Verse. 202 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاَنْفِقُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَلَا تُلْقُوْا بِاَيْدِيْكُمْ اِلَى التَّہْلُكَۃِ۝۰ۚۖۛ وَاَحْسِنُوْا۝۰ۚۛ اِنَّ اللہَ يُحِبُّ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۱۹۵
Waanfiqoo fee sabeeli Allahi wala tulqoo biaydeekum ila alttahlukati waahsinoo inna Allaha yuhibbu almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنفقوا في سبيل الله» طاعته بالجهاد وغيره «ولا تلقوا بأيديكم» أي أنفسكم والباء زائدة «إلى التهلكة» الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم «وأحسنوا» بالنفقة وغيرها «إن الله يحب المحسنين» أي يثيبهم.

195

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول: أنه تعالى لما أمر بالقتال والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بالآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال، وربما كان ذو المال عاجزاً عن القتال وكان الشجاع القادر على القتال فقيراً عديم المال، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال والثاني: يروى أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ } تفسير : [البقرة: 194] قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله فيهلكوا، فنزلت هذه الآية على وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم. واعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح، فلذلك لا يقال في المضيع: إنه منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله، فالمراد به في طريق الدين، لا السبيل هو الطريق، وسبيل الله هو دينه. فكل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقاً في حج أو عمرة أو كان جهاداً بالنفس، أو تجهيزاً للغير، أو كان إنفاقاً في صلة الرحم، أو في الصدقات أو على العيال، أو في الزكوات والكفارات، أو عمارة السبيل وغير ذلك، إلا أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد، بل قال: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } لوجهين الأول: أن هذا كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق، وذلك لأن المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال الثاني: أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لقضاء العمرة، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضى إلى القتال إن منعهم المشركون، فكانت عمرة وجهاداً، واجتمع فيه المعنيان، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم قال تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } ولم يقل: وأنفقوا في الجهاد والعمرة. أما قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيدة والزجاج {ٱلتَّهْلُكَةِ } الهلاك يقال: هلك يهلك هلاكاً وهلكاً وتهلكة: قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم العين إلا هذا، قال أبو علي: قد حكى سيبويه: التنصرة والتسترة، وقد جاء هذا المثال اسماً غير مصدر، قال: ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب «الكشاف»: ويجوز أن يقال أصله التهلكة، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة، كما جاء الجوار في الجوار. وأقول: إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به، واتخذوه حجة قوية، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها. المسألة الثانية: اتفقوا على أن الباء في قوله: {بِأَيْدِيكُمْ } تقتضي إما زيادة أو نقصاناً فقال قوم: الباء زائدة والتقدير: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة. وهو كقوله: جذبت الثوب بالثوب، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله: {أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } تفسير : [الحج: 10] أو {أية : بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم } تفسير : [الشورى: 30] فالتقدير: ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وقال آخرون: بل ههنا حذف. والتقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة. المسألة الثالثة: قوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } اختلف المفسرون فيه، فمنهم من قال: إنه راجع إلى نفس النفقة، ومنهم من قال: إنه راجع إلى غيرها، أما الأولون فذكروا فيه وجوه الأول: أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، وكأنه قيل: إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب مرضاته، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك الوجه الثاني: أنه تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } تفسير : [الشورى: 67] وفي قوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تفسير : [الإسراء: 29] وأما الذين قالوا: المراد منه غير النفقة فذكروا فيه وجوهاً أحدها: أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو كقوله: {أية : لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } تفسير : [الأنفال: 42] وثانيها: المراد من قوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيساً من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب، ونقل عن أبـي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين، ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه الأول: روي أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا وتصالحنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد والثاني: روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابراً محتسباً؟ قال عليه الصلاة والسلام: [حديث : لك الجنة]تفسير : فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله، وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كانت عليه حين ذكر النبـي عليه الصلاة والسلام الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه والثالث: روي أن رجلاً من الأنصار تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه، فقال لبعض من معه سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابـي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبـي صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولا حسناً الرابع: روي أن قوماً حاصروا حصناً، فقاتل رجل حتى قتل فقيل ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك فقال: كذبوا أليس يقول الله تعالى {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 207] ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول: إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية منهم، فإما إذا توقع فنحن نجوز ذلك، فلم قلتم أنه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع الوجه الثالث: في تأويل الآية أن يكون هذا متصلاً بقوله: {أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ } تفسير : [البقرة: 194] أي فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإن الحرمات قصاص، فجازوا اعتداءهم عليكم ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال فإنكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة الوجه الرابع: في التأويل أن يكون المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك ولا يبقى معنا شيء، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق، والمراد من هذا الجعل والإلقاء الحكم بذلك كما يقال جعل فلان فلاناً هالكاً وألقاه في الهلاك إذا حكم عليه بذلك الوجه الخامس: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو إلقاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية والإصرار على الذنب الوجه السادس: يحتمل أن يكون المراد وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط، وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك الإنفاق فعلاً يحبط ثوابه إما بتذكير المنة أو بذكر وجوه الرياء والسمعة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ }تفسير : [محمد: 33]. أما قوله تعالى: {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختفلوا في أن المحسن مشتق من ماذا وفيه وجوه الأول: أنه مشتق من فعل الحسن وأنه كثر استعماله فيمن ينفع غيره بنفع حسن من حيث أن الإحسان حسن في نفسه، وعلى هذا التقدير فالضرب والقتل إذا حسناً كان فاعلهما محسناً الثاني: أنه مشتق من الإحسان، ففاعل الحسن لا يوصف بكونه محسناً إلا إذا كان فعله حسناً وإحساناً معاً، فالإشتقاق إنما يحصل من مجموع الأمرين. المسألة الثانية: قوله: {وَأَحْسِنُواْ } فيه وجوه أحدها: قال الأصم: أحسنوا في فرائض الله وثانيها: وأحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته، والمقصود منه أن يكون ذلك الإنفاق وسطاً فلا تسرفوا ولا تقتروا، وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله ويمكن حمل الآية على جميع الوجوه. وأما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } فهو ظاهر وقد تقدم تفسيره مراراً.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى البخاريّ عن حذيفة: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال: نزلت في النفقة. وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: غَزَوْنَا القُسْطَنْطِينيّة، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد، والرّوم مُلْصِقُو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدوّ، فقال الناس: مَهٍ مَهٍ لا إلٰه إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: سبحان الله! أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيّه وأظهر دينه؛ قلنا: هَلُمّ نقيم في أموالنا ونُصلحها؛ فأنزل الله عز وجل: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. والإلقاء بالْيَد إلى التَّهْلُكة أن نقيم في أموالنا ونُصلحها؛ وندع الجهاد. فلم يزل أبو أيوب مجاهداً في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية؛ فقبره هناك. فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية نزلت في ذلك. ورُوي مثلُه عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. قلت: وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال: «كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيماً من الروم؛ فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عُقبة بن عامر، وعلى الجماعة فُضالة بن عُبيد؛ فحمل رجل من المسلمين على صَفّ الروم حتى دخل فيهم؛ فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يُلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاريّ فقال: يأيها الناس، إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه؛ فقال بعضنا لبعض سِرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه؛ فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها؛ فأنزل الله على نبيّه صلى الله عليه وسلم يردّ عليه ما قلنا: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو؛ فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دُفن بأرض الروم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح». وقال حُذيفة بن اليمان وٱبن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة، فيقول الرجل: ليس عندي ما أنفقه. وإلى هذا المعنى ذهب البخاريّ إذ لم يذكر غيره، والله أعلم. قال ٱبن عباس: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سَهم أو مِشْقَص، ولا يقولّن أحدكم: لا أجد شيئاً. ونحوه عن السُّدّي: أنفق ولو عِقالاً، ولا تُلقي بيدك إلى التهلكة فتقول: ليس عندي شيء. وقول ثالث قاله ٱبن عباس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا: بماذا نتجهّز! فوالله مالنا زاد ولا يطعمنا أحد؛ فنزل قوله تعالى: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني تصدّقوا يا أهل المَيْسرة في سبيل الله، يعني في طاعة الله {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا؛ وهكذا قال مقاتل. ومعنى قول ٱبن عباس: ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا؛ أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء، فإنهم إذا تخلّفوا عنكم غلبكم العدوّ فتهلكوا. وقول رابع ـ قيل للبراء ابن عازب في هذه الآية: أهو الرجل يَحمل على الكتيبة؟ فقال لا، ولكنه الرجل يصيب الذّنب فيُلقي بيديه ويقول: قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة؛ فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي. فالهلاك: اليأس من الله؛ وقاله عَبيدة السَّلماني. وقال زيد بن أسلم: المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد؛ وقد كان فَعَل ذلك قوم فأدّاهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس. فهذه خمسة أقوال. و «سبيل الله» هنا: الجهاد، واللفظ يتناول بعدُ جميع سُبُله. والباء في «بأيديكم» زائدة، التقدير تلقوا أيديكم. ونظيره: {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ} تفسير : [العلق: 14]. وقال المبرّد: «بأيديكم» أي بأنفسكم؛ فعبّر بالبعض عن الكل؛ كقوله: {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}تفسير : [الشورى: 30]، {أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ}تفسير : [الحج: 10]. وقيل: هذا ضَرْب مَثَل؛ تقول: فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا ٱستسلم؛ لأن المستسلم في القتال يُلقي سلاحه بيديه، فكذلك فعلُ كلّ عاجز في أيّ فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: «والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لَعَجْزٌ». وقال قوم: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم؛ كما تقول: لا تفسد حالك برأيك. والتَّهْلُكة (بضم اللام) مصدر من هَلَك يَهْلِك هلاكاً وهُلْكاً وتَهْلُكة، أي لا تأخذوا فيما يَهْلككم؛ قاله الزجاج وغيره. أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم. وقيل: إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم. ومعنى آخر: ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلَف في الدنيا والثواب في الآخرة. ويقال: {لاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} يعني لا تنفقوا من حرام فيُرَدّ عليكم فتهلكوا. ونحوه عن عكرمة قال: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» قال: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}. وقال الطبري: قوله «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» عامّ في جميع ما ذُكر لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله. الثانية: ٱختلف العلماء في ٱقتحام الرجل في الحرب وحَمْلِهِ على العدوّ وحدَه؛ فقال القاسم بن مُخَيْمَرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوّة، وكان لله بنيّة خالصة؛ فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فلْيحمل، لأن مقصوده واحد منهم؛ وذلك بيّن في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 207]. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: فأمّا أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغَلب على ظنّه أن سيَقتل مَن حمل عليه وينجو فحسَن، وكذلك لو عَلم وغَلب على ظنّه أن يُقتل ولكن سَيُنْكى نِكاية أو سيُبْلى أو يؤثّر أثراً يَنتفع به المسلمون فجائز أيضاً. وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لَقِي الفرس نَفرت خيل المسلمين من الفِيَلة، فعَمد رجل منهم فصنع فِيلاً من طين وأَنَّسَ به فرسه حتى أَلِفه، فلمّا أصبح لم يَنْفُرِ فرسُه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يَقْدُمها فقيل له: إنه قاتلك. فقال: لا ضَيْرَ أن أُقْتَل ويُفتح للمسلمين. وكذلك يوم اليمامة لما تحصّنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الجَحفة وألقوني إليهم؛ ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب. قلت: ومن هذا ما رُوِيَ: حديث : أنّ رجلاً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قُتِلتُ في سبيل الله صابراً مُحْتَسِباً؟ قال: «فلك الجنة». فٱنغمس في العدوّ حتى قُتِلتفسير : . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفْرِدَ يومَ أُحُد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش؛ فلما رَهِقُوه قال: «مَن يردّهم عنّا وله الجنة» أو «هو رفيقي في الجنة» فتقدّم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل.(ثم رَهِقُوه أيضاً فقال:«مَن يردّهم عنا وله الجنة» أو«هو رفيقي في الجنة». فتقدّم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل). فلم يزل كذلك حتى قُتل السبعةُ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما أنصفْنا أصحابَنا»»تفسير : . هكذا الرواية «أنصفْنا» بسكون الفاء «أصحابَنا» بفتح الباء؛ أي لم نَدُلّهم للقتال حتى قتلوا. وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنها ترجع لمن فَرّ عنه من أصحابه، والله أعلم. وقال محمد بن الحسن: لو حَمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدوّ؛ فإن لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرّض نفسه للتّلف في غير منفعة للمسلمين. فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدوّ وليعلم صلابة المسلمين في الدِّين فلا يبعد جوازه. وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلِفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ}تفسير : [التوبة: 111] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بَذل نفسه. وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رَجَا نفعاً في الدِّين فبَذَل نفسه فيه حتى قُتل كان في أعلى درجات الشهداء؛ قال الله تعالى: {أية : وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }تفسير : [لقمان: 17]. وقد روى عكرمة عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أفضل الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجلٌ تكلّم بكلمةِ حقّ عند سلطان جائر فقتله»تفسير : . وسيأتي القول في هذا في «آل عمران» إن شاء الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى. {وَأَحْسِنُوۤاْ} أي في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم. وقيل: «أحسنوا» في أعمالكم بٱمتثال الطاعات؛ روي ذلك عن بعض الصحابة.

