Verse. 201 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَلشَّہْرُ الْحَرَامُ بِالشَّہْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمٰتُ قِصَاصٌ۝۰ۭ فَمَنِ اعْتَدٰى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوْا عَلَيْہِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدٰى عَلَيْكُمْ۝۰۠ وَاتَّقُوا اللہَ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ مَعَ الْمُتَّقِيْنَ۝۱۹۴
Alshshahru alharamu bialshshahri alharami waalhurumatu qisasun famani iAAtada AAalaykum faiAAtadoo AAalayhi bimithli ma iAAtada AAalaykum waittaqoo Allaha waiAAlamoo anna Allaha maAAa almuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الشهر الحرام» المحرم مقابل «بالشهر الحرام» فكلما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله رد لاستعظام المسلمين ذلك «والحرمات» جمع حرمة ما يجب احترامه «قصاص» أي يقتص بمثلها إذا انتهكت «فمن اعتدى عليكم» بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام «فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» سمى مقابلته اعتداء لشبهها بالمقابل به في الصورة «واتقوا الله» في الانتصار وترك الاعتداء «واعلموا أن الله مع المتقين» بالعون والنصر.

194

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما أباح القتال وكان ذلك منكراً فيما بينهم، ذكر في هذه الآية ما يزيل ذلك فقال: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } وفيه وجوه أحدها: روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العام القابل حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل وهو في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة واعتمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام، والقوم كانوا صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر وثانيها: ما روي عن الحسن أن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يقاتلهم في الأشهر الحرم، فأرادوا مقاتلته وظنوا أنه لا يقاتلهم، وذلك قوله تعالى: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 217] فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان الحكم في هذه الواقعة، فقال: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } أي من استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام فاستحلوه فيه وثالثها: ما ذكره قوم من المتكلمين وهو أن الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله، فكيف يمنعنا عن مقاتلتكم، فالشهر الحرام من جانبنا، مقابل بالشهر الحرام من جانبكم، والحاصل في الوجوه الثلاثة أن حرمة الشهر الحرام لما لم تمنعهم عن الكفر والأفعال القبيحة، فكيف جعلوه سبباً في أن يمنع للقتال من شرهم وفسادهم. أما قوله تعالى: {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ } فالحرمات جمع حرمة والحرمة ما منع من انتهاكه والقصاص المساواة وإذا عرفت هذا ففي هذه الآية تعود تلك الوجوه. أما على الوجه الأول: فهو أن المراد بالحرمات: الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الإحرام فقوله: {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ } معناه أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وقفتم حتى قضيتموه على زعمكم في سنة سبع. وأما على الوجه الثاني: فهو أن المراد: إن أقدموا على مقاتلتكم فقاتلوهم أنتم أيضاً، قال الزجاج: وعلم الله تعالى بهذه الآية أنه ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الإبتداء بل على سبيل القصاص، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية، وهو قوله: {أية : وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 191] وبما بعدها وهو قوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ }. أما على القول الثالث: فقوله: {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ } يعني حرمة كل واحد من الشهرين كحرمة الآخر فهما مثلان، والقصاص هو المثل فلما لم يمنعكم حرمة الشهر من الكفر والفتنة والقتال فكيف يمنعنا عن القتال. أما قوله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } فالمراد منه: الأمر بما يقابل الإعتداء من الجزاء والتقدير: فمن اعتدى عليكم فقابلوه، والسبب في تسميته اعتداء قد تقدم ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وقد تقدم معنى التقوى، ثم قال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } أي بالمعونة والنصرة والحفظ والعلم، وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس بجسم ولا في مكان إذ لو كان جسماً لكان في مكان معين، فكان إما أن يكون مع أحد منهم ولم يكن مع الآخر أو يكون مع كل واحد من المؤمنين جزء من أجزائه وبعض من أبعاضه تعالى الله عنه علواً كبيراً.

القرطبي

تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ} قد تقدّم ٱشتقاق الشهر. وسبب نزولها ما رُوي عن ٱبن عباس وقتادة ومجاهد ومِقْسَم والسُّدّي والربيع والضحاك. وغيرهم قالوا: نزلت في عُمْرة القضيّة وعام الحُدَيْبِيَة، (وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مُعْتَمِراً حتى بلغ الحديبية) في ذي القعدة سنة ستّ، فصدّه المشركون كفارُ قريش عن البيت فٱنصرف؛ ووعده الله سبحانه أنه سيدخله، فدخله سنة سبع وقضى نُسكه؛ فنزلت هذه الآية. ورُوي عن الحسن حديث : أن المشركين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنُهِيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام؟ قال: «نعم». فأرادوا قتاله؛ فنزلت الآيةتفسير : . المعنى: إن ٱستحلُّوا ذلك فيه فقاتلهم؛ فأباح الله بالآية مدافعتهم، والقول الأوّل أشهر وعليه الأكثر. الثانية: قوله تعالى: {وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} الحُرُمات جمع حُرْمة، كالظُّلُمات جمع ظُلْمة، والحُجُرات جمع حُجرة. وإنما جُمعت الحُرُمات لأنه أراد (حُرْمة) الشهر الحرام (وحُرْمة) البلد الحرام، وحُرْمة الإحرام. والحُرْمة: ما مُنِعتَ من ٱنتهاكه. والقصاص المساواة؛ أي ٱقتصصت لكم منهم إذ صدّوكم سنة سِتٍّ فقضيتم العُمْرة سنة سبع. فـ {ٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} على هذا متّصل بما قبله ومتعلّق به. وقيل: هو مقطوع منه. وهو ٱبتداءُ أمرٍ كان في أوّل الإسلام: إن مَن ٱنتهك حُرْمتك نِلت منه مثلَ ما ٱعتدى عليك؛ ثم نسخ ذلك بالقتال. وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدّي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم يُنسخ، وجاز لمن تُعُدّيَ عليه في مال أو جرح أن يَتعدّى بمثل ما تُعَدِّيَ به عليه إذا خفي له ذلك، وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيء؛ قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك. وقالت طائفة من أصحاب مالك: ليس ذلك له، وأمور القصاص وَقْفٌ على الحكام. والأموال يتناولها قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تَخُن من خانك»تفسير : . خرّجه الدّارقطنيّ وغيره. فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما ائتمنه عليه، وهو المشهور من المذهب، وبه قال أبو حنيفة تمسُّكاً بهذا الحديث، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} تفسير : [النساء: 58]. وهو قول عطاء الخُراسانِيّ. قال قُدَامة بن الهَيْثَم: سألت عطاء بن مَيْسرة الخراساني فقلت له: لي على رجل حقّ، وقد جَحَدني به وقد أعيا عليّ البيّنة، أفأقتص من ماله؟ قال: أرأيت لو وقع بجاريتك، فعلمت ما كنت صانعاً. قلت: والصحيح جواز ذلك كيف ما توصّل إلى أخذ حقّه ما لم يعدّ سارقاً؛ وهو مذهب الشافعيّ وحكاه الدّاودي عن مالك، وقال به ٱبن المنذر، وٱختاره ٱبن العربي، وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»تفسير : وأخذ الحق من الظالم نَصْرٌ له. «حديث : وقال صلى الله عليه وسلم لهِنْد بنت عُتْبة ٱمرأة أبي سُفيان لما قالت له: إن أبا سفيان رجل شَحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنِيّ إلا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، هل عليّ جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُذِي ما يَكفيك ويَكْفِي وَلَدك بالمعروف»»تفسير : . فأباح لها الأخذ وألاّ تأخذ إلا القدر الذي يجب لها. وهذا كله ثابت في الصحيح، وقولُه تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} قاطع في موضع الخلاف. الثالثة: وٱختلفوا إذا ظَفِر له بمال من غير جنس ماله؛ فقيل: لا يأخذ إلا بحُكم الحاكم. وللشافعيّ قولان، أصحهما الأخذ، قياساً على ما لو ظَفِر له من جنس ماله. والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس. ومنهم من قال: يتحرّى قيمة ما له عليه ويأخذ مقدار ذلك. وهذا هو الصحيح لما بيّناه من الدليل، والله أعلم. الرابعة: وإذا فرّعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك؛ فقال الشافعيّ: لا، بل يأخذ ماله عليه. وقال مالك: يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفلس؛ وهو القياس، والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} عموم متفق عليه، إمّا بالمباشرة إن أمكن، وإمّا بالحُكّام. وٱختلف الناس في المكافأة هل تُسمَّى عُدواناً أم لا؛ فمن قال: ليس في القرآن مجاز، قال: المقابلة عدوان، وهو عدوان مباح، كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح؛ لأن قول القائل:شعر : فقالت له العينان سمعاً وطاعة تفسير : وكذلك:شعر : ٱمتلأ الحوض وقال قَطْنِي تفسير : وكذلك:شعر : شكا إليّ جملي طول السُّرَى تفسير : ومعلوم أن هذه الأشياء لا تَنطِق. وحدّ الكذب: إخبار عن الشيء على خلاف ما هو به. ومن قال في القرآن مجاز سَمَّى عدواناً على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله؛ كما قال عمرو بن كلثوم:شعر : ألاَ لا يجهلن أحد علينا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا تفسير : وقال الآخر:شعر : ولي فَرَسٌ للحلم بالحلم مُلْجَمٌ ولي فرس للجهل بالجهل مُسْرَجُ ومن رام تقويمي فإني مُقَوَّمٌ ومن رام تعويجي فإني مُعَوَّجُ تفسير : يريد: أكافىء الجاهل والمعَوجّ، لا أنه ٱمتدح بالجهل والاعوجاج. السادسة: وٱختلف العلماء فيمن ٱستهلك أو أفسد شيئاً من الحيوان أو العُرُوض التي لا تكال ولا توزن؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء: عليه في ذلك المِثْل، ولا يُعَدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل؛ لقوله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} وقوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}تفسير : [النحل: 126]. قالوا: وهذا عموم في جميع الأشياء كلها، وعَضَدُوا هذا «حديث : بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حبس القَصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال: «إناءٌ بإناء وطعامٌ بطعام»»تفسير : خرّجه أبو داود قال: حدّثنا مسدّد حدّثنا يحيى ح وحدّثنا محمد بن المثنى حدّثنا خالد عن حميد حديث : عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قَصعة فيها طعام، قال: فضربت بيدها فكسرت القصعة. قال ٱبن المثنَّى: فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضمّ إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: «غارت أمكم». زاد ٱبن المثنَّى «كُلُوا» فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتهاتفسير : . ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدّد وقال: «كُلُوا» وحبس الرسولَ والقصعةَ حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته. حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا مسدّد حدّثنا يحيى عن سفيان قال وحدّثنا فُلَيْتٌ العامريّ ـ قال أبو داود: وهو أَفْلَت بن خليفة ـ عن جَسْرة بنت دَجاجة قالت «حديث : قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صَفِيّة؛ صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً فبعثتْ به، فأخذني أَفْكَلٌ فكسرتُ الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعتُ؟ قال: «إناءٌ مثل إناءٍ وطعامٌ مثلُ طعام»»تفسير : . قال مالك وأصحابه: عليه في الحيوان والعروض التي لا تُكال ولا توزن القيمةُ لا المِثل؛ بدليل تضمين النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف شريكه، ولم يضمّنه مثل نصف عبده. ولا خلاف بين العلماء على تضمين المِثل في المطعومات والمشروبات والموزونات؛ لقوله عليه السلام: «طعامٌ بطعام». السابعة: لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص؛ فمن قَتل بشيء قُتِل بمثل ما قَتل به؛ وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللُّوطية وإسقاء الخمر فيُقتل بالسيف. وللشافعية قول: إنه يُقتل بذلك؛ فيُتّخذ عود على تلك الصفة ويُطعن به في دُبُره حتى يموت، ويُسقى عن الخمر ماء حتى يموت. وقال ٱبن الماشجون: إن من قتل بالنار أو بالسمّ لا يُقتل به؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يعذِّب بالنار إلا الله»تفسير : . والسمّ نار باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه يُقتل بذلك؛ لعموم الآية. الثامنة: وأما القَوَد بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين: إنه إن كان في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قُتِل بالسيف؛ رواه عنه ٱبن وهب، وقاله ٱبن القاسم. وفي الأخرى: يُقتل بها وإن كان فيه ذلك؛ وهو قول الشافعي. وروى أشهب وٱبن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يُقتل بهما إذا كانت الضَّرْبة مُجْهزة؛ فأمّا أن يُضرب ضربات فلا. وعليه لا يُرْمَى بالنَّبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب؛ وقاله عبد الملك. قال ٱبن العربي: «والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن تدخل في حدّ التعذيب فلتترك إلى السيف». وٱتّفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقأ عينه قصْدَ التعذيب فُعِل به ذلك، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بقَتلَة الرِّعاء. وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف. وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا: لا قَوَد إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة والشَّعبيّ والنَّخَعيّ. وٱحتجّوا على ذلك بما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا قَوَد إلا بحديدة»تفسير : ، وبالنهي عن المُثْلة، وقوله: «حديث : لا يُعَذِّب بالنار إلاَّ رَبُّ النار»تفسير : . والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك: أن جارية وُجِد رأسها قد رُضّ بين حجرين؛ فسألوها: مَن صَنع هذا بك! أفلان، أفلان؟ حتى ذكروا يهوديًّا فأَوْمأت برأسها، فأُخِذ اليهودي فأقَرّ، فأمرَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُرَضّ رأسه بالحجارة. وفي رواية: فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين. وهذا نصٌّ صريح صحيح، وهو مقتضى قوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل: 126] وقوله: {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} وأمّا ما ٱستدلّوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدّثين، لا يروَى من طريق صحيح، ولو صح قلنا بموجبه، وأنه إذا قَتل بحديدة قُتِل بها؛ يدلّ على ذلك حديث أنس: أن يهوديًّا رَضّ رأس جارية بين حجرين فَرضّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين. وأمّا النُّهي عن المُثْلة فنقول أيضاً بموجبها إذا لم يُمَثِّل، فإذا مَثّل مَثّلنا به؛ يدلّ على ذلك حديث: العُرَنيِّين، وهو صحيح أخرجه الأئمة. وقوله: «حديث : لا يُعذِّب بالنار إلاّ ربُّ النار»تفسير : صحيح إذا لم يَحرِق، فإن حَرق حُرِق؛ يدلّ عليه عموم القرآن. قال الشافعيّ: إن طرحه في النار عمداً طُرح في النار حتى يموت؛ وذكره الوَقار في مختصره عن مالك، وهو قول محمد بن عبد الحكم. قال ٱبن المنذر: وقول كثير من أهل العلم في الرجل يَخنقُ الرجلَ: عليه القَوَد؛ وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال: لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات، أو ألقاه من جبل أو سطح فمات، لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدِّية؛ فإن كان معروفاً بذلك ـ قد خَنق غير واحد ـ فعليه القتل. قال ٱبن المنذر: ولما أقاد النبيّ صلى الله عليه وسلم من اليهوديّ الذي رَضّ رأس الجارية بالحجر كان هذا في معناه، فلا معنى لقوله. قلت: وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال: وقد شذّ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخَنْق أو بسُمّ أو تردِية من جبل أو بئر أو بخشبة: إنه لا يُقتل ولا يُقتصّ منه، إلا إذا قَتل بمحدَّدٍ حديدٍ أو حجر أو خشب أو كان معروفاً بالخنق والترّدية وكان على عاقلته الدِّية. وهذا منه ردٌّ للكتاب والسُّنة، وإحداثُ ما لم يكن عليه أمر الأمة، وذَرِيعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس، فليس عنه مناص. التاسعة: وٱختلفوا فيمن حبس رجلاً وقتله آخر؛ فقال عطاء: يُقتل القاتل ويُحْبَس الحابس حتى يموت. وقال مالك: إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قُتلا جميعاً؛ وفي قول الشافعيّ وأبي ثور والنُّعمانُ يُعاقَب الحابس. وٱختاره ٱبن المنذر. قلت: قول عطاء صحيح، وهو مقتضى التنزيل. وروى الدّارقُطْنِيّ عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أمسك الرجلُ الرجلَ وقتله الآخر يُقتل القاتل ويُحبس الذي أمسكه»تفسير : . رواه سفيان الثوريّ عن إسماعيل بن أميّة عن نافع عن ٱبن عمر، ورواه معمر وٱبن جُريج عن إسماعيل مُرسَلاً. العاشرة: قوله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ} الاعتداء هو التجاوز؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ} تفسير : [الطلاق: 1] أي يتجاوزها؛ فمن ظلمك فخذ حقّك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فردّ عليه مثلَ قوله، ومن أخذ عِرْضَك فخذ عِرضه؛ لا تتعدّى إلى أبويه ولا إلى ٱبنه أو قريبه، وليس لك أن تَكذِب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تُقابل بالمعصية؛ فلو قال لك مثلاً: يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت الكافر. وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذّاب يا شاهد زُور. ولو قلت له يا زانٍ، كنت كاذباً وأثِمَت في الكذب. وإن مَطَلك وهو غنيّ دون عُذر فقل: يا ظالم، يا آكل أموال الناس؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَيُّ الواجِدِ يُحِلّ عِرْضَه وعقوبَتَه»تفسير : . أمّا عِرْضه فبما فسّرناه، وأمّا عقوبته فالسجن يُحبس فيه. وقال ٱبن عباس: نزل هذا قبل أن يقوَى الإسلام؛ فأمَرَ مَن أُوذِيَ من المسلمين أن يُجازِي بمثل ما أوذِيَ به، أو يَصبر أو يعفو؛ ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} تفسير : [التوبة: 36]. وقيل: نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان. ولا يَحِلّ لأحد أن يقتصّ من أحد إلا بإذن السلطان.

