٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
193
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قال القوم: هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحرام حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 191] والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدماً على المخصص أو متأخراً عنه فإنه يصير مخصوصاً به والله أعلم. المسألة الثانية: في المراد بالفتنة ههنا وجوه أحدهما: أنها الشرك والفكر، قالوا: كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفاراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى: قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك وثانيها: قال أبو مسلم: معنى الفتنة ههنا الجرم قال: لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار. فإن قيل: كيف يقال: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقاً. قلنا الجواب من وجهين الأول: أن هذا محمول على الأغلب لأن الأغلب عند قتالهم زوال الكفر والشرك، لأن من قتل فقد زال كفره، ومن لا يقتل يخاف منه الثبات على الكفر فإذا كان هذا هو الأغلب جاز أن يقال ذلك. الجواب الثاني: أن المراد قاتلوهم قصداً منكم إلى زوال الكفر، لأن الواجب على المقاتل للكفار أن يكون مراده هذا، ولذلك متى ظن أن من يقاتله يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه. أما قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلدّينُ للَّهِ } فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك، لأنه ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين كله لله واسطة والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره، فصار التقدير كأنه تعالى قال: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام، وحتى يزول ما يؤدي إلى العقاب ويحصل ما يؤدي إلى الثواب، ونظيره قوله تعالى: {أية : تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } تفسير : [الفتح: 16] وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر بالقتال لهذا المقصود. أما قوله تعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } فالمراد: فإن انتهوا عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم، وهو إما كفرهم أو قتالهم، فعند ذلك لا يجوز قتالهم، وهو كقوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38]. أما قوله تعالى: {فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه وجهان الأول: فإن انتهوا فلا عدوان، أي فلا قتل إلاعلى الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى: {إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }. فإن قيل: لم سمي ذلك القتل عدواناً مع أنه في نفسه حق وصواب؟. قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] وقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُم} تفسير : [البقرة: 194] {أية : ومكروا ومكر ٱللَّه} تفسير : [آل عمران: 54] {أية : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } تفسير : [التوبة: 79] والثاني: إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ} أمْرٌ بالقتال لكل مشرك في كل موضع؛ على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: {فَإِن قَاتَلُوكُمْ} والأوّل أظهر، وهو أَمْرٌ بقتالٍ مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} ، وقال عليه السلام: «حديث : أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلٰه إلا الله»تفسير : . فدلّت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي كفر؛ فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر. قال ٱبن عباس وقتادة والربيع والسُّدّي وغيرهم: الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين. وأصل الفتنة: الاختبار والامتحان؛ مأخوذ من فتَنْتُ الفضة إذا أدخلتها في النار لتميّز رديئها من جيّدها. وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: {فَإِنِ ٱنْتَهَواْ} أي عن الكفر، إما بالإسلام كما تقدّم في الآية قبلُ، أو بأداء الجِزْية في حق أهل الكتاب؛ على ما يأتي بيانه في «براءة» وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم. وسُمِّيَ ما يصنع بالظالمين عدواناً من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسُمِّيَ جزاء العدوان عدواناً؛ كقوله: {أية : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]. والظالمون هم على أحد التأويلين: من بدأ بقتال، وعلى التأويل الآخر: من بقي على كُفْر وفتنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ } توجد {فِتْنَةٌ } شرك {وَيَكُونَ الدّينُ } العبادة {لِلَّهِ } وحده لا يعبد سواه، {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الشرك فلا تعتدوا عليهم دل على هذا {فَلاَ عُدْوٰنَ } اعتداء بقتل أو غيره {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ } ومن انتهى فليس بظالم فلا عدوان عليه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ...}. في الأنفال: {أية : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } تفسير : وأجاب بعضهم: بأن هذه في قتال كفار قريش وتلك في قتال جميع الكفار لأن قبلها {أية : قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}.تفسير : فالمراد في آية البقرة ويكون الدّين (الّذي) هم عليه لله ودينهم بعض الدين لا كله بخلاف آية الأنفال. قال ابن عرفة: هذا (ينتج) له العكس لأن الأمر بقتال جميع الكفار يقتضي أنّ المراد صيرورة جميع الدّين لله فلا يحتاج إلى التأكيد بكل، والأمر بقتال بعضهم لا يقتضي ذلك فهو أحق أن يؤكد (بكل).
الثعالبي
تفسير : {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ}: «ٱلْفَتْنَة»: هنا الشِّرْك، وما تابعه من أذى المؤمنين. قاله ابن عَبَّاس وغيره. و {ٱلدِّينِ } هنا: الطاعةُ، والشَّرْعُ، والانتهاءُ في هذا الموضع يصحُّ مع عموم الآية في الكفار؛ أنْ يكون الدُّخُولَ في الإِسلام؛ ويصحُّ أن يكون أداء الجزية. وقوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ...} الآية: قال ابن عبَّاس وغيره: نزلَتْ في عمرة القَضِيَّةِ، وعامِ الحديبيَةِ سنَةَ ستٍّ، حين صدَّهم المشركون، أي: الشهرُ الحرامُ الذي غلَّبكم اللَّه فيه، وأدخلكم الحَرَمَ عليهم سنَةَ سَبْعٍ - بالشهر الحرامِ الذي صدُّوكم فيه، والحرمات قصاصٌ. وقالتْ فرقةٌ: قوله: {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ }: مقطوعٌ مما قبله، وهو ابتداء أمر كان في أول الإِسلام أنَّ من ٱنتهكَ حرمَتَكَ، نِلْتَ منه مثْلَ ما ٱعتدَىٰ عليك. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}: قيل: معناه في أَلاَّ تعتدوا، وقيل: في ألاَّ تزيدُوا على المثل. وقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ...} الآية: سبيلُ اللَّهِ هنا: الجهادُ، واللفظ يتناوَلُ بَعْدُ جميعَ سُبُلِهِ، وفي الصحيح أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ كان على القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فحمل رجُلٌ على عَسْكَر العدُوِّ، فقال قومٌ: ألقى هذا بيده إِلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إِنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الأنصار، حين أرادوا، لمَّا ظهر الإِسلام؛ أن يتركوا الجهادَ، ويَعْمُروا أموالهم، وأما هذا، فهو الذي قال اللَّه تعالَىٰ فيه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة:207]. وقال ابن عبَّاس، وحذيفةُ بْنُ اليَمَانِ، وجمهورُ الناس: المعنى: لا تُلْقُوا بأيديكم؛ بأنْ تتركُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّه، وتخافوا العَيْلَةَ. {وَأَحْسِنُواْ }: قيل: معناه: في أعمالكم بٱمتثال الطَّاعات؛ روي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل: المعنى: وأحسنوا في الإِنفاق في سبيل اللَّهِ، وفي الصَّدَقَات، قاله زَيْدُ بْنُ أَسْلَم، وقال عِكْرِمَة: المعنَىٰ: وأحْسِنُوا الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ. * ت *: ولا شَكَّ أن لفظ الآية عامٌّ يتناول جميعَ ما ذكر، والمخصَّص يفتقر إِلى دليل. فأما حُسْن الظن باللَّه سبحانه، فقد جاءَتْ فيه أحاديثُ صحيحةٌ، فمنها: «حديث : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»تفسير : ، وفي «صحيح مسلم»، عن جابرٍ، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: «حديث : لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»تفسير : انتهى. وأخرج أبو بكر بن الخَطِيبِ، بسنده، عن أنسٍ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ»تفسير : . انتهى. قال عبد الحَقِّ في «العاقبة»: أَمَّا حسْنُ الظنِّ باللَّهِ عزَّ وجلَّ عند الموت، فواجبٌ؛ للحديث. انتهى. ويدخل في عموم الآية أنواعُ المعروف؛ قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»تفسير : ، قَالَ أبُو جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ؛«حديث : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئاً مِنَ المَعْرُوفِ؛ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنْ تُفَرِّغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ المُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تَلْقَىٰ أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ»»تفسير : ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام: «حديث : أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ»تفسير : ، وقال عليه الصلاة والسَّلام: «حديث : إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ»تفسير : . انتهى من كتابه المسمَّىٰ بـــ «بهجة المَجَالسِ و أُنْس المُجَالِسِ».