البيضاوي

تفسير : {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} ولا تمسكوا كل الإِمساك. {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } بالإسراف وتضييع وجه المعاش، أو بالكف عن الغزو والإِنفاق فيه، فإن ذلك يقوي العدو ويسلطهم على إهلاكهم. ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت، أو بالإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد، ولذلك سمي البخل هلاكاً وهو في الأصل انتهاء الشيء في الفساد، والإِلقاء: طرح الشيء، وعدى بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة والمراد بالأيدي الأنفس، والتهلكة والهلاك والهلك واحد فهي مصدر كالتضرة والتسرة، أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك وقيل: معناه لا تجعلوها آخذة بأيديكم، أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها فحذف المفعول. {وَأَحْسِنُواْ} أعمالكم وأخلاقكم، أو تفضلوا على المحاويج. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} {وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله} أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى، وهو على هذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ {وَأَقِيمُواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، وما روى جابر رضي الله تعالى عنه «أنه قيل يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج، فقال:«حديث : لا ولكن إن تعتمر خير لك»تفسير : فمعارض بما روي «أن رجلاً قال لعمر رضي الله تعالى عنه، إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ أهللت بهما جميعاً، فقال: هديت لسنة نبيك» ولا يقال إنه فسر وجد أنهما مكتوبين بقوله أهللت بهما فجاز أن يكون الوجوب بسبب إهلاله بهما، لأنه رتب الإِهلال على الوجدان وذلك يدل على أنه سبب الإِهلال دون العكس. وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، أو أن تفرد لكل منهما سفراً، أو أن تجرده لهما لا تشوبهما بغرض دنيوي، أو أن تكون النفقة حلالاً. {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} منعتم، يقال حصره العدو وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضي، مثل صده وأصده، والمراد حصر العدو عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ } ولنزوله في الحديبية، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا حصر إلا حصر العدو وكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من كسر أو عرج فقد حل فعليه الحج من قابل» تفسير : وهو ضعيف مؤول بما إذا شرط الإِحلال به لقوله عليه الصلاة والسلام لضباعة بنت الزبير «حديث : حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» تفسير : {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} فعليكم ما استيسر، أو فالواجب ما استيسر. أو فاهدوا ما استيسر. والمعنى إن أحصر المحرم وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه، من بدنة أو بقرة أو شاة حيث أحصر عند الأكثر. لأنه عليه الصلاة والسلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يبعث به، ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار فإذا جاء اليوم وظن أنه ذبح تحلل لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب أن ينحر فيه، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل الذبح فيه حلاً كان أو حرماً، واقتصاره على الهدي دليل على عدم القضاء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجب القضاء، والمحل ـ بالكسر ـ يطلق على المكان والزمان. والهدي: جمع هدية كجدي وجدية، وقرىء {مِنَ ٱلْهَدْىيِ} جمع هدية كمطى في مطية {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} مرضاً يحوجه إلى الحلق. {أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ} كجراحة وقمل. {فَفِدْيَةٌ} فعلية فدية إن حلق. {مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} بيان لجنس الفدية، وأما قدرها فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لكعب بن عجرة «حديث : لعلك آذاك هَوَامُكَ، قال: نعم يا رسول الله قال: احلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق على ستة مساكين أو انسك شاة» تفسير : والفرق ثلاثة آصع {فَإِذَا أَمِنتُمْ} الإِحصار. أو كنتم في حال سعة وأمن. {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ} فَمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره. وقيل: فمن استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإِحرام إلى أن يحرم بالحج. {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} فعليه دم استيسره بسبب التمتع، فهو دم جبر أن يذبحه إذا أحرم بالحج ولا يأكل منه. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، إنه دم نسك فهو كالأضحية {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي الهَدي. {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ} في أيام الاشتغال به بعد الإِحرام وقبل التحلل. قال أبو حنيفة رحمه الله في أشهره بين الإحرامين، والأَحب أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه. ولا يجوز صوم يوم النحر وأيام التشريق عند الأكثرين. {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أهليكم وهو أحد قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه، أو نفرتم وفرغتم من أعماله وهو قوله الثاني ومذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقرىء {سَبْعَة} بالنصب عطفاً على محل {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ}. {تِلْكَ عَشَرَةً} فذلكة الحساب، وفائدتها أن لا يتوهم متوهم أن الواو بمعنى أو، كقولك جالس الحسن وابن سيرين. وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً فإن أكثر العرب لم يحسنوا الحساب، وأن المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما {كَامِلَةٌ} صفة مؤكدة تفيد المبالغة في محافظة العدد، أو مبينة كمال العشرة فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها، أو مقيدة تقيد كمال بدليتها من الهدي. {ذٰلِكَ} إشارة إلى الحكم المذكور عندنا. والتمتع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده، فمن فعل ذلك أي التمتع منهم فعليه دم جناية. {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عندنا، فإن من كان على أقل فهو مقيم في الحرم، أو في حكمه. ومن مسكنه وراء الميقات عنده وأهل الحل عند طاوس وغير المكي عند مالك. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في المحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصاً في الحج {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن لم يتقه كي يصدكم للعلم به عن العصيان. {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ} أي وقته. كقولك البرد شهران. {مَّعْلُومَـٰتٌ} معروفات وهي: شوال وذو القعدة وتسعة من ذي الحجة بليلة النحر عندنا، والعشر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وذي الحجة كله عند مالك. وبناء على الخلاف على أن المراد بوقته وقت إحرامه، أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقاً، فإن مالكاً كره العمرة في بقية ذي الحجة. وأبو حنيفة رحمه الله وإن صح الإِحرام به قبل شوال فقد استكرهه. وإنما سمي شهران وبعض شهر أشهراً إقامة للبعض مقام الكل، أو إطلاقاً للجمع على ما فوق الواحد. {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن عندنا، أو بالتلبية أو سوق الهدي عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهو دليل على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى وأن من أحرم بالحج لزمه الإِتمام. {فَلاَ رَفَثَ} فلا جماع، أو فلا فحش من الكلام. {وَلاَ فُسُوقَ} ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات. {وَلاَ جِدَالَ} ولا مراء مع الخدم والرفقة. {فِي ٱلْحَجّ} في أيامه، نفي الثلاثة على قصد النهي للمبالغة وللدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون، وما كانت منها مستقبحة في أنفسها ففي الحج أقبح كلبسة الحرير في الصلاة. والتطريب بقراءة القرآن لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأولين بالرفع على معنى: لا يكونن رفث ولا فسوق. والثالث بالفتح على معنى إلا خبار بانتفاء الخلاف في الحج، وذلك أن قريشاً كانت تحالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، فارتفع الخلاف بأن أمروا أن يقعوا أيضاً بعرفة. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} حث على الخير عقب به النهي عن الشر ليستدل به ويستعمل مكانه. {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} وتزودوا لمعادكم التقوى فإنه خير زاد، وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون فيكونون كلا على الناس، فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الإِبرام في السؤال والتثقيل على الناس. {وَٱتَّقُونِ يأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} فإن قضية اللب خشية الله وتقواه، حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعري عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ} أي في أن تبتغوا أي تطلبوا. {فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} عطاء ورزقاً منه، يريد الربح بالتجارة، وقيل: كان عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يقيمونها مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا منه فنزلت. {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ} دفعتم منها بكثرة، من أفضت الماء إذا صببته بكثرة. وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول كما حذف في دفعت من البصرة. و {عَرَفَـٰتٍ} جمع سمي به كأذرعات، وإنما نون وكسر وفيه العلمية والتأنيث لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التمكين ولذلك يجمع مع اللام، وذهاب الكسرة تبع ذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف، وهنا ليس كذلك. أو لأن التأنيث إما أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث. وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، أو بتاء مقدرة كما في سعاد ولا يصح تقديرها لأن المذكورة تمنعه من حيث إنها كالبدل لها لاختصاصها بالمأنث كتاء بنت، وإنما سمي الموقف عرفة لأنه نعت لإِبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلما أبصره عرفه أو لأن جبريل عليه السلام كان يدور به في المشاعر فلما أراه إياه قال قد عرفت، أو لأن آدم وحواء التقيا فيه فتعارفا. أو لأن الناس يتعارفون فيه. وعرفات للمبالغة في ذلك وهي من الأسماء المرتجلة إلا أن يجعل جمع عارف، وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ} أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظر إذ الذكر غير واجب بل مستحب. وعلى تقدير أنه واجب فهو واجب مقيد لا واجب مطلق حتى تجب مقدمته والأمر به غير مطلق. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بالتلبية والتهليل والدعاء. وقيل: بصلاة العشاءين. {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} جبل يقف عليه الإمام ويسمى «قزح». وقيل: ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر، ويؤيد الأول ما روي جابر: أنه عليه الصلاة والسلام لما صلى الفجر ـ يعني بالمزدلفة ـ بغلس، ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفاً حتى أسفر وإنما سمي مشعراً لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته: ومعنى عند المشعر الحرام: مما يليه ويقرب منه فإنه أفضل، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر. {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} كما علمكم، أو اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها. وما مصدرية أو كافة. {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ} أي الهُدى. {لَمِنَ ٱلضَّالّينَ} أي الجاهلين بالإيمان والطاعة، وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة. وقيل؛ إن نافية واللام بمعنى إلا، كقوله تعالى: {أية : وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ }تفسير : [الشعراء: 186] {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} أي من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب مع قريش كانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعاً عليهم، فأمروا بأن يساووهم. وثم لتفاوت ما بين الإِفاضتين كما في قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم. وقيل: من المزدلفة إلى منى بعد الإِفاضة من عرفة إليها والخطاب عام. وقرىء {ٱلنَّاسِ} بالكسر أي الناسي يريد آدم من قوله سبحانه وتعالى: {أية : فَنَسِيَ } تفسير : [طه: 88] والمعنى أن الإِفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} من جاهليتكم في تغيير المناسك ونحوه. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: حدثنا إسحاق أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا وائل عن حذيفة {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال: نزلت في النفقة، ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن أبي معاوية عن الأعمش به، مثله، قال: وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا؛ صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجياً، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره، حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا، فنقيم فيهما، فنزل فينا: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}، فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد، في تفسيره، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل، يُريدُ: فضالة بن عبيد، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه، فقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: يا أيها الناس إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار؛ إنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية. وقال أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: {أية : فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}تفسير : [النساء: 84] وإنما هذه في النفقة، رواه ابن مردويه، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ورواه الترمذي وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء، فذكره، وقال بعد قوله: {أية : لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}تفسير : [النساء: 84]: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التهلكة، ولا يتوب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي بكر بن نمير بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث، أخبره أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو، فرده، وقال عمرو: قال الله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}. وقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}، قال: ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة؛ أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة، قال حماد بن سلمة: عن داود، عن الشعبي عن أبي جبيرة بن الضحاك، قال: كانت الأنصار يتصدقون، وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة، فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} وقال الحسن البصري: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال: هو البخل. وقال سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، في قوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}، أن يذنب الرجل الذنب، فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} رواه ابن مردويه، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيدة السلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني: نحو قول النعمان بن بشير، أنها في الرجل يذنب الذنب، فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب، فيهلك. ولهذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: التهلكة: عذاب الله. وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً: حدثنا يونس حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر عن القرظي محمد بن كعب، أنه كان يقول في هذه الآية: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال: كان القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل، فكان أفضل زاداً من الآخر، أنفق البائس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}. وقال ابن وهب أيضاً: أخبرني عبد الله بن عياش عن زيد بن أسلم في قول الله: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} وذلك أن رجالاً يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالاً، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش، أو من المشي. وقال لمن بيده فضل: {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، في سائر وجوه القربات، ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } طاعته بالجهاد وغيره {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } أي أنفسكم والباء زائدة {إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم {وَأَحْسِنُواْ } بالنفقة وغيرها {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي يثيبهم.

الشوكاني

تفسير : في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، وهو الجهاد، واللفظ يتناول غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله، والباء في قوله: {بِأَيْدِيكُمْ } زائدة، والتقدير: ولا تلقوا أيديكم، ومثله: {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ }تفسير : [العلق: 14] وقال المبرد: {بِأَيْدِيكُمْ } أي: بأنفسكم تعبيراً بالبعض عن الكل، كقوله: {أية : فبِمَا كَسَبَتْ * أَيْدِيكُم } تفسير : [الشورى: 30] وقيل: هذا مثل مضروب، يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا: إذا استسلم؛ لأن المستسلم في القتال يلقى سلاحه بيديه، فكذلك فعل كل عاجز في أيّ فعل كان. وقال قوم: التقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم. والتهلكة: مصدر من هلك يهلك هلاكاً وهلكاً وتهلكة، أي: لا تأخذوا فيما يهلككم. وللسلف في معنى الآية أقوال سيأتي بيانها، وبيان سبب نزول الآية. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين، أو الدنيا، فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. ومن جملة ما يدخل تحت الآية، أن يقتحم الرجل في الحرب، فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص، وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين، ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رأوا السبب، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها، وهو ظنّ تدفعه لغة العرب. وقوله: {وَأَحْسِنُواْ } أي: في الإنفاق في الطاعة، أو أحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم. وقد أخرج عبد بن حميد، والبخاري، والبيهقي في سننه، عن حذيفة في قوله: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } قال: نزلت في النفقة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو ترك النفقة في سبيل الله مخافة العيلة. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في الشعب عنه قال: هو البخل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في الآية قال: كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، فإما يقطع لهم، وإما كانوا عيالاً، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة: أن تُهْلَك رجالٌ من الجوع، والعطش، ومن المشي. وقال لمن بيده فضل: {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }. وأخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، والبغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مانع، والطبراني، عن الضحاك بن أبي جبير؛ أن الأنصار كانوا ينفقون في سبيل الله، ويتصدّقون، فأصابتهم سنة، فساء ظنهم، وأمسكوا عن ذلك، فأنزل الله الآية. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صفّ عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صفّ الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يلقي بيده إلى التهلكة؟ فقام أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، إنكم تؤوّلون الآية هذا التأويل. وإنما أنزلت فينا هذه الآية معشر الأنصار، إنا لما أعزّ الله دينه، وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموال الناس قد ضاعت، وإن الله قد أعزّ الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها؟ فأنزل الله على نبيه يردّ علينا: {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } فكانت التهلكة الإقامة في الأموال، وإصلاحها، وترك الغزو. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، والبيهقي، عن البراء بن عازب، قال في تفسير الآية: هو: الرجل يذنب الذنب، فيلقي بيديه، فيقول: لا يغفر الله لي أبداً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، قال في تفسير الآية: إنه القنوط. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: التهلكة عذاب الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، أنهم حاصروا دمشق، فأسرع رجل إلى العدوّ وحده، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفع حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه فردّه، وقال: قال الله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }. وأخرج ابن جرير، عن رجل من الصحابة في قوله: {وَأَحْسِنُواْ } قال: أدّو الفرائض. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي إسحاق مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة قال: أحسنوا الظنّ بالله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} يعني الجهاد. {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ} وفي الباء قولان: أحدهما: أنها زائدة، وتقديره ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة. والقول الثاني: أنها غير زائدة أي ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، والتهلكة والهلاك واحد. وفي: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ} ستة تأويلات: أحدها: أن تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى، فتهلكوا بالإثم، وهذا قول بن عباس، وحذيفة. والثاني: أي لا تخرجوا بغير زاد، فتهلكوا بالضعف، وهذا قول زيد ابن أسلم. والثالث: أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي، فلا تتوبوا، وهذا قول البراء بن عازب. والرابع: أن تتركوا الجهاد في سبيل الله، فتهلكوا، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري. والخامس: أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو، وهذا قول أبي القاسم البلخي. والسادس: أنه عام محمول على جميع ذلك كله، وهو قول أبي جعفر الطبري. ثم قال تعالى: {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه عنى به الإحسان في آداء الفرائض، وهو قول بعض الصحابة. والثاني: وأحسنوا الظن بالقَدَرِ، وهو قول عكرمة. والثالث: عُودُوا بالإحسان على مَنْ ليس بيده شيء، وهذا قول زيد بن أسلم.

ابن عطية

تفسير : {سبيل الله} هنا الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله. وقال أبو عبيدة وقوم: الباء في قوله {بأيديكم} زائدة، التقدير تلقوا أيديكم. وقال الجمهور: ذلك ضرب مثل، تقول ألقى فلان بيده في أمر كذا إذا استسلم، لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحة بيده، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: "والله إن إلقاءنا بأيدينا إلى الموت لعجز". وقال قوم: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما تقول لا تفسد حالك برأيك، و "التهلُكة" بضم اللام مصدر من هلك، وقرأ الخليل {التهلِكة} بكسر اللام، وهي تفعلة من "هلّك" بشد اللام. وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا إن هذه الآية نزلت في الأنصار حين أرادوا لما ظهر الإسلام أن يتركوا الجهاد ويعمروا أموالهم، وأما هذا فهو الذي قال الله فيه: {أية : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} تفسير : [البقرة: 207]. وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وجمهور الناس: المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل ليس عندي ما أنفق. وقال قوم: المعنى لا تقنطوا من التوبة. وقال البراء بن عازب وعبيدة السلماني: الآية في الرجل يقول قد بالغت في المعاصي فلا فائدة في التوبة فينهمك بعد ذلك، وقال زيد بن أسلم: المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق أو الكون على عالة الناس، وقوله {وأحسنوا}، قيل: معناه في أعمالكم بامتثال الطاعات، وروي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل: المعنى أحسنوا في الإنفاق في سبيل الله وفي الصدقات، قاله زيد بن أسلم. وقال عكرمة: المعنى وأحسنوا الظن بالله. وقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}، قال ابن زيد والشعبي وغيرهما: إتمامهما أن لا تفسخ وأن تتمهما إذا بدأت بهما. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وفعله عمران بن حصين. وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويؤيد هذا قوله: {لله}. وقال قتادة والقاسم بن محمد: إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير أشهر الحج، وأن تتم الحج دون نقص ولا جبر بدم، وهذا مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص، وهو قول مالك وجماعة من العلماء. وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن كثرة الدم كمال وزيادة، وكلما كثر عندهم لزوم الدم فهو أفضل، واحتجوا بأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أفضل الحج؟ فقال: العج والثج، ومالك ومن قال بقوله يراه ثج التطوع. وقالت فرقة: إتمامهما أن تفرد كل واحدة من حجة وعمرة ولا تقرن، وهذا على أن الإفراد أفضل. وقالت فرقة: القرآن أفضل، وذلك هو الإتمام عندهم. وقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم وغيرهم: إتمامهما أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من دماء. وفروض الحج: النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي، والسعي بين الصفا والمروة عندنا خلافاً لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة على قول ابن الماجشون، وأما أعمال العمرة فنية وإحرام، وطواف، وسعي. واختلف في فرض العمرة فقال مالك رحمه الله: هي سنة واجبة لا ينبغي أن تترك كالوتر، وهي عندنا مرة واحدة في العام، وهذا قول جمهور أصحابه، وحكى ابن المنذر في الإشراف عن أصحاب الرأي أنها عندهم غير واجبة، وحكى بعض القرويين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه يوجبها كالحج، وبأنها سنة. قال ابن مسعود وجمهور من العلماء، وأسند الطبري النص على ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق والشعبي وجماعة تابعين: أنها واجبة كالفرض، وقاله ابن الجهم من المالكيين. وقال مسروق: "الحج والعمرة فرض، نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة"، وقرأ الشعبي وأبو حيوة "والعمرةُ لله" برفع العمرة على القطع والابتداء، وقرأ ابن أبي إسحاق "الحجِ" بكسر الحاء، وفي مصحف ابن مسعود "وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله"، وروي عنه: "وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت"، وروي غير هذا مما هو كالتفسير. وقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}، قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما: الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو. وقال ابن عباس وغيره بعكس ذلك، والمشهور من اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس حصر بالمرض وأحصر بالعدو. وقال الفراء: "هما بمعنى واحد في المرض والعدو". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والصحيح أن حصر إنما هي فيما أحاط وجاور فقد يحصر العدو والماء ونحوه ولا يحصر المرض، وأحصر معناه جعل الشيء ذا حصر كأقبر وأحمى وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون محصراً لا حاصراً، ألا ترى أن العدو كان محصراً في عام الحديبية، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهور الناس على أن المحصر بالعدو يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه. وقال قتادة وإبراهيم: يبعث بهديه إن أمكنه فإذا بلغ محله صار حلالاً ولا قضاء عليه عند الجميع إلا أن يكون ضرورة فعليه حجة الإسلام. وقال ابن الماجشون: "ليست عليه حجة الإسلام وقد قضاها حين أحصر". قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا وجه له. وقال أشهب: "يهدي المحصر بعدو هدياً من أجل الحصر". وقال ابن القاسم: "لا يهدي شيئاً إلا إن كان معه هدي فأراد نحره"، ذكره ابن أبي زيد. وقال عطاء وغيره: المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو. وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء: المحصر بالمرض لا يحله إلا البيت، ويقيم حتى يفيق، وإن قام سنين، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية في أوائل الحرم وحل بعمرة، ثم تكون عليه حجة قضاء وفيها يكون الهدي، وقيل: إن الهدي يجب في وقت الحصر أولاً، ولم ير ابن عباس من أحصره المرض داخلاً في هذه الآية، وقال: إن المريض إن لم يكن معه هدي حل حيث حبس، وإن كان معه هدي لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم لا قضاء عليه، قال: وإنما قال الله: {فإذا أمنتم} والأمن إنما هو من العدو فليس المريض في الآية. و {ما} في موضع رفع، أي فالجواب أو فعليكم ما استيسر، ويحتمل أن تكون في موضع نصب أي فانحروا أو فاهدوا، و {ما استيسر} عند جمهور أهل العلم: شاة. وقال ابن عمر وعروة بن الزبير {ما استيسر} جمل دون جمل وبقرة دون بقرة. وقال الحسن: أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة واخسّه شاة، و {الهدي} جمع هدية كجدية السرج وهي البراد جمعها جدى، ويحتمل أن يكون {الهدي} مصدراً سمي به كالرهن ونحوه فيقع للإفراد وللجمع. وقال أبو عمرو بن العلاء: "لا أعرف لهذه اللفظة نظيراً". وقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم} الآية، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، ومحل الهدي حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يحصر بمنى ولمن أحصر بعدو حيث أحصر إذا لم يمكن إرساله، وأما المريض فإن كان له هدي فيرسله إلى محله. والترتيب أن يرمي الحاج الجمرة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة، فإن نحر رجل قبل الرمي أو حلق قبل النحر فلا حرج حسب الحديث ولا دم. وقال قوم: لا حرج في الحج ولكن يهرق دماً. وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا: "إذا حلق قبل أن ينحر فليهد، وإن حلق رجل قبل أن يرمي فعليه دم قولاً واحداً في المذهب". قال ابن المواز عن مالك: ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي، ولا دم في ذلك عند أبي حنيفة وجماعة معه. وقرأ الزهري والأعرج وأبو حيوة "الهدِيّ" بكسر الدال وشد الياء في الموضعين واحدته هدية، ورويت هذه القراءة عن عاصم. وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً} الآية، المعنى فحلق لإزالة الأذى {ففدية}، وهذا هو فحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين، ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يتناثر قملاً، فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة. و {فدية} رفع على خبر الابتداء، والصيام عند مالك وعطاء ومجاهد وإبراهيم وغيرهم وجميع أصحاب مالك: ثلاثة أيام، والصدقة: ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وذلك مدّان بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم، والنسك: شاة بإجماع، ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل. وقال الحسن بن أبي الحسن وعكرمة: الصيام عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين. وقرأ الزهري "أو نسْك" بسكون السين. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: النسْك شاة، فإن لم يجدها فقيمتها يشترى بها طعام فيطعم منه مدّان لكل مسكين، فإن لم يجد القيمة عرفها وعرف ما يشترى بها من الطعام وصام عن كل مدين يوماً. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ذلك كله حيث شاء، وقاله إبراهيم وهو مذهب مالك وأصحابه إلا ابن الجهم، فإنه قال: لا يكون النسك إلا بمكة. وقال عطاء في بعض ما روي عنه وأصحاب الرأي: النسك بمكة، والصيام والإطعام حيث شاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وطاوس وعطاء أيضاً ومجاهد والشافعي: النسك والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، والمفتدي مخير في أي هذه الثلاثة شاء، وكذلك قال مالك وغيره في كل ما في القرآن أو فإنه على التخيير. وقوله تعالى: {فإذا أمنتم}، قال علقمة وعروة: المعنى إذا برأتم من مرضكم. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر، وهذا أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه. وقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} الآية، قال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم: الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم، وصورة المتمتع عند ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ويقضي الحج من قابل، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء، وصورة المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه. وقال ابن عباس وجماعة من العلماء: الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله، وصورة المتمتع أن تجتمع فيه ستة شروط: أن يكون معتمراً في أشهر الحج، وهو من غير حاضري المسجد الحرام، ويحل وينشىء الحج من عامه ذلك دون رجوع إلى وطنه أو ما ساواه بعداً. هذا قول مالك وأصحابه، واختلف لم سمي متمتعاً، فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج، وقال غيره: سمي متمتعاً لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفرة وحق الحج كذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هدياً كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه شدة على القادم مكة من سائر الأقطار لما أسقط سفراً، والمكي لا يقتضي حاله سفراً في عمرة ولا حج لأنه في بقعة الحج فلم يلزم شيئاً لأنه لم يسقط شيئاً، ومن قال إن اسم التمتع وحكمه إنما هو من جهة التمتع بالنساء والطيب وغير ذلك فيرد عليه أنه يستغرق قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} المكي وغيره على السواء في القياس، فكيف يشتد مع ذلك على الغريب الذي هو أعذر ويلزم هدياً، ولا يفعل ذلك بالمكي، فيترجح بهذا النظر أن التمتع إنما هو من أجل إسقاط أحد السفرين، إلا أن أبا عبيد قال في كتاب الناسخ والمنسوخ له: إن العمرة في أشهر الحج ممنوعة للمكي لا تجوز له، ورخص الله تعالى للقادم لطول بقائه محرماً وقرن الرخصة بالهدي. قال القاضي أبو محمد: فهذه شدة على أهل مكة، وبهذا النظر يحسن أن يكون التمتع من جهة استباحة ما لا يجوز للمحرم، لكنه قول شاذ لا يعول عليه، وجل الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج للمكي ولا دم عليه، وذكر أبو عبيد القولين عن ابن عمر واستند إليه في الذي وافقه، وقد حكاه الطبري عن ابن عباس وقال: إنه قال يا أهل مكة لا متعة لكم، إن الله قد أحلها لأهل الآفاق وحرمها عليكم، إنما يقطع أحدكم وادياً ثم يحرم بعمرة. قال القاضي أبو محمد: فمعنى هذا أنهم متى أحرموا داموا إلى الحج، وقال السدي: المتمتع هو الذي يفسخ الحج في العمرة، وذلك لا يجوز عند مالك، وفي صحيح مسلم حديث حديث : سراقة بن مالك قال: قلت يا رسول الله: فسخ الحج في العمرة ألنا خاصة أم للأبد؟ فقال: "بل لأبد أبد، بل لأبد أبد ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وإنما شرط في المتمتع أن يحل في أشهر الحج لأنها مدة يملكها الحج فمن كان فيها محرماً فحقه أن يصل الإحرام إلى الحج، وفي كتاب مسلم إيعاب الأحاديث في هذا المعنى، ومذهب عمر وقول أبي ذر إن متعة النساء ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال طاوس: "من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى حج من عامه فهو متمتع". وقال الحسن بن أبي الحسن البصري "من اعتمر بعد يوم النحر في بقية العام فهو متمتع"، وهذان قولان شاذان لم يوافقهما أحد من العلماء، وتقدم القول فيما استيسر من الهدي. قوله: {لم يجد} إما بعدم المال وإما بعدم الحيوان، و {في الحج} قال عكرمة وعطاء: له أن يصومها في أشهر الحج وإن كان لم يحرم بالحج. وقال ابن عباس ومالك بن أنس: له أن يصومها منذ يحرم بالحج. وقال عطاء أيضاً ومجاهد: لا يصومها إلا في عشر ذي الحجة. وقال ابن عمر والحسن الحكم: يصوم يوماً قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وكلهم يقول: لا يجوز تأخيرها عن عشر ذي الحجة لأن بانقضائه ينقضي الحج. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عمر ومالك بن أنس وجماعة من أهل العلم: من فاته صيامها قبل يوم النحر فله صيامها في أيام التشريق، لأنها من أيام الحج. وقال قوم: له ابتداء تأخيرها إلى يوم التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بأن لا يجد يوم النحر. وقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} قال مجاهد وعطاء وإبراهيم: المعنى إذا رجعتم من منى فمن بقي بمكة صامها، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق. وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى، والمعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدد أحد كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان، وقرأ زيد بن علي "وسبعةً" بالنصب، أي وصوموا سبعة، ولما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع أزيل ذلك بالجملة من قوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} قال الحسن بن أبي الحسن: المعنى كاملة في الثواب كمن أهدى، وقيل كاملة في الثواب كمن لم يتمتع، وهذا على أن الحج الذي لم تكثر فيه الدماء أخلص وأفضل خلافاً لأبي حنيفة، وقيل: {كاملة} توكيد كما تقول كتبت بيدي، وكقوله تعالى: {أية : فخر عليهم السقف من فوقهم} تفسير : [النحل: 6]، وقيل: لفظها الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها. وقال الاستاذ الأجل أبو الحسن علي بن أحمد: المعنى تلك كاملة، وكرر الموصوف تأكيداً كما تقول زيد رجل عاقل. وقوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله} الآية، الإشارة إلى التمتع وهديه وحكمه، وهذا على قول من يرى أن المكي لا تجوز له المتعة في أشهر الحج، فكان الكلام ذلك الترخيص، ويتأيد هذا بقوله {لمن}، لأن اللام أبداً إنما تجيء مع الرخص، تقول لك إن تفعل كذا، وأما مع الشدة فالوجه أن تقول عليك، وأما من يرى أن المكي يعتمر ولا دم عليه لأنه لم يسقط سفراً فالإشارة بذلك -على قوله - هي إلى الهدي، أي ذلك الاشتداد والإلزام. واختلف الناس في {حاضري المسجد الحرام} بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها، وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم، وليس كما قال: فقال بعض العلماء: من كان حيث تجب الجمعة عليه بمكة فهو حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي. قال القاضي أبو محمد: فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة، وقال بعضهم: من كان بحيث لا تقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي شاهد، ومن كان أبعد من ذلك فهو غائب، وقال عطاء بن أبي رباح: مكة وضجنان وذو طوى وما أشبهها حاضرو المسجد الحرام. وقال ابن عباس ومجاهد: أهل الحرم كله حاضرو المسجد الحرام، وقال مكحول وعطاء: من كان دون المواقيت من كل جهة حاضرو المسجد الحرام. وقال الزهري: من كان على يوم أو يومين فهو من حاضري المسجد الحرام، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذر من شديد عقابه.

