Verse. 203 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَۃَ لِلہِ۝۰ۭ فَاِنْ اُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْہَدْيِ۝۰ۚ وَلَا تَحْلِقُوْا رُءُوْسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْہَدْيُ مَحِلَّہٗ۝۰ۭ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيْضًا اَوْ بِہٖۗ اَذًى مِّنْ رَّاْسِہٖ فَفِدْيَۃٌ مِّنْ صِيَامٍ اَوْ صَدَقَۃٍ اَوْ نُسُكٍ۝۰ۚ فَاِذَاۗ اَمِنْتُمْ۝۰۪ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَۃِ اِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْہَدْيِ۝۰ۚ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلٰثَۃِ اَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَۃٍ اِذَا رَجَعْتُمْ۝۰ۭ تِلْكَ عَشَرَۃٌ كَامِلَۃٌ۝۰ۭ ذٰلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ اَھْلُہٗ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ۝۰ۭ وَاتَّقُوا اللہَ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ شَدِيْدُ الْعِقَابِ۝۱۹۶ۧ
Waatimmoo alhajja waalAAumrata lillahi fain ohsirtum fama istaysara mina alhadyi wala tahliqoo ruoosakum hatta yablugha alhadyu mahillahu faman kana minkum mareedan aw bihi athan min rasihi fafidyatun min siyamin aw sadaqatin aw nusukin faitha amintum faman tamattaAAa bialAAumrati ila alhajji fama istaysara mina alhadyi faman lam yajid fasiyamu thalathati ayyamin fee alhajji wasabAAatin itha rajaAAtum tilka AAasharatun kamilatun thalika liman lam yakun ahluhu hadiree almasjidi alharami waittaqoo Allaha waiAAlamoo anna Allaha shadeedu alAAiqabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأتموا الحج والعمرة لله» أدُّوهما بحقوقهما «فإن أُحصرتم» مُنعتم عن إتمامها بعدوِّ «فما استيسر» تيسَّر «من الهدي» عليكم وهو شاة «ولا تحلقوا رؤوسكم» أي لا تتحللوا «حتى يبلغ الهدي» المذكور «محله» حيث يحل ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويفرَّق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل «فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه» كقمل وصداع فحلق في الإحرام «ففدية» عليه «من صيام» ثلاثة أيام «أو صدقة» بثلاثة أصوع من غالب قوت البلد على ستة مساكين «أونسك» أي ذبح شاة وأو للتخيير وألحق به من حلق لغير عذر أنه أولى بالكفارة وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره «فإذا أمنتم» العدو بأن ذهب أو لم يكن «فمن تمتع» استمتع «بالعمرة» أي بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام «إلى الحج» أي إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره «فما استيسر» تيسر «من الهدي» عليه وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به والأفضل يوم النحر «فمن لم يجد» الهدي لفقده أو فقد ثمنه «فصيامُ» أي فعليه صيام «ثلاثة أيام في الحج» أي في حال الإحرام به فيجب حينئذ أن يُحْرمَ قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي «وسبعة إذا رجعتم» إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة «تلك عشرة كاملة» جملة تأكيد لما قبلها «ذلك» الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع «لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام» بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان فلا دم عليه ولا صيام وإن تمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا والأهل كناية عن النفس وألحق بالتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج معا أو يدخل الحج عليها قبل الطواف «واتقوا الله» فيما يأمركم به وينهاكم عنه «واعلموا أن الله شديد العقاب» لمن خالفه.