البيضاوي

تفسير : {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه، وكرهوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته فقيل لهم هذا الشهر بذاك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به. {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ} احتجاج عليه، أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص. فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم. كما قال: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} وهو فذلكة التقرير. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في الأنصار ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} فيحرسهم ويصلح شأنهم.

ابن كثير

تفسير : قال عكرمة: عن ابن عباس والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين، في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ} وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يغزى ويغزوا، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ. هذا إسناد صحيح: ولهذا لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وهو مخيم بالحديبية، أن عثمان قتل، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين، بايع أصحابه، وكانوا ألفاً وأربعمائة تحت الشجرة، على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل، كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين، وتحصن فلهم بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق، واستمر عليه إلى كمال أربعين يوماً كما ثبت في الصحيحين عن أنس، فلما كثر القتل في أصحابه، انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعاً إلى مكة، واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضاً، عام ثمان، صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل: 126] وقال: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أن قوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}، نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال بالمدينة، وقد رد هذا القول ابن جرير، وقال: بل الآية مدنية بعد عمرة القضية، وعزا ذلك إلى مجاهد رحمه الله، وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخباره بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ } المحرّم مقابل {بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله ردّ لاستعظام المسلمين ذلك {وَٱلْحُرُمَٰتُ } جمع (حرمة) ما يجب احترامه {قِصَاصٌ } أي يقتص بمثلها إذا انتهكت {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } سمى مقابلته اعتداء لشبهها بالمقابَل به في الصورة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الانتصار وترك الاعتداء {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } بالعون والنصر.

الشوكاني

تفسير : قوله: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } أي: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام، وهتكوا حرمته قاتلتموهم في الشهر الحرام مكافأة لهم، ومجازاة على فعلهم. {وَٱلْحُرُمَـٰتُ } جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة، وإنما جمع الحرمات؛ لأنه أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الإحرام، والحرمة: ما منع الشرع من انتهاكه. والقصاص: المساواة، والمعنى: أن كل حرمة يجري فيها القصاص، فمن هتك حرمة عليكم، فلكم أن تهتكوا حرمة عليه قصاصاً، قيل وهذا كان في أوّل الإسلام، ثم نسخ بالقتال، وقيل: إنه ثابت بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم ينسخ، ويجوز لمن تعدّى عليه في مال، أو بدن، أن يتعدّى بمثل ما تُعُدِّى عليه، وبهذا قال الشافعي، وغيره. وقال آخرون: إن أمور القصاص مقصورة على الحكام، وهكذا الأموال لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» تفسير : أخرجه الدارقطني، وغيره، وبه قال أبو حنيفة، وجمهور المالكية، وعطاء الخراساني؛ والقول الأوّل أرجح، وبه قال ابن المنذر، واختاره ابن العربي والقرطبي، وحكاه الداودي عن مالك، ويؤيده إذنه صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها، وولدها، وهو في الصحيح، ولا أصرح ولا أوضح من قوله تعالى: في هذه الآية {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } وهذه الجملة في حكم التأكيد للجملة الأولى، أعني قوله: {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ } وإنما سمي المكافأة اعتداء مشاكلة كما تقدم. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً في سنة ستّ من الهجرة، وحبسه المشركون، عن الدخول، والوصول إلى البيت، وصدّوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو، ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم نزلت في ذلك هذه الآية: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه أيضاً. وأخرجا أيضاً عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } الآية، وقوله {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ } تفسير : [الشورى: 40] الآية، وقوله: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } تفسير : الآية، [الشورى: 41]، وقوله: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } تفسير : الآية [النحل: 126] قال: هذا ونحوه نزل بمكة، والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه، أو يصبروا، ويعفوا؛ فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه، أمر الله المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 33]، يقول: ينصره السلطان حتى ينصفه على من ظلمه، ومن انتصر لنفسه دون السلطان، فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية، ولم يرض بحكم الله تعالى. انتهى. وأقول: هذه الآية التي جعلها ابن عباس رضي الله عنه ناسخةً مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة، ومؤكدة له، فإن الظاهر من قوله: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } أي جعل السلطان له، أي: جعل له تسلطاً يتسلط به على القاتل، ولهذا قال: {أية : فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ }تفسير : [الإسراء: 33] ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصاً للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخاً لها، فإنه لم ينص في هذه الآية إلا على القتل وحده، وتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي: المرجع في تفسير كلام الله سبحانه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد أحرم بالعمرة في ذي القعدة سنة ست، فصدّه المشركون عن البيت، فصالحهم على أن يقضي في عامه الآخر، فحل ورجع، ثم اعتمر قاضياً في ذي القعدة سنة سبع، وأحلّت له قريش مكة حتى قضى عمرته. فنزل قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} يعني ذا القعدة الذي قضى فيه العمرة من عامه وهو من الأشهر الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه، وهو ذو القعدة في العام الماضي، سمي ذو القعدة لقعود العرب فيه عن القتال لحرمته. ثم قال تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} لأن قريشاً فخرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدّته، فاقتص الله عز وجل له، وهذا قول قتادة والربيع بن زيد. والقول الثاني: أن سبب نزولها أن مشركي العرب، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أَنُهِيتَ يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال نعم، فأرادوا أن يقاتلوه في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم، وهذا قول الحسن البصري.

ابن عبد السلام

تفسير : <b>{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ}</b> لما اعتمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فَصُدًّ، فصالح على القضاء في العام المقبل، فقضى في ذي القعدة نزل <b>{الشَّهْرُ الْحَرَامُ}</b> وهو ذي القعدة المقضي فيه <b>{بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ}</b> المصدود فيه، أُخذ ذو القعدة من قعودهم عن القتال فيه لحرمته، <b>{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}</b> لما فخرت قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم حين صدته اقتص الله ـ تعالى ـ له، أو نزلت لما قال المشركون: "أَنُهِيتَ عن قتالنا في الشهر الحرام، فقال: "نعم". فأرادوا قتاله في الشهر الحرام فقيل له: إن قاتلوك في الشهر الحرام فاستحل منهم ما استحلوا منك.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} نزلت في عمرة القضاء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً في ذي القعدة سنة ست من الهجرة فصده المشركون عن البيت بالحديبية فصالح أهل مكة على أن ينصرف عامه ذلك ويرجع من قابل فيقضي عمرته فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع في ذي القعدة سنة سبع فقضى عمرته وذلك قوله تعالى: {الشهر الحرام} يعني ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم عمرتكم {بالشهر الحرام} الذي صددتم فيه عن البيت {والحرمات} جمع حرمة وإنما جمعت لأنه أراد حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة الإحرام {قصاص} القصاص المساواة والمماثلة وهو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، والمعنى أنهم لما منعوكم عن العمرة وأضاعوا هذه الحرمات في سنة ست، فقد وفقتم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع. وقيل: هذا في القتال، ومعناه: فإن بدؤوكم بالقتال في الشهر الحرام فاقتلوهم فيه فإنه قصاص {فمن اعتدى عليكم} أي بالقتال {فاعتدوا عليه} أي فقاتلوه {بمثل ما اعتدى عليكم} سمي الجزاء بالاعتداء على سبيل المشاكلة {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ...}. ابن عطية: عن ابن عباس رضي الله عنه وجماعة (صد) النبي عن البيت سنة ست ودخلها سنة سبع فنزلت آية: "الشهر الحرام" الذي دخلتم فيه الحرم "بالشهر الحرام" الذي صدوكم فيه عنه. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: سأله الكفار هل يقاتل في الشهر الحرام؟. فقال: لا، فهمُّوا بالهجوم عليه فيه فنزلت، أي هو عليكم كما هو عليهم إن تركوا فيه القتال فاتركوه وإلا فلا. قال ابن عرفة: الأول: بناء على أنهما شهران من سنتين، والثاني: على أنه شهر واحد من سنة واحدة وتعدده لأجل تعدد حالاته. قوله تعالى: {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}. قال ابن عرفة: فاعتدوا اعتداء جائزا شرعيا فلا يجوز لمن زني بأخته أو ابنته أن يزني بأخت الزاني أو ابنته.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} مبتدأ، خبرُه الجارُّ بعده، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ، تقديرُه: انتهاكُ حُرْمة الشَّهْر الحرامِ بانتهاكِ حرمةِ الشهرِ، والألفُ واللامُ في الشَّهْر الأوَّل والثَّاني لِلْعهَد؛ لأنَّهما معلومان عند المخاطبين؛ فإنَّ الأولَ ذُو القَعْدَةِ من سنة سَبْع، والثاني من سنة سَتٍّ. وقرئ. "والحُرْمَات" بسكون الراء، ويُعْزَى للحسن وقد تقدَّم عند قوله {أية : فِي ظُلُمَاتٍ}تفسير : [البقرة: 17] أنَّ جمعَ "فُعْلَةٍ" بشروطِها يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه: هذان الاثنانِ، وفَتْحُ العين. فصل في بيان سبب النُّزول في سبب نزول الآية ثلاثة أوجه: أحدها: قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ، والضَّحَّاك - رضي الله عنهم - أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم، وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - خرج عام الحُديبية لِلْعُمرة، وذلك في ذي القعدة سنة ستٍّ مِنَ الهجرة، فصدَّه أهلُ مكة عَنْ ذلك ثُمَّ صالحُوه أنْ ينصرف، ويعودَ في العام القابل؛ ويتركُوا له "مكَّةَ" ثلاثة أيَّام؛ حتَّى يقضي عُمْرَتَهُ فانصرَفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - عامهُ ذلك، ورجع في العام القابل في ذي القعدة سنَة سبعٍ، ودَخَل مَكَّة، واعتَمر؛ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية الكريمة يعني إنَّك دخلت مكَّة في الشهر الحرام، والقومُ كانُوا صَدُّوكَ في السنةِ الماضية في هذا الشَّهر؛ فهذا الشهر الحرامُ؛ بذلك الشهرِ الحرامِ. وثانيها: قال الحسن: إنَّ الكُفَّار سَمِعُوا أنَّ الله تعالى نهى الرسُولَ - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن المقاتلة في الأشهر الحُرُم؛ وهو قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 217] فأرادوا مقاتلته، وظنُّوا أنَّهُ لا يُقاتلهم في الأشهر الحُرُم؛ فأنزل اللَّهُ تعالى في هذه الآية؛ لبيان الحُكم في هذه الواقعة فقال: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} أي من استحلَّ قتالكم من المشركين من الشَّهر الحرام، فاستحلّوه أنتم فيه. وثالثها: قال بعضُ المتكلِّمين: هو أنَّ الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله، فكيف يمنعنا عن قتالكم؟ فالشهر الحرام من جانبنا مقابل الشهر الحرام جانبكم؛ والحاصل في هذه الوجوه: أنَّ حرمة الشَّهر الحرام لما لم تمنعهُم عن الكفر، والأفعالِ القبيحة، فكيف جعلوه سبباً في منع القتالِ على الكفر والفساد؟! قوله: "والحرمات قصاصٌ" الحرماتُ: جمع حرمة؛ كظلمات جمع ظلمة، وحجرات جمع حجرة، الحرمة ما منع من انتهاكه، وجمعها؛ لأنَّه أراد حُرمة الشَّهر الحرامِ والبلد الحرام، وحرمة الإحرام. و"القصاص": المُساوَاةُ والمُمَاثلة. والمعنى على الوجه الأوَّل في النُّزول لمَّا أضاعوا هذه الحُرمات في سنة ستٍّ، فقد قضيتموها على زعمكم في سنة سبع. وأما على الثَّاني: فالمراد إن أقدمُوا على مقاتلتكم في الشَّهر الحرام، فقاتلوهم أنتم أيضاً فيه. قال الزَّجَّاج: وعلم الله بهذه الآية: أنه ليس على المسلمين: أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص والمماثلة، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية الكريمة، وهو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 191] وبما بعدها؛ وهو قوله تعالى:{فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}. وأما على القول الثالث: فقوله "والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ" يعني: حُرمَةُ كلِّ واحدٍ من الشهرين كحرْمة الآخر، وهما مثلان، والقِصاصُ هو المثلُ، ولَمَّا لم يمنعكُم حرمةُ الشَّهر من الكُفْر، والفِتنة، والقِتال، فكيف يمنعُنا عن القتال؛ فعلى هذا، فقوله: "والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ" متَّصلٌ بما قبله. وقيل: هو مقطوعٌ منه، وهو ابتداء أمرٍ كان في أوَّل الإسلام: أن من انتهك حُرمتك، نِلتَ منه بمثل ما اعتدى عليك، ثم نُسِخً ذلك بالقتال. وقالت طائفةٌ: ما تناولت الآية الكريمة من التعدِّي بين أمة محمَّد - عليه الصَّلاة والسَّلام - والجنايات ونحوها - لم يُنسَخْ، وجاز لمن تُعُدِّيَ عليه من مال، أو جرح أن يتعدَّى بمثل ما تُعُدِّي به عليه. وقوله {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} يجوزُ في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أن تكون شرطيةً، وهو الظاهرُ؛ فتكونَ الفاء جواباً. والثاني: أن تكونَ موصولةً؛ فتكونَ الفاءُ زائدةً في الخبر، وقد تقدَّم نظيره. قوله: {بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ} في الباء قولان: أحدهما: أن تكون غير زائدةٍ، بل تكون معلِّقةً بـ"اعْتَدُوا" والمعنى: بعقوبةٍ مثْل جنايةِ اعتدائه. والثاني: أنها زائدةٌ، أي: مثل ما اعْـَدى به؛ فتكون: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: اعتداءً مماثلاً لاعتدائه، وإمَّا حالاً من المصدر المحذوف، كما هو مذهبُ سيبويه - رحمه الله تعالى - أي: فاعتدوا الاعتداء مُشبِهاً اعتداءُه، و"مَا" يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، فلا تفتقر إلى عائدٍ، وأن تكون موصولةً؛ فيكون العائدُ محذوفاً، أي: بمثل ما اعتدى عليكُم به، وجاز حذفه؛ لأنَّ المُضاف إلى الموصول قد جُرَّ بحرفٍ قد جُرَّ به العائدُ، واتَّحد المتعلِّقان وقد تقدَّم معنى تسمية المجازاة بالاعتداء. فصل في اختلافهم في تسمية المكافأة عدواناً قال القرطبيُّ: اختلف النَّاس في المكافأة، هل تُسمَّى عدواناً، أم لا؟ فمن قال: ليس في القرآن مجازٌ، قال: المقابلة عدوانٌ، وهو عدوانٌ مباحٌ، كما أنَّ المجاز في كلام العرب كذبٌ مباحٌ؛ لأن قوله: [الطويل] شعر : 971 - فَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةً ................................. تفسير : وقولَهُ: [الرجز] شعر : 972 - إِمْتَلأَ الحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 973 - شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى تفسير : ومعلوم أنَّ هذه الأشياء لا تنطق، وحدُ الكَذِب الإخبارُ عن الشَّيء بخلاف ما هو به. ومن قال: في القُرآن مجازٌ: سمَّى هذا عُدواناً مجازاً على طريق المُقابلة كقول عمرو بن كلثومٍ: [الوافر] شعر : 974 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 975 - ولِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالجَهْلِ مُسْرَجُ تفسير : وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجي فَإِنِّي مُعَوَّجُ يريد أُكافىءُ الجاهل والمُعوجَّ لا أنَّه امتدح بالجهل والاعوجاج. قولُهُ "وَاتَّقُوا" قد تقدَّم معنى "التَّقْوَى". وقولُهُ: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}، أي: بالمعونَةِ، والنُّصرة، والحِفظ، وهذا من أقوى الدَّلائل على أنَّه ليس بجسمٍ، ولا في مكانٍ، إذ لو كان جسماً، لكان في مكانٍ معيَّن؛ فكان إمَّا أن يكون مع أحدٍ منهم، ولم يكن مع الآخر، أو يكون مع كُلِّ واحدٍ من المُتَّقين جزءُ من أجزائهِ، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري عن نافع‏.‏ أن رجلاً أتى ابن عمر فقال‏:‏ ما حملك على أن تحج عاماً وتعتمر عاماً وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه‏؟‏ قال‏:‏ يا ابن أخي‏:‏ بني الإِسلام على خمس‏:‏ إيمان بالله ورسوله، والصلاة الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت‏.‏ قال‏:‏ ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه‏؟‏‏:‏ ‏{أية : ‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما‏}تفسير : ‏[‏الحجرات: 9‏] ‏{‏وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة‏}‏ قال‏:‏ فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإِسلام قليلاً، وكان الرجل يفتن في دينه، إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإِسلام، فلم تكن فتنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ظبيان قال‏:‏ جاء رجل إلى سعد فقال له‏:‏ ألا تخرج تقاتل مع الناس حتى لا تكون فتنة‏؟‏ فقال سعد‏:‏ قد قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم تكن فتنة، فأما أنت وذا البطين تريدون أن أقاتل حتى تكون فتنة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال ‏"‏لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين وأقصه الله منهم، نزلت هذه الآية‏ {‏الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص‏}‏"‏‏.‏ وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ‏"‏نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صد عن البيت ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه القابل، فلما كان العام القابل تجهز وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، فأنزل الله ذلك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال ‏"‏أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأحرموا بالعمرة في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع، ثم يقدم عاماً قابلاً فيقيم بمكة ثلاثة أيام ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الهدي بالحديبية، وحلقوا أو قصروا، فلما كان عام قابل أقبلوا حتى دخلوا مكة في ذي القعدة، فاعتمروا وأقاموا بها ثلاثة أيام، وكان المشركون قد فخروا عليه حين صدوه يوم الحديبية، فقص الله له منهم فادخله مكة في ذلك الشهر الذي ردوه فيه، فقال {‏الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص‏}‏ قال ‏"‏فخرت قريش بردها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية محرماً في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة من العام المقبل، فقضى عمرته وأقصه ما حيل بينه وبين يوم الحديبية‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال ‏"‏أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية فصدهم المشركون، فصالحهم نبي الله أن يرجع عامه ذلك حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلوها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدي بالحديبية وحلقوا وقصروا حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبي الله وأصحابه معتمرين في ذي القعدة حتى دخلوا فأقام ثلاث ليال، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة، فقال الله ‏{‏الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص‏}‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن ابن جرير قال ‏"‏قلت لعطاء‏:‏ قول الله عز وجل ‏{‏الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص‏} فقال‏:‏ هذا يوم الحديبية صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام وكان معتمراً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة التي بعدها معتمراً مكة، فعمرة في الشهر الحرام بعمره في الشهر الحرام‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة وابن شهاب قالا ‏"‏خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام القابل من عام الحديبية معتمراً في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، وأنزل الله في تلك العمرة ‏{‏الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص‏} ‏ فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس‏ "‏في قوله ‏{‏فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم‏}‏ وقوله ‏{أية : ‏وجزاء سيئة سيئة مثلها‏}‏ تفسير : ‏[‏الشورى: 40‏] وقوله ‏{أية : ‏ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} تفسير : ‏[‏الشورى: 41‏]‏ وقوله ‏{‏أية : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به‏}‏ ‏تفسير : [‏النحل: 126‏] قال‏:‏ هذا ونحوه نزل بمكة، والمسلمون يومئذ قليل فليس لهم سلطان يقهر المشركين، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه أمر الله المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال ‏{أية : ‏ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا‏ً}تفسير : ‏[‏الإسراء: 33‏] الآية‏.‏ يقول‏:‏ ينصره السلطان حتى ينصفه من ظالمه، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف، قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله تعالى‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه‏} ‏ قال‏:‏ فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم‏.‏ وأخرج أحمد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن جابر عن عبد الله قال‏:‏ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ويغزو، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ‏.‏