ابن عبد السلام

تفسير : <b>{سَبِيلِ اللَّهِ}</b> الجهاد. <b>{وَلا تُلْقُوأ بِأَيْدِكُمْ}</b> الباء زائدة، أو غير زائدة أي لا تُلقوا أنفسكم بأيديكم. <b>{التَّهْلُكَةِ}</b> الهلاك لا تتركوا النفقة في الجهاد فتهلكوا بالإثم، أو لا تخرجوا بغير زاد فتهلكوا بالضعف، أو لا تيأسوا من المغفرة عن المعصية فلا تتوبوا، ولا تتركوا الجهاد فتهلكوا، أو لا تقتحموا القتال من غير نكاية في العدو، أو هو عام محمول على ذلك كله. <b>{وَأَحْسِنُواْ}</b> الظن بالقدر، أو بأداء الفرائض أو عودوا بالإحسان على المعدم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وأنفقوا في سبيل الله} يعني به الجهاد وذلك أن الله تعالى لما أمر بالجهاد والاشتغال به يحتاج إلى الانفاق فأمر به، والإنفاق هو صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة وفي الجهاد وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة لله تعالى لأن كل ذلك مما هو في سبيل الله لكن إطلاق هذه اللفظة ينصرف إلى الجهاد (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً لله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" تفسير : يعني حسنات. عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف" تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قيل: الباء زائدة ومعناه لا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، والمراد بالأيدي الأنفس والمعنى ولا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، عبر بالأيدي عن الأنفس، وقيل الباء على أصلها وفي الكلام حذف تقديره: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده، إذا تسبب في هلاكها وقيل التهلكة كل شيء تصير عاقبته إلى الهلاك وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه، ومعنى الآية النهي عن ترك الانفاق في سبيل الله لأنه سبب الإهلاك قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله وأن لم يكن إلاّ سهم أو مشقص ولا يقول أحدكم لا أجد شيئاً. السهم هنا هو ما يرمى به، والمشقص سهم فيه نصل عريض وقيل كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة فإما أن ينقطع بهم وإما أن يكونوا عالة فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله ومن لم يكن عنده شيء ينفق عليه في الغزو فلا يخرج لئلا يلقي نفسه في التهلكة وهو أنه يهلك من الجوع والعطش والمشي. وقيل نزلت الآية في ترك الجهاد (ت) عن أبي عمران واسمه أسلم قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس. سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: "أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم" وقال حديث غريب صحيح مات أبو أيوب في آخر غزوة غزاها بأرض قسطنطينية ودفن في أصل سورها فهم يتبركون بقبره ويستسقون به (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق" تفسير : قال ابن المبارك فنرى أن ذلك كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل الإلقاء إلى التهلكة هوأن يقنط من رحمة الله، وهو أن الرجل يصيب الذنب فيقول قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك على المعاصي فهو القنوط فنهى الله عن ذلك. وقيل في معنى الآية: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق (خ) عن حذيفة قال: أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال نزلت في النفقة {وأحسنوا} أي بالإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته وقيل أحسنوا في الإنفاق ولا تسرفوا ولا تقتروا، نهوا عن الإسراف والإقتار في الإنفاق وقيل معناه: وأحسنوا في أداء فرائض الله تعالى {إن الله يحب المحسنين} أي يثيبهم على إحسانهم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}. قال ابن عرفة: (هو عندي يتناول النفس والمال، أي أنفقوا ما يعز عليكم في سبيل الله) لقول الزمخشري في غير هذا: إن المفعول قد يحذف قصدا للعموم. (قلت: أظنّه ذكره في قوله تعالى {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ }" تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ...}. قل الزمخشري: الباء زائدة أي لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم مالكة لكم، والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك أو عن الإسراف في النفقة حتى (يفقر) نفسه ويضيع عياله. قلت لابن عرفة: إن أريد النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله يكون في الآية دليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده إذ لو كان قوله {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ملزوما للنهي عن ترك النفقة (في سبيل الله) لما احتيج إلى قوله {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}؟ فقال لي: إن قلنا إن الأمر يفيد التكرار فيتم ما قلت، وإن قلنا إنه لا يفيده فيقال إنه مطلق والمطلق يصدق بصورة، فمهما أنفق في سبيل الله ولو مرة واحدة كان ممتثلا. وأتى بالنهي بعده ليفيد التكرار. قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. أي ببذل المال المتطوع، أو يراد به الإحسان الذي في حديث القدر "حديث : وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أبلغ من قوله إن الله (مع)، لأن قولك: زيد يحب بني فلان أبلغ من قولك زيد مع بني فلان لأنه قد يكون معهم ولا يحبهم، قال الله تعالى {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ }.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّ تعلُّق هذه الآية الكريمة بما قبلها من وجهين: الأول: أنَّه تعالى، لمَّا أمرهُ بالقتالِ وهو لا يتيسَّر إلاَّ بآلاتٍ وأدواتٍ يحتاجُ فيها إلى المال، وربَّما كان ذو المالِ عاجزاً عن القتال، وكان الشُّجاع القادرُ على القتال عديم المال فقيراً، فلهذا أمر اللَّهُ تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفُقراء الَّذين يقدرون على القتال. والثاني: يروى أنَّه لمَّا نزَلَ قولُهُ تعالى: {أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}تفسير : [البقرة: 194] قال رجلٌ من الحاضرين: واللَّهِ، يا رسول الله ما لَنَا زادٌ، وليس أحدُ يُطْعمنَا؛ فأمر رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم - أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدَّقوا وألاَّ يكفُّوا أيديهم عن الصَّدقة، ولو بشقِّ تمرةٍ تُحملُ في سبيل الله فيهلكوا، فنزلت الآية الكريمة على وفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم -. والعلم: أنَّ الإنفاقَ هو صرفُ المالِ إلى وجوه المصالحِ؛ فلذلك لا يُقالُ في المُضَيِّع: إنَّه مُنفقٌ، وإذا قُيِّد الإنفاقُ بذكر "سَبِيلِ اللَّهِ"، فالمرادُ به في طريق الدِّين؛ لأنَّ السَّبيل هو الطريقُ، وسبيلُ الله هو دينُهُ، فكلُّ ما أمر الله تعالى به من الإنفاق في دينِهِ، فهُوَ داخِلٌ في الآية الكريمة، سواءٌ كان في حجٍّ، أو عُمرةٍ، أو كان جهاداً بالنَّفس أو تجهيزاً للغير أو كان إنفاقاً في صلة الرَّحم، أو في الصَّدقات، أو على القتالِ، أو في الزَّكاةِ، أو الكَفَّارة، أو في عمارة السَّبيل، وغير ذلك، إلاَّ أنَّ الأقربَ في هذه الآية الكريمة ذكرُ الجهاد، فالمرادُ هاهنا الإنفاقُ في الجهاد؛ لأنَّ هذه الآية الكريمة، إنَّما نزلت وقت ذهاب رسُول الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم - لعُمرة القضاء، وكانت تلك العُمرةُ لا بُدَّ مِنْ أن تُفضي إلى القتالِ، إنْ منَعَهم المُشركُونَ، فكانَتْ عمرةً وجهاداً، فاجتمعَ فيها المعنيانِ؛ فلا جَرَم، قال تعالى {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ}. في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها زائدةٌ في المفعول به؛ لأن "أَلْقَى" يتعدَّى بنفسه؛ قال تبارك وتعالى {أية : فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ}تفسير : [الشعراء: 45]، وقال القائل: [الكامل] شعر : 976 - حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَداً فِي كَافِرٍ وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلاَمُهَا تفسير : فزيدت الباءُ في المفعول، كما زيدَت في قوله: [الطويل] شعر : 977 - وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ الْفَتَى اسْتِكَانَةً مِنَ الْجُوعِ وَهْنَاً مَا يُمِرُّ وَمَا يَحْلُو تفسير : وهذا قولُ أبي عبيدة، وإليه ميلُ الزمخشري، قال: "والمعنى: ولا تُقْبِضُوا التهلُكَةَ أيدِيكُمْ، أي لا تَجْعَلُوها آخِذَةً بأيديكُمْ مالكةً لكُمْ"، إلا أنه مردودٌ بأنَّ زيادة الباء في المفعول به لا تَنقاسُ، إنما جاءت في الضَّرورة؛ كقوله: [البسيط] شعر : 978 -................. سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ تفسير : الثاني: أنها متعلقةٌ بالفعل غيرُ زائدةٍ، والمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه: ولا تُلْقُوا أنْفُسَكُمْ بأيديكُم، ويكُونُ معناها السَّبَبَ؛ كقولك: لا تُفْسِد حالك برأيك. الثالث: أن يُضمَّن "أَلْقَى" معنى ما يتعدَّى بالباء؛ فيُعدَّى تعديته، فيكون المفعولُ به في الحقيقة هو المجرور بالباء، تقديره: ولا تُفْضُوا بأيديكُم إلى التَّهْلُكة؛ كقولك: أَفْضَيْتُ بِجَنْبِي إلى الأرض، أي: طرحتُهُ على الأرض، ويكونُ قد عَبَّرَ بالأيدي عن الأنفس كقوله: {أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ}تفسير : [الحج: 10] {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}تفسير : [الشورى: 30] لأنَّ بها البَطشَ والحركة، وظاهرُ كلام أبي البقاء فيما حكاهُ عن المُبرِّد: أن "ألْقَى" يتعدَّى بالباء أصلاً كـ"مَرَرْتُ بزيدٍ"، والأولى حملُهُ على ما ذكرناه. والهمزة في "أَلْقَى" لِلْجعل على صفةٍ، نحو: أطْرَدْتُهُ، أي: جعلتُهُ طريداً، الهمزة فيه: ليست للتعدية؛ لأنَّ الفعل متعدٍّ قبلها، فمعنى "ألقَيْتُ الشيْءَ": جَعَلْتُه لُقى، فهو "فُعَلٌ" بمعنى "مَفْعُول"؛ كما أن الطريد "فَعِيلٌ" بمعنى "مَفْعُول"؛ كأنه قيل: لا تَجْعَلُوا أنفسَكُم لُقى إلى التَّهْلُكَة. والتَّهْلُكَةُ: مصدرٌ بمعنى "الهلاكِ، يُقَالُ: هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً، وهَلاكاً، وهَلْكَاءَ، على وزن فعلاء، ومَهْلِكاً ومَهْلُكَةً، مثلَّث العين، وتَهْلُكَةً، وقال الزمخشري: "ويجوزُ أن يقال: أصلُها التَّهْلِكَةُ؛ بكسر اللام، كالتَّجْرِبة؛ على أنه مصدرٌ من هلَّك - يعني بتشديد اللامِ - فَأُبْدلتِ الكسرةُ ضَمَّةً؛ كالجِوار والجُوار"، وردَّ أبو حيَّان بأنَّ فيه حَمْلاً على شاذٍّ ودَعوى إبدال، لا دليلَ عليها؛ وذلك أنه أنه جعلَهُ تَفعلةً بالكسر، مصدرَ "فَعَّلَ" بالتشديد، ومصدرُه، إذا كان صحيحاً غيرَ مهموزٍ على "تَفْعِيل" و"تَفْعِلَةٌ" فيه شاذٌّ، وأمَّا تنظيره له بالجِوَار والجُوَار، فليس بشيء، لأنَّ الضمَّ فيه شاذٌّ، فالأولى أنْ يُقال: إنَّ الضَّمَّ أصلٌ غيرُ مبدلٍ من كسرٍ، وقد حكى سيبويه ممَّا جاء من المصادر على ذلك التَّضُرَّة والتَّسُرَّة. قال ابن عطيَّة: "وقرأ الخليلُ التَّهْلِكَةَ، بكسر اللام، وهي تَفْعِلَةٌ، من هَلَّكَ بتشديد اللام" وهذا يُقَوِّي قول الزمشخري. وزعم ثعلبٌ والجارزنجي أنَّ "تَهْلُكَةً" لا نظير لها، وليس كذلك. قال أبو علي: حكى سيبويه التَّضُرَّة والتَّسُرَّة قال: "ولا نعلمُهُ جاء صفةً". قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - إنّي لأَتَعَجَّبُ كثيراً من تكلُّفات هؤلاء النُّحاة في أمثال هذه المواضع، وذلك أنَّهُم وجدوا نَقلاً عن أعرابيٍّ مجهولٍ يكونُ حجتَّهُم فيه، ففرحُوا به، واتّخَذُوه حجَّةً قويَّةً، ودليلاً قاطِعاً، وقالُوا: قد نُقِلَ هذا عن العرب؛ فكيف، وقد وَرَدَ هذا في كَلاَمِ الله تعالى المشهُور له مِنْ كُلِّ واحدٍ من المُوافِق والمُخَالف بالفصاحة، وأعجز البُلَغَاء والفُصَحاء، وتحدَّاهم "بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ" و "بِعَشْرِ سُوَرٍ" و "بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" [فقال تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}تفسير : [الإسراء: 88] وقال: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}تفسير : [هود: 13] وقال في موضع آخر: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}تفسير : [البقرة: 23] كيف لا يدلُّ ذلك على صحَّة هذه اللَّفظة، وفصاحتها، واستقامتها. والمشهور: أنه لا فرق بين التَّهْلُكَة، والهلاك، وقال قومٌ: التَّهْلُكَةُ: ما أمكن التحرُّز منه، والهلاكُ: ما لا يمكن التحرُّز منه، وقيل: هي نفسُ الشَّيْءِ المُهْلِكِ، وقيل: هي ما تضُرُّ عاقبته. فصل في اختلافهم في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة اختلفوا في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التَّهلكة. فقال قومٌ: إنَّه راجعٌ إلى نفس النَّفقة. وقال آخرون: إنَّه راجعٌ إلى غيرها، فالأوَّلون ذكروا وجوهاً: أحدها: قال ابن عبَّاس، وحذيفة، وعطاءٌ، وعكرمةٌ، ومجاهدٌ، والجمهور، وإليه ذهب البُخَارِيُّ - رضي الله عنهم - ولم يذْكُروا غيره: ألاَّ ينفقوا في مهمَّات الجهاد أموالهم؛ فيستولي العَدُوُّ عليهم، ويهلكهم؛ فكأنَّه قيل: إن كنت من رجال الدِّين فأنفق مالك في سبيل الله، وفي طلب مرضاته، وإن كانت من رجالِ الدُّنيا، فأنفق مالك في دفع الهلاكِ، والضَّرَر عن نفسِكَ. وثانيها: أنه تبارك وتعالى لمَّا أمر بالإنفاق نهى عن نفقة جمع المال؛ لأنَّ إنفاق الجميع يفضي إلى التَّهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول، والمشروب، والملبوسِ، فيكون المراد منه ما ذكره في قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}تفسير : [الفرقان: 67]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء: 29]. وقيل: الإلقاءُ في التَّهْلُكَة: هو السَّفر إلى الجهاد بغَيْر زادٍ، نقله القُرْطُبيُّ عن زَيْد ابْنِ أَسْلَمَ، وقد فعل ذلك قومٌ، فانقطعوا في الطَّريق. وأما القائلون: بأنَّ المراد منه غير النَّفقة، فذكروا وجوهاً: أحدها: أن يخلُّوا بالجهاد، فيتعرَّضوا للهَلاَكِ الذي هو عذابُ النار. ثانيها: لا تقتحموا في الحَرْبِ بحَيْثُ لا تَرْجُونَ إلاَّ قَتْلَ أنْفُسِكُمْ، فإنَّ قَتْلَ الإنْسانِ نَفْسَه لا يَحِلُّ، وإنما يجب الاقتحام إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأمَّا إذا كان آيساً من النِّكاية، وكان الأغلب أنَّه مقتولٌ، فليس له الإقدام عليه، وهذا منقولٌ عن البَرَاءِ ابن عازب، ونقل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه قال في هذا: هو رجُلٌ يتنقّل بين الصفينِ. وطعن بعضهم في هذا التَّأوِيل؛ وقال: هذا القتلُ غير محرمٍ، واحتجَّ بأَحَادِيثَ. الأول: روي أنَّ رجلاً من المهاجرين حمل على صَفِّ العدوِّ؛ فصاح به الناس؛ فألقى بيده إلى التَّهلكة؛ فقال أبو أيُّوبٍ الأنصاريّ: نحنُ أعلم بهذه الآية الكريمة، وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه وشهدنا المشاهد، فلما قويَ الإسلام؛ وكثر أهله؛ رجعنا إلى إهالينا، وأموالنا، ومصالحنا؛ فنزلت الآية، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل، والمال، وترك الجهاد. فما زال أبو أيوبٍ مجاهداً في سبيل الله؛ حتَّى كان آخر غزاة غزاها بقسطنطينيّة في زمن معاوية، فتوفِّي هناك، ودُفن في أصل سور القسطنطينية، وهم يُسْتَسْقَوْنَ به. حديث : ورُوِيَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنَّة؛ فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله، إن قتلت صابراً محتسباً؟ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - لك الجنة؛ فانغمس في العدوِّ؛ فقتلوه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفسير : وأنَّ رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه، حين ذكر رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه دائماً أبداً - الجنة. ورُوِيَ أنَّ رجلاً من الأنصار تخلَّف عن بني معاوية، فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه؛ فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدوِّح فيقتلونني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ذلك؛ فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولاً حسناً. وروي أنَّ قوماً حاصروا حصناً؛ فقاتل رجلٌ حتى قتل؛ فقيل: ألقى بيده إلى التَّهلكة، فبلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذلك؛ فقال: كذبوا قال الله تعالى: {أية : مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 207]. ولقائلٍ أن يجيب عن هذه الآية؛ فيقول: إنَّما حرمنا إلقاء النفس في صفِّ العدوِّ، إذا لم يتوقع إيقاع النكاية فيهم، فأما إذا توقع، فنحن نجوز ذلك، فلم قلتم إنَّه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع؟ الوجه الثالث من تأويل الآية: أن يكون هذا متَّصلاً بقوله سبحانه:{أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}تفسير : [البقرة: 194] أي: فلا تحملنَّكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم، فتهلكوا بترككم القتال، فإنَّكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة. الوجه الرابع: أنَّ المعنى: أنفقوا في سبيل الله، ولا تقولوا: إنَّا نخاف الفقر، فنهلك إن أنفقنا، ولا يبقى معنا شيءٌ، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق، والمراد من هذا الفعل والإلقاء الحكم بذلك؛ كما يقال جعل فلانٌ فلاناً هلاكاً، وألقاه في الهلاك؛ إذا حكم عليه بذلك. الوجه الخامس: قال محمد بن سيرين، وعبيدة السَّلمانيُّ: هو أنَّ الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل؛ فيستهلك في المعاصي، فذلك هو إلقاء النفس إلى التهلكة؛ فحاصله أنَّ معناه النَّهيُ عن القنوط من رحمة الله تعالى؛ لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية، والإصرار على الذنب. الوجه السادس: يحتمل أن يكون المراد {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة، والإحباط؛ وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك الإنفاق فعلاً يحبط ثوابه، إما بذكر المنَّة، أو بذكر وجوه الرياء، والسُّمعة؛ ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ}تفسير : [محمد: 33]. وروي عن عكرمة: الإلقاء في التهلكة، قال تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة: 267]. وقال الطَّبَرِيُّ: هو عامٌّ في جميع ما ذُكر، لأن اللفظ يحتمله. قوله "وَأَحْسِنُوا" اختلفوا في اشتقاق "المحْسِنِ"، فقيل: مشتقٌّ من فعل الحسن، وإنما كثر استعماله في من نفع غيره بنفع حسنٍ، من حيث إنَّ الإحسان حسنٌ في نفسه، وعلى هذا [التَّقْدِيرِ] فالضربُ، والقتلُ إذاً حَسُنَا، كان فاعلهما محسناً. وقيل: مشتقٌّ من الإحسان؛ ففاعل الحسن لا يوصف بكونه محسناً؛ إلاَّ إذا كان فعله حسناً، وإحساناً معاً؛ فهذا الاشتقاق إنَّما يحصل من مجموع الأمرين. قال الأصَمُّ: أَحْسِنُوا في فَرَائضِ اللَّهِ. وقيل: أحسنوا في الإنفاق على من يلزمكم نفقته، والمقصود منه أن يكون، ذلك الإنفاق وسطاً من غير إسراف، ولا تقتير، وهذا أقرب لاتصاله بما قبله، ويمكن حمل الآية على الجميع.