البقاعي
تفسير : ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله: {وقاتلوهم} أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من أن يكونوا كفاراً أو لا {حتى لا تكون فتنة} أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن يؤذوا أحداً من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه، فقتال كل من وقع منه ذلك كفراً أو بغياً في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله {ويكون الدين} أي الطاعة والعبادة. ولما كان هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم أعراه من التأكيد فقال: {الله} أي الذي لا كفوء له خاصاً به بأن يكون أمر المسلمين ظاهراً، ليس للشيطان فيه نصيب، لا يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم، وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلاً ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم كتباً أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم يعمها التحريف، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعاً بها من غير فائدة تنتظر. قال الحرالي: ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة ويخلص الدين لله توحيداً ورضى وثباتاً على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى. {فإن انتهوا} أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نُهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر فيه النهى، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : ليليني منكم أولو الأحلام والنهى" تفسير : فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - انتهى. {فلا عدوان} أي فلا سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم، فإنه لا عدوان {إلا على الظالمين *} قال الحرالي: فذكر الظلم الشامل لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم، فإن اعتديتم عليهم سلطاناً عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء، فلا عدوان إلاّ عليكم لا عليهم، ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم. ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم عندهم شديداً جداً ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلماً لهم ما يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام: {الشهر الحرام} وهو ذو القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام {بالشهر الحرام} الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية. ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال: {والحرمات} أي كلها وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك {قصاص} أي تتبع للمساواة والمماثلة {فمن} أي فتسبب عن هذا أنه من {اعتدى عليكم} أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان {فاعتدوا عليه} أي فجاوزوه، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطيناً لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له {بمثل ما اعتدى} أي عدوانه {عليكم} أي بمثل الذي اعتدى عليكم به، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول: الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه. ولما جعل المماثلة حداً وكان أمرها خفياً والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعباً حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر أغلبه بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال: {واتقوا الله} أي المحيط علماً بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا تتجاوزوا {واعلموا} وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلاً فقال: {أن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله {مع المتقين *} ومن كان الله معه أفلح كل الفلاح "وما زاد الله عبداً بعفو إلاّ عزاً". قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل القاطع والفعو عن الظالم، ولما كان في هذه التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضاً لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفاً لهم فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى. ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظناً أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك {أية : الشيطان يعدكم الفقر} تفسير : [البقرة: 268] وقال الحرالي: ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي يحصل به الزكاء والنماء، وأيضاً لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق منه على الأنفس، ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ بأعمال الغريزتين: الشجاعة والجود، ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن، انتهى - فقال تعالى: {وأنفقوا} وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال: {في سبيل الله} أي الملك الذي كل شيء تحت قهره كما قال: {أية : وقاتلوا في سبيل الله} تفسير : [البقرة: 190] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك {أية : والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} تفسير : [البقرة: 265] قال الحرالي: فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى. فقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم} أي تسرعوا بوضعها إسراع من يلقي الشيء بعدم الإنفاق {إلى التهلكة} من الهلاك وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك، وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك، وقيل: إنه لا ثاني له في كلامهم، وحقيقة أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها. وقال الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى هدمه، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال: حسن صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: "إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا في أموالنا! فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو" وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقة". ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من أعلى خلال الإيمان قال تعالى: {وأحسنوا} أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه قصر الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن الجميل، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم {إن الله} الملك العظيم {يحب المحسنين} أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين. قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم تابعاً لترك المهاجرين أموالهم. ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل الله اسماً يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث "حديث : الحج من سبيل الله" تفسير : رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما {أية : مثابة للناس} تفسير : [البقرة: 125] و {أية : إن الصفا والمروة} تفسير : [البقرة: 158] الآية، و {مواقيت للناس والحج} ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلاً إليهما وبعضها سببه عمرة الحديبية التي صدّ المشركون عنها، فكان كأنه قيل: مواقيت للناس والحج فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكناً لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال: {وأتموا *} أي بعد فتح السبيل بالفتح {الحج والعمرة} بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما. ولما تقدم الإنفاق في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كلّه إنما هو لتقام العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال: {لله} الملك الذي لا كفوء له أي لذاته، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد. ولما كان سبحانه وتعالى قد أعز هذه الأمة إكراماً لنبيها صلى الله عليه وسلم فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدواً من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك بقوله بانياً للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل معين معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه: {فإن أحصرتم} أي منعتم وحبستم عن إتمامها، من الإحصار وهو منع العدو المحصر عن متصرفه كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي {فما} أي فالواجب على المحصر الذي منع عن إكماله تلافياً لما وقع له من الخلل في عملهما {استيسر} أي وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه، واليسر حصول الشيء عفواً بلا كلفة {من الهدي} إذا أراد التحلل من الحج والعمرة من الإبل والبقر والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالاً ولما كان الحاج هو الشعث التفل أشار إلى حرمة التعرض لشعره بقوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم} أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة، من الحلق. قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. {حتى يبلغ} من البلاغ وهو الانتهاء إلى الغاية {الهدي} أي إن كان معكم هدي {محله} أي الموضع الذي يحل ذبحه فيه، إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند المروة أو في منى ونحوهما. قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله سبحانه وتعالى وتوجيهه إلى البيت العتيق، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء، والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما الصلاة والسلام، وإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن تقديم أحدهما على الآخر قال: "حديث : افعل ولا حرج"تفسير : ، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء - انتهى. ولما كان الإنسان محلاً لعوارض المشقة وكان الله سبحانه وتعالى قد وضع عنا الآصار ببركة النبي المختار صلى الله عليه وسلم فجعل دينه يسراً قال: {فمن كان} وقيده بقوله: {منكم} أيها المحرمون {مريضاً} يرجى له بالحلق خير {أو به أذى} ولو قل، والأذى ما تعلق النفس أثره {من رأسه} بقمل أو غيره {ففدية} أي فعلية بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم عنه فدية {من صيام} لثلاثة أيام {أو صدقة} لثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين، لأن الصدقة كما قال الحرالي عدل الصيام عند فقده كما تقدم. ولليوم وجبتا فطر وسحور، لكل وجبة مُدَّان فلكل يوم صاع {أو نسك} أي تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية مخيرة. ولما كان الله سبحانه وتعالى بسعة حمله وعظيم قدرته وشمول علمه قد أقام أسباباً تمنع المفسدين على كثرتهم من التمكن من الفساد أشار إلى ذلك بأداة التحقيق بعد تعبيره عن الإحصار بأداة الشك فقال: {فإذا أمنتم} أي حصلتم في الأمن فزال الإحصار والمرض، و بني الفعل هنا للفاعل إشارة إلى أنه كأنه آت بنفسه تنبيهاً على أنه الأصل بخلاف الإحصار حثاً على الشكر {فمن تمتع} أي تلذذ باستباحة دخوله إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على مسافة القصر من الحرم {بالعمرة} ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ويستمر حلالاً في سفره ذلك {إلى الحج} أي إحرامه به من عامة ذلك من مكة المشرفة من غير رجوع إلى الميقات {فما} أي فعليه ما {استيسر} وجد اليسر به {من الهدي} من النعم يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل وهو مسافر، هذا للمتمتع وأما القارن فلجمعه بين النسكين في سفر واحد وشأنهما أن يكونا في وقتين وقت حل ووقت حرم، وفي العبارة إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة لأنه ترق من إحرام أدنى إلى إحرام أعلى. ولما أفهم التقييد باليسر حالة عسر بينها بقوله: {فمن لم يجد} أي هدياً، من الوجد وهو الطول والقدرة {فصيام} أي فعليه بدل الهدي صيام {ثلاثة أيام في الحج} أي في أيام تلبسه به فلا يصح قبله ويجب أن يكون قبل يوم عرفة بحيث يكون فيه مفطراً، {و} صيام {سبعة} أي من الأيام {إذا رجعتم} إلى بلادكم فلا تصح قبل الوصول، ولم يفرد ليفهم أن العبرة إمكان الرجوع لا حقيقة رجوعه، فلو أقام بمكة مثلاً صام بها، ولو فاتته الثلاثة في الحج فرق بينها وبين السبعة في الوطن بقدر مدة إمكان العود وزيادة أربعة أيام التشريق والعيد ليحكي القضاء الأداء. قال الحرالي: فيكون الصوم عدلاً للهدي الذي يطعمه المهدي كما كان الإطعام عدلاً للصوم في آية {وعلى الذين يطيقونه} انتهى. ولما كان للتصريح مزية ليست لغيره قال: {تلك} أي العدة النفسية المأمور بصومها {عشرة} دفعاً لاحتمال أن تكون الواو بمعنى "أو" أو أن يكون المراد بالسبع المبالغة دون الحقيقة وليحضر العدد في الذهن جملة كما أحضره تفصيلاً؛ والعشرة: قال الحرالي: معاد عد الآحاد إلى أوله. ولما كان زمن الصومين مختلفاً قال: {كاملة} نفياً لتوهم أن الصوم بعد الإحلال دون ما في الإحرام، والكمال: قال الحرالي: الانتهاء إلى الغاية التي ليس وراءها مزيد من كل وجه، وقال: فكما استوى حال الهدي في انتهائه إلى الحرم أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل القبول والرضاء لأهل الرضاء والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى. ولو قال: تامة، لم يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل بعض الأوصاف. ولما كان ربما وقع في الفكر السؤال عن هذا الحكم هل هو خاص أو عام استأنف تخصيصه بمن هو غائب عن حرم مكة على مسافة القصر فقال: {ذلك} أي الحكم المذكور العلي في نفعه الحكيم في وضعه {لمن لم يكن أهله} من زوجته أو أقاربه أو سكان وطنه. وقال الحرالي: والأهل سكن المرء من زوج ومستوطن {حاضري} على مسافة الحضر بأن يكون ساكناً في الحرم أو من الحرم على دون مسافة القصر وكل من كان هكذا فهو حاضر من الحضور وهو ملازمة الوطن لا على مسافة السفر من {المسجد الحرام} أي الحرم بل كان أهله على مسافة الغيبة منه وهي مسافة القصر. قال الحرالي إفصاحاً بما أفهمه معنى المتعة: وذلك لأن الله عز وجل إذا تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. وعبر عن الحرم بالمسجد إجلالاً وتعظيماً لما قرب من الحرم، كما عظم الحرم بقربه من المسجد، وعظم المسجد بمجاورة الكعبة؛ لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون لبيوتهم دور، ولدورهم أفنية، وحول تلك الأفنية بيوت خواصهم؛ وأما حاضروه فلا دم عليهم في تمتع ولا قران فرقاً بين خاصة الملك وغيرهم. ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها. قال الحرالي: لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر - انتهى. ولما كان من الأوامر ما هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال: {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة: 196] ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى من عند قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] شديداً على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه بقوله: {واتقوا} أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه والوقوف عند حدوده ظاهراً وباطناً واتقوا {الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب هذا الملك الأعظم وقاية، وأكد تعظيم المقام بالأمر بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية مما مضى فقال: {واعلموا} تنبيهاً على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم، {أن الله} أي الذي لا يداني عظمته شيء {شديد العقاب} وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث وما في حيزه، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح في الباب الخامس في تنزلات القرآن بحسب الأسماء: اعلم أن خطاب الله يرد بيانه بحسب أسمائه ويجمعها جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو اسمه الملك وما يتفصل إليه من الأسماء القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز الحكيم الذي يختم به آيات الأحكام {أية : نكالاً من الله والله عزيز حكيم} تفسير : [المائدة: 38] ثم ما تسمع آياته من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من الأسماء من معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات الرحمة {أية : ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً} تفسير : [الأحزاب: 73] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به بناؤها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة، ثم ما توجد آياته وجداناً في النفس وهي الربوبية وما ينتهي إليه معنى سواء أمرها من {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الفاتحة: 2] وما يتفصل إليه من الأسماء الواردة في ختم الإحاطات نحو {الواسع العليم}، فمن تفطن لذلك استوضح من التفصيل الختم واستشرح من الختم التفصيل. وقد كان ذلك واضحاً عند العرب فاستعجم عند المتعربين إلا ما كان ظاهر الوضوح منه ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان متين الإفهام في القرآن - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس في قوله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} يقول: شرك بالله {ويكون الدين} ويخلص التوحيد لله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال: الشرك {فإن انتهوا فلا عدوان إلى على الظالمين} قال: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فكان هذا كذا حتى نسخ، فأنزل الله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي شرك {ويكون الدين لله} قال: حتى يقال: لا إله إلا الله، عليها قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليها دعا. وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول"حديث : إن الله أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} قال: وإن الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله، يقاتل حتى يقول: لا إله إلا الله ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الربيع {ويكون الدين لله} يقول: حتى لا يعبد إلا الله. وأخرج ابن جرير عن عكرمة {فلا عدوان إلا على الظالمين} قال: هم من أبى أن يقول لا إله إلا الله. وأخرج البخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني إن الله حرم دم أخي. قالا: ألم يقل الله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
القشيري
تفسير : الإشارة من الآية إلى مجاهدات النفوس؛ فإنَّ أعدى عدوِّك نَفْسُك التي بين جنبيك. أي استوفِ أحكام الرياضات حتى لا يبقى للآثار البشرية شيء، وتُسلِم النَّفْسَ والقلبَ لله، فلا يكون مُعارِض ولا مُنازعُ منك لا بالتوقي ولا بالتلقي، لا بالتدبير ولا بالاختيار - بحالٍ من الأحوال؛ تجري عليك صروفه كما يريد، وتكون محواً عن الاختيارات، بخلاف ما يرد به الحكم، فإذا استسلمت النفس فلا عدوان إلا على أرباب التقصير، فأمّا من قام بحق الأمر تقصى عن عهدة الإلزام.
البقلي
تفسير : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} اى حاربوا انفسكم على دوام الرعياة لاوقاتكم بنعت تصفية احوالكم عن دنس الطبيعة وخبث الجبلة وازالة اوصاف البشرية حتى لا يكون وقوع خطرات العدو فى ديوان الاسرار يعنى صدور الصافية وقلوب جمع الهم اسراركم وطنات مكاشفات القربة وحقائق الايمان تستولى على بواطن حقيقة النفوس بنعت انفراد الاسرار بين يدي العزيز الفغار.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقاتلوهم} اى المشركين {حتى لا تكون} الى ان لا توجد ولا تبقى {فتنة} اى شرك يعنى قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثنى الا الاسلام فان أبى قتل {ويكون الدين لله} خالصا له ليس للشيطان نصيب فيه {فإن انتهوا} بعد مقاتلتكم عن الشرك {فلا عدوان إلا على الظالمين} اى فلا تعتدوا على المنتهين اذ لا يحسن ان يظلم الا من ظلم فحذف نفس الجزاء واقيمت علته مقامه والعلة لما كانت مستلزمة للحكم كنى بها عنه كأنه قيل فان انتهوا فلا تعدوا عليهم لان العدوان مختص بالظالمين والمنتهون عن الشرك ليسوا بظالمين فلا عدوان عليهم وسمى ما يفعل بالكفار عدوانا وظلما وهو فى نفسه حق وعدل لكونه جزاء الظلم للمشاركة كقوله تعالى {أية : وجزاء سيئةٍ سيئةٌ}تفسير : [الشورى: 40].
الطوسي
تفسير : المعنى: هذه الآية ناسخة للأولى التي تضمنت النهي عن القتال عند المسجد الحرام حتى يبدءوا بالقتال فيه، لأنه أوجب قتالهم على كل حال حتى يدخلوا في الاسلام في قول الجبائي، والحسن، وغيره، وعلى ما حكيناه عن ابن عباس، وعمر ابن عبد العزيز: أن الأولى ليست منسوخة، فلا تكون هذه ناسخة بل تكون مؤكدة، والفتنة الشرك في قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وإنما سمى الكفر فتنة، لأن الكفر يؤدي الى الهلاك كما تؤدي الفتن الى الهلاك، ولأن الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، والفتنة إنما هي الاختبار. والدين ها هنا قيل في معناه قولان: أحدهما - الاذعان لله بالطاعة كما قال الأعشى: شعر : هو دان الرباب إذ كر هو الدّ ين دراكا بغزوة وصيال تفسير : والثاني - الاسلام دون الكفر. وأصل الدين العادة في قول الشاعر: شعر : تقول إذا درأتُ لها وضيني أهذا دينه أبداً وديني تفسير : وقال آخر: شعر : كدينك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بما سل تفسير : وقد استعمل بمعنى الطاعة في قوله تعالى: {أية : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} تفسير : واستعمل بمعنى الاسلام، لأن الشريعة فيه يجب أن تجري على عادة قال الله تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}.تفسير : وقوله: {فإن انتهوا} معناه امتنعوا من الكفر وأذعنوا بالاسلام، {فلا عدوان إلا على الظالمين} أي فلا قتل عليهم، ولا قتل إلا على الكافرين المقيمين على الكفر، وسمي القتل عدواناً مجازاً من حيث كان عقوبة على العدوان، والظلم، كما قال: {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه}تفسير : وكما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : وكما قال: {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا}تفسير : وحسن ذلك لازدواج الكلام، ومزاوجته ها هنا على المعنى، لأن تقديره {فإن انتهوا} عن العدوان، {فلا عدوان إلا على الظالمين}. فان قيل: أيجوز أن تقول لا ظلم إلاّ على الظالمين كما جاز {لا عدوان إلا على الظالمين}؟ قلنا: على القياس لا يجوز، لأن ذلك مجاز، والمجاز لا يقاس عليه - عند المحصّلين - لئلا تلتبس الحقيقة بالمجاز. وإنما جاز في المزاوجة، لأن الكلام معه أبلغ، وأبلغ، كما قال عمرو بن شاس الأسدي: شعر : جزينا ذوى العدوان بالأمس فرضهم قصاصاً سواء حذوك النعل بالنعل تفسير : وأصل الظلم الانتقاص. من قوله تعالى {أية : ولم تظلم منه شيئاً}تفسير : وحقيقة ما قدمنا ذكره من أنه ضرر محض لا نفع فيه يوّفي عليه عاجلا ولا آجلا ولا هو واقع على وجه المدافعة.