القشيري

تفسير : الإشارة فيه: إذا تقابل حقان كلاهما لله فَسَلِّم الوقت بحكم الوقت، ودَلْ مع إشارات الوقت، وإياك أن ترجح أحدهما على الآخر بمالَكَ من حظ - وإنْ قَلَّ - فتُحَجَب عن شهود الحق، وتَعْمَى بصيرةُ قلبك. وكلُّ ما كان إلى خلاف هواكَ أقرب، وعن استجلابِكَ وسكونكَ إليه أبعد - كان ذلك في نفسه أصوبَ. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}: الذين اتقوا إيثار هواهم على ما فيه رضاه، فإذا قاموا لله - فيما يأتون - لا لَهُم فإن الله تعالى بالنصرة معهم، قال تعالى: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ}تفسير : [محمد: 7].

اسماعيل حقي

تفسير : {الشهر الحرام} يقابل {بالشهر الحرام} فى هتك الحرمة حيث صدهم المشركون عام الحديبية فى ذى القعدة وكان بين القوم ترامى بسهام وحجارة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه سنة سبع من الهجرة وكرهوا ان يقاتلوهم لحرمته فنزلت هذه الآية وقيل لهم هذا الشهر الحرام بذلك الشهر وهتكه بهتكه فلا تبالوا به {والحرمات قصاص} يعنى من هتك حرمة أى حرمة كانت من حرمة الشهر وحرمة الاحرام وحرمة الحرم اقتص منه فان مراعاة هذه الحرمات انما تجب فى حق من يراعيها واما من هتكها فانه يقتص منه ويعامل معه بمثل فعله والاوضح ان المراد بالحرمات كل حرمة وهى ما يجب المحافظة عليه نفسا كان او عرضا يجرى فيها القصاص فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد وهو عين التعرض للقتال فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم عنوة اى قهرا وغلبة فان منعوكم فى هذه السنة عن قضاء العمرة بالمقاتلة ونحوها فاقتلوهم كما قال تعالى {فمن اعتدى عليكم} اى تجاوز بقتالكم فى الشهر الحرام {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} اى بعقوبة مماثلة لجناية اعتدائه وهذا اعتداء على سبيل القصاص وهو اعتداء مأذون فيه لا على سبيل الابتداء فانه ظلم حرام وهو المراد بقوله تعالى فلا تعتدوا {واتقوا الله} اذا انتصرتم ممن ظلمكم فلا تظلموهم باخذ اكثر من حقكم ولا تعتدوا الى ما لم يرخص لكم {واعلموا أن الله مع المتقين} والمعية وهى القرب المعنوى تدل على انه تعالى يحرسهم ويصلح شؤونهم بالنصر والتمكين ـ روى ـ انه عليه السلام واصحابه دخلوا ذلك العام مكة وطافوا بالبيت ونحروا الهدى وكان المشركون شرطوا له بعد قضاء العمرة الاقامة بمكة ثلاثا وكان النبى عليه السلام تزوج ميمونة بنت الحارث فاحب المقام بمكة ليولم عليها فطالبوه بالخروج منها والوفاء بما عاهد ففعل واولم على ميمونة وبنى بها بسرف. واعلم ان الله تعالى امرنا بالغزو فى سبيله ليظهر من يدعى بذل الوجود فى سبيل الله وامرنا بالزكاة ببذل المال ليتبين من يدعى محبة الله فالغزو معيار المحبة الآلهية لان كل انسان جبل على حب الحياة والمال فامتحن بالغزو والزكاة فى سبيل الله قطعا لدعوى المدعين لان الكل يدعى محبة الله وهذا هو السر فى الجهاد ولهذا قال سيدنا على رضى الله تعالى عنه خير الخصال فى الفتى الشجاعة والسخاوة وهما توأمان فكل شجيع سخى وعن عبد الله بن عمر عن ابيه رضى الله تعالى عنهما قال حديث : سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما الاسلام قال "طيب الكلام واطعام الطعام وافشاء السلام" قيل فأى المسلمون افضل قال "من سلم الناس من لسانه ويده" قيل فأى الصلاة افضل قال "طول القيام" قيل فأى الصدقة افضل قال "جهد من مقل" قيل فأى الايمان افضل قال "الصبر والسماحة" قيل فأى الجهاد افضل قال "من عقر جواده واهريق دمه" قيل فأى الرقاب افضل قال "اغلاها ثمناbr>". تفسير : والجهاد جهادان ظاهر وباطن فالظاهر مع الكفار والباطن مع النفس والشيطان وهذا اصعب لان الكافر ربما يرجع اما بالمحاربة او بالصلح او ببذل النفس والمال بوجه من الوجوه والشيطان لا يرجع عنك دون ان يسلب الدين: وفى المثنوى شعر : اى شهان كشتيم ماخصم برون ماند خصمى زوبتر دراندرون كشتن اين كار عقل وهوش نيست شير باطن سخره خركوش نيست سهل شيرى دان كه صفها بشكند شير آنست آنكه خودرا بشكند تفسير : قال فى التأويلات القاشانية {أية : وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم} تفسير : [البقرة: 190]. من الشيطان وقوى النفس الامارة {أية : ولا تعتدوا} تفسير : [البقرة: 190]. فى قتالها بأن تميتوها عن قيامها بحقوقها والوقوف على حدودها حتى تقع فى التفريط والقصور والفتور {أية : إن الله لا يحب المعتدين} تفسير : [البقرة: 190]. لكونهم خارجين عن ظل المحبة والوحدة التى هى العدالة {أية : واقتلوهم حيث ثقفتموهم} تفسير : [البقرة: 191]. اى ازيلوا حياتهم وامنعوهم عن افعالهم بهواها الذى هو روحها حيث كانوا {أية : وأخرجوهم من حيث} تفسير : [البقرة: 191]. مكة الصدر عند استيلائهم عليها كما {أية : أخرجوكم} تفسير : [البقرة: 191]. منها باستنزالكم الى بقعة النفس واخراجكم من مقر القلب {أية : والفتنة} تفسير : [البقرة: 191]. التى هى عبادة هواها واصنام لذاتها وشهواتها {أية : أشد} تفسير : [البقرة: 191]. من قمع هواها واماتتها بالكلية او محنتكم وبلاؤكم بها عند استيلائها اشد عليكم {أية : من القتل} تفسير : [البقرة: 191]. الذى هو اماتتها ومحوها بالكلية او محنتكم لزيادة الضرر والالم هناك {أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} تفسير : [البقرة: 191]. الذى هو مقام القلب اى عند حضور القلبى اذا وافقوكم فى توجهكم فانهم اعوانكم على السلوك حينئذ {أية : حتى يقاتلوكم} تفسير : [البقرة: 191]. فيه وينازعوكم فى مطالبه ويجروكم عن حياة القلب ودين الحق الى مقام النفس ودينهم الذى هو عبادة العجل {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} تفسير : [البقرة: 193]. من تنازعهم وتجاذب دواعيهم وتعبدهم الهوى {أية : ويكون الدين كله لله} تفسير : [الأنفال: 39]. بتوجه جميعها الى جناب القدس ومشايعها للسر فى التوجه الى الحق الذى ليس للشيطان والهوى فيه نصيب {أية : فإن انتهوا فلا عدوان} تفسير : [البقرة: 193]. عليهم {أية : إلا على الظالمين} تفسير : [البقرة: 193]. على العادين المجاوزين عن حدودهم انتهى ما فى التأويلات النجمية. وقال الشيخ نجم الدين قدس سره فى قوله تعالى {الشهر الحرام} الآية الاشارة ان ما يفوتكم من الاوقات والاوراد بتوانى النفس وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم والساعة بالساعة والوقت بالوقت والاوراد بالاوراد واقضوا الفائت والحقوق فكل صفة من صفات النفس اذا استولت عليكم فعالجوها بضدها البخل بالسخاوة والغضب بالحلم والحرص بالترك والشهوة بالرياضة وعلى هذا القياس واتقوا الله فى افراط الاعتداء احتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات واعلموا ان الله مع المتقين بالنصرة على جهاد النفس.

