك على الحقيقة وإذا اعتبر البعض فعل المنزل ليتحد فاعل المصدر وفاعل المعلل به فيترك اللام له والبعض الآخر فعل الله تعالى ليختلف الفاعل فيؤتي باللام لم يكن لهذا التخصيص وجه ظاهر أيضاً ويفوت به حسن النظم. وقال الخفاجي يوجه ترك اللام في المعطوف دون المعطوف عليه مع وجود شرط الترك فيهما بأن المصدر المسبوك معرفة على ما تقرر في العربية والمفعول له الصريح وإن لم يجب تنكيره كما عزي للرياشي فخلافه قليل كقوله: شعر : وأغفر عوراء الكريم ادخاره تفسير : ففرق بينهما تفنناً وجرياً على الأفصح فيهما، والنكتة فيه أن التثبيت أمر عارض بعد حصول المثبت عليه فاختير فيه صيغة الحدوث مع ذكر الفاعل إشارة إلى أنه فعل لله تعالى مختص به بخلاف الهداية والبشارة فإنهما يكونان بالواسطة، وقيل: إن وجود الشرط مجوز لا موجب والاختيار مرجح مع ما في ذلك من فائدة بيان جواز الوجهين، وفيه أنه لا يصلح وجهاً عند التحقيق، وقد اعترض أبو حيان هنا بما تقدم في الكلام على قوله تعالى: {أية : لِتُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً } تفسير : [النحل: 64]، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون العطف على المصدر المنسبك لأنه مجرور فيكون {هُدًى وَبُشْرَىٰ} مجرورين، وجوز أبو البقاء أن يكونا مرفوعين على أنهما خبرا مبتدأ محذوف أي وهو هدى وبشرى، والجملة في موضع الحال من الهاء في {نزله}. والمراد بالمسلمين الذين آمنوا، والعدول عن ضميرهم لمدحهم بكلا العنوانين، وفسر بعضهم الإسلام بمعناه اللغوي فقيل: إن ذلك ليفيد بعد توصيفهم بالإيمان، والظاهر أن {لِلْمُسْلِمِينَ} قيد للهدى والبشرى ولم أر من تعرض لجواز كونه قيداً للبشرى فقط كما تعرض لذلك في قوله تعالى: {أية : هُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ } تفسير : [النحل: 89] على ما سمعت هناك. وفي هذه الآية على ما قالوا تعريض لحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سوى المذكورين من الكفار من حيث إن قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ} جواب لقولهم: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } تفسير : [النحل: 101] فيكفي فيه {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ} فالزيادة لمكان التعريض وقال الطيبـي إن {نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ} بدل نزل الله فيه زيادة تصوير في الجواب وزيد قوله تعالى: {بِٱلْحَقّ} لينبه على دفع الطعن بألطف الوجوه ثم نعى قبيح أفعالهم بقوله تعالى: {لِيُثَبّتَ} الخ تعريضاً بأنهم متزلزلون ضالوان موبخون منذرون بالخزى والنكال واللعن في الدنيا والآخرة وأن عذابهم في خلاف ذلك ليزيد في غيظهم وحنقهم، وفي الكلام ما هو قريب من الأسلوب الحكيم اهـ فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : جواب عن قولهم: {أية : إنما أنت مفتر} تفسير : [سورة النحل: 101] فلذلك فصل فعل {قل} لوقوعه في المحاورة، أي قل لهم: لسْت بمفتر ولا القرآن بافتراء بل نزّله روح القدس من الله. وفي أمره بأن يقول لهم ذلك شدّ لعزمه لكيلا يكون تجاوزه الحدّ في البهتان صارفاً إيّاه عن محاورتهم. فبعد أن أبطل الله دعواهم عليه أنه مفتر بطريقة النّقض أمر رسوله أن يبيّن لهم ماهيّة القرآن. وهذه نكتة الالتفات في قوله تعالى: {من ربك} الجاري على خلاف مقتضى ظاهر حكاية المقول المأمور بأن يقوله، لأن مقتضى الظاهر أن يقول: من ربي، فوقع الالتفات إلى الخطاب تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم بزيادة توغّل الكلام معه في طريقة الخطاب. واختير اسم الربّ لما فيه من معنى العناية والتدبير. و{روح القدس}: جبريل. وتقدّم عند قوله تعالى {أية : وأيّدناه بروح القدس} تفسير : في سورة البقرة (87). والروح: المَلَك، قال تعالى: {أية : فأرسلنا إليها روحنا } تفسير : [سورة مريم: 17]، أي ملَكاً من ملائكتنا. و{القُدس}: الطُهر. وهو هنا مراد به معنياه الحقيقي والمجازي الذي هو الفضل وجلالة القدر. وإضافة الروح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصّفة، كقولهم: حاتم الجود، وزيد الخَير. والمراد: حَاتم الجواد، وزيد الخيّر. فالمعنى: الملك المقدس. والباء في {بالحق} للملابسة، وهي ظرف مستقرّ في موضع الحال من الضمير المنصوب في {نزله} مثل {أية : تَنبُتُ بالدُهن} تفسير : [سورة المؤمنون: 20]، أي ملابساً للحقّ لا شائبة للباطل فيه. وذكرت علّة من عِلل إنزال القرآن على الوصف المذكور، أي تبديل آية مكان آيةٍ، بأن في ذلك تثبيتاً للذين آمنُوا إذ يفهمون محمل كل آية ويهتدون بذلك وتكون آيات البشرى بشارة لهم وآيات الإنذار محمولة على أهل الكفر. ففي قوله تعالى: {نزله روح القدس من ربك} إبطال لقولهم: {أية : إنما أنت مفتر} تفسير : [سورة النحل: 101]، وفي قوله تعالى؛ {بالحق} إيقاظ للناس بأن ينظروا في حكمة اختلاف أغراضه وأنها