196

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: {ٱلْحَجُّ } في اللغة عبارة عن القصد وإنما يقال: حج فلان الشيء إذا قصده مرة بعد أخرى، وأدام الاختلاف إليه {والحجة} بكسر الحاء السنة، وإنما قيل لها حجة لأن الناس يحجون في كل سنة، وأما في الشرع فهو اسم لأفعال مخصوصة منها أركان ومنها أبعاض ومنها هيئات، فالأركان ما لا يحصل التحلل حتى يأتي به والأبعاض هي الواجبات التي إذا ترك شيء يجبر بالدم، والهيئات ما لا يجب الدم على تركها، والأركان عندنا خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وفي حلق الرأس أو تقصيره قولان: أصحهما أنه نسك لا يحصل التحلل إلا به، وأما الأبعاض فهي الإحرام من الميقات والمقام بعرفة إلى المغرب في قول والبيتوتة بمزدلفة ليلة النحر في قول ورمي جمرة العقبة والبيتوتة بمنى ليالي التشريق في قول ورمي أيامها. وأما سائر أعمال الحج فهي سنة. وأما أركان العمرة فهي أربعة: الإحرام، والطواف، والسعي، وفي الحلق قولان، ثم المعتمر بعدما فرغ من السعي فإن كان معه هدي ذبحه ثم حلق أو قصر، ولا يتوقف التحلل على ذبح الهدي. المسألة الثانية: قوله تعالى: { وَأَتِمُّواْ } أمر بالإتمام، وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط بالدخول فيه، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق، والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام والقول الثاني: وهو قول أبـي حنيفة رضي الله عنه: إن هذا الأمر مشروط، والمعنى أن من شرع فيه فليتمه قالوا: ومن الجائز أن لا يكون الدخول في الشيء واجباً إلا أن بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجباً، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند أصحابنا، وغير واجبة عن أبـي حنيفة رحمه الله حجة أصحابنا من وجوه. الحجة الأولى: قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وجه الاستدلال به أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملاً تاماً، ويحتمل أن يراد به إذا شرعتم في الفعل فأتموه، وإذا ثبت الإحتمال وجب أن يكون المراد من هذا اللفظ هو ذاك، أما بيان الإحتمال فيدل عليه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱبْتُلِىَ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } تفسير : [البقرة: 124] أي فعلهن على سبيل التمام والكمال، وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } تفسير : [البقرة: 187] أي فافعلوا الصيام تاماً إلى الليل، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول من قال: المراد فأشرعوا في الصيام ثم أتموه، لأن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار، وعلى التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه فثبت أن قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ } يحتمل أن يكون المراد منه الإتيان به على نعت الكمال والتمام فوجب حمله عليه، أقصى ما في الباب أنه يحتمل أيضاً أن يكون المراد منه أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، إلا أن حمل اللفظ على الوجه الأول أولى، ويدل عليه وجوه الأول: أن حمل الآية على الوجه الثاني يقتضي أن يكون هذا الأمر مشروطاً، ويكون التقدير: أتموا الحج والعمرة لله إن شرعتم فيهما، وعلى التأويل الأول الذي نصرناه لا يحتاج إلى إضمار هذا الشرط، فكان ذلك أولى والثاني: أن أهل التفسير ذكروا أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الحج فحملها على إيجاب الحج أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع فيه الثالث: قرأ بعضهم {وَأَقِيمُواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وهذا وإن كان قراءة شاذة جارية مجرى خبر الواحد لكنه بالإتفاق صالح لترجيح تأويل على تأويل الرابع: أن الوجه الذي نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة، ويفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما، والتأويل الذي ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب، فكان الذي نصرناه أكبر فائدة، فكان حمل كلام الله عليه أولى الخامس: أن الباب باب العبادة فكان الإحتياط فيه أولى، والقول بإيجاب الحج والعمرة معاً أقرب إلى الاحتياط، فوجب حمل اللفظ عليه السادس: هب أنا نحمل اللفظ على وجوب الإتمام، لكنا نقول: اللفظ دل على وجوب الاتمام جزماً، وظاهر الأمر للوجوب فكان الإتمام واجباً جزماً والاتمام مسبوق بالشروع، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب، فيلزم أن يكون الشروع واجباً في الحج وفي العمرة السابع: روي عن ابن عباس أنه قال: والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله، أي إن العمرة لقرينة الحج في الأمر في كتاب الله يعني في هذه الآية فكان كقوله: {أية : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} تفسير : [البقرة: 43] فهذا تمام تقرير هذه الحجة. فإن قيل: قرأ علي وابن مسعود والشعبـي {وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } بالرفع وهذا يدل على أنهم قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب. قلنا: هذا مدفوع من وجوه الأول: أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة المتواترة، الثاني: أن فيها ضعفاً في العربية، لأنها تقتضي عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية الثالث: أن قوله: {وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } معناه أن العمرة عبادة الله، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي وجوبها، وإلا وقع التعارض بين مدلول القراءتين، وهو غير جائز الرابع: أنه لما كان قوله: {وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } معناه: والعمرة عبادة الله، وجب أن يكون العمرة مأموراً بها لقوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [البينة: 5] والأمر للوجوب، وحينئذ يحصل المقصود. الحجة الثانية: في وجوب العمرة أن قوله تعالى: {أية : يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ } تفسير : [التوبة: 3] يدل على وجوب حج أصغر على ما عليه حقيقة أفعل، وما ذاك إلا العمرة بالإتفاق، وإذا ثبت أن العمرة حج، وجب أن تكون واجبة لقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ } ولقوله: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 97]. الحجة الثالثة: في المسألة أحاديث منها ما أورده ابن الجوزي في المتفق بين الصحيحين أن جبريل عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: [حديث : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر]تفسير : ، وروى النعمان بن سالم عن عمر بن أوس عن أبـي رزين أنه سأل النبـي عليه الصلاة والسلام فقال: إن أبـي شيخ كفي أدرك الإسلام، ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال عليه الصلاة والسلام: [حديث : حج عن أبيك واعتمر]تفسير : ، فأمر بهما، والأمر للوجوب، ومنها ما روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : الحج والعمرة فرضان لا يضرك بأيهما بدأت» تفسير : ومنها ما روت عائشة رضي الله عنها بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: [حديث : عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة]تفسير : . الحجة الرابعة: في وجوب العمرة، قال الشافعي رضي الله عنه: اعتمر النبـي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب، وحجة من قال: العمرة ليست واجبة وجوه: الحجة الأولى: قصد الأعرابـي الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، فقال الأعرابـي: هل علي غير هذا؟ قال: لا إلا أن تطوع، فقال الأعرابـي: لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : أفلح الأعرابـي إن صدقتفسير : ، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : صلوا خمسكم وزكوا أموالكم وحجوا بيتكم تدخلوا جنة ربكم» تفسير : فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها، وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟ فقال: لا وإن تعتمر خير لك، وعن معاوية الضرير عن أبـي صالح الحنفي عن أبـي هريرة رضي الله عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الحج جهاد والعمرة تطوع». تفسير : والجواب: من وجوه أحدها: أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن وثانيها: لعل العمرة ما كانت واجبة عندما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وهذا هو الأقرب، لأن هذه الآية إنما نزلت في السنة السابعة من الهجرة وثالثها: أن قصة الأعرابـي مشتملة على ذكر الحج وليس فيها بيان تفصيل الحج، وقد بينا أن العمرة حج لأنها هي الحج الأصغر، فلا تكون هي منافية لوجوب العمرة، وأما حديث محمد بن المنكدر فقالوا: رواية حجاج بن أرطاة وهو ضعيف. المسألة الثالثة: اعلم أن الحج على ثلاثة أقسام: الإفراد، والقران، والتمتع، فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يحج في تلك السنة، والقران أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم قبل الطواف أدخل عليها الحج يصير قرانا، والتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها ثم يحج في هذه السنة، وإنما سمي تمتعا لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل عن العمرة قبل أن يحرم بالحج. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في الأفضل من هذه الثلاثة فقال الشافعي رضي الله عنه أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران وقال في اختلاف الحديث التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: القران أفضل، ثم الإفراد، ثم التمتع، وهو قول المزني وأبـي إسحق والمروزي من أصحابنا، وقال أبو يوسف ومحمد: القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد، حجة الشافعي رضي الله عنه في أن الإفراد أفضل من وجوه الأول: التمسك بقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } والإستدلال به من ثلاثة أوجه الأول: أن الآية اقتضت عطف العمرة على الحج، والعطف يستدعي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، والمغايرة لا تحصل إلا عند الإفراد، فأما عند القران فالموجود شيء واحد، وهو حج وعمرة وذلك مانع من صحة العطف الثاني: قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } يقتضي الافراد، بدليل أنه تعالى قال: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } والقارن يلزمه هديان عند الحصر، وأيضاً أنه تعالى أوجب على الخلق عند الأداء فدية واحدة، والقارن يلزمه فديتان عند الحصر الثالث: هذه الآية تدل على وجوب الإتمام، والإتمام لا يحصل إلا عند الإفراد ويدل عليه وجهان الأول: أن السفر مقصود في الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج من وطنه، ولولا أن السفر مقصود في الحج لكان يحج عنه من أدنى المواقيت، ويدل عليه أيضاً أنهم قالوا لو نذر أن يحج ماشيا وحج راكباً يلزمه دم، فثبت أن السفر مقصود والقران يقتضي تقليل السفر، لأن بسببه يصير السفران سفراً واحداً، فثبت أن الاتمام لا يحصل إلا بالافراد الثاني: أن الحج لا معنى له إلا زيارة بقاع مكرمة، ومشاهد مشرفة، والحاج زائر الله، والله تعالى مزوره، ولا شك أنه كلما كانت الزيارة والخدمة أكثر كان موقعها عند المخدوم أعظم، وعند القران تنقلب الزيارتان زيارة واحدة، بل الحق أن جملة أنواع الطاعات في الحج وفي العمرة تكرر عند الافراد، وتصير واحدة عند القران، فثبت أن الافراد أقرب إلى التمام، فكان الافراد إن لم يكن واجباً عليكم بحكم هذه الآية فلا أقل من كونه أفضل. الحجة الثانية: في بيان أن الافراد أفضل: أن الافراد يقتضي كونه آتيا بالحج مرة، ثم بالعمرة بعد ذلك، فتكون الأعمال الشاقة في الأفراد أكثر فوجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام: «حديث : أفضل الأعمال أحمزها» تفسير : أي أشقها. الحجة الثالثة: أنه عليه السلام كان مفرداً فوجب أن يكون الإفراد أفضل، أما قولنا: إنه كان مفرداً فاعلم أن الصحابة اختلفت رواياتهم في هذا المعنى، فروى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبـي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج، وروى جابر وابن عمر أنه أفرد، وأما أنس فقد روي عنه أنه قال: كنت واقفاً عند جران ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لعابها يسيل على كتفي، فسمعته يقول «حديث : لبيك بحج وعمرة معاً»تفسير : ثم الشافعي رضي الله عنه رجح رواية عائشة رضي الله عنها وجابر وابن عمر على رواية أنس من وجوه أحدها: بحال الرواة، أما عائشة فلأنها كانت عالمة، ومع علمها كانت أشد الناس التصاقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس وقوفاً على أحواله، وأما جابر فانه كان أقدم صحبة للرسول صلى الله عليه وسلم من أنس، وإن أنساً كان صغيراً في ذلك الوقت قبل العلم، وأما ابن عمر فإنه كان مع فقهه أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره، لأن أخته حفصة كانت زوجة النبـي صلى الله عليه وسلم والثاني: أن عدم القران متأكد بالاستصحاب والثالث: أن الافراد يقتضي تكثير العبادة، والقران يقتضي تقليلها، فكان إلحاق الإفراد بالنبـي عليه الصلاة والسلام أولى، وإذا ثبت أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان مفرداً وجب أن يكون الافراد أفضل لأنه عليه الصلاة والسلام كان يختار الأفضل لنفسه، ولأنه قال: «حديث : خذوا عني مناسككم»تفسير : أي تعلموا مني. الحجة الرابعة: أن الافراد يقتضي تكثير العبادة، والقران يقتضي تقليلها، فكان الأول أولى، لأن المقصود من خلق الجن والإنس هو العبادة، وكل ما كان أفضى إلى تكثير العبادة كان أفضل، حجة أبـي حنيفة رضي الله عنه من وجوه: الحجة الأولى: التمسك بقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لله } وهذا اللفظ يحتمل أن يكون المراد أيجاب كل واحد منهما، أو يكون المراد منه إيجاب الجمع بينهما على سبيل التمام، فلو جملناه على الأول لا يفيد الثاني، ولو حملناه على الثاني أفاد الأول، فكان الثاني أكثر فائدة، فوجب حمل اللفظ عليه، لأن الأولى حمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة. الحجة الثانية: أن القران جمع بين النسكين فوجب أن يكون أفضل من الإتيان بنسك واحد. الحجة الثالثة: أن في القران مسارعة إلى التسكين وفي الإفراد ترك مسارعة إلى أحد التسكين فوجب أن يكون القران أفضل لقوله: {أية : وَسَارِعُواْ } تفسير : [آل عمران: 133]. والجواب عن الأول: أنا بينا أن هذه الآية تدل من ثلاثة أوجه دلالة ما هو أكثر فائدة على الإفراد، وأما ما ذكرتموه فمجرد حسن ظن حيث قلتم: حمل اللفظ على ما هو أكثر فائدة أولى وإذا كان كذلك كان الترجيح لقولنا. والجواب عن الثاني والثالث: أن كل ما يفعله القارن يفعله المفرد أيضاً، إلا أن القران كان حيلة في إسقاط الطاعة فينتهي الأمر فيه أن يكون مرخصاً فيه فأما أن يكون أفضل فلا، وبالجملة فالشافعي رضي الله عنه لا يقول إن الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة لكنه يقول: من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها فمجموع هذين الأمرين أفضل من الاتيان بالحجة المقرونة. المسألة الرابعة: في تفسير الإتمام في قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وفيه وجوه أحدها: روي عن علي وابن مسعود أن إتمامهما أن يحرم من دويرة أهله وثانيها: قال أبو مسلم: المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام، قال: ويدل على صحة هذا التأويل أن هذه الآية إنما نزلت بعد أن منع الكفار النبـي صلى الله عليه وسلم في السنة الماضية عن الحج والعمرة فالله تعالى أمر رسوله في هذه الآية أن لا يرجع حتى يتم هذا الفرض، ويحصل من هذا التأويل فائدة فقهية وهي أن تطوع الحج والعمرة كفرضيهما في وجوب الاتمام وثالثها: قال الأصم: إن الله تعالى فرض الحج والعمرة ثم أمر عباده أن يتموا الآداب المعتبرة، وذكر الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتاب الاحياء ما يتعلق بهذا الباب فقال: الأمور المعتبرة قبل الخروج إلى الاحرام ثمانية الأول: في المال فينبغي أن يبدأ بالتوبة، ورد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع، ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على وجه يمكنه من التوسع في الزاد والرفق بالفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه، ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو يكتريها، فإن اكتراها فليظهر للمكاري كل ما يحصل رضاه فيه الثاني: في الرفيق فينبغي أن يلتمس رفيقاً صالحاً محباً للخير، معينا عليه، إن نسي ذكره، وإن ذكر ساعده، وإن جبن شجعه، وإن عجز قواه وإن ضاق صدره صبره، وأما الاخوان والرفقاء المقيمون فيودعهم، ويلتمس أدعيتهم، فإن الله تعالى جعل في دعائهم خيراً، والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك الثالث: في الخروج من الدار، فإذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [الكافرون: 1] وفي الثانية (الاخلاص) وبعد الفراغ يتضرع إلى الله بالاخلاص، الرابع: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، وكلما كانت الدعوات أزيد كانت أولى الخامس: في الركوب، فإذا ركب الراحلة قال: بسم الله وبالله والله أكبر، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون السادس: في النزول، والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل، ولا ينزل حتى يحمى النهار، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيراً السابع: إن قصده عدو أو سبع في ليل أو نهار، فليقرأ آية الكرسي، وشهد الله، والاخلاص، والمعوذتين، ويقول: تحصنت بالله العظيم، واستعنت بالحي الذي لا يموت، الثامنة: مهما علا شرفا من الأرض في الطريق، فيستحب أن يكبر ثلاثاً التاسع: أن لا يكون هذا السفر مشوبا بشيء من أثر الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها العاشر: أن يصون الإنسان لسانه عن الرفث والفسوق والجدال، ثم بعد الاتيان بهذه المقدمات، يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى، فقوله: { وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ } كلمة شاملة جامعة لهذه المعاني، فإذا أتى العبد بالحج على هذا الوجه كان متبعاً ملة إبراهيم حيث قال تعالىۤ {أية : وَإِذ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } تفسير : [البقرة: 124]. الوجه الرابع: في تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } أن المراد: أفردوا كل واحد منهما بسفر وهذا تأويل من قال بالإفراد، وقد بيناه بالدليل، وهذا التأويل يروى عن علي بن أبـي طالب رضي الله عنه، وقد يروى مرفوعاً عن أبـي هريرة، وكان عمر يترك القران والتمتع، ويذكر أن ذلك أتم للحج والعمرة وأن يعتمر في غير شهور الحج، فإن الله تعالى يقول: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } تفسير : [البقرة: 197] وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: فرقوا بين حجكم وعمرتكم. المسألة الخامسة: قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وأبو عمر وأبو بكر عن عاصم {ٱلْحَجُّ } بفتح الحاء في كل القرآن وهي لغة الحجاز، وقرأ حمزة والكسائي وحفص، عن عاصم بالكسر في آل عمران، قال الكسائي: وهما لغتان بمعنى واحد، كرطل ورطل، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } قال أحمد بن يحيـى: أصل الحصر والإحصار: الحبس ومنه يقال للذي لا يبوح بسره: حصر. لأنه حبس نفسه عن البوح والحصر احتباس الغائط والحصير الملك لأنه كالمحبوس بين الحجاب وفي شعر لبيد:شعر : جـن لدي بـاب الحصير قيـام تفسير : والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض تشبيهاً باحتباس الشيء مع غيره. إذا عرفت هذا فنقول: اتفقوا على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه، أما لفظ الإحصار فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال الأول: وهو اختيار أبـي عبيدة وابن الكسيت والزجاج وابن قتيبة وأكثر أهل اللغة أنه مختص بالمرض، قال ابن السكيت: يقال أحصره المرض إذا منعه من السفر وقال ثعلب في فصيح الكلام: أحصر بالمرض وحصر بالعدو. والقول الثاني: أن لفظ الاحصار يفيد الحبس والمنع، سواء كان بسبب العدو أو بسبب المرض وهو قول الفراء. والقول الثالث: أنه مختص بالمنع الحاصل من جهة العدو، وهو قول الشافعي رضي الله عنه وهو المروي عن ابن عباس وابن عمر، فانهما قالا: لا حصر إلا حصر العدو، وأكثر أهل اللغة يردون هذا القول على الشافعي رضي الله عنه، وفائدة هذا البحث تظهر في مسألة فقهية، وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت، وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يثبت. وقال الشافعي: لا يثبت. وحجة أبـي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة وذلك لأن أهل اللغة رجلان أحدهما: الذين قالوا: الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط، وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية نصاً صريحاً في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم والثاني: الذين قالوا الإحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلاً بسبب المرض أو بسبب العدو، وعلى هذا القول حجة أبـي حنيفة تكون ظاهرة أيضاً، لأن الله تعالى علق الحكم على مسمى الإحصار، فوجب أن يكون الحكم ثابتاً عند حصول الإحصار سواء حصل بالعدو أو بالمرض وأما على القول الثالث: وهو أن الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدو، فهذا القول باطل باتفاق أهل اللغة وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدو بجامع دفع الحرج وهذا قياس جلي ظاهر فهذا تقرير قول أبـي حنيفة رضي الله عنه وهو ظاهر قوي، وأما تقرير مذهب الشافعي رضي الله عنه، فهو أنا ندعي أن المراد بالإحصار في هذه الآية منع العدو فقط، والروايات المنقولة عن أهل اللغة معارضة بالروايات المنقولة عن ابن عباس وابن عمر، ولا شك أن قولهما أولى لتقدمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللغة وفي معرفة تفسير القرآن، ثم إنا بعد ذلك نؤكد هذا القول بوجوه من الدلائل. الحجة الأولى: أن الإحصار إفعال من الحصر والافعال تارة يجيء بمعنى التعدية نحو: ذهب زيد وأذهبته أنا، ويجيء بمعنى صار ذا كذا نحو: أغد البعير إذا صار ذا غدة، وأجرب الرجل إذا صار ذا أبل جربـى ويجيء بمعنى وجدته بصفة كذا نحو: أحمدت الرجل أي وجدته محموداً والإحصار لا يمكن أن يكون للتعدية، فوجب إما حمله على الصيرورة أو على الوجدان والمعنى: أنهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين، ثم إن أهل اللغة أتفقوا على أن المحصور هو الممنوع بالعدو لا بالمرض، فوجب أن يكون معنى الاحصار هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدو، أو وجدوا ممنوعين بالعدو، وذلك يؤكد مذهبنا. الحجة الثانية: أن الحصر عبارة عن المنع وإنما يقال للإنسان إنه ممنوع من فعله ومحبوس عن مراده، إذا كان قادراً عن ذلك الفعل متمكناً منه، ثم إنه منعه مانع عنه، والقدرة عبارة عن الكيفية الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء، وذلك مفقود في حق المريض فهو غير قادر ألبتة على الفعل، فيستحيل الحكم عليه بأنه ممنوع، لأن إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضى، أما إذا كان ممنوعاً بالعدو فههنا القدرة على الفعل حاصلة، إلا أنه تعذر الفعل لأجل مدافعة العدو، فصح ههنا أن يقال إنه ممنوع من الفعل، فثبت أن لفظة الاحصار حقيقة في العدو، ولا يمكن أن تكون حقيقة في المرض. الحجة الثالثة: أن معنى قوله: {أُحْصِرْتُمْ } أي حبستم ومنعتم والحبس لا بد له من حابس، والمنع لا بد له من مانع، ويمتنع وصف المرض بكونه حابساً ومانعاً، لأن الحبس والمنع فعل، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلاً، لأن المرض عرض لا يبقى زمانين، فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا، أما وصف العدو بأنه حابس ومانع، فوصف حقيقي، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه. الحجة الرابعة: أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض، فلفظ الإحصار وجب أن يكون خالياً عن الاشعار بالمرض قياساً على جميع الألفاظ المشتقة. الحجة الخامسة: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } فعطف عليه المريض، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلاً فيه، لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه. فإن قيل: إنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكماً خاصاً، وهو حلق الرأس، فصار تقدير الآية إن منعتم بمرض تحللتم بدم، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفرتم. قلنا: هذا وإن كان حسناً لهذا الغرض، إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشيء على نفسه، أما إذا لم يكن المحصر مفسراً بالمريض، لم يلزم عطف الشيء على نفسه، فكان حمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال، فكان ذلك أولى. الحجة السادسة: قال تعالى في آخر الآية: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ } ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض، فإنه يقال في المرض: شفي وعفي ولا يقال أمن. فإن قيل: لا نسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف، فإنه يقال: أمن المريض من الهلاك وأيضاً خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها. قلنا: لفظ الأمن إذا كان مطلقاً غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من العدو، وقوله خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها. قلنا: بل يوجب لأن قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ } ليس فيه بيان أنه حصل الأمن مماذا، فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو الاحصار، فصار التقدير: فإذا أمنتم من ذلك الاحصار، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو، وجب أن يكون المراد من هذا الاحصار منع العدو، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط، أما قول من قال: إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل، وفيه دليل آخر، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبـي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجاً عنه، فلو كان الإحصار اسماً لمنع المرض، لكان سبب نزول الآية خارجاً عنها، وذلك باطل بالإجماع، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو، وإذا ثبت هذا فنقول: لا يمكن قياس منع المرض عليه، وبيانه من وجهين: الأول: أن كلمة: إن، شرط عند أهل اللغة، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهراً، فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه، فلو أثبتا هذا الحكم في غيره قياساً كان ذلك نسخا للنص بالقياس، وهو غير جائز. الوجه الثاني: أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصدا، ألا ترى أنه إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه، أما المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام، فإذا رجع فقد تخلص من خوف القتل، فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير. أما قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال القفال رحمه الله: في الآية إضمار، والتقدير: فحللتم فما استيسر، وهو كقوله: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تفسير : [البقرة: 184] أي فأفطر فعدة، وفيها إضمار آخر، وذلك لأن قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } كلام غير تام لا بد فيه من إضمار، ثم فيه احتمالان: أحدهما: أن يقال: محل، ما: رفع، والتقدير: فواجب عليكم ما استيسر والثاني: قال الفراء: لو نصبت على معنى: اهدوا ما تيسر كان صواباً، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع. المسألة الثانية: {ٱسْتَيْسَرَ } بمعنى تيسر، ومثله: استعظم، أي تعظم واستكبر: أي تكبر، واستصعب: أي تصعب. المسألة الثالثة: {ٱلْهَدْىِ } جمع هدية، كما تقول: تمر وتمرة، قال أحمد بن يحيـى: أهل الحجاز يخففون {ٱلْهَدْىِ } وتميم تثقله، فيقولون: هدية، وهدي ومطية، ومطي، قال الشاعر:شعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدى مقلدات تفسير : ومعنى الهدي: ما يهدى إلى بيت الله عز وجل تقرباً إليه، بمنزلة الهدية يهديها الإنسان إلى غيره تقرباً إليه، ثم قال علي وابن عباس والحسن وقتادة: الهدي أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس. المسألة الرابعة: المحصر إذا كان عالما بالهدي، هل له بدل ينتقل إليه؟ للشافعي رضي الله عنه فيه قولان: أحدهما: لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبدا، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، والحجة في أنه تعالى أوجب على المحصر الهدي على التعيين، وما أثبت له بدلاً والثاني: أن له بدلاً ينتقل إليه، وهو قول أحمد فإذا قلنا بالقول الأول: هل له أن يتحلل في الحال أو يقيم على إحرامه فيه قولان أحدهما: أنه يقيم على إحرامة حتى يجده، وهو قول أبـي حنيفة ويدل عليه ظاهر الآية والثاني: أن يتحلل في الحال للمشقة، وهو الأصح، فإذا قلنا بالقول الثاني ففيه اختلافات كثيرة وأقربها أن يقال: يقوم الهدي بالدراهم ويشتري بها طعام ويؤدي، وإنما قلنا ذلك لأنه أقرب إلى الهدي. المسألة الخامسة: المحصر إذا أراد التحلل وذبح، وجب أن ينوي التحلل عند الذبح، ولا يتحلل البتة قبل الذبح. المسألة السادسة: اختلفوا في العمرة فأكثر الفقهاء قالوا حكمها في الإحصار كحكم الحج وعن ابن سيرين أنه لا إحصار فيه لأنه غير مؤقت، وهذا باطل لأن قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } مذكور عقيب الحج والعمرة، فكان عائداً إليهما. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر فتقدير الآية: حتى يبلغ الهدي محله وينحر فإذا نحر فاحلقوا. المسألة الثانية: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: يجوز إراقة دم الإحصار لا في الحرم، بل حيث حبس، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يجوز ذلك إلا في الحرم ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل، وقال أبو حنيفة: إنه اسم للمكان. حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجوه الأول: إنه عليه الصلاة والسلام أحصر بالحديبية ونحر بها، والحديبية ليست من الحرم، قال أصحاب أبـي حنيفة إنه إنما أحصر في طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة، وهو من الحرم، قال الواقدي: الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، أجاب القفال رحمه الله في «تفسيره» عن هذا السؤال فقال الدليل على أن نحر ذلك الهدي ما وقع في الحرم قوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } تفسير : [الفتح: 25] فبين تعالى أن الكفار منعوا النبـي صلى الله عليه وسلم عن إبلاغ الهدي محله الذي كان يريده فدل هذا على أنهم نحروا ذلك الهدي في غير الحرم. الحجة الثانية: أن المحصر سواء كان في الحل أو في الحرم فهو مأمور بنحر الهدي فوجب أن يتمكن في الحل والحرم من نحر الهدى. بيان المقام الأول: أن قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } يتناول كل من كان محصراً سواء كان في الحل أو في الحرم، وقوله بعد ذلك: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } معناه فما استيسر من الهدي نحره واجب، أو معناه فانحروا ما استيسر من الهدي، وعلى التقديرين ثبت أن هذه الآية دالة على أن نحر الهدي واجب على المحصر سواء كان محصراً في الحل أو في الحرم، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له الذبح في الحل والحرم، لأن المكلف بالشيء أول درجاته أن يجوز له فعل المأمور به، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادراً على إراقة الدم حيث أحصر. الحجة الثالثة: أن الله سبحانه إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح ليتمكن من تخليص النفس عن خوف العدو في الحال، فلو لم يجز النحر إلا في الحرم وما لم يحصل النحر لا يحصل التحلل بدلالة الآية، فعلى هذا التقدير وجب أن لا يحصل التحلل في الحال، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم، ولأن الموصل للنحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفى الخوف، وكيف يؤمن بهذا الفعل من قيام الخوف وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل؟ حجة أبـي حنيفة رضي الله عنه من وجوه الأول: أن المحل بكسر عين الفعل عبارة عن المكان، كالمسجد والمجلس فقوله: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ } يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى مكان الحل، وهو عندكم بالغ محله في الحال/ جوابه: المحل عبارة عن الزمان وأن من المشهور إن محل الدين هو وقت وجوبه الثاني: هب أن لفظ المحل يحتمل المكان والزمان إلا أن الله تعالى أزال هذا الإحتمال بقوله {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } تفسير : [الحج: 33] وفي قوله: {أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ }تفسير : [المائدة: 95] ولا شك أن المراد منه الحرم فإن البيت عينه لا يراق فيه الدماء. جوابه: قال الشافعي رضي الله عنه: كل ما وجب على المحرم في ماله من بدنة وجزاء هدي فلا يجزي إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في موضعين أحدهما: من ساق هديا فعطف في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين والثاني: دم المحصر بالعدو فإنه ينحر حيث حبس، فالآيات التي ذكرتموها في سائر الدماء فلم قلتم إنها تتناول هذه الصورة الثالث: قالوا: الهدي سمي هدياً لأنه جار مجرى الهدية التي يبعثها العبد إلى ربه، والهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها المهدي إلى دار المهدى إليه وهذا المعنى لا يتصور إلا بجعل موضع الهدي هو الحرم. جوابه: هذا التمسك بالاسم ثم هو محمول على الأفضل عند القدرة الرابع: أن سائر دماء الحج كلها قربة كانت أو كفارة لا تصح إلا في الحرم، فكذا هذا. جوابه: أن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف وزوال الخوف إنما يحصل إذا قدر عليه حيث أحصر، أما لو وجب إرساله إلى الحرم لا يحصل هذا المقصود، وهذا المعنى غير موجود في سائر الدماء فظهر الفرق. المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على أنه لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة. {فمنْ كانَ مِنكمْ مَرِيضاً أَو بهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفديةٌ منْ صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ فإذآ أمنتمْ فمنْ تمتعَ بالعمرةِ إلى الحج فما استيسر من الهدي فمنْ لم يجد ْ فصيام ثلاثةِ أيامٍ في الحجِ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقابِ} فيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة، قال كعب: مر بـي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، وكان في شعر رأسي كثير من القمل والصئبان وهو يتناثر على وجهي، فقال عليه الصلاة والسلام تؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال أحلق رأسك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمقصود منها أن المحرم إذا تأذى بالمرض أو بهوام رأسه أبيح له المداواة والحلق بشرط الفدية والله أعلم. المسألة الثانية: ففدية رفع لأنه مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه فدية، وأيضاً ففيه إضمار آخر والتقدير: فحلق فعليه فدية. المسألة الثالثة: قال بعضهم: هذه الآية مختصة بالمحصر، وذلك لأن قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله أذن له في ذلك بشرط بذل الفدية، وقال آخرون بل الكلام مستأنف لكل محرم لحقه المرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو لحقه أذى في رأسه فاحتاج إلى الحلق، فبين الله تعالى أن له ذلك، وبين ما يجب عليه من الفدية. إذا عرفت هذا فنقول: المرض قد يحوج إلى اللباس، فتكون الرخصة في اللباس كالرخصة في الحلق، وقد يكون ذلك بغير المرض من شدة البرد وما شاكله فأبيح له بشرط الفدية، وقد يحتاج أيضاً إلى استعمال الطيب في كثير من الأمراض فيكون الحكم فيه ذاك، وأما من يكون به أذى من رأسه فقد يكون ذلك بسبب القمل والصئبان وقد يكون بسبب الصداع وقد يكون عند الخوف من حدوث مرض أو ألم، وبالجملة فهذا الحكم عام في جميع محظورات الحج. المسألة الرابعة: اختلفوا في أنه هل يقدم الفدية ثم يترخص أو يؤخر الفدية عن الترخص والذي يقتضيه الظاهر أنه يؤخر الفدية عن الترخص لأن الإقدام على الترخص كالعلة في وجوب الفدية فكان مقدماً عليه، وأيضاً فقد بينا أن تقدير الآية: فحلق فعليه فدية، ولا ينتظم الكلام إلا على هذا الحد، فإذن يجب تأخير الفدية. أما قوله تعالى: {مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } فالمراد أن تلك الفدية أحد هذه الأمور الثلاثة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أصل النسك العبادة، قال ابن الأعرابي النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل للمتعبد: ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث، هذا أصل معنى النسك، ثم قيل للذبيحة: نسك من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله. المسألة الثانية: اتفقوا في النسك على أن أقله شاة، لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة: الجمل، والبقرة، والشاة، ولما كان أقلها الشاة، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة، أما الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما، وبماذا يحصل بيانه فيه قولان أحدهما: أنه حصل عن كعب بن عجرة، وهو ما روى أبو داود في سننه أنه عليه الصلاة والسلام لما مر بكعب بن عجرة ورأى كثرة الهوام في رأسه، قال له: احلق ثم اذبح شاة نسكاً أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين. والقول الثاني: ما يروى عن ابن عباس والحسن أنهما قالا: الصيام للمتمتع عشرة أيام، والإطعام مثل ذلك في العدة، وحجتهما أن الصيام والإطعام لما كانا مجملين في هذا الموضع وجب حملهما على المفسر فيما جاء بعد ذلك، وهو الذي يلزم المتمتع إذا لم يجد الهدي، والقول الأول عليه أكثر الفقهاء. المسألة الثالثة: الآية دلت على حكم من أقدم على شيء من محظورات الحج بعذر، أم من حلق رأسه عامداً بغير عذر فعند الشافعي رضي الله عنه وأبـي حنيفة الواجب عليه الدم، وقال مالك رضي الله عنه: حكمه حكم من فعل ذلك بعذر، والآية حجة عليه، لأن قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ } يدل على اشتراط هذا الحكم بهذه الأعذار، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرط، وقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ } فاعلم أن تقديره: فإذا أمنتم من الإحصار، وقوله: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ } فيه مسائل: المسألة الأولى: معنى التمتع التلذذ، يقال: تمتع بالشيء أي تلذذ به، والمتاع: كل شيء يتمتع به، وأصله من قولهم: حبل ماتع أي طويل، وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به، والمتمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج، ثم يقيم بمكة حلالاً ينشىء منها الحج، فيحج من عامه ذلك، وإنما سمي متمتعاً لأنه يكون مستمتعاً بمحظورات الإحرام فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحج، والتمتع على هذا الوجه صحيح لا كراهة فيه، وههنا نوع آخر من التمتع مكروه، وهو الذي حذر عنه عمر رضي الله عنه وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج، والمراد من هذه المتعة أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ، روي عن أبـي ذر أنه قال: ما كانت متعة الحج إلا لي خاصة، فكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك الإعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان فسخ الحج خاصاً بهم. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ } أي فمن يتمتع بسبب العمرة فكأنه لا يتمتع بالعمرة ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة، وهذا هو معنى التمتع بالعمرة إلى الحج. أما قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أصحابنا: لوجوب دم التمتع خمس شرائط أحدها: أن يقدم العمرة على الحج والثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإن أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بشيء من الطواف وإن كان شرطاً واحداً ثم أكمل باقيه في أشهر الحج وحج في هذه السنة لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، وأتى بأعمالها في أشهر الحج، فيه قولان: قال في «الأم» وهو الأصح: لا يلزمه دم التمتع لأنه أتى بركن من أركان العمرة قبل أشهر الحج، كما لو طاف قبله، وقال في «القديم والإملاء»: يلزمه ذلك ويجعل استدامة الإحرام في أشهر الحج كابتدائه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا أتى ببعض الطواف قبل أشهر الحج فهو متمتع إذا لم يأت بأكثره الشرط الثالث: أن يحج في هذه السنة، فإن حج في سنة أخرى لا يلزمه الدم، لأنه لم يوجد مزاحمة الحج والعمرة في عام واحد الشرط الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وحاضر المسجد الحرام من كان أهله على مسافة أقل من مسافة القصر، فإن كان على مسافة القصر فليس من الحاضرين، وهذه المسافة تعتبر من مكة أو من الحرم، وفيه وجهان الشرط الخامس: أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة فإن عاد إلى الميقات فأحرم بالحج لا يلزمه دم التمتع لأن لزوم الدم لترك الإحرام من الميقات ولم يوجد، فهذه هي الشروط المعتبرة في لزوم دم التمتع. المسألة الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه: دم التمتع دم جبران الإساءة، فلا يجوز له أن يأكل منه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إنه دم نسك ويأكل منه، حجة الشافعي من وجوه: الحجة الأولى: أن التمتع حصل فيه خلل فوجب أن يكون الدم دم جبران، بيان حصول الخلل فيه من وجوه ثلاثة الأول: روي أن عثمان كان ينهي عن المتعة فقال له علي رضي الله عنهما: عمدت إلى رخصة بسبب الحاجة والغربة، وذلك يدل على حصول نقص فيها الثاني: أنه تعالى سماه تمتعاً، والتمتع عبارة عن التلذذ والإرتفاع، ومبنى العبادة على المشقة، فيدل على أنه حصل في كونه عبادة نوع خلل الثالث: وهو بيان الخلل على سبيل التفصيل: أن في التمتع صار السفر للعمرة، وكان من حقه أن يكون للحج، فإن الحج الأكبر هو الحج، وأيضاً حصل الترفه وقت الإحلال بينهما وذلك خلل، وأيضاً كان من حقه جعل الميقات للحج، فإنه أعظم، فلما جعل الميقات للعمرة كان ذلك نوع خلل، وإذا ثبت كون الخلل في هذا الحج وجب جعل الدم دم جبران لا دم نسك. الحجة الثانية: أن الدم ليس بنسك أصلي من مناسك الحج أو العمرة كما لو أفرد بهما، وكما في حق المكي، والجمع بين العبادتين لا يوجب الدم أيضاً بدليل أن من جمع بين الصلاة والصوم والإعتكاف لا يلزمه الدم، فثبت بهذا أن هذا الدم ليس دم نسك فلا بد وأن يكون دم جبران. الحجة الثالثة:أن الله تعالى أوجب الهدي على التمتع بلا توقيت، وكونه غير مؤقت دليل على أنه دم جبران لأن المناسك كلها مؤقتة. الحجة الرابعة: أن للصوم فيه مدخلاً، ودم النسك لا يبدل بالصوم، وإذا عرفت صحة ما ذكرنا فنقول: أن الله تعالى ألزم المكلف إتمام الحج في قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وقد دللنا على أن حج التمتع غير تام، فلهذا قال تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } وذلك لأن تمتعكم يوقع نقصاً في حجتكم فأجبروه بالهدي لتكمل به حجتكم فهذا معنى حسن مفهوم من سياق الآية وهو لا يتقرر إلا على مذهب الشافعي رضي الله عنه. المسألة الثالثة: الدم الواجب بالتمتع: دم شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، ولو تشارك ستة في بقرة أو بدنة جاز، ووقت وجوبه بعدما أحرم بالحج، لأن الفاء في قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } يدل على أنه وجب عقيب التمتع، ويستحب أن يذبح يوم النحر، فلو ذبح بعد ما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق، وعند أبـي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز، وأصل هذا أن دم التمتع عندنا دم جبران كسائر دماء الجبرانات، وعنده دم نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر. أما قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } فالمعنى أن المتمتع إن وجد الهدي فلا كلام وإن لم يجد فقد بين الله تعالى بدله من الصيام، فهذا الهدي أفضل أم الصيام؟ الظاهر أن يكون المبدل الذي هو الأصل أفضل، لكنه تعالى بين في هذا البدل أنه في الكمال والثواب كالهدي وهو كقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الآية نص فيما إذا لم يجد الهدي، والفقهاء قاسوا عليه ما إذا وجد الهدي ولم يجد ثمنه، أو كان ماله غائباً، أو يباع بثمن غال فهنا أيضاً يعدل إلى الصوم. المسألة الثانية: قوله: {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ } أي فعليه ثلاثة أيام وقت اشتغاله بالحج ويتفرع عليه مسألة فقهية، وهي أن المتمتع إذا لم يجد الهدي لا يصح صومه بعد إحرام العمرة قبل إحرام الحج، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصح حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه الأول: أنه صام قبل وقته فلا يجوز كمن صام رمضان قبله، وكما إذا صام السبعة أيام قبل الرجوع وإنما قلنا: إنه صام قبل وقته، لأن الله تعالى قال: {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ } وأراد به إحرام الحج، لأن سائر أفعال الحج لا تصلح طرفاً للصوم، والإحرام يصلح فوجب حمله عليه الثاني: أن ما قبل الإحرام بالحج ليس بوقت للهدي الذي هو أفضل، فكذا لا يكون وقتاً للصوم الذي هو بدله اعتبار بسائر الأصول والإبدال، وتحقيقه أن البدل حال عدم الأصل يقوم مقامه فيصير في الحكم كأنه الأصل، فلا يجوز أن يحصل في وقت لو وجد الأصل لم يجز إذا عرفت هذا فنقول: اتفقوا على أنه يجوز بعد الشروع في الحج إلى يوم النحر والأصح أنه لا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ولا تصوموا في هذه الأيام»تفسير : والمستحب أن يصوم في أيام الحج حيث يكون يوم عرفة مفطراً. المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد من الرجوع في قوله: {إِذَا رَجَعْتُمْ } فقال الشافعي رضي الله عنه في «الجديد»: هو الرجوع إلى الأهل والوطن، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: المراد من الرجوع الفراغ من أعمال الحج والأخذ في الرجوع، ويتفرع عليه أنه إذا صام الأيام السبعة بعد الرجوع عن الحج، وقبل الوصية إلى بيته، لا يجزيه عند الشافعي رضي الله عنه، ويجزيه عند أبـي حنيفة رحمه الله، حجة الشافعي وجوه الأول: قوله: {إِذَا رَجَعْتُمْ } معناه إلى الوطن، فإن الله تعالى جعل الرجوع إلى الوطن شرطاً وما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط والرجوع إلى الوطن لا يحصل إلا عند الانتهاء إلى الوطن فقبله لم يوجد الشرط فوجب أن لا يوجد المشروط ويتأكد ما قلنا بأنه لو مات قبل الوصول إلى الوطن لم يكن عليه شيء الثاني: ما روي عن ابن عباس قال: لما قدمنا مكة قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي»تفسير : فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فلما فرغنا قال: «حديث : عليكم الهدي فإن لم تجدوا فصيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى إمصاركم»تفسير : الثالث:أن الله تعالى أسقط الصوم عن المسافر في رمضان. فصوم التمتع أخف شأناً منه. المسألة الرابعة: قرأ ابن أبـي عبلة {سَبْعَةُ } بالنصب عطفاً على محل ثلاثة أيام كأنه قيل: فصيام ثلاثة أيام، كقوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً } تفسير : [البلد: 14، 15]. أما قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من وجهين أحدهما: أن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحاً للواضح والثاني: أن قوله: {كَامِلَةٌ } يوهم وجود عشرة غير كاملة في كونها عشرة وذلك محال، والعلماء ذكروا أنواعاً من الفوائد في هذا الكلام الأول: أن الواو في قوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } ليس نصاً قاطعاً في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله: {أية : مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } تفسير : [النساء: 3] وكما في قولهم: جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا، فالله تعالى ذكر قوله: {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } إزالة لهذا الوهم النوع الثاني: أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالاً من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك، بل هو كامل في كونه قائماً مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله: {كَامِلَةٌ } كأنه لو قال: تلك كاملة، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة، أو السبعة المفردة عن الثلاثة، فلا بد في هذا من ذكر العشرة، ثم اعلم أن قوله: {كَامِلَةٌ } يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها: أنها كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه وثانيها: أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي بالهدي من القادرين عليه وثالثها: أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملاً، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع. النوع الثالث: أن الله تعالى إذا قال: أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف، فلو قال: ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، بقي احتمال أن يكون مخصوصاً بحسب بعض الدلائل المخصصة، فإذا قال بعده: تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصاً على أن هذا المخصص لم يوجد ألبتة، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد. النوع الرابع: أن مراتب الأعداد أربعة: آحاد، وعشرات، ومئين، وألوف، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركباً أو مكسوراً، وكون العشرة عدداً موصوفاً بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف، فصار تقدير الكلام: إنما أوجبت هذا العدد لكونه عدداً موصوفاً بصفة الكمال خالياً عن الكسر والتركيب. النوع الخامس: ن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب، كقوله: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 46] وقال: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملاً على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها، وإذا كان التوكيد مشتملاً على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة. النوع السادس: في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب، ولم يكونوا أهل حساب، فبين الله تعالى ذلك بياناً قاطعاً للشك والريب، وهذا كما روي أنه قال في الشهر: هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثاً، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبهاً بالإشارة الأولى على ثلاثين، وبالثانية على تسعة وعشرين. النوع السابع: أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه. النوع الثامن: أن قوله: {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة. النوع التاسع: أن اللفظ وإن كان خبراً لكن المعنى أمر والتقدير: فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابراً للخلل الواقع في ذلك الحج، الذي يجب أن يكون تاماً كاملاً، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاماً، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكداً جداً فالظاهر دخول المكلف به في الوجود، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به، ومبالغة الشرع في إيجابه. النوع العاشر: أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله سبحانه وتعالى، فلما قال بعده: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص على ما قال تعالى: {الصوم لي } والحج أيضاً مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص، على ما قال: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى، فالعقل دل أيضاً على ذلك، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها، وهو مع ذلك شاق على النفس جداً، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى، والحج أيضاً عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها، وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعاً بين شيئين شاقين جداً، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعالى صيام هذه الأيام العشرة، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو، فقال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال، فكأنه قال: عشرة وأية عشرة، عشرة كاملة، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين. أما قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم، وأقرب الأمور المذكورة ذكر ما يلزم المتمتع من الهدي وبدله، وأبعد منهم ذكر تمتعهم. فلهذا السبب اختلفوا، فقال الشافعي رضي الله عنه، إنه راجع إلى الأقرب، وهو لزوم الهدي وبدله على المتمتع، أي إنما يكون إذا لم يكن المتمتع من حاضري المسجد الحرام، فأما إذا كان من أهل الحرم فإنه لا يلزمه الهدي ولا بدله، وذلك لأن عند الشافعي رضي الله عنه هذا الهدي إنما لزم الآفاقي لأنه كان من الواجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات: فلما أحرم من الميقات عن العمرة، ثم أحرم عن الحج لا من الميقات، فقد حصل هناك الخلل فجعل مجبوراً بهذا الدم، والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات، فإقدامه على التمتع لا يوقع خللاً في حجه، فلا جرم لا يجب عليه الهدي ولا بدل، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى الأبعد، وهو ذكر التمتع، وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، ومن تمتع أو قرن كان عليه دم هو دم جناية لا يأكل منه، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه. الحجة الأولى: قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ } عام يدخل فيه الحرمي. الحجة الثانية: قوله: {ذٰلِكَ } كناية فوجب عودها إلى المذكور الأقرب، وهو وجوب الهدي، وإذا خص إيجاد الهدي بالمتمتع الذي يكون آفاقياً لزم القطع بأن غير الأفاقي قد يكون أيضاً متمتعاً. الحجة الثالثة: أن الله تعالى شرع القران والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج والنسخ يثبت في حق الناس كافة. الحجة الرابعة: أن من كان من أهل الإفراد كان من أهل المتعة قياساً على المدني، إلا أن المتمتع المكي لا دم عليه لما ذكرناه، حجة أبـي حنيفة رحمه الله تعالى أن قوله: {ذٰلِكَ } كناية فوجب عودها إلى كل ما تقدم، لأنه ليس البعض أولى من البعض. وجوابه: لم لا يجوز أن يقال عوده إلى الأقرب أولى لأن القرب سبب للرجحان أليس أن مذهبه أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختص بالجملة الأخيرة، وإنما تميزت تلك الجملة عن سائر الجمل بسبب القرب فكذا ههنا. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بحاضري المسجد الحرام، فقال مالك: هم أهل مكة وأهل ذي طوى قال: فلو أن أهل منى أحرموا بالعمرة من حيث يجوز لهم، ثم أقاموا بمكة حتى حجوا كانوا متمتعين، وسئل مالك رحمه الله عن أهل الحرم أيجب عليهم ما يجب على المتمتع، قال: نعم وليس هم مثل أهل مكة فقيل له: فأهل منى فقال: لا أرى ذلك إلا لأهل مكة خاصة وقال طاوس حاضروا المسجد الحرام هم أهل الحرم، وقال الشافعي رضي الله عنه: هم الذي يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة، فإن كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: حاضروا المسجد الحرام أهل المواقيت، وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات العرق، فكل من كان من أهل موضع من هذه المواضع، أو من أهل ما وراءها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام، هذا هو تفصيل مذاهب الناس، ولفظ الآية موافق لمذهب مالك رحمه الله، لأن أهل مكة هم الذي يشاهدون المسجد الحرام ويحضرونه، فلفظ الآية لا يدل إلا عليهم، إلا أن الشافعي قال: كثيراً ما ذكر الله المسجد الحرام، والمراد منه الحرم، قال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [الإسراء: 1] ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أسري به من الحرم لا من المسجد الحرام، وقال: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } تفسير : [الحج: 33] والمراد الحرم، لأن الدماء لا تراق في البيت والمسجد، إذا ثبت هذا فنقول: المراد من المسجد الحرام ههنا ما ذكرناه ويدل عليه وجهان الأول: الحاضر ضد المسافر، وكل من لم يكن مسافراً كان حاضراً، ولما كان حكم السفر إنما ثبت في مسافة القصر، فكل من كان دون مسافة القصر لم يكن مسافراً وكان حاضراً الثاني: أن العرب تسمي أهل القرى: حاضرة وحاضرين، وأهل البر: بادية وبادين ومشهور كلام الناس: أهل البدو والحضر يراد بهما أهل الوبر والمدر. المسألة الثالثة: قال الفراء: اللام في قوله: {لِمَنْ } بمعنى على، أي ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : واشترطي لهم الولاء»تفسير : أي عليهم. المسألة الرابعة: الله تعالى ذكر حضور الأهل والمراد حضور المحرم لا حضور الأهل، لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون. المسألة الخامسة: المسجد الحرام إنما وصف بهذا الوصف لأن أصل الحرام والمحروم الممنوع عن المكاسب والشيء المنهي عنه حرام لأنه منع من إتيانه، والمسجد الحرام الممنوع من أن يفعل فيه ما منع عن فعله قال الفراء: ويقال حرام وحرم مثل زمان وزمن. أما قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } قال ابن عباس: يريد فيما فرض عليكم: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن تهاون بحدوده قال أبو مسلم: العقاب والمعاقبة سيان، وهو مجازاة المسيء على إساءته وهو مشتق من العاقبة: كأنه يراد عاقبة فعل المسيء، كقول القائل: لتذوقن عاقبة فعلك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} فيه سبع مسائل: الأولى: اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعُمرة لله؛ فقيل: أداؤهما والإتيان بهما؛ كقوله: «أية : فَأَتَمَّهُنَّ»تفسير : [البقرة: 124] وقوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} تفسير : [البقرة: 187] أي ائتوا بالصيام؛ وهذا على مذهب من أوجب العُمرة، على ما يأتي. ومن لم يوجبها قال: المراد تمامهما بعد الشروع فيهما، فإن مَن أحرم بنُسك وجب عليه المضيّ فيه ولا يفسخه؛ قال معناه الشعبيّ وٱبن زيد. وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إتمامهما أن تُحرم بهما من دُوَيْرَة أهلك. ورُوِيَ ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وَقّاص، وفَعَله عمران بن حُصين. وقال سفيان الثَّوْرِيّ: إتمامهما أن تحرج قاصداً لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك؛ ويقوّي هذا قوله «لِلَّه». وقال عمر: إتمامهما أن يُفرد كلّ واحد منهما من غير تَمَتُّع وقِران؛ وقاله ٱبن حبيب. وقال مُقاتل: إتمامهما ألاّ تستحِلُّوا فيهما ما لا ينبغي لكم؛ وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون: لَبّيْك اللَّهُمّ لَبّيْك، لا شريكَ لك إلا شريكاً هو لك، تَمْلكه وما مَلَك. فقال: فأتموهما ولا تخلطوهما بشيء آخر. قلت: أمّا ما رُوِيَ عَن عليّ وفعله عِمران بن حُصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقّتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد اللَّه بن مسعود وجماعة من السلف، وثبت أن عمر أَهّل من إيلياء، وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحٰق يُحرمون من بيوتهم؛ ورَخّص فيه الشافعي. وروى أبو داود والدّارَقُطْنِيّ عن أمّ سَلَمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن أحرم من بيت المقدس بحجّ أو عُمرة كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه»تفسير : في رواية «حديث : غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»تفسير : . وخرجه أبو داود وقال: «يرحم الله وَكيعا! أحرم من بيت المقدس؛ يعني إلى مكة». ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات. وكره مالك رحمه الله أن يُحرم أحدٌ قبل الميقات، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وأنه أنكر على عِمران بن حُصين إحرامه من البصرة. وأنكر عثمان على عبد اللَّه بن عمر إحرامه قبل الميقات. وقال أحمد وإسحٰق: وجه العمل المواقيت؛ ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقّت المواقيت وعَيّنها، فصارت بياناً لمجمل الحج، ولم يُحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته، بل أحرم من ميقاته الذي وقّته لأمته؛ وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله. وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم. وٱحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة: ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا ٱختار أيسرهما؛ وبحديث أمّ سلمة مع ما ذُكر عن الصحابة في ذلك، وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته، وعرفوا مغزاه ومراده، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيراً على أمته. الثانية: روى الأئمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقّت لأهل المدينة ذا الحُلَيْفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نَجْد قَرْن، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هُنَّ لهنّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعُمْرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ؛ حتى أهْل مكة من مكة يُهِلُّون منها. وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث وٱستعماله، لا يخالفون شيئاً منه. وٱختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وَقّته؛ فروَى أبو داود والترمذي عن ٱبن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَقّت لأهل المشرق العَقِيق. قال الترمذيّ: هذا حديث حَسَن. وروى أن عمر وَقّت لأهل العراق ذات عِرْق. وفي كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقّت لأهل العراق ذات عِرْق؛ وهذا هو الصحيح. ومن روى أن عمر وقّته لأن العراق في وقته ٱفتُتِحت، فغَفلة منه، بل وَقّته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وَقّت لأهل الشام الحُجْفَة. والشام كلها يومئذ دارُ كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان، ولم تُفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السِّيَر. قال أبو عمر: كلّ عِراقيّ أو مَشْرِقيّ أحرم من ذات عِرْق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته، والعقِيق أَحْوَط عندهم وأوْلى من ذات عِرْق، وذات عِرْق ميقاتهم أيضاً بإجماع. الثالثة: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه مُحْرِم، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل؛ كراهية أن يضيّق المرء على نفسه ما قد وسّع الله عليه، وأن يتعرّض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك، لأنه زاد ولم ينقص. الرابعة: في هذه الآية دليل على وجوب العُمْرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج. قال الصُّبَيّ بن مَعْبد: أتيت عمر رضي الله عنه فقلت إني كنت نصرانيًّا فأسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين عليّ، وإني أهللت بهما جميعاً. فقال له عمر هُدِيت لسُنّة نبيّك. قال ٱبن المنذر: ولم ينكر عليه قوله: «وجدت الحج والعمرة مكتوبتين عليّ». وبوجوبهما قال عليّ بن أبي طالب وٱبن عمر وٱبن عباس. وروى الدّارَقُطْنيّ عن ٱبن جُريج قال: أخبرني نافع أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعُمرة واجبتان مَن ٱستطاع إلى ذلك سبيلا؛ فمن زاد بعدها شيئاً فهو خير وتطوّع. قال: ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئاً. قال ٱبن جُريج: وأُخبرت عن عكرمة أن ٱبن عباس قال: العمرة واجبة كوجوب الحج من ٱستطاع إليه سبيلا. وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وٱبن سِيرين والشَّعبيّ وسعيد بن جُبير وأبو بردة ومسروق وعبد اللَّه بن شدّاد والشافعي وأحمد وإسحٰق وأبو عُبيد وٱبن الجَهْم من المالكيين. وقال الثوريّ: سمعنا أنها واجبة. وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج؛ فقال: صلاتان لا يضرّك بأيّهما بدأت؛ ذكره الدّارقُطْنِي. وروي مرفوعاً عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرّك بأيهما بدأت»تفسير : . وكان مالك يقول: «العمرة سُنّة ولا نعلم أحداً أرخص في تركها». وهو قول النخعيّ وأصحاب الرأي فيما حكى ٱبن المنذر. وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج، وبأنها سنة ثابتة قاله ٱبن مسعود وجابر بن عبد اللَّه. روى الدّارقطني حدّثنا محمد بن القاسم ابن زكريا حدّثنا محمد بن العلاء أبو كُريب حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه قال: حديث : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج: أواجب هو؟ قال: «نعم» فسأله عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا وأن تعتمر خير لك»»تفسير : . رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وٱبن جريج عن ٱبن المنكدر عن جابر موقوفاً من قول جابر. فهذه حجة من لم يوجبها من السُّنة. قالوا: وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب؛ لأن الله سبحانه إنما قَرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء، فإنه ٱبتدأ الصلاة والزكاة فقال {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [البقرة: 43]. وٱبتدأ بإيجاب الحج فقال: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97] ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بٱبتدائها، فلو حج عَشْرَ حِجَج، أو ٱعتمر عشر عُمَر لزم الإتمام في جميعها؛ فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء، والله أعلم. وٱحتج المخالف من جهة النظر على وجوبها بأن قال: عماد الحج الوقوف بعرفة؛ وليس في العمرة وقوف؛ فلو كانت كسُنّة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله؛ كما أن سُنة الصلاة تساوى فريضتها في أفعالها. الخامسة: قرأ الشَّعبيّ وأبو حَيْوَةَ برفع التاء في «العُمرة»؛ وهي تدلّ على عدم الوجوب. وقرأ الجماعة «العمرةَ» بنصب التاء، وهي تدل على الوجوب. وفي مصحف ٱبن مسعود «وأتمُّوا الحجّ والعمرةَ إلى البيت لله» وروي عنه «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت». وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتَّظاهر والتّناضل والتّنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق؛ وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولاحظّ بقصد، ولا قُرْبة بمعتَقد؛ فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة، على ما يأتي. السادسة: لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجًّا ولا عُمرة ـ والقلم جارٍ له وعليه ـ أن شهودها بغير نيّة ولا قصد غير مغْنٍ عنه، وأن النية تجب فرضاً؛ لقوله تعالى: «وَأَتِمُوا» ومن تمام العبادة حضور النية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام؛ لقوله عليه السلام لما ركب راحلته: «حديث : لَبَّيْكَ بحجّةٍ وعُمْرة معاً» تفسير : على ما يأتي. وذكر الرّبيع في كتاب البُوَيْطي عن الشافعي قال: وَلو لبَّى رجلٌ ولم يَنْوِ حجاً ولا عمرة لم يكن حاجًّا ولا مُعْتَمِراً، ولو نوى ولم يُلَبّ حتى قضى المناسك كان حجُّهُ تامًّا؛ وٱحتج بحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما الأعمال بالنّيات»تفسير : . قال: ومن فعل مثل ما فعل عليٌّ حين أهلّ على إهلال النبيّ صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية؛ لأنها وقعت على نيةٍ لغيره قد تقدّمت، بخلاف الصلاة. السابعة: وٱختلف العلماء في المراهق والعبد يُحرِمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتِق هذا قبل الوقوف بعرفة؛ فقال مالك: لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكاً بقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} ومَن رفض إحرامه فلا يتمّ حجُّهُ ولا عمرته. وقال أبو حنيفة: جائز للصبيّ إذا بلغ قبل الوقوف بعَرَفة أن يجدّد إحراماً؛ فإن تمادى على حجِّه ذلك لم يجزِه من حجّة الإسلام. واحتجّ بأنه لمّا لم يكن الحج يجزي عنه، ولم يكن الفرض لازماً له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ ٱستحال أن يُشغل عن فرضٍ قد تعيّن عليه بنافلة ويعطّل فرضه؛ كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخَشيَ فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة. وقال الشافعيّ: إذا أحرم الصبيّ ثم بلغ قبل الوقوف بعَرَفة فوقف بها مُحْرِماً أجزأه من حجة الإسلام، وكذلك العبد. قال: ولو عَتَقَ بمزدلفة وبلغ الصبيّ بها فرجَعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام، ولم يكن عليهما دم؛ ولو ٱحتاطا فأهراقا دماً كان أحبّ إليّ، وليس ذلك بالبيّن عندي. وٱحتجّ في إسقاط تجديد الإحرام «حديث : بحديث عليّ رضي الله عنه إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من اليمن مُهِلاًّ بالحج: «بِم أَهْلَلْتَ» قال قلت: لَبَّيْكَ اللَّهُمّ بإهلالٍ كإهلال نبيّك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أهللتُ بالحج وسُقْتَ الهَدْيَ»»تفسير : . قال الشافعيّ: ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، ولا أمره بتجديد نيّةٍ لإفرادٍ أو تمتُّع أو قِرانٍ. وقال مالك في النصرانيّ يُسلم عشيّةَ عرفة فيُحْرِم بالحج: أجزأه من حجة الإسلام، وكذلك العبد يَعتِق، والصبيّ يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دَمَ على واحد منهم؛ وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يُحرم من الميقات. وقال أبو حنيفة: يلزم العبد الدّم. وهو كالْحُرّ عندهم في تجاوز الميقات؛ بخلاف الصبيّ والنَّصرانيّ فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما. فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبيّ كان حكمهما حكم المكيّ، ولا شيء عليهما في ترك الميقات. قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} فيه ٱثنتا عشرة مسألة: الأولى: قال ابن العربي: هذه آية مشكلة، عُضْلة من العُضَل. قلت: لا إشكال فيها، ونحن نبيّنها غاية البيان فنقول: الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملةً؛ فـ «ـجملة» أي بأيّ عذر كان، كان حَصْرُ عدوٍّ أو جورُ سلطان أو مرضٌ أو ما كان. وٱختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين: الأول: قال علقمة وعُروة ابن الزبير وغيرهما: هو المرض لا العدوّ. وقيل: العدوّ خاصّة؛ قاله ٱبن عباس وٱبن عمر وأنس والشافعيّ. قال ٱبن العربي: وهو ٱختيار علمائنا. ورأى أكثر أهل اللغة ومحصّليها على أنّ «أُحْصِر» عُرِّضَ للمرض، و «حُصِر» نزل به العدوّ. قلت: ما حكاه ٱبن العربي من ٱختيار علمائنا فلم يقل به إلاّ أشهب وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا: الإحصار إنما هو المرض، وأما العدوّ فإنما يقال فيه: حصر حَصْراً فهو محصور؛ قاله الباجي في المنتقَى. وحكى أبو إسحٰق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة، على ما يأتي. وقال أبو عبيدة والكسائي: «أُحْصِر» بالمرض، و «حُصِر» بالعدوّ. وفي المجمَل لابن فارس على العكس؛ فحُصِر بالمرض، وأُحْصِر بالعدوّ. وقالت طائفة: يقال أحصر فيهما جميعاً من الرباعي، حكاه أبو عمر. قلت: وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في مُوَطَّئه «أحصر» فيهما؛ فتأمله. وقال الفرّاء: هما بمعنىً واحد في المرض والعدوّ. قال القُشيري أبو نصر: وٱدعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدوّ؛ فأما المرض فيُستعمل فيه الحصر؛ والصحيح أنهما يُستعملان فيهما. قلت: ما ٱدّعته الشافعية قد نَصّ الخليل بن أحمد وغيره على خلافه. قال الخليل: حَصرت الرجل حصراً منعته وحبسته، وأُحْصِر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه؛ هكذا قال، جعل الأوّل ثُلاثياً من حصرت، والثاني في المرض رُباعياً. وعلى هذا خرج قول ٱبن عباس: لا حَصْرَ إلا حَصْرُ العدوّ. وقال ٱبن السِّكيت: أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها. وقد حصره العدوّ يحصُرونه إذا ضيّقوا عليه فأطافوا به، وحاصروه محاصرةً وحصاراً. قال الأخفش: حصرت الرجل فهو محصور؛ أي حبسته. قال: وأحصرني بَوْلي، وأحصرني مرضي؛ أي جعلني أحصر نفسي. قال أبو عمرو الشيباني: حصرني الشيء وأحصرني؛ أي حَبسني. قلت: فالأكثر من أهل اللغة على أن «حُصر» في العدوّ، و «أحصر» في المرض؛ وقد قيل ذلك في قول الله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 273]. وقال ٱبن مَيّادة:شعر : وما هجر لَيْلَى أن تكون تباعدَتْ عليكَ ولا أنْ أحْصَرَتْك شُغولُ تفسير : وقال الزجاج: الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض، فأمّا من العدوّ فلا يقال فيه إلا حُصِر؛ يقال: حُصِر حصراً، وفي الأوّل أُحصِر إحصاراً؛ فدل على ما ذكرناه. وأصل الكلمة من الحبس؛ ومنه الحصِير للذي يَحبس نفسه عن البَوْح بسرّه. والحَصير: المَلك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب. والحَصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات البَرْدِيّ إلى بعض؛ كحبس الشيء مع غيره. الثانية: ولمّا كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفيّة: المُحْصَر من يصير ممنوعاً من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدوّ أو غير ذلك. وٱحتجُّوا بمقتضى الإحصار مطلقاً، قالوا: وذِكْرُ الأمن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الزكام أمان من الجُذام»تفسير : ، وقال: «حديث : مَن سَبَق العاطسَ بالحمد أَمِن من الشَّوْص واللَّوْص والعِلَّوْص»تفسير : . الشَّوْص: وجع السن. واللَّوْص: وجع الأذن. والعِلَّوْص: وجع البطن. أخرجه ٱبن ماجه في سُننه. قالوا: وإنما جعلنا حبس العدوّ حصاراً قياساً على المرض إذا كان في حكمه، لا بدلالة الظاهر. وقال ٱبن عمر وٱبن الزبير وٱبن عباس والشافعيّ وأهل المدينة: المراد بالآية حَصْر العدوّ؛ لأن الآية نزلت في سنة سِتّ في عُمْرة الحُدَيبِيَة حين صَدّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة. قال ٱبن عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت، فَنَحر النبيّ صلى الله عليه وسلم هَدْيَه وحَلَق رأسه. ودَلّ على هذا قوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ}. ولم يقل: برأتم؛ والله أعلم. الثالثة: جمهور الناس على أن المُحْصَر بعدوّ يَحِلّ حيث أُحْصِر ويَنْحَر هَدْيه إن كان ثَمّ هَدْيٌ وَيَحْلِق رأسه. وقال قتادة وإبراهيم: يبعث بهَدْيه إن أمكنه، فإذا بَلَغ مَحِلّه صار حلالاً. وقال أبو حنيفة: دم الإحصار لا يتوقّف على يوم النحر، بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بَلغ مَحِلّه؛ وخالفه صاحباه فقالا: يتوقّف على يوم النحر، وإن نَحَر قبله لم يُجْزِه. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان. الرابعة:الأكثر من العلماء على أن من أحْصِر بعدوّ كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أنّ عليه الْهَدْي؛ وهو قول الشافعي، وبه قال أشهب. وكان ٱبن القاسم يقول: ليس على مَن صُدّ عن البيت في حج أو عُمْرة هَدْيٌ إلا أن يكون ساقه معه؛ وهو قول مالك. ومن حُجتهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحُدَيْبِيَة هَدْياً قد كان أشعره وقَلَده حين أحرم بعمرة، فلما لم يبلغ ذلك الهَدْيُ مَحِلّه للصّد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنُحِر، لأنه كان هَدْياً وجب بالتقليد والإشعار، وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه، ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصدّ؛ فلذلك لا يجب على مَن صُدّ عن البيت هَدْيٌ. وٱحتجّ الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَحِلّ يوم الحُدَيْبِيَة ولم يَحْلِق رأسه حتى نحر الهَدْيَ؛ فَدَلّ ذلك على أنّ مِن شَرْط إحلال المُحْصَر ذَبْحَ هَدْي إن كان عنده، وإن كان فقيراً فمتى وجده وقَدَر عليه لا يَحِلّ إلا به، وهو مقتضى قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} وقد قيل: يَحِلّ ويُهْدي إذا قدر عليه؛ والقولان للشافعي، وكذلك من لا يجد هَدْياً يشتريه؛ قولان. الخامسة: قال عطاء وغيره: المُحْصَر بمرض كالمُحْصَر بعدوّ. وقال مالك والشافعي وأصحابهما: من أحصره المرض فلا يحلّه إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى يُفيق. وكذلك من أخطأ العدد أو خَفِيَ عليه الهلال. قال مالك: وأهلُ مكة في ذلك كأهل الآفاق. قال: وإن ٱحتاج المريض إلى دواء تداوى به وٱفتدى وبقي على إحرامه لا يَحِلّ من شيء حتى يبرأ من مرضه؛ فإذا برِىء من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعاً، وسعى بين الصَّفَا والمَرْوة، وحّل من حَجّته أو عُمرته. وهذا كله قول الشافعي، وذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وٱبن عباس وعائشة وٱبن عمر وٱبن الزبير أنهم قالوا في المُحْصَر بمرض أو خطأ العدد: إنه لا يحلّه إلا الطواف بالبيت. وكذلك مَن أصابه كسر أو بطن منخرق. وحُكْم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعَرَفة لمرضه، إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلّل بعمرة، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل، وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئاً مما نُهي عنه الحاجّ فلا هَدْي عليه. ومِن حُجّته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه لا يحلّه إلا الطواف بالبيت. وقال في المكيّ إذا بقي محصوراً حتى فرغ الناس من حَجّهم: فإنه يخرج إلى الحِلّ فيُلَبِّي ويفعل ما يفعله المعتمِر ويحّل؛ فإذا كان قابل حجّ وأهدى. وقال ٱبن شهاب الزهريّ في إحصار من أُحْصِر بمكة من أهلها: لا بدّ له من أن يقف بعرفة وإن نُعِش نَعْشاً. وٱختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن بكير المالكي فقال: قول مالك في المُحْصَر المكيّ أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهَدْي خلاف ظاهر الكتاب؛ لقول الله عز وجل: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. قال: والقول عندي في هذا قول الزهريّ في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج؛ فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد وإن نُعِشَ نَعْشاً لقرب المسافة بالبيت. وقال أبو حنيفة وأصحابه؛ كل مَن مُنع من الوصول إلى البيت بعدوّ أو مرض أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لَدْغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهَدْيه أو بثمن هَدْيه، فإذا نحر فقد حلّ من إحرامه. كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنَّخَعِي ومجاهد وأهل العراق؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} الآية. السادسة: قال مالك وأصحابه: لا ينفع المُحْرِم الاشتراط في الحج إذا خاف الحصر بمرض أو عدوّ؛ وهو قول الثوريّ وأبي حنيفة وأصحابهم. والاشتراط أن يقول إذا أَهَلّ: لَبَّيْكَ اللَّهُمّ لَبَّيْكَ، ومَحِلّي حيث حبستي من الأرض. وقال أحمد بن حنبل وإسحٰق بن راهْوَيْه وأبو ثور: لا بأس أن يشترط وله شرطه؛ وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين، وحجتهم «حديث : حديث ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أردت الحج، أأشترط؟ قال: «نعم». قالت: فكيف أقول؟ قال: «قولي لَبَيْكَ اللَّهُمّ لَبَيْكَ وَمَحلِّي من الأرض حيث حبستني»»تفسير : . أخرجه أبو داود والدّارَقُطْنِي وغيرهما. قال الشافعيّ: لو ثبت حديث ضُباعة لم أَعْدُه، وكان مَحِلّه حيث حبسه الله. قلت: قد صححه غير واحد، منهم أبو حاتم البستي وٱبن المنذر، قال ٱبن المنذر: «حديث : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضُبَاعة بنت الزبير: «حُجّي وٱشترطي»»تفسير : . وبه قال الشافعيّ إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر. قال ٱبن المنذر: وبالقول الأوّل أقول. وذكره عبد الرزاق أخبرنا ٱبن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أن طاوساً وعكرمة أخبراه عن ٱبن عباس قال: «حديث : جاءت ضُبَاعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّي امرأة ثقيلة وإني أريد الحج، فكيف تأمرني أن أهل؟ قال: «أَهلي وٱشترطي أن مَحلِيّ حيث حبستني». قال: فأدركَتْ»تفسير : . وهذا إسناد صحيح. السابعة: وٱختلفت العلماء أيضاً في وجوب القضاء على من أُحصِر؛ فقال مالك والشافعيّ: من أُحصر بعدوّ فلا قضاء عليه لحجِّه ولا عُمْرته، إلاّ أن يكون صرورة لم يكن حَجّ؛ فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه، وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضاً. وقال أبو حنيفة: المُحْصَر بمرض أو عدوّ عليه حجة وعمرة؛ وهو قول الطبري. قال أصحاب الرأي: إن كان مُهِلاًّ بحج قضى حجة وعمرة؛ لأن إحرامه بالحج صار عمرة. وإن كان قارناً قضى حجة وعمرتين. وإن كان مُهِلاًّ بعُمْرة قضى عُمرة. وسواء عندهم المُحْصَر بمرض أو عدوّ، على ما تقدّم. وٱحتجّوا بحديث ميمون بن مهران قال: خرجت معتمِراً عامَ حاصر أهل الشام ٱبن الزبير بمكة وبعث معي رجالٌ من قومي بهَدْي؛ فلما ٱنتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحَرَم؛ فنحرت الهَدْي مكاني ثم حَللتُ ثم رجعتُ؛ فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ٱبن عباس فسألته، فقال: أبدِل الهَدْي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يُبدلوا الهَدي الذي نحروا عام الحُدَيْبِيَة في عمرة القضاء. وٱستدلوا بقوله عليه السلام: «حديث : مَن كُسِر أو عَرج فقد حَلّ وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى»تفسير : . رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من عَرج أو كُسِر فقد حَلّ وعليه حجة أخرى»تفسير : . قالوا: فٱعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة؛ قالوا: ولذلك قيل لها عمرة القضاء. وٱحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحداً من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئاً ولا أن يعودوا لشيء، ولا حُفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل: إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حُصِرت فيها، ولم يُنقل ذلك عنه. قالوا: وعُمرة القضاء وعُمرة القضّية سواء؛ وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضى قريشاً وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل؛ فسُمِّيت بذلك عمرة القضية. الثامنة: لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كُسِر أو عَرج أنه يحلّ مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو؛ وتابعه على ذلك داود ابن عليّ وأصحابه. وأجمع العلماء على أنه يحِلّ من كُسر؛ ولكن ٱختلفوا فيما به يحِلّ؛ فقال مالك وغيره: يحِلّ بالطواف بالبيت لا يحِلّه غيره. ومن خالفه من الكوفيين يقول: يحِلّ بالنية وفعل ما يتحلّل به؛ على ما تقدّم من مذهبه. التاسعة: لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عامٌّ في الحج والعمرة. وقال ٱبن سِيرين: لا إحصار في العمرة، لأنها غير مؤقّتة. وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر، وفي ذلك نزلت الآية. وحُكي عن ٱبن الزبير أن من أحصره العدوّ أو المرض فلا يحِلّه إلا الطواف بالبيت؛ وهذا أيضاً مخالف لنصّ الخبر عامَ الحُدَيْبِيَة. العاشرة: الحاصر لا يخلو أن يكون كافراً أو مسلماً، فإن كان كافراً لم يجز قتاله ولو وَثِق بالظهور عليه، ويتحلّل بموضعه؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} كما تقدم. ولو سأل الكافرُ جُعْلاً لم يَجُزْ، لأن ذلك وَهْن في الإسلام. فإن كان مسلماً لم يجز قتاله بحال، ووجب التحلّل؛ فإن طلب شيئاً ويتخلّى عن الطريق جاز دفعه، ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المُهَج، وذلك لا يلزم في أداء العبادات، فإن الدين أسمح. وأمّا بذل الْجُعْل فلمَا فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما، ولأن الحج مما يُنَفق فيه المال، فيُعَدّ هذا من النفقة. الحادية عشرة: والعدوّ الحاصر لا يخلو أن يتيقّن بقاؤه وٱستيطانه لقوّته وكثرته أوّلاً؛ فإن كان الأوّل حلّ المحصَر مكانه من ساعته. وإن كان الثاني وهو مما يرجَى زواله فهذا لا يكون محصوراً حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدوّ لا يدرك فيه الحج، فيحلّ حينئذ عند ٱبن القاسم وٱبن الماجشون. وقال أشهب: لا يحلّ مَن حُصر عن الحج بعدوّ حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عَرَفة. وجه قول ٱبن القاسم: أن هذا وقت يأس من إكمال حجّة لعدوّ غالب، فجاز له أن يحلّ فيه؛ أصل ذلك يوم عرفة. ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه (والتزامه له إلى يوم النحر، الوقت الذي يجوز للحاج التحلّل بما يمكنه) الإتيان به (فكان ذلك عليه). قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} «ما» في موضع رفع؛ أي فالواجب أو فعليكم ما ٱستيسر. ويحتمل أن يكون في موضع نصب؛ أي فٱنحروا أو فٱهدوا. و «مَا ٱسْتَيْسَرَ» عند جمهور أهل العلم شاة. وقال ٱبن عمر وعائشة وٱبن الزبير: «ما ٱستيسر» جمل دون جمل، وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما. وقال الحسن: أعلى الهَدْي بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصَر بعدوّ لا يجب عليه القضاء؛ لقوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} ولم يذكر قضاء. والله أعلم. الثانية عشرة: قوله تعالى: {مِنَ ٱلْهَدْيِ} الْهَدْيُ والهَدِيّ لغتان. وهو ما يُهْدَى إلى بيت الله من بَدَنة أو غيرها. والعرب تقول: كم هَدِيّ بني فلان؛ أي كم إبلهم. وقال أبو بكر: سُمّيت هَدِيا لأن منها ما يُهْدَى إلى بيت الله؛ فسمّيت بما يلحق بعضها، كما قال تعالى: {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [النساء: 25]. أراد فإن زنى الإماء فعلى الأَمَة منهن إذا زَنَت نصف ما على الحُرّة البكر إذا زَنَت؛ فذَكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار؛ لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمّين بأمر يوجد في بعضهن. والمُحْصَنة من الحرائر هي ذات الزوج، يجب عليها الرَّجْم إذا زنت، والرجم لا يتبعّض، فيكون على الأَمَة نصفه؛ فٱنكشف بهذا أن المُحْصَنات يراد بهن الأبكار لا أُولات الأزواج. وقال الفَرّاء: أهل الحجاز وبنو أسد يخفّفون الهَدْي؛ قال: وتميم وسُفْلَى قيس يثقّلون فيقولون: هَدِيّ. قال الشاعر:شعر : حَلفْتُ بربّ مكة والمُصَلَّى وأعناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتِ تفسير : قال: وواحد الهَدْي هدية. ويقال في جمع الهدي: أهداء. قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} الخطاب لجميع الأمة: مُحْصَر ومُخَلًّي. ومن العلماء من يراها للمحصَرين خاصّةً؛ أي لا تتحلّلوا من الإحرام حتى يُنْحَر الهَدْي. والمَحِلُّ: الموضع الذي يحلّ فيه ذبحه. فالمحِلّ في حصر العدوّ عند مالك والشافعي: موضع الحصر، ٱقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحُدَيْبِيَة؛ قال الله تعالى: {أية : وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} تفسير : [الفتح: 25] قيل: محبوساً إذا كان محصَراً ممنوعاً من الوصول إلى البيت العَتِيق. وعند أبي حنيفة مَحِلّ الهَدْي في الإحصار: الحَرَم؛ لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}تفسير : [الحج: 33]. وأجيب عن هذا بأن المخاطَب به الآمنُ الذي يجد الوصول إلى البيت. فأمّا المُحْصَر فخارج من قول الله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} بدليل نحر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه هَدْيَهم بالحديبية وليست من الحَرَم. وٱحتجُّوا من السُّنة بحديث حديث : ناجية بن جُندب صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ابعث معي الهَدْيَ فانحره بالحرم. قال: «فكيف تصنع به» قال: أخرجه في الأوْدية لا يقدرون عليه، فانطلق به حتى أنحره في الحرم. وأجيب بأن هذا لا يصح، وإنما يُنحر حيث حلّ؛ ٱقتداءً بفعله عليه السلام بالحديبيةتفسير : ؛ وهو الصحيح الذي رواه الأئمة، ولأن الهَدْيَ تابع للمُهْدِي، والمهدِي حلّ بموضعه؛ فالمُهْدَى أيضاً يحل معه. الثانية: وٱختلف العلماء على ما قرّرناه في المحصَر هل له أن يَحلق أو يَحِلّ بشيء من الحِلّ قبل أن يَنحر ما ٱستيسر من الهَدْي؛ فقال مالك: السُّنة الثابتة التي لا ٱختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه، قال الله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا حلّ المحصَر قبل أن يَنحر هَدْيه فعليه دَمٌ، ويعود حراماً كما كان حتى يَنحر هَدْيه. وإن أصاب صيداً قبل أن يَنْحر الهَدْيَ فعليه الجزاء. وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحلّ أبداً حتى يَنحر أو يُنحر عنه. قالوا: وأقلّ ما يُهديه شاة، لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين؛ وليس هذا عندهم موضع صيام. قال أبو عمر: قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض؛ لأنهم لا يجيزون لمُحْصر بعدوّ ولا مرض أن يحلّ حتى يَنحر هديه في الحَرَم. وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدْي ويواعد حامله يوماً ينحره فيه فيحلّ ويحلِق فقد أجازوا له أن يحلّ على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه، وحملوه على الإحلال بالظنون. والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن؛ والدليل على أن ذلك ظنّ قولهم: لو عَطِب ذلك الهَدْيُ أو ضَلّ أو سُرِق فحلّ مُرْسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراماً وعليه جزاء ما صاد؛ فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم مَن لم يحلّ من إحرامه. وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب، وإنما بَنَوْا مذهبهم هذا كله على قول ٱبن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له. وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي: فيه قولان: لا يحلّ أبداً إلا بهَدْي. والقول الآخر: أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه؛ فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قَدَر عليه. قال الشافعي: ومن قال هذا قال: يحلّ مكانه ويذبح إذا قَدر؛ فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يُجْزه أن يذبح إلا بها، وإن لم يقدر ذبح حيث قدر. قال ويقال: لا يَجزيه إلا هَدْي. ويقال: إذا لم يَجد هدياً كان عليه الإطعام أو الصيام. وإن لم يجد واحداً من هذه الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر. وقال في العبد: لا يجزيه إلا الصوم، تُقوّم له الشاة دراهم ثم الدراهم طعاماً ثم يصوم عن كل مُدٍّ يوماً. الثالثة: وٱختلفوا إذا نَحر المُحْصَر هَدْيَه هل له أن يَحلِق أوْ لا؛ فقالت طائفة: ليس عليه أن يحلق رأسه؛ لأنه قد ذهب عنه النُّسك. وٱحتجّوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميعُ المناسك كالطواف والسَعْي ـ وذلك مما يحلّ به المحرِم من إحرامه ـ سقط عنه سائر ما يحلّ به المحرم من أجل أنه مُحْصَر. وممن ٱحتجَ بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا: ليس على المُحْصَر تقصير ولا حِلاق. وقال أبو يوسف: يَحلِق المقصِّر، فإن لم يَحلق فلا شيء عليه. وقد حكى ٱبن أبي عمران عن ٱبن سمعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق؛ والتقصير لا بدّ له منه. وٱختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين: أحدهما أن الحلاق للمُحْصَر من النُّسك؛ وهو قول مالك. والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة. والحجة لمالك أن الطواف بالبيت والسَعْي بين الصّفا والمرْوَة قد منِع من ذلك كله المحصَر وقد صُدّ عنه؛ فسقط عنه ما قد حِيل بينه وبينه. وأما الحِلاَق فلم يَحُلْ بينه وبينه، وهو قادر على أن يفعله، وما كان قادراً على أن يفعله فهو غير ساقط عنه. ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصَر كما هو باقٍ على مَن قد وصل إلى البيت سواء قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، وما رواه الأئمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمُحَلِّقِين ثلاثاً وللمُقَصِّرِين واحدة. وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة، وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه. الحِلاَق عندهم نُسك على الحاجّ الذي قد أتَمّ حجّة، وعلى من فاته الحج، والمُحْصَر بعدوّ والمُحْصَر بمرض. الرابعة: روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللَّهُمّ ٱرْحم المُحَلِّقِين» قالوا: والمُقَصِّرِين يا رسول الله؛ قال: «اللَّهُمّ ٱرحم المحلِّقين» قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله؛ قال: «والمُقَصِّرين»تفسير : . قال علماؤنا: ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلِّقين ثلاثاً وللمُقَصِّرين مرّةً دليل على أن الحلق في الحج والعُمْرة أفضل من التقصير، وهو مقتضى قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ} الآية، ولم يقل تُقصِّروا. وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزىء عن الرجال؛ إلا شيء ذُكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أوّل حَجة يحجّها الإنسان. الخامسة: لم تدخل النساء في الحَلْق، وأن سنّتهن التّقصير؛ لما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ليس على النساء حَلْق إنما عليهن التقصير»تفسير : . خرّجه أبو داود عن ٱبن عباس. وأجمع أهل العلم على القول به. ورأت جماعة أن حلقها رأسها من المُثْلَة، وٱختلفوا في قدر ما تُقَصِّر من رأسها؛ فكان ٱبن عمر والشافعي وأحمد وإسحٰق يقولون: تُقصر من كل قَرْن مثل الأنملة. وقال عطاء: قدر ثلاث أصابع مقبوضة. وقال قتادة: تقصر الثلث أو الربع. وفرّقت حفصة بنت سِيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع، وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلّل. وقال مالك: تأخذ من جميع قرون رأسها، وما أخذت من ذلك فهو يكفيها؛ ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القُرون وتُبقي بعضاً. قال ٱبن المنذر: يجزي ما وقع عليه ٱسم تقصير، وأحْوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة. السادسة: لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه؛ وذلك أن سُنّة الذبح قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدأ فنحر هديه ثم حَلق بعد ذلك؛ فمن خالف هذا فقدّم الحلاق قبل النحَر فلا يخلو أن يقدّمه خطأً وجهلاً أو عمداً وقصداً؛ فإن كان الأوّل فلا شيء عليه؛ رواه ٱبن حبيب عن ٱبن القاسم، وهو المشهور من مذهب مالك. وقال ٱبن الماجشون: عليه الهَدْيُ؛ وبه قال أبو حنيفة. وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر؛ وبه قال الشافعي. والظاهر من المذهب المنع، والصحيح الجواز؛ لحديث بن عباس حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: «لاَ حَرَجَ» تفسير : رواه مسلم. وخرّج ٱبن ماجه عن عبد اللَّه بن عمرو حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل عمن ذَبح قبل أن يَحلِق، أو حَلَق قبل أن يَذبح فقال: «لاَ حَرَجَ».تفسير : السابعة: لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نُسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز؛ خلافاً لمن قال: إنه مُثْلة؛ ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المُثْلة، وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام، ولو لم يجز الحلق ما حلقهم. وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يحلق رأسه. قال ٱبن عبد البر: وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق. وكفى بهذا حجة، وبالله التوفيق. قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} ٱستدلّ بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المُحْصَر في أوّل الآية العدوّ لا المرض، وهذا لا يلزم؛ فإن معنى قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} فحلق «فَفِدْيَةٌ»، أي فعليه فِدْية، وإذا كان هذا وارداً في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أوّل الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها، لاتساق الكلام بعضه على بعض، وٱنتظام بعضه ببعض؛ ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أوّلها، فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدلّ الدليل على العدول عنه. ومما يدلّ على ما قلناه سبب نزول هذه الآية، روى الأئمة واللفظ للدّارَقُطْنِي: «حديث : عن كعب بن عُجْرَة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقَمْلُه يتساقط على وجهه فقال: «أيؤذيك هوامُّك» قال نعم. فأمره أن يحلق وهو بالحُدَيْبِيَة، ولم يبيِّن لهم أنهم يحلّون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة؛ فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطعم فَرَقاً بين ستة مساكين، أو يُهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام»تفسير : . خرّجه البخاري بهذا اللفظ أيضاً. فقوله: «ولم يبيِّن لهم أنهم يحلّون بها» يدلّ على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدوّ لهم؛ فإذًا الموجب للفِدْية الحلق للأذى والمرض، والله أعلم. الثانية: قال الأوزاعي في المُحْرِم يصيبه أذًى في رأسه: إنه يجزيه أن يكفّر بالفدية. قبل الحلق. قلت: فعلى هذا يكون المعنى {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} إن أراد أن يَحْلِق، ومن قدر فخلق ففدية؛ فلا يفتدي حتى يحلق. والله أعلم. الثالثة: قال ٱبن عبد البر: كلّ مَن ذَكر النُّسك في هذا الحديث مفسَّراً فإنما ذكره بشاة، وهو أمرٌ لا خلاف فيه بين العلماء. وأمّا الصوم والإطعام فاختلفوا فيه؛ فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عُجْرَة. وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث. وقد جاء من رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن «حديث : عن كعب ابن عُجْرَة أنه حدّثه أنه كان أَهَلّ في ذي القعدة، وأنه قمِل رأسه فأتى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قِدْر له؛ فقال له: «كأنك يؤذيك هوامّ رأسك». فقال أَجَل. قال: «أحلِق وٱهْدِ هَدْياً». فقال: ما أجد هَدْياً. قال: «فأطعم ستة مساكين». فقال: ما أجد. قال: «صُم ثلاثة أيام»»تفسير : . قال أبو عمر: كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك، ولو صح هذا كان معناه الاختيار أوّلاً فأوّلاً؛ وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نصّ القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق. الرابعة: اختلف العلماء في الإطعام في فِدية الأذى؛ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: الإطعام في ذلك مُدّان بُمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهو قول أبي ثور وداود. وروي عن الثّوري أنه قال في الفِدْية: مِن البُرّ نصفُ صاع، ومن التمر والشعير والزبيب صاع. وروي عن أبي حنيفة أيضاً مثله، جعل نصفَ صاعُ بُرٍّ عِدْل صاع تمر. قال ٱبن المنذر: وهذا غلط؛«حديث : لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أن تصدّق بثلاثة أَصْوُع من تمر على ستة مساكين»»تفسير : . وقال أحمد بن حنبل مرّةً كما قال مالك والشافعي، ومرّةً قال: إن أطعم بُرًّا فمُدّ لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع. الخامسة: ولا يجزي أن يغدّي المساكين ويعشّيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مُدّين بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد ابن الحسن. وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغدّيهم ويعشيهم. السادسة: أجمع أهل العلم على أن المحرِم ممنوع من حَلق شعره وجَزّه وإتلافه بحلق أو نُورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نصّ على ذلك القرآن. وأجمعوا على وجوب الفِدية على من حلق وهو مُحْرِم بغير علّة، وٱختلفوا فيما على من فعل ذلك، أو لبس أو تطيّب بغير عذر عامداً؛ فقال مالك: بئس ما فعل! وعليه الفدية؛ وهو مخيّر فيها؛ وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ، لضرورة وغير ضرورة. وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور: ليس بمخيّر إلا في الضرورة؛ لأن الله تعالى قال: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} فإذا حلَق رأسه عامداً أو لبس عامداً لغير عذر فليس بمخيّر وعليه دَمٌ لا غير. السابعة: وٱختلفوا فيمن فعل ذلك ناسياً؛ فقال مالك رحمه الله: العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفِدْية؛ وهو قول أبي حنيفة والثوريّ والليث. وللشافعيّ في هذه المسألة قولان: أحدهما: لا فِدْيَة عليه؛ وهو قول داود وإسحٰق. والثاني: عليه الفدية. وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المُحْرِم بلبس المَخيط وتغطية الرأس أو بعضه، ولبس الخُفَّين وتقليم الأظافر ومسّ الطِّيب وإماطة الأذى، وكذلك إذا حلق شعر جسده أو ٱطّلى، أو حلق مواضع المحاجم. والمرأة كالرجل في ذلك، وعليها الفِدْية في الكُحْل وإن لم يكن فيه طِيب. وللرجل أن يكتحل بما لا طِيب فيه. وعلى المرأة الفدية إذا غطّت وجهها أو لبست القُفّازين، والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء؛ وبعضهم يجعل عليهما دماً في كل شيء من ذلك. وقال داود: لا شيء عليهما في حلق شعر الجسد. الثامنة: وٱختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة؛ فقال عطاء: ما كان من دمٍ فبمكّة، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء؛ وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي. وعن الحسن أن الدم بمكة. وقال طاوس والشافعيّ: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء؛ لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحَرَم، وقد قال الله سبحانه {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}تفسير : [المائدة: 95] رِفْقاً لمساكين جيران بيته؛ فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام، والله أعلم. وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء؛ وهو الصحيح من القول، وهو قول مجاهد. والذبح هنا عند مالك نُسك وليس بهَدْي لنصّ القرآن والسنة؛ والنُّسك يكون حيث شاء، والهَدْي لا يكون إلا بمكة. ومن حُجته أيضاً ما رواه عن يحيى بن سعيد في مُوَطّئه، وفيه: فأمر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه برأسه ـ يعني رأس حسين ـ فحلق ثم نسك عنه بالسُّقْيا فنحر عنه بعيراً. قال مالك قال يحيى بن سعيد: وكان حسين خرج مع عثمان في سفره (ذلك) إلى مكة. ففي هذا أوضح دليل على أن فِدْية الأذى جائز أن تكون بغير مكة، وجائز عند مالك في الهَدْي إذا نُحر في الحَرَم أن يُعطاه غير أهل الحرم؛ لأن البُغْية فيه إطعام مساكين المسلمين. قال مالك: ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحَرَم جاز إطعام غير أهل الحرم؛ ثم إن قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} الآية، أوضح الدلالة على ما قلناه؛ فإنه تعالى لما قال: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} لم يقل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه. وقال: «أو نسك» فسمّى ما يذبح نُسكاً، وقد سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمّه هَدْياً؛ فلا يلزمنا أن نرده قياساً على الهَدْي، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن عليّ. وأيضاً فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا أمر كَعْباً بالفدية ما كان في الحَرَم؛ فصحّ أن ذلك كله يكون خارج الحرم؛ وقد رُوي عن الشافعيّ مثل هذا في وجه بعيد. التاسعة: قوله تعالى: {أَوْ نُسُكٍ} النُّسك: جمع نسيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكها العبد لله تعالى. ويُجمع أيضاً على نسائك. والنُّسك: العبادة في الأصل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَرِنَا مَنَاسِكَنَا} تفسير : [البقرة: 128] أي مُتعبَّداتنا. وقيل: إن أصل النّسك في اللغة الغسل؛ ومنه نَسَك ثَوبه إذا غسله؛ فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل: النّسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة؛ فكأن العابد خلّص نفسه من دنس الآثام وسبكها. قوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} قيل: معناه برأتم من المرض. وقيل: من خوفكم من العدوّ الْمُحْصِر؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيّل الخوف من المرض فيكون الأمن منه، كما تقدّم، والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} الآية. اختلف العلماء مَنِ المخاطب بهذا؟ فقال عبد اللَّه بن الزبير وعَلْقَمة وإبراهيم: الآية في المحصَرين دون الْمُخَلَّى سبيلهم. وصورة المتمتّع عند ٱبن الزبير: أن يُحْصَر الرجل حتى يفوته الحج، ثم يصل إلى البيت فيحلّ بعُمْرة، ثم يقضي الحج من قابل؛ فهذا قد تمتّع بما بين العُمْرة إلى حج القضاء. وصورة المتمتّع الْمُحْصَر عند غيره: أن يُحصَر فيحلّ دون عُمرة ويؤخّرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه. وقال ٱبن عباس وجماعة: الآية في الْمُحْصَرِين وغيرهم ممن خُلِّيَ سبيله. الثالثة: لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله، وأن الإفراد جائز؛ وأن القِرَان جائز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رَضِيَ كُلاًّ ولم ينكره في حجّته على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورَضِيَه منهم، صلى الله عليه وسلم. وإنما ٱختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحْرِما في حَجّته وفي الأفضل من ذلك، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك؛ فقال قائلون منهم مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُفْرِداً، والإفراد أفضل من القِرَان. قال: والقِرَان أفضل من التمتع. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: «حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أراد منكم أن يُهِلّ بحج وعُمرة فليفعل ومن أراد أن يهلّ بحج فَلْيُهِلّ ومن أراد أن يُهلّ بعمرة فليُهِلّ»»تفسير : قالت عائشة: فأهَلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج، وأهلّ به ناس معه، وأهلّ ناس بالعُمْرة والحج، وأهلّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلّ بالعمرة؛ رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وقال بعضهم فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأما أنا فأُهِلّ بالحج»تفسير : وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، وهو حجة من قال بالإفراد وفضله. وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال: إذا جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به. وٱستحب أبو ثور الإفراد أيضاً وفضّله على التمّتع والقِرَان؛ وهو أحد قولي الشافعيّ في المشهور عنه. وٱستحب آخرون التّمتع بالعُمرة إلى الحج، قالوا: وذلك أفضل. وهو مذهب عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن الزبير، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعيّ. قال الدّارَقُطنِيّ قال الشافعيّ: ٱخترت الإفراد؛ والتَمتُع حَسَن لا نكرهه. ٱحتجَ مَن فضّل التّمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حُصين قال: نزلت آية المُتْعَة في كتاب الله ـ يعني متعة الحج ـ وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزِل آيةٌ تنسخ (آية) متعة الحج، ولم يَنه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات؛ قال رجل برأيه بعدُ ما شاء. وروى الترمذي حدّثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ٱبن شهاب عن محمد بن عبد اللَّه بن الحارث بن نَوْفَل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عامَ حَجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التّمتع بالعُمْرة إلى الحج؛ فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. فقال سعد: بئس ما قلت يٱبن أخي! فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه؛ هذا حديث صحيح. وروى ٱبن إسحٰق عن الزهري عن سالم قال: إني لجالس مع ٱبن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التّمتع بالعمرة إلى الحج؛ فقال ٱبن عمر: حَسَن جميل. قال: فإن أباك كان ينهى عنها. فقال: ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به، أفبقول أبي آخذ، أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم! قُمْ عنّي. أخرجه الدّارَقُطْنِيّ، وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث صالح بن كيسان عن ٱبن شهاب عن سالم. ورُوي عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، وأوّل من نهى عنها معاوية. حديث حسن. قال أبو عمر: حديث ليث هذا حديث منكر، وهو ليث بن أبي سليم ضعيف. والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كان ينهيان عن التّمتع، وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها فسخ الحج في العُمْرة. فأما التمتع بالعُمْرة إلى الحج فلا. وزعم من صحّح نهي عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر عمارته بكثرة الزوّار له في غير الموسم، وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقاً لدعوة إبراهيم: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [إبراهيم: 37]. وقال آخرون: إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته؛ فخشي أن يضيع الإفراد والقِرَان وهما سُنّتان للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وٱحتج أحمد في ٱختياره التمتع بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولو ٱستقبلت من أمري ما ٱستدبرتُ ما سقتُ الْهَدْيَ ولجعلتها عُمْرة»تفسير : . أخرجه الأئمة. وقال آخرون: القِرَان أفضل؛ منهم أبو حنيفة والثوري، وبه قال المُزَني قال: لأنه يكون مؤدّياً للفرضين جميعاً؛ وهو قول إسحٰق. قال إسحٰق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارناً؛ وهو قول عليّ بن أبي طالب. وٱحتج من ٱستحب القِرَان وفضّله بما رواه البخاريّ «حديث : عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العَقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربّي فقال صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حَجّة»»تفسير : . وروى الترمذيّ عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لبيك بعمرة وحجة»تفسير : . وقال: حديث حسن صحيح. قال أبو عمر: والإفراد إن شاء الله أفضل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مُفْرِداً، فلذلك قلنا إنه أفضل؛ لأن الآثار أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم، ولأن الإفراد أكثر عملاً ثم العمرة عمل آخر. وذلك كله طاعة والأكثر منها أفضل. وقال أبو جعفر النحاس: المفرِد أكثر تعباً من المتمتّع، لإقامته على الإحرام وذلك أعظم لثوابه. والوجه في ٱتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرنا بالتمتع والقِرَان جاز أن يقال: تمتّع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَرَن، كما قال جل وعز: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ}. وقال عمر بن الخطاب: رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أمر بالرجم. قلت: الأظهر في حجته عليه السلام القِرَانُ، وأنه كان قارناً، لحديث عمر وأنس المذكورين. وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال: «حديث : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يُلَبّي بالحج والعُمْرة معاً»تفسير : . قال بكر: فحدثت بذلك ٱبن عمر فقال: لبَّى بالحج وحده؛ فلقيت أنساً فحدّثته بقول ٱبن عمر؛ فقال أنس: ما تَعُدُّوننا إلا صِبيانا! سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لبيك عمرة وحَجَّا»تفسير : . وفي صحيح مسلم أيضاً عن ٱبن عباس قال: حديث : أَهلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعمرة وأَهلّ أصحابه بحجّ؛ فلم يَحِلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا مَن ساق الهَدْيَ من أصحابه، وحَلّ بقيّتهمتفسير : . قال بعض أهل العلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارِناً، وإذا كان قارِناً فقد حَجّ وٱعتمر، وٱتّفقت الأحاديث. وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَهَلّ بعمرة؛ فقال من رآه: تمتّع ثم أَهَلّ بحجّة. فقال من رآه: أَفْرَدَ ثم قال: «حديث : لَبّيْكَ بحَجّة وعُمرة»تفسير : . فقال من سمعه: قَرَن. فٱتفقت الأحاديث. والدليل على هذا أنه لم يَرْوِ أحد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفردت الحج ولا تمتّعت. وصح عنه أنه قال: «قرنت» كما رواه النسائي «حديث : عن عليّ أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «كيف صنعت» قلت أهللت بإهلالك. قال: «فإني سُقتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ». قال وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لو ٱستقبلتُ من أمري كما ٱستدبرتُ لفعلتُ كما فعلتم ولكنّي سُقتُ الهَدْيَ وقَرَنتُ»»تفسير : . وثبت «حديث : عن حفصة قالت: قلت: يا رسول الله، ما بال الناس قد حَلّوا من عمرتهم ولم تَحلِلْ أنت؟ قال: «إني لَبَدْتُ رأسي وسُقت هَدْيي فلا أحِلّ حتى أَنْحَر»»تفسير : . وهذا يبين أنه كان قارِناً، لأنه لو كان مُتَمَتِّعاً أو مُفْرداً لم يمتنع مِن نَحْر الهَدْي. قلت: ما ذكره النحاس أنه لم يَرو أحد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أفردتُ الحج»تفسير : فقد تقدّم من رواية عائشة أنه قال: «حديث : وأمّا أنا فأهِلّ بالحج»تفسير : . وهذا معناه: فأنا أفرد الحج، إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة؛ ثم قال: فأنا أهلّ بالحج. ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن ٱبن عمر، وفيه: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلّ بالعمرة ثم أهلّ بالحج؛ فلم يبق في قوله: «حديث : فأنا أهلّ بالحج»تفسير : دليل على الإفراد. وبقي قوله عليه السلام: «حديث : فإني قرنت»تفسير : . وقول أنس خادِمه أنه سمعه يقول: «حديث : لَبّيْكَ بحَجة وعُمْرة معاً» تفسير : نصٌّ صريح في القِران لا يحتمل التأويل. وروى الدّارقُطْني عن عبد اللَّه بن أبي قتادة عن أبيه قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاجّ بعدها. الرابعة: وإذا مضى القول في الإفراد والتمتُّع والقِران وأن كل ذلك جائز بإجماع فالتمتع بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه؛ منها وجه واحد مجتَمع عليه، والثلاثة مختلَف فيها. فأما الوجه المجتَمع عليه فهو التّمتع المراد بقول الله جلّ وعزّ: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} وذلك أن يُحرم الرجل بعُمْرة في أشهر الحج ـ على ما يأتي بيانها ـ وأن يكون من أهل الآفاق، وقدِم مكة ففرغ منها ثم أقام حلالاً بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده، أو قبل خروجه إلى مِيقات أهل ناحيته؛ فإذا فعل ذلك كان متمتعاً وعليه ما أوجب الله على المتمتع، وذلك ما ٱستيسر من الهدي؛ يذبحه ويعطيه للمساكين بمنىً أو بمكة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، وسبعةً إذا رجع إلى بلده ـ على ما يأتي ـ وليس له صيام يوم النحر بإجماع من المسلمين. وٱختلف في صيام أيام التشريق على ما يأتي. فهذا إجماع من أهل العلم قديماً وحديثاً في المُتْعة، ورابطها ثمانية شروط: الأوّل: أن يجمع بين الحج والعُمْرة. الثاني: في سفر واحد. الثالث: في عام واحد. الرابع: في أشهر الحج. الخامس: تقديم العمرة. السادس: ألا يَمْزُجَها، بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. السابع: أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. الثامن: أن يكون من غير أهل مكة. وتأمّل هذه الشروط فيما وصفنا من حكم التّمتع تجدها. والوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة إلى الحج: القِران، وهو أن يجمع بينهما في إحرام واحد فيُهِلّ بهما جميعاً في أشهر الحج أو غيرها؛ يقول: لَبّيْكَ بحَجة وعُمرة معاً؛ فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته طوافاً واحداً وسعى سعياً واحداً، عند من رأى ذلك، وهم مالك والشافعيّ وأصحابهما وإسحٰق وأبو ثور، وهو مذهب عبد اللَّه ابن عمر وجابر بن عبد اللَّه وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَجة الوداع فأهللنا بعمرة، الحديث. وفيه: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً. أخرجه البخاري.«حديث : وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة يوم النَّفر ولم تكن طافت بالبيت وحاضت: «يَسَعُكِ طوافُكِ لحَجِّك وعُمرتك»»تفسير : في رواية: «حديث : يُجْزِىءُ عنكِ طوافُك بالصّفا والمَرْوَةَ عن حَجِّكِ وعُمرْتك»تفسير : . أخرجه مسلم ـ أو طاف طوافين وسعي سعيين، عند من رأى ذلك، وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ والأوزاعيّ والحسن بن صالح وٱبن أبي لَيْلَى، ورُوي عن عليّ وٱبن مسعود، وبه قال الشعبيّ وجابر بن زيد. وٱحتجوا بأحاديث عن عليّ عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسَعَى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل. أخرجهما الدَارَقُطْنِي في سُننه وضَعّفها كلها، وإنما جعل القران مِن باب التمتع؛ لأن القارن يتمتع بترك النَّصَب في السفر إلى العُمرة مَرّةً وإلى الحج أخرى، ويتمتّع بجمعهما، ولم يُحرم لكل واحدة من ميقاته، وضَمّ الحج إلى العمرة؛ فدخل تحت قول الله عز وجل: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}. وهذا وجه من التّمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه. وأهل المدينة لا يجيزون الجمع بين العُمْرة والحج إلا بسياق الهَدْي، وهو عندهم بَدَنة لا يجوز دونها. ومما يدلّ على أن القِران تمتّع قولُ ٱبن عمر: إنما جعل القران لأهل الآفاق؛ وتلا قول الله جلّ وعَزّ: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتّع أو قَرَن لم يكن عليه دمُ قِرانٍ ولا تمتّع. قال مالك: وما سمعت أن مَكِّيًّا قَرَن، فإن فعل لم يكن عليه هَدْيٌ ولا صيام؛ وعلى قول مالك جمهور الفقهاء في ذلك. وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا قَرَن المكيّ الحج مع العمرة كان عليه دَمُ القِران من أجل أن الله إنما أسقط عن أهل مكة الدّم والصيام في التمتع. والوجه الثالث من التمتع: هو الذي توعّد عليه عمر بن الخطاب وقال: مُتعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: مُتعةُ النسّاء ومُتعةُ الحج. وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعدُ هَلُمّ جَرّا، وذلك أن يُحرِم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجّه في عمرة، ثم حلّ وأقام حلالاً حتى يُهِلّ بالحج يوم التَّروِيَة. فهذا هو الوجه الذي تواردت به الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فيه أنه أمر أصحابه في حجّته مَن لم يكن معه هَدْيٌ ولم يَسُقْه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة. وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا شيئاً منها؛ إلا أنهم ٱختلفوا في القول بها والعمل لعللٍ فجمهورهم على ترك العمل بها؛ لأنها عندهم خصوص خصّ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه في حَجّته تلك. قال أبو ذرّ: كانت المتعة لنا في الحج خاصة. أخرجه مسلم. وفي رواية عنه أنه قال: "حديث : لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصّةً، يعني متعة النساء ومتعة الحج"تفسير : . والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله ٱبن عباس رضي الله عنه قال: «كانوا يَرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المُحَرّمَ صَفَراً ويقولون: إذا بَرَأَ الدَّبَرْ، وعَفَا الأَثْرَ، وٱنسلخ صَفَرْ، حَلّت العمرةُ لمن ٱعتمرْ. فَقدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه صبِيحةَ رابعةٍ مُهِلِّين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عُمرةً؛ فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله، أيّ الحِلِّ؟ قال: «الحِلُّ كله» أخرجه مسلم. وفي المسند الصحيح لأبي حاتم عن ٱبن عباس قال: والله ما أَعْمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك؛ فإن هذا الحيّ من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عَفَا الوَبَرْ، وَبَرَأَ الدِّبَرْ، وٱنسلخ صَفَرْ، حَلْت العُمْرةُ لمن ٱعتمرْ. فقد كانوا يحرّمون العُمرة حتى ينسلخ ذو الحجة؛ فما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم. ففي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها. وكان ذلك له ولمن معه خاصّةً؛ لأن الله عز وجل قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من دخل فيها أمراً مطلقاً، ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سُنّة مبيّنة. وٱحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذرّ وبحديث الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا: «حديث : يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصّة أم للناس عامَةً؟ قال: «بل لنا خاصة»»تفسير : . وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق والشام، إلا شيء يروي عن ٱبن عباس والحسن والسُّدِّي، وبه قال أحمد بن حنبل. قال أحمد: لا أردّ تلك الآثار الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن أبيه وبقول أبي ذرّ. قال: ولم يجمعوا على ما قال أبو ذرّ، ولو أجمعوا كان حجة؛ قال: وقد خالف ٱبن عباس أبا ذرّ ولم يجعله خصوصاً. وٱحتج أحمد بالحديث الصحيح، «حديث : حديث جابر الطويل في الحج، وفيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنى ٱستقبلت من أمري ما ٱستدبرت لم أَسُق الهَدْيَ وجعلتها عمرة» فقام سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألِعامِنا هذا أم لأبَدٍ؟ فشبّك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدةً في الأخرى وقال: «دخلتِ العُمْرة في الحج ـ مرتين ـ لا بل لأبَدٍ أبَدٍ»»تفسير : لفظ مسلم. وإلى هذا والله أعلم مال البخاريّ حيث ترجم «باب مَن لَبّى بالحج وسَمّاه» وساق حديث جابر بن عبد اللَّه: حديث : قدِمْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لَبّيْكَ بالحج؛ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عُمرةتفسير : . وقال قوم: إن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإحلال كان على وجه آخر. وذكر مجاهد ذلك الوجه، وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا فرضوا الحج أوّلاً، بل أمرهم أن يُهِلُّوا مطلقاً وينتظروا ما يؤمرون به؛ وكذلك أَهَلّ عليٌّ باليمن. وكذلك كان إحرام النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويدلّ عليه قوله عليه السلام: «حديث : لو ٱستقبلتُ من أمري ما ٱستدبرتُ ما سُقْتُ الْهَدْيَ وجعلتها عمرة»تفسير : فكأنه خرج ينتظر ما يُؤمر به ويأمر أصحابه بذلك، ويدلّ على ذلك قوله عليه السلام: «حديث : أتاني آتٍ من ربّي في هذا الوادي المبارك وقال قل حَجّة في عمرة".تفسير : والوجه الرابع من المتعة: مُتْعَةُ الْمُحْصر وَمَن صُدّ عن البيت؛ ذكر يعقوب بن شيبة قال حدّثنا أبو سلمة التّبُوذَكِيّ حدّثنا وُهَيْب حدّثنا إسحٰق بن سُوَيْد قال سمعت عبد اللَّه ابن الزبير وهو يخطب يقول: أيها الناس، إنه والله ليس التمتع بالعُمْرة إلى الحج كما تصنعون، ولكن التّمتع أن يخرج حاجًّا فيحبسه عدوّ أو أَمْرٌ يعذر به حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت فيطوف ويسعَى بين الصفا والمَرْوَة، ثم يتّمتع بحلّه إلى العام المستقبل ثم يحج ويُهدِي. وقد مضى القول في حكم الْمُحْصَر وما للعلماء في ذلك مبيَّناً، والحمد لله. فكان من مذهبه أن المُحْصَر لا يحلّ ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه الهَديَ يوم النحر، ثم يَحْلِق ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلّل من حَجّه بعمل عُمرة. والذي ذكره ابن الزبير خلاف عموم قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} بعد قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعُمْرة، والنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه حين أحصروا بالحُدَيْبِيَة حَلُّوا وحَلّ، وأمرهم بالإحلال. وٱختلف العلماء أيضاً لم سُمّيَ المتمتع متمتِّعاً؛ فقال ٱبن القاسم: لأنه تمتّع بكل ما لا يجوز للمُحْرِم فعله من وقت حِلّه في العمرة إلى وقت إنشائه الحج. وقال غيره: سُمّيَ متمتعاً لأنه تمتّع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حقّ العمرة أن تقصد بسفر، وحقّ الحج كذلك؛ فلما تمتّع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هدياً؛ كالقارِن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد، والوجه الأوّل أعم، فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله، وسقط عنه السفر لحّجه من بلده، وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج. وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وٱبن مسعود، وقالا أو قال أحدهما: يأتي أحدكم منىً وذَكَرُه يَقْطر مَنِياًّ؛ وقد أجمع المسلمون على جواز هذا. وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحبّ أن يزار البيت في العام مرّتين: مرةً في الحج، ومرةً في العُمْرة. ورأى الإفراد أفضل؛ فكان يأمر به ويَميل إليه وينهى عن غيره ٱستحباباً؛ ولذلك قال: افصلوا بين حَجّكم وعمرتكم، فإنه أتم لحج أحدكم و (أتم) لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. الخامسة: ٱختلف العلماء فيمن ٱعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ومنزله ثم حج من عامه؛ فقال الجمهور من العلماء: ليس بمتمتّع، ولا هَدْيَ عليه ولا صيام. وقال الحسن البصري: هو متمّتع وإن رجع إلى أهله، حَجّ أو لم يحجّ. قال لأنه كان يقال: عمرة في أشهر الحج مُتْعة؛ رواه هُشيم عن يونس عن الحسن. وقد روي عن يونس عن الحسن: ليس عليه هَديٌ. والصحيح القول الأوّل، هكذا ذكر أبو عمر «حَجّ أو لم يحج» ولم يذكره ٱبن المنذر. قال ٱبن المنذر: وحجته ظاهر الكتاب قوله عز وجل: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} ولم يستثن: راجعاً إلى أهله وغير راجع، ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبيّنه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن سعيد بن المسيّب مثل قول الحسن. قال أبو عمر: وقد روي عن الحسن أيضاً في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضاً، ولا ذهب إليه أحد من أهل العلم. وذلك أنه قال: من ٱعتمر بعد يوم النحر فهي مُتعة. وقد روي عن طاوس قولان هما أشدّ شذوذاً مما ذكرنا عن الحسن، أحدهما: أن من ٱعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى دخل وقت الحج، ثم حجّ من عامه أنه متمتّع. هذا لم يقل به أحد من العلماء غيره، ولا ذهب إليه أحد من فقهاء الأمصار. وذلك ـ والله أعلم ـ أن شهور الحج أحقّ بالحج من العمرة؛ لأن العمرة جائزة في السنة كلّها، والحج إنما موضعه شهور معلومة؛ فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به، إلا أن الله تعالى قد رخّص في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتّع وللقارن ولمن شاء أن يُفردها، رحمةً منه، وجعل فيه ما ٱستيسر من الْهَدْي. والوجه الآخر قاله في المكيّ إذا تمتّع من مصرٍ من الأمصار فعليه الْهَدْي، وهذا لم يُعَرِّج عليه؛ لظاهر قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} والتمتّع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحناه بالشرائط التي ذكرناها، وبالله توفيقنا. السادسة: أجمع العلماء على أن رجلاً من غير أهل مكة لو قدم مكة معتمراً في أشهر الحج عازماً على الإقامة بها ثم أنشأ الحج من عامه فحجّ أنه متمتّع، عليه ما على المتمتّع. وأجمعوا في المكيّ يجيء من وراء الميقات مُحْرِماً بعمرة، ثم ينشىء الحج من مكة وأهله بمكة ولم يسكن سواها أنه لا دَمَ عليه، وكذلك إذا سكن غيرها وسكنها وكان له فيها أهلٌ وفي غيرها. وأجمعوا على أنه إن ٱنتقل من مكة بأهله ثم قدمها في أشهر الحج معتمِراً فأقام بها حتى حج من عامه أنه متمتّع. السابعة: وٱتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوريّ وأبو ثور على أن المتمتع يطوف لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، وعليه بعدُ أيضاً طوافٌ آخر لحَجّه وسَعْيٌ بين الصفا والمروة. وروي عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سَعْيٌ واحد بين الصفا والمروة؛ والأوّل المشهور، وهو الذي عليه الجمهور، وأما طواف القارن فقد تقدّم. الثامنة: وٱختلفوا فيمن أنشأ عُمرة في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر الحج؛ فقال مالك: عمرته في الشهر الذي حلّ فيه؛ يريد إن كان حلّ منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن كان حلّ منها في أشهر الحج فهو متمتّع إن حَجّ من عامه. وقال الشافعي: إذا طاف بالبيت في الأشهر الحُرُم للعمرة فهو متمتّع إن حج من عامه؛ وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت، وإنما ينظر إلى كمالها، وهو قول الحسن البصري والحكم بن عُيَيْنة وٱبن شُبْرُمة وسفيان الثوريّ. وقال قتادة وأحمد وإسحٰق: عمرته للشهر الذي أهلّ فيه؛ وروي معنى ذلك عن جابر بن عبد اللَّه. وقال طاوس: عمرته للشهر الذي يدخل فيه الحَرَم. وقال أصحاب الرأي: إن طاف لها ثلاثة أشواط في رمضان، وأربعة أشواط في شوّال فحج من عامه أنه متمتع. وإن طاف في رمضان أربعة أشواط، وفي شوّال ثلاثة أشواط لم يكن متمتعاً. وقال أبو ثور: إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء أطاف لها في رمضان أو في شوّال لا يكون بهذه العمرة متمتعاً. وهو معنى قول أحمد وإسحٰق: عمرته للشهر الذي أهلّ فيه. التاسعة: أجمع أهل العلم على أن لمن أَهلّ بعمرة في أشهر الحج أن يُدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطّواف بالبيت، ويكون قارِناً بذلك، يلزمه ما يلزم القارن الذي أنشأ الحج والعمرة معاً. وٱختلفوا في إدخال الحج على العمرة بعد أن ٱفتتح الطواف؛ فقال مالك: يلزمه ذلك ويصير قارِناً ما لم يتم طوافه؛ وروى مثله عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل الأخذ في الطواف، وقد قيل: له أن يُدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي الطواف. وكل ذلك قول مالك وأصحابه. فإذا طاف المعتمر شوطاً واحداً لعمرته ثم أحرم بالحج صار قارناً، وسقط عنه باقي عمرته ولزمه دَمُ القِران. وكذلك من أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد فراغه منه قبل ركوعه. وقال بعضهم: له أن يُدخل الحج على العمرة ما لم يُكمل السعي بين الصّفا والمروة. قال أبو عمر: وهذا كله شذوذ عند أهل العلم. وقال أشهب: إذا طاف لعمرته شوطاً واحداً لم يلزمه الإحرام به ولم يكن قارناً، ومضى على عمرته حتى يتمها ثم يُحرم بالحج؛ وهذا قول الشافعيّ وعطاء، وبه قال أبو ثور. العاشرة: وٱختلفوا في إدخال العمرة على الحج؛ فقال مالك وأبو ثور وإسحٰق: لا تدخل العمرة على الحج، ومن أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشيء؛ قاله مالك، وهو أحد قولي الشافعيّ، وهو المشهور عنه بمصر. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعيّ في القديم: يصير قارِناً، ويكون عليه ما على القارن ما لم يَطُف لحجّته شوطاً واحداً، فإن طاف لم يلزمه؛ لأنه قد عمل في الحج. قال ٱبن المنذر: وبقول مالك أقول في هذه المسألة. الحادية عشرة: قال مالك: مَن أهدى هدياً للعمرة وهو متمتّع لم يجزه ذلك، وعليه هَدْيٌ لمُتْعته؛ لأنه إنما يصير متمتعاً إذا أنشأ الحج بعد أن حلّ من عمرته، وحينئذ يجب عليه الهدي. وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحٰق: لا يَنحر هديه إلا يوم النحر. وقال أحمد: إن قدم المتمتع قبل العشر طاف وسَعَى ونَحَر هَدْيَه، وإن قدم في العشر لم ينحر إلا يوم النحر؛ وقاله عطاء. وقال الشافعيّ: يحلّ من عمرته إذا طاف وسعَى، ساق هدياً أو لم يسقه. الثانية عشرة: وٱختلف مالك والشافعيّ في المتمتع يموت؛ فقال الشافعيّ: إذا أحرم بالحج وجب عليه دَمُ المتعة إذا كان واجداً لذلك؛ حكاه الزعفرانيّ عنه. وروى ٱبن وهب عن مالك أنه سئل عن المتمتع يموت بعد ما يُحرم بالحج بعرفة أو غيرها، أترى عليه هدياً؟ قال: من مات من أولئك قبل أن يرمي جمرة العَقَبة فلا أرى عليه هَدْياً، ومن رمى الجمرة ثم مات فعليه الهَدْي. قيل له: من رأس المال أو من الثلث؟ قال: بل من رأس المال. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} قد تقدّم الكلام فيه. قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} يعني الْهَدْي، إمّا لعدم المال أو لعدَم الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده. والثلاثةُ الأيام في الحج آخرها يوم عرفة؛ هذا قول طاوس، وروي عن الشعبيّ وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنَّخَعِيّ وسعيد بن جُبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي؛ حكاه ٱبن المنذر. وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة يصومها في إحرامه بالعُمْرة، لأنه أحد إحرامي التمتع؛ فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج. وقال أبو حنيفة أيضاً وأصحابه: يصوم قبل يوم التّروِيَة يوماً، ويومَ التروية ويوم عرفة. وقال ٱبن عباس ومالك بن أنس: له أن يصومها منذ يُحرِم بالحج إلى يوم النحر؛ لأن الله تعالى قال: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} فإذا صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته فلم يجزه. وقال الشافعيّ وأحمد بن حنبل: يصومهن ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة؛ وهو قول ٱبن عمر وعائشة؛ وروي هذا عن مالك، وهو مقتضى قوله في مُوَطَّئه؛ ليكون يوم عرفة مفطراً؛ فذلك أتبع للسُّنة، وأقوى على العبادة، وسيأتي. وعن أحمد أيضاً: جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يُحرم. وقال الثوريّ والأوزاعيّ: يصومهنّ من أوّل أيام العشر؛ وبه قال عطاء. وقال عُروة: يصومها ما دام بمكة في أيام مِنًى؛ وقاله أيضاً مالك وجماعة من أهل المدينة. وأيام مِنًى هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر. روى مالك في الموطأ عن عائشة أمّ المؤمنين أنها كانت تقول: «الصيام لمن تمتّع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هَدْياً ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام مِنىً». وهذا اللفظ يقتضي صحة الصوم من وقت يحرم بالحج المتمتع إلى يوم عرفة، وأن ذلك مبدأ، إمّا لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من أيام مِنىً وقت القضاء، على ما يقوله أصحاب الشافعي؛ وإمّا لأن في تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراء للذِّمة، وذلك مأمور به. والأظهر من المذهب أنها على وجه الأداء، وإن كان الصوم قبلها أفضل؛ كوقت الصلاة الذي فيه سَعة للأداء وإن كان أوّله أفضل من آخره. وهذا هو الصحيح وأنها أداء لا قضاء؛ فإن قوله: {أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} يحتمل أن يريد موضع الحج، ويحتمل أن يريد أيام الحج؛ فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح؛ لأن آخر أيام الحج يوم النحر، ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي؛ لأن الرمي عَمَلٌ مِن عمل الحج خالصاً وإن لم يكن من أركانه. وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام مِنىً؛ كما قال عروة، ويقوى جداً. وقد قال قوم: له أن يؤخرها ٱبتداء إلى أيام التشريق، لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بألا يجد الهَدْي يوم النحر. فإن قيل وهي: الثانية: فقد ذهب جماعة من أهل المدينة والشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه إلى أنه لا يجوز صوم أيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام مِنىً؛ قيل له: إن ثبت النهي فهو عامٌ يخصَّص منه المتمتع بما ثبت في البخاري أن عائشة كانت تصومها. وعن ٱبن عمر وعائشة قالا: لم يُرخّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الْهَدْي. وقال الدّارَقُطْنِيّ: إسناده صحيح، ورواه مرفوعاً عن ٱبن عمر وعائشة من طرق ثلاثة ضعّفها. وإنما رخّص في صومها لأنه لم يبق من أيامه إلا بمقدارها، وبذلك يتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي. قال ٱبن المنذر: وقد روينا عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: إذا فاته الصوم صام بعد أيام التشريق؛ وقاله الحسن وعطاء. قال ٱبن المنذر: وكذلك نقول. وقالت طائفة: إذا فاته الصوم في العشر لم يَجْزِه إلا الهَدْي. روي ذلك عن ٱبن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد، وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه؛ فتأمّله. الثالثة: أجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يَجد الهَدْيَ، وٱختلفوا فيه إذا كان غير واجدٍ للهَدْي فصام ثم وَجد الهَدْي قبل إكمال صومه؛ فذكر ٱبن وهب عن مالك قال: إذا دخل في الصوم ثم وجد هَدْياً فأحبّ إليّ أن يُهدِى، فإن لم يفعل أجزاه الصيام. وقال الشافعي: يمضي في صومه وهو فرضه؛ وكذلك قال أبو ثور، وهو قول الحسن وقتادة، وٱختاره ٱبن المنذر. وقال أبو حنيفة: إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل الصوم ووجب عليه الهَدْي، وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام لا يرجع إلى الهَدْي؛ وبه قال الثوريّ وٱبن أبي نَجيح وحماد. الرابعة: قوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ} قراءة الجمهور بالخفض على العطف. وقرأ زيد ٱبن عليّ «وسبعةً» بالنصب، على معنى: وصوموا سبعةً. الخامسة: قوله تعالى: {إِذَا رَجَعْتُمْ} يعني إلى بلادكم؛ قاله ٱبن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء، وقاله مالك في كتاب محمد، وبه قال الشافعيّ. قال قتادة والرّبيع: هذه رُخصة من الله تعالى، فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدّد أحد، كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان. وقال أحمد وإسحٰق: يجزيه الصوم في الطريق؛ وروي عن مجاهد وعطاء. قال مجاهد: إن شاء صامها في الطريق، إنما هي رخصة؛ وكذلك قال عكرمة والحسن. والتقدير عند بعض أهل اللغة: إذا رجعتم من الحج؛ أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحِلّ. وقال مالك في الكتاب: إذا رجع من مِنىً فلا بأس أن يصوم قال ٱبن العربي: «إن كان تخفيفاً ورُخصةً فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعاً. وإن كان ذلك توقيتاً فليس فيه نصّ، ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وأنها المراد في الأغلب». قلت: بل فيه ظاهر يقرب إلى النّص، يبيّنه ما رواه مسلم عن ٱبن عمر قال: تمتّع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأَهْدَى، فساق معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفَة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهَلّ بالعمرة ثم أَهَلّ بالحج، وتمتّع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج؛ فكان من الناس مَن أهْدَى فساق الهَدْيَ، ومنهم مَن لم يُهد، فلما قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: «حديث : مَن كان منكم أهدى فإنه لا يحلّ من شيء حرم منه حتى يقضي حجّه ومن لم يكن منكم أهدى فلْيَطُف بالبيت وبالصّفا والمَرْوَة ولْيُقَصِّر ولْيَحْلِل ثم ليهِلّ بالحج ولْيُهدِ فمن لم يجد هَدْياً فلْيَصُم ثلاثةَ أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله»تفسير : الحديث. وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله وبلده، والله أعلم. وكذا قال البخاريّ في حديث ٱبن عباس: «ثم أَمَرنَا عَشِيّة التّروِيَة أن نُهلّ بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطُفْنا بالبيت وبالصّفا والمَرْوَة وقد تمَّ حَجُّنا وعلينا الهَدْي؛ كما قال الله تعالى: «فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم» الحديث، وسيأتي. قال النحاس: وكان هذا إجماعاً. السادسة: قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} يقال: كَمَلَ يَكْمُل؛ مثل نصر ينصر. وكمُلَ يَكْمُل؛ مِثْلُ عَظُم يعظم. وكَمِل يَكْمَل؛ مِثلُ حَمِد يحمَد؛ ثلاث لغات. وٱختلفوا في معنى قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ} وقد عُلم أنها عشرة؛ فقال الزجاج: لما جاز أن يتَوهّم متَوَهمّ التّخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلاً منها؛ لأنه لم يقل وسبعة أخرى ـ أزيل ذلك بالجملة من قوله «تلك عشرة» ثم قال: «كاملة». وقال الحسن: «كاملة» في الثواب كمن أهدى. وقيل: «كاملة» في البدل عن الهَدْي؛ يعني العشرة كلها بدل عن الهدي. وقيل: «كاملة» في الثواب كمن لم يتمتع. وقيل: لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر؛ أي أكملوها فذلك فرضها. وقال المبرّد: «عشرة» دلالة على ٱنقضاء العدد؛ لئلا يتوَهّم متوَهّم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة. وقيل: هو توكيد؛ كما تقول: كتبت بيدي. ومنه قول الشاعر:شعر : ثلاثٌ وٱثنتان فهنّ خمسٌ وسادسةٌ تميل إلى شِمامِي تفسير : فقوله «خمس» تأكيد. ومثله قول الآخر:شعر : ثلاثٌ بالغداة فذاك حَسْبي وسِتٌّ حين يدركني العِشاء فذلك تسعة في اليوم ريّي وشرب المرء فوق الريّ داء تفسير : وقوله: «كاملة» تأكيد آخر، فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها؛ كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال: اللَّهَ اللَّهَ لا تقصّر. السابعة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي إنما يجب دَمُ التمتّع عن الغريب الذي ليس من حاضري المسجد الحرام. خرّج البخاريّ «حديث : عن ٱبن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال: أَهَلّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم في حَجّة الوداع وأهللنا؛ فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا إهلالكم بالحج عُمرةً إلا مَن قلّد الهَدْي» طُفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: «مَن قَلد الْهَدي فإنه لا يَحِلّ حتى يبلغ الهَدْي مَحِلَّه» ثم أَمَرَنا عشِيّة التَّرْوِية أن نُهِلّ بالحجتفسير : ؛ فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تمّ حجنا وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أمصاركم، الشاةُ تَجْزِي، فجمعوا نُسُكَيْن في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله عز وجل: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وأشهر الحج التي ذكر الله عز وجل شوّال وذو القعدة وذو الحجة؛ فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دَمٌ أو صوم. والرَّفَثُ: الجماع والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء. الثامنة: اللاّم في قوله «لَمِنْ» بمعنى على؛ أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة؛ كقوله عليه السلام: «حديث : اشترطي لهم الولاء»تفسير : ، وقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7] أي فعليها. وذلك إشارة إلى التمّتع والقِران للغريب عند أبي حنيفة وأصحابه؛ لا مُتْعَةَ ولا قِران لحاضري المسجد الحرام عندهم. ومَن فعل ذلك كان عليه دَمُ جناية لا يأكل منه؛ لأنه ليس بدم تمتّع. وقال الشافعي: لهم دم تمتع وقِران. والإشارة ترجع إلى الهَدْي والصيام، فلا هدي ولا صيام عليهم. وفرّق عبد الملك بن الماجشون بين التمّتع والقِران، فأوجب الدم في القِران وأسقطه في التّمتع، على ما تقدم عنه. التاسعة: وٱختلف الناس في حاضري المسجد الحرام ـ بعد الإجماع على أن أهل مكة وما ٱتصل بها من حاضريه. وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم. قال ٱبن عطية: وليس كما قال ـ فقال بعض العلماء: من كان يجب عليه الجمعة فهو حَضَرِيّ، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدَوِيّ؛ فجعل اللفظة من الحضارة والبَداوة. وقال مالك وأصحابه هم أهل مكة وما ٱتصل بها خاصة. وعند أبي حنيفة وأصحابه: هم أهل المواقيت ومَن وراءها من كل ناحية؛ فمن كان من أهل المواقيت أو من أهل ما وراءها فهم من حاضري المسجد الحرام. وقال الشافعي وأصحابه: هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة، وذلك أقرب المواقيت. وعلى هذه الأقوال مذاهب السلف في تأويل الآية. العاشرة: قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي فيما فرضه عليكم. وقيل: هو أَمْرٌ بالتقوى على العموم، وتحذير من شدّة عقابه.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى أحكام الصيام، وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، ولهذا قال بعده: فإن أحصرتم، أي: صددتم عن الوصول إلى البيت، ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء، على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة، أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام مستقصى، ولله الحمد والمنة. وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه قال في هذه الآية: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، قال: أن تحرم من دويرة أهلك، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس، وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية: إتمامهما أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريباً من مكة، قلت: لو حججت أو أعمرت، وذلك يجزىء، ولكن التمام أن تخرج له، ولا تخرج لغيره، وقال مكحول: إتمامهما: إنشاؤهما جميعاً من الميقات، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: {الحج أشهر معلومات}، وقال هشام عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة، فقيل له: فالعمرة في المحرم؟ قال: كانوا يرونها تامة، وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله، وهذا القول فيه نظر؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة: عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر، وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانىء: «حديث : عمرة في رمضان تعدل حجة معي»تفسير : ، وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه عليه السلام، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم. وقال السدي في قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} أي: أقيموا الحج والعمرة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة، فليس له أن يحل، حتى يتمهما تمام الحج، يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة، وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل. وقال قتادة: عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف، وكذا روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، قال: هي قراءة عبد الله: وأتموا الحج والعمرة إلى البيت، لا يجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس. وقال سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، وكذا روى الثوري أيضاً، عن إبراهيم عن منصور عن إبراهيم، أنه قرأ: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. وقرأ الشعبي: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} برفع العمرة، وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك، وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: «حديث : من كان معه هدي، فليهل بحج وعمرة»تفسير : ، وقال في الصحيح أيضاً: «حديث : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».تفسير : وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثاً غريباً، فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء عن صفوان بن أمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أين السائل عن العمرة»تفسير : ؟ فقال: ها أنا ذا، فقال له: «حديث : ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك»تفسير : هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة، فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة، وعليه جبة وخلوق؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال: «حديث : أين السائل؟»تفسير : فقال ها أنا ذا، فقال: «حديث : أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك»تفسير : ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه الآية، وهو عن يعلى بن أمية، لا صفوان بن أمية، فالله أعلم. وقوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست، أي: عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وكان سبعين بدنة، وأن يحلقوا رؤوسهم، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السلام أن يحلقوا رؤوسهم، وأن يتحللوا، فلم يفعلوا انتظاراً للنسخ، حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله المحلقين»تفسير : قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: «حديث : والمقصرين»تفسير : ، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم، ولهذا اختلف العلماء: هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عدو، لا مرض ولا غيره، على قولين، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن ابن عباس، أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال، فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} فليس الأمن حصراً، قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك، والقول الثاني: إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال، وهو التوهان عن الطريق، أو نحو ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى ابن سعيد، حدثنا حجاج بن الصواف عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كسر أو وجع أو عرج، فقد حل، وعليه حجة أخرى»تفسير : قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة، فقالا: صدق، وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به، وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: «حديث : من عرج أو كسر أو مرض»تفسير : ، فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر. وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال: «حديث : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني»تفسير : ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله، فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج؛ لهذا الحديث، وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد صح ولله الحمد. وقوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} قال الإمام مالك: عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقول: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} شاة، وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن، وقال الثوري عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} قال: شاة، وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر. قال: وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك (قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الابل والبقر كل سبعة منا في بقرة، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} قال: بقدر يسارته، وقال العوفي، عن ابن عباس: إن كان موسراً فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة عن أبيه: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء، والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي: مهما تيسر مما يسمى هدياً، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم؛ كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنماً. وقوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ} معطوف على قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وليس معطوفاً على قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} كما زعمه ابن جرير رحمه الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم، فلا يجوز الحلق {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ} ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان منفرداً أو متمتعاً؛ كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «حديث : إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر».تفسير : وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب ابن عجرة في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ فسألته عن فدية من صيام، فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «حديث : ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة» تفسير : ؟ قلت: لا، قال: «حديث : صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك»تفسير : فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أُوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على وجهي، أو قال: حاجبي، فقال: «حديث : يؤذيك هو ام رأسك» تفسير : ؟ قلت: نعم، قال: «حديث : فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك نسيكة»تفسير : قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ. وقال أحمد أيضاً: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أيؤذيك هو ام رأسك»تفسير : ؟ فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وكذا رواه عفان عن شعبة عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس به، وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به؛ وعن شعبة عن داود عن الشعبي عن كعب بن عجرة نحوه؛ ورواه الإمام مالك عن حميد بن قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره نحوه وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري: إنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، ورواه ابن مردويه، وروي أيضاً من حديث عمر بن قيس، وهو ضعيف، عن عطاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة»تفسير : وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعكرمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه، وقال: «حديث : صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدين مدين لكل إنسان، أو أنسك شاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك»تفسير : وهكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: إذا كان، أو فأية أخذت أجزأ عنك، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم والنخعي والضحاك نحو ذلك. (قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع، لكل مسكين نصف صاع، وهو مدان، وإن شاء، ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أيّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: أنسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام، فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فأجابه بقول: يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم، وجعل مكانها طعام فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يوماً، قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر، قال: لما قال لي سعيد بن جبير: من هذا؟ ما أظرفه قال: قلت: هذا إبراهيم، فقال: ما أظرفه كان يجالسنا، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت: يجالسنا، انتفض منها، وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين: مكوكاً من تمر، ومكوكاً من بر، والنسك شاة، وقال قتادة عن الحسن وعكرمة في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: إطعام عشرة مساكين، وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة، قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة الصيام ثلاثة أيام لا ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن. وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن، وعليه أجمع الفقهاء هناك، بخلاف هذا، والله أعلم. وقال هشام: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن، وقال هشام: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حج عثمان بن عفان، ومعه علي والحسين بن علي، فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر، فإذا نحن برجل نائم، وناقته عند رأسه، قال: فقلت: أيها النائم فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي، قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إلي علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرضناه نحواً من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به علي، فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها، فإن كانت هذه الناقة عن الحلق، ففيه أنه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل فواضح. وقوله: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} أي فإذا تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعاً بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولاً، فلما فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر يقول: قرن، ولا خلاف أنه ساق هدياً، وقال تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة، وله أن يذبح البقر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر، وقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح البقر عن نسائه، وكن متمتعات، رواه أبو بكر بن مردويه، وفي هذا دليل على مشروعية التمتع، كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها، حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحاً به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع، ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام، يعني قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله عنه ينهى عنها محرماً لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين؛ كما قد صرح به رضي الله عنه. وقوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} يقول تعالى: فمن لم يجد هدياً، فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك، قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل عرفة في العشر، قاله عطاء، أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره؛ لقوله: في الحج، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد، وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم وأبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان، وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هدياً، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث، فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يوماً قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وكذا روى جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي أيضاً. فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد، فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضاً، القديم منهما: أنه يجوز له صيامها؛ لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، هكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر، وقد روي من غير وجه عنهما، ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي، أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، صامهن أيام التشريق، وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق؛ لما رواه مسلم عن قتيبة الهذلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله عز وجل».تفسير : وقوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} فيه قولان: (أحدهما): إذا رجعتم إلى رحالكم، ولهذا قال مجاهد: هي رخصة، إذا شاء صامها في الطريق، وكذا قال عطاء بن أبي رباح. والقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم، قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن سالم، سمعت ابن عمر قال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} قال: إذا رجع إلى أهله، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس، وحكى على ذلك أبو جعفر ابن جرير الإجماع، وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، فأهل بعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، قال للناس: «حديث : من كان منكم أهدىٰ فإنه لا يحل بشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هدياً، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله»تفسير : وذكر تمام الحديث، قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به، وقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي، وقال الله تعالى: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38] وقال {أية : وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِنِكَ}تفسير : [العنبكوت: 48] وقال: {أية : وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}تفسير : [الأعراف: 142] وقيل: معنى كاملة: الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير، وقيل معنى كاملة: أي: مجزئة عن الهدي، قال هشيم عن عباد بن راشد عن الحسن البصري في قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} قال: من الهدي. وقوله: {ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، هو الثوري، قال: قال ابن عباس: هم أهل الحرم، وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه: وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق، وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم وادياً، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم وادياً، ثم يهل بعمرة. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، قال: المتعة للناس، لا لأهل مكة، من لم يكن أهله من الحرم. وكذا قول الله عز وجل: {ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس، وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع، وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول في قوله: {ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قال: من كان دون الميقات، وقال ابن جريج عن عطاء: ذلك لن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. قال: عرفة ومزدلفة، وعرنة والرجيع، وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع، وفي رواية عنه: اليوم واليومين، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة؛ لأن من كان كذلك، يعد حاضراً لا مسافراً، والله أعلم. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: فيما أمركم ونهاكم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } أَدُّوهما بحقوقهما {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } منعتم عن إتمامهما بعدوِّ {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ } تيسر {مِنَ ٱلْهَدْىِ } عليكم وهو شاة {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ } أي لا تتحللوا {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ } المذكور {مَحِلَّهُ } حيث يحل ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } كقمل وصداع فحلق في الإحرام {فَفِدْيَةٌ } عليه {مّن صِيَامٍ } لثلاثة أيام {أَوْ صَدَقَةٍ } بثلاثة آصُع من غالب قوت البلد على ستة مساكين {أَوْ نُسُكٍ } أي ذبح شاة و(أو) للتخيير وألحق به من حلق لغير عذر لأنه أولى بالكفارة وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره {فَإِذَا أَمِنتُمْ } العدو بأن ذهب أو لم يكن {فَمَن تَمَتَّعَ } استمتع {بِٱلْعُمْرَةِ } أي بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام {إِلَى ٱلْحَجّ } أي إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ } تيسر {مِنَ ٱلْهَدْىِ } عليه وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به والأفضل يوم النحر {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الهدي لفقده أو فقد ثمنه {فَصِيَامُ } أي فعليه صيام {ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ } أي في حال الإحرام به فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } جملة تأكيد لما قبلها {ذٰلِكَ } الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان، فلا دم عليه ولا صيام وإن تمتع وفي ذكر (الأهل) إشعار بإشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج معاً أو يدخل الحج عليها قبل الطواف {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيما يأمركم به وينهاكم عنه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن خالفه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ } اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج، والعمرة لله، فقيل: أداؤهما، والإتيان بهما، من دون أن يشوبهما شيء مما هو محظور، ولا يخلّ بشرط، ولا فرض لقوله تعالى: {أية : فَأَتَمَّهُنَّ }تفسير : [البقرة: 124] وقوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ }تفسير : [البقرة: 187]. وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج لهما لا لغيرهما، وقيل: إتمامهما أن تفرد كل واحد منهما من غير تمتُّعٍ، ولا قِرَان، وبه قال ابن حبيب. وقال مقاتل: إتمامهما ألا يَسْتَحِلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل: إتمامهما أن يُحِرْم لهما من دُوَيْرة أهله، وقيل: أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وما هو مرويّ عن السلف في معنى إتمامهما. وقد استُدِل بهذه الآية على وجوب العمرة؛ لأن الأمر بإتمامهما أمر بها، وبذلك قال عليّ، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومسروق، وعبد الله بن شدّاد، والشافعي، وأحمد. وإسحاق، وأبو عبيد، وابن الجهم من المالكية. وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم: أنها سنة. وحكى عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب. ومن القائلين بأنها سنة ابن مسعود وجابر بن عبد الله. ومن جملة ما استدل به الأوّلون ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لأصحابه: «حديث : من كان معه هَدي فلْيُهِلِّ بحج وعمرة»تفسير : . وثبت عنه أيضاً في الصحيح أنه قال: «حديث : دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة»تفسير : وأخرج الدارقطني، والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الحجّ والعمرة فريضتان لا يضرّك بأيهما بدأت»تفسير : واستدل الآخرون بما أخرجه الشافعي في الآية، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحجّ جهاد، والعمرة تطوّع»تفسير : وأخرج ابن ماجه عن طلحة بن عبيد الله مرفوعاً مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه عن جابر: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «حديث : لا، وأن تعتمروا خير لكم» تفسير : وأجابوا عن الآية، وعن الأحاديث المصرحة بأنها فريضة بحمل ذلك على أنه قد وقع الدخول فيها، وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا خلاف، وهذا، وإن كان فيه بُعْدٌ، لكنه يجب المصير إليه؛ جمعاً بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه صلى الله عليه وسلم بما تقدّم في حديث جابر من عدم الوجوب، وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها، كما أخرجه الشافعي في الأم، أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: «حديث : إن العمرة هي الحج الأصغر»تفسير : وكحديث ابن عمر عند البيهقي في الشعب قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، "حديث : فقال: تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحجّ وتعتمر، وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية، وإياك والسرّ»تفسير : وهكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل الأعمال، وأنهما كفارة لما بينهما، وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك. قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } الحصر: الحبس. قال أبو عبيدة، والكسائي، والخليل: إنه يقال أحُصِر بالمرض، وحُصِر بالعدّو. وفي المجمل لابن فارس العكس، يقال: أحصر بالعدّو، وحُصر بالمرض. ورجح الأوّل ابن العربي، وقال: هو رأي أكثر أهل اللغة. وقال الزجاج: أنه كذلك عند جميع أهل اللغة، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في المرض، والعدّو. ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني فقال: حصرني الشي، وأحصرني: أي: حبسني. وبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية، فقالت الحنفية: المحصر من يصير ممنوعاً من مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدوّ أو غيره. وقالت الشافعية، وأهل المدينة المراد بالآية: حصر العدّو. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعدوّ يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثمّ هدي، ويحلق رأسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو، وأصحابه في الحديبية. وقوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } «ما» في موضع رفع على الابتداء، أو الخبر، أي: فالواجب أو فعليكم، ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي: فانحروا، أو فاهدوا ما استيسر أي: ما تيسر، يقال يَسُر الأمر، واستيسر، كما يقال صَعُب واستصعب، والهَديُّ، والهَدْي لغتان، وهما جمع هدية، وهي ما يهدى إلى البيت من بدنة، أو غيرها. قال الفراء: أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي، وتميم، وسفلي قيس يثقلون. قال الشاعر:شعر : حَلْفتُ بِربّ كعبة والمصلى وأعْناقِ الْهَدِىّ مُقَلَّداتِ تفسير : قال: وواحد الهدي هدية، ويقال في جمع الهديّ: أهد. واختلف أهل العلم في المراد بقوله: {مَا ٱسْتَيْسَرَ } فذهب الجمهور إلى أنه شاة. وقال ابن عمر وعائشة، وابن الزبير: جمل أو بقرة. وقال الحسن: أعلا الهدي بَدَنَة، وأوسطه بقرة، وأدناه شاة، وقوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ } هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين مُحْصَر، وغير مُحَصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمُحْصَرين خاصة: أي: لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدى الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ مَحِلَّه، وهو الموضع الذي يحلّ فيه ذبحُه. واختلفوا في تعيينه، فقال مالك، والشافعي: هو موضع الحصر، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أحصر في عام الحديبية. وقال أبو حنيفة: هو: الحرم لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ }تفسير : [الحج: 33] وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت. وأجاب الحنفية عن نحره صلى الله عليه وسلم في الحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم. ورُدَّ بأن المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم. قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } الآية، المراد بالمرض هنا: ما يصدق عليه مسمى المرض لغة. والمراد بالأذى من الرأس: ما فيه من قمل، أو جراح، ونحو ذلك، ومعنى الآية: أن من كان مريضاً، أو به أذى من رأسه، فحلق فعليه فدية. وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام، والصدقة، والنسك، فثبت في الصحيح: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى كعب بن عَجْرَة، وهو مُحْرِم، وقملهُ يتساقط على وجهه، حديث : فقال: أيؤذيك هَوَامُّ رأسك؟ تفسير : قال: نعم، حديث : فأمره أن يحلق، ويطعم ستة مساكين، أو يُهْدِي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام»تفسير : . وقد ذكر ابن عبد البرّ أنه لا خلاف بين العلماء أن النسك هنا هو: شاة. وحكى عن الجمهور أن الصوم المذكور في الآية ثلاثة أيام، والإطعام لستة مساكين. وروى عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين. والحديث الصحيح المتقدّم يردّ عليهم، ويبطل قولهم. وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيف وأصحابهم وداود إلى أن الإطعام في ذلك مُدَّان بمُدّ النبي صلى الله عليه وسلم أي: لكل مسكين، وقال الثوري: نصف صاع من برّ، أو صاع من غيره. وروى ذلك عن أبي حنيفة. قال ابن المنذر: وهذا غلط؛ لأن في بعض أخبار كعب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين"تفسير : واختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل، فروى عنه مثل قول مالك، والشافعي، وروي عنه أنه إن أطعم بُرّاً، فمدٌّ لكل مسكين، وإن أطعم تمراً، فنصف صاع. واختلفوا في مكان هذه الفدية، فقال عطاء: ما كان من دم، فبمكة، وما كان من طعام، أو صيام، فحيث شاء. وبه قال أصحاب الرأي. وقال طاوس، والشافعي: الإطعام، والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء. وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع، وهو: الحق لعدم الدليل على تعيين المكان. قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } أي: برأتم من المرض. وقيل: من خوفكم من العدّو على الخلاف السابق، ولكن الأمن من العدوّ أظهر من استعمال أمنتم في ذهاب المرض، فيكون مقوّياً لقول من قال إن قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } المراد به: الإحصار من العدّو، كما أن قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } يقوّي قول من قال بذلك لإفراد عذر المرض بالذكر. وقد وقع الخلاف: هل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة أم جميع الأمة على حسب ما سلف؟ والمراد بالتمتع المذكور في الآية: أن يحرم الرجل بعمرة، ثم يقيم حلالاً بمكة إلى أن يحرم بالحج، فقد استباح بذلك ما لا يحلّ للمُحْرِم استباحته، وهو معنى: تمتع واستمتع، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز التمتع، بل هو عندي أفضل أنواع الحج كما حررته في شرحي على المنتقى. وقد تقدّم الخلاف في معنى قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الآية، أي: فمن لم يجد الهدي، إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام الحج، وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر. وقيل: يصوم قبل يوم التروية يوماً، ويوم التروية، ويوم عرفة. وقيل: ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة، وقيل: يصومهنّ من أوّل عشر ذي الحجة، وقيل: ما دام بمكة. وقيل: إنه يجوز أن يصوم الثلاث قبل أن يحرم. وقد جوز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، ومنعه آخرون. قوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } قرأه الجمهور بخفض سبعة، وقرأ زيد بن عليّ، وابن أبي عبلة بالنصب على أنه مفعول بفعل مقدّر، أي: وصوموا سبعة، وقيل: على أنه معطوف على ثلاثة؛ لأنها، وإن كانت مجرورة لفظاً، فهي في محل نصب كأنه قيل: فصيام ثلاثة. والمراد بالرجوع هنا: الرجوع إلى الأوطان. قال أحمد وإسحاق: يجزيه الصوم في الطريق، ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم. وقال مالك: إذا رجع من مِنىً، فلا بأس أن يصوم. والأوّل أرجح، وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فمن لم يجد، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله» تفسير : فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن الرجوع المذكور في الآية هو: الرجوع إلى الأهل، وثبت أيضاً في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ: «وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم»، وإنما قال سبحانه: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} مع أن كل أحد يعلم أن الثلاثة، والسبعة عشرة لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج، والسبعة إذا رجع. قاله الزجاج. وقال المبرد: ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهّم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة. وقيل: هو: توكيد كما تقول: كتبت بيدي. وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه الفذلكة فيما دون هذا العدد، كقول الشاعر:شعر : ثلاث واثنتان فهنَّ خمس وسادسة تميل إلى سهامي تفسير : وكذا قول الآخر:شعر : ثلاث بالعداد وذاك حسبي وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ريّ وشرب المرء فوق الري داء تفسير : وقوله: {كَامِلَةٌ } توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية لصيامها، وأن لا ينقص من عددها. وقوله: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } الإشارة بقوله: ذٰلِكَ قيل: هي راجعة إلى التمتع، فتدل على أنه لا متعة لحاضري المسجد الحرام، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه. قالوا: ومن تمتع منهم كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه. وقيل: إنها راجعة إلى الحكم، وهو وجوب الهدي، والصيام، فلا يجب ذلك على من كان من حاضري المسجد الحرام، كما يقوله الشافعي، ومن وافقه. والمراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام: من لم يكن ساكناً في الحرم، أو من لم يكن ساكناً في المواقيت، فما دونها على الخلاف في ذلك بين الأئمة. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي: فيما فرضه عليكم في هذه الأحكام، وقيل هو أمر بالتقوى على العموم، وتحذير من شدّة عقاب الله سبحانه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الدلائل، وابن عبد البرّ في التمهيد، عن يعلى بن أمية؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بالجِعِرَّانة، وعليه جبة، وعليه أثر خَلُوق، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أين السائل عن العمرة؟ تفسير : فقال: ها أنذا، قال: حديث : اخلع الجبة، واغسل عنك أثر الخَلُوق، ثم ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك»تفسير : . وقد أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديثه، ولكن فيهما أنه نزل عليه صلى الله عليه وسلم الوحي بعد السؤال، ولم يذكر ما هو الذي أنزل عليه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عليّ في قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } قال: أن تحرم من دُوُيْرة أهلك. وأخرج ابن عديّ، والبيهقي مثله من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال: من تمامهما أن يُفْرِد كل واحد منهما عن الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحجّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: تمام الحجّ يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت، فقد حلّ، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حلّ. وقد ورد في فضل الحج، والعمرة أحاديث كثيرة، ليس هذا موطن ذكرها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } يقول: من أحرم بحج، أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يجهده، أو عدوّ يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي شاة فما فوقها، وإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت بعد حجة الفريضة، فلا قضاء عليه، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } يقول: الرجل إذا أهلّ بالحج، فأحصر بعث بما استيسر من الهدي فإن كان عجل قبل أن يبلغ الهدي محله، فحلق رأسه، أو مس طيباً، أو تداوى بدواء، كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة {فَإِذَا أَمِنتُمْ } يقول: فإذا بريء، فمضى من وجهه ذلك إلى البيت أحلّ من حجته بعمرة، وكان عليه الحجّ من قابل، فإن هو رجع، ولم يتمّ من وجهه ذلك إلى البيت كان عليه حجة، وعمرة، فإن هو رجع متمتعاً في أشهر الحج كان عليه ما استيسر من الهدى شاة، فإن هو لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع. قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث كله. وأخرج مالك، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن عليّ في قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } قال: شاة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس مثله. وأخرج الشافعي في الأم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي [عن ابن عمر]: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } قال: بقرة، أو جزور؛ قيل: أوما يكفيه شاة؟ قال: لا. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، عن ابن عباس قال في تفسير: {مَا * ٱسْتَيْسَرَ } ما يجد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: إن كان موسراً، فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق القاسم، عن عائشة، وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل، والبقر. وكان ابن عباس يقول: ما استيسر من الهدي شاة. وأخرج الشافعي في الأم، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس؛ قال: لا حصر إلا حصر العدوّ، فأما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال؛ فليس عليه شيء، إنما قال الله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ } فلا يكون الأمن إلا من الخوف، وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال: لا إحصار إلا من عدوّ. وأخرج أيضاً، عن الزهري نحوه. وأخرج أيضاً، عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض، أو عدوّ، أو أمر حادث. وأخرج أيضاً، عن عروة قال: كل شيء حبس المحرم، فهو إحصار. وأخرج البخاري، عن المُسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ } ثم استثنى فقال: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } الآية. وأخرج الترمذي، وابن جرير، عن كعب بن عجرة قال: لفيّ نزلت، وإياي عني بها {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مّن رَّأْسِهِ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } يعني من اشتدّ مرضه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر عنه. قال: يعني بالمرض أن يكون برأسه أذى، أو قروح، أو به أذى من رأسه، قال: الأذى: هو القمل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: النسك المذكور في الآية شاة. وروى أيضاً، عن علي مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ } يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحج. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم أن ابن الزبير كان يقول: إنما المتعة لمن أحصر، وليست لمن خُلِّي سبيله. وقال ابن عباس: هي لمن أحصر، ومن خُلِّي سبيله. وأخرج ابن جرير، عن عليّ في قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ } قال فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحجّ، فعليه الهدي. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } قال: قبل التروية يوم، ويوم التروية، ويوم عرفة، فإن فاتته صامهنّ أيام التشريق. وأخرج هؤلاء إلا ابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عمر مثله إلا أنه قال: وإذا فاته صام أيام منى، فإنهنّ من الحج. وأخرج ابن جرير، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر نحوه مرفوعاً. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علقمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في الآية قال: إذا لم يجد المتمتع بالعمرة هدياً، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن كان يوم عرفة الثالث، فقد تمّ صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله. وأخرج الدارقطني عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من لم يكن معه هدى، فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر، ومن لم يكن صام تلك الثلاثة الأيام، فليصم أيام التشريق»تفسير : وأخرج أيضاً عن عبد الله بن حُذَافة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع، فينادوا: إن هذه أيام أكل، وشرب، وذكر الله، فلا نصوم فيهنّ إلا صوماً في هدي». وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن عطاء في قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } قال: ست قريات: عرفة، وعرنة، والرجيع والنخلتان، ومرّ الظهران، وضجنان، وقال مجاهد: هم أهل الحرم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس. قال: هم أهل الحرم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر مثله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} وقرأ ابن مسعود فيما رواه عنه علقمة: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِالْبَيتِ} واختلفوا في تأويل إتمامها على خمسة أقاويل: أحدها: يعني وأتموا الحج لمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسنتها، وهذا قول مجاهد، وعلقمة بن قيس. والثاني: أن إتمامهما أَنْ تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهلك، وهذا قول علي، وطاوس، وسعيد بن جبير. والثالث: أن إتمام العمرة، أن نخدم بها في غير الأشهر الحرم، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه، حتى لا يلزم دم لجبران نقصان، وهذا قول قتادة. والرابع: أن تخرج من دُوَيْرَةِ أهلك، لأجلهما، لا تريد غيرهما من تجارة، ولا مكسب، وهذا قول سفيان الثوري. والخامس: أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما، وهذا قول الشعبي، وأبي بردة، وابن زيد، ومسروق. ثم قال تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} في هذا الإحصار قولان: أحدهما: أنه كل حابس من عدوّ، أو مرض، أو عذر، وهو قول مجاهد، وقتادة، وعطاء، وأبي حنيفة. والثاني: أنه الإحصار بالعدوّ، دون المرض، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، والشافعي. وفي {فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قولان: أحدهما: شاةُ، وهو قول ابن عباس، والحسن، والسدي، وعلقمة، وعطاء، وأكثر الفقهاء. والثاني: بدنة، وهو قول عمر، وعائشة، ومجاهد، وطاوس، وعروة، وجعلوه فيما استيسر من صغار البُدْن وكبارها. وفي اشتقاق الهدي قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الهدية. والثاني: مأخوذ من قولهم هديتُه هَدْياً، إذا سقته إلى طريق سبيل الرشاد. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُم حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. وفي محل هدي المحصر، ثلاثة أقاويل: أحدها: حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم، وهذا قول ابن عمر، والمِسْوَر بن مخرمة، وهارون بن الحكم، وبه قال الشافعي. والقول الثاني: أنه الحَرَم، وهو قول عليّ، وابن مسعود ومجاهد، وبه قال أبو حنيفة. والقول الثالث: أن مَحِلّهُ أن يتحلل من إحرامه بادئاً نسكه، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره، وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإحلال منه، وهذا مروي عن ابن عباس، وعائشة، وبه قال مالك. ثم قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} معناه: فحلَقَ، فعليه ذلك. أما الصيام ففيه قولان: أحدهما: صيام ثلاثة أيام، وهذا قول مجاهد، وعلقمة، وإبراهيم، والربيع، وبه قال الشافعي. والقول الثاني: صيام عشرة أيام كصيام المتمتع، وهو قول الحسن وعكرمة. وأما الصدقة ففيها قولان: أحدهما: ستة مساكين، وهو قول من أوجب صيام ثلاثة أيام. والقول الثاني: إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صيام عشرة أيام. وأما النسك فشاة. ثم قال تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُم} وفيه تأويلان: أحدهما: من خوفكم. والثاني: من مرضكم. {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} اختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المُحْصَرُ بالحج، إذا حَلَّ منه بالإحصار، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين، وهذا قول الزبير. والثاني: فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ، وهذا قول السدي. والثالث: فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ، وهذا قول ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطاء، والشافعي. وفي {فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ما ذكرناه من القولين. ثم قال تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّمٍ فِي الْحَجِّ} اختلفوا في زمانها من الحج على قولين: أحدهما: بعد إحرامه وقبل يوم النحر، وهذا قول علي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وطاوس، والسدي، وسعيد بن جبير، وعطاء، والشافعي في الجديد. والثاني: أنها أيام التشريق، وهذا قول عائشة، وعروة، وابن عُمر في رواية سالم عنه، والشافعي في القديم. واختلفوا في جواز تقديمها قبل الإحرام بالحج على قولين: أحدهما: لا يجوز، وهذا قول ابن عمر، وابن عباس. والثاني: يجوز. واختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين: أحدهما: عشر ذي الحجة، ولا يجوز قبلها، وهو قول مجاهد، وعطاء. والثاني: في أشهر الحج، ولا يجوز قبلها، وهو قول طاوس. ثم قال تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} وفي زمانها قولان: أحدهما: إذا رجعتم من حجكم في طريقكم، وهو قول مجاهد. والثاني: إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم، وهو قول عطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع. ثم قال تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى، وهو قول الحسن. والثاني: عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع. والثالث: أنه خارج مخرج الخبر، ومعناه معنى الأمر، أي تلك عشرة، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها. والرابع: تأكيد في الكلام، وهو قول ابن عباس. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وفي حاضريه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل الحرم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وطاوس. والثاني: أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت، وهو قول مكحول، وعطاء. والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه، كأهل عرفة، والرجيع، وهو قول الزهري، ومالك. والرابع: أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة، وهو قول الشافعي.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} أتموا كل واحد منهما بمناسكه وسننه، أو الإحرام بهما إفراد من دويرة الأَهل، أو أن يخرج من دويرة أهله لأجلهما لا يريد غيرهما من كسب ولا تجارة، أو إتمامهما واجب بالدخول فيهما، أو إتمام العمرة الإحرام بها في غير أشهر الحج، وإتمام الحج الإتيان بمناسكه بحيث لا يلزمه دم جبران نقص. {أُحْصِرْتُمْ} بالعدو دون المرض، أو كل حابس من عدو أو مرض أو عذر {فَمَا اسْتَيْسَرَ} بدنة صغيرة أو كبيرة، أو هو شاة عند الأكثرين. {الْهَدْى} من الهدية، أو من هديته إذا سقته إلى الرشاد. {مَحِلَّهُ} محل الحصر حيث أُحصر من حل أو حرم، أو الحرم، أو مَحِله: تحلله بأداء نسكه، فليس لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحلل من إحرامه فإن كان إحرامه عمرة لم يفت، وإن كان حجاً ففاته قضاه بالفوات بعد تحلله منه. {صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ} صيام ثلاثة أيام، صدقة: إطعام ستة مساكين، أو صيام عشرة أيام، والصدقة أطعام عشرة، والنسك شاة. {أَمِنتُمْ} من الخوف، أو المرض، {تَمَتَّعَ} بفسخ الحج، أو فعل العمرة في أشهر الحج ثم حج في عامه، أو إذا تحلل الحاج بالإحصار ثم عاد إلى بلده متمتعاً ثم قضى الحج من قابل فقد صار متمتعاً بإحلاله بين الإحرامين. {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ} شاة أو بدنة. {ثلاَثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ} بعد الإحرام به وقبل يوم النحر، أو في أيام التشريق. ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحج أو يجوز في عشر ذي الحجة ولا يجوز قبله، أو يجوز في أشهر الحج ولا يجوز قبلها. {رَجَعْتُمْ} من حجكم، أو إلى أهلكم في أمصاركم. {كَامِلَةٌ} تأكيد، أو كاملة من الهدي، أو كملت أجره كمن أقام على الإحرام فلم يتحلل منه ولم يتمتع، أو هو خبر بمعنى الأمر أي أكملوا صيامها. {حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أهل الحرم، أو من بين مكة والمواقيت، أو أهل الحرم ومن قرب منه كأهل عُرنة وعَرفة والرجيع، أو من كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وأتموا الحج والعمرة لله} قال ابن عباس وهو أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وقيل هو أن تفرد لكل واحد منهما سفراً وقيل إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً وتنتهي عما نهى الله عنه. وقيل إتمامها أن تخرج من أهلك لهما لا للتجارة ولا لحاجة. وقيل إذا شرع فيهما وجب عليه الإتمام. فصل واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً (م) عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم" تفسير : وفي وجوب العمرة قولان للشافعي أصحهما إنها واجبة وهو قول علي وابن عباس والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وإليه ذهب أحمد بن حنبل، والقول الثاني إنها سنة ويروى ذلك عن ابن مسعود وجابر وإبراهيم والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة. حجة من أوجب العمرة ما روي في حديث الضبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ وإني أهلك بهما فقال أهديت لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود والنسائي بأطول من هذا وجه الدليل أنه أخبر عن وجوبهما عليه وصوبه عمر وبين أنه مهتد بما رآه في وجوبهما عليه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عن ابن عباس أنها كقرينها في كتاب الله: {وأتموا الحج والعمرة لله} وعن ابن عمر قال: "الحج والعمرة فريضتان" وعنه: "ليس أحد من خلق الله إلاّ وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلاً"وعن ابن عباس قال: "العمرة واجبة كوجوب الحج" وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس لحجة مبرورة ثواب إلاّ الجنة" تفسير : أخرجه النسائي والترمذي وزاد: "حديث : وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلاّ غابت الشمس بذنوبه" تفسير : وقال حديث حسن صحيح. وجه الدليل أنه أمر بالمتابعة بين الحج والعمرة والأمر للوجوب ولأنها قد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبة كالحج، وحجة من قال بأنها سنة ما روي عن جابر قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا وأن تعتمروا خير لكم" تفسير : أخرجه الترمذي. وأجيب عنه بأن هذا الحديث يرويه حجاج بن أرطأة وحجاج ليس ممن يقبل منه ما تفرد به لسوء حفظه وقلة مراعاته لما يحدث به واجتمعت الأمة على جواز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أنواع إفراد وتمتع وقران فصورة الإفراد أن يحج ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحل أو يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة. وصورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها فإذا فرغ من أعمالها أحرم بالحج من مكة في تلك السنة وإنما سمي تمتعاً لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة إلى أن يحرم بالحج. وصورة القرآن أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج فينويهما بقلبه وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارناً. واختلفوا في الأفضل فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القران يدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، أخرجه مسلم وله عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج مفرداً، وفي رواية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفرداً، وله عن جابر قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخاً. وعن ابن عمر قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. أخرجه مالك في الموطأ وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أن القران أفضل يدل عليه ما روي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجاً، أخرجاه في الصحيحين. وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتع أفضل، يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال: "تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان فأول من نهى عنهما معاوية" أخرجه الترمذي (ق) عن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وكان من الناس من أهدى ومنهم لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس". اختلفت الروايات في حجة النبي صلى الله عليه وسلم هل كان مفرداً أو متمتعاً أو قارناً؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة ورجحت كل طائفة نوعاً وادّعت أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وطريق الجمع بين روايات الصحابة واختلافهم في حجته صلى الله عليه وسلم أنه كان أولاً مفرداً ثم إنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارناً فمن روى أنه كان مفرداً فهو الأصل ومن روي القران اعتمد آخر الأمر ومن روي التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق وقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل واحد، وبهذا أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة في صفة حجة الوداع وهو الصحيح وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الحديث كلاماً موجزاً في ذلك فقال إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن والمتمتع وكل كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر به وأذن فيه ويجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الأمر به كما تجوز إضافته إلى فاعله كما يقال بني فلان داره وأريد به أنه أمر ببنائها وكما يروى: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً" وإنما أمر برجمه، واختار الشافعي الإفراد واحتج في ترجيحه بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم، فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى آخرها فهو أضبط لها من غيره، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وإنما سمعه يلبي بالحج. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه والدين معروف مع كثرة بحثه عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما عائشة فقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف وإطلاعها على باطن أمره وظاهره مع كثرة فقهها وعلمها، ومن دلائل ترجيح الإفراد أن الخلفاء الراشدين أفردوا الحج بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظبوا عليه. وأركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو التقصير في أصح القولين. وأركان العمرة أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وبهذه الأركان تمام الحج والعمرة. قوله تعالى: {فإن أحصرتم} أصل الحصر في اللغة الحبس والتضييق، ثم اختلف أهل اللغة في الحصر والإحصار فقيل إذا رد الرجل عن وجه يريده فقد أحصر، وإذا حبس فقد حصر وقال ابن السكيت أحصره المرض إذا منعه من السفر أو حاجة يريدها وحصره العدو إذا ضيق عليه. وقال الزجاج: الرواية عن أهل اللغة يقال للذي يمنعه الخوف أو المرض أحصر والمحبوس حصر، وقال ابن قتيبة في قوله: {فإن أحصرتم} هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو يقال أحصر فهو محصر فإن حبس في دار أو سجن قيل حصر فهو محصور وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد. قال الزجاج: يقال الرجل من حصرك هنا ومن أحصرك وقال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس وحصر في الحبس أقوى من أحصر وقيل الإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو والمنع الباطن كالمرض والحصر لا يقال إلاّ في المنع الباطن وأما قوله {فإن أحصرتم} فمحمول على الأمرين وبحسب اختلاف أهل اللغة في معناها اختلف الفقهاء في حكمها فذهب قوم إلى أن كل مانع من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة فإنه يبيح له التحلل من إحرامه وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب أبي حنيفة ويدل عليه ما روي عن عكرمة قال حدّثني الحجاج بن عمرو قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كسر أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى" تفسير : قال عكرمة: فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس فقالا: صدق، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن وذهب قوم إلى أنه لا يباح له التحلل إلاّ بحبس العدو وهو قول ابن عمر وابن عباس وأنس وبه قال مالك والليث والشافعي وأحمد وقالوا الحصر والإحصار بمعنى واحد واحتجوا بأن نزول الآية كان في قصة الحديبية في سنة ست وكان ذلك حبساً من جهة العدو لأن كفار مكة منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الطواف بالبيت فنزلت هذه الآية فحل النبي صلى الله عليه وسلم من عمرته ونحر هديه وقضاها من قابل ويدل عليه أيضاً سياق الآية وهو قوله: {فإذا أمنتم} والأمن لا يكون إلاّ من خوف وثبت عن ابن عباس أنه قال لا حصر إلاّ حصر العدو فثبت بذلك أن المراد من الإحصار هو حصر العدو دون المرض وغيره. وأجيب عن حديث الحجاج بن عمرو بأنه محمول على من شرط التحلل بالمرض ونحوه إحرامه ويدل على جواز الاشتراط في الإحرام ما روي عن ابن عباس حديث : أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أريد الحج أفأشترط؟ "قال نعم. قالت: كيف أقول؟ قال: قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ولغيره أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني" تفسير : فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إذا اشترط في الحج فعرض له مرض أو عذر أن يتحلل ويخرج من أحرامه ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس وهو المراد من قوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} ومعنى الآية فإن أحصرتم دون تمام الحج أو العمرة فحللتم فعليكم ما استيسر من الهدي والهدي ما يهدي إلى البيت وأعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة. قال ابن عباس: شاة لأنه أقرب إلى اليسر، ومحل ذبح هدي المحصر حيث أحصر وإليه ذهب الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي عام الحديبية بها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل في ذلك الوقت. {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، وفيه قولان أحدهما أنه الحرم فإن كان حاجاً فمحله يوم النحر وإن كان معتمراً فمحله يوم يبلغ هديه إلى الحرم وهو قول أبي حنيفة والقول الثاني محل ذبحه حيث أحصر سواء كان في الحل أو في الحرم، ومعنى محله يعني حيث يحل ذبحه وأكله وهو قول مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روي عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلىالله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق رأسه، أخرجه البخاري. قوله عز وجل: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه} معناه ولا تحلقوا رؤوسكم في حال الإحرام إلاّ أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى وهو القمل أو الصداع {ففدية} فيه إضمار تقديره فحلق رأسه فعليه فدية، نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة (ق) حديث : عن كعب بن عجرة قال: أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر لي والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قال قلت نعم قال فاحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك نسيكة لا أدري بأي ذلك بدأ وفي رواية قال نزلت هذه الآية: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وذكر نحوه وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم وذكره، وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ما كنت أرى أن الوجع بلغ منك ما أرى أو ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى أتجد شاة؟ قلت لا قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع"تفسير : . قال كعب فنزلت في خاصة وهي لكم عامة ومعنى قوله تعالى {ففدية من صيام} أي صوم ثلاثة أيام {أو صدقة} يعني إطعام ثلاثة أصوع ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع {أو نسك} واحدتها نسيكة أي ذبيحة وأعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة وهذه الفدية على التخيير إن شاء ذبح أو صام أو تصدق وكل هدي أو طعام يلزم المحرم فإنه لمساكين الحرم إلاّ هدي المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر. وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء. قوله تعالى: {فإذا أمنتم} يعني من خوفكم وبرأتم من مرضكم وقيل إذا أمنتم من الإحصار {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} قال ابن الزبير معناه فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل فقدم مكة فخرج من إحرامه بعمل عمرة فاستمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة المستقبلة ثم حج فيكون متمتعاً بذلك الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام المقبل وقيل معناه فإذا أمنتم وقد أحللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم تعتمروا في تلك السنة ثم اعتمرتم في السنة القابلة في أشهر الحج ثم أحللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج فعليكم ما استيسر من الهدي وقال ابن عباس: هو الرجل يقدم معتمراً من أفق الآفاق في أشهر الحج فقضى عمرته وأقام بمكة حلالاً حتى أنشأ منها الحج فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعاً بالإحلال عن العمرة إلى إحرامه بالحج. ومعنى التمتع في اللغة هو الاستمتاع بعد الخروج من العمرة والتلذذ بما كان محظوراً عليه في حال الإحرام إلى إحرامه بالحج {فما استيسر من الهدي} يعني فعليه ما استيسر من الهدي وهو شاة يذبحها يوم النحر، فلو ذبح قبله بعدما أحرم بالحج أجزأه عند الشافعي كدم الجبرانات ولا يجزئه ذبحه عند أبي حنيفة قبل يوم النحر كدم الأضحية. ولوجوب دم التمتع خمس شرائط: أحدها: أن يقدم العمرة على الحج. الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. الثالث: أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة. الرابع: أن يحرم من مكة ولا يعود إلى ميقات بلده، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه لم يكن متمتعاً. الخامس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام فهذه الشروط معتبرة في وجوب دم التمتع ومتى فقد شيء منها لم يكن متمتعاً ودم التمتع دم جبران عند الشافعي فلا يجوز أن يأكل منه. وقال أبو حنيفة: هو دم نسك فيجوز أن يأكل منه وقوله {فمن لم يجد} يعني الهدي {فصيام ثلاثة أيام في الحج} أي فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت اشتغاله بالحج. قيل: يصوم يوماً قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة وقيل بل المستحب أن يصوم في أيام الحج بحيث يكون يوم عرفة مفطراً فإن لم يصم قبل يوم النحر فقيل يصوم أيام التشريق وبه قال مالك وأحمد وهو أحد قولي الشافعي. وقيل: بل يصوم بعد أيام التشريق وهو رواية عن أحمد والقول الآخر للشافعي {وسبعة إذا رجعتم} يعني وصوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أوطانكم وأهليكم قاله ابن عباس وبه قال الشافعي، فلو صام قبل الرجوع إلى أهله لم يجزه عنده وقيل المراد من الرجوع هو الفراغ من أعمال الحج والأخذ في الرجوع فعلى هذا يجزئه أن يصوم السبعة أيام بعد الفراغ من أعمال الحج وقبل الرجوع إلى أهله وبه قال أبو حنيفة: {تلك عشرة كاملة} يعني في الثواب والأجر وقيل كاملة في قيامها مقام الهدي لأنه قد يحتمل أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي فاعلم الله أن العشرة بكمالها هي القائمة مقام الهدي وقيل فائدة التكرار كقول الفرزدق: شعر : ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى سهام تفسير : ولأن القرآن أنزل بلغة العرب والعرب تكرر الشيء تريد به التوكيد وقيل فائدة ذلك الفذلكة في علم الحساب وهو أن يعلم العدد مفصلاً ثم يعلمه جملة ليحتاط به من جهتين فكذلك قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} وقيل إن العرب لما كانوا لا يعلمون الحساب وكانوا يحتاجون إلى زيادة بيان وإيضاح فلذلك قال تلك عشرة كاملة وقيل لفظه خبر ومعناه أمر أي أكملوها ولا تنقصوها {ذلك} أي هذا الحكم الذي تقدم {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قيل حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة وهو وقول مالك. وقيل: هم أهل الحرم وبه قال طاوس: وقال ابن جريج: هم أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلة. وقال الشافعي: كل من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام وقيل هم من دون الميقات وقال أبو حنيفة حاضرو المسجد الحرام أهل الميقات والمواقيت ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات عرق فمن كان من أهل هذه المواضع فما دونها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام. وقيل حاضرو المسجد الحرام من تلزمه الجمعة فيه ومعنى الآية أن المشار إليه في قوله: {ذلك} يرجع إلى أقرب مذكور وهو لزوم الهدي أو بدله على المتمتع وهو الآفاقي فأما المكي إذا تمتع أو قرن فلا هدي عليه ولا بد له لأنه لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فإقدامه على التمتع لا يوجب خللاً في حجة فلا يجب عليه الهدي ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري تعليقاً من حديث عكرمة قال سئل ابن عباس عن متعة الحج فقال: "أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلاّ من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل من شيء حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال تعالى {فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} إلى أمصاركم والشاة تجزئ فجمعوا بين النسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} وفي الحديث زيادة قال الحميدي قال أبو مسعود الدمشقي هذا حديث غريب ولم أجده إلاّ عند مسلم بن الحجاج ولم يخرجه في صحيحه، من أجل عكرمة فإنه لم يرو عنه في صحيحه وعندي أن البخاري إنما أخذه من مسلم. وقوله تعالى: {واتقوا الله} أي فيما فرضه عليكم ونهاكم عنه في صحيحه وعندي أن البخاري إنما أخذه من مسلم. وقوله تعالى: {واتقوا الله} أي فيما فرضه عليكم ونهاكم عنه في الحج وفي غيره {واعلموا أن الله شديد العقاب} يعني لمن خالف أمره وتهاون بحدوده وارتكب مناهيه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ...}. (نقل ابن عطية فيه أقوالا منها) قيل: إِتْمَامُهَا أن يحرم بهما قارنا. قال ابن عرفة: فالواو بمعنى "مع" والظاهر أن الإتمام الإتيان بالحج مستوفى الشرائط على كل قول. فإن فرعنا على أنّ الإحرام من الميقات أفضل فإتمامه أن لا يتعدى الميقات إلا محرما وكذلك في كل أفعاله. وذكر ابن عطية واجباته فأسقط منها طواف الإفاضة مع أنّه فريضة إن تركه بطل حجه، ولا يجزيه عنه طواف القدوم متصلا بالسعي. قال ابن عرفة: وتقدم في قول الفخر في المعالم: إن اللّفظ إما أن يعتبر بالنسبة إلى تمام مسماه وهو المطابقة أعتقد أن: أحدهما: قال ابن التلمساني التمام يشعر بالتركيب، فيخرج عنه البسائط كالنقطة والوحدة. وهو يوافق قول من فسر الإتمام بما هو قبل الدخول، وهو بأن تأتي بهما مفردين (أو قارنا). الثاني: قلنا نحن: أراد أن يحد المطابقة بحد التضمن إذ لا يتناول كلامه إلا الجزء الأخير الذي يتم به المركب وهذا موافق القول بأن إتمامهما أن يتمهما بعد الدخول فيهما، ولا يفسخ عنهما حسبما نقله ابن عطية. قال ابن عرفة: وإن أريد الإفراد أو القران فالآية دالة على وجوبهما بصيغة: افعل. قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ...}. قال ابن عرفة: انظر هل تدلّ على وجوب الحلق بالنص أو باللّزوم. كان بعضهم يقول: إنّه بالنّص ولولا ذلك لما ورد النهي عن الحلاق (مقيدا) ببلوغ الهدي محله. قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ...}. قال ابن عرفة: "مِن رَّأْسِهِ" صفة "لأَذى" ولا يصح رجوعه للجميع كالاستثناء وسائر القيود إذا تعقب جُملا لأن المرض مبيح للرخصة مطلقا سواء كان بالرأس أو بغيره. قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ...}. قال ابن عرفة: أي إن وجد من يسلفه، فإن لم يجد من يداينه إلا بالربح لم تلزمه الفدية. وقرىء "فصيامَ" بالنّصب. قال أبو حيان: أي فليصم صيام أو فليلزم صيام. قال ابن عرفة: عادتهم (يعربونه) منصوبا على (الإغراء)، قيل له ذلك (قليل) جدا. أبو حيان: "إذَا رَجَعْتُمْ" قيل العامل في "إذا" "صيام" ورده ابن عرفة: بِأَنّه يلزم أن يكون صوم الثلاثة بعد الرجوع والفرض أنه قبل الرجوع إلا أن يجاب بأنّ يكون مثل: عندي درهم ونصفه، فالمعنى فيصوم سبعة إذا رجع، فيكون "صِيَامُ" عاملا فيه لفظا لا معنى. قيل (له): يلزمك على هذا الجواب العطف على عاملين، وصيام سبعة (إذا رجع) بعطف "صيام" على "صيام" "وإذا" على قوله "فِي الحَجّ". فقال: إنما هو عامل واحد فقط. قلت: وقال الأستاذ أبو العباس أحمد بن القصار: (العامل)/ "صيام"، كما قال أبو حيان باعتبار لفظ المطلق والمعنى يبنه كما تقول: أكرم في الدار زيدا. أو في السوق عمرا أو لو لزم كون الثلاثة بعد الرجوع لتناقضت الآية ولكان يلزم أن يكون السبعة في الحج لأنه كما (تجعل) إذا رجعتم قيدا في صيام الجميع فاجعل "في الحج" أيضا قيدا في صيام الجميع. هذا إذا جعلنا "في الحَجّ" و "إِذَا رَجَعْتُمْ" متعلقين بـ "صيام". قال: والصواب عندي غير هذا. وهو أن يكون، "إذَا رَجَعْتُمْ" صفة لـ "سبعة"، فالسبعة ظرف زمان فيصح وصفها بظرف الزمان ويكون في الحج أيضا صفة لـ "ثلاثة". قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ...}. قال ابن عرفة: (أحدُ تفسيري) ابن عطية بناء على أنّ أسماء الأعداد نصوص، والآخر على أنّها ليست كذلك. وأورد الزمخشري هنا سؤالين: أحدهما عن الإتيان بالفذلكة وهي لفظ "تِلْكَ" وأجاب بثلاثة أوجه. قال بعض الطلبة: فيبقى السؤال لأيّ شيء لم يقل: فهي عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ؟ فقال ابن عرفة: "تِلْكَ" القصد بها التعظيم. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن القاعدة أنّ الصوم المتتابع أعظم ثوابا من المفرّق، فقد يتوهّم بتفريقها أن ثوابها أقل من ثوابها لو كانت مجموعة (فأشار بقوله "عشرة" إلى أن ثوابها على هذه الصفة أعْظَمُ من ثوابها لو كانت مجموعة فرعا عن أن) يكون مثله ولذلك قال: "كاملة". قيل لابن عرفة: وأشار إليه مكي. قال ابن عرفة: وعادة الشيوخ يحكون عن ابن الحاجب أنه قال: في قول الأصوليين: إن عمومات القرآن كلها مخصوصة (إلا قوله: {أية : وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : أنهم كان ينبغي أن يمثلوه بآية تقتضي حكما من الأحكام الشرعية) كقول الله تعالى {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ}تفسير : الآية ونحوه. وكان الشاطبي يرد عليه بما إذا كان الولي مسلما والزوجين مشركين فإن ظاهر عموم الآية المنع من إنكاحهما مع أنّه جائز فيكون عمومها مخصوصا (بهذا). قيل لابن عرفة: هل المراد ولا تنكحوا المشركين المؤمنات؟ فقال: هذا تخصيص. قال ابن عرفة: وهذه الآية عندي من العام الباقي على عمومه إلا أن يجاب بأنه مخصوص بالمرض فإن المريض لا يقدر على الصيام ولو كانت باقية على عمومها للزم في المريض أن يؤمر بالقضاء وليس كذلك. قال أبو حيان: فِي الحَجّ: في وقت الحج، فيجوز عنده الصيّام قبل أن يحرم بالحج وبعده. وقيل: في وقت أفعال الحج فلا يجوز الصوم إلاّ بعد الإحرام. قال ابن عرفة: لا يحتاج إلى هذا لأن قوله "فِي الحَجّ" يَدُل عليه لأن الحج بذاته فعل والصوم فيه. قيل لابن عرفة: ليس الصوم فيه؟ فقال: الحج بنفس أن يحرم فيه ينسحب عليه حكمه (فالثلاثة) الأَيَّامُ هي في الحج حكما. قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...}. قال ابن عرفة: يؤخذ فيمن له أهل بمكة وأهل بغيرها. فقد قال الإمام مالك رضي الله عنه: إنها من مشبَّهات الأمور يؤخذ منه أن حكمه حكم الحاضر بدليل قول (مالك) في المسافر: إذا سافر ومر ببلد له فيها أهل فإنه يتمّ الصلاة كالمقيم. قوله تعالى: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. دليل على أنّ الطلب المتقدم قبل هذا كله للوجوب.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {من رأسه} وكذلك "البأس" و "الكأس" كلها بغير همزة أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى وحمزة في الوقف. الوقوف: {لله} ط لأن عارض الإحصار خارج عن موجب الأصل {من الهدى} ج لعطف المختلفتين {محله} ط لابتداء حكم كفارة الضرورة {أو نسك} ج لأن "إذا" للشرط مع الفاء وجوابه محذوف أي فإذا أمنتم من خوف العدو وضعف المرض فامضوا. أمنتم وقف لحق الحذف ولابتداء الشرط في حكم آخر وهو التمتع {من الهدى} ج {رجعتم} ط {كاملة} ط {الحرام} ط {العقاب} ه. التفسير: الحج في اللغة القصد كما مر في قوله {أية : فمن حج البيت أو اعتمر} تفسير : [البقرة: 158] وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة. وهي على ثلاثة أقسام: أركان وأبعاض وهيئات. لأن كل عمل يفرض فيه فإما أن يتوقف التحلل عليه وهو الركن، أو لا يتوقف. فإما أن يجبر بالدم وهو البعض، أو لا يجبر وهو الهيئة. والأركان عند الشافعي خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو تقصيره. وخالف أبو حنيفة في السعي، ولا مدخل للجبران في الأركان. وأما الأبعاض أعني الواجبات المجبورة بالدم، فالإحرام من الميقات والرمي وفاقاً وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس وفي المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى، وفي طواف الوداع خلاف. وأما الهيئات فالاغتسال وطواف القدوم والرمي والاضطباع في الطواف وفي السعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي والخطب والأذكار والأدعية إلى غير ذلك. وبالجملة ما سوى الأركان والأبعاض ولا دم في تركها. وأما في العمرة فما سوى الوقوف من أركان الحج أركان فيها. ثم إن قوله عز من قائل: {وأتموا} أمر بالإتمام. وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط؟ فالشافعي على أنه مطلق والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام والكمال. وأبو حنيفة على أنه مشروط والمعنى: من شرح فيه فليتمه كما إذا كبر بالصلاة تطوعاً لزمه الإتمام. وفائدة الخلاف تظهر في العمرة فإنها تصير واجبة على المعنى الأول دون الثاني. حجة الشافعي أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء تاماً كاملاً كقوله {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} تفسير : [البقرة: 124] أي أدّاهن على التمام والكمال. وقوله {أية : ثم أتموا الصيام إلى الليل} تفسير : [البقرة: 187] أي افعلوا الصيام تاماً إلى الليل وهذا أولى من تقدير أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، لأن الأصل عدم إضمار هذا الشرط، ولأن المفسرين أجمعوا على أن هذه أول آية نزلت في الحج، فحملها على الإيجاب ليكون تأسيساً أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع، فإنها تكون حينئذ تبعاً، ولأنه قرئ {وأقيموا الحج والعمرة} والشاذ يصلح للترجيح وإن لم يصلح للقطع كخبر الواحد، ولأن الوجوب المطلق يستلزم الإتمام، والإتمام بشرط الشروع لا يستلزم أصل الوجوب. فتأويلنا أكثر فائدة، فيكون أولى. وأيضاً أنه أحوط. واعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب. وقال تعالى {أية : يوم الحج الأكبر} تفسير : [التوبة: 3] وفيه دليل على وجود حج أصغر وما ذاك إلا العمرة بالاتفاق. لكن الحج واجب على الإطلاق لقوله {أية : ولله على الناس حج البيت} تفسير : [آل عمران: 97] فيدخل فيه الأكبر والأصغر. حجة أبي حنيفة قصة حديث : الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة والزكاة والحج والصوم فقال الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلح الأعرابي إن صدق". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بني الإسلام على خمس"تفسير : الحديث. ولم يذكر العمرة. وأجيب بأن العمرة حج أصغر فتدخل في مطلق الحج قالوا: روي عن جابر حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك. تفسير : وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الحج جهاد والعمرة تطوع"تفسير : وأجيب بأنها أخبار آحاد فلا تعارض القرآن. وأيضاً لعل العمرة، ما كانت واجبة حينما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها {وأتموا الحج} وذلك في السنة السابعة من الهجرة. وأيضاً إنها معارضة بأخبار تدل على وجوبها. روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال صلى الله عليه وسلم": حديث : حج عن أبيك واعتمر "تفسير : أمر بهما والأمر للوجوب. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج، وحمله على أنهما يقترنان في الذكر تكلف. وعن عمر أن رجلاً قال له: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال: هديت لسنة نبيك وحمله على أن الوجوب مستفاد من الإهلال بهما لا يخلو من تعسف. قالوا: قرأ علي وابن مسعود والشعبي {والعمرة لله} بالرفع. فكأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج في الوجوب. وأجيب بأن الشاذة لا تعارض المتواترة، وبأنها ضعيفة من حيث العربية لعطف الاسمية على الفعلية، والخبرية على الطلبية، وبأن كون العمرة عبادة لله لا ينافي وجوبها. واعلم أن لأداء النسكين وجوهاً ثلاثة: الإفراد والتمتع والقِران فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة. والقِران أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه معاً، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم قبل الطواف أدخل الحج عليها يصير قارناً. والتمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج ويأتي بأعمالها، ثم يحج في هذه السنة من مكة. سمي تمتعاً لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وأنه أيضاً يربح ميقاتاً لأنه لو أحرم بالحج من ميقات بلده لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخروج لأنه يحرم بالحج من جوف مكة. ولا خلاف بين أئمة الأمة في جواز هذه الوجوه، وإنما الخلاف في الأفضلية فقال الشافعي: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القِران. وقال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك. والإمامية قالوا: لا يجوز لغير حاضري المسجد الحرام العدول عن التمتع إلا لضرورة. وقال أبو حنيفة، القِران أفضل ثم الإفراد ثم التمتع. وهو قول المزني وأبي إسحاق المروزي. وقال أبو يوسف ومحمد: القِران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد. حجة الشافعي في أفضلية الإفراد قوله {وأتموا الحج والعمرة لله} وذلك أن العطف يقتضي المغايرة وأنها تحصل عند الإفراد، فأما عند القِران فالموجود شيء واحد هو حج وعمرة معاً. وأيضاً الأعمال عند الإفراد أكثر فيكون الثواب أكثر وذلك هو الفضل. وما روي عن أنس أنه قال: كنت واقفاً عند جران ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لعابها يسيل على كتفي فسمعته يقول: لبيك بعمرة وحجة معاً. معارض بما روى مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج، وهكذا روى جابر وابن عمر. وقد رجح الشافعي رواية عائشة وجابر وابن عمر على رواية أنس بأنهم أعلم وأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقدم صحبة، أن أنساً كان صغيراً في ذلك الوقت قليل العلم. حجة القائلين بأفضلية القِران: أن في القِران مسارعة إلى النسكين، وفي الإفراد ترك المسارعة إلى أحدهما، فيكون أفضل لقوله {أية : وسارعوا} تفسير : [آل عمران: 133] وأجيب بأنا لا نقول الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة، لكنا نقول: من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها، فمجموع هذين الأمرين أفضل من الإتيان بالحجة المقرونة، واختلف في تفسير الإتمام في قوله تعالى {وأتموا}. فعن علي رضي الله عنه وابن عباس وابن مسعود: أن إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك. وقال أبو مسلم: المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام قال: ويدل على صحة هذا التأويل أن الآية نزلت بعد أن منع الكفار النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الماضية عن الحج والعمرة. فالله تعالى أمر رسوله في هذه الآية بأن لا يرجع حتى يتم الفرض. ويعلم منه أن تطوع الحج والعمرة كفرضهما في وجوب الإتمام. وقال الأصم: المراد إتمام الآداب المعتبرة فيهما وهي عسرة على ما ذكر في الإحياء الأول: في المال، فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو يكتريها. الثاني: الإخوان والرفقاء المقيمون يودعهم ويلتمس أدعيتهم فإن الله تعالى جعل في دعائهم خيراً. والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك. الثالث: إذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأولى بعد "الفاتحة"، {قل يا أيها الكافرون} وفي الثانية "الإخلاص" وبعد الفراغ يتضرع إلى الله تعالى بالإخلاص. الرابع: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكلما كانت الدعوات أكبر كان أولى. الخامس: إذا ركب قال: بسم الله وبالله والله أكبر، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن {أية : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} تفسير : [الزخرف: 13] السادس: في النزول. والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ولا ينزل حتى يحمى النهار، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيراً. السابع: إن قصده عدوّ أو سبع بالليل أو بالنهار فليقرأ آية الكرسي {أية : وشهد الله} تفسير : [آل عمران: 18] و "الإخلاص" و "المعوذتين" ثم يقول: تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي الذي لا يموت. الثامن: مهما علا نشزاً من الأرض في الطريق يستحب أن يكبر ثلاثاً. التاسع: أن لا يكون هذا السفر مشوباً بشيء من الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها. العاشر: أن يصون لسانه عن الرفث والفسوق والجدال، ثم بعد الإتيان بهذه المقدمات يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى ليكون مؤتمراً لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} اقتداء بإبراهيم عليه السلام حين ابتلي. بكلمات فأتمهن. وقيل: المراد من قوله: {وأتموا} أفردوا كل واحد منهما بسفره ويؤيد هذا تأويل من قال الإفراد أفضل. وأقرب هذه الأقوال ما يرجع حاصله إلى معنى ائتوا بالحج والعمرة تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما وآدابهما لوجه الله بدليل قوله {فإن أحصرتم} قال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس ومنه الحصير للملك لأنه كالمحبوس في الحجاب. والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض. فكأن كلاً منها محبوس مع غيره، والحصير المحبس أيضاً. والأكثرون على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو. يقال: حصره العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه. وعن أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وغيرهم: أن لفظ الإحصار مختص بالمرض ونحوه من خوف وعجز قال تعالى {أية : الذين أحصروا في سبيل الله} تفسير : [البقرة: 273] وقيل: الإحصار مختص بمنع العدو. ومنه ما يروى عن ابن عمر وابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. وفائدة الخلاف في الآية تظهر في مسألة فقهية وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت. وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟ قال أبو حنيفة: يثبت. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يثبت، بل يصبر حتى يبرأ. نعم لو شرط أنه إذا مرض تحلل صح الشرط لما " حديث : روي أنه صلى الله عليه وسلم مر بضباعة بنت الزبير فقال:"أما تريدين الحج؟" فقالت: إني شاكية. فقال: "حجي واشترطي أن تحلي حيث حبست"." تفسير : وفي حكم المرض كل غرض صحيح كضلال الطريق ونفاد الزاد، حجة أبي حنيفة ظاهر كلام أكثر أهل اللغة، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل"تفسير : وحجة الشافعي قول ابن عمر وابن عباس وطائفة من أهل اللغة. وأيضاً الهمزة في {أحصر} ليس للتعدية لمساواته حصر في اقتضاء المفعول فتكون للوجود، أو لصيرورته ذا كذا فيؤوّل المعنى إلى أنكم إن وجدتم أو صرتم محصورين فلا يبقى النزاع، وأيضاً المانع إنما يتحقق عند وجود المقتضي، والمريض لا قدرة له على الفعل فلا مانع بالنسبة إليه، فثبت أن لفظ الإحصار حقيقة في العدو دون المرض. وأيضاً لفظ المانع على المرض غير معقول لأنه عرض لا يبقى زمانين. وأيضاً لو كان المريض داخلاً في المحصر لكان في قوله {فمن كان منكم مريضاً} نوع تكرار ولزم عطف الشيء على نفسه. واعتذر عن هذا بأن المريض إنما خص بالذكر لأن له حكماً خاصاً وهو حلق الرأس، فصار تقدير الآية إن منعتم لمرض تحللتم بدم, وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفَّرتم، وأيضاً فإذا أمنتم يناسب الخوف من العدو إذ يقال في المرض شفي وعوفي لا أمن. ولو قيل: إن خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها قلنا: لا يلزم من عدم القدح وجود المناسبة. وقيل: إنه منع المرض خاصة وهو باطل بالدلائل المذكورة وزيادة وهي أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول الآية أن الكفار أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية. والأئمة وإن اختلفوا في أن الآية هل تتناول غير سبب النزول أم لا، إلا أنهم اتفقوا على أن خروج ذلك السبب غير جائز. ثم في الآية إضماران، والتقدير: فتحللتم أو أردتم التحلل فعليكم ما استيسر، أو فاهدوا ما استيسر أي ما تيسر مثل استعظم وتعظم واستكبر وتكبر. أما الإضمار الأول فلأن نفس الإحصار لا يوجب هدياً وإنما الموجب هو التحلل أو نية التحلل. وأما الإضمار الثاني فلأن قوله: {ما استيسر} إما مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، أو منصوب على المفعولية وناصبه محذوف. والهدي جمع هدية كما يقال في جدية السرج وهي شيء محشو تحت دفتي السرج جدي. وقرئ من الهدي جمع هدية كمطية ومطيّ، وهذه لغة تميم. ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله تقرباً إليه بمنزلة الهدية. عن علي وابن عباس والحسن وقتادة رضي الله عنهم: أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدونها شاة فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس، والمحصر المحرم إذا أراد التحلل وذبح، وجب أن ينوي التحلل. ألبتة قبل الذبح، وأكثر الفقهاء على أن حكم العمرة في الإحصار حكم الحج، وعن ابن سيرين: أنه لا إحصار فيها لأنها غير موقتة. ورد بأن قوله تعالى: {فإن أحصرتم} مذكور عقيب الحج والعمرة فكان عائداً إليهما، وبأنه صلى الله عليه وسلم تحلل بالإحصار عام الحديبية وكان معتمراً. وما حد الإحصار؟ قالت العلماء: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل مال فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج بل يكره البذل إن كان الطالبون كفاراً، والأكثرون على إنه لا يحب القتال على الحجيج وإن كان العدو كفاراً وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشركين ولو قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر، لكنهم يفدون كما لو لبسوا المخيط لدفع حر أو برد، لا فرق على الأصح في جواز التحلل بين أن يمنعوا من المضي دون الرجوع أو يمنعوا من جميع الجوانب، لأنهم يستفيدون بالتحليل الأمن من العدو المواجه. ولو صد عن طريق وهناك طريق آخر ووجدوا شرائط الاستطاعة فيه لزمهم سلوكه ولم يكن لهم التحلل في الحال، وإذا سلكوه ففاتهم الحج لحزونته أو لطوله تحلّلوا بعمل عمرة ولا يلزمهم القضاء على الأظهر من قولي الشافعي، لأنهم بذلوا مجهودهم فصاروا كالمصدودين مطلقاً، نعم لو استوى الطريقان من كل وجه وجب القضاء لأن الموجود فوات محض. وفي قوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله} حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله، بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر. فالتقدير: حتى يبلغ الهدي محله وينحر. وإنما جاز تذكير الهدي لأن كل ما يفرق بين واحده وبينه بالتاء وعدمه جاز تذكيره وتأنيثه. قال تعالى: {أية : أعجاز نخل منقعر} تفسير : [القمر: 20] وفي موضع آخر: {أية : أعجاز نحل خاوية} تفسير : [الحاقة: 7] والمحل اسم للزمان الذي يحصل فيه الحل، ومنه محل الدين لوقت وجوب قضائه أو اسم للمكان. قال الشافعي: يجوز إراقة دم الإحصار في الحرم بل حيث حبس. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك إلا في الحرم يبعث به ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار. حجة الشافعي أنه صلى الله عليه وسلم أحصر بالحديبية فنحر هناك. وأجيب بأن محصره طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة وهو من الحرم. وعن الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هدية في الحرم وقال الواقدي: الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة. ورد بقوله تعالى {أية : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله} تفسير : [الفتح: 25] فإن هذه الآية صريحة في أنهم نحروا الهدي في غير الحرم. وأيضاً قوله {فإن أحصرتم} يتناول كل من كان محصراً سواء كان في الحل أو في الحرم. وقوله: {فما استيسر} يدل على وجوب النحر فيجب أن يكون المحصر قادراً على إراقة الدم حيث أحصر. وأيضاً التحلل موقوف على النحر فلو توقف النحر على وصوله إلى الحرم لم يحصل التحلل في الحال وهذا يناقض ما هو المقصود من شرع الحكم وهو تخليص النفس من العدو في الحال. وأيضاً لو كان الموصل إلى الحرم هو المحصر فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف؟ وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل؟ حجة أبي حنيفة أن المحل عبارة عن مكان الحل. وقوله {حتى يبلغ الهدي محله} يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى ذلك المكان. وأيضاً هب أن لفظ المحل يشمل الزمان والمكان إلا أن قوله تعالى: {أية : ثم محلها إلى البيت العتيق} تفسير : [الحج: 33] وقوله {أية : هدياً بالغ الكعبة} تفسير : [المائدة: 95] يزيل احتمال الزمان والبيت نفسه لا يراق فيه الدماء، فتعين أن يكون هو الحرم، وأجيب بأن كل ما وجب على المحرم في ماله من فدية وجزاء وهدي لا يجزئ إلا في الحرم لمساكين أهله إلا إذا عطب الهدي فيذبح في طريقه ويخلى بينه وبين المساكين، وإلا إذا أحصر فإنه ينحر هديه حيث حبس بالدلائل المذكورة. قالوا: الهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها إلى دال المهدي إليه، فالهدي كذلك. وردّ بأن هذا تمسك بالاسم وهو محمول على الأفضل عند القدرة. والمحصر إذا كان عادماً للهدي فهل له بدل ينتقل إليه؟ للشافعي فيه قولان: أحدهما لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبداً وبه قال أبو حنيفة لأنه تعالى أوجب له الهدي وما أثبت له بدلاً، وعلى هذا فماذا يفعل؟ فيه قولان: أصحهما أنه يتحلل في الحال كما لو صام بدله كيلا تعظم المشقة، والآخر وإليه ميل أبي حنيفة أنه يقيم على إحرامه حتى يجده. والقول الثاني أن له بدلاً وهذا أصح وبه قال أحمد قياساً على سائر الدماء الواجبة على المحرم، وعلى هذا فما ذلك البدل؟ الأصح الطعام لأن قيمة الهدي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد النص إلا بالهدي فالرجوع إلى الأقرب أولى. ثم الصيام عن كل مدٍّ يوماً. وفي قول صوم المتمتع عشرة أيام. وقيل: صوم الأذى ثلاثة أيام. وبالجملة فالآية دلت على أن المحصرين لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة ومعنى {حتى يبلغ الهدي محله} حتى تنحروا هديكم حيث حبستم، أو حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه أي الحرم. ولكن الأفضل في الحج منى وفي العمرة المروة. ولا بد من نية التحلل عند الذبح لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلا بد من قصد صارف فإن كان مصدوداً عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟ أصح الوجهين عند الشافعي أن له ذلك، وإذا أحصر فتحلل نظر إن كان نسكه تطوعاً فلا قضاء عليه وبه قال مالك وأحمد لأن المصدودين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في عمرة القضاء كانوا نفراً يسيراً ولم يأمر الباقين بالقضاء، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء. وإن لم يكن نسكه تطوعاً نظر إن لم يكن مستقراً عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان وكالنذر والقضاء فهو باقٍ في ذمته كما لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ذمته، ومهما أحصر بمرض ونحوه. وقد صححناه بالآية فحكم الهدي ما مر في الإحصار بالعدوّ وإن صححناه بأن كان قد شرط التحلل به إذا مرض فهل يلزمه الهدي للتحلل؟ فإن كان قد شرط التحلل بالهدي فنعم، وإن كان قد شرط التحلل بلا هدي فلا وكذا إن أطلق على الأظهر لمكان الشرط. قوله عز من قائل: {فمن كان منكم مريضاً} قيل: إنه مختص بالمحصر. وذلك أنه قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله تعالى أذن له في إزالة ذلك المؤذي بشرط بذل الفدية. والأكثرون على أنه كلام مستأنف في كل محرم لحقه مرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو أذى في رأسه فاضطر إلى الحلق. والنسك العبادة وقرئ بالتخفيف، وقيل: جمع نسيكة وهي الذبيحة. قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل: للمتعبد "ناسك" لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث. ثم قيل للذبيحة نسك لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله، واتفقوا في النسك على أن أقله شاة كما في الأضاحي، وأما الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما وبماذا يحصل بيانه؟ فيه قولان: أحدهما وعليه أكثر الفقهاء. ومنهم الشافعي وأبو حنيفة أن بيانه في حديث "حديث : كعب بن عجرة قال: حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ فقلت: لا. قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك"تفسير : . فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة وثانيهما عن ابن عباس والحسن الصيام كصيام المتمتع عشرة أيام والإطعام مثل ذلك في القدر. قال العلماء المرض قد يحوج إلى اللباس أو إلى الطيب أو إلى الدهن وفي كل منها نوع استمتاع فألحقوا فدية نحو هذه المحظورات بفدية الحلق لاشتراك الجميع في الترفه. والحاصل أنه يدخل فيه كل محظورات الإحرام سوى الجماع ففيه بدنة ثم بقرة ثم سبع شياه ثم طعام بقيمة البدنة ثم صيام بعدد الأمداد كما يجيء في قوله تعالى {أية : فلا رفث} تفسير : [البقرة: 197] وسوى الصيد ففيه الجزاء على ما يجيء تفصيله في المائدة. وفي هذه الآية أيضاً إضماران أي فحلق فعليه فدية {فإذا أمنتم} إن كان معناه الأمن بعد الخوف قبل التحلل فجواب الشرط وهو فامضوا محذوف. وإن كان معناه إذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة فقوله {فمن تمتع} الشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول ولا وقف على {أمنتم} ومعنى التمتع التلذذ. وأصله الطول حبل مانع أي طويل. وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به. وقد عرفت معنى التمتع بالعمرة إلى الحج وهو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ثم يقيم حلالاً بمكة حتى ينشئ منها الحج فيحج من عامه ذلك. والتمتع بهذا الوجه صحيح لا كراهة فيه. وما يروى أن عمر خطب وقال: متعتان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج، ذكر الأئمة أن تلك المتعة هي أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ. وعن أبي ذر أنه قال: ما كانت متعة الحج إلا لنا خاصة. يعني الركب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدّونها من أفجر الفجور، فلما اراد النبي صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة. وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان نسخ الحج في أشهر الحج خاصاً بهم. ومعنى التمتع بالعمرة إلى الحج أنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة إلى أوان الحج، وقيل: استمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل الانتفاع بتقربه بالحج ولوجوب الدم على المتمتع شروط منها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ويجيء تمام الكلام فيه عما قريب ومنها أن يحرم بالعمرة من الميقات فإن جاوزه مريداً النسك ثم أحرم بها فإن كان الباقي أقل من مسافة القصر فليس عليه دم التمتع ولكن يلزمه دم الإساءة، وإن كان الباقي مسافة القصر فعليه دمان. ومنها أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم وفرغ من أعمالها قبل أشهر الحج ثم حج لم يلزمه الهدي لأنه أشبه الإفراد، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهره فاصح قولي الشافعي أنه لا يلزمه الدم، وبه قال أحمد لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج لتقدم أحد أركان العمرة. ولو سبق الإحرام مع بعض الأعمال قبل أشهر الحج فعدم وجود الدم أولى. وعن مالك أنه مهما حصل التحلل في أشهر الحج وجب الدم. وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر أعمال العمرة في الأشهر كان متمتعاً. ومنها أن يقع الحج والعمرة في سنة واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد لأن الدم إنما يجب إذا زاحم بالعمرة حجة في وقتها وترك الإحرام بحجة من الميقات مع حصوله في وقت الإمكان ولم يوجد. وعن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج وإذا لم يحجوا في عامهم ذلك لم يهدوا. ومنها أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحج فلا دم عليه لأنه لم يربح ميقاتاً. وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما لا تشترط كما لا تشترط نية القرآن، وهذا لأن الدم منوط بربح أحد السفرين. ولا يختلف ذلك بالنية وعدمها ويخالف اشتراط نية الجمع بين الصلاتين من حيث إن أشهر الحج كما هي وقت الحج فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصلاة. ثم إن دم التمتع دم جبران الإساءة حتى لا يجوز له أن يأكل منه، أو دم نسك حتى يجوز أن يأكل. ذهب أبو حنيفة إلى الثاني ومال الشافعي إلى الأول لما روي أن عثمان كان ينهى عن المتعة فقال له علي رضي الله عنه: أعمدت إلى رخصة أثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم للغريب للحاجة فأبطلتها؟ فسمى المتعة رخصة، وهذا دليل النقص. وأيضاً التمتع تلذذ وأنه ينافي العبادة لأنها مشقة وتكليف. وأيضاً إنه تعالى أوجب الهدي على المتمتع بلا توقيت، ولو كان نسكاً كان موقتاً. وأيضاً للصوم فيه مدخل ودم النسك لا يبدل بالصوم، والكلام في مراتب هذا الهدي كما مرّ وينبغي أن يكون الإبل ثنياً وهو الطاعن في السنة السادسة، وكذا البقر وهو الطاعن في السنة الثالثة، ويجزئ كل من الإبل والبقر عن سبعة شركاء. ولو اقتصر على الغنم فليكن ثني المعز وهو الذي دخل في السنة الثالثة، أو جذع الضأن وهو أيضاً في السنة الثانية، يستوي في هذا الباب الذكر والأنثى ويستحب أن يذبح يوم النحر، ولو ذبح بعدما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق فترتب عليه الهدي جبراً له. وكذا قبل الإحرام بالحج وبعد التحلل من العمرة على الأصح، لأنه حق مالي تعلق بسببين وهما الفراغ من العمرة والشروع في الحج. فإذا وجد أحدهما بأن إخراجه كالزكاة والكفارة. وعند أبي حنيفة لا يجوز بناء على أنه نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر وبه قال مالك وأحمد. فمن لم يجد الهدي وقيس عليه ما إذا لم يجد ما يشتريه به أو بيع بثمن غال، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج. قال الشافعي: أي بعد الإحرام بالحج لأنه تعالى جعل الحج ظرفاً للصوم، ولا يصلح سائر أفعال الحج ظرفاً له فلا أقل من الإحرام. وأيضاً ما قبل الإحرام بالحج ليس وقتاً للهدي الذي هو أصل فكذا لبدله، وقال أبو حنيفة، أي في وقت الحج وهو أشهره فجاز أن يصوم بعد الإحرام بالعمرة. وبمثله قال أحمد في رواية، وفي أخرى قال: يجوز بعد التحلل من العمرة، ولا يجوز أن يصوم شيئاً منها في يوم النحر ولا في أيام التشريق كما مر في الصوم. والمستحب أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة، فإن الأحب للحاج يوم عرفة أن يكون مفطراً كيلا يضعف عن الدعاء وأعمال الحج، ولم يصمه النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة بل يروى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. ويحكى عن أبي حنيفة أن الشخص إن كان بحيث لا يضعف فالأولى أن يصوم حيازة للفضيلتين. ويعلم مما ذكرنا أنه يستحب أن يحرم بالحج قبل يوم عرفة بثلاثة أيام ليصوم فيها، وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجهاً إلى منى لما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج"تفسير : وإذا فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه القضاء عند الشافعي لأنه صوم واجب فلا يسقط بفوات وقته كصوم رمضان، وإذا قضاها لم يلزمه دم خلافاً لأحمد. وعند أبي حنيفة يسقط الصوم بالفوات ويستقر الهدي في ذمته {وسبعة إذا رجعتم} للشافعي في المراد من الرجوع قولان: أصحهما الرجوع إلى الأهل والوطن لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتمتعين "حديث : من كان معه هدي فليهد ومن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم"تفسير : والثاني أن المراد منه الفراغ من أعمال الحج وبهذه قال أبو حنيفة وأحمد كأنه بالفراغ رجع عما كان مقبلاً عليه من الأعمال. وعلى الأصح لو توطن مكة بعد فراغه من الحج صام بها، وإن لم يتوطنها لم يجز صومه بها ولا في الطريق على الأصح لأنه تقديم العبادة البدنية على وقتها. ثم إذا لم يصم الثلاثة في الحج حتى فرغ ورجع لزمه صوم العشرة عند الشافعي. وهل يجب التفريق في القضاء بين الثلاثة والسبعة؟ الأصح عند إمام الحرمين وطائفة وبه قال أحمد أنه لا يجب لأن التفريق في الأداء يتعلق بالوقت فلا يبقى حكمه في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤداة. والأصح عند أكثر أصحاب الشافعي وجوب التفريق كما في الأداء. ويفارق تفريق الصلوات فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق بالفعل وهو الحج. والرجوع وما قدر ما يقع به التفريق أصح الأقوال التفريق بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة بناء على أصلين سبقا أحدهما: أن المتمتع ليس له صوم أيام التشريق، والثاني أن المراد بالرجوع الرجوع إلى أهله {تلك عشرة كاملة} طعن فيه بعض الملحدين أن هذا من إيضاح الواضحات. فمن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة وأيضاً قوله {كاملة} يوهم أن ههنا عشرة غير كاملة وهو محال، فذكر العلماء من فوائده أن الواو في قوله {وسبعة} ليس نصاً قاطعاً في الجمع بل قد يكون للإباحة بمعنى أو كما في قوله {أية : مثنى وثلاث ورباع} تفسير : [فاطر: 1] وكما في قولك "جالس الحسن وابن سيرين" لو جالسهما جميعاً أو واحداً منهما كان ممتثلاً ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة. وأيضاً ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً وعلى هذا مدار علم السياقة وكفى به إفادة. وأيضاً المعتاد أن البدل أضعف حالاً من المبدل كالتيمم من الوضوء، فلعل المراد أن هذا البدل كامل في كونه قائماً مقام المبدل وهما في الفضيلة سواء، وذكر العشرة لصحة التوصل به إلى هذا الوصف إذ لو اقتصر على تلك جاز أن يعود إلى الثلاثة أو إلى السبعة. وأيضاً قوله {تلك عشرة كاملة} يدفع التخصيص الذي يتطرق إلى كثير من العمومات في الشرع ويصرف الكلام إلى التنصيص. وأيضاً إن مراتب الأعداد ثلاث: الآحاد والعشرات والمئات. وهذه من وساطها فكأنه قال: إنما أوجبت هذا العدد لكونه موصوفاً بصفة التوسط والكمال. وأيضاً التوكيد طريقة مسلوكة في كلام العرب يعرف منه كون المذكور مما يعقد به الهمم، ففيه زيادة توصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها وأيضاً هذا الخطاب مع العرب ولم يكونوا أهل حساب فبين الله تعالى بذلك بياناً قاطعاً كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال في الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم أشار بيده ثلاث مرات وأمسك إبهامه في الثالثة تنبيهاً بالإشارة الأولى على الثلاثين، وبالثانية على التسعة والعشرين. وأيضاً فيه إزالة الاشتباه والتصحيف الذي يمكن أن يتولد من تشابه سبعة وتسعة في الخط. وأيضاً يحتمل أن يراد كاملة في الإجزاء حتى لا يتوهم أنها بسبب التفريق غير مجزئة كما لا يجزئ في كفارات الظهار والقتل ووقاع رمضان إلا الصوم المتتابع. وأيضاً يحتمل أن يكون خبراً في معنى الأمر أي فلتكن تلك الصيامات كاملة لتسد الخلل ويكون الحج المأمور به تاماً كاملاً كما قال {وأتموا الحج والعمرة لله}. واعلم أن الصوم مضاف إلى الله تعالى في قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى حديث : "الصوم لي وأنا أجزي به"تفسير : والحج أيضاً مضاف إليه تعالى في الآية {وأتموا الحج والعمرة لله} وكما دل النقل على هذا الاختصاص فالعقل أيضاً يدل على ذلك. أما الصوم فلأنه عبادة لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وهو مع ذلك شاق على النفس جداً، وأما الحج فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجوه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والولد ويقتضي التباعد عن أكثر اللذات والاستمتاعات، فكل منهما لا يؤتى به إلا لمحض ابتغاء مرضاة الله تعالى. ثم إن هذا الصوم بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعاً بين مشقتين، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من مشقة إلى مشقة، والأجر على قدر النصب، فلا جرم وصفه الله تعالى بالكمال في باب العبادة والتنكير في اللفظ أيضاً يؤيد ذلك زادنا الله اطلاعاً على لطائف قرآنه العظيم {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} اختلف العلماء في أن المشار إليه ماذا؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إشارة إلى التمتع وما ترتب عليه لأنه ليس البعض أولى من البعض فيعود إلى كل ما تقدم فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام. وقال الشافعي: بل عودة إلى الأقرب أولى وهو الحكم بوجوب الهدي على المتمتع. وأيضاً قوله {فمن تمتع} عام يشمل الحرمي والميقاتي والآفاقي. وأيضاً إنه تعالى شرع القرآن والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج، والنسخ يثبت في حق الناس كافة. ويتفرع على مذهب أبي حنيفة أن من تمتع أو قرن من حاضري المسجد الحرام كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه. وعلى مذهب الشافعي أن يصح تمتعهم وقرانهم ولا يجب عليهم شيء، فإن لزوم الهدي على الآفاقي بسبب أنه أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فيلزمه جبر الخلل بدم. والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فلا خلل في حجة تمتع أو قرن أو أفرد، فلا يلزمه الهدي ولا بدله. ثم اختلفوا في حاضري المسجد الحرام فعن مالك أنهم أهل مكة وأهل ذي طوى. وعن طاوس هم أهل الحرم. وعن الشافعي هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة، فإن كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين، وبه قال أحمد. وعن أبي حنيفة أنهم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة. والمواقيت: ذو الحليفة على عشر مراحل من مكة وعلى ميل من المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب على خمسين فرسخاً من مكة، ويلملم من صوب اليمن وقرن لنجد الحجاز، وذات عرق من صوب المشرق والعراق وخراسان وكل هذه الثلاثة من مكة على مرحلتين. فهذه هي المذاهب وأوفقها للآية. مذهب مالك لأن أهل مكة هم الذين يحضرون المسجد الحرام. إلا أن الشافعي قال: قد يطلق المسجد الحرام على الحرم قال تعالى {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام} تفسير : [الإسراء: 1] ورسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به من الحرم لا من المسجد. وقد يقال: حضر فلان فلاناً إذا دنا منه. ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس مكة. وفي مذهب أبي حنيفة بعد، فإن يؤديّ إلى إخراج القريب من الحاضرين وإدخال البعيد لتفاوت مسافات المواقيت، ثم إن مسافة القصر مرعية من نفس مكة أو من الحرم الأعرف هو الثاني لما قلنا إن المسجد الحرام يراد به جميع الحرم. قال الفراء: ذلك لمن لم يكن معناه ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اشتراطي لهم الولاء"تفسير : أي عليهم وذكر حضور الأهل والمراد حضور الحرم لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون {واتقوا الله} في محافظة حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن تهاون بحدوده. قال أبو مسلم: العقاب والمعاقبة سيان، واشتقاقهما من العاقبة كأنه يراد عاقبة فعله السيء كقول القائل "لتذوقن فعلك". التأويل: حج الخواص حج رب البيت وشهوده وهذه سيرة إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما قال {أية : إني ذاهب إلى ربي} تفسير : [الصافات: 99] ولكنه أحصر في السماء السابعة فلا جرم أهدى بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء فقيل له {وأتموا الحج والعمرة لله} وجرى ما جرى {أية : فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفسير : [النجم: 9 - 10] ثم قال لأمته: اسعوا في إتمام صورة الحج بقدر استطاعتكم، وفي الحقيقة بأن تخرجوا وجودكم {فإن أحصرتم} بأعداء النفس والهوى أو لملال القلب أو لكلال الروح أو باستجلاء الأحوال أو بتمني الآمال {فما استيسر من الهدي} أعلاها الروح وأوسطها القلب وأدناها النفس يهدي ما كان الإحصار به. {ولا تحلقوا} لا تشتغلوا بغير الله حتى تبلغوا المقصد، فإن عرض مرض في الإرادة أو يعلوه أذى من المزاحمات من غير فترة من نفسه فلم يجد بداً من الإناخة بفناء الرخص، فليجتهد أن يتداركه بالفدية فقد قيل: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، والصيام هو الإمساك عن المشارب والصدقة الخروج عن المعلوم، والنسم ذبح النفس في مقاساته الشدائد {فإذا أمنتم} الإحصار وأقبل الجد الصاعد والزمان المساعد {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} واستراح في الطلب {فما استيسر من الهدي} من ترك مشارب الروح والقلب والنفس {فمن لم يجد لم يستطع} ترك تلك المشارب لعلو شأنها وعظم مكانها فعليه الإمساك عن مشارب القوى الثلاث المدركة للمعاني والمتصرفة فيها وهي الوهم والحافظة والمتخيلة، هذا إذا كان في عالم المعنى، فإذا رجع إلى عالم الصورة أمسك عن القوى السبع مشار بها وهي الحس المشترك والخيال، لأن الأولى مدركة الصور، والثانية معينتها على الحفظ وبعدهما الحواس الخمس الظاهرة {تلك عشرة كاملة} هي الحواس الظاهرة والباطنة {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} لأن الحاضر في مقام القرب والأنس لا يخاطب ولا يعاتب وإنما يلزم العتب، والطلب للسالك والسائر، فإذا وصل فقد استراح. {واتقوا} أن تسكنوا في فترة أو وقفة أو تركنوا إلى مشرب من هذه المشارب {واعلموا أن الله شديد العقاب} للغافلين عن هذا الخطاب القانعين بذل الحجاب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ}: قال ابنُ زَيْد وغيره: إِتمامهما ألاَّ تفسخا، وأن تتمهما، إِذا بدأْتَ بهما، وقال ابن عَبَّاس وغيره: إِتمامهما أنْ تقضي مناسكهما كاملةً بما كان فيهما من دماء، وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ: إِتمامهما أنْ تخرج قاصداً لهما، لا لتجارةٍ، ولا لغيرِ ذلك؛ ويؤيد هذا قولُهُ: {لِلَّهِ}. وفروضُ الحجِّ: النيَّة، والإِحرامُ، والطوافُ المتصلُ بالسعْيِ، يعني: طواف الإِفاضة، والسَّعْيِ بين الصفا والمروة عنْدنا؛ خلافاً لأبي حنيفة، والوقوفُ بعرفة، وزاد ابن الماجِشُونَ: جَمْرة العَقَبَة. وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} هذه الآية نزلَتْ عام الحديبية عنْد جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهورُ النَّاس علَىٰ أنَّ المُحْصَرَ بالعَدُوِّ يَحِلُّ حيثُ أُحْصِرَ، وينحر هَدْيه، إِن كان ثَمَّ هَدْيٌ، ويحلق رأسه، وأما المُحْصَرُ بمرضٍ، فقال مالك، وجمهور من العلماء: لا يحله إِلا البيتُ، ويقيم حتَّىٰ يُفِيقَ، وإِن أقام سنين، فإِذا وصل البيتَ، بعد فوت الحجِّ، قطع التلبيةَ في أوائل الحرم، وحلَّ بعمرة، ثم تكون عليه حجَّة قضاء، وفيها يكون الهَدْي. و «مَا» في موضع رفعٍ، أي: فالواجبُ، أو: فعليكُمْ ما ٱستَيْسَرَ، وهو شاةٌ عند الجمهور. وقال ابن عمر وعروة: جَملٌ دون جَمَلٍ، وبقرةٌ دون بقرة. وقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} الخطابُ لجميعِ الأمَّة، وقيل: للمحصَرِينَ خاصَّة، ومَحِلُّ الهَدْيِ: حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يُحصَرْ بمِنَىٰ، والترتيب: أن يرمي الحاجُّ الجَمْرَة، ثم ينحر، ثم يَحْلِق، ثم يَطُوف للإِفاضة. وقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا...} الآية: المعنى: فحَلَق لإِزالة الأذَىٰ، {فَفِدْيَةٌ }، وهذا هو فحْوَى الخطاب عند أكثر الأصوليِّين، ونزلَتْ هذه الآية في كَعْب بن عُجْرَةَ، حِينَ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَأْسُهُ يَتَنَاثَرُ قملاً، فَأَمَرَهُ بِالحَلاَّقِ، ونَزَلَتِ الرخْصَةُ. والصيامُ؛ عند مالك، وجميع أصحابه: ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ستَّة مساكين؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وذلك مُدَّانِ بمُدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والنُّسُكُ: شاة بإِجماع، ومَنْ أَتَىٰ بأفضلَ منها ممَّا يذبح أو ينحر، فهو أفضلُ والمفتدِي مخيَّر في أيِّ هذه الثلاثة شاء، حيثُ شاء من مكَّة وغيرها. قال مالكٌ وغيره: كلَّما أتَىٰ في القرآن «أَوْ أَوْ»، فإِنه على التخْيير. وقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ }، أي: من العدُوِّ المُحْصِرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره، وهو أشبهُ باللَّفظ، وقيل: معناه: إِذا برأتم من مَرَضِكم. وقوله سُبحانه: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ...} الآية. قال ابن عبَّاس وجماعةٌ من العلماء: الآيةُ في المحصَرين وغيرهم، وصورة المتمتِّع أنْ تجتمعَ فيه ستَّةُ شروطٍ، أن يكون معتمراً في أشْهُر الحجِّ، وهو من غير حاضِرِي المَسْجِد الحرام، ويحل وينشىء الحَجَّ من عَامِهِ ذلك، دون رُجُوع إِلى وطنه، أو ما ساواه بُعْداً، هذا قول مالِكٍ، وأصحابه، وٱختلفَ، لِمَ سُمِّيَ متمتعاً. فقال ابن القاسِمِ: لأنه تمتع بكلِّ ما لا يجوز للمُحْرِمِ فعْلُه مِنْ وقْت حلِّه في العمرة إِلى وقْت إِنشائه الحجِّ، وقال غيره: سمي متمتعاً؛ لأنه تمتَّع بإِسقاط أحد السفرين، وذلك أنَّ حق العمرة أنْ تقصد بسَفَرٍ، وحقّ الحج كذلك، فلمَّا تمتع بإِسقاط أحدهما ألزمه اللَّه تعالَىٰ هَدْياً كالقَارن الَّذي يجمع الحجَّ والعمرةَ في سَفَر واحدٍ، وجُلُّ الأمة على جواز العُمْرة في أَشْهُر الحجِّ للمكِّيِّ ولا دَمَ عليه. وقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ}، يعني: من وقتِ يُحْرِمْ إِلى يومِ عرفة، فإِنْ فاته صيامها قبل يوم النحرِ، فليصُمْها في أيام التشريق؛ لأنها من أيام الحج. {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}، قال مجاهد وغيره: أي: إِذا رجعتم من مِنَىٰ، وقال قتادة، والربيع: هذه رخصةٌ من اللَّه سبحانه، والمعنى: إِذا رجعتم إِلى أوطانكم، ولما جاز أنْ يتوهَّم متوهم التخْيير بين ثلاثةِ أيَّامٍ في الحجِّ أو سبعة إِذا رجع، أُزِيلَ ذلك بالجليَّةِ من قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ}. و {كَامِلَةٌ } قال الحسن بن أبي الحَسَن: المعنَىٰ: كاملة الثوابِ، وقيل: كاملةٌ تأكيدٌ؛ كما تقول: كَتَبْتُ بيَدِي، وقيل: لفظها الإِخبار، ومعناها الأمر، أي: أكملوها، فذلك فرضها، وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ...} الآيةَ: الإِشارة بذلك علَىٰ قول الجمهورِ هي إِلى الهَدْي، أي: ذلك الاشتداد والإِلزام، وعلى قول من يرى أن المكِّيَّ لا تجوز له العُمْرة في أشهر الحج، تكون الإِشارة إِلى التمتُّع، وحُكْمِه؛ فكأن الكلام؛ ذلك الترخيصُ لمن لَمْ؛ ويتأيَّد هذا بقوله: {لِمَن لَّمْ }؛ لأن اللام أبداً إِنما تجــيء مع الرخص، واختلف الناس في {حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } بعد الإِجماع على أهل مكة، وما اتصل بها، فقيل: من تَجِبُ عليه الجمعة بمكَّة، فهو حَضَرِيٌّ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو بَدَوِيٌّ، قال: * ع *: فجعل اللفظة من الحضارة، والبداوة. وقيل: من كان بحيثُ لا يَقْصُرُ الصلاة، فهو حاضرٌ، أي: مشاهدٌ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو غائبٌ. وقال ابن عبَّاس، ومجاهد: أهل الحرم كلِّه حَاضِرُو المَسْجِدِ الحرامِ، ثم أمر تعالَىٰ بتقواه على العموم، وحذَّر من شديد عقابه.