السيوطي

تفسير : أخرج وكيع وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله ‏ {‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ قال‏:‏ هو ترك النفقة في سبيل الله مخافة العيلة‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس في قوله {‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ قال‏:‏ ترك النفقة في سبيل الله، أنفق ولو مشقصا‏ً.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله ولكن الإِمساك عن النفقة في سبيل الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله ‏ {‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ قال‏:‏ نزلت في النفقات في سبيل الله‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ إنما أنزلت هذه الآية ‏ {‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏ في النفقة في سبيل الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ كان القوم في سبيل الله فيتزوّد الرجل، فكان أفضل زاداً من الآخر، أنفق اليابس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله ‏ {‏وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال‏:‏ كانوا يسافرون ويقترون ولا ينفقون من أموالهم، فأمرهم أن ينفقوا في مغازيهم في سبيل الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الشعب عن الحسن في قوله ‏{بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ قال‏:‏ هو البخل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال‏:‏ كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، فإما يقطع بهم وإما كانوا عيالاً، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش ومن المشي، وقال لمن بيده فضل ‏ {‏وأحسنوا إن الله يحب المحسنين‏}.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن قانع والطبراني عن الضحاك بن أبي جبيرة أن الأنصار كانوا ينفقون في سبيل الله ويتصدقون، فأصابتهم سنة فساء ظنهم وأمسكوا عن ذلك، فأنزل الله ‏{‏وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ ‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏ قال‏:‏ لا يمنعنكم النفقة في حق خيفة العيلة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أسلم أبي عمران قال‏:‏ كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا‏:‏ سبحان الله‏!‏ يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإِسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها، فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا ‏{‏وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏ فكانت التهلكة الإِقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو‏.‏ وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عن البراء بن عازب أنه قيل له ‏ {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} هو الرجل يلقى العدّو فيقاتل حتى يقتل قال‏:‏ لا، ولكن هو الرجل يذنب فيلقي بيديه فيقول‏:‏ لا يغفر الله لي أبداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير قال‏:‏ كان الرجل يذنب فيقول‏:‏ لا يغفر الله لي‏.‏ فأنزل الله {‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏‏ .‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن عبيدة السلماني في قوله ‏{‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏ قال‏:‏ القنوط‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال‏:‏ التهلكة عذاب الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق، فأسرع رجل إلى العدوّ وحده، فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه فرده وقال‏:‏ قال الله ‏ {‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ .‏ وأخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة في قوله ‏ {‏وأحسنوا‏} ‏قال‏:‏ أدوا الفرائض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحق‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله ‏ {‏وأحسنوا إن الله يحب المحسنين‏} ‏ قال‏:‏ أحسنوا الظن بالله‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أمرٌ بالجهاد بالمال بعد الأمرِ به بالأنفس، أي ولا تُمسِكوا كلَّ الإمساك، {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} بالإسراف وتضيـيعِ وجهِ المعاش أو بالكفِّ عن الغزو والإنفاق فيه فإن ذلك مما يقوِّي العدوَّ ويُسلِّطُه عليكم. ويؤيدُه ما رُوي عن أبـي أيوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه أنه قال: لما أعزَّ الله الإسلامَ وكثُر أهلُه رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نُقيمُ فيها ونُصلِحها فنزلت، أو بالإمساك وحبِّ المال فإنه يؤدّي إلى الهلاك المؤبَّد ولذلك سُمي البخلُ هلاكاً وهو في الأصل انتهاءُ الشيء في الفساد، والإلقاءُ طرحُ الشيء، وتعديتُه بإلى لتضمُّنه معنى الانتهاء والباءُ مزيدةٌ، والمرادُ بالأيدي الأنفسُ والتهلُكة مصدر كالتنصُرَة والتستُرة وهي والهُلك واحدٌ أي لا توقِعوا أنفسَكم إليها فحُذِف المفعول {وَأَحْسِنُواْ} أي أعمالَكم وأخلاقَكم أو تفضّلوا على الفقراء {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يريد بهم الخيرَ وقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} بـيانٌ لوجوب إتمامِ أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشادٍ للناس إلى تدارُك ما عسى يعتريهم من العوارض المُخِلَّة بذلك من الإحصار ونحوه من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما من الوجوب وعدمِه كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} تفسير : [البقرة، الآية 187] فإنه بـيانٌ لوجوب مدِّ الصيام إلى الليل من غير تعرُّضٍ لوجوب أصلِه وإنما هو بقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة، الآية 183] الآية، كما أن وجوبَ الحج بقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران، الآية 97] الآية، فإن الأمرَ بإتمام فعلٍ من الأفعال ليس أمراً بأصله ولا مستلزماً له أصلاً فليس فيه دليل على وجوب العُمرة قطعاً، وادعاءُ أن الأمرَ بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءةُ وأقيموا الحجَّ والعُمرة وأن الأمرَ للوجوب ما لم يدلَّ على خلافه دليل مما لا سَدادَ له ضرورةَ أنْ ليس البـيانُ مقصوراً على أفعال الحجِّ المفروضِ حتى يُتصوَّرَ ذلك، بل الحقُّ أن تلك القراءةُ أيضاً محمولةٌ على المشهورة ناطقةٌ بوجوب إقامةِ أفعالهما كما ينبغي من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكمِلوا أركانَهما وشرائطَهما وسائرَ أفعالِهما المعروفةِ شرعاً لوجه الله تعالى من غير إخلالٍ منكم بشيء منها. هذا وقد قيل: «إتمامُهما أن تحرِمَ بهما من دُوَيرَة أهلِك». رُوي ذلك عن عليَ وابن عباسٍ وابن مسعود رضي الله عنهم وقيل: «أن تُفرِدَ لكل واحدٍ منها سَفَراً» كما قال محمد: حَجةٌ كوفية وعُمرةٌ كوفية أفضلُ. وقيل: هو جعلُ نفقتِهما حلالاً وقيل: أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من الأغراض الدنيوية وأياً ما كان فلا تعرُّضَ في الآية الكريمة لوجوب العُمرة أصلاً وأما ما رُوي أن ابنَ عباس رضي الله عنهما قال: إن العمرةَ لقرينةُ الحجِّ، وقولُ عمرَ رضي الله عنه: هُديتَ لسنة نبـيِّك حين قال له رجلٌ وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبـين علي فأهلَلْتُ بهما. وفي رواية فأهللتُ بهما جميعاً فبمعزلٍ من إفادة الوجوب مع كونه معارَضاً بما رُوي «حديث : عن جابرٍ أنه قال: يا رسولَ الله العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحجِّ؟ قال: "لا، ولكن أن تعتمِرَ خيرٌ لك"»تفسير : ، وبقوله عليه السلام: «حديث : الحجُّ جهاد والعُمرةُ تطوُّعٌ فتدبر»تفسير : {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي مُنعتم من الحج يقال: حصَره إذا حبَسه ومنعه من المُضيِّ لوجهه مثلُ صَدَّه وأصدّه والمرادُ منعُ العدو عند مالكٍ والشافعيِّ رضي الله عنهما لقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ} ولنزوله في الحديبـية ولقولِ ابنِ عباسٍ: لا حصْرَ إلا حصرُ العدوِّ وكلُّ منعٍ من عدو أو مرضٍ أو غيرهما عند أبـي حنيفة رضي الله عنه، لما رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم من كُسِر أو عَرَج فعليه الحجُّ من قابل {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} أي فعليكم أو فالواجبُ ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر والمعنى أن المُحرِم إذا أُحصر وأراد أن يتحلّل تحلَّل بذبح هدْي مما تيسر عليه من بدَنة أو بقرةٍ أو شاة حيث أُحصر عند الأكثر، وعندنا يَبعث به إلى الحرَم ويجعلُ للمبعوث بـيده يومَ أمارٍ فإذا جاء اليومُ وظن أنه ذبح تحلّل لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ} أي لا تُحِلوا حتى تعلموا أن الهديَ المبعوثَ إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن يُنْحَر فيه، وحمل الأولون بلوغَ الهدْي مَحِلّه على ذبحه فيه حِلاًّ كان أو حَرَماً ومرجعُهم في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحَ عامَ الحديبـية بها وهي من الحِل قلنا: كان مُحْصَرُه عليه الصلاة والسلام طرفَ الحديبـية الذي إلى أسفلِ مكةَ وهو من الحَرَم، وعن الزُهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحرَ هديَه في الحَرَم، وقال الواقديُّ: الحديبـيةُ هي طرفُ الحرم على تسعة أميالٍ من مكةَ والمَحِلُّ بالكسر يُطلق على المكان والزمان، والهدْيُ جمع هَدْية كجَدْي وجَدْية وقرىء من الهَدِيّ جمع هَديّة كمَطِيّ ومطية {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} مرَضاً مُحوجاً إلى الحَلْق{أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ} كجراحة أو قُمَّلٍ {فَفِدْيَةٌ} أي فعليه فديةُ إن حلق {مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} بـيانٌ لجنس الفدية وأما قدرُها فقد رُوي «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب بنِ عُجرةَ: "لعلك آذاك هَوامُّك" قال: نعم يا رسولَ الله قال: "احلِقْ وصُم ثلاثةَ أيام أو تصدّقْ بفَرْقٍ على ستةِ مساكينَ أو انسُك شاةً والفَرْقُ ثلاثة آصُع"» تفسير : {فَإِذَا أَمِنتُمْ} أي الإحصار أو كنتم في حال أمن أو سعة {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ} أي فمن انتفع بالتقرُّب إلى الله تعالى بالعُمرة قبل الانتفاعِ بتقرّبه بالحج في أشهره، وقيل: من استمتع بعد التحلُّل من عُمرته باستباحة محظوراتِ الإحرام إلى أن يُحرِم بالحج {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} أي فعليه دمٌ استيسر عليه بسبب التمتع وهو دمُ جُبرانٍ يذبحه إذا أحرَمَ بالحج، ولا يأكلُ منه عند الشافعي وعندنا هو كالأضحية {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي الهديَ {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ} أي في أشهره بـين الإحرامين، وقال الشافعيُّ في أيام الاشتغالِ بأعماله بعد الإحرام وقبل التحلل، والأحب أن يصومَ سابعَ ذي الحِجة وثامنَه وتاسعَه فلا يصح يومَ النحرِ وأيامَ التشريق {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي نفَرْتم وفرَغتم من أعماله وفي أحدِ قولي الشافعيِّ إذا رجعتم إلى أهليكم، وقُرىء وسبعةً بالنصب عطفاً على محل ثلاثةِ أيام {تِلْكَ عَشَرَةٌ} فذلكةُ الحسابِ وفائدتُها ألا يُتَوَهّم أن الواوَ بمعنى أو كما في قولك: جالسِ الحسنَ وابنَ سيرين، وأن يُعلم العددُ جملةً كما عُلم تفصيلاً فإن أكثرَ العرب لا يعرِفُ الحسابَ وأن المرادَ بالسبعة هو العددُ المخصوصُ دون الكثرة كما يراد بها ذلك أيضاً {كَامِلَةٌ} صفةٌ مؤكدةٌ لعشَرة تفيد المبالغةَ في المحافظة على العدد أو مبـيِّنةٌ لكمال العشرة فإنها أولُ عددٍ كاملٍ إذْ بهِ ينتهي الآحادُ ويتم مراتبُها أو مقيِّدة تفيدُ كمالَ بَدَليتها من الهدْي {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى التمتع عندنا وإلى الحكم المذكورِ عند الشافعي {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهو مَنْ كان من الحرَم على مسافة القصْرِ عند الشافعي ومن كان مسكنُه وراءَ الميقاتِ عندنا وأهلُ الحل عند طاوس وغيرُ أهل مكةَ عند مالك {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في المحافظة على أوامره ونواهيه لا سيما في الحج {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن لم يَتَّقْهِ كي يصُدَّكم العلمُ به عن العِصيان، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضعِ الإضمارِ لتربـية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة.

