١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
103
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم كانوا يقولون إن محمداً إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه. واختلفوا في هذا البشر الذي نسب المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعلم منه قيل: هو عبد لبني عامر بن لؤي يقال له يعيش، وكان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، وقيل: عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، وكان اسمه جبرا، وكانت قريش تقول: عبد بني الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمداً، وقيل: كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام ويقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية وقيل: سلمان الفارسي، وبالجملة فلا فائدة في تعديد هذه الأسماء والحاصل أن القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه. ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال: {لّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ } ومعنى الإلحاد في اللغة الميل يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحق ملحد. وقرأ حمزة والكسائي: {يُلْحِدُونَ } بفتح الياء والحاء، والباقون بضم الياء وكسر الحاء قال الواحدي: والأولى ضم الياء لأنه لغة القرآن، والدليل عليه قوله: { أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } تفسير : [الحج: 25] والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة، ومنه يقال: ألحدت له لحداً إذا حفرته في جانب القبر مائلاً عن الاستواء وقبر ملحد وملحود، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها لم يمله عن دين إلى دين آخر وفسر الإلحاد في هذه الآية بالقولين: قال الفراء: يميلون من الميل، وقال الزجاج: يميلون من الإمالة، أي لسان الذين يميلون القول إليه أعجمي، وأما قوله: {أَعْجَمِىٌّ } فقال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان والإيضاح، ومنه قولهم: رجل أعجم وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان، وعجم الذنب سمي بذلك لاستتاره واختفائه، والعجماء البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها، وسموا صلاتي الظهر والعصر عجماوين، لأن القراءة حاصلة فيهما بالسر لا بالجهر، فأما قولهم: أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته، وأفعلت قد يأتي والمراد منه السلب كقولهم: أشكيت فلاناً إذا أزلت ما يشكوه، فهذا هو الأصل في هذه الكلمة، ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بلسانهم أعجم وأعجمياً. قال الفراء وأحمد بن يحيـى: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجمي والعجمي الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي: الأعجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم، ألا ترى أنهم قالوا: زيادة الأعجم لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً، وأما معنى العربي واشتقاقه فقد ذكرناه عند قوله: { أية : ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } تفسير : [التوبة: 97] وقال الفراء والزجاج: في هذه الآية يقال عرب لسانه عرابة وعروبة هذا تفسير ألفاظ الآية. وأما تقرير ووجه الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا: القرآن إنما كان معجزاً لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ وكأنه قيل: هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزاً لما في ألفاظه من الفصاحة فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح ذلك في المقصود إذ القرآن إنما كان معجزاً لفصاحته وما ذكرتموه لا يقدح في ذلك المقصود، ولما ذكر الله تعالى هذا الجواب أردفه بالتهديد والوعيد، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ } أما تفسير أصحابنا لهذه الآية فظاهر، وقال القاضي: أقوى ما قيل في ذلك إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة، ولذلك قال بعده: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } والمراد أنهم لما تركوا الإيمان بالله لا يهديهم الله إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار، ثم إنه تعالى بين كونهم كذابين في ذلك القول فقال: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود منه أنه تعالى بين في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود، ثم إنه تعالى في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصح وهم كذبوا فيه، والدليل على كونهم كاذبين في ذلك القول وجوه: الأول: أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم. والثاني: أن أمر التعلم لا يتأتى في جلسة واحدة ولا يتم في الخفية، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المعلم إلى المتعلم أزمنة متطاولة ومدداً متباعدة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمداً عليه السلام يتعلم العلوم من فلان وفلان. الثالث: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشاراً إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟ واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة باهرة، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكية. المسألة الثانية: في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش والدليل عليه أن كلمة «إنما» للحصر، والمعنى: أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله تعالى، وإلا من كان كافراً وهذا تهديد في النهاية. فإن قيل: قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } فعل وقوله: {وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } اسم وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية قبيح فما السبب في حصوله ههنا؟ قلنا: الفعل قد يكون لازماً وقد يكون مفارقاً، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ } تفسير : [يوسف: 35] ذكره بلفظ الفعل، تنبيهاً على أن ذلك السجن لا يدوم. وقال فرعون لموسى عليه السلام: { أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } تفسير : [الشعراء: 29] ذكره بصيغة الاسم تنبيهاً على الدوام، وقال أصحابنا: إنه تعالى قال: { أية : وَعَصَىٰ ءَادَمَ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] ولا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ وغاوٍ، لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام، وصيغة الاسم تفيده. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: قوله: {إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } ذكر ذلك تنبيهاً على أن من أقدم على الكذب فكأنه دخل في الكفر، ثم قال: {وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } تنبيهاً على أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة دائمة. وهذا كما تقول: كذبت وأنت كاذب فيكون قولك وأنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب. ومعناه: أن عادتك أن تكون كاذباً. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن الكاذب المفتري الذي لا يؤمن بآيات الله والأمر كذلك، لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهية ونبوة الأنبياء، وهذا الإنكار مشتمل على الكذب والافتراء. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: «حديث : لا» تفسير : ثم قرأ هذه الآية، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} اختلف في ٱسم هذا الذي قالوا إنما يعلّمه؛ فقيل: هو غلام الفاكه بن المغيرة واسمه جبر، كان نصرانياً فأسلم؛ وكانوا إذا سمعوا من النبيّ صلى الله عليه وسلم ما مضى وما هو آت مع أنه أمِّيٌّ لم يقرأ قالوا: إنما يعلمه جبر وهو أعجمي؛ فقال الله تعالى: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} أي كيف يعلّمه جبر وهو أعجمي هذا الكلام الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يعارضوا منه سورة واحدة فما فوقها. وذكر النقاش أن مولى جبر كان يضربه ويقول له: أنت تعلّم محمداً، فيقول: لا والله، بل هو يعلمني ويهديني. وقال ابن إسحاق: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ فيما بلغني ـ كثيراً ما يجلس عند المَرْوَة إلى غلام نصراني يقال له جبر، عبدُ بني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب، فقال المشركون: والله ما يعلم محمداً ما يأتي به إلا جبر النصراني. وقال عكرمة: اسمه يعيش عبدٌ لبني الحضرمي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلّقنه القرآن؛ ذكره الماورديّ. وذكر الثعلبيّ عن عكرمة وقتادة أنه غلام لبني المغيرة اسمه يعيش، وكان يقرأ الكتب الأعجمية، فقالت قريش: إنما يعلّمه بشر، فنزلت. المهدويّ عن عكرمة: هو غلام لبني عامر بن لؤي، واسمه يعيش. وقال عبد الله بن مسلم الحضرميّ: كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر، اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر. كذا ذكر الماورديّ والقشيريّ والثعلبي؛ إلا أن الثعلبيّ قال: يقال لأحدهما نَبْت ويكنى أبا فُكَيْهة، والآخر جبر، وكانا صَيْقَلَين يعملان السيوف؛ وكانا يقرأان كتاباً لهم. الثعلبي: يقرأان التوراة والإنجيل. الماورديّ والمهدويّ: التوراة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرّ بهما ويسمع قراءتهما، وكان المشركون يقولون: يتعلّم منهما، فأنزل الله هذه الآية وأكذبهم. وقيل: عنَوْا سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ قاله الضحاك. وقيل: نصرانيا بمكة ٱسمه بلعام، وكان غلاماً يقرأ التوراة؛ قاله ابن عباس. وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام. وقال القُتَبِيّ: كان بمكة رجل نصراني يقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية، فربما قعد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الكفار: إنما يتعلّم محمد منه، فنزلت. وفي رواية أنه عدّاس غلام عتبة بن ربيعة. وقيل: عابس غلام حويطب بن عبد العُزَّى ويسار أبو فكيهة مولى ٱبن الحضرمي، وكانا قد أسلما. والله أعلم. قلت: والكل محتمل؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهم في أوقات مختلفة ليعلمهم مما علمه الله، وكان ذلك بمكة. وقال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأنه يجوز أن يكونوا أَوْمَأوا إلى هؤلاء جميعاً، وزعموا أنهم يعلمونه. قلت: وأما ما ذكره الضحاك من أنه سلمان ففيه بُعْدٌ، لأن سلمان إنما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهذه الآية مكية. {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} الإلحاد: الميل؛ يقال: لحد وألحد، أي مال عن القصد. وقد تقدّم في الأعراف. وقرأ حمزة «يَلْحَدون» بفتح الياء والحاء؛ أي لسان الذي يميلون إليه ويشيرون أعجميّ. والعُجْمة: الإخفاء وضدّ البيان. ورجل أعجم وٱمرأة عجماء، أي لا يُفصح؛ ومنه عُجْم الذنب لاستتاره. والعجماء: البهيمة؛ لأنها لا توضح عن نفسها. وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته. والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بكلامهم أعجمياً. وقال الفَرّاء: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجمي أو العجمي الذي أصله من العجم. وقال أبو علي: الأعجمي الذي لا يفصح، سواء كان من العرب أو من العجم، وكذلك الأعجم والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً. وأراد باللسان القرآن؛ لأن العرب تقول للقصيدة والبيت: لسان؛ قال الشاعر:شعر : لسانُ الشر تهديها إلينا وخُنت وما حسبتك أن تخونا تفسير : يعني باللسان القصيدة. {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} أي أفصح ما يكون من العربية.