ابن عادل

تفسير : الحجُّ: في اللغة عبارةُ عن القصد، وإنما يقال حجَّ فلانٌ الشيء، إذا قصده مرَّةً بعد أخرى، وأدام الاختلاف إليه، و"الحِجَّةُ" بكسر الحاء: السَّنة، وإنما قيل لها حِجَّةٌ؛ لأن الناس يحجُّون في كل سنةٍ، وفي الشرع: هو اسمٌ لأفعال مخصوصة يشتمل على أركانٍ، وواجباتٍ، وسُننٍ. فالركن: ما لا يحصل التحلُّل إلاَّ بالإتيان به، والواجب هو الذي إذا تركه يجبر بالدم، والسُّنن: ما لا يجب بتركها شيءٌ، وكذلك أفعال العمرة. وقرأ نافعٌ، وأبو عَمْرٍو، وابنُ كثير، وأبو بكر، عن عاصمٍ رحمة الله تعالى عليهم: "الحَجُّ" بفتحِ الحاءِ في كلِّ القرآن الكريم، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ حمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ، عن عاصمٍ: بالكسر في كلِّ القرآن. قال الكسائيُّ: وهما لغتان بمعنى واحدٍ؛ كرِطلٍ ورَطلٍ، وكِسر البيت، وكَسره، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. وقرأ علقمة، وإبراهيم النَّخعيُّ: "وأقِيمُوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ" وفي مصحف ابن مسعودٍ: "وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ إلى البَيت" وروي عنه: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، وفائدة التخصيص بقوله: "لِلَّهِ" - هنا - أنَّ العرب كانت تقصد الحج للاجتماع، والتظاهر، وحضور الأسواق؛ وكلُّ ذلك ليس لِلَه فيه طاعةٌ، ولا قربةٌ؛ فأمر الله تعالى بالقصد إليه لأداء فرضه، وقضاء حقِّه. والجمهور على نصب "العُمْرَةَ" على العطف على ما قبلها، و"لِلَّهِ" متعلقٌ بأتِمُّوا، واللام لام المفعول من أجله. ويجوز أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من الحجِّ والعمرة، تقديره: أتمُّوها كائنين لله. وقرأ عليٌّ وابن مسعودٍ، وزيد بن ثابت، والشعبيّ: "والعُمْرَةُ" بالرفع عل الابتداء. و"لله" الخبر، على أنها جملة مستأنفةٌ. قال ابن عباسٍ، وعلقمة، وإبراهيم، والنخعي: إتمام الحجِّ والعمرة: أن يتمَّهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما. وقال سعيدُ بن جبيرٍ، وطاوس: تمام الحجِّ والعمرة: أن تحرم بهما مفردين مستأنفين من دويرية أهلك. ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً. وقال عليُّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعودٍ - رضي الله عنهما -: تمام الحجِّ والعمرة: أن تحرم بهما من دويرية أهلك. وقال قتادة: تمام العمرة أن تُعْمِرَ في غير أشهر الحجِّ، فإن فعلها في أشهر الحج، ثم أقام حتى حجَّ؛ فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجده، أو الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلِّها بحيث لا يلزمه دمٌ، بسبب قرانٍ، ولا متعةٍ. وقال الضحاك: إتمامها: أن تكون النفقة حلالاً، وينتهي عما نهى الله عنه. وقال سفيان الثوري: إتمامها: أن تخرج من أهلك لهما؛ لا لتجارةٍ، ولا لحاجةٍ أخرى. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الوفد كثيرٌ، والحاجُ قليلٌ. فصل في اختلافهم في وجوب العمرة اتَّفقت الأُمَّة على وجوب الحج، على من استطاع إليه سبيلاً، واختلفوا في وجوب العمرة؛ فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها؛ وهو قول عمر، وعليّ، وابن عمر، ورواه عكرمة عن ابن عباسٍ، قال: والله إنَّ العمرة لقرينة الحجِّ في كتاب الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} وبه قال عطاءٌ، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الثوريُّ، وأحمد، والشافعيُّ، في أصحِّ قوليه. وذهب قومٌ إلى أنها سُنَّةٌ، وهو قول جابرٍ، وبه قال الشعبيُّ، وإليه ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، رضي الله عنهم أجمعين. حجةُ القولِ الأوَّلِ أدلةٌ منها: قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} والإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملً تاماً؛ بدليل قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}تفسير : [البقرة: 124] أي: فعلهنَّ على التمام، والكمال، وقوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ}تفسير : [البقرة: 187]، أي: فافعلوا الصيام تاماً إلى الليل. فإن قيل يحتمل أن يكون المراد أنكم إذا شرعتم فيهما، فأتموهما؛ لأنَّها تدلُّ على أصل الوجوب؛ لأنَّا إنما استفدنا الوجوب من قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [آل عمران: 97]، لا من هذه الآية، وكذا قوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ}تفسير : [البقرة: 187] إنَّما استفدنا وجوب الصوم من قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 183] لا من قوله: "ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ" والحجُّ والعمرةُ يجب إتمامهما بالشروع فيهما، سواءٌ أكانا فرضاً، أو تطوُّعاً، وتقول: الصوم خرج بدليلٍ، أو تقول: وجب إتمامه بالشروع، فيكون الأمر بالإتمام، مشروطاً بالشروع فيهما. فالجواب: أنَّ ما ذكرناه أولى؛ لأن على تقديركم يحتاج إلى إضمارٍ، وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى إضمار؛ فكان الاحتمال الذي ذكرناه أولى، ويدلُّ عليه: أنَّ أهل التفسير ذكروا أنَّ هذه الآية أول آيةٍ نزلت في الحجِّ، فحملها على إيجاب الحجِّ، أولى من حملها على وجوب الإتمام بشرط الشُّروع. وأيضاً يؤيّده ما ذكرناه من قراءة من قرأ "وأقِيمُوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ" وإن كانت شاذَّةً، لكنَّها تجري مجرى خبر الواحد. فإن قيل: قراءة عليٍّ، وابن مسعودٍ، والشَّعبي: "والعُمْرَةُ لِلَّهِ" بالرفع يدلُ على أنهم قصدوا إفراد العمرة عن حكم الحجِّ، في الوجوب؛ فالجواب من وجوه: أحدها: أنها شاذَّةٌ؛ فلا تعارض المتواترة. فإن قيل: قد استدللتم أنتم بالشاذَّة أيضاً؟ قلنا: استدللنا بها حيث هي موافقةٌ؛ فتكون تقويةً للاستدلال، لا أنها نفس الدَّلِيل، واستدلالكم بالشاذَّة؛ نفس الدليل، وهو معارضٌ بها؛ فتساقط الاستدلالان، وسلمت المتواترة عن المعارض. وثانيها: أن قوله: "وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ" معناها: أنَّ العمرة عبادةٌ الله، وذلك لا ينافي وجوبها. وثالثها: أنَّ في هذه القراءة ضعفاً في العربية؛ لأنَّها تقتضي عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية. الدليل الثاني: قوله تعالى: {أية : يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}تفسير : [التوبة: 3]، يدلُّ على وجود حجٌّ أصغر، وهو العمرة بالاتفاق. وإذا ثبت أن العمرة حجٌّ، فتكون واجبةٌ؛ لقوله تعالى: {أية : وَللهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [آل عمران: 97]. الدليل الثالث: ما ورد في الصَّحيح: أنَّ جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام - سأل النبيَّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن الإسلام، فقال: "حديث : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّ مُحمداً رَسُولُ اللَّهِ، وأَنْ تٌقِيمَ الصَّلاَةَ، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ " حديث : وقوله - صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم ومجَّد وبجلَّ وعظَّم - لأبي رزين، لمَّا سأله، فقال: إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ أدرك الإسلام، ولا يستطيع الحجَّ والعمرة، ولا الظَّعْنَة، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حُجَّ عن أبِيكَ وَاعْتَمِرْ"تفسير : وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - "حديث : إنَّ الحجَّ والعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ، لا يَضُرُّكَ بأيهما بَدَأْت " تفسير : وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "حديث : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لاَ قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ " تفسير : وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: ليس أحد من خلق الله إلاَّ وعليه حجةٌ وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلاً. وقال الشافعيُّ - رضي الله عنه -: اعتمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم ومجَّد وبجَّل وعظَّم قبل الحجِّ، ولو لم تكن العمرة واجبةً، لكان الأشبه أن يبادر إلى الحجِّ الواجب. القول الثالث: في قصة الأعرابيِّ حين حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام، فعلَّمه الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجَّ، فقال الأعرابيُّ: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلاَّ أن تطَّوع"، فقال: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص، فقال عليه الصلاة والسلام: "أفلح إن صدق تفسير : وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وحَجِّ الْبَيْتِ " تفسير : وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وزَكُّوا أَمْوَالَكُمْ، وَحُجُّوا بَيْتَكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّة رَبِّكُمْ " تفسير : وعن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنَّه سئل عن العمرة: واجبةٌ هي أم لا؟ فقال: لاَ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ " تفسير : وعن معاوية الضَّرير، عن أبي صالحٍ الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم ومجَّد وبجَّل وعظَّم - قال: "حديث : الحَجُّ جِهَادٌ، وَالعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ " تفسير : والجوابُ من وجوهٍ: أحدها: أن هذه أخبارُ آحادٍ؛ فلا تعارض القرآن. وثانيها: أنَّ هذه الآية الكريمة نزلت في السَّنة السابعة من الهجرة، فيحتمل أنَّ هذه الأحاديث حيث وردت، لم تكن العمرة واجبةً، ثم نزل بعدها: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ}، وهذا هو الأقرب لما ذكرناه. وثالثها: أن قصة الأعرابي، والحديثين اللذين بعده، ذكر فيهم الحجَّ، وليس فيها بيان تفصيل الحج، وقد بينَّا أن العمرة حجٌّ، فلا تنافي وجوب العمرة، وأمَّا حديث ابن المنكدر، فرواه الحجاج بن أرطاة؛ وهو ضعيفٌ. فصل واتفقت الأمة على أنَّه يجوز أداء الحجِّ والعمرة على ثلاثة أوجهٍ: الإفراد، والتمتع، والقران. فالإفراد: أن يُحرم بالحجِّ منفرداً، ثم بعد الفراغ منه، يعتمر من أدنى الحلِّ. والتمتع: أن يعتمر في أشهر الحجِّ، فإذا فرغ من العمرة، يحرم بالحجِّ من مكة المشرفة في عامه. والقران: أن يحرم بالحج والعمرة معاً، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجَّ قبل أن يفتتح الطواف؛ فيصير قارناً، ولو أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، لم ينعقد إحرامه بالعمرة. واختلفوا في أيِّ هذه الثَّلاثة أفضل؟ وتفاصيل هذه الأقوال مذكورةٌ في كتب الفقه. قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196] قال أحمد بن يحيى: أصل الحصر، والإحصار: المنع والحبس. ومنه قيل للملك: الحصير؛ لأنه ممنوع من الناس. قال لبيدٌ: [الكامل] شعر : 979 -..................... جِنٌّ لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ قِيَامُ تفسير : وهل حُصِر وأُحْصِر بمعنى، أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ. فقال الفراء، والزجاج، والشيباني؛ إنهما بمعنى، يقالان في المرض، والعدوِّ جميعاً؛ وأنشدوا على ذلك [الطويل] شعر : 980 - وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ عَلَيْكَ وَلاَ أَنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ تفسير : وهو قولُ أبي عُبَيْدَة، وابن السِّكِّيتِ، وابن قتيبة. وفرَّق بعضهم، فقال الزمخشري، وثعلبٌ: في فصيح الكلام: يقال: أُحْصِر فلانٌ: إذا منعه أمرٌ من خوفٍ، أو مرض، أو عجز؛ قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 273]، وحُصِر: إذا حبسه عدوٌّ، أو سجنٌ، هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى في كل شيءٍ، مثل: صدَّه وأصدَّه، وكذلك الفراء والشيباني، ووافقه ابن عطية أيضاً؛ فإنه قال: والمشهورُ مِنَ اللُّغَةِ: أُحْصِر بالمرضِ، وحُصِر بالعَدُوِّ. وعكس أبن فارسٍ في "مُجْمَلِه"، فقال: "حُصِر بالمرضِ، وأُحْصِر بالعَدُوّ" وقال ثعلب: "حُصِر في الحَبْسِ، أَقْوى مِنْ أُحْصِر"، ويقال: حَصِرَ صَدْرُه، أي: ضاق؛ ورجلٌ حَصِرٌ: لاَ يُبُوحُ بسرِّه، قال جرير في ذلك المعنى [الطويل] شعر : 981 - وَلَقَدْ تَكَنَّفَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا حَصِراً بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ حَصُوراً تفسير : والحَصِيرُ: معروفٌ؛ لامتناعِ بعضه ببعض، وانضمامُ بعضه إلى بعضٍ، تشبيهاً باحتباس الشَّيء مع غيره، والحصر: احتباس البول، والغائط. وقيل: إنَّ الحَصْرَ مختصٌّ بالمنع الحاصل من جهة العدوِّ؛ وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس، وابن عمر، وابن الزُّبير، قالوا: لا حصر إلاَّ حصر العدوِّ، وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيِّب، وإليه ذهب إسحاق، وأحمد، والشافعيُّ - رحمهم الله تعالى؛ وأكثر أهل اللغة يردُّون هذا القول. وفائدة هذا الخلاف في أنَّه: هل يثبت للمحصر بالمرض وغيره من الموانع حكم المحصر بالعدوِّ؟ فقال الشافعيُّ: لا يثبت، وقال غيره: يثبت، والقائلون بأنه يثبت، قال بعضهم: إنَّه ثابتٌ بالنصِّ، وقال آخرون: بالقياس الجلي. حجَّة القائلين بالثبوت: مذهب أهل اللغة؛ لأن أهل اللغة قائلان: أحدهما: القائلون بأن الإحصار مختصٌّ بالحبس الحاصل بسبب المرض، فتكون الآية الكريمة نصاً صريحاً فيه. والثاني: القائلون بأن الإحصار المطلق الحبس، سواءٌ كان مرضٌ أو عدوٌّ؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرجَ، فَقَدْ حَلَّ، وعليه الحَجُّ مِنْ قَابِل " تفسير : قال عكرمة: فسألتُ ابن عباسٍ، وأبا هريرة - رضي الله عنهما - عن ذلك؛ فقالا: صَدَق. فدلَّ ظاهر الآية، والحديث عليه أيضاً. وعلى القول الثَّالث: فهو أنَّ الإحصار اسمٌ لمنع العدوِّ، فنقول: هذا باطلٌ باتفاق أهل اللغة، وبتقدير ثبوته، يقيس المرض على العدوِّ بجامع دفع الحرج، وهو قياسٌ جَلِيٌّ ظاهرٌ. وأمّا بتقدير مذهب ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، فلا شكَّ أنَّ قولهم أقوى؛ لتقدمهم على هؤلاء الأدباء، في معرفة اللغة، ومعرفة تفسير القرآن. والحديث ضعيف، ويمكن تأويله بأنَّه إنّما يحل بالكسر، والعرج، إذا كان مشروطاً في عقد الإحرام. كما روي: أنَّ ضباعة بنت الزبير كانت وجعةً؛ فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكرَّم، وبجَّل، وعظَّم: "حديث : حِجّي واشْتَرِطي، وَقُولي اللَّهُمَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَني"تفسير : . ويؤكد هذا القول وجوهٌ: أحدها: أنَّ الإحصار: إفعالٌ من الحصر، والإفعال تارةً يجيء بمعنى التعدية، نحو: ذهب زَيْدٌ، وأذْهَبْتُه انا، ويجيءُ بمعنى: صار ذا كذا؛ نحو: أَغَدَّ البعيرُ، أي: صار ذا غُدَّةٍ، وأجرب الرجل، إذا صار ذا إبلٍ جربى، ويجيء بمعنى: وجدته بصفة كذا؛ نحو: أَحْمدْتُ الرجل، أي وجدته محموداً. والإحصار لا يمكن أن يكون للتعدية؛ فوجب إمَّا حمله على الصيرورة، أو على الوجدان، والمعنى أنَّهم صاروا محصورين ووجدوا محصورين. واتفق أهل اللُّغة على أنَّ المحصور هو الممنوع بالعدو، لا بالمرض، فوجب أن يكون معنى الإحصار: هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدوِّ، وذلك يؤكِّد ما قاله الشافعيُّ. وثانيها: أنَّ الحصر عبارة عن المنع، وإنما يقال للإنسان: أنَّه ممنوعٌ من فعله، ومحبوسٌ عن مراده؛ إذا كان الغي هو فاعل ذلك المنع والحبس. فالحصر: عبارة عن الكيفية الحاصلة عند اعتدال المزاج، وسلامة الأعضاء، وذلك مفقودٌ في حقّ المريض؛ لأنَّه غير قادر على الفعل ألبتة؛ فلا يحكم عليه بأنه ممنوع، لأن إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضي. أمَّا إذا كان ممنوعاً بالعدو، - فها هنا - القدرة حاصلة إلاَّ أنه تعذّر الفعل؛ لأجل مدافعة العدوِّ، فصح ها هنا أن يقال: إنه ممنوعٌ من الفعل؛ فوجب أن يكون الإحصار حقيقة في العدو، لا في المرض. وثالثها: أن قوله: "أُحْصِرْتُمْ" أي: حبستم ومنعتم، والحبس لا بدَّ له من حابسٍ، والمنع لا بدَّ له من مانعٍ؛ لأنَّ الحبس، والمنع فعلٌ، وإضافة الفعل إلى المرض محالٌ عقلاً، لأن المرض عرضٌ لا يبقى زمانين، فكيف يكون فاعلاً، وحابساً، ومانعاً. وأمَّا وصف العدوِّ بأنه حابسٌ، ومانعٌ؛ فهو وصفٌ حقيقيٌّ، وحمل الكلام على الحقيقة، أولى من حمله على المجاز. ورابعها: أنَّ الإحصار مشتقٌ من الحصر، ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض؛ فوجب أن يكون خالياً عن المرض قياساً على جميع الألفاظ المشتقة. وخامسها: أنَّه تعالى قال بعده: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ}. فعطف عليه المرض، فلو كان المحصر، هو المرض، أو من يكون المرض داخلاً فيه، لكان عطفاً للشيء على نفسه. فإن قيل: إنما خصَّ المريض بالذكر؛ لأنَّ له حكماً خاصاً، وهو حلق الرأس، فصار تقدير الآية الكريمة: إن منعتم بمرض، تحللتم بدمٍ، وإن تأذَّى رأسكم بمرض، حلقتم، وكفَّرتم. قلنا: هذا وإن كان حسناً لهذا الغرض، إلاَّ أنه مع ذلك يلزم منه عطف الشيء على نفسه، وحمل المحصر على غير المريض يوجب خلوَّ الكلام عن هذا الاستدلال، فكان أولى. وسادسها: قوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدوِّ، لا في المرض، فإنَّه يقال في المرض: شُفِي، وعُفِيَ ولا يقال أمِنَ. فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ لفظ الأمن لا يستعمل إلاَّ في الخوف، فإنه يقال: أمن المرض من الهلاك، وأيضاً خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أوَّلها. قلنا: لفظ الأمن إذا كان مطلقاً غير مقيَّد، فإنَّه لا يفيد إلاَّ الأمن من العدوِّ. وقوله: خصوص آخر الآية الكريمة لا يقدح في عموم أوَّلها. قلنا: بل يوجب؛ لأن قوله: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} ليس فيه بيان أنَّه حصل الأمن عن ماذا، فلا بدَّ وأن يكون المراد حصول الأمن عن شيءٍ تقدَّم ذكره، وليس إلاَّ الإحصار، فكان التقدير: فإذا أمنتم من ذلك الإحصار. وإذا ثبت أنَّ لفظ الأمن لا يطلق إلاَّ في العدوّ، وجب أن يكون المراد من هذا الإحصار، منع العدوِّ. وسابعها: إجماع المفسرين على أن سبب نزول هذه الآية الكريمة، أن الكفَّار أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، واختلف العلماء في الآية النازلة في سببه؛ هل تتناول غير ذلك السبب؟ إلاّ أنهم اتفقوا على أنَّه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجاً عنه، فكان الإحصار في هذه الآية الكريمة عبارة عن العدوِّ، وأمّا قياس منع المرض عليه، فلا يمكن لوجهين: الاول: أنَّ كلمة "إِنْ" شرطٌ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عند انتفائه ظاهراً، فيقتضي ألاَّ يثبت الحكم إلاَّ في الإحصار الذي دلَّت الآية عليه، فلو أثبتنا هذا الحكم في غيره قياساً، كان ذلك نسخاً للنصِّ بالقياس، وهو غير جائز. الثاني: أنَّ الإحرام شرعٌ لازمٌ، لا يحتمل النسخ قصداً؛ ألا ترى أنَّه لو جامع، فسد حجُّه ولم يخرج من الإحرام؛ وكذا لو فاته الحجُّ حتى لزمه القضاء، والمريض ليس كالعدوّ؛ لأن المريض لا يستفيد بتحلّله ورجوعه أمناً من مرضه، وأمَّا المحصر بالعدو، فإنّه خائفٌ من القتل إذا أقام، فإذا رجع، فقد أمن، وتخلص من خوف القتل، والله أعلم. فصل قال القرطبيُّ: "الحَاصِرُ لاَ يَخْلُوا مِنْ أَنْ يكونَ كَافِراً أَوْ مُسْلِمَاً، فإن كان كافراً، لم يَجُزْ قِتَالُه، ولو وثق بالظهور عليه، ويتحلل بموْضِعه؛ قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 191] ولو سأل الكافر جعلاً، لم يجز؛ لأن ذلك وهن في الإسلام، وإن كان مسلماً لم يجز قتاله بحال، ووجب التحلل، فإن طلب جعلاً ويتخلّى عن الطريق، جاز دفعه، ولم يجز القتال؛ لما فيه من إتلاف المهج، وذلك لا يلزم في أداء العبادات، فإنّ الدِّين أسمح، وأمّا بذل الجعل، فلما فيه من دفع أعظم الضَّررين بالأسهل منهما: ولأن الحجَّ ممَّا ينفق فيه المال، فيعدُّ هذا من النَّفقة". فصل العدوُّ الحاصر: لا يخلو إمّا أن يتيقَّن بقاؤه، واستيطانه، لقوته وكثرته، أو لا، فإن كان الأول، حلَّ المحصر مكانه من ساعته، وإن كان الثاني، فهو مما يرجى زواله، فهذا لا يكون محصوراً؛ حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنَّه إن زال العدو، لا يدرك الحج؛ فيحلّ حينئذٍ. وقال أشهب: من حصر عن الحج بعدو، فلا يقطع التَّلبية، حتى يروح الناس إلى عرفة. فصل في الإحصار الإحصار: إنما يكون عن البيت، أو عن عرفة. فأمَّا عن الواجبات التي تجبر بالدم كالرَّمي، والمبيت بمزدلفة، ونحوها، فلا إحصار فيها؛ لأن المحرم يتمكن من إتمام حجَّه بجبرها بالدَّم، وإذا احصر عن طريق، وله طريق غيرها، يتمكَّن في الوصل إلى مكَّة، ويدرك الحجَّ من غير زيادةٍ في النفقة، أو ميرة لا تجحف به، فليس بمحصر، إذا كانت تلك الطُّرق أمناً، [فإن لم تكن أمناً]، أو كانت زيادة النَّفقة تجحف بماله. فهو محصر فصل في قضاء المحصر إذا أُحصر، فلا قضاء عليه بالإحصار؛ لأنه إن كان محرماً بحجّ الفرض، أو النَّذر، وكان ذلك في العام الذي وجب عليه الحجُّ فيه، لم يجب القضاء؛ لأن شروط وجوب الحجِّ لم تكمل؛ لوجود الإحصار، وإن كان ذلك في العام الثاني: وجب عليه الحجُّ للوجوب السَّابق، لا للإحصار، وإن كان الحجُّ تطوُّعا، فلا قضاء؛ لأنَّه لم يجب عليه ابتداءً. قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ}، "مَا" موصولة، بمعنى: الذي، ويضعف جعلها نكرة موصوفة، وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها في محل نصب، أي: فليُهدِ، أو فلينحر، وهذا مذهب ثعلب. والثاني: ويعزى للأخفش: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: فعليه ما استيسر. والثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالواجب ما استيسر، واستيسر هنا بمعنى يسر المجرّد كصعب، واستصعب، وغني واستغنى، ويجوز أن يكون بمعنى: تفعَّل نحو: تَكَبَّر واسْتَكْبَرَ، وتعظَّم واسْتَعْظَمَ، وقد تقدَّم ذلك. قوله: "مِنَ الهَدْي" فيه وجهان: أحدهما: أن تكون "مِنْ" تبعيضية، ويكون محلها النَّصب على الحال من الضَّمير المستتر في "اسْتَيْسَر" العائد على "مَا"، أي: حال كونه بعض الهدي. والثاني: أن تكون "مِنْ" لبيان الجنس، فتتعلق بمحذوف أيضا. وَفي الهَدْي قولان: أحدهما: أنه. جَمْعَ هَدْيَةَ كَجَدْي جمع جَدْيَةِ السَّرْج. والثاني: أن يكُون مصدراً واقعاً موقع المَفْعُول، أي: المُهْدَى، ولذلك يقعُ للأفرادِ والجَمْعِ. قال أبو عَمْرو بنُ العلاء: لا أعْرف لهذه اللَّفْظَةِ نَظِيراً. وقرأ مُجاهد والزُّهريُّ: "الهَديُّ" بتشديد اليَاء، وفيها وجهان: أحدهما: أن يَكُون جمع هَدِيَّة كمطيَّة ومطايا وركيَّة ورَكايا. قال أحمدُ بنُ يحيى: أهلُ الحِجَاز يُخَفِّفُون "الهَدْي"، وتميم يثقِّلُونَهُ؛ قال الشَّاعر: [الوافر] شعر : 982 - حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالْمُصَلَّى وَأَعْنَاقِ الهَدِيِّ مُقَلَّدَاتِ تفسير : وَيُقالُ في جمع الهَدْي: "أَهْدَاءُ". والثاني: أنْ يكون فعيلاً بمعنى مَفْعُولٍ، نحو: قتيلٍ بمعنى: مَقْتُول. فصل قال القَفَّال: في الآية الكريمة إِضْمَارٌ، والتَّقدير: فَتَحَلَّلْتُم فما استيسر، وهو كقوله {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ}تفسير : [البقرة: 184] أي: فَأَفْطَرَ فِعِدَّة، وفيها إضمارٌ آخر، هو ما تَقَدَّم، أي: فَلْيَهْدِ أو فلينحر ما اسْتَيْسَرَ، فالواجِبُ ما استيسر، ومعنى الهَدي: ما يهدى إلى بيت الله، عزَّ وجلَّ، تقرباً إليه بمنزلة الهَديَّة. قال عليٌّ وابنُ عباس - رضي الله عنهما - والحسنُ وقتادة: أعلاه بدنه، وأوسطه بقرةٌ، وأخسه شاةٌ، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس. فصل إذا عدم المُحْصَرُ الهَدْي، هل ينتقل إلى البَدَل؟ فيه خلافٌ قال أبو حنيفة: لا بَدَلَ لَهُ، ويكونُ الهَدْيُ في ذمّته أبداً؛ لأنه تعالى أوجَبَ على المحصرِ الهَدْيَ على التَّعْيين، ولم يثبت له بَدَلاً. وقال أحمدُ: له بدلٌ؛ فعلى الأوَّل: هل له أنْ يَتَحلَّلَ في الحالِ، أو يقيم على إحرامه؟ فقال أبو حنيفة: يقيمُ على إحرامه؛ حتى يجدهُ للآية. وقال غيرهُ: له أَنْ يَتَحلَّل في الحال للمشقَّة، وهؤلاء قالُوا يقوِّم الهدي بالدَّرَاهِمِ، ويشتري بها طعاماً، ويُؤدِّي؛ لأنَّهُ أقربُ إلى الهَدْي، وفيه اختلافاتٌ كثيرةٌ، ثم المُحْصَرُ إِنْ كانَ إحرامه بفرضٍ، قد استقرَّ عليه، فذلك الفَرْضُ في ذِمَّتِه، وإن كان حَجّ تَطَوُّعٍ، هل عليه القَضَاءُ؟! فيه خلاف: فذهب جماعةٌ إلى أَّنَّه لا قَضَاء عليه، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشَّافعي، وقال مجاهدٌ والشَّعبي والنَّخعيُّ، وأصحابُ الرَّأي: عليه القَضَاءُ. قال القُرطبيُّ: قال مالكٌ وأصحابُهُ: لا يَمْنَعُ المُحرم الاشتراطُ في الحَجِّ، إذا خاف الحَصْر بمرضٍ، أو عَدُوٍّ، وهو قول الثَّورِيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابه - رحمهم الله - والاشتراط أنْ يَقُولَ في إحرامه، إنْ حَبَسَنِي حابِسٌ فمحَلِّي حيثُ حَبَسَني. وقال أَحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور لا بأس أنْ يَشْتَرِطَ، وله شَرْطُهُ، وهو قولُ جماعةٍ من الصَّحَابة والتابعين، واحتجُّوا بقوله عليه السَّلام لِضُباعَة حين سألتهُ عن كيفيَّة الإحرام فقال:"حديث : قُولِي: محلِّي حَيْث حَبَسْتَنِي " تفسير : فصل اختلَفُوا في العُمْرة، فأكثر الفُقَهاءِ قالوا: حُكْمُهَا في الإحْصار كَحُكْم الحَجِّ، وعن ابن سيرين أَنَّهُ لا إحصار فيها؛ لأَنَّهَا غير مؤقّتة، ويرده قوله تعالى: {فإِنْ أُحْصِرْتُمْ} عَقِيبَ ذكر الحَجِّ والعُمْرَةِ، فيكونُ عَائِداً إليهما. فصل إذا أراد المحصر التحلّل وذبح، وجب أن يَنْوِيَ التَّحلل عند الذَّبْحِ، ولا يَتَحَلَّل أَلْبَتَّةَ قبل الذَّبْحِ. قوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} في الآية حَذْفٌ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يَتَحَلَّلُ ببلوغ الهَدْي مَحِلَّه، حتى يَنْحَر؛ فتقدير الآية الكريمة: حتَّى يَبْلُغَ الهَدْي مَحِلَّه، فينحر فإذا نَحَرَ فاحلقوا و"مَحِلَّه" يجوز أَنْ يكونَ ظرفَ مَكَانٍ، أو زمانٍ، ولم يُقْرأ إلاَّ بِكَسر الحاءِ فيما علمنا إلاَّ أّنَّهُ يَجُوزُ لغةً فتحُ حائِه، إذا كانَ مكاناً. وفَرَّق الكسائيّ بينهما، فقال: "المَكْسُورُ هو الإحْلاَلُ من الإحْرَامِ، والمفتوحُ هو مَكَانُ الحُلُولِ من الإِحصارِ". فصل قال أبو حنيفة: لا يَجُوزُ إِراقَهُ دم الإحصار إلاَّ في الحرم وقال أحمدُ والشَّافعيُّ - رحمهما اللَّهُ - حيث حبس والخلافُ مبنيٌّ على البَحْثِ في المَحَلِّ؛ فقال أبو حنيفة: هو اسمٌ للمكان. وقال غيره: هو اسمٌ للزَّمانِ الذي حصل فيه الحل. وحجّتهم وجوه. منها: أنَّه - عليه السَّلامُ - أحصر بالحُديبيةِ ونحر فيها، وليست من الحَرَمِ. قال أصحابُ أبى حنيفة: إِنَّما أحصر فى طرف الحُدَيبية، الّذى أسفل مَكَّةَ، وهو من الحَرَمِ. قال الوَاقِدِيُّ: الحديبيةُ على طرف مكَّةَ على تِسْعَةِ أَمْيِالِ من مكَّةَ. قال القَفَّال - رحمه الله -: الدَّليل على [أنَّ نحر ذلك الهدي ما وقع فى الحرم قوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}تفسير : [الفتح: 25]. ومنها: أَّنَّ المحصَر سواء كان فى المحلّ، أو الحرم، فهو مأمورٌ بنحر الهدي بقوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}، فأوجب على المُحْصَرِ، سواء كان فى الحلّ أو الحرمِ، وإذا ثَبَتَ ذلك؛ وَجَبَ أن يجوز له الذَّبحُ، حيث كَانَ قادراً على إراقة الدَّمِ. ومنها: أنَّه تعالى إنَّما مكن المحصر من التَّحلل بالذَّبح؛ ليتمكن من تخليص نفسه فى الحال عند خَوْفِ العدوِّ، فلم يَجُزِ النَّحْرُ إلاَّ فى الحرم وَمَا لم يحصلُ النَّحر لا يحصل له التَّحلل فى الحالِ، وذلك يُنَاقِضُ المَقْصُودَ من مشروعيّة هذا الحكم؛ لأن الموصل للنَّحر إلى الحرم، إن كان هو فالْخَوْفُ، باقٍ، وكيفَ يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخَوْفِ، وإن كَانَ غيره، فقد لا يَجِدُ ذلك الغَيْرَ، فماذا يفعل؟ حجَّةُ أبي حنيفة وجوه: الأَوَّل: أَنَّ المحِلَّ - بكسر الحاء - عبارة عن المكان كالمسجدِ والمَجْلِس، فقوله {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} يَدُلُّ على أَنَّهُ غير بالغٍ فى الحَالِ إلى مكان الحِلِّ، وهو عندكم بَالِغٌ مَحَلَّهُ فى الحال. وجوابه: أنَّ المحلَّ عبارة عن الزَّمان كمحل الدّين. الثَّاني: أن لفظ "المَحِلّ" يحتمل الزَّمانَ والمَكَانَ إلاَّ أن الله - تعالى - أَزَالَ هذا الاحتمال بقوله: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}تفسير : [الحج: 33]. وجوابه بأَنَّ كُلَّ ما وجب على المحرم فى ماله من بَدنَةٍ، وجزاء هَدْي، فَلاَ يُجْزِي إلاَّ فى الحَرَمِ لمساكين أهْلِهِ إلاَّ فى مَوْضعَين: أحدهما: مَنْ سَاقَ هَدْياً، فعطب فى طريقه ذبحه، وخلَّى بين المَسَاكِين وَبَيْنَه. والثَّاني: دم المُحْصَرِ بالعَدُوِّ فينحر حيثُ حبس، فالأَدِلَّةُ المذكورةُ فى باقي الدّماءِ فلم قلتم إِنَّها تَتَنَاوَلُ هذه الصَّورَةَ؟ الثَّالث: قالوا إِنَّما سُمِّيَ هَدْياً؛ لأنه جارٍ مَجْرَى الهَدِيَّةِ التى يَبْعَثُهَا العَبْدُ إلى رَبِّهِ والهديّةُ لا تكونُ هَدِيَّةً إلاَّ إذا بَعَثَها المهَدي إلى دَارِ المهدى إليه، وهذا المعنى لا يُتَصَّورُ إلاَّ بجعلِ موضعِ الهَدْي هو الحَرَمُ. وجوابه: هذا تَمَسُّكٌ بالاسم، ثم هُوَ مَحْمُولٌ على الأصلِ عند القُدْرَة. الرابع: أَنَّ سَائِر دماء الحَجّ سواء كانت قربة، أو كَفَّارة، لا تَصِحُّ إلاَّ فى الحرم، فكذا هذا. وجوابُهُ أنَّ هذا الدَّم إِنَّما وَجَبَ لإزالة الخَوْفِ، وزوال الخوف إِنْما يَحْصُلُ إذا قدر عليه حَيْثُ أُحصر، فلو وَجَبَ إِرْسَالَه إلى الحرم، لم يحصل هذا المَقْصُود، وهذا المَعْنَى غير موجود في سائِرِ الدِّمَاءِ، فَظَهَر الفَرْقُ. والقَائِلُونَ بأَنَّ مَحلَّه الحَرَم قالوا: إن كان المُحْصَر حَاجّاً، فمحله يوم النَّحْرِ، وإِنْ كَانَ معتمراً، فمحله يَوم يبلغ هديه الحرم. قوله {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} [البقرة: 196]. فى "مِنْكُمْ" وجهان: أحدهُما: أن يَكُونَ فى مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال من "مَرِيضاً"؛ لأنه فى الأصل صفةٌ له، فلمَّا قُدِّم عليه انتَصَبَ حالاً. وتَكُونَ "مِنْ" تبعيضيةٌ، أي: فَمَنْ كانَ مريضاً منكم. والثَّاني: أجازه أبو البقاء أن يكونَ متعلِّقاً بمريضاً. قال أبو حيان: "وهو لا يَكَادُ يُعْقَلُ". و "مَنْ" يَجُوزُ أنْ تكونَ شرطيةً، وأَنْ تكونَ موصولةً. قوله: {أَوْ بِهِ أَذًى} يجوزُ أَنْ يكُونَ هذا مِنْ بابِ عَطْفِ المُفْرَدَاتِ، وأن يَكُونَ من باب عَطْفِ الجُمَلِ. أما الأولُ، فيكونُ الجَارُّ وَالمجرورُ في قوله: "به" معطوفاً على "مريضاً" الّذي هو خبرُ كانَ، فَيَكُونُ فى مَحَلِّ نَصْبٍ. ويكونُ "أذًى" مرفوعاً به على سبيل الفَاعِلِيِّة؛ لأَنَّ الجارَّ إِذَا اعْتمد رَفَع الفاعل عند الكُلّ فيصيرُ التقديرُ: فَمَنْ كان كائناً به أَذىً من رَأْسِهِ. وأما الثَّاني فَيَكُونُ "به" خبراً مقدَّماً، ومحلُّه على هذا رَفْعٌ، وفي الوجهِ الأَوَّلِ كان نصباً، و"أذًى" مبتدأٌ مؤخَّر، وَتَكُونُ هذه فى مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لأنَّها عَطفٌ على "مَريضاً" الواقع خبراً لكَان، فهي وإنْ كانَتْ جُمْلَةً لفظاً، فهي فى مَحَلِّ مُفْرَدٍ؛ إذ المَعْطُوفُ على المَفْرَدِ مفردٌ، لا يُقَالُ: إنه عَادَ إلى عَطْفِ المُفْرَدَاتِ، فيتَّحِدُ الوجهانِ لوضوحِ الفَرق. وأجازوا أن يَكُونَ "أَذًى" مَعْطُوفاً على إِضْمارِ "كان" لدلالةِ "كانَ" الأولى عليها، وفى اسْمِ "كَانَ" المَحْذُوفَةِ حينئذٍ احْتِمَالانَ. أحدهما: أن يَكُونَ ضميرَ "مَنْ" المتقدِّمَةِ، فيَكُونُ "به" خبراً مقدماً، و"أذى" مبتدأ مؤخراً، والجُمْلَةُ فى مَحَلِّ نَصْبٍ خبراً لكان المضمرةِ. والثَّاني: أن يكونَ "أَذًى" اسمها و"به" خبرَها، قُدِّم على اسمها. وأجَازَ أَبُوا البَقَاءِ أن يَكُونَ "أَوْ بِهِ أَذًى" معطوفاً على "كَانَ"، وأَعْرَب "به" خبراً مقدّماً متعلِّقاً بالاستقرار، و"أَذًى" مبتدأ مُوَخّراً، والهاءُ فى "بِهِ" عائدةٌ على "مَنْ". وخَطَّأَهُ أبو حيان فيه، قال: لأَنَّهُ كَانَ قد قَدَّمَ أن "مَنْ" شَرْطيةٌ، وعلى هذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ خطأ، لأَنَّ المَعْطُوف على جُمْلةِ الشَّرْطِ شَرْطٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطيةُ لا تَكُونُ إلا فِعْلِيَّةً، وهذه كما ترى جملةٌ اسْميّةٌ على ما قَرَّرَهُ. فَكَيْفَ تَكُونُ معطوفةً على جملةِ الشَّرطِ التِي يَجِبُ أن تكونَ فعليةً؟ فإنْ قيل: فإذا جَعَلْنَا "مَنْ" موصولةٌ، فهل يَصِحُّ ما قاله من كَوْنِ "بِهِ أَذًى" معطوفاً على "كَانَ"؟ فالجَوَابُ أنه لا يَصِحُّ أيضاً؛ لأنَّ "مَنْ" الموصولةَ إذا ضُمِّنَتْ معنى اسْم الشَّرْطِ لزِمَ أن تكونَ صلتُها جُمْلَةً فِعْليةً، أو ما هي فى قُوَّتِهَا، وَالبَاءُ فى "به" يجوزُ فيها وجهَان. أحدُهما: أن تَكُونَ للإلصاق. والثاني: ان تكونَ ظرفيةً. والأذى مَصدر بمعنى الإِيذاءِ، وهو الأَلَمُ يُقالُ آذاه يُؤْذِيه إيذَاءً وأذى، فكان الأَذَى مصدر على حذف الزَّوائد، أو اسم مصدر كالعَطَاءِ اسم للإِعْطاءِ، والنَّبَاتِ للإِنْبَاتِ. قال ابنُ عَبَّاس - رضي اللَّهُ عنهما "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رأْسِهِ" أي برأسه قروح، {أَوْ بِهِ أَذًى}، أي: قَمْلٌ". قولُهُ: "مِنْ رَأْسِهِ" فى وجهان. أحدهما: أنَّه فى مَحَلِّ رَفْع؛ لأنَّهُ صِفَةٌ لأَذَى، أي: أذى كَائنٌ من رَأْسِهِ. والثَّاني: أَنْ يَتَعَلَّق بما يَتَعلَّقُ "بِهِ" من الاستقرارِ، وعلى كلا التَّقْدِيرَين تكُونُ "مِنْ" لابتداءِ الغَايَةِ. قوله: "فَفِدْيَةٌ" فى رفعها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أن تكُونُ مُبْتَدَأً والخبرُ مَحْذُوفٌ، أي: فعليه فِدْيَةٌ. والثَّاني: أن تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدأ محذوف، أي: فالواجبُ عليه فِدْيَةٌ. والثَّالث: أن تكُونَ فاعل فعلٍ مقدَّر، أي فَتَجِبُ عليه فديةٌ. وقُرئ شَاذّاً:" فَفِدْيَةً" نصباً، وهي على إضْمَار فعلٍ، أي: فَلْيَفْدِ فديةً. و"مِنْ صِيَام" فى مَحَلِّ رفعٍ، أو نَصْبٍ على حسب القِرَاءَتَيْن صفةً لـ" فِدْيَة"، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، و"أو" للتَّخيير، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ فعلٍ قبلَ الفَاءِ تقديرهُ: فَحَلَقَ فَفِدْيَة. وقرأ الحَسَنُ والزُّهريُّ "نُسْك" بسكون السِّينِ، وهو تخفيفُ المضموم. وفى النَّسُك قولان. أحدهما: أَنَّهُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: نَسَكَ ينسُك نُسْكاً ونُسُكاً بالضَّمِّ والإِسكان، كما قرأهُ الحَسَنُ. والثَّاني: أنه جَمْعُ نَسِيكة، قال ابنُ الأَعْرَابيّ:"النَّسيكَةُ فى الأَصْلِ سَبيكة الفِضَّةِ، وتُسَمَى العبادةُ بها؛ لأَنَّ العِبَادَة مُشْبهةٌ سبيكة الفِضَّة فى صَفَائِهَا وخُلوصِها من الآثام ويُقَالُ للمتعبد "نَاسِكٌ"، لأَنَّهُ يُخلص نفسه من الآثام وصغارِها كالسَّبِيكةِ المخلَصة من الخَبَثِ وقيل للذَّبيحة "نَسيكة" لذلك لأنها أشرف العبادات التى يُتَقرَّبُ بها إلى اللَّهِ تعالى. فصل في سبب نزول الآية قال ابنُ عبَّاس: نزلت هذه الآية الكريمة فى كَعْب بنِ عجرة، حديث : قال كعبٌ: مَرّ بي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحُدَيْبيَةِ، وكان شعر رأسي كثير القَمْلِ والصّئبان، وهو يتناثرُ وَأنَا أطيح، فرآني فَقَال - عليه السَّلامُ -:"أَتُؤْذِيك هَوَامٌّ رَأْسِكَ" قُلْتُ: نعم يا رَسُول اللَّهِ، قال: "احْلِقْ رَأْسَكَ"تفسير : ، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية الكريمة. والمقصود منها أَنَّ المحرم إِذَا تَأَذَّى بالمرض، أو بهوامّ رأسه؛ أُبيح له المُدَاوَةُ في الحَلْقِ بِشَرْطِ الفِدْيَةِ، وهو على التَّخْيير بينَ أن يذبح، أو يَصُومَ، أو يَتَصَدَّق، فَأَقَلّ النُّسُكِ شَاةٌ، وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأعلاه بَدَنَةٌ. وأمَّا الصِّيامُ، فليس فى الآية كمِّيته، وفيه قولان: أحدهما: أنَّه ثَلاَثَةُ أَيَّام؛ لما رَوَى أَبو دَاودَ أنَّه - عليه السَّلامُ - حديث : لمّا مرَّ بكعب بنِ عجْرة، وَرَأَى كثرةَ هَوَامّ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: احْلِقْ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكاً، أَو صُم ثَلاَثَةَ أَيَّامِ أَوِ أَطْعِم ثَلاَثَة آصعِ مِنْ تَمْرٍ على سِتَّة مساكِينَ تفسير : والثَّاني: قال ابنُ عبّاس - رضي الله عنهما - والحَسَنُ: الصِّيام كصيام المتمع عَشْرَة أَيَّامٍ، والإطعام مِثْلُ ذلك فى العَدَدِ؛ لأَنَّ الصِّيَامَ والإطعام لمّا كان مُجْمَلَيْنِ فى هَذَا المَوْضِعِ؛ وَجب حَمْلُهُ على المبيَّنِ فيما جاء بعد ذلك، وهو الَّذي يلزمُ المتمتِّعَ إذا لم يجد الهدي. فصل اختلفوا: هَلْ يقدّم الفدية ثمّ يترخّص، أو يُؤَخِّر الفدِية عن الترخّص، والّذي يقتضيه ظاهر الآية الكريمة؛ أنَّهُ يؤخر الفِدْيَةَ عن الترخص، لأن الإقْدَامَ على التّرخص كالعِلَّة فى وُجُوبِ الفِدْيَة، فكان مُقَدَّماً عليه، وأيضاً فقد بينَّا أنَّ تقدير الآية الكريمة: فَحَلَقَ فعليه فِدْيةٌ. فصل قال بَعْضُهُم هذه الآية الكريمة مختصّة بالحَصْرِ؛ وذلك إِنْ قيل أي بلوغ الهَدْي محلَّه، ربما لحقه مرض، وأذى فى رأْسِهِ، فأذن الله تعالى له فى إِزَالَة ذلك المُؤْذِي بشرط أن يَفْدِي. وقال آخرون: بل الكَلاَمُ مستأنفٌ فى كُلِّ محرم لحقه مرض، أو أذى فى رَأْسِهِ، فاحْتَاج إلى العلاج والحلق، فبيَّن اللَّهُ تعالى أّنَّ لهُ ذلك، وبين ما يجبُ عليه من الفِدْية، وقد يَكُونُ المَرَضُ محوجاً إلى اللِّبَاسِ، من شدَّة البَرْدِ أو غيره، وقد يحتاج فى الأَمْرَاضِ إلى استِعْمَالِ الطّيب كثيراً، وبالجملة فهذا الحُكمُ عامٌّ فى جميع مَحظوراتِ الإِحْرامِ. فصل فَأَمّا من حلق رأسه عامِداً من غير عُذْرٍ، فقال أبو حنيفة والشَّافعيُّ يجب عليه الدَّمُ. وقال مالكٌ: حكمه حكم من فعل ذلك بعذر؛ لأَنَّ وجوبه على المَعْذُور تنبيه على وجوبه على غير المَعْذُورِ. وقال ابنُ الخطيب: هذا ضَعيفٌ؛ لأَنَّ قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} يدل على اشْتِراط هذا الحُكْم بهذه الأَعذارِ، والمَشْرُوط بالشيء عدم عند عدم الشَّرْط. قوله: "فإذا أَمِنْتُم" الفاءُ عَاطفةٌ على ما تَقَدَّم، و"إِذَا" مَنْصُوبَةٌ بالاستقرار المحذوفِ؛ لأنَّ التَّقْدِير: فعليه ما اسْتَيْسَرَ، أي: فاستقرَّ عليه ما اسْتَيْسَرَ". وقوله: "فَمَنْ تَمَتَّعَ" الفاءُ جوابُ الشَّرْطِ بإذا، والفَاءُ فى قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ} جوابُ الشَّرط الثاني. ولا نَعْلَمُ خلافاً أَنَّهُ يَقَعُ الشَّرْطُ وجوابُهُ جواباً لشرطٍ آخرَ مع الفاءِ. وقد تَقَدَّم الكَلاَمُ على {فَمَا اسْتَيْسَرَ}. فصل تقدير الكَلاَمِ، فإذا أمنتم الإحصار بالخَوْفِ أو المرض، {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} واختلفوا فى هذه المُتْعَةِ: فقال عَبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَير: معناه فمن أُحْصِرَ حَتّى فَاتَهُ الحَجُّ، ولم يَتَحَلَّل، فَقَدِمَّ مَكَّةَ، فخرج من إِحرامهِ بعَمَلِ عُمرة، أَو اسْتَمْتَعَ بإِحْلاَلِهِ ذلك بتلك العمرة إلى السَّنَةِ المقبلة، ثم حَجَّ فيَكُونُ متمتعاً بذلك الإحلال إلى إِحْرَامِهِ الثَّانِي فى العَام القَابِلِ، وقيل معناه: فإذا أمنتم، وقد حَلَلْتُم من إحرامِكُم بعد الإحصارِ، ولم تقضوا عمرتكم، وأخرتم العُمرَةَ إلى السَّنَةِ القَابِلة، فاعْتَمَرتُم فى ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي، وهو قول علْقَمَة، وإبراهيم النَّخعيِّ، وسعيد بن جبير. ومعنى التَّمَتُّع: التَّلَذُّذ، يقالُ تمتَّعَ بالشَّيءِ، أي: تَلَذَّذَ به، والمتاع: كُلُّ شَيءٍ يُتمتع به، وأصلُهُ من قولهم: "حَبْلٌ ماتِعٌ" أي: طويلٌ، وكل ما طالت صحبته بالشَّيء، فهو مُتَمتِّعٌ به، والتمتع بالعمرة إلى الحَجّ هو أن يَقدُم مكَّة مُعْتمِراً فى أشهرِ الحجِّ وينزع منها، ثم يقيمُ بمكَّةَ حلالاً، حتَّى يُنشىء منها الحَجَّ من عَامِهِ ذلك، وإنَّما سُمِّي متمتعاً لأنَّهُ يكُونُ مستمتعاً بمحظورات الحج فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامِهِ بالحَجِّ، وهذا التمتع الَّذي ليس بمكروهٍ، بل هو الأفضلُ عند أحمد، وإتمامِ التَّمتُّع المكروه، وهو الَّذي خطب به عمر - رضي الله عنهُ - وقال: "مُتْعَتَانِ كَانَتَا على عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنهى عنهما، وأُعاقِبُ عليهما، مُتْعَةُ النِّسَاءِ، ومتعة الحَجِّ"، والمراد بهذه المتعة أن يجمع بين الإحرامين، ثُمَّ يفسخ الحجَّ إلى العمرة، ويتمتَّعُ بها إلى الحَجِّ، روي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَذن لأصحابه فى ذلك ثُمَّ نسخ. روي عن أبي ذَرٍّ أنَّه قال: ما كانت متعة الحج إلاّ لي خاصة، وكان السَّبَبُ فيه أنَّهم كانُوا لا يَرَونَ العُمرةَ فى أشهر الحَجِّ، ويعدُّونَهَا مِنْ أَفْجَرِ الفجُور، فلما أراد - عليه السَّلام - إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه، بأنْ نقلهم فى أشهرِ الحَجِّ من الحَجِّ إلى العُمرَةِ، وهذا سَبَبٌ لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان فسخ الحَجِّ خاصّاً بهم. قال القُرطبيُّ: وزعَمَ مَنْ صَحَّحَ نَهي عُمر عن التَّمَتُّعِ: أنّما نهى لينتجع إلى البيت مرَّتَيْنِ أو أكثر فى العام حتى يُكْثر عمارته بكثرة الزِّيارة فى غير المَوْسِمِ، وأراد إدخال الرّفق على أهل الحَرَمِ بدخول النَّاس، تحقيقاً لِدَعوة إبراهيم - عليه السَّلامُ - {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [إبراهيم: 37]. وقيل: إنَّما نهى عنها؛ لأَنَّهُ رأى النَّاسَ مالوا إلى التَّمتُّع ليسارته، وخفَّتِهِ؛ فخشي أن يضيع الإفراد والقران، وهما مسنُونانِ. فصل التَّمتُّع لا يحصُلُ إلاَّ بمحظورات الإحرامِ لكِنَّهُ لما كان بسبب إتيانِهِ بالعُمْرَة سَمَّاهُ تمتعاً بالعُمرة إلى الحَجِّ. فصل في شروط وجوب دم التَمتُّع يشترط لوجوب دم التَّمَتُّع خمسة شروطٍ: أحدها: أن يُقَدم العُمرة على الحَجِّ. والثاني: أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحَجِّ، فلو أحرمَ لها قبل أشهر الحَجِّ، وأتى بشيء من الطَّوَافِ، ولو شوطاً واحِداً، ثم أكمل باقيه في أشهر الحَجِّ فى هذه السَّنة، لم يلزمه الدَّمُ؛ لأنَّهُ لم يجمع بينَ النُّسُكَيْنِ فى أشهر الحَجِّ. وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر الطَّوَافِ فى أشهر الحَجِّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، وإذا أتى بالأكثر قبل أشهر الحَجِّ فلا. الثالث: أن يَحِجُّ فى هذه السَّنَة، فإن حَجَّ فى سَنَةٍ أخرى لم يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لأَنَّه لم يوجد مُزَاحمة الحَجِّ والعمرة فى عامٍ واحدٍ، ولم يحصل الترفُّه بترك أحد السّفرين، إلاَّ على قول ابن الزُّبير فيما قَدَّمناه. الرابع: ألا يكُون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}، وهو مَنْ كان أهلُهُ على أقلّ من مسافة القَصْرِ، وهل تُعْتَبَرُ هذه المَسَافَةُ من مَكَّة، أو من الحرمِ فيه وجهان. الخامس: أن يُحْرِم بالحَجِّ من مَكَّةَ بعد الفَرَاغ من العُمرة، فلو رجع إلى الميقاتِ، وأحرمَ بالحَجِّ منه، لا يلزمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ. فصل قال القُرطبيُّ: التَّمَتُّع بالعمرة إلى الحَجِّ على أربعةِ أوجهٍ: أحدها مجمع عليه، والثَّلاثةُ مختلفٌ فيها فالمجمعُ عليه هو المراد بقوله تبارك وتعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْي}، وذلك أَنْ يُحْرِمُ بالعُمْرَةِ في أشهر الحَجِّ، ويكون آفاقيًّا، ويفرغ منها، ويقيم حلالاً بمكَّة إلى أن يحرم بالحجِّ من عامِهِ قبل رجوعه إلى بلدِهِ. ولها ثَمَانيةٌ شروطٍ: الأول: أن يجمع بين الحجّ والعمرة. الثاني: فى عامٍ واحدٍ. الثالث: فى سفر واحد. الرابع: فى أشهر الحَجِّ. الخامس: مقدِّماً الحج. السادس: غير مخلط لها بالحَجِّ. السابع: وأن تكُونَ العُمرةُ والحج عن شخصٍ واحدٍ. الثامن: ويكون آفاقيًّا. الوجه الثَّاني من وجوه التَّمتُّع بالعُمْرَة: هو القِرَانُ، وهو أنْ يَجْمَعَ بينهما فى إحرامٍ واحدٍ، فيُهِلّ بهما جميعاً فى أشهر الحَجِّ، يتمتع القارن بترك السّفر إلى العُمْرَةِ، مرَّة، وإلى الحَجِّ أخرى، ولا يحرم لكلِّ واحد من ميقاتِهِ، فيدخل تحت قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ}. الوجه الثالث الَّذي نهى عنه عمر - رضي اللَّهُ عنه -: وهو أنْ يُحْرِمَ بالحَجِّ فإذا دخل مَكَّةَ فسخ حجّه إلى عمرة، ثم يحلّ إلى أن يُهِلَّ بالحج يَوْم التَّرْوية، فاختلف فى ذلك، فالجمْهُورُ على تَرْكِ العَمَل بها. قال أبو ذرِّ كانت المتعة لنا فى الحَجِّ خاصّة. الوجهُ الرَّابع من التمتع: متعة المُحصر، ومن صُدَّ عن البيت. فصل دم التمتع دم جبران، فلا يجوزُ له الأكل منه. وقال أبو حنيفة دم نسك، ويأكُلُ منه. حُجَّةُ الأَوَّلِ وجوهٌ: أحدها: أنَّ التمتع حصل فيه خَلَلٌ فيكون دم جبران. وبيان الخَلَلِ أنَّ عُمَرَ كان ينهى عن المتعةِ، فقال له عثمانُ - رضي اللَّهُ عنهما - عَمَدْتُ إلى رُخْصَةٍ بسبب الحاجة؛ فَدلّ على حُصُولِ نقص فيها. وأيضاً سمَّاها تَمَتُّعاً، والتمتع التَّلَذُّذ، ومبنى العبادة على المَشَقَّةِ. وأيضاً ففي التَّمَتُّع صار السَّفَرُ للعمرة، وكان من حَقِّه أن يكُون للحج؛ لأَنَّهُ الحج الأكبر، وأيضاً حصل التَّرفه بالإحلال بينهما، وأيضاً كان من حَقّه جعل الميقات للحجِّ، فإنَّه الأَكبَرُ، وكل هذه أنواع خَلَلٍ، فوجب أن يَكُونَ الدَّم دم جبران. وثانيها: أنَّ الدّم ليس بنسك أصلي من مناسك الحَجّ، أو العمرة، كما لو أفردها وكما في حقّ المَكِّي، والجمعُ بين العبادَتين لا يوجب الدَّم، بدليل أنَّ من جمع الصَّلاة، والصّوم، والاعتكاف لا يَلْزَمُهُ دم، وإذا ثبت ذلك فليس الدَّم دم نسك، بل دم جبران. وثالثهما: أنَّ هدي التمتع ليس مُؤَقّتاً، والمناسِكُ كلّها مؤقتة، فيكُونُ دم جُبرانٍ. ورابعها: أنَّه يُبَدَّلُ بالصَّوم، ودم النُّسك لا النُّسُك لا يُبَدَّلُ بالصَّوم. فصل والمجزي فيها جذعة من الضأن، أو ثنية من المَعْزِ، أو شركُ ستَّةٍ فى بدنةٍ، أو بقرةٍ، ووقت وجوبه بعد الإحرام بالحجِّ؛ لأنَّ قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} يدلُّ على أنَّه عقيب التَّمَتع، ويستحب ذبحه يوم النَّحرِ فلو ذبح بعد الإحرام بالحجِّ جاز؛ لأَنَّ التمتع قد تَحَقَّقَ. وعن أبى حنيفة لا يجوز إلاَّ يوم النَّحر؛ لأَنَّهُ نسك عنده. قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}؛ يعنى: أنَّ المتمتع إذا لم يجد الهَدْيَ، فعليه أنْ يصُومَ، وهل الهدي أفضلُ أم الصِّيَامُ؟ قال ابنُ الخطيب: الظَّاهِرُ أنَّ المبدل أفْضَلُ من البدل؛ لكنَّهُ تعالى بيَّن في هذا البدل أنَّه في الكمال والثَّوابِ كالهَدْي وهو كقوله "تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ". قوله: "فَصِيَامُ" فى رفعه الأَوجه الثَّلاَثَة المّذكُورةُ فى قولِهِ: "فَفِدْيَةٌ" وقرئ نصباً، على تقدير فَلْيَصُمْ، وأُضيف المَصْدَرُ إلى ظَرْفِهِ معنىً، وهو فى اللَّفظِ مَفْعُولٌ به على السَّعَةِ. و"فِي الحَجِّ" مُتَعَلّقٌ بِصِيَامٍ وقَدَّر بعضهم مُضافاً، أي: في وقتِ الحَجِّ، ومنهم مَنْ قَدَّر مُضَافَيْن، أي: وقتَ أفعالِ الحَجِّ، ومنهم مَنْ قَدَّره ظَرْفَ مكانٍ، أي: صَوْمُهُ، بعد إحرام العُمرة، وقبل إحرام الحَجِّ. وقال أبو حنيفة: يصحُّ. حجَّةُ الأَوَّل وجوه: أحدها: أنَّه صيامٌ قبل وقته؛ فلا يجُوزُ كمن صَامَ رَمَضانَ قبلهُ، وكما لو صام السَّبعة قبل الرُّجوع، وذلك لأَنَّ الله تعالى قال: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ}، والمراد إحرام الحج، لأنَّ سَائِرَ أفعال الحجِّ لا تصلح ظرفاً للصَّومِ، والإحرامُ يَصلُحُ، فوجب حمله عليه. وثانيها: أنَّ ما قبل الإحرام بالحجِّ ليس بوقت لِلْهَدي الذي هو أصلٌ، ولا يكُونُ وقتاً لبدله، كسائر الأُصُول فى الأبدال. وإذا ثبتَ ذلك، فَنَقُولُ: اتَّفَقُوا على أَنَّه يجُوز بعد الشُّرُوع فى الحَجِّ إلى يوم النَّحْرِ، وثبت أنَّهُ لا يجوز يوم النحر ولا أيّام التَّشريق لقوله عليه السَّلام: "حديث : لا تَصُوْمُوْا فى هَذِهِ الأَيَّامِ"تفسير : ، والمستحبُّ أنْ يَصُومَ فى أيّام الحج حيثُ يكُونُ يوم عرفة مفطراً. وقال بعضهم: يصوم ثَلاَثة أيّام آخرها يومُ عرَفَةَ والثَّامِن، والتَّاسع، ولو صَامَ ثَلاَثَة أيَّامٍ آخرها يومُ التَّرْوِية، ويكُونُ قد أحرمَ بالحجِّ قبله جاز، ولا يجُوزُ يوم النحر، ولا أيام التَّشْريق. وهو قول مالكٍ والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق. فصل اختلفوا فيمن اعْتَمرَ فى أشهر الحَجِّ، ثُمَّ رجع إلى بَلَدِهِ، ثمَّ رجَعَ في عامه فقال الجمهورُ: ليس بمتمتع، ولا هدي عليه، ولا صِيَام. وقال الحسن: هو مُتَمَتِّعٌ. وأجمعوا على أَنَّ الآفاقي إذا قدم معتمراً فى أشهر الحج عازِماً على الإقامة، ثم أنشأ الحج من عامه فحج، أنّه متمتع عليه ما على المُتَمَتِّع. قوله: "وَسَبْعَةٍ" الجمهورُ على جَرِّ "سَبْعَةٍ" عطفاً على ثلاثة. وقرأ زيدُ بنُ عَليٍّ، وابن أبي عَبْلَة: "وَسَبْعَةً" بالنَّصب. وفيها تخريجان: أحدهما: قاله الزَّمخشَرِيُّ، وهو: أن يكُونَ عطفاً على مَحَلِّ "ثَلاَثَة" كأنه قيل: فصيامُ ثلاثةٍ، كقوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً}تفسير : [البلد: 14، 15]، يعني: أنَّ المُضاف إليه المصدرُ مَنْصُوب معنى بدليلِ ظُهُورِ النَّصب فى "يَتيماً". والثاني: أنْ يَنْتَصِبَ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: "فَلْيَصُومُوا"، قال أبو حيان "وهذا مُتَعَيِّنٌ؛ لأنَّ العَطْفَ على المَوضع يُشْتَرَطُ فيه وجُودُ المُحْرِزِ" يعني: على مذهب سيبويه. قوله: "إِذَا رَجَعْتُمْ": مَنْصُوبٌ بِصيام أيضاً، وهي هُنَا لِمَحضِ الظَّرفِ، وليس فيها مَعْنَى الشَّرْط. لا يُقَالُ: يَلْزَمُ أن يَعْمَلَ عامِلٌ واحدٌ فى ظَرْفَي زَمان، لأنَّ ذلك جائزٌ مع العطف والبَدلِ، وهنا يكُونُ عَطَفَ شيئين على شيئين، فَعَطَفَ "سَبْعَةٍ" على "ثَلاَثَةٍ"، وعطف "إذ رَجَعْتُم" على "فِي الحَجّ". وفي قوله: "رَجَعْتُمْ" شيئان: أحدهما التفاتٌ، والآخَرُ الحَمْلُ على المعنى، أمَّا الالتفاتُ: فإنَّ قبله {فَمَنْ تَمَتَّعَ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ}، فجاء بضمير الغَيْبَة عائداً على "مَنْ"، فلو سيق هذا على نَظْمِ الأَوَّل لقيل: "إِذَا رَجَعَ" بضمير الغَيْبَةِ. وأمَّا الحَمْلُ فلأَنَّهُ أتى بضمير جمعٍ؛ اعتباراً بمعنى "منْ"، ولو رَاعى اللَّفظ لأفردَ، فقال: "رَجَعَ". فصل اختلفوا فى المراد من الرُّجوع، فقيل: هو الرُّجوع إلى الأهلِ والوَطَنِ وقال أبو حنيفة المرادُ من الرُّجوع: هو الفراغُ من أعمال الحَجّ، والأخذ فى الرُّجوع، ويتفرّعُ عليه أنَّهُ لو صام السَّبْعَةَ بعدَ الفراغ من الحَجِّ، وقبل الوصول إلى بيته، لا تُجزيه على الأوَّل. وعن أبى حنيفة: تجزيه. حجّةُ الأَوَّل: أَنَّهُ تعالى جعل الرُّجُوعَ إلى الوَطَنِ شَرْطاً، وما لم يُوجَدِ الشَّرْطُ لم يوجد المَشْرُوط، ويُؤَكِّدُ ذلك أَنَّه لو ماتَ قَبْلَ وصُوله إلى الوَطَنِ، لم يلزمه شيءٌ. وروَى ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: "حديث : لَمّا قَدِمْنَا مَكَّةَ المشرفة قال النَّبيُّ - عليه السَّلام - اجْعَلُوا إِهْلاَلَكم بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ قَلَّدَ الهَدْي. فطُفْنَا بالبَيْتِ، وبالصَّفَا، والمروة، وأَتَيْنَا النِّسَاءَ، ولبسنا الثِّيَابَ، ثُمّ أمرنا عشية التَّرْوية أنْ نُهِلّ بالحجّ فإذا فرغنا قال - عليه الصَّلاة والسَّلام - عَلَيْكُمْ الْهَديَ، فإِنْ لَمْ تَجِدُوا؛ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فى الحَجِّ، وسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُم إِلَى أَمْصَارِكُمْ"تفسير : ، وأيضاً فإنَّ الله - تعالى - أسقطَ صَوْمَ رَمَضَانَ عَن المُسَافِرِ، فصوم التَّمَتُّع أخفّ شأناً منه. وقوله: "تِلْكَ عَشَرَةٌ" مبتدأ وخبرٌ، والمشار إليه هي السَّبعة والثَّلاثة، ومُمَيِّزُ السَّبعة والعشرة محذوف للعلم به. وقد أثبت تاء التأنيث فى العدد مع حذف التَّمييز، وهو أحسن الاستعمالين، ويجوز إسقاط التَّاء حينئذٍ، وفي الحديث: "حديث : وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ"تفسير : ، وحكى الكسائيُّ: "صُمْنَا من الشَّهْرِ خَمْساً". وفي قوله: "تِلْكَ عَشَرَةٌ" - مع أنَّ المعلوم أنَّ الثَّلاثة والسَّبعة عشرة - أقوال كثيرة لأهل المعاني، منها قول ابن عرفة: "إن العَرَبَ إذا ذكرت عددين، فمذهبهم أن يُجْمِلُوهُمَا"، وحسَّن هذا القول الزَّمخشري بأن قال: "فائدةُ الفَذْلَكَةِ فى كُلِّ حساب: أن يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً كما يُعْلَمُ تَفْصِيلاً، لِيُحْتَاط به من جِهَتَيْنِ، فيتأكَّد العِلمُ"، وفي أمثالهم "عَلَمَانِ خَيْرٌ مِنْ عَلَمِ". قال ابن عرفة: "وإنما تَفْعَلُ العَرَبُ ذلك؛ لأنَّها قليلةُ المَعْرِفَةِ بِالحِسَابِ"، وقد جاء: "لا نَحْسُب، وَلاَ نَكْتُب"، وورد ذلك في أشعارهم، قال النَّابغة:[الطويل] شعر : 983 - تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَيَّامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ تفسير : وقال الفرزدق: [الوافر] شعر : 984 - ثَلاَثٌ واثْنَتَانِ فَهُنَّ خَمْسٌ وَسَادِسَةٌ تَمِيلُ إِلَى شَمَامِ تفسير : وقال الأعشى: [الوافر] شعر : 985 - ثَلاَثٌ بِالْغَدَاةِ فَهُنَّ حَسْبِي وَسِتٌّ حِينَ يُدْرِكُنِي العِشَاءُ فَذَلِكَ تِسْعَةٌ فِي الْيَوْمِ رِيِّي وَشُرْبُ الْمَرْءِ فَوْقَ الرِّيِّ دَاءُ تفسير : وقال آخرك [الوافر] شعر : 986 - فَسِرْتُ إِلَيْهِمُ عِشْرِينَ شَهْراً وَأَرْبَعَةً فَذَلِكَ حِجَّتَانِ تفسير : وقال عليه السَّلام: "الشهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وهَكَذَا"، ثمَّ أَشَارَ بِيَديه ثَلاَثاً، وأمسك إبهامه فى الثالثة، منبهاً بالإشارة الأولى على الثلاثين، وبالأخرى على تسعة وعشرين. ومنها قال المبرد: "فتلك عشَرَةٌ: ثلاثةٌ فى الحَجّ وسبعةٌ إذا رَجَعْتُمْ فَقَدَّمَ وأخَّر"، ومنها قال ابن الباذش: جيء بعشرة توطئةً للخبرِ بعدها، لا أنَّها هي الخَبَرُ المستقلُّ بفائدةِ الإسناد كما تقول: زيدٌ رَجُلٌ صَالِحٌ" يعني أن المقصود الإخبار بالصَّلاح، وجيء برجلٍ توطئةً، إذ معلومٌ أنه رجلٌ. ومنها قال الزَّجاج: "جَمَعَ العدَدَيْنِ لجوازِ أن يُظَنَّ أنَّ عليه ثَلاَثَةً أو سبعةً"؛ لأنَّ الواو قد تقوم مقام أو، ومنه: {أية : مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}تفسير : [النساء: 3] فأزال احتمال التَّخيير، وهذا إنَّما يتمشَّى عند الكوفيِّين؛ فإنَّهم يقيمون الواو مقام أو. وقال الزمخشريُّ: "الواو قد تجيءُ للإباحة فى قولك: "جَالِسِ الحَسَنَ وابْنَ سِيرينَ" ألا ترى أنَّه لو جالسهما معاً، أو أحدهما كان ممتثلاً فجمع نفياً لتوهُّمِ الإبَاحَة" قال أبو حيان: "وفيه نَظَرٌ، لأنَّهُ لا تُتَوَهَّمُ الإِبَاحَة؛ فإنَّ السِّيَاقَ سياقُ إيجَاب، فهو يُنَافِي الإبَاحَةَ، ولا يُنَافي التَّخْيِيرَ، فإنَّ التَّخيِيرَ يَكُونُ فى الوَاجِبَاتِ، وقد ذكر النَّحْوِيُّونَ الفَرْقَ بينَ التَّخْيِير، والإباحَةِ". وقد ذكر ابن الخطيب قول الزَّمخشري هذا المتقدّم، وذكر وجوهاً أخُر: منها: أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالاً من المبدّل، فبيَّن الله تعالى أنَّ هذا البدل ليس كذلك، بل هو كامل فى كونه قائماً مقام المبدّل، فيكون الصائم ساكن النَّفس إلى حصول الأجر الكامل من عند الله، وذكر العشرة ليتوصل به إلى قوله" كَامِلَة"؛ لأنَّه لو قال: "تِلْكَ كَامِلَةٌ"؛ لجاز أن يراد به الثَّلاثة المفردة عن السَّبعة والسّبعة المفردة عن الثَّلاثة، فلا بدّ من ذكر العشرة. وقوله: "كَامِلَةٌ" يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجهٍ: إمَّا أن تكون كاملة فى البدل عن الهدي قائمة مقامه لا تنقص عنه، أو أنَّ ثوابها مثل ثواب القادر على الهدي، أو أنّ حجّ المتمتع الصّائم كاملاً كحج من لم يتمتَّع. ومنها أنّ الله تبارك وتعالى لو قال أوجب عليكم صيام عشرة أيّام، لم يبعد أن يكون دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيّام، فإنّ تخصيص العام كثير في الشَّرع، فلما قال "تِلْكَ عشرة" كانَ ذلك تنصيصاً على أنَّ المخصص لم يوجد البتَّة، فيكون أقوى دلالة، وأبعد من احتمال التَّخصيص والنَّسخ. ومنها أنَّ التَّوكيد طريقة مشهورة فى كلام العرب كقوله {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46]، وقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38] وفائدة التوكيد أنَّ الكلام المعبَّر عنه بالعبارات الكثيرة الشّريفة وبالصِّفات الكثيرة، أبعد عن السَّهو والنّسيان من الكلام المعبَّر عنه بعبارة واحدة، وكونه معبراً عنه بعبارات كثيرة يدلُّ على كونه مشتملاً على مصالح عظيمة، لا يجوز الإخلال بها، فإذا كان التّوكيد مشتملاً على هذه الحكمة كان ذكره هنا دالاًّ على رعاية هذا العدد في هذا الصَّوم، فإنَّه من المهمّات التي لا يجوز إهمالها ألبتَّة. ومنها أنَّ هذا الكلام يزيل الإبهام الذي في تصحيف الخطّ، فإنَّ سبعة، وتسعة متشابهان فى الخطِّ، فلمَّا قال بعده: "تِلْكَ عِشَرَةٌ كَامِلَةٌ"؛ أزال هذا الاشتباه. ومنها: أنَّ قوله {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} يحتمل أن يكون المراد، أن يكون الواجب بعد الرُّجوع أن يكمل صيام سبعة أيّام، على أنَّه يحسب الثَّلاثة المتقدِّمة منها، ويكمل عليها أربعةً، فلما قال "تِلْكَ عَشَرَة كَامِلَةٌ"؛ أزال هذا الاشتباه. ومنها أن قوله {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} يحتمل أن يكون المراد: أن يكون الواجب بعد الرُّجوع أن يكمل صيام سبعة أيّام، على أنَّه يحسب الثَّلاثة المتقدِّمة منها، ويكمل عليها أربعةً، فلما قال "تِلْكَ عَشَرَة"؛ أزال هذا الاحتمال. ومنها: أن هذا خبر، ومعناه الأمر، أي: تلك عشرة فأكملوها ولا تنقصوها. ومنها: أنَّه تعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيَّام فى الحجِّ وسبعة بعد الرُّجوع، فليس فيه بيان أنَّه طاعةٌ عظيمة كاملة، فلمَّا قال بعده: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} دلَّ ذلك على أنَّ هذه الطَّاعة فى غاية الكمال؛ وذلك لأنَّ الصَّوم مضافٌ إلى الله تعالى بلام الاختصاص كما قال: "الصَّوْمُ لي"، والحجُّ أيضاً مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص كما قال {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ}، فَكَمَا دَلَّ النَّصُّ على مَزِيدِ اختصاص هاتين العبادتين بالله - سبحانه وتعالى -، فالفعل دلَّ أيضاً على ذلك. أمّا فى الصَّوم فلأنَّه عبادة لا يطّلع العقل على وجه الحكمة فيها ألبتَّة، وهو مع ذلك شاقٌّ على النَّفس جدّاً، فلا جرم لا يؤتى به إلاَّ لمحض مرضاة الله - تعالى - ثمَّ إنَّ صوم هذه تعني الانقياد له. وكذا الحجّ عبادة لا يطَّلع العقل على وجه الحكمة فيها ألبتَّة، وهو مع ذلك شاقٌ جداً؛ لأنَّه يوجب مفارقة الأهل، والولد والتَّباعد عن أكثر اللَّذَّات، فلا جرم لا يؤتى به إلاّ لمحض مرضاة الله تعالى، ثمَّ إنَّ صوم هذه الأيّام العشرة بعضه واقعٌ في زمن الحج، فيكون جمعاً بين شيئين شاقَّين جدّاً، وبعضه واقعٌ بعد الفراغ من الحجِّ، وهو انتقالٌ من شاقٍّ إلى شاقٍّ، ومعلوم أنَّ ذلك سبب لكثرة الثَّواب، وعلوِّ الدَّرجة، فلا جرم لمَّا أوجب الله - تعالى - صيام هذه الأيَّام العشرة، شهد سبحانه على أنَّها عبادة كاملة فى غاية الكمال والعلوّ، فقال تعالى: {تِلْكَ عَشَرةٌ كَامِلَةٌ}، أي: وإنها كاملة. قوله: "ذَلِكَ لِمَنْ" "ذَلِكَ" مبتدأ، والجارُّ بعده الخبر. وفي اللاَّم قولان: أحدهما: أنَّها على بابها، أي: ذلك لازمٌ لمن. والثاني: أنها بمعنى على، كقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ}تفسير : [الرعد: 25]، وقال عليه السَّلام: "حديث : اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ"تفسير : ، أي: عليهم، وقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7] أي: فعليها، وذلك إشارة إلى التَّمتُّع، والقران للغريب [ولا حاجة إلى هذا. و"مَنْ" يجوز أن تكون موصولة، وموصوفة. و"حَاضِرِي" خبر "يَكُن"، وحذفت نونه للإضافة]. فصل قوله: "ذلك" إشارة إلى أمرٍ تقدَّم، وأقرب الأمور المذكورة، ذكر ما يلزم المتمتع من الهدي وبدله. وقال بعض العلماء: لزوم الهدي وبدله للمتمتّع مشروطٌ بألاّ يكون من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من أهل الحرم، فلا يلزمه هدي المتمتّع، وإنَّما لزم الآفاقي، لأنه كان يجب عيله أن يحرم بالحجِّ من الميقات، فلمّا أحرم بالعمرة من الميقات، ثم أحرم بالحجِّ من غير الميقات، فقد حصل هناك خللٌ، فجبر بالدَّم، بدليل أنّه لو رجع، فأحرم بالحجِّ أيضاً من الميقات؛ لما يلزمه دمٌ، والمكيُّ ميقاته موضعه، فلا يقع فى حجِّه خللٌ من جهة الإحرام، فلا هدي عليه. وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: قوله "ذَلِكَ" إشارةٌ إلى الأبعد وهو ذكر التّمتع، وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، ومن تمتع أو قرن، كان عليه دم جنايةٍ لا يأكل منه. حجَّة القول الأوَّل وجوه: أحدها: قوله تعالى {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} عامٌّ يدخل فيه الحرمي، وغيره. وثانيهما: أنَّ الإشارة يجب عودها إلى أقرب مذكور، وهو وجوب الهدي، فإذا خصَّ وجوب الهدي بالمتمتع الآفاقي؛ لزم القطع بأن غير الآفاقي قد يكون أيضاً متمتعاً. وثالثها: أنَّ الله تعالى شرع القران والمتعة تبييناً لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحجِّ، والنسخ ثبت فى حقّ النَّاس كافَّةً. حجَّة أبي حنيفة: أنَّ قوله: "ذَلِكَ" كنايةٌ؛ فوجب عودها إلى كلِّ ما تقدم، لأنَّه ليس البعض أولى من البعض. والجواب أنَّ عوده إلى الأقرب أولى، لأنَّ القرب سببٌ للرُّجحان، ومذهبكم أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختصٌّ بالجملة الأخيرة، وإنَّما تميزت تلك الجملة عن سائر الجمل بسبب القرب، فكذا ها هنا. فصل اختلفوا فى حاضري المسجد الحرام، فذهب قوم إلى أنَّهم أهل مكَّة، وهو قول مالك - رحمه الله -. وقال ابن جريج: أهل عرفة والرجيع وضجنان. وقال الشَّافعيُّ - رحمه الله -: كلُّ من كان وطنه من مكَّة على أقلّ من مسافة القصر، فهو من حاضري المسجد الحرام. وقال عكرمة: من كان دون الميقات. وقيل هم أهل الميقات فما دونه، وهو قول أصحاب الرَّأي. وقال طاوسٌ: الحرم كلُّه، وهو قول الشَّافعيِّ، وأحمد لقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى}تفسير : [الإسراء: 1] وإنما أسرى به من الحرم من بيت أمِّ هانئ لا من المسجد، وقال {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}تفسير : [الحج: 33]، والمراد الحرم؛ لأن الدماء لا تراق في البيت، والمسجد الحرام إنَّما وصف بهذا؛ لأن أصل الحرام المنع، والمحرم: ممنوعٌ من المكاسب، والمسجد الحرام ممنوعٌ أن يفعل فيه ما منع من فعله. قال الفرَّاء: يقال حرامٌ، وحرمٌ مثل: زمانٍ وزمنٍ، وذكر حضور الأهل، والمراد حضور المحرم، لا حضور الأهل، لأنَّ الغالب على الرَّجل أنّه يسكن حيث أهله ساكنون فلو خرج المكيٌّ إلى الآفاق، وأهله بمكَّة، ثمَّ عاد متمتعاً؛ لزمه هدي التمتع، ولا أثر لحضور أهله في المسجد الحرام. وقيل المراد بقوله: {لمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ}، أي يكون أهلاً لهذه العبادة. فصل ودم القران كدم التَّمتُّع، فالمكيُّ إذا قرن، أو تمتع، فلا هدي عليه. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قوله: يريد فيما فرضه عليكم، {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن تهاون بحدوده. وقال أبو مسلمٍ: العقاب والمعاقبة سيَّان، وهو مجازاة المسيء على إساءته، وهو مشتقٌّ من العاقبة، كأنّه يراد عاقبة فعل المسيء، كقول القائل: لتذوقن ما ذوّقت، و"شَدِيدُ العِقَابِ" من باب إضافة الصِّفة المشبَّهة إلى مرفوعها، وقد تقدَّم أنَّ الإضافة لا تكون إلا من نصب، والنَّصب والإضافة أبلغ من الرَّفع؛ لأنَّ فيها إسناد الصِّفة للموصوف، ثم ذكر من هي له حقيقة، والرَّفع إنَّما فيه إسنادها، دون إسناد إلى موصوف لمن هي له حقيقة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل وابن عبد البر في التمهيد عن يعلى بن أمية قال ‏"‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبّة وعليه أثر خلوق، فقال‏:‏ كيف تأمرني يا رسول الله أن أصنع في عمرتي‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏وأتموا الحج والعمرة لله‏} ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أين السائل عن العمرة‏؟ فقال‏:‏ ها أنا ذا‏.‏ قال‏:‏ اخلع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الشافعي وأحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن يعلى بن أمية قال ‏"‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق فقال‏:‏ كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي‏؟‏ قال‏:‏ فأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فتستر بثوب، وكان يعلى يقول‏:‏ وددت أني أرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي‏.‏ فقال عمر‏:‏ أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي‏؟‏، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط كغطيط البكر، فلما سري عنه قال‏:‏ أين السائل عن العمرة‏؟‏ اغسل عنك أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي {‏وأتموا الحج والعمرة لله‏}‏ قال‏:‏ أن تحرم من دويرة أهلك‏.‏ وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ‏في قوله تعالى ‏{‏وأتموا الحج والعمرة لله‏} إن من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله {‏و أتموا الحج والعمرة لله‏} ‏ قال‏:‏ من تمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحج‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عبّاس في الآية قال‏:‏ من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ تمامهما ما أمر الله فيهما‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن علقمة وإبراهيم قالا‏:‏ في قراءة ابن مسعود ‏ {‏وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت‏} لا يجاوز بالعمرة البيت، الحج المناسك، والعمرة البيت والصفا والمروة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن علي أنه قرأ ‏{‏وأقيموا الحج والعمرة للبيت‏}‏ ثم قال‏:‏ هي واجبة مثل الحج‏.‏ وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه والأصبهاني في الترغيب عن ابن مسعود قال‏:‏ أمرتم بإقامة أربع‏.‏ أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقيموا الحج، والعمرة إلى البيت‏.‏ والحج الأكبر، والعمرة الحج الأصغر‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن يزيد بن معاوية قال‏:‏ إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقة فيها حذيفة وليس إذ ذاك حجزة ولا جلاوزة، إذ هتف هاتف‏:‏ من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاويه التي عند أبواب كندة ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبد الله، واختلفا في آية في سورة البقرة قرأ هذا (وأتموا الحج والعمرة للبيت) وقرأ هذا {وأتمو الحج والعمرة لله} فغضب حذيفة واحمرت عيناه، ثم قام - وذلك في زمن عثمان - فقال‏:‏ إما أن تركب إلى أمير المؤمنين وإما أن أركب، فهكذا كان من قبلكم، ثم أقبل فجلس فقال‏:‏ إن الله بعث محمداً فقاتل بمن أقبل من أدبر حتى أظهر الله دينه، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإِسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف أبا بكر وكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإِسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عمر فنزل وسط الإِسلام، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإِسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عثمان‏.‏ وأيم الله ليوشكن أن تطعنوا فيه طعنة تحلقونه كله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن الشعبي أنه قرأها ‏ {‏وأتموا الحج‏} ‏ ثم قطع، ثم قال ‏ {‏والعمرة لله‏} ‏ يعني برفع التاء، وقال‏:‏ هي تطوع‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة والشافعي والبيهقي في سننه عن طاوس قال‏:‏ قيل لابن عباس أتأمر بالعمرة قبل الحج والله تعالى يقول ‏ {‏وأتموا الحج والعمرة لله‏}‏ ‏؟‏ فقال ابن عباس‏:‏ كيف تقرأون {أية : ‏من بعد وصية يوصي بها أو دين‏}تفسير : ‏ ‏[‏النساء: 11‏]‏؟‏ فبأيهما تبدأون‏؟‏ قالوا‏:‏ بالدين‏.‏ قال‏:‏ فهو ذاك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والدارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلاً‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة والشافعي في الأم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ والله إنها لقرينتها في كتاب الله ‏ {‏وأتموا الحج والعمرة لله‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة كلاهما في المصنف وعبد بن حميد عن مسروق قال‏:‏ أمرتم في القرآن بإقامة أربع‏:‏ أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقيموا الحج، والعمرة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ العمرة الحجة الصغرى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه قرأ ‏(‏وأقيموا الحج والعمرة للبيت) ثم قال‏:‏ والله لولا التحرج إني لم أسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لقلنا أن العمرة واجبة مثل الحج‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عمر قال‏:‏ العمرة واجبة ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة، واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلاً‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن طاوس قال‏:‏ العمرة على الناس كلهم إلا على أهل مكة فإنها ليست عليهم عمرة، إلا أن يقدم أحد منهم من أفق من الآفاق‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة، واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلاً كما قال الله حتى أهل بوادينا، إلا أهل مكة فإن عليهم حجّة وليست عليهم عمرة من أجل أنهم أهل البيت، وإنما العمرة من أجل الطواف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال‏:‏ الحج والعمرة فريضتان على الناس كلهم إلا أهل مكة فإن عمرتهم طوافهم، فمن جعل بينه وبين الحرم بطن واد فلا يدخل مكة إلا بإحرام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال‏:‏ ليس على أهل مكة عمرة إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به، وأهل مكة يطوفون متى شاؤوا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن مسعود قال‏:‏ الحج فريضة والعمرة تطوّع‏.‏ وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح ماهان الحنفي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الحج جهاد والعمرة تطوّع‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله ‏"‏حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ الحج جهاد، والعمرة تطوّع‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه عن جابر بن عبد الله‏ ‏"‏حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي‏؟‏ قال‏: لا، وإن تعتمروا خير لكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن ابن سيرين ‏"‏أن زيد بن ثابت سئل عن العمرة قبل الحج، قال‏:‏ صلاتان‏.‏ وفي لفظ‏ "‏نسكان لله عليك لا يضرك بأيهما بدأت‏"‏‏.‏ وأخرج الشافعي في الأم عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم‏"حديث : ‏إن العمرة هي الحج الأصغر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال ‏"‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أوصني، قال‏:‏ تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج، وتعتمر، وتسمع، وتطيع، وعليك بالعلانية، وإياك والسر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك في الموطأ وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عامر بن ربيعة مرفوعاً‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ما سبح الحاج من تسبيحة، ولا هلل من تهليلة، ولا كبر من تكبيرة، إلا بشر بها تبشيرة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم وابن خزيمة عن عمرو بن العاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : إن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي قال ‏"‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني جبان وإني ضعيف‏.‏ فقال‏:‏ هلم إلى جهاد لا شوكة فيه‏:‏ الحج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن حسين قال ‏"‏حديث : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد فقال‏:‏ ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه‏؟‏ الحج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عبد الكريم الجزري قال ‏"حديث : ‏جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني رجل جبان ولا أطيق لقاء العدوّ‏.‏ فقال‏:‏ ألا أدلك على جهاد لا قتال فيه‏؟‏ قال‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏: عليك بالحج والعمرة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري عن عائشة قالت‏"‏حديث : قلت‏:‏ يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد‏؟‏ فقال‏:‏ لكن أفضل الجهاد حج مبرور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي داود في المصاحف وابن خزيمة عن عائشة قالت ‏"حديث : ‏قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ هل على النساء من جهاد‏؟‏ قال‏:‏ عليهن جهاد لا قتال فيه‏.‏ الحج والعمرة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : جهاد الكبير والضعيف والمرأة‏:‏ الحج والعمرة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : الإِسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أم سلمة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏الحج جهاد كل ضعيف‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن عمرو بن عبسة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أفضل الأعمال حجة مبرورة أو عمرة مبرورة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن ماعز عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أنه سئل أي الأعمال أفضل‏؟‏ قال‏:‏ إيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال، كما بين مطلع الشمس ومغربها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:"حديث : الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة‏.‏ قيل‏:‏ وما بره‏؟‏ قال‏: إطعام الطعام، وطيب الكلام‏"تفسير : ‏وفي لفظ‏ "حديث : ‏وإفشاء السلام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن جراد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ‏حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن أبي موسى رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيته، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة‏ "‏حديث : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من جاء يؤم البيت الحرام، فركب بعيره فما يرفع البعير خفاً ولا يضع خفاً إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة، حتى إذا انتهى إلى البيت فطاف وطاف بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فليستأنف العمل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : وفد الله ثلاثة‏:‏ الغازي، والحاج، والمعتمر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم، لأنهم وفد الله من جميع الناس‏.‏ وأخرج البزار وابن خزيمة والطبراني في الصغير والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يغفر للحجاج ولمن استغفر له الحجاج‏"تفسير : .‏ وفي لفظ‏:‏ "حديث : اللهم اغفر للحجاج ولمن استغفر له الحاج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسدد في مسنده عن عمر قال‏:‏ يغفر للحاج ولمن يستغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وعشراً من ربيع الأول‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر، أنه خطب عند باب الكعبة فقال‏:‏ ما من أحد يجيء إلى هذا البيت لا ينهزه غير صلاة فيه حتى يستلم الحجر إلا كفر عنه ما كان قبل ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال‏:‏ من حج هذا البيت لا يريد غيره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن أم معقل ‏"حديث : ‏أن زوجها جعل بكراً في سبيل الله وأنها أرادت العمرة، فسألت زوجها البكر فأبى عليها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيها وقال‏: إن الحج والعمرة لمن سبيل الله، وأن عمرة في رمضان تعدل حجة أو تجزىء بحجة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال ‏"حديث : ‏أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج فقالت امرأة لزوجها‏:‏ حج بي‏.‏ قال‏:‏ ما عندي ما أحج بك عليه‏.‏ قالت‏:‏ فحج بي على ناضحك‏.‏ قال‏:‏ ذاك نعتقبه أنا وولدك‏.‏ قالت‏:‏ فحج بي على جملك فلان‏.‏ قال‏:‏ ذاك احتبس في سبيل الله، قالت‏:‏ فبع تمر رفك‏.‏ قال‏:‏ ذلك قوتي وقوتك‏.‏ فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أرسلت إليه زوجها فقالت‏:‏ اقرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وسله ما يعدل حجة معك، فأتى زوجها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال‏: أما أنك لو كنت حججت بها على الجمل الحبيس كان في سبيل الله، وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً من حرصها على الحج، وقال‏:‏ أقرئها مني السلام ورحمة الله وأخبرها أنها تعدل حجة معي عمرة في رمضان‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتها‏:‏ ‏"حديث : ‏إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب‏.‏ أن قوماً مروا بأبي ذر بالربذة فقال لهم‏:‏ ما أنصبكم إلا الحج، استأنفوا العمل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم‏:‏ أن ابن مسعود قال لقوم ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن الزبير قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ استقبلوا العمل بعد الحج،قال‏:‏ لا، ولكن عثمان وأبو ذر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب أنه رأى قوماً من الحجاج فقال‏:‏ لو يعلم هؤلاء ما لهم بعد المغفرة لقرت عيونهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ إذا كبر الحاج والمعتمر والغازي كبر المرتفع الذي يليه، ثم الذي يليه حتى ينقطع في الأفق‏.‏ وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة ويمرض المريض وتكون الحاجة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ما من عبد يدع الحج لحاجة من حوائج الدنيا إلا رأى المخلفين قبل أن يقضي تلك الحاجة، وما من عبد يدع المشي في حاجة أخيه المسلم قضيت أو لم تقض إلا ابتلى بعونه من يأثم عليه ولا يؤجر فيه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي ذر‏ ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: إن داود عليه السلام قال‏:‏ إلهي ما لعبادك إذا هم زاروك في بيتك‏؟‏ قال‏:‏ لكل زائر حق على المزور حقاً، يا داود إن لهم عليّ أن أعافيهم في الدنيا، وأغفر لهم إذا لقيتهم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما راح مسلم في سبيل الله مجاهداً أو حاجاً، مهلاً أو ملبياً إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : الحجاج والعمار وفد الله إن سألوا أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف لهم، والذي نفس أبي القاسم بيده ما كبر مكبر على نشز، ولا أهل مهل على شرف، إلا أهل ما بين يديه وكبر حتى ينقطع منه منقطع التراب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الحجاج والعمار وفد الله يعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم ما دعوا، ويخلف عليهم ما أنفقوا الدرهم بألف ألف‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي عن جابر بن عبد الله يرفعه‏ حديث : "‏قال‏:‏ ما أمعر حاج قط‏"‏‏تفسير : .‏ قيل لجابر‏:‏ وما الإِمعار‏؟‏ قال‏:‏ ما افتقر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة، وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلا غابت الشمس بذنوبه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏تابعوا بين الحج والعمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار عن جابر مرفوعا‏ً.‏ مثله‏.‏ وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن عمر مرفوعا‏ً.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عامر بن ربيعة مرفوعا‏ً.‏ مثله‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله بالجنة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ما أهل مهل قط إلا آبت الشمس بذنوبه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ ما أتى هذا البيت طالب حاجة لدين أو دنيا إلا رجع بحاجته‏.‏ وأخرج أبو يعلى والطبراني والدارقطني والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من خرج في هذا الوجه لحج أو عمرة فمات فيه لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له ادخل الجنة‏"‏‏تفسير : .‏ قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الله يباهي بالطائفين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والأصبهاني في الترغيب عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من مات في طريق مكة ذاهباً أو راجعاً لم يعرض ولم يحاسب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن أم سلمة‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من أهل بالحج والعمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم وما تأخر، ووجبت له الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إذا خرج الحاج من أهله فسار ثلاثة أيام أو ثلاث ليال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكان سائر أيامه درجات، ومن كفن ميتاً كساه الله من ثياب الجنة، ومن غسل ميتاً خرج من ذنوبه، ومن حثى عليه التراب في قبره كانت له بكل هباة أثقل في ميزانه من جبل من الجبال‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏ما ترفع ابل الحاج رجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله له بها حسنة، أو محا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن حبيب بن الزبير الأصبهاني قال‏:‏ قلت لعطاء بن أبي رباح‏:‏ أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: يستأنفون العمل،يعني الحجاج‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكن بلغني عن عثمان بن عفان وأبي ذر الغفاري أنهما قالا‏:‏ يستقبلون العمل‏.‏ وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة‏.‏ أن رجلاً مر بعمر بن الخطاب وقد قضى نسكته فقال له عمر‏:‏ أحججت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فقال له‏:‏ اجتنبت ما نهيت عنه‏؟‏ فقال‏:‏ ما ألوت‏.‏ قال عمر‏:‏ استقبل عملك‏.‏ وأخرج البيهقي عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الله عز وجل ليدخل بالحجة الواحدة ثلاثة نفر الجنة‏:‏ الميت، والحاج عنه، والمنفذ ذلك‏.‏ يعني الوصي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يقول تبارك وتعالى‏:‏ إن عبداً صححت له جسمه، وأوسعت له في رزقه، يأتي عليه خمس سنين لا يفد إليَّ لمحروم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو يعلى عن خباب بن الأرت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الله يقول‏:‏ إن عبداً أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في الرزق، يأتي عليه خمس حجج لم يأت إليَّ فيهن لمحروم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الشافعي عن ابن عباس قال‏:‏ في كل شهر عمرة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال‏:‏ إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال إلى الحج والعمره، فإنهما أحد الجهادين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبه عن جابر بن زيد قال‏:‏ الصوم والصلاة يجهدان البدن ولا يجهدان المال، والصدقة تجهد المال ولا تجهد البدن، وإني لا أعلم شيئاً أجهد للمال والبدن من الحج‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏فإن أحصرتم‏}‏ يقول‏:‏ من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي شاة فما فوقها، فإن كانت حجة الإِسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت بعد حجة الفريضه فلا قضاء عليه ‏ {‏ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله‏}‏ فإن كان أحرم بالحج فمحله يوم النحر، وإن كان أحرم بعمرة فمحل هديه إذا أتى البيت‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فإن أحصرتم‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية. ‏ قال‏:‏ هو الرجل من أصحاب محمد كان يحبس عن البيت فيهدي إلى البيت ويمكث على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، فإن بلغ الهدي محله حلق رأسه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏فإن أحصرتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي، فإن هو عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق رأسه، أو مس طيباً، أو تداوى بدواء، كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة أصوع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة ‏ {‏فإذا أمنتم‏} ‏ يقول‏:‏ فإذا برئ فمضى من وجهه ذلك إلى البيت كان عليه حجة وعمرة، فإن هو رجع متمتعاً في أشهر الحج كان عليه ما استيسر من الهدي شاة، فإن هو لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال‏:‏ هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث كله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ الحصر حبس كله‏.‏ وأخرج مالك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي في قوله ‏ {‏فما استيسر من الهدي‏} ‏ قال‏:‏ شاة‏.‏ وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عمر ‏ {‏فما استيسر من الهدي‏}‏ قال‏:‏ بقرة أو جزور‏.‏ قيل‏:‏ أو ما يكفيه شاة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن عباس {‏فما استيسر من الهدي‏}‏ قال‏:‏ ما يجد، قد يستيسر على الرجل الجزور والجزوران‏.‏ وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ من الأزواج الثمانية من الإِبل والبقر والضأن والمعز على قدر الميسرة، وما عظمت فهو أفضل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏فما استيسر من الهدي‏}‏ قال‏:‏ عليه هدي إن كان موسراً فمن الإِبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق القاسم عن عائشة يقول‏:‏ ما استيسر من الهدي شاة‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة والشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ لا حصر إلا حصر العدوّ، فاما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال، فليس عليه شيء‏.‏ إنما قال الله ‏{‏فإذا أمنتم‏}‏ فلا يكون الأمن إلا من الخوف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ لا إحصار إلا من عدوّ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال‏:‏ لا إحصار إلا من الحرب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال‏:‏ لا إحصار إلا من مرض، أو عدوّ، أو أمر حابس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال‏:‏ كل شيء حبس المحرم فهو إحصار‏.‏ وأخرج البخاري والنسائي عن نافع‏.‏ أن عبيد الله بن عبد الله، وسلام بن عبد الله، أخبراه‏:‏ أنهما كلما عبد الله بن عمر ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقال‏:‏ لا يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت‏.‏ فقال‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه، وحلق رأسه‏.‏ وأخرج البخاري عن ابن عباس قال ‏"‏حديث : قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلا‏ً "‏‏. تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ {‏ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله‏}‏ ‏.‏ أخرج البخاري عن المسور ‏حديث : "‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك‏"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج البخاري تعليقاً عن ابن عباس قال‏:‏ إنما البدل على من نقص حجة بالتذاذ، وأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه لا يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله‏"‏‏.‏ وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ إن أهل الحديبية أمروا بابدال الهدي في العام الذي حلوا فيه فابدلوا، وعزت الإِبل فرخص لهم فيمن لا يجد بدنة في اشتراء بقرة‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن أبي حاصر الحميري قال‏:‏ خرجت معتمراً عام حوصر ابن الزبير ومعي هدي، فمنعنا أن ندخل الحرم فنحرت الهدي مكاني وأحللت، فلما كان العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته فقال‏:‏ أبدل الهدي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ إذا حلق قبل أن يذبح اهرق لذلك دماً، ثم قرأ ‏ {‏ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الأعرج أنه قرأ ‏ {‏حتى يبلغ الهدي محله‏} ‏ ‏{أية : ‏وهدياً بالغ الكعبة}تفسير : [المائدة: 95‏] بكسر الدال مثقلاً‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك‏}‏.‏ أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه عن كعب بن عجرة قال ‏"‏حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أيؤذيك هوام رأسك‏؟ قلت‏:‏ نعم‏.‏ فأمرني أن أحلق قال‏:‏ ونزلت هذه الآية ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك‏} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة، أو انسك مما تيسر‏ "‏‏.‏ تفسير : ‏وأخرج أبو داود في ناسخة عن ابن عباس ‏ {‏ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله‏}‏ ثم استثنى فقال ‏ {‏فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك‏}‏ ‏.‏ وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي عن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ حديث : قعدت إلى كعب بن عجرة فسألته عن هذه الآية ‏ {‏ففدية من صيام أو صدقة أو نسك‏}‏ فقال‏:‏ نزلت فيَّ، كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال‏:‏ ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا‏!‏ أما تجد شاة‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏: صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك‏.‏ فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة‏ . تفسير : وأخرج الترمذي وابن جرير عن كعب بن عجرة قال ‏"حديث : ‏لفيّ نزلت وإياي عني بها ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه‏}‏ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية وهو عند الشجرة‏:‏ أيؤذيك هوامك‏؟ قلت‏:‏ نعم‏.‏ فنزلت‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والواحدي عن ابن عباس قال ‏"حديث : ‏لما نزلنا الحديبية جاء كعب بن عجرة ينتر هوام رأسه على وجهه فقال‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القمل قد أكلني‏؟‏ فأنزل الله في ذلك الموقف ‏{‏فمن كان منكم مريضاً‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة مساكين‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فمن كان منكم مريضاً‏} ‏ يعني من اشتد مرضه‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏فمن كان منكم مريضاً‏}‏ يعني بالمرض أن يكون برأسه أذى أو قروح، أو به أذى من رأسه‏.‏ قال‏:‏ الأذى هو القمل‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ ما أذى من رأسه‏؟‏ قال‏:‏ القمل وغيره الصداع، وما كان في رأسه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ النسك أن يذبح شاة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة‏:‏ ‏"حديث : ‏أيؤذيك هوام رأسك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاحلقه وافتد إما صوم ثلاثة أيام، وإما أن تطعم ستة مساكين، أو نسك شاة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن علي أنه سئل عن هذه الآية فقال‏:‏ الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة أصوع على ستة مساكين، والنسك شاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏(‏أو أو‏)‏ فصاحبه مخير، فإذا كان ‏ {‏فمن لم يجد‏} ‏ فهو الأوّل فالأوّل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏(‏أو أو‏)‏ فهو خيار‏.‏ وأخرج الشافعي في الأم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏(‏أو أو‏)‏ له أيه شاء‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ إلا في قوله تعالى ‏{أية : ‏إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله‏} تفسير : ‏[‏المائدة: 33‏]‏. فليس بمخيَّر فيها‏.‏ وأخرج الشافعي وعبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏(‏أو أو‏)‏ يختار منه صاحبه ما شاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة وإبراهيم‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد والضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏فمن تمتع بالعمرة إلى الحج‏}‏ يقول‏:‏ من أحرم بالعمرة في أشهر الحج‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ التمتع الاعتمار في أشهر الحج‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن الزبير أنه خطب فقال‏:‏ يا أيها الناس والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحصره عدوّ أو مرض أو كسر، أو يحبسه أمر حتى يذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة، فيتمتع تحلة إلى العام المقبل، ثم يحج ويهدي هدياً، فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ كان ابن الزبير يقول‏:‏ إنما المتعة لمن أحصر وليست لمن خلي سبيله‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ وهي لمن أحصر وليست لمن خلي سبيله‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ وهي لمن أحصر ومن خليت سبيله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن علي في قوله ‏ {‏فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج‏}‏ قال‏:‏ فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحج فعليه الهدي‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء قال‏:‏ إنما سميت المتعة لأنهم كانوا يتمتعون من النساء والثياب‏.‏ وفي لفظ‏ يتمتع بأهله وثيابه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ كان أهل الجاهلية إذا حجوا قالوا‏:‏ إذا عفا الوبر، وتولى الدبر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر‏.‏ فأنزل الله التمتع بالعمرة تغييراً لما كان أهل الجاهلية يصنعون وترخيصاً للناس‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي جمرة‏.‏ أن رجلاً قال لابن عباس‏:‏ تمتعت بالعمرة إلى الحج ولي أربعون درهماً، فيها كذا وفيها كذا وفيها نفقة‏.‏ فقال‏:‏ صم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن علي بن أبي طالب ‏ {‏فصيام ثلاثة أيام في الحج‏} قال‏:‏ قبل التروية يوم، ويوم التروية، ويوم عرفة فإن فاتته صامهن أيام التشريق‏.‏ وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر في قوله ‏ {‏فصيام ثلاثة أيام في الحج‏} ‏ قال‏:‏ يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وإذا فاته صيامها صامها أيام منى، فإنهن من الحج‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علقمة ومجاهد وسعيد بن جبير‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ إذا لم يجد التمتع بالعمرة هدياً فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله‏.‏ وأخرج مالك والشافعي عن عائشة قالت‏:‏ الصيام لمن يتمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هدياً ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام منى‏.‏ وأخرج مالك والشافعي عن ابن عمر‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وعائشة قالا‏:‏ لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمتمتع لم يجد هديا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال ‏"‏رخص النبي صلى الله عليه وسلم للتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها‏"‏‏.‏ وأخرج الدارقطني عن عائشة‏ "‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏حديث : من لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر، ومن لم يكن صام تلك الثلاثة أيام فليصم أيام التشريق أيام منى‏ . تفسير : وأخرج مالك وابن جرير عن الزهري قال ‏"‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس، فنادى في أيام التشريق فقال‏:‏ إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي‏"‏‏.‏ وأخرج الدارقطني من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن حذافة ‏حديث : "‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع، فينادوا إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، فلا صوم فيهن إلا صوماً في هدي‏"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ لا يجزئه صوم ثلاثة أيام وهو متمتع إلا أن يحرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال‏:‏ لا يصوم متمتع إلا في العشر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي نجيح قال‏:‏ قال مجاهد يصوم المتمتع إن شاء يوماً من شوّال وإن شاء يوماً من ذي القعدة قال‏:‏ وقال طاووس وعطاء‏:‏ لا يصوم الثلاثة إلا في العشر‏.‏ وقال مجاهد‏.‏ لا بأس أن يصومهن في أشهر الحج‏.‏ وأخرج البخاري والبيهقي عن ابن عباس‏.‏ أنه سئل عن متعة الحاج فقال أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب‏. وقال‏: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب‏.‏ وقال‏:‏ من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله،ثم أمرنا عشية الترويه أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله {‏فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم‏}‏ إلى أمصاركم والشاة تجزىء، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه، وأباحه للناس غير أهل مكة‏.‏ قال الله تعالى ‏ {‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏ وأشهر الحج التي ذكر الله شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم والرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال المراء "‏.‏ تفسير : وأخرج مالك وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ من اعتمر في أشهر الحج في شوّال أو ذي القعدة أو ذي الحجة فقد استمتع ووجب عليه الهدي، أو الصيام إن لم يجد هديا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ من اعتمر في شوّال أو في ذي القعدة، ثم قام حتى يحج فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع فليس بمتمتع، ذاك من أقام ولم يرجع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتمروا في أشهر الحج ثم لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ قال عمر‏:‏ إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن رجع فليس بمتمتع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال‏:‏ من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن رجع فليس بمتمتع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال‏:‏ من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ثم حج من عامه فليس بمتمتع، ذاك من أقام ولم يرجع‏.‏ وأخرج الحاكم عن أبي أنه كان يقرأها ‏(‏فصيام ثلاثة أيام متتابعات)‏.‏ وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله ‏ {‏وسبعة إذا رجعتم‏}‏ قال‏:‏ إلى أهليكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏وسبعة إذا رجعتم‏} ‏ قال‏:‏ إذا رجعتم إلى أمصاركم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏وسبعة إذا رجعتم‏} ‏ قال‏:‏ إلى بلادكم حيث كانت‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏{‏وسبعة إذا رجعتم‏}‏ قال‏:‏ إنما هي رخصة إن شاء صامهن في الطريق، وإن شاء صامها بعدما رجع إلى أهله، ولا يفرق بينهن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء والحسن ‏ {‏وسبعة إذا رجعتم‏}‏ قال عطاء‏:‏ في الطريق إن شاء‏.‏ وقال الحسن‏:‏ إذا رجعتم إلى مصره‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إن أقام صامهن بمكة إن شاء‏.‏ وأخرج وكيع عن عطاء ‏ {‏وسبعة إذا رجعتم‏}‏ قال‏:‏ إذا قضيتم حجكم، وإذا رجع إلى أهله أحب إلي‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن طاوس ‏{‏وسبعة إذا رجعتم‏}‏ قال‏:‏ إن شاء فرق‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله ‏ {‏تلك عشرة كاملة‏} ‏ قال‏:‏ كاملة من الهدي‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال ‏"حديث : ‏تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس‏: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال ‏"‏نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم ينزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها حتى مات‏.‏ قال رجل برأيه ما شاء‏.‏ وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال‏:‏ كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها‏.‏ فذكر ذلك لجابر بن عبد الله فقال‏:‏ على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام عمر قال‏:‏ إن الله كان يحل لرسول الله ما شاء مما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فاتموا الحج والعمرة كما أمركم الله، وافصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم‏"‏‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى قال ‏"حديث : ‏قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال‏:‏ بم أهللت‏؟ قلت‏:‏ أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: هل سقت من هدي‏؟ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل‏. فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذا جاءني رجل فقال‏:‏ إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك‏.‏ فقلت‏:‏ أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا، فلما قدم قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك‏؟‏ قال‏:‏ أنْ نأخذ بكتاب الله، فإن الله قال ‏{‏وأتموا الحج والعمرة لله‏} ‏ وأن نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده وأحمد عن الحسن‏.‏ أن عمر بن الخطاب هم أن ينهى عن متعة الحج فقام إليه أبي بن كعب فقال‏:‏ ليس ذلك لك، قد نزل بها كتاب الله واعتمرناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل عمر‏.‏ وأخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق قال‏:‏ كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها‏.‏ فقال عثمان لعلي كلمة فقال علي‏:‏ لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ أجل ولكنا كنا خائفين‏.‏ وأخرج إسحق بن راهويه عن عثمان بن عفان، أنه سئل عن المتعة في الحج فقال‏:‏ كانت لنا ليست لكم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي ذر قال‏:‏ كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة‏.‏ وأخرج مسلم عن أبي ذر قال‏:‏ لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ اختلق علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة، فقال علي‏:‏ ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا‏ً.‏ وأخرج البخاري ومسلم عن أبي جمرة قال‏:‏ سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال‏:‏ فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم‏‏ قال‏:‏ وكان ناس كرهوها فنمت فرأيت في المنام كأن انساناً ينادي حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس فحدثته فقال‏:‏ الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد وعطاء عن جابر قال‏:‏ "حديث : كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاجاً حتى إذا لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليالٍ قلائل أمرنا بالإِحلال، قلنا‏:‏ أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منيا‏ً؟‏ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيباً فقال "أبالله تعلموني أيها الناس، فانا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً ولحللت كما أحلوا، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن وجد هدياً فلينحر"، فكنا ننحر الجزور عن سبعة قال عطاء‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنماً، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس، فذبحه عن نفسه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك عن ابن عمر قال‏:‏ لأن اعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن اعتمر بعد الحج في ذي الحجة‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏‏ .‏ أخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء في قوله ‏{‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏} ‏ قال‏:‏ ست قربات:‏ عرفة، وعرنة، والرجيع، والنخلتان، ومر الظهران، وضجنان‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هم أهل الحرم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏حاضري المسجد الحرام‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل الحرم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ الحرم كله هو المسجد الحرام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والأزرقي عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن المسجد الحرام قال‏:‏ هو الحرم أجمع‏.‏ وأخرج الأزرقي عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن المسجد الحرام قال‏:‏ هو الحرم أجمع‏.‏ وأخرج الأزرقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل جياد‏.‏ وأخرج الأزرقي عن أبي هريرة قال‏:‏ إنا لنجد في كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الحزور إلى المسعى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال‏:‏ ليس لأحد حاضري المسجد الحرام رخصة في الإِحصار، لأن الرجل إذا مرض حمل ووقف به بعرفة، ويطاف به محمولا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عروة {‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏ عنى بذلك أهل مكة، ليست لهم متعة وليس عليهم إحصار لقربهم من المشعر‏.‏ وأخرج الأزرقي عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ من له المتعة‏؟‏ فقال‏:‏ قال الله ‏{‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏} فاما القرى الحاضرة المسجد الحرام التي لا تتمتع أهلها، فالمطمئنة بمكة المطلة عليها نخلتان، ومر الظهران، وعرفة، وضجنان، والرجيع، وأما القرى، التي ليست بحاضرة المسجد الحرام التي يتمتع أهلها إن شاؤوا فالسفر، والسفر ما يقصر إليه الصلاة عسفان وجدة ورهاط واشباه ذلك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ المتعة للناس إلا لأهل مكة هي لمن لم يكن أهله في الحرم، وذلك قول الله ‏{‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس‏.‏ أنه كان يقول‏:‏ يا أهل مكة إنه لا متعة لكم أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم وادياً ثم يهل بعمرة ‏{‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر‏.‏ أنه سئل عن امرأة صرورة أتعتمر في حجتها‏؟‏ قال‏:‏ نعم، إن الله جعلها رخصة إن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ ليس على أهل مكة هدي في متعة، ثم قرأ ‏{‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال‏:‏ ليس على أهل مكة متعة، ثم قرأ ‏{‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ ليس على أهل مكة متعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال‏:‏ ليس لأهل مكة، ولا من توطن مكة متعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال‏:‏ المتعة للناس أجمعين إلا أهل مكة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال‏:‏ ليس على أهل مكة متعة ولا إحصار، إنما يغشون حتى يقضوا حجهم‏.‏ وأما قوله تعالى‏ ‏{‏واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب‏}‏‏ .‏ أخرج ابن أبي حاتم عن مطرف أنه تلا قوله تعالى {‏إن الله شديد العقاب‏} ‏ قال‏:‏ لو يعلم الناس قدر عقوبة الله، ونقمة الله، وبأس الله، ونكال الله، لما رقأ لهم دمع، وما قرت أعينهم بشيء‏.‏