حقّ. وفي التعليل بحكمة التثبيت والهدى والبُشرى بيانٌ لرسوخ إيمان المؤمنين وسداد آرائهم في فهم الكلام السامي، وأنه تثبيت لقلوبهم بصحة اليقين وهدًى وبشرى لهم. وفي تعلّق الموصولِ وصلته بفعل التثبيت إيماء إلى أن حصول ذلك لهم بسبب إيمانهم، فيفيد تعريضاً بأن غير المؤمنين تقصر مداركهم عن إدراك ذلك الحقّ فيختلط عليهم الفهم ويزدادون كفراً ويضلّون ويكونُ نذارة لهم. والمراد بالمسلمين الذين آمنوا، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: وهدى وبشرى لهم، فعدل إلى الإظهار لزيادة مدحهم بوصف آخر شريف. وقوله تعالى: {وهدى وبشرى} عطف على الجار والمجرور من قوله: {ليثبت}، فيكون {هدى وبشرى} مصدرين في محل نصب على المفعول لأجله، لأن قوله {ليثبت} وإن كان مجرور اللفظ باللام إذ لا يسوغ نصبه على المفعول لأجله لأنه ليس مصدراً صريحاً. وأما {هدى وبشرى} فلما كانا مصدرين كانا حقيقين بالنصب على المفعول لأجله بحيث لو ظهر إعرابهما لكانا منصوبين كما في قوله تعالى: {أية : لتركبوها وزينة} تفسير : [سورة النحل: 8].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} الآية. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يقول إن هذا القرآن الذي زعموا أنه افتراء بسبب تبديل الله آية مكان آية - أنه نزله عليه روح القدس من ربه جل وعلا. فليس مفترياً له. وروح القدس: جبريل، ومعناه الروح المقدس. أي الطاهر من كل ما لا يليق. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 97] الآية، وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}تفسير : [الشعراء: 192-195]، وقوله: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أََن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}تفسير : [طه: 114]، وقوله: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ}تفسير : [القيامة: 16-18]، إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {قل نزله روح القدس} جبريل عليه السَّلام {من ربك} من كلام ربِّك {بالحق} بالأمر الحقِّ {ليثبت الذين آمنوا} بما فيه من الحجج والآيات {وهدىً} وهو هدىً. {ولقد نعلم أنَّهم يقولون: إنما يُعلِّمه} القرآنَ {بشرٌ} يعنون عبداً لبني الحضرمي كان يقرأ الكتب {لسان الذي يلحدون إليه} لغةُ الذي يميلون القول إليه ويزعمون أنَّه يُعلِّمك {أعجميّ} لا يُفصح ولا يتكلَّم بالعربية {وهذا} يعني القرآن {لسان} لغة {عربيّ مبين} أفصح ما يكون من العربيَّة وأبينه، ثمَّ أخبر أنَّ الكاذبين هم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} (102) - قُلْ لَهُمْ: إِنَّ القُرْآنَ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ مِنْ رَبِّي مَعَ جِبْرِيلَ الرُّوحِ الطَّاهِرِ، مُقْتَرِناً بِالحَقِّ وَمُشْتَمِلاً عَلَيْهِ لِيُثَبِّتَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وَلِيَهْدِي بِهِ النَّاسَ إِلَى الخَيْرِ بِمَا فِيهِ مِنْ أَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وَبِمَا فِيهِ مِنْ حَثٍّ عَلَى التَّأَمُّلِ فِيمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ بَاهِرِ الآيَاتِ، وَبِمَا فِيهِ مِنْ تَشْرِيعٍ وَتَعَالِيمَ وَأَحْكَامٍ، فَهُوَ هَادٍ لِلْمُؤْمِنينَ، وَبَشِيرٌ لَهُمْ بِحُسْنِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ. رُوحُ القُدُسِ - الرُّوحُ المُطَهَّرُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يرد على الكفار افتراءهم على رسول الله، واتهامهم له بالكذب المتعمد، وأنه جاء بهذه الآيات من نفسه، فقال له: يا محمد قُلْ لهؤلاء: بل نزَّله روح القُدس. والقدس: أي المطهّر، من إضافة الموصوف للصفة، كما نقول: حاتم الجود مثلاً. والمراد بـ"روح القُدُس" سفير الوحي جبريل عليه السلام، وقد قال عنه في آية أخرى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. وقال عنه: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} تفسير : [التكوير: 19-21]. وقول الحق سبحانه: {مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ..} [النحل: 102]. أي: أن جبريل لم يأْتِ بهذا القرآن من عنده هو، بل من عند الله بالحق، فمُحمد صلى الله عليه وسلم لم يَأْتِ بالقرآن من عنده، وكذلك جبريل، فالقرآن من عند الله، ليس افتراءً على الله، لا من محمد، ولا من جبريل عليهما السلام. وقوله تعالى: {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102]. أي: ليُثبِّتَ الذين آمنوا على تصديق ما جاء به الرسول من الآيات، أن الله تعالى أعلمُ بما يُنزل من الآيات، وأن كل آية منها مُناسِبة لزمانها ومكانها وبيئتها، وفي هذا دليلٌ على أن المؤمنين طائعون مُنصَاعون لله تعالى مُصدِّقون للرسول صلى الله عليه وسلم في كُلِّ ما بلغ عن ربه تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ ...}.