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } يعنون جبراً الرومي غلام عامر بن الحضرمي. وقيل جبراً ويساراً كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه. وقيل عائشاً غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كتب. وقيل سلمان الفارسي. {لّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه، مأخوذ من لحد القبر. وقرأ حمزة والكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء، لسان أعجمي غير بين. {وَهَـٰذَا } وهذا القرآن. {لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} ذو بيان وفصاحة، والجملتان مستأنفتان لإِبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون ما تلقفه منه. وثانيهما: هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه لكن لم يتلقف منه اللفظ، لأن ذلك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف تعلم جميع ذلك من غلام سوقي سمع منه في بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية لعلهما لم يعرفا معناها، وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمداً إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعاً يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان، لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه، فلهذا قال الله تعالى راداً عليهم في افترائهم ذلك: {لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ} أي: القرآن، أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على نبي أُرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل. قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - كثيراً ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له: جبر - عبد لبعض بني الحضرمي - فأنزل الله { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ} وكذا قال عبد الله بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قيناً بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ}، وقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة، وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتاباً لهما بلسانهما، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهما، فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية. وقال الزهري عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارتد بعد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة، قبحه الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ } للتحقيق {نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ } القرآنَ {بُشّرَ } وهو قين نصراني كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليه. قال تعالى {لّسَانُ } لغة {ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ } يميلون {إِلَيْهِ } أنه يعلّمه {أَعْجَمِىٌّ وَهَٰذَا } القرآن {لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } ذو بيان وفصاحة فكيف يعلمه أعجمي.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمُه بشرٌ} اختلف في اسم من أراده المشركون فيما ذكروه من تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أربعة أقاويل: أحدها: أنه بلعام وكان قيناً بمكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه يعلمه، فاتهمته قريش أنه كان يتعلم منه، قاله مجاهد. الثاني: أنه كان عبداً أعجمياً لامرأة بمكة، يقال له أبو فكيهة، كان يغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرأ عليه ويتعلم منه، فقالوا لمولاته احبسيه فحبستْه، وقالت له: اكنس البيت وكل كناسته، ففعل وقال: والله ما أكلت أطيب منه ولا أحلى، وكان يسأل مولاته بعد ذلك أن تحبسه فلا تفعل. الثالث: أنهما غلامان لبني الحضرمي، وكانا من أهل عين التمر صيقلين يعملان السيوف اسم أحدها يسار، والآخر جبر، وكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله ربما جلس إليهما، قاله حصين بن عبد الله بن مسلم. الرابع: أنه سلمان الفارسي، قاله الضحاك. {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} في يلحدون تأويلان: أحدهما: يميلون إليه. الثاني: يعترضون به، يعني أن لسان من نسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التعلم منه أعجمي. {وهذا لسانٌ عربيٌ مبين} يعني باللسان القرآن لأنه يقرأ باللسان، والعرب تقول: هذا لسان فلان، تريد كلامه، قال الشاعر: شعر : لـسـان السوء تـهـديها إلـينا وخُنْتَ وما حسبتُك أن تخونا
ابن عبد السلام
تفسير : {بَشَرٌ} بلعام فتى بمكة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ليعلمه فاتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يتعلم منه، أو يعيش عبد بني الحضرمي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه القرآن، أو غلامان صيقلان لبني الحضرمي من أهل عين التمر كانا يقرآن التوراة فربما جلس إليهما الرسول صلى الله عليه وسلم، أو سلمان الفارسي. {يُلْحِدُونَ} يميلون، أو يعرضون به. والعرب يعبّرون عن الكلام باللسان.
الخازن
تفسير : قوله عزو جل: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} وذلك أن كفار مكة قالوا: إنما يتعلم هذه القصص وهذه الأخبار من إنسان آخر وهو آدمي مثله، وليس هو من عند الله كما يزعم فأجابهم الله بقوله ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر واختلفوا في ذلك البشر من هو فقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قيناً بمكة اسمه بلعام وكان نصرانياً أعجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فكانوا يقولون إنما يعلمه بلعام. وقال عكرمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرىء غلاماً لبني المغيرة يقال له يعيش فكان يقرأ الكتب؟ فقالت قريش: إنما يعلمه يعيش، وقال محمد بن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني عبد لبعض بني الحضرمي يقال له: جبر وكان يقرأ الكتب. وقال عبيد الله بن مسلمة: كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال لأحدهما: يسار ويكنى أبا فكيهة، ويقال للآخر: جبر وكانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل بمكة فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن فيقف ويستمع قال الضحاك: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقعد إليهما فيتروح بكلامهما، فقال المشركون إنما يتعلم محمد منهما. وقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلم محمد من عائش المملوك كان لحويطب بن عبد العزى كان نصرانياً، وقد أسلم وحسن إسلامه وكان أعجمياً، وقيل: هو عداس غلام عتبة بن ربيعة، والحاصل أن الكفار اتهموا رسول الله صلى الله عليه سلم وقالوا إنما يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يضيفها لنفسه، ويزعم أنه وحي من الله عز وجل وهو كاذب في ذلك فأجاب الله عنه، وأنزل هذه الآية تكذيباً لهم فيما رموا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب فقال تعالى {لسان الذي يلحدون إليه} يعني يميلون، ويشيرون إليه {أعجمي} يعني هو أعجمي والأعجمي هو الذي لا يفصح في كلامه، وإن كان يسكن البادية ومنه سمي زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان من العرب، والعجمي منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحاً بالعربية والأعرابي الذي يسكن البادية، والعربي الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب وهو منسوب إلى العرب {وهذا لسان عربي مبين} يعني بين الفصاحة والبلاغة ووجه الجواب، هو أن الذي يشيرون إليه رجل أعجمي في لسانه عجمة تمنعه من الإتيان بفصيح الكلام ومحمد صلى الله عليه وسلم جاءكم بهذا القرآن الفصيح الذي عجزتم أنتم عنه، وأنتم أهل الفصاحة والبلاغة، فكيف يقدر من هو أعجمي على مثله وأين فصاحة هذا القرآن من عجمة هذا الذي يشيرون إليه، فثبت بهذا البرهان، أن جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وحي أوحاه الله إليه وليس هو من تعليم الذي يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله} يعني لا يصدقون أنه من عند الله {لا يهديهم الله} يعني لا يرشدهم ولا يوفقهم للإيمان {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} يعني إنما يقدم على فرية الكذب من لا يؤمن بآيات الله فهو رد لقول كفار قريش إنما أنت مفترٍ {وأولئك هم الكاذبون} يعني في قولهم، إنما يعلمه بشر لا محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: قد قال تبارك وتعالى إنما يفترى الكذب فما معنى قوله تعالى وأولئك هم الكاذبون والثاني هو الأول؟ قلت: قوله سبحانه وتعالى إنما يفترى الكذب أخبار عن حال قولهم، وقوله: وأولئك الكاذبون نعت لازم لهم كقول الرجل لغيره كذبت وأنت كاذب، أي كذبت في هذا القول ومن عادتك الكذب، وفي الآية دليل على أن الكذب من أفحش الذنوب الكبار لأنه الكذاب المفتري، هو الذي لا يؤمن بآيات الله. روى البغوي بإسناد الثعلبي "حديث : عن عبد الله بن جراد قال: "قلت يا رسول الله، المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: المؤمن يكذب قال: لا قال الله تعالى إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله" ".