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ}. إتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته، وإراقة الدماء التي تجب فيها (دون) التقصير في بعض أحوالها. وفي التفسير أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وعلى لسان الإشارة الحج هو القَصْد؛ فَقَصْدٌ إلى بيت الحق وقصد إلى الحق، فالأول حج العوام والثاني حج الخواص. وكما أن الذي يحج بنفسه يُحْرِمُ ويَقِفُ ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق، فكذلك من يحج بقلبه؛ فإحرامه بعقد صحيح على قصد صريح، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته، ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى، وإطلاق خواطر المنى، وما في هذا المعنى. ثم الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع، ثم تلبية الأسرار باستجابة كل جزء منك. وأفضل الحج الشُّج والعجَّ؛ الشَّجُّ صَبُّ الدَّم والعجُّ رفع الصوت بالتلبية، فكذلك سفك دم النفس بسكاكين الخلاف، ورفع أصوات السِّر بدوام الاستغاثة، وحسن الاستجابة ثم الوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة. وموقف النفوس عَرَفات وموقف القلوب الأسامي والصفات لِعِزِّ الذات (عند) المواصلات. ثم طواف القلوب حول (مشاهدة) العز، والسعي بالأسرار بين صَفَّيِّ كشف الجلال ولطف الجمال. ثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيارات، والمنى والمعارضات: بكل وجه. قوله جلّ ذكره: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}. الحصر بأمرين بعدو أو مرض. والإشارة فيه إنْ استولى عدو النفس فلم تجد بداً من الإناخة بعقوة الرُّخَص وتأويلات العلم فعند ذلك تتحلل بموجب العذر والاضطرار إذ لا مزاحمة مع الحُكمْ. {ٱلْهَدْيِ} الذي يهدي به عند التحلل بالعذر، والخروج عن المعلوم، وتسليمه للفقراء، وانتظار أن يزول الحصر فيستأنف الأمر. وإن مَرِضَتْ الواردات وسَقِمتْ القصود وآل الأمرُ إلى التكليف فليجتهد ألا ينصرف كما أنه في الحج الظاهر يجتهد بألا ينصرف لكل مرض أو إن احتاج إلى اللبس والحلق وغير ذلك - بشرط الفدية. ثم إن عجز، اشترط أن محله حيث حسبه فكذلك يقوم ويقعد في أوصاف القصد وأحكام الإرادة، فإِن رجع - والعياذ بالله - لم يُقابَلْ إلا بالردِّ والصد، وقيل: شعر : فلا عن قِلى كان التقرب بيننا ولكنه دهر يُشِتُّ ويجمع تفسير : وقال الآخر: شعر : ولستُ - وإنْ أحببتُ مَنْ يَسْكُن الفضا بأولِّ راجٍ حاجة لا ينالها تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. يبذل ما أمكنه، ويخرج عن جميع ما يملكه، وعليه آثار الحسرة، واستشعار أحزان الحجبة. فمن كان منكم مريضاً... الخ: الإشارة منه أن يبتهل ويجتهد بالطواف على الأولياء، والخدمة للفقراء، والتقرب بما أمكنه من وجود الاحتيال والدعاء. قوله جلّ ذكره: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. فإذا تجلت أقمار القصود عن كشوف التعزز، وانجلت غيابة الحجبة عن شموس الوصلة وأشرف نون الإقبال في تضاعيف أيام الوقفة، فليستأنِف للوصلة وقتاً، وليفرش للقربة بساطاً، وليجدد للقيام بحق السرور نشاطاً، ولَيَقُلْ: حَيِّ على البهجة‍ فقد مضت أيام المحنة. وليُكْمِل الحج والعمرة، وَلْيَسْتَدِم القِيَام بأحكام الصحبة والخدمة. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} بالحجاب لمن لم يُرِه أَهِلَّة الوصلة والاقتراب.

البقلي

تفسير : {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} اوجب الحق سبحانه على قدر اهل الحقيقة اتمام مقاصدهم الى بساط القربة بان يتجردوا عن الكائنات فى توجههم الى مزار القدم وان يخرجوا من الحوادث بنعت التفريد والتجريد طلبا بفنايهم بقاءه فى تحقيق التوحيد وان يغتسلوا من شوايب البشرية واوساخ الطبيعة في انهار المعرفة وان يلبسوا احرام العبودية لقصدهم عرفان الربوبية ويتموا اجابة الحق بادائهم ما افترض عليهم من بذل النفوس فى العبودية والارواح في سلطنة الربوبية لتقترب اجابة الظاهر باجابة الباطن لانهم اجابوا الحق فى بدو امرهم اذ قالوا بلى فيستدعى الله عنهم اتمام ميثاق الاول ويذكرهم عهد الاول من تعريف نفسه اليهم ليتاهبوا فى امر الظاهر اتمام حقيقة الاجابة بان يقولو لبيك فالحج لاهل التمكين والعمرة لاهل التلوين واتمام الحج البلوغ الى رؤية واتمام العمرة الوصلو الى حقيقة المعبودية قوله {للَّهِ} اى اصبروا فى اتمامهم لله حتى تجدوا ما مولكم فى الله {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} اى ان منعتم اوصاف البشرية عن الطيران فى هواء الحقيقة حبستكم ججب الابتلاء فى اشجار الطبيعة فلا تميلوا عن حقيقة الطريقة والشروع فى طلب الشاهدة وابذلوا انفسكم هديا لله ليرشدكم لشفقته عليكم الى اوطان المشاهدات ويبلغكم حقيقة القربات وايضا فان حبستم غيرة الحق عن الوصول اليه لسبب ما فتحللوا من قتل نفوسكم حيث اوفقكم واشتغلوا بالعبودية عن الربوبية لان فى غيرة الحق اولياء الله عن السير فى قربة الحق وذلك بان القلوب اذا رمضت وسقمت عن الجهد فة طلب الحقيقة وسكت بحظوط البشرية فاثابها الله ابلاحصار فى وطنات الطبيعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وأتموا الحج والعمرة} الحج فرض على من استطاع اليه سبيلا بالاتفاق والعمرة سنة عند ابى حنيفة رحمه الله لا تلزم الا بالشروع كنفل الصلاة والمعنى ان من شرع فى أى واحد منهما فليتمه قالوا ومن الجائز ان لا يكون الدخول فى شىء واجبا ابتداء الا انه بعد الشروع فيه يكون اتمامه واجبا {لله} متعلق بأتموا واللام لام المفعول من أجله وفائدة التخصيص به هنا ان العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر وحضور الاسواق وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا قربة فامر الله بالقصد اليه لاداء فرضه وقضاء حقه والمعنى اكملوا اركانهما وشرائطهما وسائر افعالهما المعروفة شرعا لوجه الله تعالى من غير اخلال منكم بشىء منها واخلصوها للعبادة ولا تشوبوهما بشىء من التجارة والاغراض الدنيوية واجعلوا النفقة من الحلال. واركان الحج خمسة الاحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعى بين الصفا والمروة وحلق الرأس او التقصير فركن الحج ما لا يحصل التحلل الا بالاتيان به وواجباته هو الذى اذا ترك يجبر بالدم وسننه ما لا يجب بتركه شىء وكذا افعال العمرة تشتمل على هذه الامور الثلاثة فاركانها اربعة الاحرام والطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة والحلق. وللحج تحللان واسباب التحلل ثلاثة رمى جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة والحلق واذا وجد شيآن من هذه الاشياء الثلاثة حصل التحلل وبالثالث حصل التحلل الثانى وبعد التحلل الاول يستبيح جميع المحظورات اى محظورات الاحرام الا النساء وبالثانى يستبيح الكل واتفقت الامة على انه يجوز اداء الحج والعمرة على ثلاثة اوجه الافراد والتمتع والقران فصورة الافراد ان يحرم بالحج مفردا ثم بعد الفراغ منه يعتمر من الحل اى الذى بين المواقيت وبين الحرم وصورة التمتع ان يبتدئ باحرام العمرة فى اشهر الحج ويأتى بمناسكها ثم يحرم بالحج من مكة فيحج فى هذا العام وصورة القران ان يحرم بالحج والعمرة معا بان ينويهما بقلبه ويأتى بمناسك الحج وحينئذ يكون قد اتى بالعمرة ايضا لان مناسك العمرة هى مناسك الحج من غير عكس او يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل ان يفتتح الطواف فيصير قارنا ولو احرم بالحج ثم ادخل عليه العمرة ثم يدخل عليها الحج قبل ان يفتتح الطواف فيصير قارنا ولو احرم بالحج ثم ادخل عليه العمرة لم ينعقد احرامه بالعمرة والافضل عندنا من هذه الوجوه هو القران وفى الحديث "حديث : تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور جزاء الا الجنةbr>". تفسير : {فإن احصرتم} اى منعتم وصددتم عن الحج والوصول الى البيت بمرض او عدو او عجز اوذهاب نفقة او راحلة او سائر العوائق بعد الاحرام باحد النسكين وهذا التعميم عند ابى حنيفة رحمه الله لان الخطاب وان كان للنبى واصحابه وكانوا ممنوعين بالعدو لكن الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب {فما استيسر} اى فعليكم ما تيسر {من الهدى} من اما تبعيضية او بيانية اى حال كونه بعض الهدى او الكائن من الهدى جمع هدية كتمر وتمرة وهو ما يهدى الى البيت تقربا الى الله من النعم ايسره شاة واوسطه بقرة واعلاه بدنة ويسمى هديا لانه جار مجرى الهدية التى يبعثها العبد الى ربه بان بعثها الى بيته والمعنى ان المحرم اذا احصر واراد ان يتحلل تحلل بذبح هدى تيسر عليه من بدنة او بقرة او شاة حيث احصر فى أى موضع كان عند الشافعى واما عندنا فيبعث به الى الحرم ويجعل للمبعوث على يده يوم ذبحه امارة اى علامة فاذا جاء اليوم وظن انه ذبح تحلل لقوله تعالى {ولا تحلقوا رؤسكم} اى لا تحللوا بحلق رؤسكم {حتى يبلغ الهدى محله} حتى تعلموا ان الهدى المبعوث الى الحرم بلغ مكانه الذى وجب ان ينحر فيه. والمحل بالكسر من الحلول وهو النزول يطلق على الزمان والمكان فمحل الدين وقت وجوب قضائه ومحل الهدى المكان الذى يحل فيه ذبحه وهو الحرم عندنا لقوله تعالى {أية : ثم محلها إلى البيت العتيق} تفسير : [ الحج: 33]. والمراد الحرم كله لان كله يتبع البيت وهذا الحكم عام لجميع الحاج من المفرد والقارن والمتمتع والمعتمر يعنى لا يجوز له ان يحلق رأسه الا ان يذبح هديه وان لم يحصر يعنى فى منى والحلق افضل من التقصير ولو حلق ربع الرأس يكتفى به لكن حلق كله اولى اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فى الحج واما فى غيره فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يحلق رأسه الا قليلا بل هو معدود ويتركه فى اكثر الازمان وكان على رضى الله عنه يحلق رأسه منذ ما سمع قوله عليه السلام "حديث : تحت كل شعرة جنابةbr>". تفسير : {فمن} يجوز ان تكون شرطية وموصولة {كان منكم مريضا} مرضا محوجا الى الحلق حال الاحرام ومريضا خبر كان ومنكم حال منه لانه فى الاصل صفة له فلما تقدم عليه انتصب حالا {أو به أذى} اى الم كائن {من رأسه} كجراحة او قمل او صداع او شقيقة والمعنى يثبت على احرامه من غير حلق حتى يذبح هديه الا ان يضطر الى الحلق فان حلق ضرورة {ففدية} اى فعليه فدية {من صيام} اى صيام ثلاثة ايام {أو صدقة} على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر {أو نسك} بضمتين جمع نسيكة وهى الذبيحة اعلاها بدنة واوسطها بقرة وادناها شاه واو للتخيير {فإذا أمنتم} من خوفكم وبرئتم من مرضكم وكنتم فى حال امن وسعة لا فى حال احصار {فمن تمتع بالعمرة الى الحج} اى فمن انتفع بالتقرب الى الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج فى اشهره او من استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الاحرام الى ان يحرم بالحج {فما استيسر من الهدى} اى فعليه دم تيسر عليه بسبب التمتع وهو هدى المتعة وهو نسك عند ابى حنيفة رحمه الله لا يذبحه الا يوم النحر ويأكل منه كالاضحية {فمن لم يجد} اى الهدى {فصيام ثلثة أيام} صيام مصدر اضيف الى ظرفه معنى وهو فى اللفظ مفعول به على الاتساع اى فعليه صيام ثلاثة ايام {فى الحج} اى فى وقته واشهره بين الاحرامين احرام العمرة واحرام الحج ان شاء متفرقة وان شاء متتابعة والاحب ان يصوم سابع ذى الحجة وثامنه وتاسعه فلا يصح يوم النحر وايام التشريق {وسبعة إذا رجعتم} اى نفرتم وفرغتم من اعمال الحج اطلق عليه الرجوع على طريق اطلاق اسم المسبب وارادة السبب الخاص وهو النفر والفراغ فانه سبب للرجوع {تلك} اى صيام ثلاثة وسبعة {عشرة} فذلكة الحساب وفائدتها ان لا يتوهم ان الواو بمعنى او كما فى قوله تعالى {أية : مثنى وثلاث ورباع} تفسير : [النساء: 3]. وان يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا وعلمان خير من علم فان اكثر العرب لا يحسنون الحساب فكان الرجل اذا خاطب صاحبه باعداد متفرقة جمعها له ليسرع فهمه اليها وان المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فانه يطلق لهما {كاملة} صفة مؤكدة لعشرة فان الوصف قد يكون للتأكيد اذا افاد الموصوف معنى ذلك الوصف نحو آلهين اثنين والتأكيد انما يصار اليه اذا كان الحكم المؤكد مما يهتم بشأنه والمحافظة عليه والمؤكد ههنا هو رعاية هذا العدد فى هذا الصوم آكده لبيان ان رعايته من المهمات التى لا يجوز اهمالها البتة {ذلك} اشارة الى نفس التمتع عندنا والى حكم التمتع عند الشافعى وهو لزوم الهدى لمن يجده من المتمتع ولزوم بدله لمن لا يجده {لمن لم يكن اهله حاضرى المسجد الحرام} اى لازم للذى لا يسكن مكة واهل الرجل اخص الناس اليه وانما ذكر الاهل لان الغالب ان الانسان يسكن حيث يسكن اهله فعبر بسكون الاهل عن سكون نفسه وحاضروا المسجد الحرام عندنا هم اهل مكة ومن كان منزله داخل المواقيت فلا متعة ولا قران لهم فمن تمتع او قرن منهم فعليه دم جناية لا يأكل منه وحاضروا المسجد الحرام ينبغى لهم ان يعتمروا فى غير اشهر الحج ويفرد واشهر الحج للحج والقارن والمتمتع الآفاقيان دمهما دم نسك يأكلان منه وعند الشافعى حاضروا المسجد الحرام اهل الحرم ومن هو على مسافة لا تقصر فيها الصلاة {واتقوا الله} فى المحافظة على اوامره ونواهيه وخصوصا فى الحج {واعلموا ان الله شديد العقاب} لمن لم يتقه كى يصدكم العلم به عن العصيان: قال السعدى قدس سره شعر : مرو زير باركنه اى يسر كه حمال عاجز بود در سفر توبيش ازعقوبت در عقوكوب كه سودى ندارد فغان زيرجوب تفسير : اعلم ان اتمام الحج كما يكون عن طريق الظاهر كذلك يكون عن طريق الباطن وعن بعض الصالحين انه حج فلما قضى نسكه قال لصاحبه هلم نتم حجنا ألم تسمع قول ذى الرمة شعر : تمام الحج ان تقف المطايا على خرقاء واضعة اللثام تفسير : وخرقاء اسم حبيبة الشاعر واضعة اللثام اى مكشوفة الوجه مسفرة جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذى لا يتم الا به وحقيقة ما قال هو انه كما قطع البوادى حتى وصل الى بيته وحرمه ينبغى ان يقطع اهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل الى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه بعد الرجوع عن حرمه. قال فى التأويلات النجمية حج العوام قصد البيت وزيارته وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده كما قال الخليل عليه السلام انى ذاهب الى ربى سيهدين وكما ان من قصد الله وطلبه وتوجه اليه بالكلية وفدى بنفسه وماله وولده فى الله واتخذ ما سواه عدوا كما قال {أية : فإنهم عدو لى إلا رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 77]. كان الخليل عليه الصلاة والسلام وهذا كله من مناسك الحج الحقيقى فلذلك جعله الله اول من بنى بيت الله وطاف وحج واذن فى الناس بالحج وسن المناسك وكان الحج صورة ومعنى مقامه عليه السلام وكما كان له مقام كان لنبينا عليه السلام حال والحال اتم من المقام لان المقامات من المنازل والاحوال من المواهب فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات فلما كان الخليل من اهل المقامات قال {أية : إنى ذاهب إلى ربى سيهدين} تفسير : [الصافات: 99]. ولما كان النبى عليه الصلاة والسلام من اهل المواهب قيل {أية : سبحان الذى أسرى بعبده}تفسير : [الإِسراء: 1] فلما كان ذهابه بنفسه فى الحج الحقيقى لقى فى السماء السابعة واحصر فيها فقيل له {فان احصرتم فما استيسر من الهدى} فاهدى باسمعيل ولما اسرى بالنبى عليه السلام وكان ذهابه بالله ما احصره شىء فقيل له {وأتموا الحج والعمرة لله} فأتم حجه بان دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى ثم اتى عمرته بان تجلى له اقمار المقصود عن كشوف التعزز بالشهود وانجلت عنانة المحبة عن شموس الوصلة وجرى بين المحبين ما جرى فأوحى الى عبده ما اوحى ثم نودى من سرادقات الجلال فى اتمام الحج والاكمال يوم الحج الاكبر عند وقوفه بعرفات فى حجة الوداع وهو آخر الحجات اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا انتهى ما فى التأويلات. ثم اعلم ان كل قلب لا يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب ولا كل نفيس مال يصلح لخزانة الرب فتعجل ايها العبد فى تدارك حالك وكن سخيا بمالك فان لم يكن فبنفسك وان كان لك قدرة على بذلهما فبهما ألا يرى ان ابراهيم عليه السلام كيف اعطى ماله للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان وقلبه للرحمان حتى تعجب الملائكة من سخاوته فاكرمه الله بالخلة قال الله تعالى {أية : واتخذ الله إبراهيم خليلا}تفسير : [النساء: 125]. قال مالك ابن دينار خرجت الى مكة فرأيت فى الطريق شابا اذا جن عليه الليل رفع وجهه نحو السماء وقال يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصى هب لى ما يسرك واغفر لى ما لا يضرك فلما احرم الناس ولبوا قلت له لم لا تلبى فقال يا شيخ وما تغنى التلبية عن الذنوب المتقدمة والجرائم المكتوبة والمعاصى السالفة اخشى ان اقول لبيك فيقا لى لا لبيك ولا سعديك لا اسمع كلامك ولا انظر اليك ثم مضى فما رأيته الا بمنى وهو يقول اللهم اغفر لى اللهم ان الناس قد ذبحوا وتقربوا اليك وليس لى شىء اتقرب به اليك سوى نفسى فتقبلها منى ثم شهق شهقة وخر ميتا اللهم عاملنا بكمال كرمك واوصلنا على حضرتك العليا وحرمك.

ابن عجيبة

تفسير : {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ...} قلت: المشهور في اللغة أن أحصر الرباعي: بالمرض، وحصر الثلاثي: بالعدو، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء. و {ما استيسر}: خبر أو مبتدأ، أي: فالواجب ما استيسر، أو: فعليه ما استيسر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأتموا الحج} الذي دخلتم فيه، {والعمرة} وجوباً كالصلاة والصوم، ويكون ذلك {لله} لا رياء ولا سمعة، وإنما خصّ الحج والعمرة بالحض على الإخلاص، لما يسرع إليهما من الخلل أكثر من غيرهما، فمن أفسدهما وجب عليه قضاؤهما، {فإن أحصرتم} ومنعتم من إتمامهما فتحللوا منهما، وعليكم {ما استيسر من الهدي}، وذلك شاة {ولا تحلقوا رؤوسكم} أي: لا تتحللوا {حتى يبلغ الهدي محله}، أي: حيث يحل ذبحه، وهو محل الإحصار عند الشافعي، فيذبح فيه بنية التحلل ويُفرق، ومِنَى أو مكة عند مالك، فيُرسله فإذا تحقق أنه وصل وذُبح حل وحلق. ويحرم على المُحْرِم إزالة الشعث، ولبس المخيط بالعضو، فمن كان {مريضاً أو به أذى} صُداع أو نحوه، فحلق رأسه، أو لبس ثيابه، فعليه فديه {من صيام} ثلاثة أيام، {أو صدقة} على ستة مساكين، مُدَّان لكل مسكين، {أو نسك} بشاة فأعلى، فهو مخير بين الثلاثة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا عقد المريد مع ربه عُقْدةً، فالواجب عليه إتمامها حتى يَجْني ثمرتَها، فإذا عقد عقدة المجاهدة فليجاهد نفسه حتى يجني ثمرتها، وهي المشاهدة، وإذا عقد مع الشيخ عقدة الصحبة، فليلزم خدمته حتى يدخله إلى بيت الحضرة، ويشهد له بالترشيد. وهكذا كل من عقد مع الله عقدة يجب عليه إتمامها، فإن أُحصر ومُنع من إتمامها فليفعل. ما استيسر من ذبح نفسه وحط رأسه، و{أية : لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآءَاتَاهَا}تفسير : [الطّلاَق: 7]، ولا ينبغي أن يستعجل الفتح قبل إِبَّانِه، فلعلَّه يُعاقَب بحرمانه، فكم من مريد طلب شيخه أَنْ يُطلعه على سر الربوبية قبل بلوغ محله، فكان ذلك سببب عطبه، فيقال له: ولا تحلق رأسك من شهود السوى حتى يبلغ هَديُ نفسك محلة فيذبح، فإذا ذُبِحت النفس وأُجهِز عليها حلق رأسه حينئذٍ من شهود السِّوى، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه. شعر : إنْ تُرِدْ وَصْلَنَا فَمَوْتُكَ شَرْطٌ لا يَنَالُ الْوِصَال مَنْ فِيهِ فَضْلَهْ تفسير : فمن كان مريضاً بضعف عزمه، أو به أذى بعدم نهوض حاله، بحيث لم تُسعفْه المقادير في مجاهدة نفسه، فليشتغل بالنسك الظاهر من صيام أو صدقة أو قراءة أو غير ذلك، حتى يَمنَّ عليه العليمُ الحكيمُ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولمّا ذكر الحقّ تعالى هدى الإحصار وفديَة الأذى، ذكر هدى التمتع، فقال: {... فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يقول الحقّ جلّ جلاله: فإذا حصل لكم الأمن من المرض أو العدو، أوردتم الحج {فمن تمتع} منكم {بالعمرة إلى الحج} بأن قدَّم العمرة في أشهر الحج، ثم حجّ من عامه، فالواجب عليه {ما استيسر من الهدي}؛ شاة فأعلى؛ لكونه تمتَّعَ بإسقاط أحد السَّفَرَيْن ولم يُفرِد لكل عبادة سفراً مخصوصاً. {فمن لم يجد} الهدي، ولم يقدِر على شرائه، فعليه {صيام ثلاثة أيام} في زمن {الحج}، وهو زمنُ إحرامه إلى وقوفه بعرفة، فإن لم يصم في ذلك الزمان صام أيام التشويق. ثم يصوم سبعة أيام إذا رجَع إلى مكة أو إلى بلده. فتلك {عشرة} أيام {كاملة}، ولا تتوهموا أن السبعة بدل من الثلاثة، فلذلك صرّح الحقّ تعالى بفَذْلَكة الحساب. وهذا الهَدْي أو الصيام إنما يجب على المتمتع؛ إذا لم يكن ساكناً بأهله في مكة أو ذي طَوى، وأما مَن كان {أهلُه حاضري المسجد الحرام} فلا هَدى عليه؛ لأنه يُحرم بالحج من مكة فلم يسقط أحد السفرين، {واتقوا الله} في امتثال أوامره، وخصوصاً مناسك الحج؛ لكثرتها وتشعب فروعها، ولذلك أُفردت بالتأليف، {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن ترك أوامرَه وارتكب نواهيه، وبالله التوفيق. الإشارة: يقول الحقّ جلّ جلاله على طريق الإشارة للمتوجهين إليه: فإذا أمنتُمْ من أعدائكم الذين يقطعونكم عن الوصول إلى حضرتنا، أو أمِنْتُم من الرجوع بعد الوصال، أو من السلب بعد العطاء، وذلك بعد التمكين من شهود أسرار الذات، وأنوار الصفات، إذ الكريم إذا أعطى لا يرجع، فإذا حصل لكم الأَمْن، فمن تمتع بأنوار الشريعة إلى أسرار الحقيقة فعليه ما استطاع من الهدي والسمت الحسَن والخلُق الحَسن؛ لأنه إذ ذاك قد اتصف بصفة الكمال وتصدَّر لتربية الرجال، فمن لم يجد ذلك فلرجع إلى ما تيسر من المجاهدة حتى يتمكن من ذلك الهَدْي الحسن والخلق الحسن، هذا لمن لم يتمكن في الحضرة الأزلية، وأما مَن كان مقيماً بها، عاكفاً في شهود أنوارها، فلا كلام عليه، لأنه قد تولاّه مولاه، وغيَّبَه عن شهود نفسه وهواه، فَأمْرُه كله بالله وإلى الله. جعلنا الله فيهم بمنِّه وكرمه، لكن لا يغفُل عن التقوى؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام:"حديث : أنا أعرفُكُم بالله، وأنا أتقاكم له"تفسير : . وقالوا: "من علامة النهايات الرجوعُ إلى البدايات". والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: وروي عن الشعبي: أنه قرأ {والعمرة لله} رفعاً، وذهب إلي أنها ليست واجبة، كما قال أهل العراق. وعندنا، وعند الشافعي: أنها واجبة، كوجوب الحجّ. والقرّاء كلهم على النصب، والعمرة عطفاً على قوله {وأتموا الحج} وتقديره، وأتموا العمرة لله. وأمر الله تعالى جميع من توجه إليه وجوب الحجّ أن يتم الحجّ والعمرة. وقيل في إتمام الحجّ والعمرة أقوال: أحدها - أنه يجب أن يبلغ آخر أعمالها بعد الدخول فيهما وهو قول مجاهد، وأبي العباس المبرد، وأبي علي الجبائي. والثاني - قال سعيد بن جبير، وعطا، والسدي: إنّ معناه إقامتهما الى آخر ما فيهما، لأنهما واجبان. الثالث - قال طاووس: أتمامهما إفرادهما. الرابع - قال قتادة: الاعتمار في غير أشهر الحج. وأصح الاقوال الأول. والحج هو القصد الى البيت الحرام، لاداء مناسك مخصوصة بها في أوقات مخصوصة. ومناسك الحج تشتمل على المفروض، والمسنون. والمفروض يشتمل على الركن، وغير الركن، فأركان الحج أوّلا: النية، والاحرام، والوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة. والفرائض التي ليست بأركان: التلبية، وركعتا طواف الزيارة، وطواف النساء، وركعتا الطواف له. والمسنونات: الجهر بالتلبية واستلام الأركان، وأيام منى، ورمى الجمار، والحلق أو التقصير، والأضحية إن كان مفرداً. وإن كان متمتعاً فالهدي واجب عليه، وإلا فالصوم الذي هو بدل عنه، وتفصيل ذلك ذكرناه في النهاية، والمبسوط، والجمل والعقود، لا نطول بذكره. وفي هذه المناسك خلاف كثير - بين الفقهاء - ذكرناه في مسائل الخلاف. والعمرة واجبة كوجوب الحج، وبه قال الحسن، وابن عباس، وابن مسعود, وابن عمر، وعطا، وابن جبير، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطا، والشافعي. وقال ابراهيم النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وأهل العراق: إنها مسنونة. وعن ابن مسعود فيه خلاف، فمن قال: إنها غير واجبة قال: لأن الله تعالى أمر باتمام الحج والعمرة، ووجوب الاتمام لا يدل على أنه واجب قبل ذلك، كما أن الحج المتطوع به يجب إتمامه وإن لم يجب الدخول فيه، قالوا: وإنما علينا وجوب الحج بقوله تعالى: {أية : ولله على الناس حج البيت}.تفسير : وهذا ليس بصحيح، لأنا قد بينا أن معنى أتموا الحج والعمرة أقيموهما، وهو المروي عن علي (ع) وعن علي بن الحسين مثله، وبه قال مسروق، والسدي. والعمرة هي الزيارة في اللغة. وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت لاداء مناسك مخصوصة أي وقت كان من أيام السنة. وأفعال العمرة الواجبة: النية، والاحرام، والطواف، والصلاة عند المقام، والسعي بين الصفا والمروة، وطواف النساء. وفي بعض ذلك خلاف ذكرناه في الخلاف. وقوله {فإن أحصرتم} فيه خلاف، قال قوم: فان منعكم خوف، أو عدّو، أو مرض، أو هلاك بوجه من الوجوه، فامتنعتم لذلك. وقال آخرون: إن منعكم حابس قاهر. فالأول قول مجاهد، وقتادة، وعطا، وهو المروي عن ابن عباس. وهو المروي في أخبارنا. والثاني ذهب اليه مالك بن أنس. فالأول أقوى لما روي في أخبارنا، ولأن الاحصار هو أن يجعل غيره بحيث يمتنع من الشيء. وحصره منعه، ولهذا يقال: حصر العدو، ولا يقال: أحصر. اللغة: واختلف أهل اللغة في الفرق بين الاحصار، والحصر، فقال الكسائي، وأبو عبيدة، وأكثر أهل اللغة: إن الاحصار المنع بالمرض، أو ذهاب النفقة. والحصر بحبس العدوّ. وقال الفراء: يجوز كل واحد منهما مكان الآخر. وخالف في ذلك أبو العباس، والزجاج، واحتج المبرد بنظائر ذلك. كقولهم حبسه أي جعله في الحبس وأحبسه أي عرّضه للحبس، وقتله: أوقع به القتل، وأقتله: عرّض للقتل، وقبره: دفنه في القبر، وأقبره: عرضه للدفن في القبر، فكذلك حصره: حبسه أي أوقع به الحصر، وأحصره: عرّضه للحصر. ويقال: أحصره إحصاراً. إذا منعه، وحصره يحصره حصراً إذا حبسه، وحصر حصراً: إذا عيي في الكلام. وحاصره محاصراً: إذا ضيق عليه في القتال. والحصر الضيق. هذا حصر شديد. والحصر: الذي لا يبوح بسره، لأنه قد حبس نفسه عن البوح به. والحصير: الملك. والحصير: المحبس، ومنه قوله تعالى: {أية : وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً}تفسير : والحصور: الذي لا إربة له في النساء. والحصور: الغيوب المحجم عن الشيء. والحصر البخيل لحبسه رفده، وأصل الباب: الحبس. الاعراب: وقوله: {فما استيسر من الهدي} موضع (ما) رفع، كأنه قال: فعليه {ما استيسر من الهدي}. ويجوز النصب وتقديره: فليهدي ما استيسر من الهدي. والرفع اقوى لكثرة نظائره، كقوله {ففدية من صيام} وقوله {أية : فعدّة من أيام أخر} تفسير : وقوله {فصيام ثلاثة أيام}. المعنى: وفي معنى {ما استيسر} خلاف، فروي عن علي (ع)، وابن عباس، والحسن، وقتادة: أنه شاء. وروي عن ابن عمر، وعائشة: أنه ما كان من الابل والبقر دون غيره، ووّجها التيسر على ناقة دون ناقة، وبقرة دون بقرة. والأول هو المعمول عليه عندنا. اللغة: وفي اشتقاق الهدي، وأصله قولان: أحدهما - أنه من الهدية، يقال منه: أهديت الهدية إهداء، وأهديت الى البيت الهدي إهداء، فعلى هذا يكون هدياً لأجل التقرب به الى الله باخلاص الطاعة فيه، على ما أمر به. الثاني - من هديته هدى: اذا سقته الى طريق الرشاد، وواحد الهدي هدية، وروى أبو عبيدة عن أبي عمرو: أنه لا يعرف له نظير إلا جدية السرج وجدي، وقال المبرد: وهو مطرد في الأجناس، كتمرة وتمر، وشرية وشري، وهو الحنظل. وقوله {ولا تحلقوا رؤوسكم} معناه لا تزيلوا شعور رؤوسكم: يقال حلق يحلق حلقاً، وحلق تحليقاً، وانحلق انحلاقاً. والحلق: مجرى الطعام، والشراب في المري. والحلقة: حلقة القوم، وحلقة الحديد، والحلقة السلاح، ويقال أيضاً بالتخفيف. وحلق الطائر في الهواء إذا ارتفع، وهوى من حالق أي من علو الى سفل. وحلق ضرع الناقة إذا ارتفع لبنها. وحلاق المنية، وجاء بالحلق اذا جاء بالمال الكثير. والملحق: محلق الشعر كالموسى. وحُلوق الأرض مجاريها في أوديتها. والمحلق: موضع حلق الرأس بمنى. وأصل الباب الاستمرار. والرؤوس جمع رأس يقال: رأس يرأس رآسة، وترأس ترأساً، ورأسه ترئيساً. والرأس أعلى كل شيء، والرّواسي العظيم الرأس فوق قدره، وكلبة رؤس: وهي التي تساور رأس الصيد. وسحابة رأيسة: وهي التي تتقدم السحاب. ورجل مرءوس إذا أصابه البرسام في رأسه. ورأس فلان فلاناً إذا ضربه على رأسه. وأصل الباب الرأس. وقوله: {حتى يبلغ الهدي محّله} معناه حتى ينتهى إليه، يقال: بلغ يبلغ بلوغاً، وأبلغه إبلاغاً، وبلغه تبليغاً، وبالغ مبالغة، وتبالغ تبالغاً، وتبّلغ تبّلغاً، وبلغ الرجل بلاغة اذا صار بليغاً. والبلغة: القوت. وأصل الباب البلوغ، وهو الانتهاء, فمنه البلاغة، لأنها تبلغ بالمعنى الى القلب. المعنى: وقيل في محل الهدي قولان: أحدهما - ما روى عن ابن عباس؛ وابن مسعود، والحسن، وعطا أنه الحرم فاذا ذبح به يوم النحر أحل. والثاني - قال مالك: إنه الموضع الذي صدّ فيه، وهو المكان الذي يحلّ نحره فيه قال. لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) نحر الهدي، وأمر أصحابه فنحروا بالحديبية. وعندنا: أن الأول حكم المحصر بالمرض، والثاني حكم المحصور بالعدو، وروي أيضاً أن محله منى إن كان في الحج، وإن كان في العمرة فمكة. وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه} فالأذى كلما تأذيت به. ورجل آذٍ إذا كان شديد التأذي تقول: آذى يآذى أذى. وأصله الضرر بالشىء، وروى أصحابنا أن هذه الآية نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عجرة. وروى أيضاً ذلك أصحاب التأويل في أنه كان قد قمل رأسه فأنزل الله فيه هذه الآية، لكنها محمولة على جميع الأذى. وقوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فالذي رواه أصحابنا أن الصيام ثلاثة أيام أو صدقة ستة مساكين. وروي عشرة مساكين. والنسك شاة. وفيه خلاف بين المفسرين. وروي عن كعب بن عجرة الانصاري، ومجاهد، وعلقمة، وابراهيم، والربيع، واختاره الجبائي: مثل ما قلناه: إن الصوم ثلاثة أيام والاطعام لستة مساكين. وقال الحسن وعكرمة: صوم عشرة أيام أو إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع بلا خلاف. ولم يختلفوا في النسك أنه شاة. والنسك: جمع نسيكة، ويجمع أيضاً نسائك، كصحيفة وصحائف وصحف. وقوله {فإذا أمنتم} معناه أمنتم أن يحصركم العدوّ أو أمنتم المرض {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}، ففرض التمتع - عندنا - هو اللازم لكل من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وحدّ حاضري المسجد الحرام: من كان على إثني عشر ميلا من كل جانب الى مكة، ثمانية وأربعين ميلا، فما خرج عنه فليس من الحاضرين، لا يجوز له مع الامكان غير التمتع، وعند الضرورة، يجوز له القران والافراد. ومن كان من حاضري المسجد الحرام، لا يجوز له التمتع، وإنما فرضه القران أو الافراد على ما نفسره في القران والافراد، وسياق المتمتع أن يحرم من الميقات في أشهر الحج وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، ثم يخرج الى مكة، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصر، ثم ينشىء إحراماً آخر بالحج من المسجد الحرام، ويخرج الى عرفات، ويقف هناك، ويفيض الى المشعر، ويغدوا منها الى منى، ويقضى مناسكه هناك، ويدخل في يومه الى مكة، فيطوف بالبيت طواف الزيارة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويطوف طواف النساء، وقد أحلّ من كل شيء ويعود الى منى، فبيت ليالي بها، ويرمي الجمار في ثلاثة أيام - على ما شرحناه في النهاية، والمبسوط - وفي بعض ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف وللمفسرين في التمتع أربعة أقوال: فالأول رواه أنس بن مالك: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أهلّ بعمرة وحجة، وسموه قارناً، وأنكر ذلك ابن عمر، والثاني روى ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطا، واختاره الجبائي: وهو أن يعتمر في أشهر الحج ثم يأتي مكة، فيطوف، ويسعى، ويقصر ثم يقيم حلالا الى يوم التروية، أو يوم قبله، فيهل فيه بالحج من مكة، ثم يحج. وهذا مثل ما قلناه سواء. وقال البلخي: إن هذا الضرب كرهه عمر، ونهى عنه، وكرهه ابن مسعود. الثالث - هو الناسخ للحج بالعمرة رواه جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمرهم - وقد أهلوا بالحج، لا ينوون غيره - أن يعتمروا ثم يحلوا الى وقت الحج. هذا عندنا جائز أن يفعل. وروي عن أبي ذرّ: أنها كانت لأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) خاصة. وكذلك يقولون: إن عمراً أنكر هذه المتعة. الرابع - قال ابن الزبير: إن المحصر اذا دخل مكة بعد فوت الحج، تمتع بالعمرة، لأنه يحل بها إلى وقت الحج، وكذلك من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج تلك السنة، فهو المتمتع، ولا هدي عليه. وهذا عندنا فاسد بما قدمناه. وقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} فالهدي واجب على الممتع بلا خلاف، لظاهر التنزيل، على خلاف فيه أنه نسك أو جبران، فعندنا أنه نسك، وفيه خلاف فان لم يجد الهدي ولا ثمنه، صام ثلاثة أيام في الحج، وعندنا أن وقت صوم الثلاثة أيام: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، فان صام في أول العشرة جاز ذلك رخصة. وإن صام يوم التروية ويوم عرفة قضى يوماً آخر بعد التشريق فان فاته يوم الترويه صام بعد القضاء من التشريق ثلاثة أيام متتابعات, وروي عن ابن عباس، وابن عمر، والحسن، ومجاهد: أنه يجوز ما بين إحرامه في أشهر الحج الى يوم عرفة. واستحبوا أن يكون يوماً قبل التروية، ويوم عرفة. ووقت صوم السبعة أيام إذا رجع الى أهله، وبه قال عطا، وقتادة. وقال مجاهد: إذا رجع عن حجه في طريقه. فأما أيام التشريق، فلا يجوز صومها عندنا، وبه قال جماعة من المفسرين، واختاره الجبائي، لنهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن صوم أيام التشريق. وروي عن ابن عمر، وعائشة جواز ذلك. وقوله: {تلك عشرة كاملة} اختلفوا في معناه، فقال الحسن، والجبائي، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أن المعنى كاملة من الهدي أي اذا وقعت بدلا منه، استكملت ثوابه. الثاني - ما ذكره الزجاج، والبلخي أنه لازالة الايهام لئلا يظن أن (الواو) بمعنى (أو) فيكون كأنه فصيام ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام اذا رجعتم، لأنه اذا استعمل (أو) بمعنى (الواو) جاز أن يستعمل (الواو) بمعنى (أو) كما قال: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} والمراد "أو" فذكر ذلك لارتفاع اللبس. والثالث - قاله المبرد: إنه أعاد ذلك للتأكيد قال الشاعر: شعر : ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل الى شمام تفسير : اللغة: وتقول: ثلثت القوم أثلثهم، فأنا ثالثهم، وربما قالوا: ثلثت الرجلين أي صرت لهما ثالثاً. والثلث جزء من ثلاثة. والمثلث: شكل على ثلاثة أضلاع. والمثلوث: ما أخذ ثلثه. والثلاثاء: اليوم الثالث من الأحد. والثلاثي: ما نسب الى ثلاثة أشياء، وأصله الثلاثة من العدد. وأهل الرجل: زوجته. والمتأهل: المتزوج. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الاسلام: من تدين به. وأهل القرآن: من يقرأه، ويقوم بحقوقه. وأهلته لهذا الأمر أي جعلته أهلاً له. والأهليّ: خلاف البريّ. وقولهم مرحباً وأهلا أي اختصاصاً بالتحية، والتكرمة. المعنى: وقد بينا أن (أهل حاضري المسجد الحرام) من كان من بينه وبينها إثنا عشر ميلا من أربع جوانبها. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: إنهم أهل الحرم، فروي في أخبارنا أيضاً ذلك. وقال مكحول: وعطا: من بين مكة، والمواقيت. وقيل: هم أهل الحرم، ومن قرب منزله منها، كأهل عرفة، ذهب اليه الزهري ومالك. اللغة: وقوله تعالى: {واعلموا أن الله شديد العقاب} تقول: عقب الشيء يعقب بمعنى خلف بعد الأول. وأعقب إعقاباً، وتعقب الرأي تعقباً. {أية : والعاقبة للمتقين}تفسير : أي الآخرة. ونردّ على أعقابنا أي نعقب بالشر بعد الخير. والعقبة: ركوب أعقبه المشي. {أية : له معقبات}:تفسير : ملائكة الليل تخلف ملائكة النهار. وعقب الانسان: نسله، وعقبة، مؤخر قدمه. والعقبة: المصعد في الجبل. والعقب: الصعب. والعقاب: الطائر. واليعقوب: ذكر القبج. "ولا معقب لحكمه" أي لا رادّ لقضائه. وأصل الباب: العقب: الخلف بعد الأول.

الجنابذي

تفسير : {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} باتمام مناسكهما وترك المحرّمات فيهما، ونسب الى الباقر (ع) انّه قال تمام الحجّ لقاء الامام (ع)، وعن الصّادق (ع) اذا حجّ احدكم فليختم حجّه بزيارتنا لانّ ذلك من تمام الحجّ، وعلى هذا فيجوز ان يقال: معنى قوله: {وانفقوا فى سبيل الله} أنفقوا ممّا ينسب الى انانيّاتكم فى سبيل الحجّ الصورىّ والحجّ المعنوىّ واقتصدوا فى الانفاق حتّى لا تهلكوا انفسكم قبل استكمالها، وأتمّوا الحجّ الصورىّ بلقاء الامام بحسب الصّورة والحجّ المعنوىّ بلقائه المعنوىّ فيكون امراً بالفكر الّذى هو مصطلح الصّوفيّة وهو عبارة عن المجاهدة فى العبادة والاذكار القلبيّة واللّسانيّة حتّى يصفو النّفس من الكدورات فيتمثّل الامام على الجاهد {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} الحصر والاحصار الحبس والمنع لكنّه خصّص فى الحجّ بمن منعه غير العدوّ عن امضاء حجّه والصّدّ بمن منعه العدوّ واحكامهما موكولة الى الكتب الفقهيّة {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} اى فعليكم ما استيسر من الهدى {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} مرضاً يحوجه الى الحلق قبل وصول الهدى محلّه {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} يحتاج بسببه الى حلقه {فَفِدْيَةٌ} اى فعليه حلقه وفدية {مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} نسب الى الصّادق (ع) أنّه قال: اذا أحصر الرّجل بعث بهديه فان اذاه رأسه قبل ان ينحر هديه فانّه يذبح شاة فى المكان الّذى أحصر فيه او يصوم او يتصدّق والصّوم ثلاثة ايّام والصّدقة على ستّة مساكين نصف صاع لكلّ مسكين {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} اى اذا كنتم آمنين من الحصر والصّدّ {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ} تلذّذ بالمحلّلات فى العمرة بان احلّ من احرامها او بسبب احلال العمرة او بنفس العمرة تلذّذاً روحانيّاً فانّ العبادات ولا سيّما مناسك الحجّ الّتى هى صور مناسك بيت الله الحقيقىّ فيها لذّة روحانيّة لا تقاس باللّذات الجسمانيّة {إِلَى ٱلْحَجِّ} اى احرام الحجّ او منصرفاً الى الحجّ او مستمرّاً تمتّعه الى اتمام الحجّ {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} فعليه ما تيسّر له من دمٍ وأقلّه شاة يعنى انّ من احرم بحجّ التّمتّع بان يقدّم العمرة على الحجّ فاحرم من الميقات ودخل مكّة وطاف بالبيت وصلّى وسعى واحلّ ثمّ احرم بالحجّ من الحرم يجب عليه الهدى وهذا النّوع من الحجّ فرض النّائى عن مكّة وهو من كان بين منزله وبين مكّة اثنا عشر ميلاً او ثمانية واربعون ميلاً او ثمانية عشر ميلاً او ازيد من تلك المقادير على خلاف فى الاخبار والفتاوى {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الهدى ولا ثمنه {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} اى فعليه ان يصوم ثلاثة ايّام فى ايّام الحجّ والافضل ان يصوم قبل العاشر بثلاثة ايّام والمجوّز من اوّل العشرة فان لم يصم قبل فبعد أيّام التّشريق {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} الى اهاليكم لا من منى كما قيل {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} الاتيان بالفذلكة من عادة المحاسبين فجرى تعالى على عادتهم والتّوصيف بالكاملة امّا للاشارة الى انّها كاملة كمال الاضحيّة لئلاّ يتوهّم متوهّم انّ الصوم ينقص من الاضحيّة وهذا مروىّ عن الصّادق (ع) وعلى هذا فالتّعديل بالاضحيّة وجهٌ آخر للاتيان بالفذلكة وقيل: الاتيان بالفذلكة والتّأكيد بالكاملة لرفع توهّم كون الواو بمعنى او للاباحة او التّخيير {ذٰلِكَ} التّمتّع بالعمرة الى الحجّ لا الصّيام بدل الاضحيّة ولا الهدى {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قد مضى انّه فرض النّائى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} اى سخطه فى تغيير أحكامه ومخالفة أوامره ونواهيه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فى موضع النّكال والنقمة.