الجنابذي
تفسير : {وَقَاتِلُوهُمْ} عطف على اقتلوهم يعنى فان قاتلوكم وبدؤكم بالقتال فى الحرم فاقتلوهم وقاتلوهم او عطف على لا تقاتلوهم عند المسجد يعنى لا تقاتلوهم فى الحرم الاّ ان يبدؤكم بالقتال فيه وقاتلوهم مطلقاً فى غيره بقرينة المقابلة {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} شرك وافساد {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ} اى سيرة الخلق او عبادتهم او طاعتهم او ملّتهم {لِلَّهِ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ} عن المقاتلة فى الحرم او عن الشرك مطلقاً فانتهوا عن القتال {فَلاَ عُدْوَانَ} اى لا عقوبة والعدوان مصدر عدا يعدو عدواً بمعنى الظّلم والعقوبة من غير استحقاقٍ لكنّه جرّد هاهنا عن قيد عدم الاستحقاق واستعمل للمشاكلة {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} المقاتلين او المشركين.
اطفيش
تفسير : {وَقَٰتِلُوهُمْ} عند المسجد الحرام وغيره، بدأوكم أو لم يبدأوكم {حَتَّى} إلى أو كى {لاَ تَكُونَ} تثبت {فِتْنَةٌ} ى شرك وصد وقتل منهم، ولا تقبل جزية، لأن الكلام فى شرك العرب فى الحرمين، وما يليهما، وليسوا أهل كتاب ولا مجوسا {وَيَكُونَ الدِّينُ} كله كما فى الأنفال ولم يذكره هنا لأن الكلام هنا فى أهل مكة والدين العبادة والتوحيد والاعتقادات والأمور التى هى صواب وحق يحكم بها ويؤمر بها وتتخذ دينا {لِلَّهِ} لا يعبد سواه ولا يعتبر شرع غيره من الأديان الباطلة ولا تعتقد الألوهية لغيره {فَإِنِ انْتَهَوُاْ} عن الشرك والقتال والصد فانتهوا عن قتالهم، أو فلا عدوان عليهم كما قال {فَلاَ عُدْوَٰنَ} أى لأنه لا عدوان {إِلاَّ عَلَى الظَّٰلِمِينَ} بالشرك والحرب والصد غير المنتهين عن ذاك. والمنتهى ليس ظالما، والعدوان البغض والقصد بسوء كالقتل والسبى والغنم، ولا يقال العدوان الظلم، والاعتداء معبراً به عن الجزاء عليهما للمشاكلة لأنا نقول غير الظالم لا تسمى الإساءة إليه جزاء أيضا، وفى قولنا المعنى لا تفعلوا ما هو فى صورة الظلم مجازاة بمثله إلا على الظالمين تكلف، وعلل قولة واقتلوهم حيث ثقفتموهم تعليلا جميليا بقوله: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ} ذو القعدة من السنة عند عمرة القضاء قال الله لا تكرهوا قتالهم فى الشهر الحرام فإنه مقابل قتالهم وصدهم لكم عام الحديبية، فإن منعوكم فى عمرة القضاء فقاتلوهم هتكا لحرمتهم كما هتكوها لكم فى الحديبية {بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} ذى القعدة من السنة السادسة فى الحديبية، قاتلهم المشركون فيها ببعض سهام وحجارة كما روى عن ابن عباس، وما فى البخارى من أنه لم يقع قتال فى الحديبية، معناه لم يقع قتال كبير، وعن ابن عباس، رمى المسلمون المشركين فى عمرة الفضاء حتى أدخلوهم ديارهم، وقيل لم يقع القتال فى ذى القعدة وإنما هو ما يراد عند الثانى {وَالْحُرُمَٰتُ} جمع حرمة ما يجب احترامه وحفظه، وهذا احتجاج لجواز هتك حرمة الشهر بهتكهم إياه فى الحديبية ولله أن يهتك ما شاء {قِصَاصٌ} أى شأن الحرمات قصاص، أو الحرمات ذوات قصاص، كأنه قيل الشهر الحرام من الحرمة والحرمة يجرى فيها القصاص فى الجملة، نفساً أو عرضاً أو مالا، والشهر الحرام مما أراد الله فيه القصاص بالقتال، وأما ما يقال الشهر الحرام من الحرمة، وكل حرمة يجرى فيها القصاص فالشهر الحرام فيه القصاص فلا، لأنه لا يثبت أن كل حرمة فيها قصاص {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فى عمره القضاء بالمنع عنها أو بالقتال فى الحرام أو الإحرام أو الشهر الحرام {فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ} جازوه عن اعتدائه، سمى فعلهم باسم الفعل الأول للشبه ولعلاقة الجوار وباسم الملزوم وباسم السبب، وكذا فى سائر اعتبار المشاكلة {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} بالدخول فى مكة، ولو كرهوا كما منعوكم منها فى العام الأول، وقاتلوهم على المنع، ولو لم يقاتلوا فيه، بل اقتصروا على المنع، كا تقاتلوهم إن قاتلا، ولا تزيدوا بأن تقاتلوهم ولم يقاتلوكم ولم يمنعوكم، أو بأن تقاتلوا من لم يقاتل، عمم الشافعى القتل بمثل ما قتل به محتجّاً بالآية كقتل بمحدد وخنق وحرق وتجويع وتغريق حتى لو أغرقه فى عذب لم يغرق فى ملح {وَاتَّقُواْ اللهَ} احذروا عقابه على المبالغة فى الانتقام وعلى الاعتداء الحقيقى الذى هو فعل ما لا يجوز، أو اتقوا الله فى الانتصار لأنفسكم بما لا يجوز وترك الاعتذار بما لا يجوز {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} بالعون فى أمر الدين والدنيا وبالنصر وإصلاح الشأن والحفظ، والاتقاء اتقاء المعاصى إجلالا لله، واتقاؤها خوفاً من عقابها واتقاء الله أيضاً إجلاله.