القشيري

تفسير : إنفاق الأغنياء من أموالهم، وإنفاق العابدين بنفوسهم لا يدخرونها عن العبادات والوظائف، وإنفاق العارفين بقلوبهم لا يدخرونها عن أحكامه، وإنفاق المحبين بأرواحهم لا يدخرونها عن حُبِّه. إنفاق الأغنياء من النِّعم وإنفاق الفقراء من الهِمَم. إنفاق الأغنياء إخراج المال من الكيس، وإنفاق الفقراء إخراج الروح عن أنفس النفيس، وإنفاق الموحِّدين إخراج الخَلْق من السِّر. قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} الإشارة فيه ألى إمساك يدك عن البذل؛ فمن أمسك يده وادَّخر شيئاً لنفسه فقد ألقى بيده إلى التهلكة. ويقال: إلى إيثار هواك على رضاه. ويقال {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} أي الغفلة عنه بالاختيار. ويقال تَوَهُّمُ أنك تعيش من دون لطفه وإقباله لَحْظَةً. ويقال الرضا بما أنت فيه من الفترة والحجاب. ويقال إمساك اللسان عن دوام الاستغاثة في كل نَفَسٍ. قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} الإحسان أن ترفق مع كل أحد إلا معك؛ فإحسانُك إلى نفسك في صورةٍ إساءتُك إليها في ظن الاعتماد، وذلك لارتكابك كل شديدة، ومقاساتك فيه كل عظيمة. والإحسان أيضاً ترك جميع حظوظك من غير بقية، والإحسان أيضاً تفرغك إلى قضاء حق كل أحد علَّق عليك حديثه. والإحسان أن تعبده على غير غفلة. والإحسان أن تعبده وأنت بوصف المشاهدة.

البقلي

تفسير : {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} الانقاق على ثلثة احوال نفقة الزاهدين ونفقة المحبين ونفقة العارفين اما نفقة الزاهدين بترك جميع الدنيا مع لذاتها لاهلها حتى استمتع بها الانام وبذل نفوسهم لله فى ايام الله واما نفقة المحبيين فاعطاء ما نالوا من الحق لاهل الحق وما نقة العارفين فبذل الارواح فى مقام الفناء من وجدان غيرة الحق فى اسرارهم امرهم الله تعالى بالاعراض عن الكون مع استطابه احوالهم بلذائذ المحبة والدخول فى مقام الاحسان الان الاحسان اعلى المراتب من رتبة اهل المشاهدة اعلمهم الله تعالى ان لا ينالوا حقيقة المشاهدة الا ببذل حيوتهم لاهل خالصة الحق واخبران مقام الاحسان مقرون بالمحبة لاجل ذلك قال تعالى {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} ومن فاته الاحسان احتجب عن المشاهدة وهلك فى قبضة بطش النفس متحير فى هاوية هواها مصروعة فى ورطه هوساتها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وأنفقوا فى سبيل الله} الانفاق صرف المال الى وجوه المصالح والمراد بالسبيل الدين المؤدى الى ثواب الله ورحمته فكل ما امر الله به من الانفاق فى اعزاز الدين واقامته فهو داخل فى هذ الآية سواء كان فى اقامة الحج او العمرة او جهاد الكفار او صلة الارحام او تقوية الضعفاء من الفقراء والمساكين او رعاية حقوق الاهل والاولاد او غير ذلك مما يتقرب به الى الله تعالى امر تعالى بالجهاد بالمال بعد الامر به بالنفس اى واصرفوا اموالكم فى سبيل الله ولا تمسكوا كل الامساك {ولا تلقوا} الالقاء طرح الشىء حيث تراه ثم صار اسما لكل طرح عرفا وتعديته بالى لتضمنه معنى الانتهاء {بأيديكم} الباء زائدة فى المفعول به لان القى يتعدى بنفسه قال تعالى {أية : فألقى موسى عصاه} تفسير : [الشعراء: 44]. ولا يقال القى بيده الا فى الشر والمراد بالايدى الانفس فان اليد لازم للنفس وتخصيص اليد من بين سائر الجوارح اللازمة لها لان اكثر الاعمال يظهر بالمباشرة باليد والمعنى لا تطرحوا انفسكم {الى التهلكة} اى الهلاك بالاسراف وتضييع وجه المعاش لتكون الآية نظير قوله تعالى {أية : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} تفسير : [الفرقان: 67]. او بالكف عن الغزو والانفاق فى مهماته فان ذلك مما يقوى العدو ويسلطه عليكم ويؤيده ما روى عن ابى ايوب الانصارى رضى الله تعالى عنه انه قال ان الله تعالى لما اعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا انا قد تركنا اهلنا واموالنا حتى فشا الاسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا الى اهلنا واموالنا فاقمنا فيها واصلحنا ما ضاع منا فانزل الله تعالى {وانفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة} اى الى ما يكون سببا لهلاككم من الاقامة فى الاهل والمال وترك الجهاد فما زال ابو ايوب يجاهد فى سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية فى زمن معاوية فتوفى هناك ودفن فى اصل سور قسطنطينية وهم يستشفون به وفى الحديث "حديث : من مات ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاقbr>". تفسير : {واحسنوا} اى تفضلوا على الفقراء {ان الله يحب المحسنين} اى يريد بهم الخير ـ روى ـ ان الحجاج لما ولى العراق كان يطعم فى كل يوم على الف مائدة يجمع على كل مائدة عشر انفس وكان يرسل الرسل الى الناس لحضور الطعام فكثر عليه ذلك فقال ايها الناس رسولى اليكم الشمس اذا طلعت فاحضروا للغداء واذا غربت فاحضروا للعشاء فكانوا يفعلون ذلك واستقل الناس يوما فقال ما بال الناس قد قلوا فقال رجل ايها الامير انك اغنيت الناس فى بيوتهم عن الحضور الى مائدتك فاعجبه ذلك وقال اجلس بارك الله عليك هذا كرم الحجاج واحسانه الى الخلق مع كونه اظلم اهل زمانه: قال السعدى قدس سره شعر : كرم كن كه فردا كه ديوان نهند منازل بمقدار احسان نهند تفسير : وحكى الهدائى قال اقبل ركب من بنى اسد ومن قيس يريدون النعمان فلقوا حاتما وهو المشهور بالجود فقالوا تركنا قوما يثنون عليك خيرا وقد ارسلوا اليك رسالة فقال ما هى فانشد الاسديون شعرا للنابغة فيه فلما انشده قالوا انا نستحيى ان نسألك شيأ وان لنا لحاجة قال ما هى قالوا صاحب لنا قد أرجل يعنى فقدت راحلته فقال حاتم فرسى هذه فاحملوه عليها فاخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها فافلت يتبع امه وتبعته الجارية لترده فصاح حاتم ما يتبعكم فهو لكم فذهبوا بالفرس والفلو والجارية كذا فى شرح رسالة ابن زيدون الوزير. قيل لما عرج النبى عليه السلام اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كذا فى انيس الوحدة وجليس الخلوة وفى الاحاديث القدسية "حديث : يا عيسى أتريد ان تطير على السماء مع الملائكة المقربين كن فى الشفقة كالشمس وفى الستر كاليل وفى التواضع كالارض وفى الحلم كالميت وفى السخاوة كالنهر الجارى ". تفسير : قال بعض اهل الحقيقة وهو حسن جدا {وأنفقوا فى سبيل الله} ارواحكم {ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة} بمنعكم انفسكم عن الشهادة {فى سبيل الله} التى هى الحياة الابدية فتهلكوا يعنى بفوت هذه الحياة واحسنوا تسليم انفسكم الى الله فقد اشتراها منكم {إن الله يحب المحسنين}: وفى المثنوى شعر : مرك بى مركى بود مارا حلال برك بى بركى بود مارا نوال ظاهرش مرك وبباطن زندكى ظاهرش ابتر نهان بايندكى جون مراسوى اجل عشق وهواست نهى لا تلقوا بايديكم مراست زانكه نهى از دانة شيرين بود تلخ را خود نهى حاجت كى شود دانه كش تلخ باشد مغز وبوست تلخى ومكروهيش خودنهى اوست دانه مردن مرا شيرين شده است بل هم احياء بى من آمده است تفسير : قال فى التأويلات النجمية {وأنفقوا فى سبيل الله} باموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم {ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة} بالامتناع عن تسليم المبيع فتهلكوا بمنع الثمن وهو الجنة وبافراط الاعتداء وتفريطه فى جهاد النفس بالافراط بان يبرز واحد على رهط وبالتفريط بان يفر واحد من اثنين فى جهاد الكفار {وأحسنوا} مع نفوسكم بوقايتها من نار الشهوات ومع قلوبكم برعايتها عن ملاحظة المكونات ومع الخلق بدفع الاذيات واتصال الخيرات ومع الله بالعبودية فى المأمورات والمنهيات والصبر على المضرات والبليات والشكر على النعم والمسرات والتوكل عليه فى جميع الحالات وتفويض الامور اليه فى الجزئيات والكليات والتسليم للاحكام الازليات والرضى بالاقضية الاوليات والفناء عن الارادات المحدثات فى ارادته القديمة بالذات {إن الله يحب المحسنين} الذين هم فى العبادة بوصف المشاهدة انتهى ما فى التأويلات بانتخاب.

الطوسي

تفسير : المعنى: أمر الله تعالى جميع المكلفين المتمكنين من الانفاق في سبيل الله: أن ينفقوا في سبيله، وسبيل الله: هو كل طريق شرعه الله تعالى لعباده، ويدخل فيه الجهاد، والحج، وعمارة القناطر، والمساجد، ومعاونة المساكين، والأيتام، وغير ذلك، والانفاق: هو إخراج الشيء عن ملك مالكه إلى ملك غيره، لأنه لو أخرجه الى هلاك لم يسم إنفاقاً. وقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة} معناه لا تطرحوا أنفسكم في الهلاك، بأن تفعلوا ما يؤدي إليه. وحقيقة الالقاء تصير الشيء الى جهه السفل. وإنما يقال: ألقى عليه مسألة مجازاً، كما يقال: طرح عليه مسألة. الاعراب: والباء في قول بأيديكم يحتمل وجهين: أحدهما - أن تكون زائدة كقولك تعلقت زيداً، وتعلقت بزيد وجذبت الثوب، وجذبت بالثوب، وعلمته، وعلمت به. قال الشاعر: شعر : ولقد ملأت على نصيب جلده بمساءة إن الصديق يعاتب تفسير : والمراد ملأت جلده مساءة. والثاني - أن يكون على أصل الكلام من وجهين: أحدهما - أن كل فعل متعد إذا كني عنه أو قدر على المصدر دخلته الباء، كقولك ضربته ثم تكني عنه فتقول فعلت به. والآخر أن تقول: أوقعت الضرب به فجاء على أصل الأفعال المتعدية. والوجه الاخر: أنه لما كان معناه: لاتهلكوا أنفسكم بايديكم، فدخلت الباء ليدّل على هذا المعنى، وهو خلاف أهلك نفسه بيد غيره. المعنى: وقيل في معنى الآية وجوه: أحدها - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وهو المروى عن حذيفة، وابن عباس: إن معناها {لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} بالامتناع من الانفاق في سبيل الله. الثاني - ما روي عن البراء ابن عازب، وعبيدة السلماني: لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة. الثالث - ما قال البلخي، من أن معناها: لا تتقحموا الحرب من غير نكاية في العدّو، ولا قدرة على دفاعهم. والرابع - ما قاله الجبائي لا تسرفوا في الانفاق الذي يأتي على النفس. والأولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك. اللغة: والتهلكة، والهلاك واحد. وقيل: التهلكة: ما أهلكهم الله عنده. وأصل الهلاك الضياع، وهو مصدر ضاع الشيء بحيث لا يدري أين هو، ومنه يقال للكافر: هالك، وللميت: هالك، وللمعذب: هالك. والهلوك: المهواة البعيدة، لأن الذي يهوي فيها هالك. والهلوك: الفاجرة. والهلوك: المتحيرة، تشبيهاً بالهلوك: الفاجرة التي تمايل في مشيتها، تقول: هلك يهلك هلكا، وهلاكا، وأهلكه إهلاكا، وتهالك تهالكا, واهتلك اهتلاكا: إذا ألقى نفسه في المهالك. واستهلكه استهلاكا، وانهلك انهلاكا. إذا حمل نفسه على الأمر الصعب. والهالكي: الحداد. وأصل ذلك أن بني الهالك بن عمر، كانوا قيونا، فسمي بذلك كل قين: هالكياً. والتهلكة: كلما كان عاقبته الى الهلاك. والهالك: الفقير الذي بمضيعة. والاحسان: هو الافضال الى المحتاج، في قول زيد بن أسلم. وحدّ الاحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير، وليس المحسن من فعل الفعل الحسن، لأن الله تعالى بفعل العقاب وهو حسن، ولا يقال: إنه محسن به، ولا يسمى مستوفي الدين محسناً، وإن كان حسناً، فان أطلق ذلك في موضع، فعلى وجه المجاز. وإنما اعتبرنا أن يكون النفع حسناً، لأن من أوصل نفعاً قبيحاً الى غيره لا يقال: إنه محسن اليه. وقد بينا حقيقة المحبة، فيما مضى، فلا وجه لاعادته، ومحبة الله للمحسنين، إرادة الثواب بهم والمنعفة لهم. وقال عكرمة: أحسنوا الظن بالله يراكم. وقال ابن زيد: أحسنوا بالعود على المحتاج {إن الله يحب المحسنين} وروى عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} يعني المقتصدين.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قد مضى بيان مفصّل للانفاق فى اوّل السّورة وقد مرّ قبيل هذا بيان سبيل الله والظّرف لغواً وحال عن فاعل انفقوا ظرفاً مجازيّاً او حقيقيّاً والمعنى انفقوا من اموالكم الدّنيويّة واعراضكم واغراضكم وابدانكم وقواكم وشهواتكم وغضباتكم وانانيّاتكم وبالجملة من كلّ ما ينسب الى انانيّاتكم فى الولاية وكلّما ينتسب الى الولاية من الاعمال القالبيّة والقلبيّة وسبيل الحجّ والجهاد {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} يعنى من غير سببٍ من الخارج فانّ قوله {بأيديكم} بمنزلة قولهم فلان فعل بنفسه يعنى من غير واسطة فانّه فى الحقيقة لنفى الواسطة لا لاثبات وساطة النّفس {إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} يعنى فى الانفاق بان تنفقوا من كلّما ذكر ما لا يتحمّله النّفس فهو فى الحقيقة امرٌ بالاقتصاد فى الانفاق {وَأَحْسِنُوۤاْ} امّا تأكيد للاقتصاد المستفاد من الجمع بين الامر بالانفاق والنّهى عن اهلاك المال رأساً، او امر باصلاح المال بعد الانتقاص بالانفاق كأنّه قال: انفقوا متدرّجين فى الانفاق حتّى لا يبقى لكم كثير ولا قليل ثمّ ارجعوا الى ما وراءكم واصلحوا ما ضاع منكم بان تأخذوا ممّا أنفقتم فى سبيله فيكون اشارة الى مقام البقاء بالله بعد الفناء فى الله {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} ولمّا وقع هذا بعد آية التّرخيص فى القصاص جاز ان تخصّص الكلمات بالانفاق من القوّة المقتضية للاقتصاص والنّهى عن ترك القصاص المستلزم للحرج والاحسان الى المقتصّ منه بتخفيف القصاص والى النّفس بامضاء بعض من غضبها.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. ذكر البراء ابن عازب قال: كان الرجل يذنب فيلقي بيده فيقول: لا يغفر الله لي، فلا يجاهد، ولا يعمل، ولا ينفق في سبيل الله. ذكروا عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: تمتَعْ في سبيل الله ولو بسهم. وذكر بعضهم أنه قال: أعطاهم الله رزقاً ومالاً فكانوا يسافرون ويغزون ولا ينفقون أموالهم، فأمرهم الله أن ينفقوا في سبيل الله. قال مجاهد: لا يمنعكم نفقةً في حق خيفةُ القتل. وكان الحسن يفسر: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} يقول: إن ترككم الإِنفاق في سبيل الله إلقاء منكم بأيديكم إلى التهلكة. والتهلكة ما أهلككم عند الله. وهذا حقيقة التأويل. وذكروا عن حذيفة أنه قال: هي في [ترك] النفقة. وذكروا عن الحسن أنه قال: لم يقبض رسول الله حتى صار الجهاد تطوّعاً. قوله: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}. أي: وأحسنوا في نفقاتكم وما افترض الله عليكم. وقال بعضهم: أمرهم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يحسنوا فيما رزقهم الله. قوله: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ}. قال بعض المفسرين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما هي حج وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة أو قضى ما عليه. فما أصاب بعد ذلك فهو تطوع . تفسير : ذكروا عن مسروق أنه قال: أمرتم في القرآن بإقامة أربع: الصلاة والزكاة والحج والعمرة. وذكروا عنه أيضاً أنه قال: العمرة من الحج كالزكاة من الصلاة. ذكر داود بن حصين عن ابن عباس أنه قال: العمرة واجبة كوجوب الحج، وهي الحج الأصغر. والعامة مجمعون على أن الحج والعمرة فريضتان ما خلا عبد الله بن مسعود، فإنه كان يقول: الحج فريضة والعمرة تطوع فيقرأ على هذا التفسير بنصب الحج وبرفع العمرة؛ يقول: والعمرةُ لله. وتقرأ العامة على حديث النبي صلى الله عليه وسلم كليهما بالنصب، وهو العدل المأخوذ به. قوله: وأتموا الحج أي: إلى عرفات، والعمرة إلى البيت. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفات، والعمرة الطواف. قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [الإِحصار أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو عدو]. إذا أهل بالحج ثم أحصر: حبسه مرض، أو ضلّت راحلته وكل ما حبسه، أقام محرماً وبعث بهدي؛ فإذا نحر يوم النحر حلّ من كل شيء إلا النساء والطيب. فإن احتاج إلى شيء قبل أن ينحر الهدي الذي بعث به مما لا يفعله المحرم، من دواء فيه طيب، أو حلق رأس، أو لبس ثوب لا يلبسه المحرم، أو شيء لا يَصلُح للمحرم، فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك. فإذا برَأَ، وهو قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ} فمضى إلى البيت وكان حاجاً فجعلها عمرة، ثم حج من قابل، فعليه هدي آخر، لأنه قد تمتع بالعمرة إلى الحج. وإن رجع إلى بلده، أو أقام مكانه، أقام على إحرامه، كافاً عن النساء والطيب، ثم حج، فليس عليه هدي؛ ووَقْتُ نحر هديه يوم النحر إذا كان حاجاً. وإذا كان معتمراً وقَّتَ للذي يبعث الهدي معه: يشتري يوم كذا وكذا، ويَقدِم يوم كذا وكذا، وينحر يوم كذا وكذا؛ فإذا جاوز الحد حلّ له كل شيء إلا النساء والطيب، حتى يطوف بالبيت متى طاف، فيقضي عمرته. ويُستَحَبّ له أن ينتظر بعد اليوم الذي وقَّت أن يُنحَر الهدي فيه بيوم أو يومين مخافة ما يحدث. ذكروا في قول الله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قالوا: شاة. وذكر مجاهد عن ابن عباس أنه قال: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ من الأزواج الثمانية، من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإِبل اثنين، ومن البقر اثنين. وذكروا عن ابن عمر أنه قال: ما استيسر من الهدي من الإِبل والبقر. قوله: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَديُ مَحِلَّهُ} ذكروا عن عطاء أنه قال: كل هدي دخل الحَرَم ثم عطب فقد بلغ مَحِلَّه إلا هدي المتعة [والمحصر] فإنه لا بد له أن يهريق دماً يوم النحر. قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. ذكر مجاهد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرةحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ به عام الحديبية وهو محرم، وهو يوقِد تحت قِدر له. فنكس رأسه، فإذا الهوام تجول في رأسه، وتتنثر على وجهه ولحيته، فقال: أَتُؤْذِيكَ هوام رأسك يا كعب؟ قال: نعم. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احلقه وصم ثلاثة أيام أو أطعم فَرَقاً بين ستة، أو اهد شاة تفسير : .قال: والفَرَق ثلاثة أصواع، كل صاع بين اثنين. قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} يقول: من أهلَّ بعمرة في أشهر الحج، في شوال، أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة ثم حج من عامه فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال عمران بن حصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيها القرآن. وذكر بعضهم قال: قيل لابن عباس: إنهم يروون عنك أنك تقول: من طاف البيت فقد حلّ. فقال: تلك سنة نبيّكم وإن رغمتم. ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله أنه قال: حديث : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح أربعة مضين من ذي الحجة مهلّين بالحج. فلما طفنا بالبيت، وصلينا الركعتين، وسعينا بين الصفا والمروة، أمرنا فقال: قصّروا فقصّرنا. ثم قال: أحلوا.فقلنا: يا رسول الله، نحلّ مماذا. قال: حل ما يحل الحلال؛ من النساء والطيب. ثم قال: فغشيت النساء، وسطعت المجامر تفسير : . وبلغنا أن بعضهم يقول: ينطلق أحدنا إلى مِنًى وذكره يقطر مَنِيّاً. فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: حديث : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولو لم أسق الهدي لحللت: ألا فخذوا عني مناسككم . تفسير : قال: فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج من البطحاء، فكان الهدي على من وجد، والصيام على من لم يجد. وأشرك بينهم في الهدي البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة. قال: وكان عطاء يقول: كان طوافهم طوافاً واحداً وسعيهم سعياً واحداً لحجهم ولعمرتهم. ذكروا عن أنس بن مالك خادم النبي عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : لبيك بالعمرة والحج جمعياً . تفسير : ذكر عمرو عن مجاهد قال: أهلّ الضبي بن معبد بالعمرة والحج فمرّ على سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وهو يلبي بهما فقالا: لهذا أضل أو أقل عقلاً من جَمَل أهله. فلما قدم على عمر ذكر ذلك له فقال: هُدِيت لسنة نبيك. قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} العامة على أن صيام ثلاثة أيام في الحج قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. ذكروا أن علياً قال: قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. ذكروا عن ابن عمر مثل ذلك. ذكروا عن الحسن وعطاء أنهما قالا: في العشرة. ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من يوم أن يُهِلَّ إلى يوم عرفة، فإن فاته ذلك صام أيَّام منى. ذكروا أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومَ النحر فقال: يا أمير المؤمنين، إني تمتّعت ولم أجد الهَدي ولم أَصُمْ. فقال: سَلْ في قومك، ثم قال: يا مُعَيْقِيبُ. أعطه شاة. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: يبيع ثيابه ويهريق دماً. قوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إذا رجع إلى أهله. ذكروا عن مجاهد قال: إن شاء صامها في الطريق. قوله: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي إذا عاقب. ذكروا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا أهل مكة، ليست لكم متعة، فإن كنتم فاعلين لا محالة فاجعلوا بينكم وبين مكة وادياً. ذكروا عن عطاء أنه قال: قدر ما تقصر إليه الصلاة فهو من حاضري المسجد الحرام. وتفسير ذلك أنه يقول: إذا كان من وراء ذلك كانت له المتعة. وقال عطاء: من كان منها على رأس ليلة فهو من حاضري المسجد الحرام.