الطوسي

تفسير : أشهر الحرم أربعة: رجب، وهو فرد وثلاثة أشهر سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. والمراد ها هنا: ذو القعدة, وهو شهر الصّد عام الحديبة. وإنما سمي الشهر حراماً، لأنه كان يحرم فيه القتال، فلو أن الرجل يلقى قاتل أبيه أو ابنه لم يعرض له بسبيل وسمي ذو القعدة، لقعودهم فيه عن القتال. الاعراب: والشهر مرتفع بالابتداء، وخبره بالشهر الحرام، وتقديره: قتال الشهر الحرام أي في الشهر الحرام، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويحتمل أن يكون تقديره: الشهر الحرام على جهة العوض لما فات من الحج في السنة الأولى. المعنى: وقوله: {والحرمات قصاص} قيل في معناه قولان: أحدهما - {الحرمات قصاص} بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام. قال مجاهد: لأن قريشاً فخرت بردها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - يوم الحديبة - محرماً - في ذي القعدة - عن البلد الحرام، فأدخله الله عز وجل مكة في العام المقبل في ذي القعدة، فقضى عمرته، وأقصه بما حيل بينه وبينه يوم الحديبة، وهو معنى قول قتادة، والضحاك، والربيع، وابن زيد. وروي عن ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي (ع) مثله. والقول الثاني - {والحرمات قصاص} بالقتال في الشهر الحرام أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصاً. وقال الحسن: إن مشركي العرب قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام، قال نعم، فأراد المشركين أن يغزوه في الشهر الحرام، فيقاتلوه، فأنزل الله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} أي إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئاً، فاستحلو منهم مثل ما استحلوا منكم. وبه قال الزجاج، والجبائي. وإنما جمع الحرمات لأحد أمرين: أحدهما - إنه يريد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الاحرام. الثاني - كل حرمة تستحل، فلا يجوز إلا على وجه المجازاة وفي الناس من قال: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : وقاتلوا المشركين كافة}تفسير : وقال آخرون ليست منسوخة، لأنه يجوز اجتماعه مع تلك الفريضة - وهو الأولى - لأنه لا دلالة على نسخها. والحرام: هو القبيح الممنوع من فعله. والحلال: المطلق المأذون فيه. والقصاص الأخذ للمظلوم من الظالم، من أجل ظلمه إياه. فان قيل: كيف جاز قوله: {إن الله لا يحب المعتدين} مع قوله {أية : فاعتدوا عليه}تفسير : قلنا الثاني ليس باعتداء على الحقيقة، وإنما هو على وجه المزاوجه، ومعناه المجازات على ما بينا. والمعتدي مطلقاً لايكون إلا ظالماً لضرر قبيح، وإذا كان مجازاً فانما يفعل ضرراً حسناً. فان قيل: كيف قال بمثل ما اعتدى عليكم، والأول جور، والثاني عدل؟ قلنا، لأنه مثله في الجنس وفي مقدار الاستحقاق، لأنه ضرر، كما أن الأول ضرر، وهو على مقدار ما يوجبه الحق في كل جرم. وقيل إنّ عدا، واعتدى لغتان بمعنى واحد، ومثله قرب واقترب، وجلب واجتلب. وقال قوم: في افتعل مبالغة ليس في فعل. ومعنى قوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} يعني بالنصرة لهم، كأنه قال: {إن الله مع المتقين} بالنصرة أو إن نصرة الله معهم. وأصل (مع) المصاحبة في المكان أو الزمان.

الجنابذي

تفسير : {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} سمّى بالشّهر الحرام لحرمة القتال فيه حتّى لو انّ رجلاً لقى قاتل ابيه او اخيه فيه لم يتعرّض له بسوءٍ، والاشهر الحرم كانت اربعة؛ ثلاثة متوالية؛ ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، وواحدٌ فردٌ وهو رجب، وسمّى ذو القعدة بذى القعدة لقعودهم عن القتال فيه ولمّا كانوا متحرّجين بالقتال فى عام عمرة القضاء وكان المشركون تعرّضوا لقتالهم فى العام السّابق فرفع التحرّج عنهم بأنّ قتال المشركين فى الشّهر الحرام بازاء قتالهم ايّاكم فى الشّهر الحرام، او المراد تهنئة المؤمنين وتسليتهم بأنّ دخول مكّة فى ذى القعدة بازاء صدّ المشركين فى ذى القعدة فى العام السّابق فالتّقدير قتال الشّهر الحرام بقتال الشّهر الحرام او دخول مكّة فى الشّهر الحرام بازاء صدّهم عنها فى الشّهر الحرام {وَٱلْحُرُمَاتُ} جمع الحرمة بالضّمّ والسّكون وبضمّتين وكهمزة ما لا يحلّ انهتاكه والذّمّة والمهابة والنصيب {قِصَاصٌ} قيل: كان المشركون فخروا بردّهم رسول الله (ص) فى عام الحديبية فقال تعالى: تهكّماً بهم: والحرمات فيها قصاص ونسب هذا الى الباقر (ع)، وقيل: انّه ايضاً رفع لتحرّج المسلمين بالقتال فى عام القضاء، يعنى انّ الحرمات يجب حفظها ولا يجوز هتكها ولكن يجوز الاقتصاص فيها وجمع الحرمات باعتبار حرمة الشّهر وحرمة الاحرام وحرمة الحرم وقوله تعالى {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} يؤيّد هذا الوجه واعتدى وعدى وتعدّى بمعنى ظلم {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} يعنى فى الشّهر الحرام وفى الحرم او مطلقاً واستعمال الاعتداء مع أنّه ليس من المؤمنين اعتداء من باب المشاكلة والتّجريد مثل ما مضى فى العدوان {بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى الابتداء بالاعتداء وفى التّجاوز الى الزّيادة فى الانتصار ولمّا كان النّفوس غير واقفةٍ على قدر ما يفعل بهم فى الاقتصاص بل هى طالبة لان تفعل بالجانى اضعاف ما جنى عليها خوفاً من اجتراء الجانى وغيره على التّعدّى عليها واطفاءً لاشتعال غضبها رفع ذلك الخوف واطفأ هذا الاشتعال بقوله {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} فلا تخافوا من تعدّى عليكم وتسلّوا بالله لا بامضاء الغضب. اعلم انّ النّفوس فى مراتب التّسليم والانقياد مختلفة؛ فنفس لا تقوى على الانقياد اصلاً فلا تقبل من الله تعالى امراً ولا نهياً وتعتدى على الغير ابتداءً وتقتصّ من الجانى عليها بما تقدر عليه ولا كتاب معها ولا خطاب وامرها موكول الى وقت المماة، ونفس تقدر على قبول الامر والنّهى لكنّها لا تقدر على ترك القصاص فرخّصها الله تعالى ونهاها عن التّجاوز عن قدر الجناية وقال لمثلها على سبيل التّلطّف: وان تصبروا فهو خير لكم، ونفس تقدر على ترك الاقتصاص لكن لا تقدر على الصّفح الّذى هو تطهير القلب عن الحقد على الجانى فأمرها تعالى بكظم الغيظ والعفو عن الجانى، ونفس تقدر على الصّفح لكن لا تقدر على الاحسان الى الجانى فكلّفها تعالى الصّفح وآخر المراتب القدرة على الاحسان الى الجانى والله يحبّ المحسنين، فتكليف الله تعالى على قدر وسع النّفوس {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286]، وما ورد من المعصومين (ع) صريحاً واشارةً انّ للايمان درجات فلو حمل صاحب الدّرجة الاولى على الثّانية وصاحب الدّرجة الثّانية على الثّالثة وهكذا هلك؛ اشارةٌ الى هذا المعنى وانّ لكلّ نفسٍ تكليفاً من الله، وانّ المفتى ينظر الى احوال الاشخاص ويكلّف بحسب احوالهم.

اطفيش

تفسير : {الشَّهرُ الحرامُ}: الذى أمرتم بقتالكم إياهم فيه. {بالشَّهرِ الحَرامِ}: الذى قاتلوكم فيه، ويقدر مضاف، أى قتال الشهر الحرام الذى أمرتم بقتالهم فيه، بقتال الشهر الحرام الذى قاتلوكم فيه، وإضافة القتال للشهر من إضافة الفعل إلى الزمان الذى وقع هو فيه، والباء للتعويض والبدلية، ويجوز تفسير الشهر المذكور أولا بالشهر الذى قاتلهم المشركون فيه، والثانى بالشهر الذى أمروا بقتال المشركين فيه استعظم المسلمون القتال فى الشهر الحرام، ولو قاتلهم المشركون فيه، فرد الله عليهم بأن الشهر بالشهر، كما أن من قاتل فى المسجد قوتل فيه، وهم فى ذلك هاتكون لحرمة الشهر، ظالمون وأنتم مجازوهم على ذلك محقون. حلال لكم حرمة الشهر بترخيص الله جل وعلا. روى أن المشركين قاتلوا المسلمين عام الحديبية فى ذى القعدة بالسهام والحجارة، واتفق خروجهم لعمرة القضاء من ذى القعدة من قابل، وكرهوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته، فقيل لهم: قاتلوهم فيه ابتداءً كما قاتلوكم فيه ابتداء فى العام الماضى، وقيل: إن قاتلوكم فيه وهم ضعاف، فقاتلوهم وأبلغوا فيهم كما فعلوا بكم فى العام الماضى، وإن منعوكم فقاتلوهم، وعن ابن عباس: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم وصدوهم عن العمرة فى العام السادس من الهجرة، ففعل بهم المسلمون ذلك عام سبع، ويحتمل أن يكون المعنى الشهر الحرام الذى غلبكم الله عز وجل فيه ودخلتم عليهم الحرم للعمرة والحج الذى صدوكم فيه عن العمرة أو بالعكس، وذلك مغالبة، لأن المشركين ردوهم عن العمرة وصالحوهم على أن يعتمروا من قابل، لكن المشركين مع المصالحة مغلوبون فى حينها وفى القابل، ومريدون للنقض لكن أعز الله الرحمن الرحيم الإسلام والمسلمين فلم يستطيعوا النقض، ويحتمل أن يكون المعنى على التسلية، أى منعوكم فى العام الماضى فدونكم فاعتمروا فى هذا فكأنكم لم تمنعوا كما فاته طعام فأعطى آخر فقيل له هذ بذاك. {والحُرُماتُ}: جمع حرمة وهى ما يجب تعظيمه ومنعه من النقائص. {قِصاصٌ}: مصدر بمعنى مفعول، أى والحرمات مقاصص بها بفتح الصاد الأولى، أى كل حرمة هتكت ينتقص من هاتكها بمثلها إن حلت، وإلا فيعوض كرجم الزانى وجلده وقطع السارق بعد الرد لما سرق، فلما هتكوا حرمة الشهر هتك مثل فعلهم فى ذلك الشهر فى قابل، هتكوا الحرمة بالصد عن العمرة، فدخل المسلمون عنوة من قابل، وأمروا بالقتال إن قوتلوا، ويجوز إبقاء القصاص على المصدرية فيقدر مضاف، أى: حرمكم الحرمات قصاص: أو شأنها قصاص، ويجوز أن يكون المراد بالحرمات: حرمات ما الكلام فيه خصوصاً وهنّ حرمة الشهر الحرام، وحرمة الحرم وحرمة الإحرام، فقاتلوهم فيهن كما قاتلوكم فيهن، أو إن قاتلوكم فعلى الوجه الأول يكون قوله: {الحرمات قصاص} حجة وبرهان وتقرير لقوله: {الشهر الحرام} وعلى الوجه الثانى وهو كون الحرمات ثلاثاً يكون توكيداً له، وقيل المراد إن بدءوكم بالقتال فيه فاقتلوهم. {فَمن اعْتدَى عَليْكُم فاعْتدُوا عَليْهِ بمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُم} هذا تفريع على قوله: {الحرمات قصاص} أى فإذا ثبت لكم أن الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم بالقتل فى الشهر الحرام أو الحرم أو الإحرام فجازوه على اعتقاده، بأن تقاتلوه مجازاة وكفا لشره، وسمى المجازاة على الاعتداء لأنها لازمة اعتدائهم لما سببه له، ولتشابه الصورتين، وللمشاكلة وهكذا فى مثل ذلك، وخص المجازاة بالمثل وأكد هذا الخصوص بقوله: {واتَّقُوا اللّهَ}: بأن تفعلوا فى الأنتصار ما لا يجوز لكم، وأن تزيدوا على مثل ما اعتدوا عليكم. ذكروا عن مجاهد أن المشركين صدوا النبى - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية فصالحهم على أن يرجع من العام المقبل فى ذلك الشهر، فيدخل مكة فيقيم فيها ثلاثة أيام، وكان ذلك فى ذى القعدة فأدخله الله من العام المقبل مكة وقضى له منهم وهو قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام}، وقال الحسن: إن استحللتم منا القتال فى الشهر الحرام استحللناه منكم، فإن الحرمات قصاص، وكان ذلك قبل أن يؤمروا بقتالهم كافة، وكأنه قدر القول فى قوله: {الشهر الحرام} أى قولوا لهم الشهر الحرام بالشهر الحرام، قال الحسن: فمن اعتدى عليكم فاستحل منكم القتال فاعتدوا عليه، أى فاستحلوا منه، وذكر الكلبى أنه لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم مكة من العام المقبل بعد أن صالحهم على دخولها وإقامة ثلاثة أيام فيها خرجت قريش إليه كهيئة صف القتال، فخاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يفى لهم المشركون فقال الله جل وعلا: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، بمعنى إن قاتلوكم دون البيت، أى: عنه، فقاتلوهم، وقال السدى: إن اعتدوا عليكم فقاتلوكم فى ذلك العهد فقاتلوهم، وقيل: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا فى ذى القعدة ومعهم الهدى حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون فصالحهم نبى الله أن يرجع عامه ذلك حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج منها بأحد من أهل مكة فنحروا الهدى بالحديبية، وحلقوا وقصروا، فاقتص الله له منهم فأدخله مكة فى ذلك الشهر الذى ردوه فيه فى ذى القعدة، فقال: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} الآية وروى أن قريشاً خلوا له مكة ثلاثة أيام وخرجوا منها إلى رءوس الجبال. {واعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ المتَّقِينَ}: الحفظ والإرشاد إلى مصالحهم والنصر.

الالوسي

تفسير : {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة قتالاً خفيفاً بالرمي بالسهام والحجارة، فاتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه فكرهوا أن يقاتلوهم لحرمته. فقيل: هذا الشهر الحرام بذلك، وهتكه بهتكه فلا تبالوا به {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ} أي الأمور التي يجب أن يحافظ عليها ذوات قصاص أو مقاصة، وهو متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق، كأنه قيل: لا تبالوا بدخولكم عليه عنوة، وهتك حرمة هذا الشهر ابتداءاً بالغلبة، فإن الحرمات يجري فيها ـ القصاص ـ فالصد قصاصه العنوة فإن قاتلوكم فاقتلوهم. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} فذلكة لما تقدمه، وهو أخص مفاداً منه لأن الأول: يشمل ما إذا هتك حرمة الإحرام والصيد والحشيش مثلاً بخلاف هذا، وفيه تأكيد لقوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} ولا ينافي ذلك فذلكيته معطوفاً ـ بالفاء ـ والأمر للإباحة ـ إذ العفو جائز ـ ومَنْ تحتمل الشرطية والموصولية، وعلى الثاني: تكون ـ الفاء ـ صلة في الخبر ـ والباء ـ تحتمل الزيادة وعدمها، واستدل الشافعي بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح؛ واستدل بها أيضاً على أن من غصب شيئاً وأتلفه يلزمه رد مثله، ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة ـ كما في ذوات الأمثال ـ وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في الانتصار لأنفسكم وترك الاعتداء بما لم يرخص لكم فيه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} بالنصر والعون.