الالوسي
تفسير : {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} عطف على {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} تفسير : [البقرة: 190] والأول مسوق لوجوب أصل القتال وهذا لبيان غايته، والمراد من الفتنة الشرك على ما هو المأثور عن قتادة والسدي وغيرهما، ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإسلام أو السيف لقوله سبحانه: {أية : تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ }تفسير : [الفتح: 16] {وَيَكُونَ ٱلدّينُ للَّهِ} أي خالصاً له كما يشعر به اللام، ولم يجىء هنا كلمة ـ كله ـ كما في آية الأنفال لأن ما هنا في مشركي العرب، وما هناك في الكفار عموماً فناسب العموم هناك وتركه هنا {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} تصريح بمفهوم الغاية فالمتعلق الشرك ـ والفاء ـ للتعقيب {فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} علة للجزاء المحذوف أقيمت مقامه والتقدير: فان انتهوا وأسلموا ـ فلا تعتدوا ـ عليهم لأن العدوان على الظالمين والمنتهون ليسوا بظالمين، والمراد نفي الحسن والجواز لا نفي الوقوع لأن العدوان واقع على غير الظالمين، والمراد من العدوان العقوبة بالقتل، وسمي القتل عدواناً من حيث كان عقوبة ـ للعدوان ـ وهو الظلم كما في قوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ } تفسير : [البقرة: 194] {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] وحسن ذلك لازدواج الكلام والمزاوجة هنا معنوية ويمكن أن يقال سمي جزاء الظلم ظلماً لأنه وإن كان عدلاً من المجازي لكنه ظلم في حق الظالم من عند نفسه لأنه ظلم بالسبب لإلحاق هذا الجزاء به وقيل: لا حذف والمذكور هو الجزاء على معنى فلا تعتدوا على المنتهين إما بجعل {فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} بمعنى ـ فلا عدوان على غير الظالمين ـ المكنى به عن المنتهين، أو جعل اختصاص العدوان بالظالمين كناية عن عدم جواز العدوان على غيرهم وهم المنتهون، واعترض بأنه على التقدير الأول: يصير الحكم الثبوتي المستفاد من القصر زائداً، وعلى التقدير الثاني: يصير المكنى عنه من المكنى به، وجوز أن يكون المذكور هو الجزاء/ ومعنى: الظالمين المتجاوزين عن حد حكم القتال، كأنه قيل: فان انتهوا عن الشرك فلا عدوان إلا على المتجاوزين عما حده الله تعالى للقتال وهم المتعرضون للمنتهين، ويؤل المعنى إلى أنكم إن تعرضتم للمتقين صرتم ظالمين وتنعكس الحال عليكم ـ وفيه من المبالغة في النهي عن قتال المنتهين ما لا يخفى ـ وذهب بعضهم إلى أن هذا المعنى يستدعي حذف الجزاء، وجعل المذكور علة له على معنى: فإن انتهوا فلا تتعرضوهم لئلا تكونوا ظالمين فيسلط الله عليكم من يعدوا عليكم لأن ـ العدوان ـ لا يكون إلا على الظالمين أو فإن انتهوا يسلط عليكم من يعدوا عليكم على تقدير تعرضكم لهم لصيرورتكم ظالمين بذلك، وفيه من البعد ما لا يخفى فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } تفسير : [البقرة: 190] وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف هذه الجملة؛ لأنها مبينة لما أجمل من غاية الأمر بقتال المشركين ولكنها عطفت لما وقع من الفصل بينها وبين الجملة المبيَّنة. وقد تضمنت الجمل السابقة من قوله: { أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } تفسير : [البقرة: 191] إلى هنا تفصيلاً لجملة {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}؛ لأن عموم {الذين يقاتلونكم} تنشأ عنه احتمالات في الأحوال والأزمنة والبقاع وقد انقضى بيان أحوال البقاع وأفضت التوبة الآن إلى بيان تحديد الأحوال بغاية ألا تكون فتنة. فإذا انتهت الفتنة فتلك غاية القتال، أي إن خاسوا بالعهد وخفروا الذمة في المدة التي بينكم على ترك القتال فقد أصبحتم في حل من عهدهم فلكم أن تقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أخرى من بعد يفتنونكم بها وحتى يدخلوا في الإسلام، فهذا كله معلق بالشرط المتقدم في قوله: { أية : فإن قاتلوكم فاقتلوهم } تفسير : [البقرة: 191]، فإعادة فعل {وقاتلوهم} لتبنى عليه الغاية بقوله: {حتى لا تكون فتنة} وبتلك الغاية حصلت المغايرة بينه وبين {وقاتلوا في سبيل الله} وهي التي باعتبارها ساغ عطفه على مثله. فــــ (حتى) في قوله: {حتى لا تكون} إما أن تجعل للغاية مرادفة إلى، وإما أن تجعل بمعنى كي التعليلية وهما متلازمان؛ لأن القتال لما غيي بذلك تعين أن الغاية هي المقصد، ومتى كانت الغاية غير حسية نشأ عن (حتى) معنى التعليل، فإن العلة غاية اعتبارية كقوله تعالى: { أية : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم } تفسير : [البقرة: 217]. وأيَّا ما كان فالمضارع منصوب بعد (حتى) بأن مضمرة للدلالة على ترتب الغاية. والفتنة تقدمت قريباً. والمراد بها هنا كالمراد بها هنالك، ولما وقعت هنا في سياق النفي عمت جميع الفتن فلذلك ساوت المذكورة هنا المذكورة في قوله تعالى: { أية : والفتنة أشد من القتل } تفسير : [البقرة: 191] فإعادة الفتنة منكرة هنا لا يدل على المغايرة كما هو الشائع بين المعربين في أن المعرفة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى؛ لأن وقوعها في سياق النفي أفاد العموم فشمل جميع أفراد الفتنة مساوياً للفتنة المعرفة بلام الاستغراق إلاّ أنه استغراق عرفي بقرينة السياق فتقيد بثلاثة قيود بالقرينة أي حتى لا تكون فتنة منهم للمسلمين في أمر الدين وإلاّ فقد وقعت فتن بين المسلمين أنفسهم كما في حديث: « حديث : ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلاّ دخلته ». تفسير : وانتفاء الفتنة يتحقق بأحد أمرين: إما بأن يدخل المشركون في الإسلام فتنزل فتنتهم فيه، وإما بأن يقتلوا جميعاً فتزول الفتنة بفناء الفاتنين. وقد يُفرض انتفاء الفتنة بظهور المسلمين عليهم ومصير المشركين ضعفاء أمام قوة المسلمين، بحيث يخشون بأسهم، إلاّ أن الفتنة لما كانت ناشئة عن التصلب في دينهم وشركهم لم تكن بالتي تضمحل عند ضعفهم، لأن الإقدام على إرضاء العقيدة يصدر حتى من الضعيف كما صدر من اليهود غير مرة في المدينة في مثل قصة الشاة المسمومة، وقتلهم عبد الله بن سهل الحارثي في خيبر، ولذلك فليس المقصود هنا إلاّ أحد أمرين: إما دخولهم في الإسلام وإما إفناؤهم بالقتل، وقد حصل كلا الأمرين في المشركين ففريق أسلموا، وفريق قتلوا يوم بدر وغيره من الغزوات، ومن ثم قال علماؤنا: لا تقبل من مشركين العرب الجزية، ومن ثم فسر بعض المفسرين الفتنة هنا بالشرك تفسيراً باعتبار المقصود من المعنى لا باعتبار مدلول اللفظ. وقوله: {ويكون الدين لله} عطف على {لا تكون فتنة} فهو معمول لأن المضمرة بعد (حتى) أي وحتى يكون الدين لله، أي حتى لا يكون دين هنالك إلاّ لله أي وحده. فالتعريف في الدين تعريف الجنس، لأن الدين من أسماء المواهي التي لا أفراد لها في الخارج فلا يحتمل تعريفه معنى الاستغراق. واللام الداخلة على اسم الجلالة لام الاختصاص أي حتى يكون جنس الدين مختصاً بالله تعالى على نحو ما قرر في قوله: { أية : الحمد لله } تفسير : [الفاتحة: 2]، وذلك يئول إلى معنى الاستغراق ولكنه ليس عينه، إذ لا نظر في مثل هذا للأفراد، والمعنى: ويكون دين الذين تقاتلونهم خالصاً لله لاحظ للإشراك فيه. والمقصود من هذا تخليص بلاد العرب من دين الشرك وعموم الإسلام لها؛ لأن الله اختارها لأن تكون قلب الإسلام ومنبع معينه فلا يكون القلب صالحاً إذا كان مخلوط