اطفيش

تفسير : {وأنفِقُوا} من أموالكم. {فى سَبِيلِ اللّهِ}: الجهاد. لما أمرهم بالجهاد أمرهم بالإنفاق فى مصالحه لأنه إنما يتهيأ بالإنفاق، ويجوز أن يراد بسبيل الله: طاعة الله عموماً كالحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة على الناس والعيال والجهاد، وتجهيز الغزاة. روى البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من احتبس فرساً فى سبيل الله إيماناً واحتساباً لله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة"تفسير : ، وروى الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم. "حديث : الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فالذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله فأطال لها فى مرج أو فى روضة فما أصابت فى طيلها ذلك من المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعة طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواؤها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منهُ لم يرد أن تشر منهُ كان لهُ ذلك حسنات فهى له أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينس حق الله فى رقابها ولا فى ظهورها فهى له ستر، ورجل ربطها فخراً ورياءً ونواء لأهل الإسلام، فهى على ذلك وزر"تفسير : . وقال الربيع: أطال لها: أطال الحبل لها لتتمكن من الرعى، واستنت: مرحت تجرى، ولم ينس حق الله: لم يتركه، ولواءً لأهل الإسلام عداوة لهم، وروى خديم بن فاتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أنفق نفقة فى سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف"تفسير : أخرجه الترمذى والنسائى، وروى أبو صالح عن ابن عباس موقوفاً أنه قال تمنع فى سبيل الله ولو بسهم، وذكر بعضهم أن الله تعالى أعطاهم رزقاً ومالا فكانوا يغرون ولا ينفقون أموالهم فى سبيل الله فأمرهم الله بالإنفاق فيه. {ولا تُلْقَوا بأيدِيكُم إلىَ التَهْلُكةِ}: الباء صلة لتأكيد النهى والأيدى مفعول تلقوا بمعنى الأنفس، والمعنى لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، قال ابن هشام: تزاد الباء فى المفعول نحو ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. وقيل: ضمن تلقوا معنى تفضوا فليست زائدة، قال السهر لى وقيل: المراد لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، فحذف المفعول به والباء للآلة كما فى كتب بالقلم. أو المراد بسبب أيديكم كما يقال لا تفسد أمرك برأيك، وقيل: المعنى لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم، وهذا أيضاً على زيادة الباء، ومن ملك أمره لشئ صح أن يقال: ألقى أمره إلى ذلك الشئ، والإلقاء الطرح، وعدى بإلى لتضمنه معنى الإنهاء، والتهلكة والهلاك والهلك بمعنى حكاه الفارسى فى حلبياته عن أبى عبيدة، وقيل: التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه. والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه، وأصل التهلكة والهلاك والهلك انتهاء الشئ إلى الفساد وهو مصدر كالتضرة بفتح التاء وضم الضاد وتشديد الراء بمعنى الضرورة، وأصله التضررة باسكان الضاد وضم الراء الأول، نقلت ضمتها إلى الضاد وأدغمت فى الراء بعدها، وكالتسرة بفتح التاء وضم السين وتشديد الراء بمعنى السرور، وأصله التسرورة بإسكان السين فنقل وأدغم، كذلك حكى النظرة والتسرة سيبويه، ويحتمل أن يكون الأصل التهلكة بكسر اللام أبدلت كسرته ضمة كما قيل فى الجوار بالكسر الجوار بالضم. والنهى عن الإلقاء بالأيدى إلى التهلكة عام فى جميع الأبواب، ولو خص سبب النزول أو فسرها السلف فى خصوص فشمل ذلك ترك الجهاد فبذل المسلمون، وترك الإنفاق فيه فلا يتوصل إليه، وإنفاق المرء ماله كله فيحتاج وبخله فيهلك به دنيا وأخرى، ولذلك سمى البخل هلاكاً، وترك الكسب فإنه مخل بالمعاش، وحمل الرجل على عسكر من غير أن يترجح له فى ظنه أنه يقتل أحداً منهم أو اثنين فصاعداً، والوضوء والاغتسال بماء ضار لبرده أو حره أو مع مرض يضره الماء معه، والتطهر بماء وقد احتاج إليه لشربه أو طعامه، ولا غناء عنه أو احتاج إليه أحد أو دانته ونحو ذلك، وفى صحيح البخارى أن أبا أيوب الأنصارى كان على قسطنطينية فحمل رجل على عسكر العدو فقال قوم: ألقى هذا بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إن هذه الآية نزلت فى الأنصار حين أرادوا - لما ظهر الإسلام - أن يتركوا الجهاد ويعمروا أموالهم، وأما هذا فهو الذى قال الله تعالى فيه:{أية : وَمِنَ النَّاس مَنْ يَشْرِى نَفْسَه ابتْغاءَ مرْضَات الله}تفسير : وإنما قال أبو أيوب هذا لأنه رأى من الرجل إخلاصاً وشجاعة، وعلم منه أنه طمع فى نكاية العدو والتأثير فيهم، سواء يرجع أو يموت، وقال القوم ما قال عملا بظاهر الأمر كيف يصنع واحد فى عسكر، وروى أحمد والترمذى والحاكم، وصححاه عن أبى أيوب الأنصارى أنه قال: لما عزَّ الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فنزلت الآية، ولا شك أن ترك القتال يسلط العدو على إهلاك المسلمين، قال أبو عمران واسمه أسلم: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى غيرهم فضالة بن عبيدة، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس سبحان الله يلقى بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصارى فقال: أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، وآثرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسنا وأولادنا وأموالنا فقال: بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثَّرَ ناصريه، فلو قمنا فى أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وأنفِقوا فى سَبيلِ الله وَلاَ تُلْقوا بأيْديكم إلى التهلكة} وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً حتى دفن بأرض الروم. وذكر بعض أن هذا حديث غريب صحيح، ومات أبو أيوب فى آخر غزوة غزاها بأرض قسطنطينية، ودفن فى أصل سورها، فهم يتبركون بقبره ويستسقون به، قال مسلم بسنده عن أبى هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق"تفسير : قال ابن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن ابن عباس: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" النهى عن ترك الإنفاق فى سبيل الله قال ابن عباس: أنفق فى سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقل أحدكم لا أجد شيئاً، والسهم ما يرمى به، والمشقص سهم فيه نصل عريض فهو خاص، والسهم عام، وقيل: كان رجال يخرجون فى البعوث بغير نفقة فإما أن تنقطع بهم وإما أن يكونوا عالة، فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم فى سبيل الله، ومن لم يكن عنده شئ ينفقه على نفسه فى الغزو فلا يخرج لئلا يلقى نفسه فى التهلكة وهوله يهلك من الجوع والعطش والمشى، وقيل: الإلقاء إلى التهلكة أن يذنب الرجل ذنباً فيستعظمه فييأس من رحمة الله، فيترك العبادات وينهمك فى المعاصى، روى عن البراء بن عازب أنه قال: كان الرجل يذنب فيلقى بيده فيقول لا يغفر الله لى فلا يجاهد ولا يعمل ولا ينفق فى سبيل الله، وقال مجاهد: لا يمنعكم خوف الفقر من النفقة فى سبيل الله، يقولون: إن أنفقنا نهلك جوعا، أى لا تقولوا ولا تعتقدوا أن الإنفاق فى سبيل الله يفضى إلى الهلاك بالجوع، وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه لكم، وذكر الشيخ هود والبخارى عن حذيفة رضى الله عنه: أن الآية فى النفقة، أى لا تزعموا أن الإنفاق يفضى إلى الهلاك، وقال الحسن البصرى: ترك الإنفاق فى سبيل الله إلقاء بأيديكم إلى التهلكة، والتهلكة ما يهلكهم عند الله، واختاره الشيخ هود رحمه الله ونسب بعضهم قول مجاهد السابق إلى ابن عباس وحذيفة وجمهور الناس، وكلام الشيخ هود والبخارى عن حذيفة يحتمله. {وأحْسِنُوا إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}: أحسنوا بالإنفاق والجهاد وأدوا الفرائض إن الله يثيب المحسنين على إحسانهم، أو أحسنوا بالإنفاق على من لزمتكم نفقته، أو أحسنوا فى الإنفاق لا تنفقوا أموالكم كلها، ولا تمسكوا عن الإنفاق أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم، وَذكروا عن بعض الصحابة: أحسنوا فى أعمالكم بامتثال الطاعات. وقال زيد بن أسلم: أحسنوا فى الإنفاق فى سبيل الله وفى الصدقات، وقال عكرمة: أحسنوا الظن بالله عز وجل، وتقدم حديث: "حديث : أنا عند ظن عبدى"تفسير : . وروى مسلم عن جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل وفاته بثلاثة أيام: "حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله"تفسير : وأخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حسن عبادة المرء حسن ظنه"تفسير : . قال ابن عبد الحق فى العاقبة: أما حسن الظن بالله عز وجل عند الموت فواجب للحديث، والظاهر عندى أن الإحسان فى الآية على عمومه فى أنواعه وفى الفرض والنفل، قال أبو عمر بن عبد البر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل معروف صدقة"تفسير : قال أبو جزء الجهنى:حديث : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أوصنى. قال: "لا تستحقون شيئا من المعروف أن تأتيه ولو أن تفرغ من دلوك فى إناء المستسقى ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه . تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهل المعروف فى الدنيا أهل المعروف فى الآخرة"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله عباداً خلقهم الله لحوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة ".

اطفيش

تفسير : {وَأَنْفِقُواْ} أموالكم على أنفسكم، أكلا ولباسا لتقووا على الجهاد، وفى شراء الخيل ونفقتها، وآلتها للجهاد وشراء السلاح، وللزاد، وتجهيز الغزاء بقدر ما تطيقون، وفى صلة الرحم والمحتاج والحج والعمرة. وأهل الحاجة والعيال وجميع المصالح الدينية وكل ذلك فى سبيل الله كما قال {فِى سَبِيلِ اللهِ} ولو كان يتبادر هذا اللفظ فى الجهاد فيراد الكل ولو كان المراد بالذات فى المقام الجهاد، والآية أمر بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالجسد {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} لا تطرحوا أيديكم أو تفضوا بأيديكم، وسمى الطرح إلقاء لأنه تصيير الشىء، يلقى أى يصادف، والأيدى الأجساد لأنها بعضها الذى تدفع به وتجلب غالباً، وأقوى، أو لا تلقوا أيديكم منتهية أو منتهين {إِلَى التَّهْلكةِ} أى الهلاك أى المضرة الدنيوية وهى القتل، والأخروية وهى عذاب النار، ولا مصدر على هذا الوزن إلا تضره ولا تسره بمعنى الضرر والسرور فهن ثلاثة، وقيل الضم بدل من الكسر ولا داعى إلى إبدال الثقيل بالأثقل، وأما الجوار بالضم فلغة فى الجوار بالكسر لاتقل مع أن الضم أنسب بالواو، وأيضاً الفعلة بالكسر مقيس فى معلّ اللام، سماع فى الصحيح، كتجربة وتكملة، وقيل الهلاك ما يمكن التخلص منه والتهلكة ما لا يمكن التخلص منه، وزيادة الباء فى المفعول به قليلة، أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة، أى باختياركم فتأخذ التهلكة بها وتقبضها، فذكر الأيدى إشعار بالاختيار، وحذف المفعول، أو لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم، كما يقال فى العاجز ألقى بيده إلى عدوه، فإنك إذا تركتم الجهاد أو الإنفاق فيه أهلككم العدو بالقتل والتغلب، إذا تركوا الإنفاق فى الجهاد ضعف الجهاد فيئول إلى تركه وإلى غلبة العدو عليهم وقتلهم، قال أبو أيوب خالد بن زيد الأنصارى لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهلنا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت الآية، فيتحتمل أن سببها ما ذكره فتشمل بعموم اللفظ الإمساك عن الإنفاق، ولحب المال وذلك هلاك أخروى، وقد سمى البخل هلاكا لأنه سبب الهلاك، ويشمل الإسراف حتى يبقى بتكفف، ففى الإنفاق طرفان مذمومان، إفراط وهو الإسراف، وتفريط وهو الإمساك، نهى عنهما بقوله، وقاتلوهم، وفى رواية قالت الأنصار فيما بينهم: إن الله قد أعز دينه وكثر ناصره فلو قلنا له صلى الله عليه وسلم نقيم لإصلاح ما لنا وتدارك ما ضاع منها فنزلت الآية، واستدل بالآية على تحريم الإقدام إلى ما فيه الهلاك، وعلى جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين، وفسر بعض التهلكة بالدخول فى وسط العدو، وفسر بالبخل ونحو ذلك مما مر، والعبره بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو اشتغال الأنصار بأموالهم كما مر ومن مثل لها بمسلم دخل فى صف الروم وحده بعده صلى الله عليه وسلم لم يخطأ إلا إن قصرها على مثله {وَأَحْسِنُواْ} بالإنفاق، لا تتركوه ولا تسرفوا ولا تجعلوه فى المعصية، بل على أهلكم وقرابتكم وأهل الحاجة، وفى الجهاد فى سبيل الله وبأعمالكم وأحلاقكم {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أى يثيبهم على إحسانهم أو يعطيهم الخير، لأن من لازم الحب فى الشاهد فعل الخير.