البقاعي
تفسير : ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح من ذلك وأفضح فقال تعالى: {ولقد نعلم} أي علماً مستمراً {أنهم يقولون} أي أيضاً قولاً متكرراً لا يزالون يلهجون به {إنما يعلمه بشر} وهم يعلمون أن ذلك سفساف من القول؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى: {لسان} أي لغة وكلام {الذين يلحدون} أي يميلون أو يشيرون {إليه} بإن علمه إياه، مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين {أعجمي} أي غير لغة العرب، وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين، وهو غلام كان نصرانياً لبعض قريش اختلف في اسمه، وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء، ومنه عجم الزبيب - لاستتاره، والعجماء: البهيمة - لأنها لا تقدر على أيضاح ما في نفسها، وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة. {وهذا} أي القرآن {لسان عربي مبين *} أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ذو بيان عظيم، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم، فكيف وهو أعجمي. فلما بانت بهذا فضيحتهم، كان كأنه قيل: إن من العجب إقدامهم على مثل هذا العار وهم يدعون النزاهة؟ فأجاب بقوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون} أي يصدقون كل تصديق معترفين {بآيات الله} أي الذي له العظمة كلها {لا يهديهم الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق، بل يضلهم عن القصد، فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد، بسد باب الفهم والسداد. ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك بقوله: {ولهم عذاب أليم *} أي بذلك، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم وخلق القدرة لهم، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض. ولما زيف شبههم، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصوراً عليهم، فقال تعالى: {إنما يفتري} أي يتعمد {الكذب الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم الإيمان {بآيات الله} أي الذي له الكمال كله، فإن ردهم لما قام الدليل على أنه حق وعجزوا عنه تعمد منهم للكذب؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال: {وأولئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي خاصة {الكاذبون *} أي العريقون في الكذب ظاهراً وباطناً. ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقاً، أتبعهم صنفاً منهم هم أشدهم كفراً فقال تعالى: {من} أي أي مخلوق وقع له أنه {كفر بالله} أي الذي له صفات الكمال، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر، ولما كان الكفر كله ضاراً وإن قصر زمنه، أثبت الجار فقال تعالى: {من بعد إيمانه} بالفعل أو بالقوة، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ارتداداً عنه وجوب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه: فهو الكاذب، أو فعليه غضب من الله {إلا من أكره} أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر {وقلبه} أي والحال أن قلبه {مطمئن بالإيمان} فلا شيء عليه، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة، والآية حديث : نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه أكرهوه فتابعهم وهو كاره، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:كلا! إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلتتفسير : . {ولكن من شرح} أي فتح فتحاً صار يرشح به {بالكفر صدراً} أي منه أو من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة {فعليهم} لرضاهم به {غضب} أي غضب؛ ثم بين جهة عظمه بكونه {من الله} أي الملك الأعظم {ولهم} أي بظواهرهم وبواطنهم {عذاب عظيم *} لارتدادهم على أعقابهم. ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديراً بالتعجب منه، كان كأنه قيل: لم يفعلون، أو لم يفعل بهم ذلك؟ فقال تعالى: {ذلك} الارتداد أو الوعيد العظيم {بأنهم} أي بسبب أنهم {استحبوا} أي أحبوا حباً عظيماً {الحياة الدنيا} أي الدنيئة الحاضرة الفانية، فآثروها {على الآخرة} الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن من الضيق والكافر من السعة {و} بسبب {أن الله} أي الملك الذي له الغنى الأكبر {لا يهدي القوم الكافرين *} الذين علم استمرارهم عليه، بل يخذلهم ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قيناً بمكة اسمه بلعام، وكان عجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام فأنزل الله {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ...} الآية. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: {إنما يعلمه بشر} قال: قالوا إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي - وهو صاحب الكتب - فقال الله: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاماً لبني المغيرة أعجمياً، يقال له مقيس. وأنزل الله {ولقد نعلم أنهم يقولون ...} الآية. وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} قال: قول قريش: إنما يعلم محمداً بن الحضرمي وهو صاحب كتب {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} يتكلم بالرومية {وهذا لسان عربي مبين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: يقولون إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي كان يسمى مقيس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في الآية قال: كانوا يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي، وأنزل الله {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: حديث : إن الذي ذكر الله في كتابه أنه قال: {إنما يعلمه بشر} إنما افتتن من أنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يملي عليه سميع عليم، أو عزيز حكيم أو نحو ذلك من خواتيم الآية، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: "يا رسول الله، أعزيز حكيم أو سميع عليم؟ فيقول: أي ذلك كتبت فهو كذلك، فافتتن وقال: إن محمداً ليكل ذلك إلي فأكتب ما شئت"تفسير : . فهذا الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا آذاه أهل مكة، دخل على عبد لبني الحضرمي يقال له: أبو يسر، كان نصرانياً وكان قد قرأ التوراة والإنجيل، فساءله وحدثه. فلما رآه المشركون يدخل عليه قالوا: يعلمه أبو اليسر. قال الله: {هذا لسان عربي مبين} ولسان أبي اليسر عجمي. وأخرج ابن أبي حاتم عن معاوية بن صالح قال: ذكر الكذب عند أبي أمامة فقال: اللهم عفواً، أما تسمعون الله يقول: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون}. وأخرج الخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن عساكر في تاريخه، حديث : عن عبد الله بن جراد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "هل يزني المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك. قال: هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك. قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا. ثم أتبعها نبي الله صلى الله عليه وسلم {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون}" . تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه، حديث : عن عبد الله بن جراد قال: قال أبو الدرداء "يا رسول الله، هل يكذب المؤمن؟ قال: لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من إذا حدث كذب ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أخوف ما أخاف عليكم ثلاثاً: رجل آتاه الله القرآن، حتى إذا رأى بهجته وتردى الإسلام، أعاره الله ما شاء، اخترط سيفه، وضرب جاره، ورماه بالكفر. قالوا: يا رسول الله، أيهما أولى بالكفر، الرامي أو المرمي به؟ قال: الرامي، وذو خليفة قبلكم آتاه الله سلطاناً فقال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، وكذب ما جعل الله خليفة حبه دون الخالق، ورجل استهوته الأحاديث كلما كذب كذبة وصلها بأطول منها، فذاك الذي يدرك الدجال فيتبعه ".
القشيري