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة فصلت عن سوابقها لأنه استئناف بياني؛ فإنه لما بين تعميم الأمكنة وأخرج منها المسجد الحرام في حالة خاصة كان السامع بحيث يتساءل عما يماثل البقاع الحرام وهو الأزمنة الحرام أعني الأشهر الحرم التي يتوقع حظر القتال فيها. فإن كان هذا تشريعاً نازلاً على غير حادثة فهو استكمال واستفصال لما تدعو الحاجة إلى بيانه في هذا المقام المهم، وإن كان نازلاً على سبب كما قيل: إن المسلمين في عام القضية لما قصدوا مكة في ذي القعدة سنة سبع معتمرين خشوا ألاَّ يفي لهم المشركون بدخول مكة أو أن يغدروهم ويتعرضوا لهم بالقتال قبل دخول مكة وهم في شهر حرام، فإن دافعوا عن أنفسهم انتهكوا حرمة الشهر فنزلت هذه الآية، أو ما روي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين اعتمر عمرة القضية: أنُهيِتَ يا محمدُ عن القتال في الشهر الحرام قال: نعم، فأرادوا قتاله فنزلت هذه الآية أي إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام فقاتلوهم أي أباح الله لهم قتال المدافعة، فإطلاق الشهر هنا على حذف مضاف واضح التقدير من المقام ومن وصفه بالحرام، والتقدير حرمة الشهر الحرام، وتكرير لفظ الشهر على هذا الوجه غير مقصود منه التعدد بل التكرير باعتبار اختلاف جهة إبطال حرمته أي انتهاكهم حرمته تسوغ لكم انتهاك حرمته. وقيل: معنى قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام}، أن قريشاً صدتهم عن البيت عام الحديبية سنة ست ويسر الله لهم الرجوع عام القضية سنة سبع فقال لهم: هذا الشهر الذي دخلتم فيه بدل عن الذي صددتم فيه، ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي، يعني أنه من قبيل قولهم: «يوم بيوم والحرْب سجال». والباء في قوله: {بالشهر الحرام} للتعويض كقولهم: صاعاً بصاع وليس ثمة شهران بل المراد انتهاك الحرمة منهم ومنكم وهما انتهاكان. والتعريف في الشهر هنا في الموضعين يجوز أن يكون تعريف الجنس وهو الأظهر، لأنه يفيد حكماً عاماً ويشمل كل شهر خاص من الأشهر الحرم على فرض كون المقصود شهر عمرة القضية، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إن كان المراد شهر عمرة القضية. والأشهر الحرم أربعة: ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وحرمتها لوقوع الحج فيها ذهاباً ورجوعاً وأداء، وشهر واحد مفرد وهو رجب وكان في الجاهلية شهر العمرة وقد حرَّمته مضر كلها ولذلك يقال له: رَجبُ مضر، وقد أشير إليها في قوله تعالى: { أية : منها أربعة حرم } تفسير : [التوبة: 36]. وقوله: {والحرمات قصاص} تعميم للحكم ولذلك عطفه ليكون كالحجة لما قبله من قوله: { أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلو كم فيه } تفسير : [البقرة: 191] وقوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} الخ، فالجملة تذييل والواو اعتراضية. ومعنى كونها قصاصاً أي مماثلة في المجازاة والانتصاف، فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته، وذلك أن الله جعل الحرمة للأشهر الحرم لقصد الأمن فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو الإضرار به فعلى الآخر الدفاع عن نفسه، لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة الأزمنة، ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى: { أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } تفسير : [البقرة: 191]، والإخبار عن الحرمات بلفظ (قصاص) إخبار بالمصدر للمبالغة. وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} تفريع عن قوله: {والحرمات قصاص} ونتيجة له، وهذا وجه قول «الكشاف»: إنه فذلكة، وسُمي جزاء الاعتداء اعتداء مشاكلة على نحو ما تقدم آنفاً في قوله: { أية : فلا عدوان إلا على الظالمين } تفسير : [البقرة: 193]. وقوله: {بمثل ما اعتدى عليكم} يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام. وقوله: {واتقوا الله} أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد، لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط. وقوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} افتتاح الكلام بكلمة اعلم إيذان بالاهتمام بما سيقوله، فإن قولك في الخطاب: اعلم إنباء بأهمية ما سيلقى للمخاطب وسيأتي بسط الكلام فيه عند قوله تعالى: { أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } تفسير : في سورة الأنفال (24)، والمعية هنا مجاز في الإعانة بالنصر والوقاية، ويجوز أن يكون المعنى: واتقوا الله في حرماته في غير أحوال الاضطرار: واعلموا أن الله مع المتقين فهو يجعلهم بمحل عنايته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الشهر الحرام: الشهر المحرم القتال فيه والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد فالثلاثة هي القعدة والحجة ومحرم والرابع الفرد رجب. الحرمات: جمع حرمة كالشهر الحرام، والبلد الحرام، والإِحرام. إن الله مع المتقين: المتقون هم المؤمنون الذين يتقون معاصي الله تعالى ومخالفة سننه في الحياة وكونه تعالى معهم: يسددهم ويعينهم وينصرهم. التهلكة: الهلكة والهلاك مثلها. الإحسان: اتقان الطاعة وتخليصها من شوائب الشرك، وفعل الخير أيضاً. معنى الآيتين: الآية الأولى [194] في سياق ما قبلها تشجع المؤمنين المعتدى عليهم على قتال أعدائهم وتعلمهم أن من قاتلهم في الشهر الحرام فليقاتلوه في الشهر الحرام، ومن قاتلهم في الحرم فليقاتلوه في الحرم، ومن قاتلهم وهم محرمون فليقاتلوه وهو محرم، وهكذا الحرمات قصاص بينهم ومساواة. ومن اعتدى عليهم فليعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليهم، وأمرهم بتقواه عز وجل وأعلمهم أنه معهم ما اتقوه بالتسديد والعون والنصر. وأما الآية [195] فقد أمرهم بإنفاق المال للجهاد لإِعداد العدة وتسيير السرايا والمقاتلين ونهاهم أن يتركوا الإِنفاق في سبيل الله الذي هو الجهاد فإنهم متى تركوا الإِنفاق والجهاد كانوا كمن ألقى بيده في الهلاك، وذلك أن العدو المتربص بهم إذا رآهم قعدوا عن الجهاد غزاهم وقاتلهم وانتصر عليهم فهلكوا. كما أمرهم بالإِحسان في أعمالهم كافة وإحسان الأعمال إتقانها وتجويدها. وتنقيتها من الخلل والفساد، وواعدهم إن هم أحسنوا أعمالهم بتأييدهم ونصرهم فقال تعالى: {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} ومن أحبه الله أكرمه ونصره وما أهانه ولا خذله. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- احترام الشهر الحرام وسائر الحرمات. 2- جواز المقاصة والمجازاة لمن اعتدى بحيث يعامل بما عامل به سواء بسواء. 3- رد الإِعتداء والنيل من المعتدي الظالم البادي بالظلم والإِعتداء. 4- معيّة الله تعالى لأهل الإِيمان والتقوى والإِحسان. 5- فضيلة الإِحسان لحب الله تعالى للمحسنين.

القطان

تفسير : الشهر الحرام: هنا: ذو القعدة. وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة. الحرمات: كل ما يجب احترامه والمحافظة عليه. القصاص: المقاصة والمقابلة بالمثل. الأشهر الحرم: رجب. ذو القعدة. ذو الحجة. والمحرم. وكانت العرب تحرّم القتال في هذه الأشهر، ثم جاء الاسلام فأقر ذلك. وفي عام ست من الهجرة أعلن النبي للمؤمنين وللناس جميعا أنه يريد العمرة ودعا الناس للخروج معه. وأحرم بالعمرة وساق معه سبعين بدنة هَدْياً الى الله. وخرج معه ألف وأربعمائة من أصحابه. فلما بلغوا الحديبية، وهو مكان قرب مكة، خرجت قريش متأهبة للقتال ومنعته من دخول مكة. ثم جرت مفاوضات انتهت بالصلح على ان يرجع رسول الله من مكانه في ذلك العام، ويعود في العام المقبل ليؤدي العمرة. فنحر الهديَ في ذلك المكان، وحلق، وأمر أصحابه ان يفعلوا ذلك وعاد الى المدينة. فلما كان العام المقبل خرج معتمرا ومعه أصحابه، ودخلوا مكة وأتموا العمرة ومناسكها ومكثوا فيها ثلاثة أيام ثم رجعوا الى المدينة. وهذا معنى قوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام.. يعني أن ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه الى حرمه وبيته، على كراهة مشركي قريش، حيث قضيتم مناسككم ـ لهو بالشهر الحرام الذي صدكم فيه مشركوا قريش قبل عام. وهكذا فقد أقصّكم الله منهم أيها المؤمنون. فاذا اعتدوا عليكم في الشهر الحرام وقاتلوكم فيه، فقابلوا ذلك بالدفاع عن أنفسكم فيه. انه حرام عليهم كما هو حرام عليكم. وفي الحرمات والمقدسات شُرع القصاص والمعاملة بالمثل، فمن اعتدى عليكم في مقدساتكم فادفعوا عدوانه بالمثل، واتقوا الله فلا تسرفوا في القصاص، واعلموا ان الله مع المتقين بعينهم وينصرهم. وكان صلح الحديبية أول نصر سياسي كبير واعظم توفيق من الله لنبيه الكريم، وذلك باعتراف قريش به وبالمفاوضة معه وتوقيع الصلح.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحُرُمَاتُ} (194) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ القِتَالِ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، فَالذِي يَنْتَهِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَامِ جَزَاؤُهُ أَنْ يُحْرَمَ الضَّمَانَاتِ التِي كَفِلَهَا لَهُ الشَّهْرُ الحَرَامُ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأَشْهُرَ الحُرُمَ وَاحَةَ أَمْنٍ تُصَانُ فِيها الدِّماءُ وَالأَمْوَالُ وَالحُرُمَاتُ، وَلكِنْ مَنْ أَرَادَ العُدْوَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ في الأَشْهُرِ الحُرُمِ، فَقَدْ أَجَازَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ الرَّدَّ عَلَيهِ بِمِثْلِ عُدْوَانِهِ، بِدُونِ تَجَاوُزٍ وَلاَ مُغَالاَةٍ فِي المُجَازَاةِ وَالقِصَاصِ إِذْ أَمَرَهُمُ اللهُ بِالتَّقْوى، وَذَكَّرهُمْ بِأَنَّهُ مَعَ المُتَّقِينَ. وَبِمَا أَنَّ المُشْرِكِينَ مَنَعُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ مُعْتَمِراً فِي شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍ لِلْهجْرَةِ، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ انْتَهَكُوا حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَام بِالصَّدِّ عَنِ البَيْتِ الحَرَامِ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقَ مَعَهُمْ، وَجَازَاهُمْ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ. الحُرُمَاتُ قِصَاصٌ - أَيْ يَجِبُ مُقَاصَّةُ المُشْرِكِينَ عَلى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَالحُرُمَاتُ هِيَ مَا تَجِبُ المُحَافَظَةُ عَلَيهِ.