العناصر. وقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أثراً جيداً قال: جاءَ رجلان إلى ابن عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكزن فتنة ويكون الدين لله} فقال ابن عمر: قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، قال ابن عمر: كان الإسلام قليلاً فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. وسيأتي بيان آخر في نظير هذه الآية من سورة الأنفال. وقوله: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}، أي فإن انتهوا عن نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم، وهذا تصريح بمفهوم قوله: { أية : الذين يقاتلونكم } تفسير : [البقرة: 190] واحتيج إليه لبعد الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريحَ بأهم الغايتين من القتال؛ لئلا يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال. وقوله: {فلا عدوان إلا على الظالمين} قائم مقام جواب الشرط لأنه علة الجواب المحذوف، والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال، لأنهم غير ظالمين؛ وإذ لا عدوان إلاّ على الظالمين، وهو مجاز بديع. والعدوان هنا إما مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل أي فلا هجوم عليهم، وإما مصدر عدا بمعنى ظلم كاعتدى فتكون تسميته عدواناً مشاكلة لقوله: {على الظالمين} كما سمي جزاء السيئة بالسوء سيئة. وهذه المشاكلة تقديرية.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَقَاتِلُوهُمْ} {عُدْوَانَ} {ٱلظَّالِمِينَ} (193) - وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الكُفَّارِ حَتَّى لاَ تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَفْتِنُونَ بِهَا المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ إِظْهَارِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِليهِ، وَحَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ شِرْكٌ، وَحَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا، وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرَ العَاليَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ. فَإِنِ انْتَهَى المُشْرِكُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَكَفُّوا عَنْ قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَلاَ سَبيلَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلى قِتَالِهِمْ، لأَِنَّ القِتَالَ إِنَّما شُرِعَ لِرَدْعِ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالفِتْنَةِ. وَالعُدْوَانُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَتَجَاوَزَ العَدْلَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعرفنا أن الفتنة ابتلاء واختبار والحق يقول: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 2]. إن الحق يختبر الإيمان بالفتنة، ويرى الذين يُعلنون الإيمان هل يصبرون على ما فيه من ابتلاءات أم لا؟ فلو كان دخول الإسلام لا يترتب عليه دخول في حرب أو قتال ولا يترتب عليه استشهاد بعض المؤمنين لكان الأمر مغرياً لكثير من الناس بالدخول في الإسلام، لكن الله جعل لهم الفتنة في أن يُهزَموا ويُقتل منهم عدد من الشهداء، وذلك حتى لا يدخل الدين إلا الصفوة التي تحمل كرامة الدعوة، وتتولى حماية الأرض من الفساد، فلا بد أن يكون المؤمنين هم خلاصة الناس. لذلك قال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]. معنى أن يكون الدين لله، أي تخرجوهم من ديانة أنفسهم أو من الديانات التي فرضها الطغيان عليهم، وعندما نأخذهم من ديانات الطغيان، ومن الديانات التي زينها الناس إلى ديانات الخالق فهذه مسألة حسنة بالنسبة لهم، وتلك مهمة سامية. كأنك بهذه المهمة السامية تريد أن ترشد العقل الإنساني وتصرفه وتمنعه من أن يَديِنَ لمساو له؛ إلى أن يدين لمن خلقه. وعلى صاحب مثل هذا العقل أن يشكر مَنْ يوجهه إلى هذا الصواب. ولذلك يُجلى الحق سبحانه وتعالى هذه الحقيقة فيقول على لسان الرسول: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}تفسير : [الفرقان: 57]. فكأننا لو نظرنا إلى عمل الرسول بالنسبة إلينا بمنظار الاقتصاد لوجب أن يكون له أجر، لأنه يقدم المنفعة لنا، وبرغم ما قدمه من منفعة فهو لا يأخذ أجراً؛ لأنه زاهد في الأجر فإنه يعلم أن الأجر من المساوي له قليل مهما عظم وهو يريد الأجر ممن خلقه، وهذا طمع في الأعلى؛ لأنه لا يعطي الأجر على الإيمان إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يعطي بلا حدود. ويختتم الحق هذه الآية الكريمة بقوله: {فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 193]. أي أنهم إذا انتهوا إلى عدم قتالكم، فأنتم لن تعتدوا عليهم، بل ستردون عدوان الظالم منهم. والظالم حين يعتدي يظن أنه لن يقدر عليه أحد، والحق يطلب منا أن نقول له: بل نقدر عليك، ونعتدي عليك بمثل ما اعتديت علينا. ويعطينا الحق حيثية ذلك فيقول: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وإنما تعديب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، {وَيَكُونَ} [البقرة: 193]، استسلامها، {ٱلدِّينُ للَّهِ} [البقرة: 193]، فلا تعارض لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، {فَإِنِ ٱنْتَهَواْ} [البقرة: 193]، فإن استسلمت النفوس {فَلاَ عُدْوَانَ} [البقرة: 193]؛ أي: الجور والتعذيب، {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 193]، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى. ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 194]، اشار فيها أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، والأوراد بالأوراد، {وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]، واقضوا الغاية، واقتضوا الحقوق. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]؛ يعني: كل صفة من صفات النفس إذا غلبت واستولت عليكم، {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} [البقرة: 194]، وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، {بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 194]، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتناباً من الركون إلى شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، بالنصرة إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء. {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 195]، من الأموال والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى: {أية : وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [الصف: 11]، {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفرطه، ولا في جهاد الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من الأثنين، وأيضاً: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضاً: بموافقات النفوس ومخالفات النصوص، وأيضاً: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضاً: بملاحظة الأعمال في استجلاء الأحوال، وأيضاً: بالركون إلى الفتور بالحسان والغرور. {وَأَحْسِنُوۤاْ} [البقرة: 195]، مع نفوسكم بوقايتها عن نار الشهوات، ومع قلوبكم برعايتها عن دين الغفلات، ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات، ومع أسراركم بكلائتها عن ملاحظة المكونات، ومع الخلق بالتصفية ودفع الأذيات وإيصال الخيرات، ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات، والصبر على المضرات والبليات، والشكر على النعم والمسرات، والتوكل عليه في جميع الحالات، وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات، وتسليم الأحكام الأزليات، والرضا بالأقضية الأوليات، والفناء عن الإيرادات المحدثات في إرادته القديمة القائمة بالذات، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة. ثم أخبر عن شرائط الإحسان بإتمام ركن من الأركان بقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196]، والإشارة فيها أن حج العوام وعمرتهم قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده، كما قال الخليل: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الصافات: 99]، والحقيقة كما أنه أول من قصد الله وطلبه وتوجه بكليته إليه، وقال: {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [الأنعام: 79] وسلك هذا الطريق وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدواً، وقال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، كان الخليل عليه السلام، وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي؛ فلذلك جعله الله أول من بني بيت الله وطاف وحج {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ}تفسير : [الحج: 27]، وبين المناسك، وكان الحج صورة ومعنى، ظاهراً، وحقيقة مقامه عليه السلام كقوله تعالى: {أية : فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ}تفسير : [آل عمران: 97]، ولكنه كما كان له مقامات كان للنبي صلى الله عليه وسلم حالاً، والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من المواهب، فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب، ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات، فلما كان الخليل عليه السلام من أهل المقامات {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الصافات: 99]، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المواهب قيل: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 1]، فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة {أُحْصِرْتُمْ} الحج والعمرة، وقيل: له: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، فأفدي بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء، قيل له: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196]، فأتم حجه بإذن ربه، {أية : فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 8-9]، ثم أتم عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف تفرد بالشهود، وتجلي عناية المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى، {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]، ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع، وهو آخر الحجاب {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً}تفسير : [المائدة: 3]. ثم قال لأمته وقد علم فيهم الضعيف والعليل، وإذا التعلق والآفات، وأصحاب الحوائج والموانع: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} أي: واسعوا في إتمام صورة الحج وحقيقة بقدر استطاعتكم في متابعة صورة سير النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقته، أما إتمامه في الصورة بأن تقيموا شرائعه المشروعة، ويكون قصدكم من بيوتكم أن تخرجوا لا للتجارة ولا للنزاهة ولا للرياء والسمعة، بل يكون خالصاً لله تعالى، وأما إتمامه في الحقيقة فبأن يكون خروجك من وجودك وقصدك الله بالله لا لشيء من المقاصد في الدارين، وبأن يقيم شرائطه في الطريقة؛ لتبلغ الحقيقة وتتيقن بأنه {أية : لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ}تفسير : [النحل: 7]، {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} بعداوة النفس، وغلبة الهوى، وبملالة القلب، ودناءة النفس فيهدي بما كان الحصر منه، {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]؛ معناه: لا تكونوا فارغين عنه مشغولين بغيره؛ حتى تبلغوا المقصد والمقصود. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} [البقرة: 196]؛ يعني: إن عارض لأحدكم مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} [البقرة: 196]؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما أشار إليه بقوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} [البقرة: 196]؛ أي: الإمساك عن المشارب، {أَوْ صَدَقَةٍ} [البقرة: 196]؛ أي: بالخروج عن المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء وخدمة الفقراء، {أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]؛ أو بذبح النفس في مقامات الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود. {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} [البقرة: 196]؛ يعني إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة التعب، فليستأنف للوصلة وقتاً، وليفرش للقربة بساطاً وليتجدد للقيام بحق السرور نشاطاً، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، فموجب الهدي لمعنيين. أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي بأعز شيء من أمواله واجهاً إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين والأغنياء المتقين. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [البقرة: 196]؛ يعني: في الظاهر يساراً أو سعة، {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} [البقرة: 196]، فعليه الإمساك عن مشارب حصول كمالات الوصول في تلك الحالة، {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]؛ يعني: باقي العمر، {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]؛ يعني: الإمساك عن المشارب كلها في غلبات الأحوال، وبعد الرجوع إلى عالم الأعمال من أوصاف الكمال وأخلاق الرجال، {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 196]؛ يعني: ذلك التوفيق لدوام المراقبة في الإمساك لمن لم يكن مقيماً في منزل من منازل النساك، بل يكون لقريب من الأوطان بل قريب من أهل الزمان، غريب في الأقران من الغرباء في آخر الزمان، الذي قال فيهم صلى الله عليه وسلم: "حديث : فطوبى للغرباء ". تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 196]؛ أي: احذروا أن تسكنوا في فترة أو وقفة، أو تركنوا في مشرب من هذه الشرائط، {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 196]، للغافلين من هذا الخطاب، والمعرضين عن طريق الصواب، الغائبين بذل الحجاب، المردودين إلى العذاب.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [193] 46- [أنا] عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن خالد بن عبد الله، عن بيان، عن وبرة، عن سعيد بن جبير قال: خرج إلينا ابن عمر، ونحن نرجوا أن يُحدِّثنا حديثا عجيباً، فبدر إليه رجل بالمسألة فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما يمنعك من القتال، والله تعالى يقول {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: ثكلتك أمك، أتدري ما الفتنة؟ إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس يقاتلهم على الملك.
همام الصنعاني
تفسير : 199- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}: [الآية: 193]، قال: حتى لا يكون شرك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):