تفسير : لم يستوحش الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - من تكذيبهم، وخفاءِ حاله وقَدْرِه عليهم.. وأيُّ ضررِ يلحق مَنْ كانت مع السلطان مُجَالَسَتُه إذا خَفِيَتَ على الأَخَسِّ مِنَ الرعيةِ حالتُه؟ ثم إنه أقام الحجةَ في الردِّ عليهم حيث قال: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}: فَمِن فَرْطِ جهلهم توهموا أنَّ القرآنَ - الذي عجز كافةُ الخَلْق عن معارضته في فصاحته بلاغته - مقولٌ وحاصلٌ باتصاله بِمَنْ هو أعجمي النطق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد نعلم} ادخل قد توكيدا لعلمه بما يقولون ومرجع توكيد العلم الى توكيد الوعد والوعيد لهم. ذكر ابن الحاجب انهم نقلوا قد اذا دخلت على المضارع من التقليل الى التحقيق كما ان ربما فى المضارع نقلت من التقليل الى التحقيق {انهم} اى كفار مكة {يقولون انما يعلمه} اى القرآن {بشر}. قال الامام الواحدى فى اسباب النزول عن عبيد بن مسلمة قال كان لنا غلامان نصرانيان من اهل عين التمر اسم احدهما يسار والآخر جبر وكان صيقلين [يعنى شمشيرهارا صيقل زدندى] فكانا يقرآن كتابا لهم بلسانهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهما ويسمع قراتهما فكان المشركون يقولون يتعلم منهما فانزل الله تعالى هذه الآية واكذبهم فالمراد بالبشر ذانك الغلمان {لسان الذى يلحدون اليه اعجمى} مبتدأ وخبر وكذا ما بعده لابطال طعنهم. والالحاد الامالة (من ألحد القبر اذا مال حفره عن الاستقامة فحفر فى شق منه ثم استعير لكل امالة عن الاستقامة فقالوا ألحد فلان فى قوله وألحد فى دينه ومنه الملحد لانه امال مذهبه عن الاديان كلها ولم يمله عن دين الى دين والاعجمى هو الذى لا يفصح وان كان عربيا والعجمى المنسوب الى العجم وان كان فصحيا. والمعنى لغة الرجل الذى يميلون اليه القول عن الاستقامة ويشيرون اليه انه يعلم محمد اعجمية غير بينة {وهذا} القرآن الكريم {لسان عربى مبين} ذو بيان وفصاحة فكيف يصدر عن اعجم. يعنى ان القرآن معجز بنظمه كما انه معجز بمعناه لاشتماله على الاخبار عن الغيب فان زعمتم ان بشرا يعلمه معناه فكيف يعلمه هذا النظم الذى اعجز جميع اهل الدنيا. وفى التأويلات النجمية الاعجمى هو الذى لا يفهم من كلام الله تعالى ما اودع الله فيه من الاسرار والاشارات والمعانى والحقائق فانه لا يحصل ذلك الا لمن رزقه الله فهما يفهم به واللسان العربى هو الذى يسره الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبين له معانيه وحقائقه كما قال تعالى {أية : فإنما يسرناه بلسانك}تفسير : وقال {أية : فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه}تفسير : فالعربي المبين هو الذى أعطاه الله قلبا فهيما ولسانا مبينا فافهم جدا.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {يلحدون} بفتح الياء والحاء. والباقون بضم الياء وكسر الحاء، وهما لغتان، يقال: ألحد يلحد إِلحاداً، فهو ملحد، ولحد يلحد فهو ملحود، وقيل لِحد في القبر وألحد في الدين، والإلحاد الميل عن الصواب ويقال للذي يميل عن الحق ملحد، ومند اللحد في جانب القبر. ويقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إِنا {نعلم أنهم يقولون إِنما يعلمه} يعني الرسول {بشرٌ} مثله. وقال ابن عباس الذي مالوا اليه بأنه يعلم محمداً صلى الله عليه وسلم وكان اعجمياً هو (بلعام) وكان قيناً بمكة روميّاً نصرانياً. وقال الضحاك: أرادوا به (سلمان الفارسي). وقال قوم: أرادوا به إِنساناً يقال له: عايش او يعيش، كان مولى لحويطب بن عبد العزى، أسلم وحسن إِسلامه، فقال الله تعالى ردا عليهم {لسان الذي} يميلون اليه أعجمي {وهذا} القرآن {لسان عربي مبين} كما تقول العرب للقصيدة هذا لسان فلان، قال الشاعر: شعر : لسان السوء تهديها الينا وجنت وما حسبتك ان تحينا تفسير : والاعجمي الذي لا يفصح، والعجمي منسوب الى العجم، والاعرابي البدوي والعربي منسوب إِلى العرب {ومبين} معناه ظاهر بيِّن لا يشكل.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} يضيفون ويميلون قولك الى تعليمه {أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} قيل كانوا يقولون انّما يعلّمه ابو فكيهة مولى ابن الخضرمىّ وكان اعجمىّ اللّسان وآمن بالنّبىّ (ص) وكان من اهل الكتاب، وقيل: كانوا يقولون انّما يعلّم النّبىّ (ص) بشر يقال له بلعام وكان قيناً روميّاً نصرانيّاً، وقيل: ارادوا به سلمان الفارسىّ رحمه الله، وقيل: ارادوا به غلامين نصرانيّين.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} يعنون عبداً لابن الحضرمي في قول الحسن وغيره. وبعضهم يقول: عداس، غلام عتبة. وكان الكلبي يجمعهما جميعاً ويقول: كان عداس يهودياً فأسلم. وكان يقرآن كتابهما بالعبرانية، وكانا أعجمي اللسان. قال: { لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيُّ} أي: يميلون إليه في تفسير الكلبي. وقال الحسن: الذي يذهبون إليه أنه يعلِّم محمداً أعجمي، أي: كيف يعلّم صاحب اللسان الأعجمي صاحب اللسان العربي، والعربي لا يفهم اللسان الأعجمي ولا يعلم ما يقول: ألا تراه يقول: { وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن. وفي قول الحسن: هو عبد لابن الحضرمي، وكان كاهناً في الجاهلية. وقال مجاهد: هو عبد لابن الحضرمي، رومي وصاحب كتاب. قال: يقول الله: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} أي: يتكلم بالرومية، وهذا لسان عربي مبين. فكيف ينقل اللسان العجميَّ [ذو] اللسان العربي بما لا يفهمه عنه من لسانه. قوله: { إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ} هؤلاء الذين لا يريد الله أن يهديهم يلقونه بكفرهم. وهو كقوله: (أية : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يَّطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ)تفسير : [المائدة:41] أي: بكفرهم. { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع. قوله: { إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ} يعني المشركين { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ}. قوله: { مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} نزلت في عمار بن ياسر وأصحابه. أخذهم المشركون فوقفوهم على الكفر بالله وبرسوله، فخافوا منهم، فأعطوهم ذلك بأفواههم. ذكروا أن عمار بن ياسر قال: أخذني المشركون فلم يتركوني حتى شتمت رسول الله وذكرت آلهتهم بخير. قال: [فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم] فقال لي: حديث : ما وراءك؟" قلت: شرٌّ يا رسول الله، والله ما تُرِكتُ حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال فقال لي رسول الله:"كيف تجد قلبك؟" قلت: أجد قلبي مطمئناً بالإِيمان. قال: "فإن عادوا فعد تفسير : . فبلغنا أن هذه الآية نزلت عند ذلك: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِيمَانِ} أي: راضٍ بالإِيمان. قال: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} قال بعضهم: يعني عبد الله بن أبي سرح، {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: في الآخرة.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ} أى أهل مكة {إِنَّمَا يُعَلِّمُهَُ} أى يعلم ما يزعم محمد أنه قرآن من الله {بَشَرٌ} فما يقوله إِنما هو قصص ووعظ يتلقفه من ادعى لا من الله كما يزعم ويريدون بالبشر غلاما نصرانيا لبعض قريش فى مكة يسمى بلعام كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلمه الإِسلام ويرومه عليه وكان يدخل على الغلام ويعرفه، قاله ابن عباس رضى الله عنهما أو غلاما لبنى المغيرة يقال له يعيش كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقريه ويعلمه وكان الغلام يقرأ الكتب. قاله عكرمة أن غلاما روميا نصرانيا لعامر ابن الحضرمى يسمى جبر وكان كاهنا وكان يقرأ الكتب وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثيرا ما يقعد إِليه عند المروة قاله مجاهد وابن إسحاق والحسن أو جبر المذكور وعبد آخر يسمى يسار أو يكنى أبا فكيهة وهما من أهل عين النهر كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإِنجيل فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِذا مر عليهما يقرآن وقف عليهما يسمع، قاله عبد الله بن مسلم قيل لأَحدهما إِنك تعلم محمد. فقال بل هو يعلمنى. وعن الضحاك أنه كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِذا أذاه الكفار قعد إِليهما يتروح بكلامهما، والبشر يطلق على الواحد فصاعدا ويسار المذكور وحده قاله بعض أو ما يشاء غلاما لحويطب بن عبد العزى أسلم وحسن إسلامه، وكان ذا كعب قاله الفراء أو عداس غلام عتبة بن ربيعة قاله بعض أو سلمان الفارسى قاله بعض أو عداس المذكور وكان يهوديا فأَسلم وجبر المذكور وكان يقرأ من التوراة والإِنجيل بالعبرانية. قاله الكلبى واستأنف الله الرد على المشركين فى قولهم إِنما يعلمه بشر بقوله عز وجل {لِّسَانُ الَّذِى} أى لغة البشر الذى وإِنما يطلق اللسان على اللغة لأَنه آلتها أو الأَصل لغة لسان البشر الذى بحذف المضاف {يُلْحِدُونَ} يميلون قولهم عن الصواب الذى هو كون القرآن كلام الله {إِلَيْهِ} بأَن قالوا كلامه لا كلام الله. قال أبو عمرو الدانى قرأ حمزة والكسائى هنا بفتح الياء والحاء والباقون بضم الباء وكسر الحاء وهو ملحد