الثعلبي

تفسير : {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} نزلت في عمرة بالقضاء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكّة عام الحديبية على أن ينصرف عامَه ذلك ويرجع العام القابل على أن يخلوا له مكّة ثلاثة أيام فيدخلها هو وأصحابه ويعمرون ويطوفون بالبيت ويفعلون ما أحبوا، على أن لا يدخلوها إلاّ بسلاح الراكب في عمرة ولا يخرجوا بأحد معهم من أهل مكّة، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام ورجع العام القابل في ذي القعدة ودخلوا مكّة واعتمروا وطافوا ونحروا وقاموا ثلاثة أيام فأنزل الله {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ} ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكّة واعتمرتم وقضيتم مناسككم وطوافكم في سنة سبع {بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم من مرادكم في سنة ست. والشهر مرفوع بالابتداء وخبره في قوله {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ} {وَٱلْحُرُمَاتُ} جمع الحرمة كالظلمات جمع الظلمة والحجرات جمع الحجرة والحرمة ما يجب حفظه وترك إنتهاكه وإنّما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام {قِصَاصٌ} والقصاص المساواة والمماثلة: وهو أن يفعل بالفاعل كما فعل {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} قاتلوه {بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} فسمي الجزاء باسم الابتداء على مقابلة الشرط {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ * وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} الآية، إعلم إن التهلكة: مصدر بمعنى الاهلاك وهو تفعله من الهلاك. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرنجي يقول: لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم العين إلاّ هذا. وقال بعضهم: التهلكة كل شيء تصير عاقبته إلى الهلاك. ومعنى قوله {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} لا تأخذوا في ذلك. ويقال: لكل من بدأ بعمل: قد القى يديه فيه. قال لبيد يذكر الشمس: شعر : حتّى إذا ألقت يداً في كافر وأجّن عورات الثغور ظلامها تفسير : أي بدأت في المغيب. قال المبرد: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} أراد أنفسكم فعبَّر بالبعض عن الكلّ كقوله تعالى {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} تفسير : [الحج: 10] {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] والباء في قوله بأيدكم زائدة كقوله {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] قال الشاعر: شعر : ولقد ملأت على نصيب جلده مّساءة إن الصديق يعاتب تفسير : يريد ملأت جلده مساءة. قالوا: والعرب لا تقول للإنسان ألقى بيده إلاّ في الشر. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية. فقال بعضهم: هذا في البخل وترك النفقة، يقول: وانفقوا في سبيل الله ولا تمسكوا الإنفاق في سبيل الله فان الامساك عند الانفاق في سبيل الله هو الهلاك وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة والضحاك وابن كيسان. قال ابن عبّاس: في هذه الآية: إنفق في سبيل الله وإن لم تكن لك إلاَّ سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم إني لا أجد شيئاً. وقال السّدي: فبما أنفق في سبيل الله ولو بمثقالاً. {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} لا تقل ليس عندي شيء. مجاهد: لا نمنعكم نفقة في حق خيفة العيلة. الحسن: إنّهم كانوا يسافرون ويغزون ولا ينفقون من أموالهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالجهاز إلى الحج، وقيل: إلى العمرة عام الحديبية، وكان إذا أراد سفر نادى مناديه بذلك فيعلمهم فيعدّو أهبّة السفر، فلمّا أمرهم بالتجهيز قام إليه ناس من اعراب حاضري المدينة فقالوا: يا رسول الله بماذا نتجهز فوالله لا من زاد ولا مال نتجهز به ولا يطعمنا أحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية ". تفسير : وقال سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان: لما أمر الله بالأنفاق قال رجال: أمرنا بالنفقة في سبيل الله فإن أنفقنا أموالنا بقينا فقراء ذوي مسكنة، فقال الله {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} يعني انفقوا ولا تخشوا العيلة فإني رازقكم ومخلف عليكم. الخليل بن عبد الله عن علي وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أُمامة الباهلي وعبدالله بن عمرو وجابر وعمران بن حصين كلهم يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّه قال: "حديث : من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم" تفسير : ثمّ تلا هذه الآية {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ}. وروى النضر بن عزيز عن عكرمة {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال: لا تتيمموا الخبيث منه: تُنفقون. [قال] زيد بن أسلم: إن رجالاً كانوا يخرجون في بعوث بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة فإما أن يقطع بهم، وإما كانوا عيالاً فأمرهم الله بالانفاق على أنفسهم في سبيل الله، وإذا لم يكن عندك ما ينفق فلا تخرج بنفسك بغير نفقة ولا قوّة فتلقي بيديك إلى التهلكة، والتهلكة: أن يهلك من الجوع أو من العطش ثمّ قال لمن بيده ويبخل {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. وقال محمّد بن كعب القرظي: كان القوم يكونّون في سبيل الله فيتزود الرجل فيكون أفضل زاداً من الآخر فينفق النّاس من زاده حتّى لا يبقى منه شيء يحب أن يواسي صاحبه، فأنزل لله تعالى هذه الآية. وقال بعضهم: هذه الآية نزلت في ترك الجهاد. زيد بن أبي حبيب عن أسلم بن عمران قال: غزونا القسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، قال: فوقفنا صفين لم أر قط أعرض ولا أطول منها والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة قال: فحمل رجل منّا على صف الروم حتّى خرقه ثمّ خرج إلينا مقبلاً فصاح الناس وقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة. وقال أبو أيوب الأنصاري: إنكم لتأولون هذه الآية على هذا التأويل ان حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو بلى من نفسه، نحن أعلم بهذه الآية، إنها نزلت فينا معشر الأنصار، إنّا لما أعز الله دينه ونصر رسوله قلنا بيننا [معاشر الانصار] سرّاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتّى فشى الإسلام ونصر الله عزّ وجلّ نبيه، وقد وضعت الحرب أوزارها فلو رجعنا إلى أهلنا وأولادنا وأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى فينا {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}. والتهلكة: الاقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. قال أبو عمران: فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتّى دفن بالقسطنطينية. وروى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس قال: التهلكة عذاب الله عزّ وجلّ يقول: لا تتركوا الجهاد فتعذبوا دليله قوله {أية : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [التوبة: 39] عن (يزيد) بن أبي أنيسة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمّن قال لا إله إلاّ الله لا تكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله عزّ وجلّ إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال (لا يبطله) جور ولا عدل، والإيمان بالاقدار ". تفسير : أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ". تفسير : وقال أبو هريرة وأبو سفيان: هو الرجل يستقبل بين الصفين فيحمل على القوم وحده. وقال محمّد بن سيرين وعبيد السلماني: الإلقاء في التهلكة هو القنوط من رحمة الله. قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول قد هلكت ليست توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي فنهاهم الله عن ذلك. قال يمان بن رئاب والمفضل بن سلمة الرجل ألقى بيديه إذا إستسلم للهلاك ويئس من النجاة. عن شعبة عن أبي إسحاق عن [أبيه] في هذه الآية {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قيل له: أهو الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسيف؟ قال: لا ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول لا توبة لي. هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: جاء حبيب بن الحرث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" حديث : يا رسول الله إني رجل معراض الذنوب. قال: "فتب إلى الله يا حبيب"، قال: يا رسول الله إني أتوب ثمّ أعود. قال: "فكلمّا اذنبت فتب" قال: إذا يا رسول الله تكثر ذنوبي. قال: عفو الله أكثر من ذنوبك يا حبيب بن الحرث ". تفسير : فقال فضيل بن عياض: في هذه الآية {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} بأساءة الظن بالله واحسنوا الظن بالله {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} الظن به. وعن محمّد بن إبراهيم الكاتب قال: "حديث : دخلنا على أبي نؤاس الحسن بن هاني نعوده في مرضه الذي مات فيه ومعنا صالح بن علي الهاشمي فقال له صالح: تب إلى الله يا أبا عليّ فإنك في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وبينك وبين الله هناة، فقال: أسندوني، أياي تخوف بالله، فقد حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّما جعلت شفاعتي لأهل الكبائر من (أمتي) أتراني لا أكون منهم ". تفسير : وحدثنا حماد عن ثابت عن أنس ان النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يخرج رجلان من النّار فيعرضان على الله عزّ وجلّ ثمّ يؤمر بهما إلى النّار فيلتفت أحدهما فيقول: أي ربّ ما كان هذا رجائي، قال الله وما كان رجاءك؟ قال: كان رجائي إذا أخرجتني منها لا تعيدني إليها، فيرحمه الله عزّ وجلّ فيدخله الجنّة ". تفسير : {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ}. قرأ ابن أبي إسحاق: (الحج) بكسر الحاء في جميع القرآن وهي لغة تميم وقيس بن غيلان. وذكر عن طلحة بن مصرف: بالكسر هاهنا، وفي سورة آل عمران، وبالفتح في سائر القرآن. وقرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم، برواية حفص: بالكسر في آل عمران وبالفتح في سائر القرآن. وقرأ الباقون: بالفتح كل القرآن وهي لغة أهل الحجاز. قال الكسائي: هما لغتان ليس بينهما في المعنى شيء مثل رَطل ورِطل (......) بنصب وكسر. وقال أبو معاذ: (الحج) بالفتح مصدر والحج بالكسر الإسم مثل قسم وقِسم وشرب وشِرب وسَقي وسقِي وفي مصحف عبدالله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} بالبيت. وقرأ علقمة وإبراهيم: واتيموا الحج والعمرة. واختلف المفسرون في اتمامهما. فقال بعضم: معنى ذلك واتموا الحج والعمرة بمناسكهما وحدودهما وسنتهما وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبرهيم ومجاهد. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: من أحرم بحج أو عمرة ليس له أن يحل حتّى يتمها، وتمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت وقد حل من إحرامه كلّه بتمام العمرة، إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حلّ، وفرائض الحج أربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الافاضة، والطواف والسعي بين الصفا والمروة، وأعمال العمرة كلها أربعة: فرض الاحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، وأقله ثلاث شعرات. روى سعيد بن جبير وطاوس: تمام الحج والعمرة أن يحرم بهما مفردين...... وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبدالله بن سلمة فقال جاء رجل إلى علي فقال: أرأيت قول الله عزّ وجلّ {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} قال: إن تحرم من دويرة أهلك. قال قتادة (إتمام العمرة) أن يعتمر في غير أشهر الحج، وما كان في أشهر الحج ثمّ أقام حتّى يحج فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجد، أو الصيام، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلها حتّى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة. ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله: "حديث : عمرة في رمضان تعدل حجّة ". تفسير : وقال الضحاك: أيامها أن يكون النفقة حلالاً (وينتهي) عما نهى الله عنه. وقال سفيان: تمامها أن يخرج من (بلده) لهما لا يريد غيرهما ولا يخرج لتجارة ولا لحاجة حتّى إذا كنت قريباً من مكّة قلت: لو حججت أو إعتمرت، وذلك يجزي ولكن التمام أن يخرج له ولا يخرج لغيره. وروى جعفر بن سليمان (البيعي) عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله: "حديث : يأتي على الناس زمان يحج أغنياء الناس للنزهة، وسائلهم للتجارة وقرّاؤهم للرياء والسمعة وفقرائهم للمسألة ". تفسير : وفي هذا المعنى كان يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الوفَّاد كثير والحجاج قليل. حكم الآية اختلف الفقهاء في العمرة، فقال قوم: هي سنّة حسنة وليست بفريضة واجبة وهو مذهب أحمد ومالك بن أنس وأبي ثور وقول الشافعي في القديم وهو اختيار جرير بن محمّد الطبري، وإحتجوا بقراءة الشعبي {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ} لله رفعاً. وبما روى محمّد بن المنكدر عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّه سأل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟ وأن تعتمروا خيرٌ لكم؟ وفي مهاجر الحج فريضة والعمرة تطوع قالوا أيضاً لما ذكر الله فرض الحج لم يذكر معه العمرة، وقال عزّ من قائل {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97]. وقال الآخرون: ان العمرة فريضة وهي الحج الأصغر، وهو قول علي وابن عبّاس وزيد ابن ثابت وعلي بن الحسين وعطاء وقتادة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وقول الشافعي في الجديد والأصح من مذهبه واختيار أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وإحتجوا في ذلك بقراءة العامة والعمرة، نصباً على معنى وأتموا فرض الحج والعمرة. وبما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّه قال: "حديث : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". تفسير : وروى عكرمة عن ابن عبّاس إنّه قال: والله إن العمرة لفريضة الحج، في كتاب الله {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلاّ وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، كما قال الله تعالى. فمن زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع. وقال مسروق: أمرنا في كتاب الله بأربعة: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحجّ والعمرة فنزّلت العمرة من الحجّ منزلة الزكاة من الصلاة، ثمّ تلا هذه الآية {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ}. وقال عبدالملك بن سليمان: سأل رجل سعيد بن جبير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ان العمرة فريضة هي أم تطوع؟ فقال: فريضة، قال: فإن الشعبي يقول هي تطوع، قال: كذّب الشعبي، ثمّ قرأ (واتموا الحج والعمرة لله)، فمن قال: إن العمرة ليست بفرض يأول الآية على معنى: أتموها إذا دخلتم فيها ولم يرد إبتدأ الدخول فيه فرضاً عليه، وذلك كالمتطوع بالحج لا خلاف فيه إذا أحرم أنَّ عليه المضي فيه وإتمامه، فإن لم يكن فرضاً عليه إبتدأ الدخول فيه وكذلك العمرة. ومثله روي ابن وهب عن زيد قال: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال: فقلت له: قول الله {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} قال: ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا شرع في أمر إلاّ أن يتمه وإذا خرج فيها لم ينبغي له أن يحل يوماً ثمّ يرجع كما لو صام يوماً لم ينبغي له أن يفطر في نصف النهار، ودليل هذا التأويل قوله {أية : فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} تفسير : [التوبة: 4] لم يرد به الابتداء وإنّما أراد به اتمام ما مضى من العهد والعقد، ومن أوجب العمرة تأول الاتمام على معنى الابتداء والالزام أي أقيموها وافعلوها يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} أي فعلهن وقام بهن، وقوله {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} أيّ ثمّ ابتدئوا الصيام وأتموه لأنه ذكره عقيب الأكل والشرب والصبح، وهذا هو الأصح والأوضح لأنه جمع بين الاثنين، وحمل الآية على عمومها فمعناه إبتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، فيكون جامع بين وجهي الاتمام، ولأن من أوجهها أكثر، والأخبار في إيجاب الحجّ والعمرة مقترنتين أظهر وأشهر. عن أبي رزين العقيلي إنّه قال: "حديث : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجّ والعمرة ولا الطعن، قال: حجَّ عن أبيك واعتمر ". تفسير : وقال أبو المشفق:" حديث : لقيت النبيّ صلى الله عليه وسلم بعرفة فدنوت منه حتّى اختلفت عنق راحلتي وعنق راحلته فقلت: يا رسول الله انبئني بعمل ينجيني من عذاب الله ويدخلني الجنّة؟ قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئاً وأقم الصلاة المكتوبة وأدّ الزكاة المفروضة وحجّ وإعتمر وصمّ رمضان وانظرما تحب من النّاس ان يأتوه إليك فافعله بهم وما تكره من الناس إن يأتوه إليك فذرهم منه ". تفسير : عاصم عن شفيق عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تابعوا بين الحجّ والعمرة فإنّهم لينفيان الفقر والفاقة والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجّ المبرور ثواب دون الجنّة ". تفسير : في افراد الحج عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة" حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ". تفسير : ابراهيم عن الاسود عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلاّ الحج. حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت" حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين هلال ذي الحجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء أن يهل بالحج فليهل ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة، والأفراد ان يحرم بالحج من الميقات ويفرغ منه ثمّ يحرم بالعمرة من مكّة" تفسير : وهو إختيار الشافعي وأصحابه. في القِران عبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل ويحيى بن إسحاق كلهم عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لبيك عمرةً وحجاً لبيك عمرةً وحجاً"تفسير : . حميد بن هلال قال: سمعت مطرفاً يقول: قال لي عمران بن الحصين: "حديث : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجة وعمرة "تفسير : ثمّ توفي قبل أن ينهي عنهما وقبل أن ينزل القرآن بتحريمه. وعن أبي وائل قال: قال قيس بن معبد: كنت أعرابياً نصرانياً فأسلمت فكنت حريصاً على الجهاد فوجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأتيت رجلاً من عشيرتي يقال له، هريم بن عبد الله فسألته فقال: إجمعها ثمّ إذبح ما استيسر من الهدي، فأهللت بهما، ثمّ أتيت العذيب يلقيني سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيرة، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين إني أسلمت وأنا حريص على الجهاد وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأتيت هريم بن عبد الله، فقال: إجمعهما ثمّ إذبح ما إستيسر من الهدي، وأهللت بهما، فلما أتيت العذيب لقيني سليمان بن ربيعة وزيد فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيرة فقال عمر: هديت سنّة نبيك صلى الله عليه وسلم. علي بن الحسن عن عثمان بن الحكم ان عثمان نهى عن المتعة وأن يجمع الحج والعمرة. فقال علي: لبيك بحج وعمرة معاً، وقال عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها؟ فقال علي: لم أكن لأدع سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من الناس. والقرآن لم يحرم الحج والعمرة معاً من الميقات، وهو إختيار أبي حنيفة وأصحابه. {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} واختلف العلماء في معنى الاحصار الذي جعل الله على من ابتلى به في حجته وعمرته ما استيسر من الهدي. وقال قوم: هو كل مانع أو حابس مَنَع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله تعالى عليه في احرامه ووصوله إلى البيت الحرام أي شيء كان من مرض أو جرح أو كسر أو خوف أو عدو أو لدغ أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلته أو غيرها من الاعذار، فإنه يقيم مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو من الهدي فإذا نحر الهدي حل من إحرامه، هذا قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ومقاتل والكلبي ومذهب أهل العراق، وإحتجوا في أن الاحصار في كلام العرب هو صنع العلة من المرض وأشباهه غير القهر والغلبة، فأما منع العدو بالحبس والقهر من سلطان قاهر فإن ذلك حصر لا إحصار، كذا قال: الكسائي وأبو عبيدة والفراء قالوا: ما كان من مرض وذهاب نفقه قيل فيه حصر فهو محصر، وما كان من خشية عدو أو سجن قيل فيه حصر فهو محصور، يدلّ عليه قوله تعالى {أية : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} تفسير : [الإسراء: 8] أي محبساً، قالوا: وإنما جعلنا حبس العدو إحصاراً قياساً على المرض، إذ كان في حكمه (فلا دلالة) ظاهرة. وقال الآخرون: بالأُخرى أن يمنع عدو أو قاهر من بني آدم من الوصول إلى البيت، وأمّا المرض وسائر الاعذار فغير داخل في هذه الآية. هذا قول ابن عمر وابن عبّاس وعبد الله بن الزبير وسعد بن المسيب وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب ومذهب الشافعي وأهل المدينة فاحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية وذلك إحصار عدو، يدلّ عليه قوله في سياق الآية {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} ولا يكون إلامِن الخوف وفي الحديث: "حديث : لا حصر إلاّ من حبس عدو ". تفسير : وقال ثعلب: تقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو إذا منعه من السير فهو محصر، وذكر يونس عن أبي عمرو قال: إذا منعته من كل وجه فقد أحصرته. قال الشافعي: فإذا أحصر بعدوّ كافر أو مسلم أو سلطان يحبسه في سجن نحر هدياً لإحصاره حيث أحصر في حلّ أو حرم وحلّ من إحرامه ولا شيء إلاّ أن يكون واجباً فيقضي فإذا لم يجد هدياً يشتريه أو كان فقيراً ففيه قولان أحدهما: لا حلّ إلاّ لهدي. والآخر: حلّ إذا لم يقدر عليه وأتى به إذا قدر عليه. وقال بعض الفقهاء: إذا لم يعتبر اجزاؤه وعليه طعام أو صيام وكلما وجب على المحرم في ماله من بدنه وجزاء وهدي وصدقة فلا يجزي إلاّ في الحرم لمساكين أهلها إلاّ في موضعين أحدهما: دم المحصر في العدو فإنه ينحر حيث حبس ويحل. والآخر: من ساق هدياً لغرض فعطب في طريقه فذبحه وخلى بينه وبين المساكين لم يجز له ولا لرؤسائه أن يأكلوا منه شيئاً وإن كانوا مساكين. وإن كان ما ساقه لغرض مثل أن يكون قارناً أو متمتعاً جاز له أن يأكل ويطعم غيره، فهذا معنى الاحصار وحكمه، فأما المرض وما أشبهه فان له أن يتداوى فيما لابد منه ويفدى ثمّ يجعلها عمرة ويحج عام قابل ويهدي، وقوله تعالى {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ} أي عليه ما تيسر، محلّه رفع، وإن شئت جعلت بها في محل النصب أي قاهر، واما استيسر من الهدي مثل جدية السرج وجمعها جدي قاله أبو عمرو. قال: لا أعلم في الكلام ثالثهما. وقرأ الأعرج: (الهدي) بكسر الدال وتشديد الياء في جميع القرآن على معنى المفعول. وروى عصمة عن عاصم: بتشديد الهدي في محل الرفع والجر وتخفيفه في حال النصب نحو قوله {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] {أية : وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} تفسير : [المائدة: 2] وهما جميعاً ما يهدي إلى بيوت الله سمي بذلك لانه تقرب إلى الله بمنزلة الهدية يهديها الانسان إلى غيره متقرباً بما بعث إليه. واختلفوا في تأويل قوله {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}. فقال علي وابن عبّاس: شاة. وقال ابن عمر: فما استيسر من الهدي: الابل والبقر ناقة دون ناقة وبقرة دون بقرة سن دون سن وأنكر أن يكون الشاة من الهدي، وأقوى الأقوال بالصواب قول من قال إنه شاة، لأنه أقرب إلى التيسر، ولأن الله سمي الشاة هدياً في قوله {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] وفي الظبي شاة. {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، واختلفوا في المحل الذي يحل المحصر بلوغ هديه إليه فقال بعضهم: هو ذبحه أو نحره بالموضع الذي يحصر فيه سواء كان في الحل أو الحرم ومعنى محلّه: حين يحل ذبحه وأكله والانتفاع به كقوله صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تصدق به عليه بريرة قال: "قربوه فقد بلغ محله" يعني فقد بلغ محل طيبه وحلاله بالهدية الينا بعد إن كانت صدقة على بريرة: وهذا على قول من جعل الاحصار إحصار العدو. يدلّ عليه فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حتّى صدوا عن البيت ونحروا هديهم بها والحديبية ليست من الحرم. روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال:" حديث : لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب القضية بينه وبين مشركي قريش عام الحديبية فقال لأصحابه: "قوموا فانحروا واحلقوا" قال: فوالله ما قام منهم أحد حتّى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أم سلمة فذكر ذلك لها، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أخرج ثمّ لا تكلم أحداً منهم بكلمة حتّى تنحر بدنتك وتدعو حلاقك فتحلق فخرج فلم يتكلم حتّى فعل ذلك، فلما رأوا ذلك قاموا ونحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتّى كاد بعضهم (يقتل) بعضاً غماً ". تفسير : وقال بعضهم: محل هدي المحصر لا يحل له غيره فإن كان حاجاً فمحله يوم النحر وإن كان معتمراً يوم مبلغ هديه الحرم. روى إبراهيم الجعفي عن عبد الرحمن بن زيد قال: خرجنا مهلين بعمرة وفينا الأسود بن يزيد حتّى نزلنا ذات السقوف فلُدِغ صاحب لنا فشق ذلك عليه ولم يدر كيف يصنع، فخرج بعضنا إلى الطريق يتشوّف فإذا بركب فيهم عبد الله بن مسعود فسألوه عن ذلك فقال: ليبعث بهدي إلى مكّة، واجعلوا بينكم وبينه إمارة فإذا ذبح الهدي فليحل وعليه قضاء عمرته. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} معنى الآية ولا تحلقوا رؤسكم حال الاحرام إلاّ أن يضطر الرجل حلقه إما لمرض يحتاج إلى مداواته. {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} من هوام وصداع فحلق أو فدي {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} نزلت هذه الآية في كعب بن حجر قال:" حديث : مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القمل والصئبان وهو يتناثر على وجهي (وانا اقبح) فدبر اليَّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم يارسول الله. قال: «فاحلق رأسك" تفسير : فأنزل الله {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} ثلاثة أيام. {أَوْ صَدَقَةٍ} على ست مساكين لكل مسكين نصف صاع {أَوْ نُسُكٍ} أو ذبيحة واحدها نسكة. وقرأ الحسن: أو نسك تخفيفاً وهي لغة تميم. قال العلماء: أعلاها بدنه وأوسطها بقرة وأدناها شاة وهو مخير بين هذه الثلاثة إن شاء فعل. وقال أنس وعكرمة: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} عشرة أيام {أَوْ صَدَقَةٍ} على عشرة مساكين لكل مسكين مدٌ من بر أو مدٌ من تمر أو نسك وهي الشاة والقول الأول هو الصحيح وهو المشهور وهذه (الفريضة) أن يأتي بها أجمعوا على أنه يصوم حيث شاء من البلاد. واما النسك والطعام، فقال بعضهم: يجب أن تكون مكّة. وقال بعضهم: أي موضع شاء وهو الصواب لأنه أُبهم في الآية ولم يخصّ مكاناً دون مكان. {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} من خوفكم وبرأتم من مرضكم. {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} اختلفوا في هذه المتعة. فقال بعضهم: معناه فمن أحصر حتّى [عام] الحجّ ثمّ قدّم مكّة فخرج من إحرامه بعمل عمرة واستمتع بإحلاله ذلك، فيكمل العمرة إلى السنة المستقبلة ثمّ يحج ويهدي فيكون جميعاً بذلك الاحلال من [الذي] حلّ إلى إحرامه الثاني من القابل. وهذا قول عبدالله بن الزبير. وقال بعضهم: معناه {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} وقد حللتم من إحرامكم بعد الاحصار ولم يقولوا عمرة يخرجون بها من إحرامكم لحجتكم ولئن حللتم حين أخبرتم بالهدي وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحج حللتم فاستمتعتم باحلالكم إلى حجكم فعليكم ما استيسر من الهدي، وهذا قول علقمة وإبراهيم وسعيد بن جبير. وكذلك روى عبدالله بن سلمة عن علي رضي الله عنه {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} الآية فإن أخرّ العمرة حتّى يجمعها مع الحجّ فعليه الهدي. وقال السّدي: معناه فمن فسخ حجة بعمرة فجعله عمرة واستمتع بعمرته إلى حجة فعليه ما استيسر من الهدي. وقال ابن عبّاس وعطاء وجماعة: هو الرجل يقدم معتمراً من أفق من الآفاق في أشهر الحج فإذا قضى عمرته أقام حلالاً بمكّة حتّى حان وقت الحج فيحج من عامّة ذلك فيكون مستمتعاً بالاحلال إلى إحرامه بالحج فمعنى التمتع الاحلال بالعمرة فيقيم حلالاً فيفعل ما يفعل الحلال ثمّ يحج بعد إحلاله من العمرة من غير رجوع إلى الميقات ومعنى التمتع التلذذ وأصله من التزود، والمتاع الزاد ثمّ جعل كلّ تلذذ تمتعاً. قال الفقهاء: فالتمتع الذي يجب عليه الهدي هو أن يجتمع فيه أربع شرائط وهي: أن يحرم في أشهر الحجّ، ويحل من العمرة في أشهر الحج، وان يحرم بالحج من عامه ذلك من مكّة ولا يرجع إلى الميقات، وزاد بعض أصحابنا: أن يكون من غير الحرم، فمن يحرم بشيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم ولا يكون متمتعاً. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أهلكم. قال المفسرون: يصوم يوماً قبل التروية ويوم عرفة ولا تجاوز بآخرهنّ يوم عرفة. وقال طاوس ومجاهد: إذا صامهنَّ في أشهر الحج أجزينّ. {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ذكر الكمال على التأكيد. كقول الأعشى: شعر : ثلاث بالغداة فذاك حسبي وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ربي وشرب المرء فوق الري داء تفسير : وقال الفرزدق: شعر : ثلاث واثتان وهن خمس وسادسة تميل إلى سهامي تفسير : وقال بعضهم: كاملة بالهدي، وقيل بالثواب، وقيل كاملة بشروطها وحدودها، وقيل: لفظه خبر وحكمه أمر، أي: فأكلوها ولا تنقوصها. {ذٰلِكَ} التمتع {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي كمن لم يكن من أهل الحرم. عكرمة: هو ما دون المواقيت إلى مكّة. وقال ابن جريج: حاضري المسجد الحرام أهل عرفة والرجيع يضحيان ويهديان. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} قال الفراء: تقديرها وقسط الحج أشهر معلومات، فهذا كما يقال: البرد شهران والحرّ شهران، أيّ [وفيهما] شهران، وسمعت الكسائي يقول: إنما الصيد شهران [والطيلسان] شهران وقت الصيد ووقت ليس [الطيلسان]. وقال الزجاج: معناه أشهر الحجّ أشهر معلومات وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة. قال ابن عبّاس: جعلهن الله للحجّ، وسائر الشهور للعمرة فلا يصلح لأحد أن يحرم بالحج إلاّ في أشهر الحج وأما العمرة فإنه يحرم بها في كلّ شهر. فآخر هذه الاشهر يوم عرفة وقد جاء في بعض الأخبار في تفسير أشهر الحج وعشر من ذي الحُجّة وفي بعضها تسع من ذي الحُجّة فمن قال تسع فإنّما عبّر به عن الأيام لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الحجّ عرفة" تفسير : فمن وقف بعرفة في يوم عرفة من ليل أو نهار فقدتم حجّه. ومن قال عشرة عبّر به عن الليالي فمن لم يدركه إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحجّ والشهور إنّما يؤرخ بالليالي. وحكى الفراء: إن العرب تقول صمنا عشراً يذهبون بها إلى الليالي والصوم لا يكون إلاّ بالنهار فلا تضاد في هذه الأخبار وإنّما قال أشهر وهي شهران وبعض الثالث، لأنها وقت والعرب تسمي الوقت بقليله وكثيره فيقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنّما أتاه في ساعة منه، ويقولون: اليوم يومان منذ لم أره، وإنّما هو يوم وبعض اخر ويقولون: زرتك العام. وقال بعض أصحابنا: الاثنان فما فوقهما جماعة لأن الجمع ضم شيء إلى شيء، قلنا: جاز ان يسمي الاثنان بانفرادهما جماعة وجاز ان يسمي الاثنان وبعض الثالث جماعة، وقد سمى الله الاثنين جمعاً في قوله {أية : صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4] ولم يقل قلباكما. وقال عروة بن الزبير وغيره: أراد بالأشهر شوالاً وذا القعدة وذا الحجة [كاملاً] لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الرمي والحلق والنحر والبيتوتة بمنى، فكأنها في حكم الحجّ. حكم الآية فمن أحرم بالحجّ قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون ذلك عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فتكون نافلة، وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد ومذهب الاوزاعي والشافعي. وقال مالك والثوري وأبو حنيفة ومحمّد: يكره له ذلك وإن فعل أجزأه، ودليل الشافعي وأصحابه قوله {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} فخصّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها فلو كان الاحرام بالحج في غير هذه الاشهر منعقداً جائزاً لما كان بهذا التخصيص فائدة مثل الصلوات علقها بمواقيت لم يجز تقديمها عليها. {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} أي فمن أوجب على نفسه فيهن الحجّ والإحرام والتلبية {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: الرفث الفسوق بالرفع والتنوين، وجدال بالنصب. كقول أمية: شعر : فلا لغو ولا تأثيم فيها (وما قاموا) به لهم مقيم تفسير : وقرأ أبو رجاء العطاردي، فلا رفث ولا فسوق نصباً ولا جدال برفع بالتنوين. كقول الأخفش: شعر : هذا وجدكم (الصّغار) بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب تفسير : وقرأ أبو جعفر: كلها بالرفع والتنوين. وقرأ الباقون: كلها بالنصب من غير تنوين. والعرب تقول في البرّية هذان الوجهان ومن رفع بعضاً ونصب بعضاً كان جامعاً للوجهين. وقرأ الأعمش: فلا رفوث على الجميع. واختلف أهل التأويل في تفسير الرفث. فقال ابن مسعود وابن عبّاس وابن عمر والحسن وعمرو بن دينار وقتادة وإبراهيم والربيع والزهري والسّدي وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والضحاك: الرفث الجُماع. وقال طاووس وأبو العالية: الرفث التعريض بالنساء بالجُماع ويذكره بين (......). عطاء: الرفث قول الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك. قال أبو حصين بن قيس: أصعدت ابن عبّاس في الحاج وكنت له خليلاً فلما كان بعدما أحرمنا قال ابن عبّاس بذنب بعيره فجعل يلويه وهو يرتجز ويقول: شعر : وهن يمشين بنا همياً ان تصدق الطير ننك لميسنا تفسير : فقلت له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنّما الرفث ما قيل عند النساء. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: الرفث غشيان النساء، القُبَل، والغمز، وأن يعرض لها بالفحشاء من الكلام هو كذلك. وقال بعضهم: الرفث الفحش وقول القبيح. وأما الفسوق: فقال ابن عبّاس وطاووس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والزهري والقرظي: الفسوق معاصي الله كلها. الضحاك: هو التنابز بالألقاب، دليله قول {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ} تفسير : [الحجرات: 11]. ابن زيد: هو (............) بالأصنام، مُنع ذلك بالنبيّ صلى الله عليه وسلم حين حجّ فعلّم أُمته المناسك. دليله قوله {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تفسير : [الأنعام: 121] وقوله {أية : وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تفسير : [المائدة: 3] [النحل: 115]. إبراهيم ومجاهد وعطاء: هو السباب. يدلّ عليه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ". تفسير : ابن عمر: هو مانهى الله عنه المحرم في حال الإحرام من قبيل الصيد وتقليم الاظفار وحلق الشعر وما أشبهه. وأما الجدال: فقال ابن مسعود وابن عبّاس وعمرو بن محمّد وسعيد بن جبير وعكرمة والزهري وعطاء بن يسار ومعاذ بن أبي رباح وقتادة: الجدال ان تماري صاحبك وتخاصمه حتّى تقضيه. ابن عمر: هو السبابة والمنازعة. القرظي: كانت قريش إذا إجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجّنا أتم من حجكم، فقال هؤلاء: حجّنا أتم من حجكم. القاسم بن محمّد: هو أن يقول بعضهم الحج اليوم، ويقول بعضهم الحجّ غداً. ابن زيد: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلّهم يدّعى إنه موقف إبراهيم عليه السلام، فقطعه الله حين علم نبيه صلى الله عليه وسلم بمناسكه. قال مقاتل: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "حديث : من لم يكن معه هدي فليحل من إحرامه وليجعلها عمرة ". تفسير : فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم انا أهلنا بالحجّ، فذلك جدالهم. مجاهد: معناه: ولا شك في الحجّ إنه في ذي الحجّة فأبطل النسيء واستقام الحج كما هو اليوم. قال [أهل المعاني]: لفظه نفي ومعناه نهي أيّ لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، لقوله تعالى {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أيّ لا ترتابوا فيه. عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه ". تفسير : وعن وهيب بن الورد قال: كنت أطوف أنا وسفيان الثوري فانقلب سفيان وبقيت في الطواف فدخلت الحجر فصليت عند الميزاب فبينما أنا ساجد إذ سمعت كلاماً بين [استار] البيت والحجارة وهو يقول و[اشكوا] إلى الله ثمّ إليك ما يفعل، ولا الطوافون من حولي من تفكههم في الحديث [ولغطهم وشوقهم]. قال وهيب: فأولت أن البيت يشكوا إلى جبرئيل. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} فيجازكم به. {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}. قال المفسّرون: كان ناس من أهل اليمن يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكّلون، ويقولون: نحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا (...) بدء بما ظلموا الناس وغصبوهم الله، فأمرهم الله أن يتزودوا ولا يظلموا وأن لا يكونوا وبالاً على الناس فقال {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} ويكفون به وجوههم. قال المفسرون: الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها. وروى نافع عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموها واستبقوا زاد الآخرة، فأنزل الله {وَتَزَوَّدُواْ} نهاهم عن ذلك وأمر بالتحفظ للزاد، والزود لمن لم يتزود فأمرهم بالتقوى بكف الظلم قال {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}. قال أهل الاشارة: ذكرهم الله سفر الآخرة وحثهم على التزود بالدارين فإن التقوى زاد الآخرة. قال الشاعر: شعر : الموت بحر طامح موجه تذهب فيه حيلة المسابح تفسير : قال آخر: شعر : لا يصحب الانسان في قبره إلا التقى والعمل الصالح تفسير : قال الاعشى: شعر : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألاّ تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا تفسير : قال مالك بن دينار: مات بعض قراء البصرة فمزحنا في جنازة وانصرفنا، فصعد سعدون المجنون وتلا في المقبرة ونادى المتصوفين فأنشأ يقول: شعر : لا يا عسكر الاحياء هذا عسكر الموتى أجابوا الدعوة الصغرى وهم منتظرو الكبرى يحنون على الزاد وما الزاد سوى القرى يقولون لكم جهزوا فهذا غاية الدنيا تفسير : قال الله عزّ وجلّ {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} ذوي العقول.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمقصود هو أنه إذا ما قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، فإذا ما اعتدوا على حرمة زمان فالقصاص يكون في زمان مثله، وإن اعتدوا في حرمة مكان يكن القصاص بحرمة مكان مثله، وإذا كان الاعتداء بحرمة إحرام، يكون الرد بحرمة إحرام مثله؛ لأن القصاص هو أن تأخذ للمظلوم مثل ما فعل الظالم. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يخفف وقع الأمر على المؤمنين الذين رُدوا عام الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وأعادهم المشركون إلى المدينة، فاقتص الله منهم بأن أعادهم في ذي القعدة في العام القادم في السنة السابعة من الهجرة، فإن كانوا قد مُنعوا في الشهر الحرام فقد أراد الله أن يعودوا لزيارة البيت في الشهر الحرام في الزمان نفسه. وقوله الحق: {وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194] يقتضي منا أن نسأل: كيف يكون ذلك؟ وما هو الشيء الحرام؟ إن الشيء الحرام هو ما يُحظر هتكه، والشيء الحلال هو المُطلق والمأذون فيه. فهل يعني ذلك أن الذي يقوم بعمل حرام نقتص منه بعمل مماثل؟ هل إذا زنى رجل بامرأة نقول له نقتص منك بالزنى فيك؟ لا، إن القصاص في الحرمات لا يكون إلا في المأذون به وكذلك إذا سرق مني إنسان مالاً وليس لدي بينة، لكني مقتنع بأنه هو الذي سرق هل أقتص منه بأن أسرق منه؟ لا، إن القصاص إنما يكون في الأمر المعروف الواضح، أما الأمر المختفي فلا يمكن أن نقتص منه بمثل ما فعل. لكن هب أن أحد الأقارب ممَّنْ تجب نفقتهم عليك وامتنعت أنت عن النفقة على هذا الإنسان، وهذا أمر محرم عليك، وما دام الأمر علنياً فله أن يأخذ من مالك فيأكل وتكون المسألة قصاصاً. وهب أن زوجتك تشتكي من بخلك وتقصيرك، كما حديث : اشتكت هند زوجة أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بخل زوجها فقال لها: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك . تفسير : ومثال آخر، هب أن ضيفاً بمنزلك ورفضت أن تكرمه، وانتهز فرصة بعدك عن المكان الذي يجلس فيه ثم تناول شيئاً وأكله. لا يكون تعدياً عليك ما لم يكن داخلاً في محرم آخر، وبعد ذلك يترك الحق لولي الأمر تنظيم هذه الأمور حتى لا تصير المسائل إلى الفوضى. وقوله الحق: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] يدعونا إلى اليقظة حتى لا يخدعنا أحد ويدَّعي الإيمان وهو يريد الانتقام. ويجب أن نتمثل قول الشاعر: شعر : إن عـادت العقـرب عـدنا لهـا وكـانـت النـعـل لهـا حـاضرة تفسير : ويختم الحق الآية الكريمة بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] أي لا تظنوا أن الله ملّكَكُم فيهم شيئاً، بل أنتم وهم مملوكون جميعاً لله. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} قالَ: زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: كَانَ هذا في سَفرِ الحُديبيةِ، صَدَّ المشرِكُونَ رَسُولَ الله صَلى الله عليهِ وآلهِ وسلم عَنْ البيتِ فِي الشَّهرِ الحرامِ. أَنْ يَعْتَمرُوا فِي السَّنةِ المستقبليةِ في هَذا الشَّهرِ الذي صَدّوهم فِيهِ. فلذلكَ قَالَ والحُرماتُ قِصَاصٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالاْعتِدَاءُ الأَولُ: هو ظُلْمٌ، والثانِي: هو جَزاءٌ وَليسَ بِظُلمٍ. وقَدْ اتَفَقَ اللفظَانِ. ومِثْلُ قَولِهِ عَزَّ وجلَّ: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : ، [الشورى: 40] فالسّيئةُ الأَولى: ظُلْمُ، والثانيةُ: جَزاءٌ، ولَيستْ بظُلْمٍ وَلاَ عدوانٍ.