الالوسي

تفسير : {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} عطف على {أية : قَاتَلُواْ} تفسير : [البقرة: 190] أي وليكن منكم إنفاق ما في سبيله {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} بترك الغزو والإنفاق فيه، فهو متعلق بمجموع المعطوف والمعطوف عليه نهياً عن ضدهما تأكيداً لهما، ويؤيد ذلك ما أخرجه غير واحد ـ عن أبـي عمران ـ قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم فحمل رجل من المسلمين حتى دخل فيهم، فقال الناس: ألقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معاشر الأنصار، إنا لما أعز الله تعالى دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد علينا ما قلنا وأنفقوا الخ، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو. وقال الجبائي: التهلكة الإسراف في الإنفاق، فالمراد بالآية النهي عنه بعد الأمر بالإنفاق تحرياً للطريق الوسط/ بين الإفراط والتفريط فيه، وروى البيهقي في «الشعب» ـ عن الحسن ـ أنها البخل لأنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد فيكون النهي مؤكداً للأمر السابق، واختار البلخي أنها اقتحام الحرب من غير مبالاة، وإيقاع النفس الخطر والهلاك، فيكون الكلام متعلقاً بـ {أية : ـقَاتَلُواْ} تفسير : [البقرة: 190] نهياً عن الإفراط والتفريط في الشجاعة، وأخرج سفيان بن عيينة وجماعة عن البراء بن عازب أنه قيل: له {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} هو الرجل يلقي العدو فيقاتل حتى يقتل، قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول: لا يغفر الله تعالى لي أبداً ـ وروي مثله عن عَبيدة السلماني ـ وعليه يكون متعلقاً بقوله سبحانه: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [البقرة: 192] وهو في غاية البعد، ولم أر من صحح الخبر عن البراء رضي الله تعالى عنه سوى الحاكم ـ وتصحيحه لا يوثق به ـ وظاهر اللفظ العموم ـ والإلقاء ـ تصيير الشيء إلى جهة السفل وألقى عليه مسألة مجاز، ويقال لكل من أخذ من عمل ألقى يديه إليه وفيه، ومنه قول لبيد في الشمس:شعر : حتى إذا (ألقت) يداً في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها تفسير : وعدي ـ بإلى ـ لتضمنه معنى الإفضاء أو الإنهاء ـ والباء ـ مزيدة في المفعول تأكيد معنى النهي، لأن ـ ألقى ـ يتعدى كما في {أية : فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَـاهُ }تفسير : [الشعراء: 45] وزيادتها في المفعول لا تنقاس، والمراد ـ بالأيدي ـ الأنفس مجازاً، وعبر بها عنها لأن أكثر ظهور أفعالها بها، وقيل: يحتمل أن تكون زائدة ـ والأيدي ـ بمعناها، والمعنى لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم قابضة إياها، وأن تكون غير مزيدة ـ والأيدي ـ أيضاً على حقيقتها ويكون المفعول محذوفاً أي: لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة وفائدة ذكر ـ الأيدي ـ حينئذ التصريح بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والاختيار، والتهلكة مصدر كالهلك والهلاك، وليس في كلام العرب مصدر على تفعلة ـ بضم العين ـ إلا هذا في المشهور، وحكى سيبويه عن العرب ـ تضرة وتسرة ـ أيضاً بمعنى الضرر والسرور، وجوز أن يكون أصلها ـ تهلكة بكسر اللام ـ مصدر هلك مشدداً كالتجربة والتبصرة فأبدلت ـ الكسرة ضمة ـ وفيه أن مجيء تفعلة ـ بالكسر ـ من فعل المشدد الصحيح الغير المهموز شاذ، والقياس تفعيل وإبدال ـ الكسرة بالضم من غير علة ـ في غاية الشذوذ، وتمثيله بالجوار ـ مضموم الجيم ـ في جوار مكسورها ـ ليس بشيء ـ إذ ليس ذلك نصاً في الإبدال لجواز أن يكون بناء المصدر فيه على فعال ـ مضموم الفاء شذوذاً ـ يؤيده ما في «الصحاح» جاورته مجاورة وجواراً وجواراً ـ والكسر أفصح، وفرق بعضهم بين التهلكة والهلاك بأن الأول: ما يمكن التحرز عنه، والثاني: ما لا يمكن، وقيل: الهلاك مصدر والتهلكة نفس الشيء المهلك، وكلا القولين خلاف المشهور، واستدل بالآية على تحريم الإقدام على ما يخاف منه تلف النفس، وجواز الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين {وَأَحْسِنُواْ} أي بالعود على المحتاج ـ قاله عكرمة ـ وقيل: أحسنوا الظن بالله تعالى وأحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات ولعله أولى. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} ويثيبهم.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة معطوفة على جملة { أية : وقاتلوا في سبيل الله } تفسير : [البقرة: 190] الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين. ووجه الحاجة إلى هذا الأمر. مع - أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع ــــ تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيماناً بالله وثقة به، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيراً بقوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها، فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى { أية : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هٰهنا قاعدون } تفسير : [المائدة: 24] فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم، ولم يفرطوا في شيء ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم، ومؤيدهم فيما لا قبل لهم بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر هم أذلة، إذ هم يؤمئذٍ جملة المسلمين وإذ لم يقصروا في شيء، فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم، ويفيتون الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر فأولئك قوم مغرورون، ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم، ولعله يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين. والإنفاق تقدم في قوله تعالى: { أية : ومما رزقناهم ينفقون } تفسير : [البقرة: 3]. و (سبيل الله) طريقه، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعيَّن أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد، وقد غلب (سبيل الله) في اصطلاح الشرع في الجهاد. أي القتال للذب عن دينه وإعلاء كلمته، و (في) للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء العَتاد، والخيل، والزاد، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست (في) هنا مستعملة للتعليل. وقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} عطف غرض على غرض، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد. والإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمى إليه بإلى وإلى المرمى فيه بفي. والظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره، وأن الباء زائدة لتوكيد اتصال الفِعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد «أَعطى بيده» أي أعطى يده لأن المستسلم في الحرب ونحوه يُشَد بيده، فزيادة الباء كزيادتها في { أية : وهُزى إليك بجِذْع النخلة } تفسير : [مريم: 25] وقول النابغة شعر : : لَك الخَيْرُ إِنْ وارتْ بك الأرضُ وَاحِدا تفسير : والمعنى ولا تعطوا الهلاكَ أيديَكم فيأخذكم أخذ الموثَقِ، وجعل التهلكة كالآخِذِ والآسِرِ استعارة بجامع الإحاطة بالملقى، ويجوز أن تُجعل اليد مع هذا مجازاً عن الذات بعلاقة البعضية لأن اليد أَهم شيء في النفس في هذا المعنى، وهذا في الأمرين كقول لبيد شعر : : حَتَّى إذَا أَلْقَتْ يَداً في كَافِرٍ تفسير : أي ألقت الشمس نفسها. وقيل الباء سببية والأيدي مستعملة في معنى الذات كناية عن الاختيار والمفعول محذوف أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة باختياركم. والتهلكة بضم اللام اسم مصدر بمعنى الهلاك، وإنما كان اسم مصدر لأنه لم يعهد في المصادر وزن التَّفْعلة بضم العين وإنما في المصادر التفعلة بكسر العين لكِنَّه مصدرُ مضاعفِ العين المعتل اللام كزكَّى وغطَّى، أو المهموز اللام كَجزَّأَ وهيأ، وحكى سيبويه له نظيرين في المشتقات التَّضُرَّة والتَّسُرَّة بضم العين من أضر وأَسر بمعنى الضُّر والسُّرور، وفي الأسماء الجامدة التَّنْضُبة والتَّتْفُلة (الأول اسم شجر، والثاني ولَدُ الثعلب). وفي «تاج العروس» أن الخليل قرأها (التهلِكة) بكسر اللام ولا أحسب الخليل قرأ كذلك؛ فإن هذا لم يرو عن أحد من القراء في المشهور ولا الشاذ فإن صح هذا النقل فلعل الخليل نطق به على وجه المثال فلم يضبط من رواه عنه حق الضبط، فإن الخليل أجل من أن يقرأ القرآن بحرف غير مأثور. ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القومِ عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنَى منه المقصودُ. وعُطِف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الأمر به فإنَّ ترك الإنفاق في سبيل الله والخروجَ بدون عُدة إلقاءٌ باليد للهلاك كما قيل شعر : كساعٍ إلى الهَيْجَا بغير سِلاَح تفسير : فلذلك وجب الإنفاق، ولأن اعتقاد كفاية الإيمان بالله ونصر دينه في هزم الأعداء اعتقادٌ غير صحيح، لأنه كالذي يلقي بنفسه للهلاك ويقول سينجيني الله تعالى، فهذا النهي قد أفاد المعنيين جميعاً وهذا من أبدع الإيجاز. وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة وإن لم إلاَّ يكز سهم أو مشقص فأتِ به. وقد قيل في تفسير {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} أقوال: الأول أَنَّ {أنفقوا} أمرٌ بالنفقة على العيال، والتهلكة: الإسراف فيها أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة، ويبعده قوله {في سبيل الله} وأن إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد. الثاني أنها النفقة على الفقراء أي الصدقة والتهلكة الإمساك وببعده عدم مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك. الثالث الإنفاق في الجهاد، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد. الرابع الإلقاء باليد إلى التهلكة: الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر. الخامس أنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم. روى الترمذي عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم (القسطنطينية) فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو اهــــ، والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة. ووقوع فعل {تلقوا} في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهياً عنه محرماً ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدماً على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك. فالتفريط في الاستعداد للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة، وإلقاء بالأمة والدين إليها بإتلاف نفوس المسلمين. وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي أيوب وهو اقتحام الرجل الواحد على صف العدو فقال القاسم بن محمد (من التابعين) وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد (من المالكية) ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: لا بأس بذلك إذا كان فيه قوة وكان بنية خالصة لله تعالى وطمع في نجاة أو في نكاية العدو أو قصد تجرئة المسلمين عليهم، وقد وقع ذلك من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن كذلك كان من الإلقاء إلى التهلكة. وقوله تعالى: {وأحسنوا} الإحسان فعل النافع الملائم، فإذا فعل فعلاً نافعاً مؤلماً لا يكون محسناً فلا تقول إذا ضربت رجلاً تأديباً: أحسنت إليه ولا إذا جاريته في ملذات مضرة أَحسنت إليه، وكذا إذا فعل فعلاً مضراً ملائماً لا يسمى محسناً. وفي حذف متعلق {أحسنوا} تنبيه على أن الإحسان مطلوب في كل حال ويؤيده قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: « حديث : إن الله كتب الإحسان على كل شيء ». تفسير : وفي الأمر بالإحسان بعد ذكر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة إشارة إلى أنّ كلّ هاته الأحوال يلابسها الإحسان ويحفّ بها، ففي الاعتداء يكون الإحسان بالوقوف عند الحدود والاقتصاد في الاعتداء والاقتناع بما يحصل به الصلاح المطلوب، وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرفق بالأسير والمغلوب وبحفظ أموال المغلوبين وديارهم من التخريب والتحريق، والعرب تقول: «ملكت فأسجح»، والحذر من الإلقاء باليد إلى التهلكة إحسان. وقوله: {إن الله يحب المحسنين} تذييل للترغيب في الإحسان، لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا وآخرة، واللام للاستغراق العرفي والمراد المحسنون من المؤمنين.

القطان

تفسير : التهلكة: الهلاك والمراد به هنا التقصير في بذل المال استعداداً للجهاد. لم يكن في بدء الاسلام جنود يأخذون رواتب، بل تطوُّع بالنفس وتطوع بالمال. وكان كثير من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد يأتون الى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه ان يزودهم بدابة تنقلهم، فاذا لم يجد ما يحملهم عليه {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ...} حزنا، حيث لم يجدوا ما ينفقون. فالله سبحانه وتعالى يعلّمنا في هذه الآية الكريمة درسا عظيماً. حيث يقول: وانفقوا الأموال في الإعداد للقتال في سبيل الله، ولا تقعدوا عنه، فانكم ان تقاعدتم وبخلتم ـ رَكبَكُم العدو وأذلّكم، فكأنما ألقيتم بأيديكم الى الهلاك. وهذا ما قاله الصحابي الجليل أبو أيوب الانصاري كما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه قال: "انما نزلت هذه الآية فينا معشر الانصار لمّا اعز الله الاسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً: ان أموالنا قد ضاعت وان الله قد أعزّ الاسلام، وكثر ناصروه، فلو قمنا فأصلحنا ما ضاع منها. فانزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ...} فما زال ابو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى مات في القسطنطينية ودُفن بها، وقبره عليه مسجد معروف فيها الى اليوم. فالجهاد بالمال أمر مهم، بل هو أساس كبير في دعم الجهاد والمحافظة على كيان الأمة. في الآيات التي مرت معنا تحددت النقاط التالية: (1) شُرع القتال لدفع الأعداء، لا لذاته، ولا لحمل الناس على الاسلام. (2) النهي عن الاعتداء فلا يُقتل من لا يحمل سلاحا ولا من استسلم، ولا تخرَّب الدور على أهلها، ولا تهدّم المدن. (3) ملاحظة الفضيلة التي دل عليها الامر بالتقوى، فلا تُنتهك الاعراض، ولا يمثّل بقتيل. (4) ان القتال ينتهي اذا انتهى المشركون عن فتنة المؤمنين في دينهم. (5) لا قتال في الأشهر الحرم، فاذا اعتدى المشركون وقاتلوا وجب قتالهم. (6) ان ترك الأعداء يقتلون بعضنا من غير ان نقاتلهم لهو هلاكٌ لنا. وهذا ما هو جار الآن بيننا وبين اليهود: يعتدون ويقاتلون ونحن واقفون ننظر ويلوم بعضنا بعضا. فاذا دققنا النظر في هذه المبادىء نجد ان حرب الاسلام فاضلة في بواعثها، وعادلة في سيرها ومراميها.