بكسر الحاء والشىء ملحد بفتحها أى ممال ولحده فهو لاحد والشىء ملحود ومن ذلك سمى الشق فى جانب القبر لحدا والميل عن الدين إِلحاداً لأَن كلا من ذلك إِمالة، وقرأ الحسن اللسان الذى يلحدون إِليه {أَعْجَمِىٌّ} غير متبين لأَنه ليس بلغة العرب ويسمى أيضا من لغته لغة العرب أعجم إِذا كان فى نطقه عجمة، ومن ذلك سمى زياد الأَعجم وهو من العرب والعجمى والأَعجمى نسبة إِلى العجم والأَعجم وهو من لغته غير عربية ويطلق أيضا على من نسبته فى العجم ولو كان كلامه عربيا فصيحا والجملة كما علمت مستأنفة كما فى قوله تعالى: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : بعد قوله جل وعلا: {أية : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} تفسير : {وَهَذَا} أى هذا اللسان أى اللغة وهى لغة القرآن نفعنا الله به أو هذا اللسان الذى هو لسان فم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا الرجل على حذف مضاف أى ولسان محمد الذى فى فمه أو لغة محمد وقيل الإِشارة إِلى القرآن {لِسانٌ} وقيل هذا سرد لسان أنطق لسان {عَرَبِىٌّ} منسوب إِلى العرب وهم أعم من الأَعراب فإِن الأَعراب سكان البادية فقط، وقيل العرب سكان القرى فقط {مُّبِينٌ} ذو بيان وفصاحة وبلاغة لا يتكلم بالعجمية ولا يطيق تعلمها لبعد مكانه فى البلاغة والفصاحة العربيتين عنها بخلاف ذلك البشر الأَعجم فبأَنه يمكنه أن يتعلم لغة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإِن لغة العرب أسهل اللغات، فما يسمعه من ذلك البشر الأَعجم لا يفهمه ولا أنتم تفهمونه والقرآن مفهم فكيف يتلقفه ولئن سلمنا أنه تلقف المعنى منه فعبر عنه بالعربية لم يسلم أن عبارة مخلوق تكن معجزة هذا الإِعجاز الذى شاهدتموه لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، وإِن سلم لم يسلم أن هذه العلوم الكثيرة التى فى القرآن التى لا تحصل إِلا بمدة طويلة مع معلم ماهر يحصل من غلام سوقى يسمع منه فى بعض أوقات مروره أو حين يريد التروح به عن أذى الكفار كلمات أعجمية لا يعرف إِلا بعضها لركة لسان ذلك البشر فى العربية جدا.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنُّهُمْ} كفارة مكة {يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ} يعلم محمدًا، والهاء له صلى الله عليه وسلم، والمفعول الثانى محذوف، أى يعلِّمه القرآن، ويجوز أن تكون القرآن فهى المفعول الثانى والأول محذوف، أى يعلمه محمدًا فمحمدًا مفعول أول مؤخرًا، وينوى تقديمه، ورجح بعضهم هذا ليوافق الهاء فى نزله، والمضارع للتجدد، وقيل: بمعنى الماضى والأول أولى. {بَشَرٌ} لا جبريل، وهو جبر الرومى غلام عامر بن الحضرمى بفتح الجيم وإِسكان الباء، كان يقرأ التوراة والإنجيل، وكان صلى الله عليه وسلم يمر عليه فى بعض الأحيان، ويسمع ما يقرأ فقالوا: ما يقوله محمد يأخذه من جبر وليس يوحى إليه به، وقيل: جبر ويسار روميان من أهل عين المر يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان صلى الله عليه وسلم يمر بهما فى بعض الأحيان، يسمع قراءتهما قيل: يجلس إليهما إذا آذاه أهل مكة فقيل لأحدهما إِنك تعلِّم محمدًا فقال: لا، هو يعلمنى والبشر يطلق على الاثنين، فصاعدًا، وعلى الواحد فصح تفسيره بهما، وذكر السهيل بن الحضرمى عبد الله بن عماد له الأولاد: العلاء وعمر وعامر، أسلم العلاء وهاجر إلى النبى صلى الله عليه وسلم. وعبارة بعض أن هذا البشر الذى ذكروا أَسلم، وقد قيل: بشر عائش غلام حويطب بن عبد العزّى، وقيل: اسمه يعيش، أسلم وحسن إسلامه، وله كتب يقرؤها، وقيل: سَلمان الفارسى، ويرده أن سَلمان أسلم بالمدينة بعد الهجرة، وكان مملوكًا ليهودى بها، ولا يصح أنه ملكه الصديق، وأسلم وأعتقه بمكة، وقيل: البشر أبو فكيهة مولى لامرأة بمكة اسمه يسار، وهو يهودى، وقيل: غلام رومى لبعض قريش يسمى بلعام باسم بلعام الأول، كان صلى الله عليه وسلم يعلِّمه الإسلام، فقالوا: إنه هو يعلم محمدًا، أو لا مانع من إرادة كل من أمكن أن يذكروه. ورد الله عز وجل على نم قال: يعلمه بشر بقوله: {لِسَانُ} أى لغة {الّذِينَ يُلحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وهَذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ} فإذا فسر البشر بالاثنين أو بأكثر بإفراد الذى مراعاة اللفظ بشر، ثم إنه لا يخفى أن للظاهر أن المراد رجل واحد يعلمه، وأن سلمان إنما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لا بمكة، والسورة مكية، فيحتاج إِلى أن يقال المراد أنهم سيؤولون يعلمه بشر فقالوه بعد الهجرة، أو نزلت فى المدينة، وجعلت فى سورة مكية وغير ذلك أولى. ويلحدون يميلون بفتح ياء يميلون من الحد اللازم، بمعنى يلوحون بأن القرآن أخذه من البشر لا من جبريل عن الله، أو من المتعدى بمعنى أنهم يميلون القرآن إلى ذلك البشر بضم ياء يميلون، أو يميلون قولهم أو الاستقامة إليه رد الله عز وجل بأن لغة ذلك البشر خفية المعنى، مبهمة لا تتضح، وهذا القرآن أو كلام محمد الذى هو القرآن كلام متضح المعنى، يظهر بنفسه، أو يظهره غيره بأدنى تأمل، وكيف تكون معانيه الكثيرة المحتاجة إلى معلم ماهر فى زمان متسع، وتأليفه المعجز، وإخباره بالغيوب من قعود ساعات قليلة إلى أعجمى سوقى مملوك، لغته غير لغة العرب، ذلك بعيد عند كل عاقل، ولو كان يترجم له بالعربية، ومادة عجم للخفاء، ومنه العجماء وأنه لصلاتى الظهر والعصر، لأن القراءة فيهما سرا ذكره بعض الحنفية، وسمى اللغة لسانًا لأنه آلتها أو هذا سرد لسان لا يطيقه فصحاء العرب، فكيف غيرهم.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ} غير ما نقل عنهم من المقالة الشنعاء {إِنَّمَا يُعَلّمُهُ} أي يعلم النبـي صلى الله عليه وسلم القرآن، وهو الذي يقتضيه ظاهر كلام قتادة ومجاهد وغيرهما واختير كون الضمير للقرآن ليوافق ضمير {أية : نزَلَهُ} تفسير : [النحل: 102] أي يقولون إنما يعلم القرآن النبـي عليه الصلاة والسلام {بَشَرٌ} على طريق البت مع ظهور أنه نزَّله روح القدس عليه عليه الصلاة والسلام، وتأكيد الجملة لتحقيق ما تتضمنه من الوعيد، وصيغة الاستقبال لإفادة استمرار العلم/ بحسب الاستمرار التجددي في متعلقه فإنهم مستمرون على التفوه بتلك العظيمة، وفي "البحر" أن المعنى على المضي فالمراد علمنا وعنوا بهذا البشر قيل: جبرا الرومي غلام عامر بن الحضرمي وكان قد قرأ التوراة والإنجيل وكان صلى الله عليه وسلم يجلس إليه إذا آذاه أهل مكة فقالوا ما قالوا. وروي ذلك عن السدي، وقيل: مولى لحويطب بن عبد العزى اسمه عائش أو يعيش كان يقرأ الكتب وقد أسلم وحسن إسلامه قاله الفراء والزجاج، وقيل: أبا فكيهة مولى لامرأة بمكة قيل اسمه يسار وكان يهودياً قاله مقاتل وابن جبير إلا أنه لم يقل كان يهودياً. وأخرج آدم بن أبـي إياس والبيهقي وجماعة عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان نصرانيان من أهل عين التمر يقال لأحدهما يسار وللآخر جبر وكانا يصنعان السيوف بمكة وكانا يقرءان الإنجيل فربما مر بهما النبـي صلى الله عليه وسلم وهما يقرءان فيقف ويستمع فقال المشركون: إنما يتعلم منهما، وفي بعض الروايات أنه قيل لأحدهما أنك تعلِّم محمداً صلى الله عليه وسلم فقال لا بل هو يعلمني، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان بمكة غلام أعجمي رومي لبعض قريش يقال: له بلعام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه الإسلام فقالت قريش: هذا يعلم محمداً عليه الصلاة والسلام من جهة الأعاجم؛ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك أنه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وضعف هذا بأن الآية مكية وسلمان أسلم بالمدينة، وكونها إخباراً بأمر مغيب لا يناسب السباق، ورواية أنه أسلم بمكة واشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقه بها قيل ضعيفة لا يعول عليها كاحتمال أن هذه الآية مدنية. وقد أخبرني من أثق به عن بعض النصارى أنه قال له: كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يتردد إليه في غار حراء رجلان نصراني ويهودي يعلمانه، ولم أجد هذا عن أحد من المشركين وهو كذب بحت لا منشأ له وبهت محض لا شبهة فيه، وإنما لم يصرح باسم من زعموا أنه يعلمه عليه الصلاة والسلام مع أنه أدخل في ظهور كذبهم للإيذان بأن مدار خطئهم ليس بنسبته صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين بل من البشر كائناً من كان مع كونه عليه الصلاة والسلام معدناً لعلوم الأولين والآخرين. {لّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ } اللسان مجاز مشهور عن التكلم، والإلحاد الميل يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه لحد القبر لأنه