اطفيش

تفسير : {وأتمُّوا الحجَّ والعُمْرةَ للّهِ} أى: ائتوا بالحج والعمرة تامين بأركانهما وشروطهما، فهما معاً واجبان، لأن الله عز وجل أمر بالإتيان بهما تامين، والأمر للوجوب على الصحيح ما لم يصرفه دليل عن الوجوب، وقد قرأ بعضهم: وأقِيمُوا الحجَّ والعمرة، وهى قراءة أدل على الوجوب. وروى أن رجلا يسمى الضبى من معبد قال لعمر رضى الله عنه: إنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين على فأهللت بهما جميعاً فقال: هديت لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وفى رواية: وإنى أهللت بهما، رواه أبو داود والنسائى والترمذى، ووجه الدلالة على وجوبهما أنه ذكر الرجل وجوبهما لعمر ولم ينكر عليه، بل صوبه وقال: إنك مهتد فيما ذكرت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وإن قلت: لا دليل فيه على الوجوب، لأن الرجل فسر وجوبهما بقوله أهللت بهما فوجبت بالإهلال بها لا مطلقا، كما تجب صلاة النفل وصوم النفل بالدخول فيهما، قلت: قد قيل ذلك لكنه لا يصح لأنه رتب الإهلال على وجودهما مكتوبين، فالإهلال بهما غير كونهما مكتوبين، فلا يكون تفسيراً له، بل متسبباً عن كونهما مكتوبين، ويدل على التغاير ما فى رواية، وإنى أهللت بهما بالواو، ودل على الوجوب أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما هى حجة وعمرة، فمن قضاهما فقد قضى الفريضة أو قضى ما عيله، فما أصاب بعد ذلك فهو تطوع"تفسير : . وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتانى جبريل فى ثلاث بقين من ذى القعدة فقال: دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة"تفسير : رواه الطبرانى فى كبيره عن ابن عباس، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت"تفسير : رواه الديلمى عن جابر بن عبد الله والحاكم عن زيد بن ثابت، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العمرة من الحج بمنزلة الرأس من الجسد وبمنزلة الزكاة من الصيام"تفسير : رواه الديلمى عن ابن عباس. وذكره الشيخ هود رحمه الله موقوفاً عن مسروق بلفظ "حديث : العمرة من الحج كالزكاة من الصلاة"تفسير : واستدل صاحب الوضع رحمه الله أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة"تفسير : . ورواه النسائى والترمذى عن ابن مسعود لكنهما قالا:"حديث : ليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة"تفسير : . وزاد الترمذى:"حديث : وما مؤمن يصل يومه محرما إلا غابت الشمس بذنوبه"تفسير : . وقال حديث حسن صحيح. ووجه الاستدلال به أن الأمر على الصحيح للوجوب إذا جرد ولا يدل على التكرار وقد قام الدليل على أنهما لا يجبان أكثر من مرة فوجبت متابعة الحج الواجب أو العمرة بالآخر، أو أن المراد أن الحج ولو غير واجب لا يصح بلا عمرة، فهى شرط فى مطلق الحج، لكن يحتمل الحديث أن يكون فى العمرة والحج غير الواجب، وأن المتابعة ندب ويدل لهن الاحتمال رواية الدارقطنى فى الإفراد والطبرانى فى الأوسط عن جابر بن عبد الله: "حديث : أديموا الحج والعمرة فإنهما"تفسير : إلى قوله الحديث، والقول بوجوب العمرة قول أصحابنا وعلى وابن عباس، وابن عمر وجماعة من التابعين منهم الحسن وابن سيرين، وعطاء وطاووس، وسعيد بن جبير ومجاهد، وهو أصح قولى الشافعى، وبه قال أحمد، قال ابن عباس: العمرة واجبة كوجوب الحج، وقال: إنها لقرينتها فى كتاب الله: {وأتمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ للّهِ}. قال ابن عمر: الحج والعمرة فريضتان، وقال ليس أحد من خلق الله إلا وعليه حج وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا. وذكر داود بن حصين عن ابن عباس أنه قال: العمرة واجبة كوجوب الحج وهى الحج الأصغر، وذكره فى الوضع بمعناه بلا رواية. وعن مسروق أمرتم فى القرآن بإقامة أربع: الصلاة والزكاة والحج والعمرة إلى البيت، وانفقوا على وجوب الحج للقرآن والأحاديث لا تحصى منها حديث مسلم وصاحب الوضع واللفظ لمسلم عن أبى هريرة، قال حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس فرض عليكم الحج فحجوا". قال رجل: فى كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم لوجبت ولم استطعتم"تفسير : ولفظ صاحب الوضع، وعن أنسحديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ذات يوم ثم جلس فقال: "سلونى عما شئتم ولا يسألنى اليوم أحدكم عن شئ إلا أجبته" فقال الأقرع ابن حابس: يا رسول الله الحج علينا واجب فى كل عام؟ فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، فقال: "والذى نفس محمد بيده لو قلت نعم لوجب ولو وجب لم تفعلوا ولو لم تفعلوا لكفرتم ولكن إذا نهيتكم عن شئ فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم"تفسير : ومعنى لو قلت نعم لوجب لو قلت بالوحى نعم لوجب. قال ابن مسعود وجابر بن عبد الله وإبراهيم النخعى، والشعبى والشافعى فى مرجوح قوليه، ومالك وأبو حنيفة أن العمرة غير واجبة، واستدلوا برواية جابر بن عبد الله أنه قال: حديث : يا رسول الله العمرة، واجبة مثل الحج؟ قال: "لا ولكن أن تعتمر خير لك"تفسير : رواه أبو داود والترمذى، وهو فى الوضع أيضاً، برواية ابن عباس عند الطبرانى فى كبيره، وطلحة بن عبد الله عند ابن ماجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحج فريضة والعمرة تطوع"تفسير : ورواه الشيخ هود موقوفاً على ابن مسعود رحمهما الله، وبقراءة الشعبى وعلى فيما قيل، والشعبى والعمرة لله برفع العمرة على الابتداء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بنى الإسلام على خمس"تفسير : فذكر الحج ولم يذكر العمرة، وبقوله:{أية : ولله على الناس حج البيت}،تفسير : ولم يذكر العمرة، وأجابوا عن قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة} بأن الأمر بإتمام الشئ لا يستلزم وجوبه من أول مرة، بل وجوبه بعد الدخول فيه وهب أن الحج هو الواجب لكن لا مانع من عطف النفل على الواجب، كما تقول: صم رمضان وستة من شوال، تأمره بفرض وتطوع، وكذا الجواب عن قوله: {وأقيموا الحج والعمرة} فى قراءة، والصحيح وجوب العمرة لكثرة أدلة الوجوب، بل ضعفوا حديث جابر: حديث : سئل صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة؟ قال: "لا"تفسير : بأن فيه حجاج ابن أرطاه وزعموا أنه ليس ممن يقبل منه ما تفرد به لسوء حفظه وقلة مراعاته لما يحدث به، وكذا لا دليل على عدم الوجوب فى عدم ذكرها مع الحج فى قوله:{أية : وللّهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البيت}،تفسير : لأن عدم ذكرها معه فى آية واحدة لا يستلزم كونها واجبة، ولا فى حديث: "بني الإسلام" لأن مفهوم العدد لا يفيد الحصر على الصحيح، ولأن عدم بناء الإسلام على خمس لا يستلزم عدم الوجوب، وكم واجب لم يذكر فى الخمس، لأنه إنما قصد نوعاً عن الواجبات يذكر بناء الإسلام عليها لا استقصاء الواجبات ولا فى قراءة: والعمرةُ لله بالرفع، لأن كون الشئ لله لا يستلزم كونه نفلا، ولو استؤنف به عن أسلوب الواجب قبله، ولاحتمال أن المعنى والعمرة واجبة لله، غير أنه ذكروا أن قراءها قصدوا بها بيان أن العمرة غير واجبة سماعاً، منهم أو تلويحاً منهم، فتكون قراءتهم مبينة على قولهم. والله أعلم. ومعنى تمام الحج والعمرة: أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما قاله ابن عباس، وعنه إتمامهما قضاءاً مناسكهما بما فيهما من دماء، وعنه: "حديث : أتموا الحج إلى عرفة والعمرة إلى البيت والحج عرفة والعمرة الطواف"تفسير : . وعنه وعن على وابن مسعود إتمامهما من دويرة أهلك، وقال محمد: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل، يشير إلى أن أتمامها إن تفرد لكل واحد منهما سفراً كما هو قول، وقال الثورى سفيان: إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما لوجه الله لا لرياء ولا لتجر ولا لغير ذلك، ويؤيد ذلك قوله: لله، وقيل أن تكون النفقة حلالا، وينتهى عما نهى الله عنه، قال ابن زيد: إتمامهما ألا تفسخهما إذا دخلت فيهما وفى الوضع، وقال بعض: إتمامهما أن تخرج من بيتك لهما لا تزيد غيرهما لا تخرج لحاجة ولا لتجارة، فمن خرج لحج أو عمرة بنية قصد التجر فى الطريق أو فيهما أو بعد الفراغ منهما، فليس حجه وعمرته تامين، ولو أجزياه وإن عرض له بدون أن يقصده بخروجه فلا بأس لقوله تعالى:{أية : وابْتَغُوا فَضْلاً مِنْ ربِّكم}تفسير : وإن قصد شراء ما لا بد منه لحجه أو عمرته أو فيهما أو بعدهما مما لا بد منه لطريقه، فليس بتجر. والله أعلم. والإفراد عندى أفضل. وهو: أن يحرم بحج، وإذا فرغ منه أحرم بعمرة أو بعد ذلك فى عامه أو يحرم بعمرة قبل أشهر الحج، ويحرم منها قبل أشهره، ثم يحرم بحج فى عامه، وقيل لا تصح قبل أشهره إذا كانت واجبة وصحح، وإنما كان عندى أفضل لأنه بدليل أنه لا كفارة فيه، ولأن الأصل أن يؤدى كل فرض على حدة، بخلاف التمتع ففيه كفارة: وهى الهدى، فعلمنا أنه خلاف الأصل بدليل لزوم الهدى، وبخلاف القرآن، فإنه جمع فرضين: حج وعمرة، وصورة التمتع أن يحرم فى أشهر الحج بعمرة وإذا فرغ منها فمتى شاء أحرم بالحج فى هذه الأشهر والقران أن يحرم بهما معاً فى أشهره. وعن مالك والشافعى الإفراد أفضل، ثم التمتع ثم القران، وهكذا أقول فإن قرن عبادتين أضعف من فعل ما أبيح مع كفارة وهو التمتع، وروى مسلم عن عائشة رضى الله عنها حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحجتفسير : ، وروى مسلم عن ابن عمر: حديث : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفرداًتفسير : ، وفى رواية حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفرداًتفسير : ، وروى مسلم عن جابر قال: حديث : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخاًتفسير : ، وأخرج مالك فى الموطأ عن ابن عمر: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر فى غير أشهر الحج، وصح من رواية جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وعائشة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد فى حجة الوداعتفسير : وروايتهم راجحة لمزيتهم فى ذلك، فأما جابر بن عبد الله فأحسن الصحابة سياقة لرواية حجة الوداع، لأنه ذكرها من حين خرج النبى صلى الله عليه وسلم من المدينة.. إلخ، فهو أضبط لها من غيره، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع، وأنه سمعه يلبى يحج، وأما ابن عباس فحمله من العلم والفقه فى الدين معروف مع كثرة بحثه عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عائشة فقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف، واطلاعها على باطن أمره وظاهره مع كثرة فقهها وعلمها، وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى يفردون الحج أيضاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواظبوا على الإفراد، وروى الربيع ابن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن عائشة: أفرد رسول الله صلى الله عليهِ وسلم الحج، وقال سفيان الثورى، وأبو حنيفة: القران أفضل ويدل عليه ما روى عن أنس وأخرجه البخارى ومسلم: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعاًتفسير : ، وفى رواية:حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لبيك عمرة وحجاً"تفسير : ، وروى الشيخ هود عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لبيك بالعمرة والحج معاً"تفسير : ، وروى عن مجاهد: أهل الضبى بن معدى بالعمرة والحج، فمر على سليمان بن ربيعة وزيد بن صحوان وهو يلبى بهما فقال: هذا أقل عقلا فلما أقدم على عمر ذكر ذلك لهُ فقال: هديت لسنة نبيك. وذهب أحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، إلى أن التمتع أفضل، ويدل له ما روى عن ابن عباس: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان. فأول من نهى عنه معاوية، رواه الترمذى، وأخرج البخارى ومسلم عن ابن عمر: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق معه الهدى من ذى الحليفة، وبدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلّ بالعمرة ثم أهلَّ بالحج، وروى بالعكس تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى ومنهم من لم يهد، حديث : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن أهدى فليْطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، ومن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله"تفسير : وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شئ، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين. ثم سلم فانصرف فأتى الصفا وطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط، ثم لم يحلل من شئ حرم منه حتى قصى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض بالبيت طاف، وفعل غيره مثل ما فعل صلى الله عليه وسلم ممن معه هدى. وقال عمر بن حصين: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل فيها القرآن، وقيل لابن عباس إنهم يروون عنك أنك تقول: من طاف بالبيت فقد أحل، فقال: تلكم سنة نبيكم وإن رغمتم، ويأتى مثل هذا مبسوطاً عن عطا عن جابر بن عبد الله ذكره فى قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى}، وقد يجمع بين الروايات بأنه كان أولا مفرداً بالحج ثم أدخل عليه العمرة وأحرم بها فصارت قرانا، فمن علم بأول الأمر حكى الإفراد، ومن علم باجتماع الحج والعمرة حكى القران، ومن حكى التمتع أراد التمتع اللغوى وهو الانتفاع، فإن القارن منتفع بقرانه ولا سيما أنه روى أنه طاف لهما طوافاً واحداً، وسعى لهما سعيا واحداً أعنى أسبوعاً واحداً لا طوافين أو سعيين، وكذا من علم بأول الأمر فى رواية تقديم العمرة حكى التمتع الشرعى، ومن علم باجتماع الحج معها لأنه جمعه إليها بعد ذلك قبل الفراغ منها حكى القران، ومن سمع إحرامه بالحج ولم يسمع بما تقدمه من الإحرام بالعمرة حكى الإفراد، وأفاد مجموع ذلك جواز إدخال أحدهما على الآخر، ويمكن الجمع أيضاً بأنه فسخ العمرة إلى الحج أو العكس، فحكى كل ما حكى مما مر آنفاً، إذ لم يعلموا بأن ذلك فسخ، وفى صحيح الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن سعد بن أبى وقاص والضحاك بن قيس بلاغاً: أنهما اختلفا فى التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، وقال سعد: بئس ما قلت.. فقال الضحاك: إن عمر قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه، يعنيان إدخال الحج على العمرة، قال الربيع عن عبيدة: من أراد التمتع فعل. يعنى يفرغ من العمرة على حدة. من غير أن يدخل عليها حجا، ومن شاء ترك، وكل واسع يعنى ومن شاء ترك التمتع بأن يدخل الحج على العمرة كذا ظهر لى، ويجمع بأنه صلى الله عليه وسلم علم بعضاً الإفراد، وبعضاً القران، وبعضاً التعلم، فأضاف كل منهم ما علمه صلى الله عليه وسلم إليه صلى الله عليه وسلم كما هو عادة العرب، وغيرهم فى إضافة الفعل إلى الأمر به كما تقول: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى فلان، تريد أنه أمن بالكتابة إليهم وكتب غيره إليهم بإذنه، ورجم ماعزاً أو رجم امرأة، تريد أنه أمر برجمهما فرجما. {فَإنْ أُحْصِرتُم}: منعكم العدو عن الحج والعمرة بعد ما أحرمتم بهما أو عن أحدهما هذا عندنا، وعن مالك والشافعى لقوله تعالى:{أية : فإذا أمنتم}تفسير : فإنما يتبادر من الأمن: الأمن من العذاب، ولنزول ذلك فى قصة الحديبية لأنهم منعوا فيها بالعدو، ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، وهذا قول ابن عمر كابن عباس، وقول أنس ومالك والليث والشافعى وأحمد وجمهور أهل التأويل، وجمهور الناس، وهو قولنا لكن نقيس سائر المواضع على الإحصار بالعدو، روى أن كفار مكة صدوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه سنة ست عام الحديبية، ومنعوهم من الطواف بالبيت، فنزلت الآية، فحلوا من عمرهم ونحروا ما عندهم من هدى، وقضوا عمرهم من قابل، ولا يباح التحلل لمنع المرض وسائر الموانع غير العدو على قول هؤلاء، وعن مالك أن المحصر بالمرض لا يحله إلا البيت، ويقيم حتى يفيق، وإن أقام سنين، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية فى أوائل المحرم، وحل بعمرة ثم تكون عليهِ حجة قضاء، وفيها يكون الهدى، وكذا قال جماعة من العلماء وقال عطاء ومجاهد وقتادة وأبو حنيفة وابن عباس فى رواية عنه، والشيخ هود وكثير من العلماء: أبيح التحلل بالآية من كل مانع: عدوٍ أو مرضٍ، وذهاب نفقة وغير ذلك، ويدل لهُ ما روى عن عكرمة، حدثنى الحجاج بن عمرو: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : من كسر أو عرج فقد حل، وعليهِ حجة أخرىتفسير : ، قال عكرمة: فذكرت ذلك لأبى هريرة وابن عباس فقالا: صدق. أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى، وقال: حديث حسن. يقال: عرج بالفتح إذا أصابه شئ فى رجله فمشى مشى الأعرج، وعرج بالكسر صار أعرج، وأجيب عن هذا الحديث: بأنهُ محمول على من شرط التحلل بالمرض ونحوه حال الإحرام، فإن هذا الشرط جائز لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما:حديث : أن ضباعة بنت الزبير أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنى أريد الحج أفأشترط؟ قال: "نعم". قال: كيف أقول؟ قال: "قولى لبيك اللهم لبيك محلى من الأرض حيث تحبسنى"تفسير : . أخرجه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح. وروى البخارى ومسلمحديث : أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم: "حجى واشترطى وقولى اللهم حيث محلى حبستنى"تفسير : أى حلولى من الإحرام أو موضع حلولى بالحصر، فمن شرط ذلك فمنعه مانع تحلل ولا شئ عليهِ، وكذا قال الشافعى وأحمد وإسحاق، كما يشترط صائم النفل من الليل إن وقع كذا فى النهار أفطر، فإن وقع قبل الزوال فله الإفطار، ولا يجوز فى صوم الفرض ولا فى لازم الصوم، ولا فى القضاء، وإنما جاز فى الحج والعمرة الواجبتين، لأن لهما بدلا لتراخيهما، والقائل أن يقول: لفظ الآية عام فى كل إحصار: بالعدوِّ أو بغيره، والعبرة على الصحيح بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يضر نزولها فى الحصر بالعدو والحصر والإحصار مترادفان فى كل منع، قال الزجاج: يقال للرجل: من حصرك ومن أحصرك. قال ابن ميادة: شعر : وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول تفسير : وكذا قال الفراء الشيبانى، وقال ثعلب أحمد بن يحيى: أصل الحصر والإحصار: الحبس، وأحصر فى الحبس أقوى من حصر، وقيل: أحصر فى المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، وحصر فى المنع الباطن. وعن ابن قتيبة فى قوله: {فإن أحْصِرْتُمْ} هو أن يعرض الرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو، ويقال: أحصر، فإن حبس فى دار أو سجن قيل حصر، وعن الزجاج: أحصر عند أهل اللغة فى الخوف والمرض وحصر فى الحبس، وقال ابن السكيت: أحصره المرض وحصره العدو. {فَمَا اسْتَيسَر مِنَ الهَدْىِ} ما: مبتدأ والخبر محذوف، أى فعليكم ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدىِ، أو خبر لمحذوف، أى: فالواجب ما استيسر من الهدى، أو مفعول لمحذوف، أى فاهدوا ما استيسر، والهدى: بدنة أو بقرة أو شاة، ومعنى ما استيسر: ما سمحت به النفس من ذلك، ووجد. وقال ابن عباس: شاة لأنه أقرب إلى اليسر، وهو قول الجمهور، وإن أهدى بدنة أو بقرة فحسن، رواه مجاهد عن ابن عباس، وروى أيضاً عن ابن عباس وعروة: جمل دون جمل، أو بقرة دون بقرة، يعنيان أنه تكفى بدنة أو بقرة، ولو كانت دنية غير كريمة. وعن ابن عمر: المراد بالهدى هنا الإبل والبقر فقط. ومحل هدى المحصر: حيث أحصر، وإليه ذهب الشافعى، لأن النبى صلى الله عليه وسلم ذبح الهدى عام الحديبية، لأنه أحصر فيها مع أنها خارجة عن الحرم، وحلق فحل فقيل هى من الحرم فى طرف منه، وهذا مذهب الأكثر، وقال أبو حنيفة: يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم، ويواعد من يذبح هناك، ثم يحل فى ذلك الوقت، وهذا مثل ما ذكر الشيخ هود رحمه الله، وحيث قال: وكلما حبسه أقام محرماً وبعث بهدى، فإذا نحر من يوم النحر حل من كل شئ إلا النساء والطيب، فإن احتاج إلى شئ قبل أن ينحر الهدى الذى بعث به مما لا يفعله المحرم من دواء فيه طيب وحلق رأس أو لبس ثوب، لا يلبسه المحرم، أو شئ لا يصلح للمحرم فعليه فدية طعام أو صدقة أو نسك. انتهى. وقيل: إن ذلك إن كان محرماً بحج، وإن كان بعمرة ففى الحرم فى كل وقت، وليس التحلل لازماً للمحصر، بل إن شاء تحلل حين أحصر، وإن شاء بقى محرماً لعل المانع يزول فيقدر فى الكلام محذوف، أى فإن أحصرتم وتحللتم، أو فإن أحصرتم لما استيسر من الهدى إن تحللتم، أو فإن أحصرتم فإن تحللتم فما استيسر، ونحو ذلك مما مر فى تفسيره، والسين والتاء لتأكيد اليسر وزيادة الإجمال فيه، أى المواضع الثلاثة الهدِىّ بكسر الدال وتشديد الياء جمع هدية بالتشديد كمطية ومطى. {ولاَ تَحْلقُوا رءُوسَكُم حتَّى يَبْلُغَ الهدْىُ مَحِلَّه}: أى حتى يبلغ بعلمكم بخبر، أو بمشاهدة من بعيد، أو بمواعدة لوقت معلوم، أو بمضى يوم النحر الهدى موضعه الذى ينحر فيه يوم النحر وهو الحرم كله، أو منى وهذا قول أبى حنيفة والشيخ هود، وعلى مذهب الجمهور يكون محله هو موضعه الذى أحصر فيه أهله فى الحل أو الحرم، وفى أى وقت، ويفرق على المساكين فالمعنى لا تحلقوا رءوسكم قبل أن تبلغوا موضعاً تحصرون فيه مع هديكم حلا أو حراماً، والاقتصار على الهدى دليل على أنه لا يلزم القضاء، لكن من لم يؤد ما لزمه من حج أو عمرة فعليه إذا أطاقها بعد ذلك أو الوصية بها. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء، والصحيح أن محله الموضع الذى حصر فيه، وأنه يقضى من قابل. قال ابن عمر: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق رأسهتفسير : ، أخرجه البخارى وذلك قبل الحرم، وقبل يوم النحر، وقضى من قابل، وذكروا عن عطاء أنه قال: كل هدى دخل الحرم ثم عطب فقد بلغ محله إلا هدى المتعة، فإنه لا بد له يهرق دماً يوم النحر، وقيل الخطاب فى قوله: {ولا تحلقوا رءوسكم} للأمة كلها لا للمحصرين فقط. والله أعلم. وقد علمت أن المحل: اسم مكان ويجوز أن يكون اسم زمان، وقالوا قوله: {وَلاَ تَحلقُوا رءُوسَكُمْ حَتى يَبْلُغَ الهدْىُ محِلَّهُ}، ينفع من أوجاع الرأس - الصداع وغيره. {فَمْن كانَ مِنْكُم مَريضاً}: مرضاً يحوجه إلى الحق. {أوْ بِهِ}: أى فيه. {أذىً}: مضرة. {مِنْ رَأسِهِ}: كجرح أو قمل، وكذا غير رأسه مما يحوج إلى الحلق قياساً على الرأس، ولأن الرأس خص بالذكر لأنهُ سبب النزول فى كعب ابن عجرة، كما يأتى إن شاء الله، ومن رأسه بمعنى فى رأسه بدل بعض من قوله: {به} و {أذىً} مبتدأ خبره {به} والجملة اسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، على أن من موصولة، والفاء بعدها لشبه الشرطية، وإن جعلناها شرطية فيه خبر لكان محذوفة، وأذى اسم لمكان المحذوفة، أى: أو كان به أذى من رأسه، والجملة فعلية معطوفة على الفعلية قبلها، لأن الشرط فعلية والمعطوف على الشرط شرط إلا إن اغتفر فى الثانى هنا ما لم يغتفر فى الأول، فعطفت الجملة الإسمية على الفعلية الشرطية. {فَفِديةٌ}: أى فعليه فدية، أو فالجواب فدية، ويقدر محذوف آخر كما مر، أى وحلق ففدية، أو إن حلق ففدية، أو ففدية إن حلق أو نحو ذلك مما مر. {مِنْ صِيامٍ}: صيام ثلاثة أيام. {أوْ صَدَقَةٍ}: التصدق على ستة مساكين مُدَّان لكل مسكين. {أوْ نُسُكٍ}: تقرب إلى الله بأن يذبح للفقراء شاة، وهو مصدر، وقيل جمع نسكة، وقرأ الحسن بإسكان السين تخفيفاً، ومن لبيان الفدية أو للتخيير، خيره الله بين الثلاثة، حديث : روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لكعب بن عجرة: "لعلك أذاك هوامك؟" فقال: نعم يا رسول الله. قال: "احلق وصم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق على ستة مساكين أو انسك بشاة"تفسير : رواه البخارى ومسلم بلفظ أبسط، هكذا حديث : أتى علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدرى، والقمل يتناثر على وجهى، فقال: "أيؤذيك هَوام رأسك؟" قال قلت: نعم. قال: "فاحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك نسيكة"تفسير : لا أدرى بأى ذلك بدا. وفى رواية: فى نزلت هذه الآية: {فمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضاً أوْ بِهِ أذىً من رأسِهِ فَفِدْية مِن صيامٍ أوْ صَدَقة أو نُسُك} وذكر نحو ذلك، فى رواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وذكر ذلك فى رواية حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما كنت أرى أن الوجع بلغ منك ما أرى، وما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟" قال قلت: لا، قال: "صُم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع"تفسير : ، فنزلت فىَّ خاصة، وهى عامة، وظاهر هذه الرواية أن الأخيرة أن الشاة مقدمة، لا يحل الصوم أو الإطعام إلا إن لم يجدها، فإما أن يكون كذلك، ثم نسخ بالآية، وإما أن يكون الأمر بالشاة إرشاداً له إلى ما هو أفضل، لأن الشاة أشد، وهذه الرواية تبين أن الفرق فى الرواية الأخرى هو ثلاثة أصوع، وهو بتفتح الفاء والراء، وتبين أن أدنى ما يكفيه من النسك شاة، وإن نسك بقرة فحسن، وإن نسك بدنة فأفضل، وألحق بمن حلق لعذر من حلق لغير عذر، فانه أولى بالكفارة من قياس الأعلى على الأدنى، وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللباس والدهن لعذر أو لغيره، وكل هدى أو إطعام لزم المحرم فلمساكين الحرم، إلا هدى المحرم، فإنه يذبحه حيث أحصر عند الأكثر. وأما الصوم فإنه يصوم حيث شاء غير الثلاثة التى أمر الله أن تصام قبل الرجوع إلى الأهل، فقيل فى الحرم، وقيل أيضاً فى نسك المفتدى أنه يذبحه حيث شاء ويفرقه حيث شاء. وروى مجاهد قال: حدثنى عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن كعب بن عجرة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به عام الحديبية وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر له، فنكس رأسه فإذا الهوام تجول فى رأسه وتنثر على وجهه ولحيته، فقال: "أتؤذيك هو ام رأسك يا كعب؟" قال: نعم. فسكت النبى صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم فرقا بين ستة أو اهد شاة"تفسير : قال مجاهد: والفَرْق ثلاثة أصوع، صاع بين اثنين. وروى حديث : أن كعباً مر وقد قرح رأسه، فقال له صلى الله عليه وسلم: "كفى بهذا أذى" وأمره أن يحلق ويطعم أو ينسك أو يصوم . تفسير : {فَإذا أمِنْتُم}: زال عنكم الخوف من العدو، بأن ذهب أو لم يكن بعد أن كان الخوف منه، أو لم يكن هو ولا الخوف منه أصلا، فأمن هنا لازم. وكذا إن فسرنا الأمن بالوقوع فى حال الأمن والسعة، ويجوز أن يكون بمعنى فقدتم العدو، أو الإحصار وإذا فسرنا الإحصار بالمنع مطلقاً لا بخصوص منع العدو، وقدرنا الأمن من المنع مطلقاً كذلك على حد ما مر من بيان التعدى واللزوم، وعن ابن عباس أمنتم من العدو والمحصر، وقيل إذا برئتم من مرضكم. {فَمَنْ تَمتَّع}: انتفع بمحظورات الإحرام، وهذا ظاهر، وبه قال ابن القاسم صاحب مالك. {بالعُمْرَة}: أى بسببها، أى بسبب انتهائها أو الخروج منها. {إلى الحَجّ}: أى إلى إنشاء الحج، وذلك أن يحرم بعمرة فى أشهر الحج، ويحتمل منها ويفعل كلما حل لمن لم يكن محرماً، ويدوم على ذلك إلى وقت الإحرام بالحج، ويحتمل أن يكون المعنى فمن انتفع بالتقرب بعمرته إلى رضى الله وصوابه، قاصداً بعد الإحلال منها إلى التقرب إليه بالحج، وإلى على الاحتمام الأول متعلقة بتمتع، وعلى الثانى بحال محذوفة جوازاً كما رأيت، ويحتمل الإعرابين قول بعضهم: التمتع إسقاط أحد السفرين، لأن حق العمرة أن يقصد بسفر، وحق الحج وكذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هدياً قال ابن عباس: هو الرجل يقدم من أفق من الآفاق فى أشهر الحج، فقضى عمرته وقام بمكة حالا حتى إن شاء منها الحج فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعاً بالإحلال من العمرة إلى إحرامه بالحج، ومقتضى هذا أن معنى {أمنتم} لم يكن فيكم الخوف من العدو بعد الإحرام أصلا، وقال ابن الزبير: فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل، فقدم مكة فخرج من إحرامه بعمل عمرة فاستمتع بإحلاله ذلك من تلك العمرة إلى السنة المستقبلة، ثم حج فيكون متمتعاً بذلك الإحلال إلى إحرامه الثانى فى العام المقبل. وقيل معناه إذا أمنتم وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم تعتمروا فى تلك السنة، ثم اعتمرتم فى السنة القابلة فى أشهر الحج فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج، ثم أحرمتم بالحج، وقيل هو الرجل يمضى إلى البيت حاجا وجعل حجته عمرة بعد الأمن، ثم حج من قابل، والهدى فى ذلك كله لازم كما ذكر فى الآية بعد، وفى الأثر: "وإن رجع إلى بلده أو قام مكانه وأقام على إحرامه وكف عن النساء والطيب ثم حج فليس عليه هدى" ووقت نحر هديه يوم النحر إذا كان حاجا، وإذا كان معتمرا وقت الذى يبعث بالهدى معه يشترى يوم كذا وكذا، وينحر كذا وكذا، فإذا جاوز الوقت حل له كل شئ إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت، متى ما طاف فيقضى عمرته، ويستحب له أن ينتظر بعد اليوم الذى وقت أن ينحر فيه الهدى بيوم أو بيومين مخالفة ما يحدث. {فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدْىِ}: هو شاة أو ما فوقها من بدنة وبقرة، وقيل بدنة أو بقرة، وتقدم كلام فى ذلك، والذبح بعد الإحرام، والأفضل يوم النحر، وأجاز الشافعى قبلة بعدما أحرم بالحج لا قبل أن يحرم به، ومنع أبو حنيفة الذبح قبل يوم النحر، وكذلك اختلفوا فى الذبح من أجل الصيد والشجر، والصحيح جوازه قبل يوم النحر، والذى يظهر لى أنه لا يأكل منه ولا من ذبح التمتع ونحو ذلك من الدم اللازم، لأنه كفارة. وقال أبو حنيفة: يجوز الأكل من دم التمتع، ويراه نسكاً، ومرادى بالدم اللحم وبالأول قال الشافعى وجمهور الأمة على جواز العمرة لمن أقام بمكة، سواء كان من أهلها أو لم يكن فى أشهر الحج بلا دم يلزمه، وقال بعض: يلزمه وإن رجع المعتمر إلى بلده أو ما ساواه فى البعد فلا دم عليه، وقيل: لزمه الأول، قال مالك: ومن قدم الحج فلا دم عليه، وكذا من قرنهما أو أدخل أحدهما على الآخر، وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وفرغ منها قبلهن فلا دم، وإن لم يفرغ حتى دخلن لزم عند بعض ولم يلزمه عند بعض، وإن لم يفرع حتى دخلن وأدخل عليها الحج فلا دم، وإن أحرم بعمرة ولم يحرم فى تلك السنة فلا دم، ولو أحرم بها فى أشهر الحج، ومن أحرم بها فيهن وفرغ منها ثم مضى إلى ميقات بلده وأحرم منه بالحج فلا دم عليه، وقيل لزمه وذكروا عن عطاء، عن جابر بن عبد الله أنه قال: "حديث : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح أربع مضين من ذى الحجة مهلين بالحج، فلما طفنا بالبيت، وصلينا الركعتين، وسعينا بين الصفا والمروة قال:" قصروا" فقصرنا، ثم قال "أحلوا" فقلنا: مما ذا نحل يا رسول الله؟ قال: "حل لكم النساء والطيب". ثم قال فغشيت النساء وسطعت المجامر، وبلغه أن بعضهم يقول: ينطلق أحدنا إلى منى وذكره يقطر منياً فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى، ولو لم أشق الهدى لحللت، ألا فخذوا مناسككم"تفسير : ، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج من البطحاء فكان الهدى على من وجد، والصيام على من لم يجد، وأشرك بينهم فى الهدى البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وكان عطاء يقول: كان طوافهم طوافاً واحداً، وسعيهم سعياً واحدا، لحجتهم ولعمرتهم، وهذا فى القارن. {فَمَنْ لَم يَجِدْ}: هدياً لفقده ولفقد ثمنه. {فَصِيامُ ثَلاثةِ أيَّامٍ فى الحجِّ: أى فعليه صيام ثلاثة أيام، أو قالوا وجب صيام ثلاثة أيام، ويقدر مضاف أى فى أيام الحج، وهى الأيام التى هو فيها محرم بالحج قبل التحلل منه، وهى اشتغال به، أو يقدر هكذا فى وقت الحج، أى وقت التلبس به، فقد بان لك أن الحج مصدر ناب عن اسم الزمان، والمعنى فى ذلك واحد، وقال أبو حنيفة: يصوم بعد التحلل من العمرة وقيل الإحرام بالحج، وذلك فى أشهر الحج، فيقدر مضاف هكذا فى أشهر الحج وفى أيام الحج، أو فى وقت الحج، أو فى زمان الحج، أو نحو ذلك، والمراد الحين الذى يصبح أن يحرم في بالحج، وجمهور العلماء على أنه يصوم يوماً قبل التروية ويوم عرفة، وما ثبت من أنه يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج لا للحج، لئلا يضعف عن الوقوف والدعاء، إنما هو فى صومه نفلا لا فى صومه للتمتع مع اليومين قبله، وقد روى عن على ذلك أنه يصوم يوماً قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وهن سابع ذى الحجة وثامنة وتاسعة، فثبت أن العلماء من يختار صومه للتمتع، ولكن اختار بعض ألا يصومه المتمتع، وأن يصوم ثلاثة قبله متصلة به أو متصلة عنه لئلا يضعف عن الوقوف والدعاء، فإن كان لا يضعف عنها ندب قصده بالصوم، وإن لم يصم قبل يوم النحر فقيل يصوم التشريق، وهو قول مالك وأحمد والشافعى فى أحد قوليه، وقيل لا يصوم أيام التشريق، بل يصوم ثلاثة بعدهن، وهو رواية عن أحمد، وقول آخر عن الشافعى وهو أصح قوليه نسب لأكثر علماء الأمة: أنه لا يجوز صوم أيام التشريق والعيدين للتمتع ولا لغيره إلا قضاء رمضان، وما كان الصوم قبل، وعارضه يوم النحر فانه يصوم التشريق، فلو صام للتمتع مثلا قبل النحر يوماً أو يومين زاد الباقى بعده، وكره بعضهم الصوم فى أيام التشريق، ولا يصام يوم العيد وإن صيم لم ينعقد، وقيل ينعقد، فقيل: يجزى وقيل لا يجزى، وقيل: إذا لم يصم الثلاثة قبل النحر لم تجزه بعده، ولكن يلزمه الهدى ولا يجزيه الصوم بعد، واختار الشافعى الصوم قبل يوم عرفة، لأن الأجر فيه للجاح الإفطار. {وسَبْعةٍ إذا رجعتم}: إلى أوطانكم مكة وغيرها، هذا قول ابن عباس وبه قال الشافعى، فلو صام قبل الرجوع إلى وطنه لم يجزه عندى، فانما يصوم فى طريقه راجعاً، وإن صام بعد وصول وطنه فقضاء لا أداء، وإن صام بعضاً فى الطريق وبعضاً فى وطنه فما صام فى الطريق أداء، وما صام فى وطنه قضاء. وقيل: المعنى إذا رجعتم من عمل الحج، أى فرغتم منه، فإذا فرغ منه صام خارج مكة أو فى مكة أو فى الطريق، وهو قول أبى حنيفة وقول آخر للشافعى وهو قول عمر ومجاهد إذ قال: إذا رجعتم من منى، وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله جل وعلا، وإن المعنى إذا رجعتم إلى وطنكم ووصلتموه، وعن مجاهد إن شاء صامها فى الطريق يعنى، وإن شاء صامها قبل ذلك، ومن وصل وطنه ولم يصمها، أو صام ولم يفرغ من الصوم حتى وصله فقيل لزمه دم، وقيل: لا. وهذان القولان قول من قالوا يصوم فى الطريق، أو قالوا يصومه فيه أو قبله، ومن قال يصوم بعد الفراغ من الحج فقيل على الفور، فإن أخر يوماً وهو قادر فقد أساء، وقيل على التراخى ما لم يصل وطنه، وإن وصله فدم، وحيث لزمه دم بوصول وطنه على القولين بلزوم الدم، فقيل يقضيها وقيل لا قضاء، وإنما لزمه الدم، وإن صام بعد الثلاثة التى تصام قيل يوم النحر صام الباقى بعد يوم النحر متصلا، وصام السبعة، ولا يلزم اتصار الثلاثة بالسبعة إذا بقى بعض الثلاثة إلى ما بعد يوم النحر، ولزم تتابع الثلاثة فيما بينهما، إلا أن فصل مانع كعيد أو حيض أو نفاس، والسبعة فيما بينهم إلا لمانع، ومن أوجب صوم السبعة على الفور أوجب وصلها بالباقى من الثلاثة إلى ما بعد يوم النحر إلا لمانع، وإن لم يصم الثلاثة ولا بعضها قبل يوم النحر فلا يجزيه صومها، ويصوم السبعة بعد لزومه الهدى. أتى رجل عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوم النحر فقال: يا أمير المؤمنين إنى تمتعت ولم أجد الهدى ولم أصم. فقال: سل فى قومك، ثم قال: يا فلان أعطه شاة. ويفيدنا هذا أنه يجوز لمن عليه دين من ديون الله أن يسأل من يعطيه صدقة أو زكاة أو حقا من الحقوق ليؤدى ما لزمه، ودين الخلق أولى بذلك، ويجوز سؤال غير قومه، وإنما أمره بسؤال قومه، لأنهم أرأف به. وعن سعيد بن جبير: أنه يبيع ثيابه ويهرق دما. وقرأ ابن أبى عبلة: (وسبعة) بالنصب عطفاً على محل ثلاثة، لأن محله نصب على الظرفية لصيام، أو المفعولية له، ولكن أضيف إليه صيام إضافة المصدر لظرفه أو لمفعوله، فجر لفظه وتقديره نصب، ويجوز كونه مفعولا أو ظرفاً لمحذوف، أى وصوموا سبعة إذا رجعتم، والجمع فى رجعتم لمراعاة لمعنى من، والخطاب التفات من الغيبة، فإن من للغيبة ويجد مراعاة للفظها فى الإفراد وطبق لغيبتها. {تِلْكَ}: الأيام المذكورة والسبعة. {عَشَرةٌ كاملة}: فى العدد لم تزد ولم تنقص، فكاملة تأكيد لعشرة وجملة: تلك عشرة تأكيد للثلاثة والسبعة، قال الفرزدق: شعر : ثلاثة واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى سهام تفسير : ففى لك زيادة توصية بصيام الثلاثة والسبعة، وألا يتهاون بها ولا ينقص منها، ولا يزاد فيها على نية الوجوب معها، بل من شاء زيادة فلينو نفلا على حدة، والأولى أن يفصله، ومن عادة العرب التأكيد بالتكرير، كقوله الله الله لا تقصر فى فرائض الله، وقولك الله الله لا تتبع الهوى، وفى ذكر هذه الجملة دعاء إلى علم العدد جملة بعد علمه تفصلا، تقول العرب: علمان خير من علم وأكثر العرب لا تعرف الحساب، فضم لها الثلاثة والسبعة باسم واحد، وأيضاً فى الجملة نفى ما قد يتوهم من أن الواو فى قوله: {وسبعة} للتخيير من أن التمتع لزمه، وإما أن يصوم ثلاثة فى الحج، وإما سبعة إذا رجع، وهذا أولى من أن يقال نفى لما قد يتوهم من الإباحة، إذ لا يتوهم أن الواجب أحدهما، وأنه يجوز الجمع بينهما، على أن كلا واجب قال ابن هشام: تكون الواو بمعنى أو فى الإباحة، قاله الزمخشرى، وزعم أنه يقول: جالس الحسن وابن سيرين، أى أحدهما، وأنه لهذا قيل تلك عشرة كاملة لئلا يتوهم إرادة الإباحة، والمعروف من كلام النحويين، أنه لو قيل جالس الحسن وابن سيرين، كان أمراً بمجالسة كل منهما، وجعلوا ذلك فرقاً بين العطف بالواو والعطف بأو، وتكون الواو أيضاً بمعنى أو فى التخيير، قال أبو شامة: وزعم بعضهم أن الواو تأتى للتخيير مجازاً. انتهى كلام ابن هشام بتصرف وإسقاط، وقال: زعم ابن مالك أن أو التى للإباحة حالة محل الواو، وهو مردود، لأنه لو قيل جالس الحسن وابن سيرين كان المأمور به مجالستهما ولم يخرج المأمور عن العهد بمجالسة أحدهما، هذا هو المعروف من كلام النحويين، ولكن ذكر الزمخشرى عند الكلام على قوله تعالى: {عشرة كاملة} أن الواو تأتى للإباحة نحو جالس الحسن وابن سيرين، وإنما جاء بالفذلكة رفعاً لتوهم إرادة الإباحة فى: {فصيامُ ثلاثة أيّام فى الحجِّ وسبعةٍ إذا رجعتُم} وقلده فى ذلك صاحب الإيضاح البيانى، ولا تعرف هذه المقالة لنحوى: انتهى كلام ابن هشام. وأراد بصاحب الإيضاح البيانى الخطيب القزوينى احترازاً من صاحب الإيضاح النحوى وهو الفارسى، ورد قوله: ولم يخرج المأمور إلخ بأن الأمر للإباحة فلا عهدة فيه، وأجيب بأن المراد بقوله: كان المأمور به مجالستهما معاً أن الواو لمطلق الجمع للإباحة، والأمر كالإلزام مجالسة كل منهما، والفذلكة الإجمال بعد التفصيل، وهى تحث من قولك فذلك، وليست مختصة بأن يقال فذلك بل هى اسم لكل إجمال بعد تفصيل، بلفظ قولك فذلك أو فتلك أو تلك أو ذلك أو المجموع أو نحو ذلك، ولا يختص بالفاء ولكن سمى ذلك فذلكة لأن الغالب أن يقول فذلك، ورد الدمامينى قوله ولا تعرف هذه المقالة لنحوى، بأن الفارسى نص فى شرح كتاب سيبويه على أن الواو تأتى للإباحة، قال كرجل أنكر على ولده مجالسة أهل الريب والزيغ، فقا دع مجالسة هؤلاء وجالس الفقهاء والقراء وأهل الحديث، فذلك كله بمعنى. وقد رجع ابن هشام عن هذا فنص فى حواشى التسهيل على أن الواو تأتى للإباحة، وأنه لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين فللمخاطب أربعة أحوال: تركهما وفعلهما، وترك الأول دون الثانى، وعكسه. وأقول ولعل الواو تستعمل فى مقام الإباحة أو التخيير، وليست تفيد أحدهما، بل يفيدهما المقام، كأنه قال جالس هذا وإن شئت فجالس ذاك، كما أشار إليه ابن هشام فى التخيير عن محققى شراح الشاطبية، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {تلك عشرة} دفعا لما قد يتوهم أن قوله: {سبعة} كناية عن كثرة العدد، لأنها تستعمل بمعنى العدد الكثير كعشرة وأحد عشر وما فوق ذلك، وتستعمل بمعنى ما زاد على الستة بواحد، وفى هذا أيضاً زيادة محافظة عن تعيين العدد بحيث لا يزاد فيه ولا ينقص عنه، ويجوز أن تزاد تلك الاحتمالات كلها، ويجوز أن تكون تلك عشرة كاملة إخبار بمعنى الأمر، أى أكملوا عشرة، وقال الحسن: المعنى كاملة الثواب، ويجوز أن يكون المعنى كاملة البدلية الهدى تامة فى قيامها مقام الهدى من حيث الثواب، أو من حيث إنها كفارة مثله، فجئ به دفعاً لما يظن ظان أن الثلاثة قامت مقام الهدى وحدها، ويجوز أن يكون المعنى بيان كمال العشرة، لأنها أول عدد كامل إذ بها تنتهى الآحاد. {ذلِكَ}: المذكور من لزوم الهدى لمن وجده والصوم لمن لم يجده. {لمَن لَّمْ يَكُن أهْلُهُ حَاضِرى المسْجِدِ الحَرامِ}: أى ذلك حكم ثابت، أو ذلك ثابت لمن لم يكن أهله من أهل مكة وما يليها، وهم الحاضرون للمسجد الحرام، أى قريبون إليه، وحاضرى جمع مذكر سالم محذوف النون للإضافة، والياء لالتقاء الساكنين نطقاً، وثبتت فى الكتابة فى الإمام، والذى كان أهله حاضرى المسجد الحرام هو مَنْ وطنه قريب من المسجد الحرام، بأن كان فى مكة أو فى قريب منها، وعن عطاء قيل: ما لا تقصر فيه الصلاة، فهو من حاضرى المسجد الحرام، وما تقصر فيه فليس من حاضريه، فليزمه ما يلزم المتمتع، وقيل: من كان بينه وبين مكة ليلة فهو من حاضرى المسجد الحرام. وقال الشافعى: من لم يكن على مرحلتين من الحرم فهو من حاضريه لازم عليه ولا صيام، وإن تمتع، وقيل عنه: من كان على مسافة القصر فليس من حاضريه، وإن كان على أقل فمن حاضريه وقيل: من وراء الميقات فليس من حاضريه، ومن كان فى الميقات أو دونه فمن حاضريه، وهو قول أبى حنيفة، وقيل: من كان دونه فمن حاضر المسجد ومن كان فيه أو خلفه فليس من حاضريه. وقال مالك: من كان من أهل مكة فهو من حاضريه، ومن لم يكن منهم فليس من حاضريه، ولو كان وطنه فى الحرم. وقال ابن عباس ومجاهد وطاووس: من كان مسكنهُ داخل الحرم فهو من حاضريه، ومن كان وراءه فليس من حاضريه، وقال ابن جريج: من كان من أهل عرفة والرجيع أو صبحان أو نخلة فمن حاضريه، ومن كان وراء ذلك فليس من حاضريه، وقيل: من لزمته الجمعة فى مكة فمن حاضريه ومن لم تلزمه فليس منهم، قيل: الحاضرة فى هذا القول ضد البداوة، ولا يختص بهذا القول، بل يكون أيضاً فى قول التقصير، والمذهب عندنا أن حاضر المسجد الحرام من كان دون الفرسخين منه، أو من مكة، أو من كان داخل الحرم، أقوال ثلاثة فى المذهب، وقال أبو حنيفة: الإشارة فى قوله عز وجل: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام}، عائدة إلى التمتع، فيكون المعنى إن التمتع مباح لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام، وكان يقول التمتع والقران لغير حاضرى المسجد الحرام، يقول: إن تمتع أو أقرن حاضره لزمه دم جنابة، ويدل له ما ذكروا عن عطاء عن ابن عباس: يا أهل مكة ليس لكم متعة، فإن كنتم فاعلين لا محالة فاجعلوا بينكم وبين مكة وادياً، أى ليس لكم أن تحرموا بعمرة فى أشهر الحج وحدها، وتحلوا منها، وظاهره أن لهم القران، واختلفوا فى القارن من أول الأمر أو أدخل حجاً على عمرة، أو عكس من أهل مكة ومن سائر الآفاق أن يلزمه ما يلزم المتمتع الصحيح أنه لا يلزمه، وقيل: حاضر المسجد الحرام دون سائر أهل الآفاق. زعم بعض أن القارن ملحق بالمتمتع فى سنة، واختلفوا فيمن قام بمكة قبل أشهر الحج ولم يستوطنها، فقيل هو كمستوطنها، وقيل لا، ويدل على أن الإشارة للمتمتع كما هو مذهبنا، ومذهب الجمهور ما أخرجه البخارى فى صحيحه ومسلم فى غير صحيحه حديث : من حديث عكرمة يسأل ابن عباس عن متعة الحج فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى" فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فلبسنا الثياب، وقال: "من قلد الهدى فإنهُ لا يحل من شئ حتى يبلغ الهدى محله". ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا، وعلينا الهدىتفسير : كما قال الله تعالى: {فما استَيْسرَ منَ الهدْى فمن لم يجد فصيامُ ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم} إلى أمصاركم، والشاة تجزى، فجمعوا بين النسكين بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله فى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: {ذلك لمنْ لم يَكُن أهلُه حاضِرى المسجدِ الحرام} قال الحميدى: قال أبو مسعود الدمشقى: هذا حديث عزيز لم أجده إلا عند مسلم بن الحجاج، ولم يخرجه فى صحيحه من أجل عكرمة فإنه لم يرو عنه فى صحيحه، وعندى أن البخارى إنما أخذه من مسلم، قلت: حفظت أن مسلما هو الذى أخذ علم الحديث عن البخارى، فالأنسب أن مسلماً هو الذى أخذ هذا الحديث عنه البخارى. {واتَّقُوا الله}: فى كل ما أمر به أو نهى عنه، ولا سيما الحج، أى خافوه إجلالا، أو خافوا عقابه، وخوف عقاب. {واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ}: على من لم يمتثل أمره ولم ينته عما نهى لتصلوا بعلم ذلك إلى الامتثال والانتهاء.

اطفيش

تفسير : {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وائتوا بها تامين بشروطهما وأركانهما لا تقطعوهما ولا تكدروهما بشىء، والأمر للوجوب، فهما واجبان ذاتا وتماما، وإن قرىء برفع العمرة فالمعنى والعمرة لله على وجه الوجوب، والعمرة واجبة لله وبدل للوجوب أيضاً، وأتموا الحج والعمرة لله، والقائل بعدم وجوبها يقول الآية أمر بإتمامها بعد الدخول فيها، وكل نفل يحب إتمامه بعد الدخول فيه صحيحاً، فالحج واجب لقوله تعالى: "أية : ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ"تفسير : [آل عمران: 97]، كالصيام وجب بقوله تعالى، كتب عليكم الصيام، وأتموا الصيام إلى الليل، أمر بإتمامه، والعمرة نفل لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قيل له: حديث : العمرة واجبة يا رسول الله؟ قال: لا ولكن أن تعتمر خير لكتفسير : ، كما روى عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : الحج جهاد والعمرة تطوع"، تفسير : فالحديث بيان للآية لا نسخ، فضلا عن أن يقال الحديث لا ينسخ القرآن، فأقول نسخ هذا الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العمرة داخلة فى الحج إلى يوم القيامة"تفسير : ، ولا يضرنا احتمال أن وجوبها تبع لوجوب الحج، أو يصح بها الحج ولو نفلا، وقد قيل لعمر: وجدت الحج والعمرة مكتوبين علىَّ فأهللت بهما جميعاً، بالفاء فقال: هديت لسنة نبيك، فلم يقل له عمر لم تفرض العمرة، ولا يحتمل مع الفاء أن يقال وجبت عليه بالشروع، ورواية إسقاط الفاء تبينها رواية الفاء وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحج والعمرة واجبان لا يضرك بأيهما بدأت"تفسير : ، فيجمع بين الروايات بأنها غير واجبة استقلالا كما وجب الحج، وواجبة على مريد الحد أن يعتمر معه قبله أو بعده ولو كان الحج نفلا، ومن أحرم لحج نفل أو عمرة وأفسده أو أفسدها أتمه أو أتمها وأعاده أو أعادها، والحق أن الصحابى حجة، خلافا للشافعى، لقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : اقتدوا بأصحابى"تفسير : ، ولا يختص هذا بما رووه صريحا عنه صلى الله عليه وسلم ويقال، إتمام الحج أن تحرم به من دارك إن دخل شوال، وإتمام العمرة أن تحرم بها من دارك مطلقا، وإن دخل شوال جاز قرنهما، ويقال إتمامهما أن تفرد لكل منهما سفرا، ويقال أن لا تشوبهما بغرض دنيوى كتجر ونكاح، ويقال أن لا تكون النفقة حراما ولا شبهة {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أى حصرتم، فهو موافق للثلاثى، اى منعتم عن الإتمام بعدو أو مرض أو غيرهما كضياع نفقة، فيقدر فى قوله، فإذا أمنتم، عن الإتمام بعدو أو مرض أو غيرهما كضياع نفقة، فيقدر فى قوله، فإذا أمنتم، أو شفيتم أو زال المانع، أو يؤول أمنتم بزوال المانع مطلقا بل الأمن يكون من المرض كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الزكام أمان من الجذام"تفسير : ، ونزولها فى الحديبية لا ينافى عموم الحكم، فإن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم، لعموم اللفظ، وإلا فالآية فى العدو فقط لقوله {فإذا أمنتم} فيقاس عليه غيره، هذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم حديث : لا إحصار إلا من فرض أو عدو أو أمر حابستفسير : ، وهو عموم، قال عروة: كل شىء حبس المحرم فهو إحصار، وروى عن بعض الصحابة من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض بجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدى، وأهلَّ عمر بن سعيد بعمرة فلسع، فقال ابن مسعود: ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه يوم إمارة، فإذا كان ذلك فليحل، وخص مالك والشافعى الحكم بحصر العدو لقوله "فإذا أمنتم" وقول ابن عباس، لا حصر إلا حصر العدو، ويعترض بالحديث المرفوع قبل هذا، وليس ضعيفا، قيل لأنه روى من طرق مختلفة، وإن شرط الحاج محلى حيث حبست، فلا هدى عليه إن حبس بعدو أو غيره، لقوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب، حديث : حجى واشترطى وقولى محلى حيث حبستنى يا أللهتفسير : ، والأصل أنه لا يختص هذا بها بل هو لها، ولغيرها عند أحمد، وأحد قولى الشافعى، والحديث حجة لنا ولأبى حنيفة أن غير العدو كالعدو فى الآية، والعمرة كالحج {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ} فالواجب ما استيسر أو فعليكم ما استيسر، أى تيسر من شاة ثنية أو بقرة أو بعير، قال ابن عباس، وما عظم فهو أفضل، وعن ابن عمر الهدى بقرة أو جزور، ولا تكفى الشاة، والهدى بمعنى الهدى، وهو ما يسوق الحاج أو المعتمر هدية لأهل الحرم بموجب كما نا أو بلا موجب {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ} للنحل كمالا تحلقون لغيره إلا الضرر {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ} المستيسر المذكور {مَحِلُّهُ} هو موضع حلوله المعهود، وهو منى، أيام منى، أو الحرم مطلقا ولو قبل أيام منى، عندنا وعند أبى حنيفة، وبوقت لذبحه، فإذا كان الوقت الذى حد لرسوله احتاط وحلق، وعن ابن مسعود، لدغ رجل محرم بعمرة فأحصر، فقال: ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه يوم إمار، أى إمارة، وعن أبى حنيفة إن كان حاجا فبالحرم متى شاء، ويجعل يوم إمار، وعند أبى يوسف ومحمد فى أيام النحو وإن كان معتمرا فبالحرم فى كل وقت عنده وعندهما، وقال الشافعى ينحر حيث أحصر، ولو فى الحل، فمحله عنده موضع حلول المحصر، ويتقوى مذهبنا بقوله حتى يبلغ، وعلى المحصر الحج أو العمرة أو كلاهما من قابل، كما تقضى الصلاة والصوم، وكما اعتمر صلى الله عليه وسلم من قابل، وهكذا شأن النفل إذا دخل فيه صحيحاً وقطع أعيد كما يوفى بالنذر والوعد بل زاد بالدخول، واحتج الشافعى فى عدم وجوب القضاء بأَن الله لم يذكر القضاء، قلت: يلزم عليه أن لا يلزم قضاء ما وجب من حج أو عمرة إذا أحرم به وأحصر عنه ولا قابلا بذلك، وإنما لم يذكر لأن المقام لشأن الإحصار لا لبيان كل ما يجب عليه، ووجه اللزوم أن الآية فى الإحصار مطلقا لا فى الإحصار عن النفل، خاصة، واحتج الشافعى فى أن النحر حيث حل بالحبس أن النبى صلى الله عليه وسلم نحر حين حبس فى الحديبية، وهى من الحل، كما قال مالك، فأجيب بأنها من الحرم، كما قال الزهرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أن الحديبية من الحرمتفسير : ، فقال لذلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه بالحرم، وبه قال أبو حنيفة وصحح أرباب الحديث أنها من الحل، ويجمع بأنها فى طرف الحرم كما قال الواقدى على تسعة أميال من مكة {فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً} مرضا يحوجه إلى الحلق، وأما المرض الذى لا يحوجه إلى الحلق فكلا مرض بالنسبة إلى الحلق ولو اشتد، ومعنى الفاء التفريع على ما قبلها، فإنه يلزم مه منع الحلق حتى يبلغ الهدى أنه لا بده من كفارة على الحالق ولو لعذر {أَوْ بِهِ أَذًى} جملة معطوفة على مريضا، وساغ لأن مريضا خبر كان، أو يقدر أو ثابتاً به أذى، عطفا لثابتا على مريضا، فأذى فاعل ثابتاً أو فاعل به، وأما أن تعطف الاسمية على كان الخ فلا إلا إن جعلنا من موصولة جعلت فى خبرها الفاء لعمومها كالشرطية لا شرطية لأن الأداة الشرطية لا تليها الاسمية، خلافا للأخفش والكوفيين، ودعوى أنه يغتفر فى الثنوانى، كالعطف هنا، ما لا يغتفر فى الأوائل لا تتم لأنه أتاه الوجه منه، وذلك لجراحة وقمل {فَفِدْيَةٌ} فعليه فدية، وهذا التقدير مطرد، وإنما جاز أن يقدر، فالواجب فدية، لأن النهى عن الحلق بشير إلى واجب على الحالق، فبينه بقوله الواجب فدية {مِّنْ صِيَامٍ} أى هى صيام ثلاثة أيام {أَوْ صَدَقَةٍ} اثنى عشر مدًّا من غالب قوت مكة على ستة مساكين من أهلها {أَوْ نُسُكٍ} يفرقه لأهل مكة الفقراء، ذبح شاة ثنية فإن شاء فبقرة أو بعير كذلك إن حلق، أو يقدر، فمن كان منكم مريضاً وحلق، وكل فعل مناف للإحرام ففيه ذلك إذا فعل لأذى كلبس المخيط والتطيب، وإن فعل لغير أذى فشاة، وقال الشافعى كحكم الآية، والحلق كناية عن التحلل، فإن معنى لا تحلقوا رءوسكم، لا تحللوا، والآية على التخيير، قال عبدالله بن مغفل قعدت إلى كعب بن عجرة فى هذا المسجد، يعنى مسجد الكوفة، فسألته عن قوله تعالى: {ففدية من صيام} الآية فقال: حديث : حملت إلى النبى صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهى، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال عليه السلام: فصم ثلاثة أيام، أو اطعم ستة مساكين واحلق رأسك، فنزلت فىَّ خاصة ولكم عامةتفسير : ، وتقديم الشاة بوجدانها استحباب منه صلى الله عليه وسلم لا ترتيب، وأجاز بعضهم الإطعام فى غير مكة، وأما الذبح ففى مكة خاصة، وفى رواية احلق وصم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق أو انسك بشاة والفرق اثنا عشر مدًّا، ثلاثة أصوع، والصاع ثمانية أرطال بالعراقى؛ وقال أبو يوسف خمسة أرطال وثلث، وهو قول الشافعى، لقوله صلى الله عليه وسلم حديث : صاعنا أصغر الصيعان تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم حديث : كان يتوضأ بالمد رطلين؛ ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال تفسير : وكذا كان صاع عمر رضى الله عنه؛ وهو أصغر من الهاشمى، وكانوا يستعملون الهاشمى، {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} الخ عطف على قوله أحصرتم الخ، أى إذا أمنتم من العدو وبأن ذهب هذا العدو وظننتم أنه كان وأمنتم من المرض ونحوه ولا إحصار فى ذلك ولا حكم إحصار أى أمنتم الإحصار وسائر الموانع أو كنتم فى الأمن من ذلك {فَمَنْ تَمَتَّعَ} انتفع {بِالْعُمْرَةِ} بسبب الاقتصاد على العمرة والتحلل منها بالطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس والجماع وصيد الحل وقطع التفث والزينة والطواف بالبيت كلما شاء، سواء أحرم بها وحده أو مع الحج، ثم فسخه، أو بالحج، ثم فسخه إلى العمرة وذلك كله فى أشهر الحج، وقيل بإتمامها فى أشهره مع أنه لم يعد إلى الميقات للإحرام بالحج، ولا إلى أهله أو مثل أهله فى العبد ولم يكن من أهل الحرم، وأنه حج من عابه وبالتقرب إلى الله بعقد الحد فى عامه فى ذلك العام {إِلَى الْحَجِّ} مستمراً بتمتعه إلى الحج ومنتهياً تمتعه أو تحلله إلى أن أحرم بالحد ولو بلحظة وذلك أن الدم يلزم بالحل منها {فَمَا اسْتَيْسَرَ} فالواجب أو فعليه ما استيسر {مِنَ الْهَدْىِ} شاة ثنية أو بقرة أو بعير كذلك يتصدق به فى الحرم مطلقا بعد الإحرام بالعمرة والإحلال منها لا قبل الإحلال، وقيل بعده وبعد الإحرام بالحج، والأولى أن يكون يوم النحر أو أيام التشريق {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} هديا أو ثمنه أو كليهما {فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ} فى حال الإحرام بالحج، فيجب أن يحرم قبل السابع من ذى الحجة لكراهة صوم يوم عرفة، لئلا يضعف عن القيام والدعاء، وإن كان لا يضعف لم يكره، ولا تؤخر هى أو بعضها لما بعد يوم النحر، ولا يجوز صوم يوم النحر وأجيز صومها فى عشرة ذى الحجة ولو قبل الإحرام بالحج فتؤخر رجاء وجودى الهدى إلى أن تبقى ثلاثة قبل يوم النحر، والواضح أنه لا يصومها إلا وهو محرم بالحج فى العشرة أو قبلها والراجح فى العشرة، وعند الشافعى، كل حق ما لى تعلق بسببين يجوز تقدمه على ثانيهما فجاز، ولو عندهم تقديم الذبح للمتمتع على الإحرام بالحج، ورجحوا إيقاعه بعد الإحرام، والسببان العمرة فى أشهر الحج والإحرام بالحج بعد التحلل منها بخلال صوم التمتع فلا يجوز عندهم تقديمه على الإحرام بالحج. لأنه عبادة بدنية لا مالية، فلا يجوز تقديمها على ثانى سببها، وزعموا عن الشافعى أنه يجوز صومها أيضا فى أيام التشريق فى قوله له ضعيف عنه، إذ ربما تم حجه قبل كمال ثلاثة أيام التشريق، والله يقول فى الحج، وعن ابن عمر أنه رخص صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذ لم يجد هديا ولم يصم حتى فاته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها، وعن الزهرى أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن حذافة فنادى فى أيام التشريق، إن هذه أيام أكل وشرب، وذكر الله عز وجل إلا من كان عليه صوم من هدى، وعن عائشة أنه لم يرخص صلى الله عليه وسلم فى أيام التشريق أن يضمن إلا لمتمتع لم يجد هديا، وقال الحنفية: إذا جاء يوم النحر لم يجز إلا الذبح، ومذهبنا ترجيح تأخير ذبح هدى المتعة إلى يوم النحر، والمشهور عند أبى حنيفة أنه بين الإحلال من العمرة والإحرام بالحج، وأجازه بعد الإحرام به، وقال الشافعى يذبح بعد الإحرام بالحج، وعن أبى حنيفة أنه يذبح يوم النحر فقط ويذبح فى الحرم فقط، وأنه نسك يأكل منه هو والغنى والفقير، لأنه وجب لشكر الجمع بين النسكين، فكان كالأضحية فى التقرب بها إلى الله، وكذا قال كثير من أصحابنا يأكل منه، وقال الشافعى، دم جبر خلل إحرامه بالعمرة فى أشهر الحج إذ لم يحرم به ولا بهما معا فهو جار مجرى الجنايات فلا يأكل منه، واعترض بأنه كيف يكون جبر الخلل مع أن الله أباح التمتع، فيجاب بأن الله أفهمنا من الكفارة أنه خلاف الأصل وأنه خلل {وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعْتُمْ} فرغتم من أعمال الحج، رمى الجمار، وطواف الزيارة، والسعى، ويكره صوم أيام التشريق، سمى الفراغ رجوعا للأهل أو لغيره لأنه سبب، أو سمى القصد إلى غير الحج رجوعا، فإنه كان فى غيره من الإحلال، أو من كونه غير محرم أصلا، فقد رجع إلى حال كان فيها قبل، وهى كونه غير محرم ولا ملتبس بأَفعال الحج، وذلك مذهبنا ومذهب أبى حنيفة فى مكة إلا أنا نجيز صومها أيضا فى الطريق راجعا ولو وصل أهله قبل تمامها، وقال الشافعى: إذا وصلتم أهلكم، وله قول كقولنا وقول أبى حنيفة، وعن ابن عباس، إذا بلغتم أمصاركم، وحكم ناوى الإقامة بمكة حكم واصل أهله، واستظهر بعض أن الرجوع ظاهر فى هذا المعنى، وقال مالك: يجوز صيامها فى أيام التشريق، يزعم أن فيه حديثا، وقيل معنى الآية صومها فى الطريق حال الرجوع، وفيه أن الله عز وجل لم يوجب صوم رمضان فى السفر فكيف هذه الأيام {تِلْكَ} الثلاثة والسبعة أى تلك الجملة {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} هذه فذلكة، وهو إجمال الحساب بعد تفرقه، كقولك بعد تفرقه، فذلك كذا وكذا سواء قلت بعد تفرقة، ذلك كذا أو تلك كذا أو هؤلاء كذا وهذه كذا أم ذكرت المفرق مثل أن يجتمع عندك ألف وخمسمائة وستمائة تذكرها، ثم تقول فالجملة ألفان ومائة وهى مركبة من فاء التفريع وذا الإشارية مع حذف ألفها وإسكان ذالها، ولام البعد، وفتحها، وكاف الخطاب، وتاء التأنيث، وفى هذه الفذلكة فوائد، دفع ما ربما يتوهم من أن الواو بمعنى أو، فصرحت الفذلكة بعدم ذلك، فإنها قد ترد بمعنى أو، نحو جالس الحسن وابن سيرين بالواو وتريد جالس هذا أو هذا، بأو وأنت تريد بأو أيضا جواز الجمع، ووجه الواو أنه لا يمنع عندك أحدهما لا أنه لا بد منهما جميعا، قال السيرافى فى شرح سيبويه، والصواب أن الواو كاف فى الإباحة، لأن الإباحة إنما استفيدت من الأمر، والواو جمعت بين الشيئين فى الإباحة، ومن ذلك قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع، فالواو بمعنى أو فى بعض التأويل، الثانية الإعلام بأن المراد بالسبعة حقيقتها لا كثرة العدد، فإنها قد تطلق للكثرة كما تطلق السبعون، والفائدتان احتراص، الثالثة الإعلام بالعدد إجمالا كما أعلم به تفصيلا، كما يقول العرب، علمان خير من علم، وهذه الفائدة تتميم، فإن أكثر العرب لا تحسن الحساب، قال رجل لانبه فى سفر: يا بنى استبحث لنا عن الطريق فقال إنى عالم، فقال يا بنى علمان خير من علم، الرابعة أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالا من المبدل منه، فأخبرنا الله عز وجل أن هذا ليس كذلك فتطمئن نفس الصائم عن الهدى، فإن معنى كاملة أنها كاملة فى البدلية عن الهدى قائمة مقامه، وأنها كاملة فى أن ثوابها كثواب الهدى وكاملة فى المتمتع الصائم لها كالحج بلا تمنع، وأيضا كاملة صفة تفيد المبالغة فى محافظة الصائمين على العدد، كأنه قيل فصوموها غير ناقصة، وتفيد أن العشرة عدد كامل بمعنى انتهاء الأعداد إليه، وكل عدد بعده مركب منه ومما قبله، وإذا عددنا التوكيد فائدة فهو خامسة كقوله تعالى ولا طائر يطير بجناحيه وتعد ما مر من أن العرب ليسوا أهل حساب فذلك لهم، فهذه فائدة سادسة، السابعة دفع توهم وجود مخصوص يخص عموم الثلاثة، والثامنة دفع تصحيف سبعة بتسعة فى الكتابة التاسعة ما قيل دفع توهم أنه تتم السبعة بالثلاثة السابقة، ثلاثة فى الحج وأربعة إذا رجع، العاشرة أن الجملة الاسمية توجب بالتكميل كما قال، وأتموا الحج والعمرة، أى أجبروه إجبارا تاما، وذلك توكيد للأمر كأنه امتثل فهو بخير عنه الحادية عشرة أن الصوم طاعة كاملة كما قال الله الصوم لى، والعشرة عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإن الواحد مبدأ العدد ولا عدد فيه إذ لا تكرير فيه، والاثنان أول العدد فإنه أول تكرير، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول مجذور، والخمسة أول عدد دائر، فلا يمكن تدوير المجلس قبله، والستة أول عدد تام أى تستفر عنه أجزاؤه، والسبعة عدد أول تام فيه أنواع العدد كما يأتى إن شاء الله تعالى، والثمانية أول عدد زوج الزوج والتسعة أول عدد لثلاثة ثلاث يستفرغه، والعشرة ينتهى إليها العدد ولكل عدد بعدها مركب منها ومما قبلها، ويقال أيضا السبعة عدد تام لاشتماله على أنواع العدد، وهى أن العدد إما زوج وإما فرد، وإما مركب من زوج، وإما مركب من فرد وإما مركب من زوج وفرد، فالاثنان مركب من فردين، والواحد فرد والثلاثة من زوج وفرد، والأربعة من زوجين، والستة من فردين، وهما ثلاثة وثلاثة أو من زوجين أربعة واثنين {ذَلِكَ} الحكم من لزوم الهدى أو بدله وهذا الصيام أو ذلك التمتع، ويضعفه أنه قال {لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ} كناية عن السكنى، ولو لم يكن له أهل {حَاضِرَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ولم يقل على من لم يكن، وتأويل اللام بعلى خلاف الأصل، وحاضرو المسجد الحرام عندنا من سكن فى الحرام ولو لم يستوطنه، ومن فى داخل الميقات عند أبى حنيفة، ومن فى مكة عند مالك، ومن بينه وبين الحرام أقل من مسافة القصر عند الشافعى على مذهبه فى مسافة القصر، والقارن لزمه ما لزم المتمتع، قرن من أول، أو أدخل الحج على العمرة، أو العمرة على الحج، ووجه ذلك فى العمرة أو فى إدخال الحج عليها، أن الأفقى يجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات لا عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فحصل التحلل فجبر بالدم، والحرمى مثلا يجب إحرامه من الميقات فلا خلل فى تمتعه هدى ولا صوم عليه، لأن إحرامه من محله حق {وَاتَّقُواْ اللهَ} بالمحافظة على أوامر الحج والعمرة بالامتثال ونواهيها بالاجتناب وعلى سائر الأوامر والنواهى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فى ترك واجب حج أو عمرة أو غيرهما، وفى فعل محرم فيهما أو غيرهما، والعلم بذلك يمنعكم عن المقارنة، وأظهر لفظ الجلالة لتربية المهابة.