د. أسعد حومد

تفسير : (195) - بَذَلَ الأَنْصَارُ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ، وَآوَوا المُهَاجِرِينَ وَسَاعَدُوهُمْ، فَلَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، قَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ لِبَعْضٍ: لَوْ أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَأَصْلَحُوهَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. وَفِيها يُبَيِّنُ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ، وَإِصْلاَحَهَا، وَتَرْكَ الغَزْوِ وَالجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبيل الله ... فِيهِ التَّهْلُكَةُ. فَعَادُوا إِلى الجِهَادِ، وَإِلى إِنْفَاقِ أَمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ، وَفِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ. وَأَخْبَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ تَرْكَ الجِهَادِ، وَتَرْكَ الإِنْفَاقِ، فِيهِ هَلاَكٌ وَدَمَارٌ لِمَنْ لِزِمَهُ وَاعْتَادَهُ، فَإِذا بَخِلَ المُؤْمِنُونَ، وَقَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ رَكِبَهُمْ أًعْدَاؤُهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَلْقَوا بِأَيْدِيهِمْ إِلى التَّهْلُكَةِ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ بِأَنْ يُحْسِّنُوا كُلَّ أَعْمَالِهِمْ، وَأَنْ يُجَوِّدُوهَا، وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ التَّطَوُعُ بِالإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ لِنَشْرِ الدَّعْوَةِ. التَّهْلُكَةِ - الهَلاَكِ بِتَرْكِ الجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه الآية جاءت بعد آيات القتال، ومعناها: أعدوا أنفسكم للقتال في سبيل الله. وقوله الحق: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] تقتضي منا أن نعرف أن كلمة "تهلكة" على وزن تَفْعُله ولا نظير لها في اللغة العربية إلا هذا اللفظ، لا يوجد على وزن تَفْعُلة في اللغة العربية سوى كلمة "تهْلُكة"، والتهلكة هي الهلاك، والهلاك هو خروج الشيء عن حال إصلاحه بحيث لا يُدرى أين يذهب، ومثال ذلك هلاك الإنسان يكون بخروج روحه. والحق يقول: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..}تفسير : [الأنفال: 42]. فالهلاك ضد الحياة، وعلى الإنسان أن يعرف أن الحياة ليست هي الحس والحركة التي نراها، إنما حياة كل شيء بحساب معين فحياة الحيوان لها قانونها، وحياة النبات لها قانونها، وحياة الجماد لها قانونها، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى جعل "يهلك" أمام "يحيى" وهو سبحانه القائل: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..}تفسير : [القصص: 88]. فلسنا نحن فقط الذين يهلكون، ولا الحيوانات، ولا النباتات وإنما كل شيء بما فيه الجماد، كأن الجماد يهلك مثلنا، وما دام يهلك فله حياة ولكن ليست مثل حياتنا، وإنما حياة بقانونه هو، فكل شيء مخلوق لمهمة يؤديها، فهذه هي حياته. وقوله الحق: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] يكشف لنا بعضاً من روائع الأداء البياني في القرآن؛ ففي الجملة الواحدة تعطيك الشيء ومقابل الشيء، وهذا أمر لا نجده في أساليب البشر؛ فالحق في هذه الآية يقول لنا: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 195] أي أنفقوا في الجهاد، كما يقول بعدها: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] لماذا؟ لأن الإنفاق هو إخراج المال إلى الغير الذي يؤدي لك مهمة تفيد في الإعداد لسبيل الله، كصناعة الأسلحة أو الإمدادات التموينية، أو تجهيز مبانٍ وحصون، هذه أوجه إنفاق المال. والحق يقول: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. وكلمة "ألقى" تفيد أن هناك شيئاً عالياً وشيئاً أسفل منه، فكأن الله يقول: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وهل سيلقى الواحد منا نفسه إلى التهلكة، أو أن يلقي نفسه في التهلكة بين عدوه؟ لا، إن اليد المغلولة عن الإنفاق في سبيل الله هي التي تُلقي بصاحبها إلى التهلكة؛ لأنه إن امتنع عن ذلك اجترأ العدو عليه، وما دام العدو قد اجترأ على المؤمنين فسوف يفتنهم في دينهم، وإذا فتنهم في دينهم فقد هلكوا، إذن فالاستعداد للحرب أنفى للحرب، وعندما يراك العدو قوياً فهو يهابك ويتراجع عن قتالك. والحق سبحانه - كما يريد منا في تشريع القتال أن نقاتل - يأمرنا أن نزن أمر القتال وزناً دقيقاً بحسم، فلا تأخذنا الأريحية الكاذبة ولا الحمية الرعناء، فيكون المعنى: ولا تقبلوا على القتال إلا إن كان غالب الظن أنكم ستنتصرون، فحزم الإقدام قد يطلب منك أن تقيس الأمور بدقة، فالشجاعة قد تقتضي منك أن تحجم وتمتنع عن القتال في بعض الأحيان، لتنتصر من بعد ذلك ساعة يكمل الإعداد له. والمعنى الأول يجعلك تنفق في سبيل الله ولا تلقي بيدك إلى التهلكة بترك القتال. والمعنى الثاني أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بأن تقبلوا على القتال بلا داع أو بلا إعداد كافٍ. إن الحق يريد من المؤمنين أن يزنوا المسائل وزناً يجعلهم لا يتركون الجهاد فيهلكوا؛ لأن خصمهم سيجترئ عليهم، ولا يحببهم في أن يلقوا بأيديهم إلى القتال لمجرد الرغبة في القتال دون الاستعداد له. وهذا هو الحزم الإيماني، إنها جملة واحدة أعطتنا عدة معان. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] الحق يقول: {وَأَحْسِنُوۤاْ} [البقرة: 195]. والإحسان كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن تعبد الله - أي تطيع أوامره - كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". تفسير : مشكلة الناس هذه الأيام أنهم يتشبهون بـ"فإنه يراك"، فعملوا الدوائر التليفزيونية المغلقة في المحلات الكبرى حتى تتم مراقبة سير العمل في أرجاء المحل، هذه فعل البشر. لكن انظر إلى تسامي الإيمان، إنه يأمرك أنت أن ترى الله، فلا تؤد العمل أداء شكلياً يرفع عنك العتب، بل عليك أن تؤدي العمل بقصد الإحسان في العمل. والإحسان في كل شيء هو إتقانه إتقاناً بحيث يصنع الإنسان لغيره ما يحب أن يصنعه غيره له، ولو تعامل الناس على هذا الأساس لامتازت كل الصناعات، لكن إذا ساد الغش فأنت تغش غيرك، وغيرك يغشك، وبعد ذلك كلنا نجأر بالشكوى، وعلينا إذن أن نحسن في كل شيء: مثلاً نحسن في الإنفاق، ولن نحسن في الإنفاق إلا إذا أحسنا في الكدح الذي يأتي بثمرة ما ننفق؛ لأن الكدح ثمرته مال، ولا إنفاق إلا بمال، فتخرج من عائد كدحك لتصرفه في المناسب من الأمور. ودائرة الإحسان لا تقتصر على القتال فقط، فالأمر هنا عام، ولا تعتقد أنه أمر في زاوية من زوايا الدين جاءت لتخدم جزئية من جزئيات الحياة، إنما كل زاوية من زوايا الدين جاءت لتخدم كل جزئيات الحياة، فالإحسان إذا كان بالمال فهذا يقتضي أن يحسن الإنسان الحركة في الأرض، ويعمل عملاً يكفيه ويكفي مَنْ يعول، ثم يفيض لديه ما يحسن به. إذا لم يتوافر المال، فعليك أن تُحسن بجاهك وتشفع لغيرك، والجاه قد قوّمه الإسلام أي جعل له قيمة، فعلى صاحب الجاه أن يشفع بجاهه ليساعد أصحاب الحقوق في الحصول على حقوقهم، وعلى الوجيه أيضاً أن يأخذ الضعيف في جواره ويحميه من عسف وظلم القوي، وعليه بجاهه أن يقيم العدل في البيئة التي يعيش فيها. والوجاهة تعني أن يكون للإنسان احترام أو وزن أو تقدير، وهذه الأشياء لها مسبقات في إحسان الشخص، لا يأخذها بلا سبب، إنما سبقها عمل جعل له وجاهة عند الناس. فالناس في العادة لا يحترمون إلا من يكون له لون من الفضل عليهم، فكأنه احترام مدفوع الثمن، وليس احتراماً مجانيّاً. وقد يكون الإحسان بالعلم. أو بفضل القوة، بإعانة الضعيف. أو بإكساب الخبرة للآخرين. أو بتفريج كربة عن مسلم. إذن وجوه الإحسان في الأشياء كثيرة، وكلها تخدم قضية الإيمان. وعندما يرى الكافر المؤمنين وكل واحد منهم يحسن عمله فإن ذلك يغريه بالإيمان. وإذا سألنا: ما الذي زهد دنيانا المعاصرة في ديننا؟ فسوف نجد أن العالم ينظر إلى دين الله من خلال حركة المسلمين، وهي حركة غير إسلامية في غالبيتها. صحيح أن بعضاً من عقلاء الغرب وفلاسفته لا يأخذون الدين من حركة المسلمين، وهذا منتهى العدالة منهم لأنه ربما كان بعض المسلمين غير ملتزم بدينه، فلا يأخذ أحد الإسلام منه لمجرد أنه مسلم. وأتباع الديانات الأخرى يعرفون أن هناك أفعالاً جرمها دينهم. وما دام هناك أفعال جرمها الدين وسن لها عقوبة فذلك دليل على أنها قد تقع، فأنت عندما ترى شخصاً ينتسب إلى الإسلام ويسرق، هل تقول: إن المسلمين لصوص لا، إن عليك أن تنظر إلى تشريعات الإسلام هل جرمت السارق أو لم تجرمه؟ فلا يقولن أحد: انظر إلى حال المسلمين، ولكن لننظر إلى قوانين الإسلام، لأن الله قدر على البشر أن يقوموا بالأفعال حسنها وسيئها، ولذلك أثاب على العمل الصالح وعاقب على العمل السيىء. والعقلاء والمفكرون يأخذون الدين من مبادئ الدين نفسه، ولا يأخذونه من سلوك الناس، فقد يجوز أن تقع عين المراقب على مُخالف في مسألة يحرمها الدين، فلا تأخذ الفعل الخاطئ على أنه الإسلام وإنما خذه على أنه خارج على الإسلام. وساعة يرانا العالم محسنين في كل شيء فنحن نعطيهم الأسوة التي كان عليها أجدادنا، وجعلت الإسلام يمتد ذلك المد الخرافي الأسطوري حتى وصل في نصف قرن إلى آخر الدنيا في الشرق، وإلى آخرها في الغرب، وبعد ذلك ينحسر سياسياً عن الأرض، ولكن يظل كدين، وبقى من الإسلام هذا النظام الذي يجذب له الناس. إن الإسلام له مناعة في خميرته الذاتية إنه يحمل مقومات بقائه وصلاحيته، وهو الذي يجذب غير المسلمين له فيؤمنون به، وليس المسلمون هم الذين يجذبون الناس للإسلام. ولذلك أقول: لو أن التمثيل السياسي للأمم الإسلامية في البلاد غير الإسلامية المتحضرة قد أخذ بمبادئ الإسلام لكان أسوة حسنة. وانظر إلى عاصمة واحدة من عواصم الدول الغربية تجد فيها أكثر من ثلاث وستين سفارة إسلامية، وكل سفارة يعمل فيها جهاز يزيد على العشرين، هب أن هؤلاء كانوا أسوة إسلامية في السلوك والمعاملات في عاصمة غير إسلامية، حينئذ يجد أهل ذلك البلد جالية إسلامية ملتزمة ولم تفتنها زخارف المدنية: لا يشربون الخمر، ولا يراقصون، ولا يترددون على الأماكن السيئة السمعة، ولا تتبرج نساؤهم، بالله ألا يلفت النظر سلوكُ هؤلاء. لكن ما يحدث - للأسف - هو أن أهل الغرب - على باطلهم - غلبوا بني الإسلام - على حقهم - وأخذوهم إلى تحللهم، وهذا الاتباع الأعمى يجعل الغربيين يقولون: لو كان في الإسلام مناعة لحفظ أبناءه من الوقوع فيما وقعنا فيه. إذن الإحسان من المسلمين أكبر دعاية ودعوة إلى دين الإسلام. إن الحق يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] والحب كما نعرفه هو ميل قلب المحب إلى المحبوب، وذلك الأمر يكون بالنسبة للبشر، لكن بالنسبة للحق هو تودد الخالق بالرحمة والكرامة على المخلوق، والحق سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يكونوا على خُلقه، فكما أن الله أحسن كل شيء خلقه {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} تفسير : [السجدة: 7] يريد من عباده وقد تفضل عليهم بالعقل المفكر فيخطط، وبالطاقات فتبرز التفكير إلى عمل يريد الحق منا أن يكون رائدنا في كل عمل أن نحسنه؛ حتى نكون متخلقين بأخلاق الله، فتشيع كلمة "الله" هذا اللفظ الكريم الذي يستقبل به الإنسان كل جميل في أي صنعة فيقول: "الله". إذن تشيع كلمة "الله" نغمة في الوجود تعليقاً على كل شيء حسن، حتى الذي لا يؤمن بذلك الإله يقول أيضاً: "الله"، كأن الفطرة التي فطر الله الناس عليها تنطق بأن كل حسن يجب أن يُنسب إلى الله سواء كان الله هو الذي فعل مباشرة كالأسباب والكونيات والنواميس، أو خلق الذي فعل الحسن، فكل الأمور تؤول إلى الله. ولو علم الذين لا يحسنون أعمالهم بماذا يحرمون الوجود لتحسروا على أنفسهم، وليتهم يحرمون الوجود من كلمة "الله"، ولكنهم يجعلون مكان "الله" كلمة خبيثة فيشيعون القبح في الوجود، وحين يشيع القبح في الوجود يكون الإنسان في عمومه هو الخاسر. فقول الله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] تشجيع لكل من يلي عملاً أن يحسنه ليكون على أخلاق الله. وبعد ذلك يقول الحق: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن / 5ظ / [عطاءِ بن السائب] عن سعيد بن جبير في قوله: {لاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [الآية: 195]. [يعني]: ترك النفقة في سبيل الله. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [الآية: 195] يقول: لا يمنعكم النفقة في حق، خيفة العيلة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} يعني أَمروا به فيهما. {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [الآية: 196]. يعني بمرض أَو حبس أَو كسر أَو بأَمر يعذر به، ولا يحلق رأْسه ولا يحل إِلى يوم النحر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} فادّهن أَو تداوى أَو اكتحل أَو كان {بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} أَو غيره فحلق {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} وهو ثلاثة أَيام {أَوْ صَدَقَةٍ} وهو فرق بين ستة مساكين، {أَوْ نُسُكٍ} [الآية: 196]، وهو شاة بمكة أَو بمنى. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: حدثني عبد الرحمن بن أَبي ليلى، حديث : عن كعب بن عجرة، أَن رسول الله، صلى الله عليه وسلم رآه والقمل يسقط على وجهه. فقال له: أَيؤذيك هوامك؟. قال: نعم. فأَمره أَن يحلق. قال: وهم بالحديبية لم يتبين لهم أَنهم يحلقون بها، وهم وهم على طمع من دخول مكة, فأَنزل الله عز وجل الفدية. فأَمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أَن يطعم فرقا بين ستة مساكين، أَو يصوم ثلاثة أَيام، أَو ينسك بشاة تفسير : [الآية: 196]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا وقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد وعطاءٍ بن أَبي رباح عن ابن عباس قال: الحصر حصر العدو فيبعث بهديه إِن كان لا يصل إِلى البيت من العدو، فإن وجد من يبلغها عنه إِلى مكة، بعثها وأَقام مكانه على إِحرامه، وواعده فإن أَمن، فعليه أَن يحج ويعتمر فإِن أَصابه مرض يحبسه، وليس معه هدي، حل حيث حبس. وإِن كان معه هدي، لا يحل حتى يبلغ محله. وليس عليه أَن يحج [من] قابل ولا يعتمر إلاَّ أَن يشاء. قال ابن أَبي نجيح: وسمعت عطاءَ بن أَبي رباح يقول: من حبس في عمرته فبعث بهديه، فعرض لها فإِنه يتصدق ويصوم. ومن اعترض لهديه وهو حاج فإِن محل الهدي يوم النحر [الآية: 196]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} [الآية: 196]. يقول: من اعتمر من يوم الفطر إِلى يوم عرفة، فما استيسر من الهدي. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ}. يعني: الهدي. {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} آخرهن يوم عرفة وسبعة إِذا رجع حيث كان، {ذٰلِكَ / 6و / لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [الآية: 196]. يقول: على من حج، الهدي من الغرباءِ. وليس على أَهل مكة هدي إِذا اعتمروا.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ التَّهْلُكَةُ: الهَلاكُ. يقالُ هَلاكٌ وهُلْكٌ. وأَرادَ بِهِ تَركَ النَفَقَةِ فِي سَبِيلِ الله. ويقالُ: أَرادَ القنوطَ ومثلُهُ قَولُهُ: {أية : لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 53]

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة الأخلاٌ الموضوعة فيم: الإنفاق في فواضيل أمولكم إلى الفقراء والمساكين الذين أسكنهم الاحتياج والإسكان في زواية الخمول {أَنْفِقُواْ} أيها المؤمنون {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مقتصدين فيه بين طرفي التبذير والتقتير المذمومين عند الله وعند المؤمنين {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} أنفسكم {إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} والمشقة بالإسراف والتضييع أو بالبخل والتقتير؛ إذ بالبخل تبقى النفس في ظلمة الإمكان وتوطن في وحشة الحرمان والخذلان {وَ} من جملة أخلاقكم الإحسان {أَحْسِنُوۤاْ} أيها المتوجهون إلى فضاء التوحيد أخلاقكم وأعمالكم وجميع أوصافكم؛ إذ ما من نبي ولا وليذٍ إلا هو مجبول على حسن الأخلاق والشيم المقتبسة من أخلاق الله سبحانه، لذلك استحقوا الخلافة والنيبة {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] المتفضلين بالأموال والأعمال. {وَ} من الأركان المفروضة في دينكم أيها المحمديون {أَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ} أي: الخصائل والسنك المحفوظة المفروضة فيه، وإن أدى إلى المقاتلة والمشاجرة {وَٱلْعُمْرَةَ} الأمور المسنونة فيه {للَّهِ} قاصدين التقرب إليه والتوجه إلى بابه؛ إذ الحج الحقيقي هو الوصول إلى الكعبة الحقيقية التي هي الذات الأحدية {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} مُنعتم وحبستم بعدما أحرمتم للحج والعمرة من الوصول إلى المقيات، وتتميم الواجبات {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} أي: فعليكم إذا أردتم التحلل والخروج من الإحرام، ذبح ما تيسر لكم حصوله من الهدي المحلل، مثل البقرة والبدنة والشاة وغيرها بحسب طاقتكم وقدرتكم، بأن تبعثوها إلى الحرم أو تذبوحها حيث أحصتم {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ} أيها المحصورون المريدون التحلل {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} المبعوث إليه، أو تذبحونه في المكان المحصور فيه، والحاصل ألاَّ تحلقوا رءوسكم قبل ذبح الهدي أو قبل وصولها إلى الحرم. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} أزداد بشعر الرأس {أَوْ بِهِ أَذًى} ناشئاً {مِّن} شعر {رَّأْسِهِ} من تزاحم قمل أو صداع مفرطٍ أو جرب مشوش وحلق لأجله {فَفِدْيَةٌ} أي فاللازم عليه الفدية سواء كان {مِّن صِيَامٍ} مقدر بثلاثة أيام للفقراء العاجزين عن غيره {أَوْ صَدَقَةٍ} مقدرة بثلاثة آصع من الطعام للمتوسطين {أَوْ نُسُكٍ} من بدنة أو بقرة أو شاة للأغنياء على اختلاف طبقاتهم {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} أي: إذا أحرمتم للحج حال كونكم آمنين من الموانع من إحصار العدو والمرض العارض ونزول الحادثة وغير ذلك من العوائق، فعليكم إتمام نسكه على الوجه الذي أمرتم به بلا إهمال شيء من آدابه المحفوظة فيه. {فَمَن تَمَتَّعَ} تقرب إلى الله {بِٱلْعُمْرَةِ} من أشهر الحج قبل تقربه إليه بالحج، وبعد ما تم مناسك عمرته قصد {إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ} أي: فعليه ما استيسره {مِنَ ٱلْهَدْيِ} ويقال له عند الفقهاء: دم الجبران، يذبح حين أحرم للحج ولا تأكلوا منه {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الهدي منكم لفقره {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي} زمان {ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أوطانكم وأهليكم؛ إذ الصوم فيها خصوصاً في أيام الحج من أصعب المشاق المفضي إلى الحرج {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} قائمة مقام الهدي للفقراء الغرباء الفاقدين وجه الهداية، وإنما أمرتم بصوم ثلاثة فيها؛ لئلا تحرموا عن إتمام متممات الحج في أوقاته {ذٰلِكَ} الحكم المذكور {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي: من جملة المتوطنين فيها، أو في حواليها أقل من مقدار مسافة القصر {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في محافظة أوامره التعبدية {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع بضمائر المتهاونين في أوامره {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 196] إذ أكثر الأمور الشرعية والعزائم الدينية تعبدي لا يدرك سره، خصوصاً الأعمال المنسوبة إلى الحج.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله، وهي كل طرق الخير، من صدقة على مسكين، أو قريب، أو إنفاق على من تجب مؤنته. وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فإن النفقة فيه جهاد بالمال، وهو فرض كالجهاد بالبدن، وفيها من المصالح العظيمة، الإعانة على تقوية المسلمين، وعلى توهية الشرك وأهله، وعلى إقامة دين الله وإعزازه، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة، فالنفقة له كالروح، لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله، إبطال للجهاد، وتسليط للأعداء، وشدة تكالبهم، فيكون قوله تعالى: { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } كالتعليل لذلك، والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك، ترك الجهاد في سبيل الله، أو النفقة فيه، الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف، أو محل مسبعة أو حيات، أو يصعد شجرا أو بنيانا خطرا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه، ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة الإقامة على معاصي الله، واليأس من التوبة، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض، التي في تركها هلاك للروح والدين. ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان، أمر بالإحسان عموما فقال: { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم. ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك، الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضا، الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك ". فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: {أية : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } تفسير : وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره. ولما فرغ تعالى من [ذكر] أحكام الصيام فالجهاد، ذكر أحكام الحج فقال: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 68 : 28 - سفين عن أبي عمر عن أبي وائل عن حذيفة في قوله جل وعز {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال، الا تنفق. [الآية 195]. 69 : 31 - سفين عن عثمن بن الأسود عن مجاهد في قوله جل وعز {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال، ليس ذلك في القتال، ولكن في النفقة. اذا لقيت العدو فقاتلهم. 70 : 32 - سفين عن منصور عن أبي صالح عن بن عباس في قوله تبارك وتعالى {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال، أنفق ولو بمشقص في سبيل الله. 71 : 85 - سفين عن أبي يونس عن مجاهد قال، إذا كان في يد أحدكم ما يقيمه فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولا تناول هذه الآية {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}تفسير : [سبأ: 39] [الآية 195]. 72 : 44 - سفين ثنا بعض أشياخنا في قول الله تبارك وتعالى {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} قال، أحسنوا بالله الظن. [الآية 195].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [195] 47- أنا محمد بن حاتم بن نُعيم، أنا حِبان، أنا عبد الله، عن زائدة، عن الرُّكين بن الربيع، عن الربيع بن عَمِيلة، عن يُسير بن عَمِيلة، عن خُرَيم بن فاتك الأسدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتب له بسبع مائة ضعف ". تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } [195] 48- أنا عبيد الله بن سعيد، عن حديث أبي عاصم، عن حيوة بن شُريح قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: حدثني أسلم أبو عمران قال: قال أبو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لما أعزَّ الله الإسلام/، وكثَّر ناصريه قال بعضنا لبعض سرًّا بيننا: إن الله جل وعزَّ أعزَّ الإسلام وكثَّر ناصريه، فلو أقمنا في أموالنا، وأصلحنا منها، فأنزل الله جل وعزَّ، ورد ذلك علينا {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} فكانت التهلُكة: الإقامة في أموالنا. 49- أنا محمد بن حاتم، أنا حبان، أنا عبد الله، عن حيوة، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، نا أسلم أبو عمران قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عُقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج من المدينة صفٌّ عظيم من الروم، وصففنا لهم صفا عظيما من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بهم، ثم خرج إلينا مقبلا، فصاح الناس، فقالوا: سبحان الله، الفتى ألقى بيده إلى التهلُكة، فقال أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، إنكم تتأوَّلون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله دينه، وكثَّر ناصريه، قلنا بيننا بعضنا لبعض سرًّا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها، وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تبارك وتعالى في كتابه يرد علينا ما هممنا به قال، {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} فكانت التهلُكة: الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا فنصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى قُبض.

همام الصنعاني

تفسير : 201- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}: [الآية: 195]، قال، يقول: لا تمسكوا بأيْديكم عن النَّفقة في سبيلِ الله. 202- عبد الرزاق، قال: معمر، وأخبرني أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: هي في الرجل يُصيب الذَّنب العظيم فيلقي بيَدَيْه، ويرى أنَّه قد هلك.