حفرة مائلة عن وسطه، والملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها، والأعجمي الغير البين، قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م في كلام العرب للإبهام والإخفاء وضد البيان والإيضاح، ومنه قولهم: رجل أعجم وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان؛ وعجم الزبيب سمي بذلك لاستتاره واختفائه ويقال للبهيمة العجماء لأنه لا توضح ما في نفسها وسموا صلاتي الظهر والعصر العجماوين لأن القراءة فيهما سر وأما قولهم: أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته كأشكيت زيداً أزلت شكواه، والأعجمي والأعجم الذي في لسانه عجمة من العجم كان أو من العرب، ومن ذلك زياد الأعجم وكان عربياً في لسانه لكنة وكذاك حبيب الأعجمي تلميذ الحسن البصري قدس الله تعالى سرهما على ما رأيته في بعض التواريخ. والمراد من {ٱلَّذِى} على القول بتعدد من زعموا نسبة التعليم إليه الجنس ومفعول {يُلْحِدُونَ} محذوف أي تكلم الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه أي ينسبون التعليم إليه غير بين لا يتضح المراد منه. وظاهر كلام ابن عطية أن اللسان على معناه الحقيقي وهو الجارحة المعروفة. وقرأ الحسن {اللِّسان ٱلَّذِى} بتعريف/ اللسان بأَل ووصفه بالذي. وقرأ حمزة والكسائي وعبد الله بن طلحة والسلمي والأعمش {يُلْحِدُونَ } بفتح الياء والحاء من لحد، وألحد ولحد لغتان فصيحتان مشهورتان. {وَهَـٰذَا } القرآن الكريم {لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } ذو بيان وفصاحة على ما يشعر به وصفه ـ بمبين ـ بعد وصفه ـ بعربـي ـ والكلام على حذف مضاف عند ابن عطية أي سرد لسان أو نطق لسان، والجملتان مستأنفتان عند الزمخشري لإبطال طعنهم، وجوز أبو حيان أن يكونا حالين من فاعل {يَقُولُونَ } ثم قال: ((وهو أبلغ في الإنكار [عليهم] أي يقولون هذا والحال أن علمهم بأعجمية هذا البشر و [إبانه] عربية هذا القرآن كان ينبغي أن يمنعهم عن مثل تلك المقالة كقولك: أتشتم فلاناً وهو قد أحسن إليك وإنما ذهب الزمخشري إلى الاستئناف لأن مجىء الاسمية حالاً بدون واو شاذ عنده، وهو مذهب مرجوح [جداً] تبع فيه الفراء إذ مجيئها كذلك في كلام العرب أكثر من أن يحصى)) اهـ، وتقرير الإبطال ـ كما قال العلامة البيضاوي ـ يحتمل وجهين، أحدهما أن ما يسمعه من ذلك البشر كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن عربـي تفهمونه بأدنى تأمل فكيف يكون ما تلقفه منه. وثانيهما هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه ولكن لم يلقف منه اللفظ لأن ذلك أعجمي وهذا عربـي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة فكيف تعلم جميع ذلك من غلام سوقى سمع منه بعض المنقولات بكلمات أعجمية لعله لم يعرف معناها، وحاصل ذلك منع تعلمه عليه الصلاة والسلام منه مع سنده ثم تسليمه باعتبار المعنى إذ لفظه مغاير للفظ ذلك بديهية فيكفي دليلاً له ما أتى به من اللفظ المعجز ويمكن تقريره بنحو هذا على سائر الأقوال السابقة في البشر، وقال الكرماني: المعنى أنتم أفصح الناس وأبلغهم وأقدرهم على الكلام نظماً ونثراً وقد عجزتم وعجز جميع العرب عن الإتيان بمثله فكيف تنسبونه إلى أعجمي ألكن وهو كما ترى، وبالجملة التشبث في أثناء الطعن بمثل هذه الخرافات الركيكة دليل قوي على كمال عجزهم فقد راموا اجتماع اليوم والأمس واستواء السها والشمس:شعر : فدعهم يزعمون الصبح ليلا أيعمى الناظرون عن الضياء
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وإذا بدلنا آية مكان آية } تفسير : [سورة النحل: 101]. وهذا إبطال لتلبيس آخر مما يلبّسون به على عامّتهم، وذلك أن يقولوا: إن محمداً يتلقّى القرآن من رجل من أهل مكة. قيل: قائل ذلك الوليدُ بن المغيرة وغيره، قال عنه تعالى: {أية : فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر} تفسير : [سورة المدثر: 24 - 25]، أي لا يلّقنه مَلَك بل يعلّمه إنسان، وقد عيّنوه بما دلّ عليه قوله تعالى {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي}. وافتتاح الجملة بالتأكيد بلام القسم و (قدْ) يشير إلى أن خاصة المشركين كانوا يقولون ذلك لعامّتهم ولا يجهرون به بين المسلمين لأنه باطل مكشوف، وأن الله أطلع المسلمين على ذلك. فقد كان في مكّة غلام روميّ كان مولى لعامر بن الحضرمي اسمه جَبر كان يصنع السيوف بمكّة ويقرأ من الإنجيل ما يقرأ أمثالُه من عامّة النصارى من دعوات الصلوات، فاتّخذ زعماء المشركين من ذلك تمويهاً على العامة، فإن معظم أهل مكّة كانوا أمّيين فكانوا يحسبون من يتلو كلمات يحفظها ولو محرّفة، أو يكتب حروفاً يتعلّمها، يحسبونه على علم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما جَانبه قومه وقاطعوه يجلس إلى هذا الغلام، وكان هذا الغلام قد أظهر الإسلام فقالت قريش. هذا يعلّم محمداً ما يقوله. وقيل: كان غلام رومي اسمه بلعام، كان عبداً بمكة لرجل من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عليه يدعوه إلى الإسلام، فقالوا: إن محمداً يتعلّم منه، وكان هذا العبد يقول: إنّما يقف عليّ يعلّمني الإسلام. وظاهر الإفراد في {إليه} أن المقصود رجل واحد. وقد قيل: المراد عَبدَان هما جَبر ويَسار كانا قنّين، فيكون المراد بــــ{بشر} الجنس، وبإفراد ضميره جريانه على أفراد معاده. وقد كشف القرآن هذا اللّبس هنا بأوضح كشف إذ قال قولاً فصلاً دون طول جدال {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}، أي كيف يعلّمه وهو أعجميّ لا يكاد يبين، وهذا القرآن فصيح عربي معجز. والجملة جواب عن كلامهم، فهي مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن قولهم: {إنما يعلمه بشر} يتضمنّ أنه ليس منزّلاً من عند الله فيسأل سائل: ماذا جواب قولهم؟ فيقال: {لِسانُ الذي...} الخ، وهذا النّظم نظير نظم قوله تعالى: {أية : قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته} تفسير : [سورة الأنعام: 124]. وألْحَد: مثل لَحَد، أي مال عن القويم. فهو مما جاء من الأفعال مهموز بمعنى المجرد، كقولهم: أبان بمعنى بان. فمعنى {يلحدون} يميلون عن الحقِّ لأن ذلك اختلاقُ معاذير، فهم يتركون الحقّ القويم من أنه كلام منزّل من الله إلى أن يقولوا {يعلمه بشر}، فذلك ميل عن الحقّ وهو إلحاد. ويجوز أن يراد بالإلحاد الميْل بكلامهم المبهم إلى قَصدٍ معين لأنهم قالوا: {إنما يعلمه بشر} وسكتوا عن تعيينه توسعة على أنفسهم في اختلاق المعاذير، فإذا وجدوا ساذجاً أبَلْهَ يسأل عن المعني بالبشر قالوا له: هو جَبر أو بَلعام، وإذا توسّموا نباهة السائل تجاهلوا وقالوا: هو بشر من الناس، فإطلاق الإلحاد على هذا المعنى مثل إطلاق الميَل على الاختيار. وقرأ نافع والجمهور {يلحدون} ــــ بِضمّ الياءِ ــــ مضارع ألحد. وقرأ حمزة والكسائي {يَلحَدون} بِفتح الياءِ من لَحد مرادف أَلحد. وقد تقدّم الإلحاد في قوله تعالى: {أية : وذروا الذين يلحدون في أسمائه} تفسير : في سورة الأعراف (180). وليست هذه الهمزة كقولهم: ألحد الميتَ، لأن تلك للجعل ذَا لحد. واللسان: الكلام. سمّي الكلام باسم آلته. والأعجمي: المنسوب إلى الأعجم، وهو الذي لا يبين عن مراده من كل ناطق لا يفهمون ما يريده. ولذلك سمّوا الدوابّ العجماوات. فالياء فيه ياء النسب. ولما كان المنسوب إليه وصفاً كان النسب لتقوية الوصف. والمبين: اسم فاعل من أبان، إذا صار ذا إبِانة، أي زائد في الإبانة بمعنى الفصاحة والبلاغة، فحصل تمام التضادّ بينه وبين {لسان الذي يلحدون إليه}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}. أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم أن الكفار يقولون: إن هذا القرآن الذي جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم ليس وحياً من الله، وإنما تعلمه من بشر من الناس. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }تفسير : [الفرقان: 5]، وقوله: {أية : فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}تفسير : [المدثر: 24] أي يرويه محمد صلى الله عليه وسلم عن غيره، وقوله: {أية : وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ}تفسير : [الأنعام: 105] الآية كما تقدم (في الأنعام). وقد اختلف العلماء في تعيين هذا البشر الذي زعموا أنه يعلم النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح القرآن بأنه أعجمي اللسان. فقيل: هو غلام الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانياً فأسلم. وقيل: اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب الأعجمية. وقيل: غلام لبني عامر بن لؤي. وقيل: هما غلامان: اسم أحدهما يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتاباً لهم. وقيل: كانا يقرآن التوراة والإنجيل، إلى غير ذلك من الأقوال. وقد بين جل وعلا كذبهم وتعنتهم في قولهم: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} بقوله: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103]. أي كيف يكون تعلمه من ذلك البشر، مع أن ذلك البشر أعجمي اللسان. وهذا القرآن عربي مبين فصيح، لا شائبة فيه من العجمة. فهذا غير معقول. وبين شدة تعنتهم أيضاً بأنه لو جعل القرآن أعجمياً لكذبوه أيضاً وقالوا: كيف يكون هذا القرآن أعجمياً مع أن الرسول الذي أنزل عليه عربي. وذلك في قوله {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}تفسير : [فصلت: 44] أي أقرآن أعجمي، ورسول عربي. فكيف ينكرون أن القرآن أعجمي والرسول عربي، ولا ينكرون أن المعلم المزعوم أعجمي، مع أن القرآن المزعوم تعليمه له عربي. كما بين تعنتهم أيضاً، بأنه لو نزل هذا القرآن العربي المبين، على أعجمي فقرأه عليهم عربيّاً لكذبوه أيضاً، مع ذلك الخارق للعادة. لشدة عنادهم وتعنتهم، وذلك في قوله {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 198 - 199]. وقوله في هذه الآية الكريمة: {يلحدون} أي يميلون عن الحق. والمعنى لسان البشر الذي يلحدون، أي يميلون قولهم عن الصدق والاستقامة إليه - أعجمي غير بين، وهذا القرآن لسان عربي مبين، أي ذو بيان وفصاحة وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي {يلحدون} بفتح الياء والحاء، من لحد الثلاثي. وقرأه الباقون {يلحدون} بضم الياء وكسر الحاء من ألحد الرباعي، وهما لغتان، والمعنى واحد. أي يميلون عن الحق إلى الباطل. وأما {يلحدون} التي في (الأعراف، والتي في فصلت) فلم يقرأهما بفتح الياء والحاء إلا حمزة وحده دون الكسائي. وإنما وافقه الكسائي في هذه التي في (النحل) وأطلق اللسان على القرآن لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام. فتؤنثها وتذكرها. ومنه قول أعشى باهلة: شعر : إني أتتني لسان لا أسر بها من علو لا عجب فيها ولا سخر تفسير : وقول الآخر: شعر : لسان الشر تهديها إلينا وخنت وما حسبتك أن تخونا تفسير : قول الآخر: شعر : أتتني لسان بني عامر أحاديثها بعد قول نكر تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ}تفسير : [الشعراء: 84] أي ثناءً حسناً باقياً. ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام مذكراً قول الحطيئة: شعر : ندمت على لسان فات مني فليت بأنه في جوف عكم
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 103- إننا لنعلم ما يقوله كفار مكة: إنه لا يُعلم محمدا هذا القرآن إلا رجل من البشر نعرفه، هو شاب رومى، وما ينزله عليه ملك من عند اللَّه كما يقول قولهم، وهذا باطل، لأن الشاب الذى يقولونه عنه أنه يعلمك هذا التعليم أعجمى لا يحسن العربية، والقرآن لغة عربية واضحة الفصاحة، إلى حد أنكم عجزتم أيها المكابرون عن محاكاتها، كيف يصح بعد ذلك اتهامكم؟. 104- إن الذين لا يذعنون لآيات اللَّه التى عجزوا عن محاكاتها، وأصروا مع عجزهم، على كفرهم بها، لا يهديهم اللَّه، ولهم فى الآخرة عذاب شديد بسبب كفرهم وعنادهم. 105- إنما يجرؤ على افتراء الكذب على اللَّه من لا يؤمنون بآيات اللَّه، وأولئك هم - وحدهم - البالغون فى الكذب نهايته، ولست - أيها النبى - من هؤلاء حتى يتهموك بما اتهموك به. 106- إن الذين ينطقون بالكفر بعد الإيمان عليهم غضب من اللَّه إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر وهو عامر القلب بالإيمان، فإنه ناج من غضب اللَّه. أما الذين تنشرح قلوبهم للكفر، وتتجاوب مع قلوبهم ألسنتهم، فأولئك عليهم غضب شديد من اللَّه الذى أعد لهم عذابا عظيما فى الآخرة. 107- وذلك الذى استحقوه من غضب اللَّه وعذابه إنما كان بسبب حبهم الشديد لنعيم الدنيا ومتاعها الزائل حتى صرفهم هذا الحب عن الحق، وأعماهم عن الخير، فتركهم اللَّه وما يحبون من الكفر، لأنه قد جرت سنته فى خلقه بترك أمثال هؤلاء، وعدم هدايتهم لفسادهم، وتماديهم فى الباطل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بشر: يعنون قينا (حداداً) نصرانياً في مكة. لسان الذي يلحدون إليه: أي يميلون إليه. وهذا لسان عربي: أي القرآن فكيف يعلمه أعجمي. إلا من أكره: أي على التلفظ بالكفر فتلفظ به. ولكن من شرح بالكفر صدرا: أي فتح صدره الكفر وشرحه له فطابت نفسه له. وأولئك هم الغافلون: أي عما يراد بهم. لا جرم: أي حقاً. هم الخاسرون: أي لمصيرهم إلى النار خالدين فيها أبدا. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين الذين اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بالافتراء فقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} أي يعلم محمداً بشر أي إنسان من الناس، لا أنه وحي يتلقاه من الله. قال تعالى في الرد على هذه الفرية وإبطالها {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} أي يميلون إليه بأنه هو الذي يعلم محمد لسانه {أَعْجَمِيٌّ} لأنه عبدٌ رومي، {وَهَـٰذَا} أي القرآن {لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} ذو فصاحة وبلاغة وبيان فكيف يتفق هذا مع ما يقولون أنهم يكذبون لا غير، وقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} وهي نورٌ وهدى وحججٌ قواطع، وبرهان ساطع {لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} إلى معرفة الحق وسبيل الرشد لأنهم أعرضوا عن طريق الهداية وصدوا عن سبيل العرفان وقوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي جزاء كفرهم بآيات الله. وقوله {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} أي إنما يختلق الكذب ويكذب فعلاً الكافر بآيات الله لأنه لا يرجو ثواب الله ولا يخاف عقابه، فلذا. لا يمنعه شيء عن الكذب، أما المؤمن فإنه يرجو ثواب الصدق ويخاف عقاب الكذب فلذا هو لا يكذب أبداً، وبذا تعين أن النبي لم يفتر الكذب وإنما يفتري الكذب اولئك المكذبون بآيات الله وهم حقاً الكاذبون. وقوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} على التلفظ بالكفر {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} لا يخامره شك ولا يجد اضطراباً ولا قلقاً فقال كلمة الكفر لفظاً فقط، فهذا كعمار بن ياسر كانت قريش تكرهه على كلمة الكفر فأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في قولها بلسانه ولكن المستحق للوعيد الآتي {مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} أي رضي بالكفر وطابت نفسه وهذا وأمثاله {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي باءوا بغضب الله وسخطه ولهم في الآخرة عذاب عظيم، وعلل تعالى لهذا الجزاء العظيم بقوله {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} بكفرهم بالله وعدم إيمانهم به لما في ذلك من التحرر من العبادات، فلا طاعة ولا حلال ولا حرام، وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} هذا وعيد منه تعالى سبق به علمه وأن القوم الكافرين يحرمهم التوفيق للهداية عقوبة لهم على اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه. وقوه تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} وعلى سمعهم وأبصارهم أولئك الذين توعَّدهم الله بعدم هدايتهم هم الذين طبع على قلوبهم فهم لا يفهمون {وَسَمْعِهِمْ} فهم لا يسمعون المواعظ ودعاء الدعاة إلى الله تعالى {وأبصارهم} فهم لا يبصرون آيات الله وحججه في الكون، وما حصل لهم من هذه الحال سببه الإعراض المتعمد وإيثار الحياة الدنيا، والعناد، والمكابرة، والوقوف في وجه دعوة الحق والصد عنها. وقوله {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} أي عمَّا خلقوا له، وعما يراد لهم من نكال في الآخرة وعذابٍ أليم، وقوله تعالى {لاَ جَرَمَ} أي حقاً {أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ} المغبونون حيث وجدوا أنفسهم في عذاب أليم دائم لا يخرجون منه ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- دفاع الله تعالى عن رسوله ودرء كل تهمة توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. 2- المكذبون بآيات الله يحرمون هداية الله، لأن طريق الهداية هو الإِيمان بالقرآن. فلما كفروا به فعلى أي شيء يهتدون. 3- المؤمنون لا يكذبون لإِيمانهم بثواب الصدق وعقاب الكذب، ولكن الكافرين هم الذين يكذبون لعدم ما يمنعهم من الكذب إذ لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً. 4- الرخصة في كلمة الكفر في حال التعذيب بشرط اطمئنان القلب إلى الإِيمان وعدم انشراح الصدر بكلمة الكفر. 5- إيثار الدنيا على الآخرة طريق الكفر وسبيل الضلال والهلاك.