الأندلسي

تفسير : {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} الآية، نزلت في عمرة القضاء عام الحديبية وكان المشركون قاتلوهم ذلك العام في الشهر الحرام هو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهيتهم القتال وذلك في ذي القعدة والشهر الحرام بالشهر الحرام أي انتهاك حرمة الشهر الحرام كائن بانتهاك حرمة الشهر الحرام وال فيهما للعهد والحرمات أي حرمة الشهر وحرمة البلد والقطان حين دخلتم وقرىء: والحرمات بضم الراء وإسكانها. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} هو من التدريج في أمر القتال. {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} عام بالإِنفاق في آلة الحرب والمقلين من المجاهدين وغير ذلك من سبيل الله. {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} فسر بترك الجهاد والإِخلاد إلى الراحة وإصلاح الأموال الظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤدي بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله تعالى ويقال ألقى بيده إلى كذا إذا استسلم وألقى يتعدى بنفسه وجاء بالباء فقيل الباء زائدة وقيل المفعول محذوف أي ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم أو ضمن معنى ولا تفضوا فعدى بالباء والتهلكة مصدر هلك على وزن تفعلة وهو قليل ذكر سيبويه منه النضرة واليسرة ودعوى الزمخشري أن أصلها تهلكة بكسر اللام فضمنت وأنه مصدر هلك بشد اللام لا تصح وذلك لأن فيها حملاً على شاذ ودوي إبدال دليل عليه أما الحمل على الشاذ فحمله على أن أصله تفعلة ذات الضم على تفعلة ذات الكسر وجعله تهلكة مصدر الهلك المشدد اللام وفعل الصحيح اللام غير المهموز قياس مصدره أن يأتي على تفعيل نحو كسر تكسير ولا يأتي على تفعلة إلا شاذاً والأولى جعل تهلكة مصدراً إذ قد جاء ذلك نحو التضرة والتسره وأما التهلكة فالأحسن أن يكون مصدر الهلك المخفف اللام لأنه بمعنى تهلكة بضم اللام وقد جاء في مصادر فعل تفعله قالوا: جل تجلة أي جلالاً فلا يكون تهلكة إذ ذاك مصدر الهلك المشدد اللام وأما إبدال الضمة من الكسرة لغير علة ففي غاية الشذوذ وأما تمثيله بالجوار والجوار فلا يدعي فيه الإِبدال بل بنى المصدر فيه على فعال بضم الفاء شذوذاً وزعم ثعلب أنه مصدر لا نظير له غير صحيح إذ نقل سيبويه له نظيراً. {وَأَحْسِنُوۤاْ} أمر بالإِحسان ولم يقيد بمفعول فيندرج فيه كل محسن به. {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ} أي افعلوهما كاملين من شروطهما وأفعالهما التي يتوقفان عليها وقرىء: والعمرة بالنصب على الحج فتدخل في الأمر بالإِتمام وبالرفع مبتدأ وخبر فلا تدخل تحت الأمر وفروض الحج: النية، والإِحرام، والطواف المتصل بالسعي، والسعي بين الصفا والمروة خلافاً لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة على قول ابن الماجشون، والوقوف بمزدلفة على قول الأوزاعي. وأعمال العمرة: النية، والإِحرام، والطواف، والسعي. والأمر بالإِتمام لا يدل على فرضية العمرة لصحة صوم رمضان وشيئاً من شوال بجامع ما اشتركا فيه من المطلوبية وان اختلفت جهتا الطلب والإِحصار والحصر بمعنى واحد وهو المنع بالعدوّ أو بالمرض أو بغير ذلك من الموانع. {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} مطلق لا تقييد فيه وظاهره ثبوت هذا الحكم وأنه يتحلل بالاحصار بالعدوّ وبالمرض وبغير ذلك من الموانع فيما استيسر من: {ٱلْهَدْيِ} أي فالواجب ما استيسر من الهدى وهو شاة أو ما سهل من جمل أو بقرة والمعنى فإِن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة والهدى مطلق فلا يشترط فيه سنة واستيسر بمعنى الفعل المجرد وهو يسر نحو استصعب وصعب وقرىء: الهدى على وزن أولى وغيا حلق الرأس ببلوغ الهدى محله أي إذا بلغ الهدى محله فأحلقوا والخطاب للمأمورين بالإِتمام كانوا محصرين أو غير محصورين والخطاب في ولا تحلقوا للذكور فلا تحلق المرأة بل تقصر وظاهر النهي التحريم ومحل الهدى إن كان الخطاب للمحصرين فحيث أحصر من حل أو حرم. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} الآية سبب نزولها حديث كعب بن عجرة ومن عام في المحصر وغيره ولما غيا الحلق ببلوغ الهدى وكان الخطاب بالنهي عاماً خص بمن ليس مريضاً ولا به أذى من رأسه وفي الكلام حذف أي مريضاً ففعل ما ينافي المحرم من حلق وغيره أو به أذى من رأسه فحلق ومنكم متعلق بمحذوف وهو في موضع الحال لأنه قبل تقدمه كان صفة لمريضا وأجاز أبو البقا أن يكون متعلقاً بمريضاً وهو لا يكاد يعقل. {أَوْ بِهِ أَذًى} يجوز أن يكون من عطف المفردات فيرتفع أدى على الفاعلية ومن باب عطف الجمل فيرتفع على الابتداء وأجيز أن يكون من عطف المفردات فيرتفع أذى على الفاعلية ومن باب عطف الجمل فيرتفع على الابتداء وأجيز أن يكون على إضمار كان أي أو كان به ففي كان ضمير هو اسمها وبه الخبر وأذى فاعل بالمجرور أو هو جملة خبر لكان المحذوفة أو يرتفع أذى على أنه اسم كان المحذوفة وبه الخبر وأجاز أبو البقا أن يكون أو به أذى من رأسه معطوفاً على كان وأذى مبتدأ وبه خبره والضمير في به عائد على من كان قد قدم ان من شرطية وعلى هذا التقدير يكون ما قاله خطأ لأن العطف على جملة الشرط يجب فيه أن يكون جملة فعلية إذا المعطوف على الشرط شرط فيجب فيه ما يجب في الشرط والباء في به للالصاق أو ظرفية. {فَفِدْيَةٌ} أما مبتدأ أي فعليه فدية أو خبر أي فالواجب فدية ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار فعل أي فليفد فدية واو للتخيير والظاهر إطلاق الثلاثة وقيدت ذلك السنة الثابتة في حديث كعب ان الصيام ثلاثة أيام والصدقة إطعام ستة مساكين والنسك شاة ولم تتعرض الآية ولا السنة لمقدار ما يطعم المسكين ولا الآية لزمان فعل ذلك ولا لمحل النسك. {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} أي كنتم في حال أمن وسعة أو فإِذا أمنتم من الإِحصار. {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} فسر التمتع هنا بإِسقاط أحد السفرين لأن حق العمرة أن تفرد بسفر غير سفر الحج وعن على هو تأخير العمرة حتى يجمعها مع الحج فعليه الهدى والفاء في إذا للعطف وفي فمن جواب إذا وفي فما جواب فمن تمتع. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} ما استيسر اما لعدمه أو لعدم ثمنه. {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} أي في أشهر الحج. {وَسَبْعَةٍ} أي وسبعة أيام والعامل في: {إِذَا} هو صيام تعلق به في الحج وإذا وجاز ذلك للعطف وإذا ظرف محض لا شرط فيها وفي: {رَجَعْتُمْ} التفات وحمل على معنى من بعد الحمل على لفظه في إفراده وغيبته ولفظ الرجوع مبهم وثيب في السنة تقييده بالرجوع إلى أهله فاحتمل أن يكون بعد أن وصل إلى أهله وهو الظاهر واحتمل أن يكون إذا رجع أي شرع في الرجوع إلى أهله واحتمل إذا نفرتم ورجعتم من أعمال الحج وبكل من الاحتمالات قال قوم: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} تلك مبتدأ وعشرة توطئة للخبر وكاملة هو الخبر حقيقة أي كاملة في الثواب والأجر لا يتوهم أن صوم السبعة ليس كصوم الثلاثة في الأجر لاختلاف زمان إيقاع صومها ذلك أي المتع وما ترتب عليه. {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهو سكان مكة لأنهم هم الذين يشاهدون المسجد الحرام وحضور الأهل يقتضي مراد حضور المتمتع لأن الغالب سكناه حيث يسكن أهله ولما تقدم أمر ونهي وواجب ناسب ان يختم ذلك بالأمر بالتقوى في أن لا يتعدى ما حدّه تعالى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } يحتمل أن يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، عن الدخول لمكة، وقاضوهم على دخولها من قابل، وكان الصد والقضاء في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فيكون هذا بهذا، فيكون فيه، تطييب لقلوب الصحابة، بتمام نسكهم، وكماله. ويحتمل أن يكون المعنى: إنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام فقد قاتلوكم فيه، وهم المعتدون، فليس عليكم في ذلك حرج، وعلى هذا فيكون قوله: { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } من باب عطف العام على الخاص، أي: كل شيء يحترم من شهر حرام، أو بلد حرام، أو إحرام، أو ما هو أعم من ذلك، جميع ما أمر الشرع باحترامه، فمن تجرأ عليها فإنه يقتص منه، فمن قاتل في الشهر الحرام، قوتل، ومن هتك البلد الحرام، أخذ منه الحد، ولم يكن له حرمة، ومن قتل مكافئا له قتل به، ومن جرحه أو قطع عضوا، منه، اقتص منه، ومن أخذ مال غيره المحترم، أخذ منه بدله، ولكن هل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء، الراجح من ذلك، أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف، إذا لم يقره غيره، والزوجة، والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة [من الإنفاق عليه] فإنه يجوز أخذه من ماله. وإن كان السبب خفيا، كمن جحد دين غيره، أو خانه في وديعة، أو سرق منه ونحو ذلك، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له، جمعا بين الأدلة، ولهذا قال تعالى، تأكيدا وتقوية لما تقدم: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } هذا تفسير لصفة المقاصة، وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي. ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها، وأخبر تعالى أنه { مَعَ الْمُتَّقِينَ } أي: بالعون، والنصر، والتأييد، والتوفيق. ومن كان الله معه، حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه، وخذله، فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.

همام الصنعاني

تفسير : 200- عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل، عن قتادة، عن عِكْرمة، في قوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}: [الآية: 194]، قال: كان هذا في سفر الحديبية، صدّ المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت في الشهر الحرام، فقاضوا يومئذٍ المشركين قضية أن لهم أن يعتمروا في العام المقبل في هذا الشهر الذي صدّوهم فيه، فجعل الله تعالى لهم شهراً حراماً يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صُدّوا فيه؛ فلذلك قال: {وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}: [الآية: 194].