د. أسعد حومد
تفسير : (103) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَفْتَرُونَ كَذِباً عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَقُولُونَ إِنَّ الذِي يُعَلِّمُ مُحَمَّداً القُرْآنَ هُوَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ غُلاماً لِبَعْضِ بُطُونِ قُرْيَشٍ، وَبِيَّاعاً عِنْدَ الصَّفَا. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى رَدّاً عَلَى هؤُلاَءِ المُفْتَرِينَ: إِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الكُفَّارَ يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّداً يَتَلَقَّى القُرْآنَ مِنْ رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ يُسَمُّونَهُ، وَلكِنَّ هَذا الرَّجُلَ الأَعْجَمِيَّ لاَ يَعْرِفُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ هذا الأَعْجَمِيُّ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ هذا القُرآنِ فِي بَلاَغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَإِحْكَامِهِ، وَقَدْ تَحَدَّى اللهُ تَعَالَى قُرَيْشاً - وَالعَرَبَ جَمِيعاً - وَهُمْ أَهْلُ الفَصَاحَةِ وَاللّسَنِ، أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يَأْتُوا بِآيَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا. يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ - يَمِيلُونَ إِلَيْهِ وَيَنْسُبُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي هذه الآية اتهام آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وافتراء جديد عليه، لا يأنف القرآن من إذاعته، فمَنْ سمع الاتهام والافتراء يجب أنْ يسمع الجواب، فالقرآن يريد أنْ يفضحَ أمر هؤلاء، وأنْ يُظهِر إفلاس حُججهم وما هم فيه من تخبُّط. يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} [النحل: 103]. وقد سبق أنْ قالوا عن رسول الله "مجنون" وبرَّأه الله بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]. والخلقُ العظيم لا يكون في مجنون؛ لأن الخلُق الفاضل لا يُوضع إلا في مكانه، بدليل قوله تعالى: {أية : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [القلم: 2]. وسبق أنْ قالوا: ساحر وهذا دليل على أنهم مغفلون يتخبَّطون في ضلالهم، فلو كان محمد ساحراً، فَلِمَ لم يسحركم كما سحر المؤمنين به وتنتهي المسألة؟ وسبق أنْ قالوا "شاعر" مع أنهم أدْرى الناس بفنون القول شِعْراً ونثراً وخطابة، ولم يُجرِّبوا على محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً من ذلك، لكنه الباطل حينما يَلجّ في عناده، ويتكبّر عن قبول الحق. وهنا جاءوا بشيء جديد يُكذِّبون به رسول الله، فقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} [النحل: 103]. أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتردد على أحد أصحاب العلم ليعلمه القرآن فقالوا: إنه غلام لبني عامر بن لؤي اسمه (يعيش)، وكان يعرف القراءة والكتاب، وكان يجلب الكتب من الأسواق، ويقرأ قصص السابقين مثل عنترة وذات الهمة وغيرها من كتب التاريخ. وقد تضاربتْ أقوالهم في تحديد هذا الشخص الذي يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلّم على يديه، فقالوا: اسمه "عداس" وقال آخرون: سلمان الفارسي. وقال آخرون: بَلْعام وكان حداداً رومياً نصرانياً يعلم كثيراً عن أهل الكتاب .. الخ. والحق تبارك وتعالى يردُّ على هؤلاء، ويُظهِر إفلاسهم الفكري، وإصرارهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103]. اللسان هنا: اللغة التي يُتحدَّث بها. ويُلحِدون إليه: يميلون إليه وينسبون إليه أنه يُعلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أعجمي: أي لغته خفية، لا يُفصح ولا يُبين الكلام، كما نرى الأجانب يتحدثون العربية مثلاً. ونلاحظ هنا أن القرآن الكريم لم يقُلْ (عجمي)، لأن العجم جنس يقابل العرب، وقد يكون من العجم مَنْ يجيد العربية الفصيحة، كما رأينا سيبوَيْه صاحب (الكتاب) أعظم مراجع النحو حتى الآن وهو عَجمي. أما الأعجمي فهو الذي لا يُفصح ولا يُبين، حتى وإنْ كان عربياً. وقد كان في قبيلة لؤي رجل اسمه زياد يُقال له "زياد الأعجمي" لأنه لا يُفصح ولا يُبين، مع أنه من أصل عربي. إذن: كيف يتأتَّى لهؤلاء الأعاجم الذين لا يُفصحون، ولا يكادون ينطقون اللغة العربية، كيف لهؤلاء أنْ يُعلِّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء بمعجزة في الفصاحة والبلاغة والبيان؟ كيف يتعلم من هؤلاء، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم التقى بأحد منهم إلا (عداس) يُقال: إنه قابله مرة واحدة، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم تردَّد إلى معلم، لا من هؤلاء، ولا من غيرهم؟ كما أن ما يحويه القرآن الكريم من آيات وأحكام ومعجزات ومعلومات يحتاج في تعلُّمه إلى وقت طويل يتتلمذ فيه محمد على يد هؤلاء، وما جرّبْتم على محمد شيئاً من هذا كله. وهل يُعقل أن ما في القرآن يمكن أن يطويه صَدْرُ واحدٍ من هؤلاء؟! لو حدث لكان له من المكانة والمنزلة بين قومه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من منزلة، ولأشاروا إليه بالبنان ولذَاع صِيتُه، واشتُهر أمره، وشيء من ذلك لم يحدث. وقوله تعالى: {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103]. أي: لغته صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم عربية واضحة مُبِينة، لا لَبْسَ فيها ولا غموض. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} معناه يَعْدِلُونَ إِليهِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن قيل المشركين المكذبين لرسوله { أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ } هذا الكتاب الذي جاء به { بَشَرٌ } وذلك البشر الذي يشيرون إليه أعجمي اللسان { وَهَذَا } القرآن { لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } هل هذا القول ممكن؟ أو له حظ من الاحتمال؟ ولكن الكاذب يكذب ولا يفكر فيما يؤول إليه كذبه، فيكون في قوله من التناقض والفساد ما يوجب رده بمجرد تصوره. { إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } الدالة دلالة صريحة على الحق المبين فيردونها ولا يقبلونها، { لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ } حيث جاءهم الهدى فردوه فعوقبوا بحرمانه وخذلان الله لهم. { وَلَهُمْ } في الآخرة { عَذَابٌ أَلِيمٌ }. { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ } أي: إنما يصدر افتراه الكذب من { الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } كالمعاندين لرسوله من بعد ما جاءتهم البينات، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } أي: الكذب منحصر فيهم وعليهم أولى بأن يطلق من غيرهم. وأما محمد صلى الله عليه وسلم المؤمن بآيات الله الخاضع لربه فمحال أن يكذب على الله ويتقول عليه ما لم يقل، فأعداؤه رموه بالكذب الذي هو وصفهم، فأظهر الله خزيهم وبين فضائحهم، فله تعالى الحمد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 497 : 14 : 2 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن عكرمة قال، كان غلام لبني عامر بن لؤي، اظنه، يقال له يعيش، أو من أهل الكتاب. فقالت قريش: "هذا يعلم محمدا"، صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}. [الآية 103]. 498 : 15 : 5 - سفين في قرآءة عبد الله {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):