الالوسي

تفسير : {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} أي اجعلوهما تامين إذا تصديتم لأدائهما لوجه الله تعالى فلا دلالة في الآية على أكثر من وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما وهو متفق عليه بين الحنفية والشافعية رضي الله تعالى عنهم، فإن إفساد الحج والعمرة مطلقاً يوجب المضيّ في بقية الأفعال والقضاء، ولا تدل على وجوب الأصل، والقول بالدلالة بناءاً على أن الأمر ـ بالإتمام ـ مطلقاً يستلزم الأمر/ بالأداء لما تقرر من أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ـ ليس بشيء ـ لأن الأمر بالإتمام يقتضي سابقية الشروع فيكون الأمر بالإتمام مقيداً بالشروع، وادعاء أن المعنى ائتوا بهما حال كونهما تامين مستجمعي الشرائط والأركان، وهذا يدل على وجوبهما لأن الأمر ظاهر فيه، ويؤيده قراءة (وأقيموا الحج والعمرة) ليس بسديد. أما أولاً: فلأنه خلاف الظاهر وبتقدير قبوله في مقام الاستدلال يمكن أن يجعل الوجوب المستفاد من الأمر فيه متوجهاً إلى القيد ـ أعني تامين ـ لا إلى أصل الإتيان كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بيعوا سواء بسواء»تفسير : وأما ثانياً: فلأن الأمر في القراءة محمول على المعنى المجازي المشترك بين الواجب والمندوب ـ أعني طلب الفعل ـ والقرينة على ذلك الأحاديث الدالة على استحباب العمرة، فقد أخرج الشافعي في «الأم» وعبد الرزاق وابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الحج جهاد والعمرة تطوع»تفسير : وأخرج الترمذي وصححه ـ عن جابر ـ أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: «حديث : لا، وأن تعتمروا خير لكم»تفسير : ويؤيد ذلك أن ابن مسعود صاحب هذه القراءة قال فيما أخرجه عند ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد: «حديث : الحج فريضة والعمرة تطوع»تفسير : وأخرج ابن أبـي داود في «المصاحف» ـ عنه أيضاً ـ أنه كان يقرأ ذلك ثم يقول: والله لولا التحرج أني لم أسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لقلت: إن العمرة واجبة مثل الحج، وهذا يدل على أنه رضي الله تعالى عنه لم يجعل الأمر بالنسبة إليها للوجوب لأنه لم يسمع شيئاً فيه ـ ولعله سمع ما يخالفه ـ ولهذا جزم في الرواية الأولى عنه بفرضية الحج واستحباب العمرة، وكأنه لذلك حمل الأمر في قراءته على القدر المشترك الذي قلناه لا غير بناءاً على امتناع استعمال المشترك في معنييه؛ وعدم جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز والميل إلى عدم تقدير فعل موافق للمذكور يراد به الندب، نعم لا يعد ما ذكر صارفاً إلا إذا ثبت كونه قبل الآية، أما إذا ثبت كونه بعدها فلا لأنه يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد لما أن الأمر ظاهر في الوجوب، وليس مجملاً في معانيه على الصحيح حتى يحمل الخبر على تأخير البيان ـ على ما وهم ـ والقول ـ بأن أحاديث الندب سابقة ولا تصرف الأمر عن ظاهره بل يكون ذلك ناسخاً لها ـ سهو ظاهر لأن الأحاديث نص في الاستحباب، والقرآن ظاهر في الوجوب فكيف يكون الظاهر ناسخاً للنص، والحال أن النص مقدم على الظاهر عن التعارض. ثم إن هذا الذي ذكرناه ـ وإن لم يكن مبطلاً لأصل التأييد إلا أنه يضعفه جداً، وادعى بعضهم أن الأحاديث الدالة على استحباب العمرة معارضة بما يدل على وجوبها منها، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت»تفسير : وأخرج أبو داود، والنسائي أن رجلاً قال لعمر: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال: هديت لسنة نبيك، فإن هذا يدل على أن الإهلال بهما طريقة النبـي صلى الله عليه وسلم لأن الاستدلال بما حكاه الصحابـي من سنته عليه الصلاة والسلام يكون استدلالاً بالحديث الفعلي الذي رواه الصحابـي، والقول بأن ـ أهللت بهما ـ جملة مفسرة لقوله وجدت فيجوز أن يكون الوجوب بسبب الإهلال بهما فلا يدل الحديث على الوجوب ابتداءاً ليس بشيء لأن الجملة مستأنفة كأنه قيل: فما فعلت؟ فقال: أهللت فيدل على أن الوجدان سبب الاهلال دون العكس لأن مقصود السائل السؤال عن صحة إهلاله بهما فكيف يقول وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما فإنه إنما يصح على تقدير علمه بصحة إهلاله بهما، وجواب عمر رضي الله تعالى عنه بمعزل عن وجوب الإتمام لأن كون الشروع/ في الشيء موجباً لإتمامه، لا يقال فيه إنه طريقة النبـي صلى الله عليه وسلم بل يقال في أداء المناسك والعبادات، ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات ـ فأهللت ـ بالفاء الدالة على الترتب، وما ذكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه معارض بما روي عنه من القول بالوجوب وبذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه وكان يقرأ: (وأقيموا) أيضاً كما رواه عنه ابن جرير وغيره، وكذا ابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم انتهى، والإنصاف تسليم تعارض الأخبار، وقد أخذ كل من الأئمة بما صح عنده والمسألة من الفروع، والاختلاف في أمثالها رحمة وإن الحق أن الآية لا تصلح دليلاً للشافعية ومن وافقهم كالإمامية علينا، وليس فيها عند التحقيق أكثر من بيان وجوب إتمام أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشاد الناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم من العوارض المخلة بذلك من الإحصار ونحوه من غير تعرض لحالهما من الوجوب وعدمه، ووجوب الحج مستفاد من قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } تفسير : [آل عمران: 97] ومن ادعى من المخالفين أنها دليل له فقد ركب شططاً وقال غلطاً كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه: إتمام الحج والعمرة لله أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ومثله عن أبـي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبـي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر وأن يعتمر في غير أشهر الحج؛ وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً، وقيل: أن تحدث لكل منهما سفراً، وقيل: أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ونحوها، وقرىء (إلى البيت)، و(للبيت) والأول: مروي عن ابن مسعود، والثاني: عن عليّ كرم الله تعالى وجهه. {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} مقابل لمحذوف أي هذا إن قدرتم على إتمامهما والإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى المنع مطلقاً، وليس الحصر مختصاً بما يكون من العدو، والإحصار بما يكون من المرض، والخوف ـ كما توهم الزجاج ـ من كثرة استعمالهما كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال: حصره العدو وأحصره كصده وأصده فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكراراً ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازاً وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ} فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا حصر إلا حصر العدو فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بمواقع التنزيل. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما، فقد أخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث الحجاج بن عمرو «حديث : من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل»تفسير : وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن زيد قال: «حديث : أهلّ رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع في الطريق إذ طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال: ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل»تفسير : وأخرج ابن أبـي شيبة عن عطاء لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس، وروى البخاري مثله عنه، وقال عروة: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار، وما استدل به الخصم مجاب عنه، أما الأول: فستعلم ما فيه، وأما الثاني: فإنه لا عبرة بخصوص السبب، والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام استقلالاً، والقول بأن ـ أحصرتم ـ ليس عاماً إذ الفعل المثبت لا عموم له فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء لأنه إن لم يكن عاماً لكنه مطلق فيجري على إطلاقه. وأما الثالث: فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس/ رضي الله تعالى عنه في أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه قال: يقول: «من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي» فكما خصص في الرواية الأولى: عمم في هذه وهو أعلم بمواقع التنزيل والقول ـ بأن حديث الحجاج ضعيف ـ ضعيف إذ له طرق مختلفة في السنن وقد روى أبو داود أن عكرمة سأل العباس وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فقالا: صدق، وحمله على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية لقوله صلى الله عليه وسلم لضباعة: «حديث : حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني»تفسير : لا يتمشى على ما تقرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى. {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} أي فعليكم أو فالواجب أو فاهدوا ما استيسر أي تيسر فهو كصعب واستصعب، وليست السين للطلب، والهدي مصدر بمعنى المفعول أي المهدي ولذلك يطلق على المفرد والجمع أو جمع هدية ـ كجدي وجدية ـ وقرىء (هدي) بالتشديد جمع هدية ـ كمطي ومطية ـ وهو في موضع الحال من الضمير المستكن، والمعنى أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه من بدنة أو بقرة أو شاة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: وما عظم فهو أفضل، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه خص الهدي ببقرة أو جزور فقيل له: أو ما يكفيه شاة؟ فقال: لا ويذبحه حيث أحصر عند الأكثر لأنه صلى الله عليه وسلم ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل، وعندنا يبعث من أحصر به ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ} فإن حلق الرأس كناية عن الحل الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء، والخطاب للمحصرين لأنه أقرب مذكور، والهدي الثاني عين الأول كما هو الظاهر أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وهو الحرم لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ }تفسير : [الحج: 33] {أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } تفسير : [المائدة: 95] وما روي من ذبحه صلى الله عليه وسلم في الحديبية مسلم لكن كونه ذبح في الحل غير مسلم، والحنفية يقولون: إن محصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في طرف الحديبية أسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم، والذبح وقع في الطرف المتصل الذي نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه يجمع بين ما قاله مالك وبين ما روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر في الحرم وكون الرواية عنه ليس بثبت في حيز المنع، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً وهو خلاف الظاهر إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق، واستدل باقتصاره على الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء، وعندنا يجب القضاء لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرة الحديبية التي أحصروا فيها وكانت تسمى عمرة القضاء، والمقام مقام بيان طريق خروج المحصر عن الإحرام لا مقام بيان كل ما يجب عليه ولم يعلم من الآية حكم غير المحصر عبارة كما علم حكم المحصر من عدم جواز الحل له قبل بلوغ الهدي، ويستفاد ذلك بدلالة النص وجعل الخطاب عاماً للمحصر وغيره بناءاً على عطف {وَلاَ تَحْلِقُواْ} على قوله سبحانه: {وَأَتِمُّواْ} لا على {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ} يقتضي بتر النظم لأن {فَإِذَا أَمِنتُمْ} عطف على {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} كما لا يخفى. و ـ المحل ـ بالكسر من حد ضرب يطلق للمكان كما هو الظاهر في الآية، وللزمان ـ كما يقال ـ محل الدين لوقت حلوله وانقضاء أجله. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} يحتاج للحلق وهو مخصص لقوله سبحانه {وَلاَ تَحْلِقُواْ } متفرع عليه/ {أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ} من جراحة وقمل وصداع {فَفِدْيَةٌ} أي فعلية فدية إن حلق. {مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} بيان لجنس الفدية. وأما قدرها فقد أخرج في «المصابيح» عن كعب بن عجرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم قال: فاحلق رأسك وأطعم فرقاً بين ستة مساكين ـ والفرق ثلاثة آصع ـ أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة»تفسير : وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:«حديث : ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ فقال: لا قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك»تفسير : وقد بين في هذه الرواية ما يطعم لكل مسكين ولم يبين محل الفدية، والظاهر العموم في المواضع كلها كما قاله ابن الفرس وهو مذهب الإمام مالك. {فَإِذَا أَمِنتُمْ} من الأمن ضد الخوف، أو الأمنة زواله فعلى الأول معناه فإذا كنتم في أمن وسعة ولم تكونوا خائفين، وعلى الثاني فإذا زال عنكم خوف الإحصار، ويفهم منه حكم من كان آمنا ابتداءاً بطريق الدلالة ـ والفاء ـ للعطف على {أُحْصِرْتُمْ } مفيدة للتعقيب سواء أريد حصر العدو أو كل منع في الوجود، ويقال للمريض إذا زال مرضه وبرىء: آمن كما روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم من طريق إبراهيم فيضعف استدلال الشافعي ومالك بالآية على ما ذهبا إليه. {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ} الفاء واقعة في جواب ـ (إذا) والباء وإلى ـ صلة التمتع، والمعنى فمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله تعالى بالعمرة إلى وقت الحج أي قبل الانتفاع بالحج في أشهره، وقيل: الباء سببية ومتعلق التمتع محذوف أي بشيء من محذورات الاحرام ولم يعينه لعدم تعلق الغرض بتعيينه، والمعنى ومن استمتع بسبب أوان العمرة والتحلل منها باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج، وفيه صرف التمتع عن المعنى الشرعي إلى المعنى اللغوي، والثاني هو الانتفاع مطلقاً، والأول هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بمناسكها ثم يحرم بالحج من جوف مكة ويأتي بأعماله ويقابله القران وهو أن يحرم بهما معا ويأتي بمناسك الحج فيدخل فيها مناسك العمرة، والإفراد وهو أن يحرم بالحج وبعد الفراغ منه بالعمرة. {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ} الفاء واقعة في جواب (مَنْ) أي فعليه دم استيسر عليه بسبب التمتع فهو دم جبران لأن الواجب عليه أن يحرم الحج من الميقات فلما أحرم لا من الميقات أورث ذلك خللا فيه فجبر بهذا الدم، ومن ثمّ لا يجب على المكي ومن في حكمه، ويذبحه إذا أحرم بالحج ولا يجوز قبل الإحرام ولا يتعين له يوم النحر بل يستحب ولا يأكل منه، وهذا مذهب الشافعي، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه دم نسك كدم القارن لأنه وجب عليه شكراً للجمع بين النسكين فهو كالأضحية ويذبح يوم النحر. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي الهدي وهو عطف على {فَإِذَا أَمِنتُمْ } {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ} أي فعليه صيام وقرىء (فصيام) بالنصب أي فليصم، وظرف الصوم محذوف إذ يمتنع أن يكون شيء من أعمال الحج ظرفاً له، فقال أبو حنيفة: المراد في وقت الحج مطلقاً لكن بين الإحرامين إحرام الحج وإحرام العمرة وهو كناية عن عدم التحلل عنهما فيشمل ما إذا وقع قبل إحرام الحج سواء تحلل من العمرة أو لا، وما وقع بعده بدليل أنه إذا قدر على الهدي بعد صوم الثلاثة قبل التحلل وجب عليه الذبح ولو قدر/ عليه بعد التحلل لا يجب عليه لحصول المقصد بالصوم وهو التحلل، وقال الشافعي: المراد وقت أداء الحج وهو أيام الاشتغال به بعد الإحرام وقبل التحلل، ولا يجوز الصوم عنده قبل إحرام الحج، والأحب أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعة لأنه غاية ما يمكن في التأخير لاحتمال القدرة على الأصل وهو الهدي، ولا يجوز يوم النحر وأيام التشريق لكون الصوم منهياً فيها، وجوز بعضهم صوم الثلاثة الأخيرة احتجاجاً بما أخرجه ابن جرير. والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: رخص النبـي صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها، وأخرج مالك عن الزهري قال: «حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى إلا من كان عليه صوم من هدي» تفسير : وأخرج الدارقطني مثله من طريق سعيد بن المسيب، وأخرج البخاري وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يرخص صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق أن يصمن إلا لمتمتع لم يجد هدياً، وبذلك أحد الإمام مالك ولعل سادتنا الحنفية عولوا على أحاديث النهي وقالوا: إذا فاته الصوم حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم ولا يقضيه بعد أيام التشريق كما ذهب إليه الشافعية لأنه بدل والأبدال لا تنصب إلا شرعاً والنص خصه بوقت الحج وجواز الدم على الأصل؛ وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أمر في مثله بذبح الشاة. {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي فرغتم ونفرتم من أعماله، فذكر الرجوع وأريد سببه، أو المعنى إذا رجعتم من منى، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه ـ على ما هو الأصح عند معظم أصحابه ـ: إذا رجعتم إلى أهليكم، ويؤيده ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «إذا رجعتم إلى أمصاركم» وأن لفظ الرجوع أظهر في هذا المعنى، وحكم ناوي الإقامة بمكة توطناً حكم الراجع إلى وطنه لأن الشرع أقام موضع الإقامة مقام الوطن، وفي «البحر» المراد بالرجوع إلى الأهل الشروع فيه ـ عند بعض ـ والفراغ بالوصول إليهم ـ عند آخرين ـ وفي الكلام التفات، وحمل على معنى [من] بعد الحمل على لفظه في إفراده وغيبته؛ وقرىء {سَبْعَةً} بالنصب عطفاً على محل {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ} لأنه مفعول اتساعاً، ومن لم يجوزه قدر ـ وصوموا ـ وعليه أبو حيان. {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} الإشارة إلى ـ الثلاثة، والسبعة ـ ومميز العدد محذوف أي أيام وإثبات ـ التاء ـ في العدد مع حذف المميز أحسن الاستعمالين، وفائدة الفذلكة أن لا يتوهم أن ـ الواو ـ بمعنى أو التخييرية، وقد نص السيرافي في «شرح الكتاب» على مجيئها لذلك، وليس تقدم الأمر الصريح شرطاً فيه بل الخبر الذي هو بمعنى الأمر كذلك، وأن يندفع التوهم البعيد الذي أشرنا إليه في مقدمة إعجاز القرآن، وأن يعلم العدد جملة ـ كما علم تفصيلاً ـ فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم، ومن أمثالهم ـ علمان خير من علم ـ لا سيما وأكثر العرب لا يحسن الحساب، فاللائق بالخطاب العامي الذي يفهم به الخاص والعام الذين هم من أهل الطبع، لا أهل الارتياض بالعلم أن يكون بتكرار الكلام وزيادة الإفهام والإيذان بأن المراد ـ بالسبعة ـ العدد دون الكثرة فإنها تستعمل بهذين المعنيين، فإن قلت: ما الحكمة في كونها كذلك حتى يحتاج إلى تفريقها المستدعي لما ذكر؟ أجيب بأنها لما كانت بدلاً عن الهدى والبدل يكون في محل المبدل منه غالباً جعل الثلاثة بدلاً عنه في زمن الحج وزيد عليها السبعة علاوة لتعادله من غير نقص في الثواب لأن الفدية مبنية على التيسير،/ ولم يجعل ـ السبعة ـ فيه لمشقة الصوم في الحج، وللإشارة إلى هذا التعادل وصفت ـ العشرة ـ بأنها كاملة فكأنه قيل: تلك عشرة كاملة في وقوعها بدلا من الهدي وقيل: إنها صفة مؤكدة تفيد زيادة التوصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها كأنه قيل تلك عشرة كاملة فراعوا كمالها ولا تنقصوها، وقيل: إنها صفة مبينة كمال العشرة فإنها عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإن الواحد مبتدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول عدد مجذور، والخمس أول عدد دائر، والستة أول عدد تام، والسبعة عدد أول، والثمانية أول عدد زوج الزوج، والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة نفسها ينتهي إليها العدد فإن كل عدد بعدها مركب منها ومما قبلها قاله بعض المحققين. وذكر الإمام لهذه الفذلكة مع الوصف عشرة أوجه ـ لكنها عشرة غير كاملة ـ ولولا مزيد التطويل لذكرتها بما لها وعليها. {ذٰلِكَ} إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه: {فَمَن تَمَتَّعَ} عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذ لا متعة ولا قران لحاضري المسجد لأن شرعهما للترفه بإسقاط أحد السفرتين وهذا في حق الآفاقي لا في حق أهل مكة ومن في حكمهم، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: إنها إشارة إلى الأقرب وهو الحكم المذكور أعني لزوم الهدي أو بدله على المتمتع وإنما يلزم ذلك إذا كان المتمتع آفاقياً لأن الواجب أن يحرم عن الحج من الميقات فلما أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فقد حصل هناك الخلل فجعل مجبوراً بالدم، والمكي لا يجب إحرامه في الميقات فإقدامه على التمتع لا يوقع خللاً في حجه فلا يجب عليه الهدي ولا بدله، ويرده أنه لو كانت الإشارة للهدي والصوم لأتى ـ بعلى ـ دون اللام في قوله سبحانه: {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} لأن الهدى وبدله واجب على المتمتع والواجب يستعمل ـ بعلى ـ لا باللام، وكون اللام واقعة موقع على كما قيل به في «اشترطي لهم الولاء» خلاف الظاهر، والمراد بالموصول من كان من الحرم على مسافة القصر عند الشافعي رضي الله تعالى عنه، ومن كان مسكنه وراء الميقات عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وأهل الحل عند طاووس، وغير أهل مكة عند مالك رضي الله تعالى عنه، والحاضر على الوجه الأول ضد المسافر، وعلى الوجوه الأخر بمعنى الشاهد الغير الغائب، والمراد من حضور الأهل حضور المحرم، وعبر به لأن الغالب على الرجل كما قيل: أن يسكن حيث أهله ساكنون، و ـ للمسجد الحرام ـ إطلاقان، أحدهما: نفس المسجد، والثاني: الحرم كله، ومنه قوله سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }تفسير : [الإسراء: 1] بناءاً على أنه صلى الله عليه وسلم إنما أسري به من الحرم لا من المسجد، وعلى إرادة المعنى الأخير في الآية هنا أكثر أئمة الدين. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه كما يستفاد من ترك المفعول ويدخل فيه الحج دخولاً أولياً وبه يتم الانتظام {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن لم يتقه أي استحضروا ذلك لتمتنعوا عن العصيان، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة؛ وإضافة شديد من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها.

ابن عاشور

تفسير : هذا عود إلى الكلام على العمرة فهو عطف على قوله: { أية : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } تفسير : [البقرة: 189] الخ وما بينهما استطراد أو اعتراض، على أن عطف الأحكام بعضها على بعض للمناسبة طريقة قرآنية فلك أن تجعل هذه الجملة عطفاً على التي قبلها عطف قصة على قصة. ولا خلاف في أنّ هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجرة، وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل أن يفرض الحج، فالمقصود من الكلام هو العمرة؛ وإنما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيراً بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد، وهذا من معجزات القرآن. والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما بقي منه حتى يستوعب جميعه. ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين: أحدهما وهو الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في قوله تعالى: {وأتموا الحج} أي كملوه إن شرعتم فيه، وكذا قوله تعالى: { أية : ثم أتموا الصيام إلى الليل } تفسير : [البقرة: 187] على ما اخترناه وقوله تعالى: { أية : فأتموا إليهم عهدهم } تفسير : [التوبة: 4] ومثله أن تقول: أسرع السير للذي يسير سيراً بطيئاً، وثانيهما أن يجيء الأمر بوصف الفعل مراداً به تحصيل الفعل من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى: { أية : ولأتم نعمتي عليكم } تفسير : [البقرة: 150]، وذلك كقولك: أسرع السير فادع لي فلاناً تخاطب به مخاطباً لم يشرع في السير بعد، فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة، ونظيره قولهم: "وَسِّع فمَ الركِية، وقولهم: وسع كم الجُبة وضيق جيبها" أي أوجدها كذلك من أول الأمر، وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز، ولكنه أمر بمجموع شيئين وهو أقل؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة. والآية تحتمل الاستعمالين، فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة، بمعنى ألا يكون حجاً وعمرة مشوبين بشغب وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو، وإن كان الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما. والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها، وكأنَّ هذا التحريض مشير إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصَّرورة في الحج وكذا في العمرة على القول بوجوبها. واللام في (الحج والعمرة) لتعريف الجنس، وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد، للجماعة وفيه وقوف عرفة، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه. وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه. وعن ابن السكيت: الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج بنو فلان فلاناً أطالوا الاختلاف إليه وفي «الأساس»: فلان تحجه الرفاق أي تقصده اهــــ. فجعله مفيداً بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع: شعر : وأَشْهَدُ من عَوْفٍ حُلولاً كثِيرةً يَحُجُّون سِبَّ الزّبْرَقَانِ المزعفرا تفسير : والحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم - عليه السلام - كما حكى الله ذلك بقوله: { أية : وأذن في الناس بالحج } تفسير : [الحج: 27] الآية حتى قيل: إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج، وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم: شعر : عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عامدونَ لرَبِّهمِ فهن كأطراف الحَنيِّ خَوَاشِع تفسير : وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون النساء ولا يصطادون، وكان الحج طوافاً بالبيت وسعياً بين الصفا والمروة ووقوفاً بعرفة ونحراً بمنى. وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطاً ولا سمناً ـــ أي لأنه أكل المترفهين ـــ ولا يستظل بسقف، ومنهم من يحج متجرداً من الثياب، ومنهم من لا يستظل من الشمس، ومنهم من يحج صامتاً لا يتكلم، ولا يشربون الخمر في أشهر الحج، ولهم في الحج مناسك وأحكام ذكرناها في «تاريخ العرب». وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة، وأشهر الأمم في ذلك اليهود فقد كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل (أورشليم) وهو المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلاّ هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح. واتخذت النصارى زيارات كثيرة، حجاً، أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى - عليه السلام - وزيارة (أورشليم)، وكذا زيارة قبر (ماربولس) وقبر (ماربطرْس) برومة، ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة (عسقلان) من بلاد السواحل الشامية، والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هم نصارى الشام من الغساسنة لقصد صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبدُ بني الحسحاس وهو من المخضرمين في قوله يصف وحوشاً جرفها السيل: شعر : كأَنَّ الوُحُوشَ به عَسقَلاَ نُ صادفْنَ في قَرْن حَجِّ ذِيَافا تفسير : أي أصابهن سم فقتلهن وقد ذكر ذلك أئمة اللغة. وقد كان للمصريين والكلدان حج إلى البلدان المقدسة عندهم، ولليونان زيارات كثيرة لمواقع مقدسة مثل أولمبيا وهيكل (زفس) وللهنود حجوج كثيرة. والمقصود من هذه الآية إتمام العمرة التي خرجوا لقضائها، وذِكُر الحج معها إدماج، لأن الحج لم يكن قد وجب يومئذٍ، إذ كان الحج بيد المشركين ففي ذكره بشارة بأنه يوشك أن يصير في قبضة المسلمين. وأما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا الوزن لا تطلق إلاّ على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج، وهي معروفة عند العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر ذي الحجة والمحرم وصفر، فكانوا يقولون "إذا برىء الدبر، وعفا الأثر، وخرج صفر، حلت العمرة لمن اعتمر" ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل. واصطلح المضَريُّون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مضر فلقب برجب مضر، وتبعهم بقية العرب، ليكون المسافر للعمرة آمناً من عدوه؛ ولذلك لقبوا رجباً (منصل الأسنة) ويرون العمرة في أشهر الحج فجوراً. وقوله {لله} أي لأجل الله وعبادته والعرب من عهد الجاهلية لا ينوون الحج إلاّ لله ولا العمرة إلاّ له، لأن الكعبة بيت الله وحرمه، فالتقييد هنا بقوله {لله} تلويح إلى أن الحج والعمرة ليسا لأجل المشركين وإن كان لهم فيهما منفعة وكانوا هم سدنة الحرم، وهم الذين منعوا المسلمين منه، كي لا يسأم المسلمون من الحج الذي لاقوا فيه أذى المشركين، فقيل لهم إن ذلك لا يصد عن الرغبة في الحج والعمرة لأنكم إنما تحجون لله لا لأجل المشركين ولأن الشيء الصالح المرغوب فيه إذا حف به ما يكدره لا ينبغي أن يكون ذلك صارفاً عنه، بل يجب إزالة ذلك العارض عنه، ومن طرق إزالته القتال المشار إليه بالآيات السابقة. ويجوز أن يكون التقييد بقوله: {لله} لتجريد النية مما كان يخامر نوايا الناس في الجاهلية من التقرب إلى الأصنام، فإن المشركين لما وضعوا هبلاً على الكعبة ووضعوا إسافاً ونائلة على الصفا والمروة قد أشركوا بطوافهم وسعيهم الأصنام مع الله تعالى. وقد يكون القصد من هذا التقييد كلتا الفائدتين. وليس في الآية حجة عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله على وجوب الحج ولا العمرة ولكن دليل حكم الحج والعمرة عندهما غير هذه الآية، وعليه فمجمل الآية عندهما على وجوب هاتين العبادتين لمن أحرم لهما، فأما مالك فقد عدهما من العبادات التي تجب بالشروع فيها وهي سبع عبادات عندنا هي الصلاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والطواف، والائتمام، وأما أبو حنيفة فقد أوجب النوافل كلها بالشروع. ومن لم ير وجوب النوافل بالشروع ولم ير العمرة واجبة يجعل حكم إتمامها كحكم أصلْ الشروع فيها ويكون الأمر بالإتمام في الآية مستعملاً في القدر المشترك من الطلب اعتماداً على القرائن، ومن هؤلاء من قرأ، (والعمرةُ) بالرفع حتى لا تكون فيما شمله الأمر بالإتمام بناء على أن الأمر للوجوب فيختص بالحج. وجعلها الشافعية دليلاً على وجوب العمرة كالحج، ووجه الاستدلال له أن الله أمر بإتمامها فإما أن يكون الأمر بالإتمام مراداً به الإتيان بهما تامين أي مستجمعي الشرائط والأركان، فالمراد بالإتمام المعنى الشرعي على أحد الاستعمالين السابقين، قالوا: إذ ليس هنا كلام على الشروع حتى يؤمر بالإتمام، ولأنه معضود بقراءة «وأقيموا الحج» وإما أن يكون المراد بالإتمام هنا الإتيان على آخر العبادة فهو يستلزم الأمر بالشروع، لأن الإتمام يتوقف على الشروع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الأمر بالإتمام كناية عن الأمر بالفعل. والحق أن حمل الأمر في ذلك بأصل الماهية لا بصفتها استعمال قليل كما عرفت، وقراءة: «وأقيموا» لشذوذها لا تكون داعياً للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه وأما على الاحتمال الأول فلأن التكني بالإتمام عن إيجاب الفعل مصير إلى خلال الظاهر مع أن اللفظ صالح للحمل على الظاهر؛ بأن يدل على معنى: إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة، فيكون من دلالة الاقتضاء ويكون حقيقة وإيجازاً بديعاً، وهو الذي يؤذن به السياق كما قدمنا، لأنهم كانوا نووا العمرة، على أن شأن إيجاب الوسيلة بإيجاب المتوسل إليه أن يكون المنصوص على وجوبه هو المقصد فكيف يدعي الشافعية أن {أتموا} هنا مراد منه إيجاب الشروع، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب كما أشار له العصام. فالحق أن الآية ليست دليلاً لحكم العمرة. وقد اختلف العلماء في حكمها: فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك: لا أعلم أحداً رخص في تركها وهذا هو مذهب جابر ابن عبد الله وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين. وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما، وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي وسعيد بن جبير، وأبو بردة، ومسروق، وإسحاق بن راهويه. ودليلنا حديث جابر بن عبد الله، « حديث : قيل: يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال: لا، وأن تعتمروا فهو أفضل » تفسير : أخرجه الترمذي، لأن عبادة مثل هذه لو كانت واجبة لأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يثبت وجوبها بتلفيقات ضعيفة، وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول: لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله في ذلك شيئاً لقلت: العمرة واجبة اهــــ محل الاحتجاج قوله: لم أسمع الخ، ولأن الله تعالى قال: { أية : ولله على الناس حج البيت } تفسير : [آل عمران: 97] ولم يذكر العمرة، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد. ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة. واحتج أصحابنا أيضاً بحديث: « حديث : بني الإسلام على خمس » تفسير : وحديث جبريل في الإيمان والإسلام ولم يذكر فيهما العمرة، وحديث حديث : الأعرابي الذي قال: "لا أزيد ولا أنقص: فقال: أفلح إن صدق" تفسير : ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية بأكثر من هذه الآية، إذ قرنت فيها مع الحج، وبقول بعض الصحابة وبالاحتياط. واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على منع التمتع وهو الإحرام بعمرة ثم الحل منها في مدة الحج ثم الحج في عامه ذلك قبل الرجوع إلى بلده، ففي البخاري أخرج حديث حديث : أبي موسى الأشعري قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئتُ وهو بالبطحاء (عام حجة الوداع) فقال: بم أهللت؟ فقلت: أهللت كإهلال النبي قال: أحسنت هل معك من هدى قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي، ثم أهللت بالحج فكنت أفتي الناس به حتى خلافة عمر فذكرته له فقال: أن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمرنا بالتمام، قال تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} وأن نأخذ بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله" تفسير : ، يريد عمر ــــ والله أعلم ــــ أن أبا موسى أهل بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي كان مهلاً بحجة وعمرة معاً فهو قارن والقارن متلبس بحج، فلا يجوز أن يحل في أثناء حجه وتمسك بفعل الرسول - عليه السلام - أنه كان قارناً ولمن يحل، وهذا مبني على عدم تخصيص المتواتر بالآحاد كما هو قوله في حديث فاطمة ابنة قيس في النفقة. وقوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى} عطف على {أتموا}، والفاء للتفريع الذكري فإنه لما أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر حكم ما يمنع من ذلك الإتمام. ولا سيما الحج؛ لأن وقته يفوت غالباً بعد ارتفاع المانع، بخلاف العمرة. والإحصار في كلام العرب منع الذات من فعل ما، يقال: أحصره منعه مانع قال تعالى: { أية : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله } تفسير : [البقرة: 273] أي منعهم الفقر من السفر للجهاد وقال ابن ميادة: شعر : وما هَجرُ ليلى أَن تكون تباعدتْ عليك ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شغول تفسير : وهو فعل مهموز لم تكسبه همزته تعدية، لأنه مرادف حصره ونظيرهما صده وأصده. هذا قول المحققين من أئمة اللغة، ولكن كثر استعمال أحصر المهموز في المنع الحاصل من غير العدو، وكثر استعمال حصر المجرد في المنع من العدو، قال: { أية : وخذوهم واحصروهم } تفسير : [التوبة: 5] فهو حقيقة في المعنيين ولكن الاستعمال غلب أحدهما في أحدهما كما قال الزمخشري في «الكشاف»، ومن اللغويين من قال: أحصر حقيقة في منع غير العدو وحصر حقيقة في منع العدو وهو قول الكسائي وأبي عبيدة والزجاج، ومن اللغويين من عكس وهو ابن فارس لكنه شاذ جداً. وجاء الشرط بحرف (إن) لأن مضمون الشرط كريه لهم فألقى إليهم الكلام إلقاء الخبر الذي يشك في وقوعه، والمقصود إشعارهم بأن المشركين سيمنعونهم من العمرة. وقد اختلف الفقهاء في المراد من الإحصار في هذه الآية على نحو الاختلاف في الوضع أو في الاستعمال والأظهر عندي أن الإحصار هنا أطلق على ما يعم المنع من عدو أو من غيره بقرينة قوله تعالى عقبه: {فإذا أمنتم} فإنه ظاهر قوي في أن المراد منه الأمن من خوف العدو، وأن هذا التعميم فيه قضاء حق الإيجاز في جمع أحكام الإحصار ثم تفريقها كما سأبينه عند قوله تعالى: {فإذا أمنتم}، وكأنَّ هذا هو الذي يراه مالك رحمه الله، ولذلك لم يحتج في «الموطأ» على حكم الإحصار بغير عدو بهذه الآية، وإنما احتج بالسنة. وقال جمهور أصحابه أريد بها المنع الحاصل من مرض ونحوه دون منع العدو، بناء على أن إطلاق الإحصار على هذا المنع هو الأكثر في اللغة. ولأن هذه الآية جعلت على المُحْصَر هدياً ولم ترد السنة بمشروعية الهدي فيمن حصره العدو أي مشروعية الهدي لأجل الإحصار أما من ساق معه الهدي فعليه نسكه لا لأجل الإحصار، ولذلك قال مالك بوجوب الهدي على من أحصر بمرض أو نفاس أو كَسْر من كل ما يمنعه أن يقف الموقف مع الناس مع وجوب الطواف والسعي عند زوال المانع ووجوب القضاء من قابل لما في «الموطأ» من حديث معبد بن حزابة المخزومي أنه صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل ابنَ عمر وابنَ الزبير ومروانَ بنَ الحَكَم فكلهم أمره أن يتداوى ويفتدي، فإذا أصح اعتمر، فحل من إحرامه ثم عليه حج قابل، وأن عمر بن الخطاب أمر بذلك أبا أيوب وهَبَّار بن الأسود حين فاتهما وقوف عرفة، بخلاف حصار العدو، واحتج في «الموطأ» بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أحداً من أصحابه ولا من كان معه أن يقضوا شيئاً ولا أن يعودوا لشيء، ووجَّه أصحابنا ذلك بالتفرقة؛ لأن المانع في المرض ونحوه من ذات الحاج؛ فلذلك كان مطالبَاً بالإتمام، وأما في إحصار العدو فالمانع خارجي، والأظهر في الاستدلال أن الآية وإن صلحت لكل منع لكنها في منع غير العدو أظهر وقد تأيدت أظهريتها بالسنة. وقال الشافعي: لا قضاء فيهما وهو ظاهر الآية للاقتصار على الهدي وهو اقتصار على مفهوم الآية ومخالفة ما ثبت بالسنة، وقال أبو حنيفة: كل منع من عدُو أو مرض فيه وجوب القضاء والهدي ولا يجب عليه طواف ولا سَعْي بعد زوال عذره بل إن نحر هديه حل والقضاء عليه. ولا يلزمه ما يقتضيه حديث الحديبية؛ لأن الآية إن كانت نزلت بعده فعمومها نسخ خصوص الحديث، وإن نزلت قبله فهو آحاد لا يخصص القرآن عنده، على أن حديث الحديبية متواتر؛ لأن الذين شهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ يزيدون على عدد التواتر، ولم ينقل عنهم ذلك مع أنه مما تتوافر الدواعي على نقله. وقال الشافعي: المراد هنا منع العدو بقرينة قوله {فإذا أمنتم} ولأنها نزلت في عام الحديبية وهو إحصار عدوّ؛ ولذلك أوجب الهدي على المحصر أما محصر العدوّ فبنصّ الآية، وأما غيره فبالقياس عليه. وعليه: إن زال عذره فعليه الطواف بالبيت والسعي، ولم يقل بوجوب القضاء عليه؛ إذ ليس في الآية ولا في الحديث. وقوله: {فما استيسر من الهدى} جواب الشرط وهو مشتمل على أحد ركني الإسناد وهو المسند إليه دون المسند فلا بد من تقدير دل عليه قوله: {من الهدي} وقدره في «الكشاف» فعليكم، والأظهر أن يقدر فعل أمر أي فاهدوا ما استيسر من الهدي، وكلا التقديرين دال على وجوب الهدي. ووجوبه في الحج ظاهر وفي العمرة كذلك؛ بأنها مما يجب إتمامه بعد الإحرام باتفاق الجمهور. و(استيسر) هنا بمعنى يسر فالسين والتاء للتأكيد كاستعصب عليه بمعنى صعب أي ما أمكن من الهدي بإمكان تحصيله وإمكان توجيهه، فاستيسر هنا مراد جميع وجوه التيسر. والهدي اسم الحيوان المتقرب به لله في الحج فهو فَعْل من أهدى، وقيل هو جمع هدية كما جمعت جدية السرج على جدي()، فإن كان اسماً فمن بيانية، وإن كان جمعاً فمن تبعيضية، وأقل ما هو معروف عندهم من الهدي الغنم، ولذلك لم يبينه الله تعالى هنا، وهذا الهدي إن كان قد ساقه قاصد الحج والعمرة معه ثم أحصر فالبعث به إن أمكن واجب، وإن لم يكن ساقه معه فعليه توجيهه على الخلاف في حكمه من وجوبه وعدمه، والمقصود من هذا تحصيل بعض مصالح الحج بقدر الإمكان، فإذا فاتت المناسك لا يفوت ما ينفع فقراء مكة ومن حولها. وقوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم} الآية بيان لملازمة حالة الإحرام حتى ينحر الهدي، وإنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب تمهيداً لقوله: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه} ويعلم استمرار حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق وهذا من مستتبعات التراكيب وليس بكناية عن الإحلال لعدم وضوح الملازمة. والمقصود من هذا تحصيل بعض ما أمكن من أحوال المناسك وهو استبقاء الشعث المقصود في المناسك. والمحل بفتح الميم وكسر الحاء مكان الحلول أو زمانه يقال: حل بالمكان يحل بكسر الحاء وهو مقام الشيء والمراد به هنا مبلغه وهو ذبحه للفقراء، وقيل محله: هو محل ذبح الهدايا وهو منى والأول قول مالك. وقوله: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه} الآية، المراد مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس، وقوله: {أو به أذى من رأسه} كناية عن الوسخ الشديد والقمل، لكراهية التصريح بالقمل. وكلمة (من) للابتداء أي أذى ناشىء عن رأسه. وفي البخاري حديث : عن كعب بن عجرة قال: "حملت إلى النبي والقمل يتناثر على وجهي، فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك، فنزلت هذه الآية فيَّ خاصة وهي لكم عامة اهــــ" تفسير : ومن لطائف القرآن ترك التصريح بما هو مرذول من الألفاظ. وقوله: {ففدية من صيام} محذوف المسند إليه لظهوره أي عليه، والمعنى فليحلق رأسه وعليه فدية، وقرينة المحذوف قوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم} وقد أجمل الله الفدية ومقدارها وبينه حديث كعب بن عجرة. والنسك بضمتين وبسكون السين مع تثليث النون العبادة ويطلق على الذبيحة المقصود منها التعبد وهو المراد هنا مشتق من نَسك كنصر وكرم إذا عبد وذبح لله وسمي العابد ناسكاً، وأغلب إطلاقه على الذبيحة المتقرب بها إلى معبود وفي الحديث: « حديث : والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم » تفسير : يعني الضحية. الفاء للعطف على {أحصرتم} إن كان المراد من الأمن زوال الإحصار المتقدم، ولعلها نزلت بعد أن فرض الحج، لأن فيها ذكر التمتع وذكر صيام المتمتع إن لم يجد هدياً ثلاثة أيام في مدة الحج وسبعة إذا رجع إلى أفقه وذلك لا يكون إلاّ بعد تمكنهم من فعل الحج. والفاء لمجرد التعقيب الذكري. وجيء بإذا لأن فعل الشرط مرغوب فيه، والأمن ضد الخوف، وهو أيضاً السلامة من كل ما يخاف منه أمن كفرح أمناً، أماناً، وأمناً، وآمنة وإمناً بكسر الهمزة وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه فيتعدى بمن تقول: أمنت من العدو، ويتعدى إلى المأمون تقول: أمنت فلاناً إذا جعلته آمناً منك، والأظهر أن الأمن ضد الخوف من العدو ما لم يصرح بمتعلقه وفي القرآن { أية : ثم أبلغه مأمنه } تفسير : [التوبة: 6] فإن لم يذكر له متعلق نزل منزلة اللازم فدل على عدم الخوف من القتال وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : رب اجعل هذا بلداً آمناً } تفسير : [البقرة: 126]. وهذا دليل على أن المراد بالإحصار فيما تقدم ما يشمل منع العدو ولذلك قيل (إذا أمنتم) ويؤيده أن الآيات نزلت في شأن عمرة الحديبية كما تقدم فلا مفهوم للشرط هنا؛ لأنه خرج لأجل حادثة معينة، فالآية دلت على حكم العمرة، لأنها لا تكون إلاّ مع الأمن، وذلك أن المسلمين جاءوا في عام عمرة القضاء معتمرين وناوين إن مكنوا من الحج أن يحجوا، ويعلم حكم المريض ونحوه إذا زال عنه المانع بالقياس على حكم الخائف. وقوله: {فمن تمتع} جواب (إذا) والتقدير فإذا أمنتم بعد الإحصار وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا الحج إلى عام قابل، واغتنموا خير العمرة فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضاً عن هدي الحج، فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا عمرة، وأن قوله {فإذا آمنتم} أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة وقد فات وقت الحج، أي أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج، ويعلم أن من أمن وقد بقي ما يسعه بأن يحج عليه أن يحج. ومعنى {تمتع بالعمرة إلى الحج} انتفع بالعمرة عاجلاً، والانتفاع بها إما بمعنى الانتفاع بثوابها، أو بسقوط وجوبها إن قيل إنها واجبة مع إسقاط السفر لها إذ هو قد أداها في سفر الحج، وإما بمعنى الانتفاع بالحل منها ثم إعادة الإحرام بالحج فانتفع بألا يبقى في كلفة الإحرام مدة طويلة، وهذا رخصة من الله تعالى، إذ أباح العمرة في مدة الحج بعد أن كان ذلك محظوراً في عهد الجاهلية إذ كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أعظم الفجور. فالباء في قوله: {بالعمرة} صلة فعل {تمتع}، وقوله {إلى الحج} متعلق بمحذوف دل عليه معنى (إلى) تقديره متربصاً إلى وقت الحج أو بالغاً إلى وقت الحج أي أيامه وهي عشر ذي الحجة وقد فهم من كلمة (إلى) أن بين العمرة والحج زمناً لا يكون فيه المعتمر محرماً وهو الإحلال الذي بين العمرة والحج في التمتع والقران، فعليه ما استيسر من الهدي لأجل الإحلال الذي بين الإحرامين، وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار فيما أراه والله أعلم. والآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللغوي أي الانتفاع وأشارت إلى ما سماه المسلمون بالتمتع وبالقران وهو من شرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة الجاهلية، واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه ذلك قبل الرجوع إلى أفقه، وخص القران بأن يقرن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل منها ويجوز له أن يردف الحج على العمرة كل ذلك شرعه الله رخصة للناس، وإبطالاً لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج، وفرض الله عليه الهدي جبراً لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة كما كانوا في الجاهلية ولذلك سماه تمتعاً. وقد اختلف السلف في التمتع وفي صفته فالجمهور على جوازه، وأنه يحل من عمرته التي أحرم بها في أشهر الحج ثم يحرم بعد ذلك في حجة في عامه ذلك، وكان عثمان بن عفان لا يرى التمتع وينهى عنه في خلافته، ولعله كان يتأول هذه الآية بمثل ما تأولها ابن الزبير كما يأتي قريباً، وخالفه علي وعمران بن حصين، وفي البخاري عن عمران بن حصين تمتعنا على عهد النبي ونزل القرآن ثم قال رجل من برأيه ما شاء (يريد عثمان)، وكان عمر بن الخطاب لا يرى للقارن إذا أحرم بعمرة وبحجة معاً وتمم السعي بين الصفا والمروة أن يحل من إحرامه حتى يحل من إحرام حجه فقال له أبو موسى الأشعري إني جئت من اليمن فوجدت رسول الله بمكة محرماً (أي عام الوداع) فقال لي بم أهللت؟ قلت أهللت بإهلال كإهلال النبي فقال لي هل معك هدي قلت لا فأمرني فطفت وسعيت ثم أمرني فأحللت وغسلت رأسي ومشطتني امرأة من عبد القيس، فلما حدث أبو موسى عمر بهذا قال عمر: «إن نأخذ بكتاب الله فهو يأمرنا بالإتمام وإن نأخذ بسنة رسوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله»، وجمهور الصحابة والفقهاء يخالفون رأي عمر ويأخذون بخبر أبي موسى؛ ــــ وبحديث علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لولا أن معي الهدي لأحللت » تفسير : ، وقد ينسب بعض الناس إلى عمر أنه لا يرى جواز التمتع وهو وهم إنما رأى عمر لا يجوز الإحلال من العمرة في التمتع إلى أن يحل من الحج وذلك معنى قوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله، فلعله رأى الإحلال للمتلبس بنية الحج منافياً لنيته وهو ما عبر عنه بالإتمام ولعله كان لا يرى الآحاد مخصصاً للمتواتر من كتاب أو سنة لأن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا متواتر، إذ قد شهده كثير من أصحابه ونقلوا حجه وأنه أهل بهما جميعاً. نعم، كان أبو بكر وعمر يريان إفراد الحج أفضل من التمتع والقران وبه أخذ مالك روى عنه محمد بن الحسن أنه يرجح أحد الحديثين المتعارضين بعمل الشيخين، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يرى التمتع خاصاً بالمحصر إذا تمكن من الوصول إلى البيت بعد أن فاته وقوف عرفة فيجعل حجته عمرة ويحج في العام القابل، وتأول قوله تعالى {إلى الحج} أي إلى وقت الحج القابل والجمهور يقولون {إلى الحج} أي إلى أيام الحج. وقوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} الآية عطفت على {فمن تمتع}، لأن {فمن تمتع} مع جوابه وهو {فما استيسر} مقدر فيه معنى فمن تمتع واجداً الهدي فعطف عليه {فمن لم يجد}. وجعل الله الصيام بدلاً عن الهدى زيادة في الرخصة والرحمة ولذلك شرع الصوم مفرقاً فجعله عشرة أيام ثلاثة منها في أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج. فقوله: {في الحج} أي في أشهره إن كان قد أمكنه الاعتمار قبل انقضاء مدة الحج، فإن لم يدرك الحج واعتمر فتلك صفة أخرى لا تعرض إليها في الآية. وقوله: {تلك عشرة كاملة} فذلكة الحساب أي جامعته فالحاسب إذا ذكر عددين فصاعداً قال عند إرادة جمع الأعداد فذلك أي المعدود كذا فصيغت لهذا القول صيغة نحت مثل بسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلاّ بالله فحروف فذلكة متجمعة من حروف فذلك كما قال الأعشى: شعر : ثلاثٌ بالغداة فهُنَّ حَسبي وستُّ حين يدْركني العِشاء فذلك تسعة في اليوم رَيِّي وشُرْب المرء فوق الرَّيِّ داء تفسير : فلفظ فذلكة كلمة مولدة لم تسمع من كلام العرب غلب إطلاق اسم الفذلكة على خلاصة جمع الأعداد، وإن كان اللفظ المحكي جرى بغير كلمة «ذلك» كما نقول في قوله: {تلك عشرة كاملة} إنها فذلكة مع كون الواقع في المحكي لفظ «تلك» لا لفظ ذلك ومثله قول الفرزدق: شعر : ثلاث واثنتان فتلك خمس وسادسة تَميل إلى الشِّمام تفسير : (أي إلى الشم والتقبيل) وفي وجه الحاجة إلى الفذلكة في الآية وجوه، فقيل هو مجرد توكيد كما تقول كتبت بيدي يعني أنه جاء على طريقة ما وقع في شعر الأعشى أي أنه جاء على أسلوب عربي ولا يفيد إلاّ تقرير الحكم في الذهن مرتين ولذلك قال صاحب «الكشاف» لما ذكر مثله كقول العرب علمان خير من علم. وعن المبرد أنه تأكيد لدفع توهم أن يكون بقي شيء مما يجب صومه. وقال الزجاج قد يتوهم متوهم أن المراد التخيير بين صوم ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام إذا رجع إلى بلده بدلاً من الثلاثة أزيل ذلك بجلية المراد بقوله: {تلك عشرة} وتبعه صاحب «الكشاف» فقال «الواو قد تجيء للإِباحة في نحو قولك: جالس الحسن وابن سيرين ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة اهــــ» وهو يريد من الإباحة أنها للتخيير الذي يجوز معه الجمع ولا يتعين. وفي كلا الكلامين حاجة إلى بيان منشأ توهم معنى التخيير فأقول: إن هذا المعنى وإن كان خلاف الأصل في الواو حتى زعم ابن هشام أن الواو لا ترد له، وأن التخيير يستفاد من صيغة الأمر لا أنه قد يتوهم من حيث إن الله ذكر عددين في حالتين مختلفتين وجعل أقل العددين لأشق الحالتين وأكثرهما لأخفهما، فلا جرم طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن أراد التخيير، فبين الله ما يدفع هذا التوهم، بل الإشارة إلى أن مراد الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام، وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه، فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية. ونظيره قوله تعالى: { أية : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرٍ فتم ميقات ربه أربعين ليلة } تفسير : [الأعراف: 142] إذ دل على أنه أراد من موسى - عليه السلام - مناجاة أربعين ليلة ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيراً. وقد سئلت عن حكمة كون الأيام عشرة فأجبت بأنه لعله نشأ من جمع سبعة وثلاثة؛ لأنهما عددان مباركان، ولكن فائدة التوزيع ظاهرة، وحكمة كون التوزيع كان إلى عددين متفاوتين لا متساويين ظاهرة؛ لاختلاف حالة الاشتغال بالحج ففيها مشقة، وحالة الاستقرار بالمنزل. وفائدة جعل بعض الصوم في مدة الحج جعل بعض العبادة عند سببها، وفائدة التوزيع إلى ثلاثة وسبعة أن كليهما عدد مبارك ضبطت بمثله الأعمال دينية وقضائية. وأما قوله: {كاملة} فيفيد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ينقص منها شيء، مع التنويه بذلك الصوم وأنه طريق كمال لصائمه، فالكمال مستعمل في حقيقته ومجازه. وقوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} إشارة إلى أقرب شيء في الكلام، وهو هدي التمتع أو بدله وهو الصيام، والمعنى أن الهدي على الغريب عن مكة كي لا يعيد السفر للعمرة فأما المكي فلم ينتفع بالاستغناء عن إعادة السفر فلذا لم يكن عليه هدي، وهذا قول مالك والشافعي والجمهور، فلذلك لم يكن عندهما على أهل مكة هدي في التمتع والقران، لأنهم لا مشقة عليهم في إعادة العمرة، وقال أبو حنيفة: الإشارة إلى جميع ما يتضمنه الكلام السابق على اسم الإشارة وهو التمتع بالعمرة مع الحج ووجوب الهدي، فهو لا يرى التمتع والقران لأهل مكة وهو وجه من النظر. وحاضرو المسجد الحرام هم أهل بلدة مكة وما جاورها، واختلف في تحديد ما جاورها فقال مالك: ما اتصل بمكة ذلك من ذي طوى وهو على أميال قليلة من مكة. وقال الشافعي: من كان من مكة على مسافة القصر ونسبه ابن حبيب إلى مالك وغلطه شيوخ المذهب. وقال عطاء: حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة، ومَر، وعُرنة، وضجنان، والرجيع، وقال الزهري: أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه، وقال ابن زيد: أهل مكة، وذي طوى، وفج، وما يلي ذلك. وقال طاووس: حاضرو المسجد الحرام كل من كان داخل الحرم، وقال أبو حنيفة: هم من كانوا داخل المواقيت سواء كانوا مكيين أو غيرهم ساكني الحرم أو الحل. وصاية بالتقوى بعد بيان الأحكام التي لا تخلو عن مشقة للتحذير من التهاون بها، فالأمر بالتقوى عام، وكون الحج من جملة ذلك هو من جملة العموم وهو أجدر أفراد العموم، لأن الكلام فيه. وقوله: {واعلموا أن الله شديد العقاب} افتتح بقوله: {واعلموا} اهتماماً بالخبر فلم يقتصر بأن يقال: {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} فإنه لو اقتصر عليه لحصل العلم المطلوب، لأن العلم يحصل من الخبر، لكن لما أريد تحقيق الخبر افتتح بالأمر بالعلم، لأنه في معنى تحقيق الخبر، كأنه يقول: لا تشكوا في ذلك، فأفاد مفاد إن، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: { أية : واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } تفسير : [البقرة: 194].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}. اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم: هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت. وقال قوم: المراد به حبس المحرم بسبب مرض ونحوه. وقال قوم: المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك. ولكن قوله تعالى بعد هذا:{فَإِذَآ أَمِنتُمْ}، يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم. لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض، كما في حديث "حديث : من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص"تفسير : ، أخرجه ابن ماجه في سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف. وقد يجاب أيضاً بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن. لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها. فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها. لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر. وحاصل تحرير هذه المسالة في مبحثين: الأول: في معنى الإحصار في اللغة العربية. الثاني: في تحقيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء وأدلتها في ذلك، ونحن نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى. اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصاراً، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب: حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصراً بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان من العدو قوله تعالى: {أية : وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية. قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 273] الآية. وقول ابن ميادة: شعر : وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول تفسير : وعكس بعض علماء العربية، فقال: الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في المجمل، نقله عنه القرطبي. ونقل البغوي نحوه عن ثعلب. وقال جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري. قال مقيده - عفا الله عنه - لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه إن شاء الله، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار. وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير - رضي الله عنهم - وبه قال مروان وإسحاق، وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهم الله. وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحللاً بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين: الأول: أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196] نزلت في صد المشركين النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء. وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، الذي هو سبب نزولها، قطعي، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه. وروي عن مالك - رحمه الله - أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول الجمهور وإليه اشار في مراقي السعود بقوله: شعر : واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظناً تصب تفسير : وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى، وأنه نزل به القرآن العليم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز. الأمر الثاني: ما ورد من الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في مسنده، والبيهقي عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو. قال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه أيضاً ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان يقول: "أليس حسبتم سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حبس أحدكم عن الحجِّ طاف بالبيت، وَبالصَّفا والمروة، ثمَّ يحل من كل شيءٍ حتى يحج عاماً قابلاً فيهدي أَو يصوم إن لم يجد هدياً". ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي عن ابن عمر أنه قال: "المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بدَّ له منها أو الدَّواء صنع ذلك وافتدى". ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضاً عن أيوب السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديماً أنه قال: خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطَّريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والنَّاس فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة. والرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك. قال ابن عبد البر: هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، شيخ أيوب ومعلمه كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طرق، وسمّى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير. ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضاً عن سليمان بن يسار "أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل - على الماء الَّذي كان عليه - عن العلماء، فوجد عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه ويفتدي، فإذا صحَّ اعتمر فحل من إحرامه، ثمَّ عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي". قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أُحصر بغير عدو، وقد أَمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري، وهبَّار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النَّحر أن يحلا بِعمرة ثم يرجعا حلالاً، ثم يحجان عاماً قابلاً ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إذا رجع إلى أهله. ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: "المحرم لا يحله إلا البيت"، والظاهر أنها تعني غير المحصر بعدو، كما جزم به الزرقاني في شرح الموطأ. هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو دون ما كان من مرض ونحوه. القول الثاني: في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان من مرض ونحوه، من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم. وممن قال بهذا القول ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، والثوري، والحسن، وأبو ثور، وداود وهو مذهب أبي حنيفة. وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الذي قبله. وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى" تفسير : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: من عرج، أو كسر، أو مرض، فذكر معناه. وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي من حبس بكسر أو مرض، هذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عكرمة هذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة. وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول، ورد المخالفون الاحتجاج بحديث عكرمة هذا من وجهين: الأول: ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى. قال: وقد حمله بعض أهل العلم إن صح على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض. فقد روينا عن ابن عباس ثابتاً عنه قال: لا حصر إلا حصر عدو والله أعلم. انتهى منه بلفظه. الوجه الثاني: هو حمل حله المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر، والتحقيق: جواز الاشتراط في الحج بأن يحرم، ويشترط أن محله حيث حبسه الله، ولا عبرة بقول من منع الاشتراط، لثبوته عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج الشيخان حديث : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير. فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة. فقال لها: "حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني"تفسير : . وكانت تحت المقداد بن الأسود. وقد أخرج مسلم في صحيحه وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن ضباعة بنت الزبير قالت يا رسول الله: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فكيف تأمرني أأهل؟ قال أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني، قال فأدركت ". تفسير : وللنسائي في رواية "وقال: حديث : فإن لك على ربك ما استثنيت ". تفسير : القول الثالث: في المراد بالإحصار أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة، دون ما كان من العدو. وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به، فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق. ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول، كما عليه الجمهور وهو الحق. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة. لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} [البقرة: 196] الآية. ولا سيما على قول من قال من العلماء: إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو قول جماعة من أهل العلم. وأما حديث عكرمة الذي رواه عن الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، فلا تنهض به حجة. لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام. بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم، من أنه صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير ابن عبد المطلب "حديث : حجّي واشترطي" تفسير : ولو كان التحلل جائزاً دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وإليه اشار في مراقي السعود بقوله: شعر : والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا تفسير : وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح، فإن قيل: يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره، على أنه يحل، وعليه حجة أخرى، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى. وحديث الحجاج بن عمرو، قال فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فقد حل وعليه حجة أخرى ". تفسير : فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم، لأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون. قال البخاري في صحيحه في باب "من قال ليس على المحصر بدل" ما نصه: وقال مالك وغيره ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه. لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا، وحلوا من كل شيءٍ قبل الطَّواف، وقبل أَن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أَمر أحداً أن يقضوا شيئاً، ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم. انتهى منه بلفظه. وقد قال مالك في الموطأ إنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أَن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمر أحداً من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئاً، ولا يعودوا لشيء انتهى بلفظه من الموطأ. ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما، قالوا: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات. وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية، وكانت عدتهم ألفين. لأن الشافعي - رحمه الله - قال: والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت. لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال أهـ. فهذا الشافعي - رحمه الله - جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة، في نفس، ولا مال. وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي. وقال ابن حجر في الفتح: ويمكن الجمع بين هذا إن صح، وبين الذي قبله، بأن الأمر كان على طريق الاستحباب. لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقال الشافعي في عمرة القضاء: إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة أهـ. وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن عمر قاله ابن حجر. وقال البخاري في صحيحه في الباب المذكور ما نصه: "وقال روح عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: إنما البدل على من نقض حجة بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك، فإنه يحلُّ ولا يرجع. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وفيه: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه أهـ. فإذا علمت هذا وعلمت أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن روى عنه عكرمة الحديث الذي روي عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به، ولا سيما إن كان ابن عباس الذي دعا له النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحجاج بن عمرو وعليه حجة أخرى، محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام، تعلم أن الجمع الأول الذي ذكرنا هو المتعين، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح. لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام أهـ. وأما على قول من قال إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر، كما تقدم. فهو من حيث إن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي، أو يصوم إن لم يجد هدياً أهـ. وفي المسألة قول رابع: وهو أنه لا إحصار بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم بعذر، كائناً ما كان، وهو ضعيف جداً، ولا معول عليه عند العلماء. لأن حكم الإحصار منصوص عليه في القرآن والسنة، ولم يرد فيه نسخ، فادعاء دفعه بلا دليل واضح السقوط كما ترى، هذا هو خلاصة البحث في قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196]. وأما قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196] فجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، و الحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بما استيسر من الهدي، إنما هو الإبل والبقر دون الغنم، وهذا القول مروي عن عائشة، وابن عمر، وسالم، و القاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وغيرهم. قال ابن كثير: والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر. ففي الصحيحين عن جابر قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة". قال مقيده - عفا الله عنه - لا يخفى أن التحقيق في هذه المسالة: أن المراد بما استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هدياً، وذلك شامل لجميع الأنعام: من إبل، وبقر، وغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، والناقة والبقرة أولى بالإجزاء. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أهدى صلى الله عليه وسلم مرة غنماً". فروع تتعلق بهذه المسالة الفرع الأول: إذا كان مع المحصر هدْيٌ لزمه نحره إجماعاً، وجمهور العلماء على أنه ينحره في المحل الذي حصر فيه، حلاًّ كان أو حرماً، وقد نحر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحديبية وجزم الشافعي وغيره بأن الموضع الذي نحروا فيه من الحديبية من الحل لا من الحرم، واستدل لذلك بدليل واضح من القرآن وهو قوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} تفسير : [الفتح: 25] فهو نص صريح في أن ذلك الهدي لم يبلغ محله، ولو كان في الحرم لكان بالغاً محله، وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه، قال: "لما حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا بالحديبية، وبعث الله ريحاً فحملت شعورهم فألقتها في الحرم"، وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة الحديبية بقوله: شعر : ونحروا وحلقوا وحملت شعورهم لبيت ريح قد غلت تفسير : قال ابن عبد البر في الاستذكار: فهذا يدل على أنهم نحروا في الحل، وتعقبه ابن حجر في فتح الباري: بأنه يمكن أن يكونوا أرسلوا هديهم مع من ينحره في الحرم، قال: وقد ورد في ذلك حديث ناجية بن جندب الأسلمي قال: قلت: يا رسول الله ابعث معي الهدي حتى أنحره في الحرم. أخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال عن ناجية عن أبيه: لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك دال على الجواز، والله أعلم، انتهى كلام ابن حجر. وخالف في هذه المسالة ابو حنيفة - رحمه الله - الجمهور وقال: لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، فيلزمه أن يبعث به إلى الحرم، فإذا بلغ الهدي محله حل، وقال: إن الموضع الذي نحر فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية من طرف الحرم، واستدل بقوله بعد هذه الآية: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]، ورد هذا الاستدلال بما قدمنا من أنه نحر في الحل، وأن القرآن دل على ذلك، وأن قوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ} [البقرة: 196] الآية، معطوف على قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196] لا على قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، أو أن المراد بمحله المحل الذي يجوز نحره فيه، وذلك بالنسبة إلى المحصر حيث أحصر، ولو كان في الحل. قال مقيده - عفا الله عنه-: التحقيق في هذه المسالة هو التفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحل مع تيسر الحرم، وإن كان لا يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل. قال البخاري في صحيحه في "باب من قال ليس على المحصر بدل" ما نصه: وقال روح عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، رضي الله عنهما: إنما البدل على من نقض حجة بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع. وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله اهـ محل الغرض منه بلفظه، ولا ينبغي العدول عنه، لظهور وجهه كما ترى. الفرع الثاني: إذا لم يكن مع المحصر هدي فهل عليه أن يشتري الهدي ولا يحل حتى يهدي، أو له أن يحل بدون هدي؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الهدي واجب عليه لقوله تعالى: {فَإِنْ اُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، فلا يجوز له التحلل بدونه إن قدر عليه، ووافق الجمهور أشهب من أصحاب مالك، وخالف مالك وابن القاسم الجمهور في هذه المسالة، فقالا: لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار. وحجة الجمهور واضحة وهي قوله تعالى: {فَإِنْ اُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، فتعليقه ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على شرطه، يدل على لزوم الهدي بالإحصار لمن أراد التحلل به، دلالة واضحة كما ترى، فإن عجز المحصر عن الهدي فهل يلزمه بدل عنه أو لا؟ قال بعض العلماء: لا بدل له إن عجز عنه، وممن قال لا بدل لهدي المحصر أبو حنيفة - رحمه الله - فإن المحصر عنده إذا لم يجد هدياً يبقى محرماً حتى يجد هدياً، أو يطوف بالبيت. وقال بعض من قال بأنه لا بدل له، إن لم يجد هدياً حل بدونه، وإن تيسر له بعد ذلك هدي أهداه. وقال جماعة: إن لم يجد الهدي فله بدل، واختلف أهل هذا القول في بدل الهدي. فقال بعضهم: هو صوم عشرة أيام قياساً على من عجز عما استيسر من الهدي في التمتع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وهو إحدى الروايات عن الشافعي، وأصح الروايات عند الشافعية في بدل هدي المحصر أنه بالإطعام، نص عليه الشافعي في كتاب الوسط، فتقوم الشاة ويتصدق بقيمتها طعاماً، فإن عجز صام عن كل مد يوماً، وقيل: إطعام كإطعام فدية الأذى وهو ثلاثة آصع لستة مساكين، وقيل: بدله صوم ثلاثة ايام، وقيل: بدله صوم بالتعديل، تقوم الشاة ويعرف قدر ما تساوي قيمتها من الأمداد، فيصوم عن كل يوم مداً، وليس على شيء من هذه الأقوال دليل واضح، وأقربها قياسه على التمتع، والله تعالى أعلم. الفرع الثالث: هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق أو تقصير أو لا يلزمه شيء من ذلك؟ اختلف العلماء في هذا، فذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - ومحمد، إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي. واحتج أهل هذا القول بأن الله قال: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، ولم يذكر الحلق ولو كان لازماً لبينه. واحتج أبو حنيفة ومحمد لعدم لزوم الحلق، بأن الحلق لم يعرف كونه نسكاً إلا بعد أداء الأفعال، وقبله جناية، فلا يؤمر به، ولهذا العبد والمراة إذا منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعاً. وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان على الخلاف في الحلق، هل هو نسك أو إطلاق من محظور؟ وذهب جماعة من أهل العلم منهم مالك وأصحابه إلى أن المحصر عليه أن يحلق، قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من لزوم الحلق، لقوله تعالى: {فَإِنْ اُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة حديث : عنه صلى الله عليه وسلم، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية، وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا وقال: "اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: والمقصِّرين" . تفسير : فهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق على المحصر، وقياس من قال بعدم اللزوم، الحلق على غيره من أفعال النسك التي صد عنها، ظاهر السقوط، لأن الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة مثلاً، كل ذلك منع منه المحصر وصد عنه، فسقط عنه، لأنه حيل بينه وبينه، ومنع منه. وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله؛ فلا وجه لسقوطه، ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. وعلى القول الصحيح من أن الحلاق نسك، فالمحصر يتحلل بثلاثة اشياء: وهي النية، وذبح الهدي، والحلاق. وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح. الفرع الرابع: قد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، وفي حجة الوداع، ودل القرآن على أن النحر قبل الحلق في موضعين: أحدهما: قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. والثاني: قوله تعالى في سورة الحج:{أية : لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [الحج: 28] الآية. فالمراد بقوله: {أية : وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ}تفسير : [الحج: 28] الآية، ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعاً، وقد قال تعالى بعده عاطفاً بـ ثم التي هي للترتيب: {أية : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} تفسير : [الحج: 29] الآية. وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق، فهو نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق، ومن إطلاق التفث على الشعر ونحوه، قول أمية بن أبي الصلت: شعر : حقوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثاً ولم يسلوا لهم قملاً وصئبانا تفسير : روى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا: شعر : ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثاً وينزعوا عنهم قملاً وصئبانا تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : قضوا تفثاً ونحباً ثم ساروا إلى نجدٍ وما انتظروا عليا تفسير : فهذه النصوص تدل دلالة لا لبس فيها، على أن الحلق بعد النحر. ولكن إذا عكس الحاج أو المعتمر فحلق قبل أن ينحر، فقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أن ذلك لا حرج فيه، والتعبير بنفي الحرج يدل بعمومه على سقوط الإثم والدم معاً، وقيل فيمن حلق قبل أن ينحر محصراً كان أو غيره، إنه عليه دم، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، قال: عليه دم. قال إبراهيم: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ذكره في المحصر. قال الشوكاني في نيل الأوطار: والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل. قال مقيده - عفا الله عنه-: الظاهر أن الدليل عند من قال بذلك هو الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم، لما صده المشركون عام الحديبية نحر قبل الحلق وأمر أصحابه بذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن المسور، ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: "حديث : قوموا فانحروا ثم احلقوا ". تفسير : وللبخاري عن المسور أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك اهـ. فدل فعله وأمره على أن ذلك هو اللازم للمحصر، ومن قدم الحلق على النحر فقد عكس ما أمر به النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومن أخل بنسك فعليه دم. قال مقيده - عفا الله عنه-: الذي تدل عليه نصوص السنة الصحيحة أن النحر مقدم على الحلق، ولكن من حلق قبل أن ينحر فلا حرج عليه من إثم ولا دم، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أجاب من سأله، بأنه ظن الحلق قبل النحر فحلق قبل أن ينحر، بأن قال له: افعل ولا حرج. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما أيضاً عن ابن عباس حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: لا حرج . تفسير : وفي رواية للبخاري، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه: حديث : سأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعد ما أمسيت، فقال: إفعل ولا حرج . تفسير : وفي رواية للبخاري حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج تفسير : والأحاديث بمثل هذا كثيرة. وهي تدل دلالة لا لبس فيها على أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه من إثم ولا فدية؛ لأن قوله: لا حرج، نكرة في سياق النفي ركبت مع لا فبنيت على الفتح. والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في العموم، فالأحاديث إذن نص صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج من إثم وفدية، والله تعالى أعلم. ولا يتضح حمل الأحاديث المذكورة على من قدم الحلق جاهلاً، أو ناسياً، وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل؛ لأن بعض تلك الأحاديث الواردة في الصحيح ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل، فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص بالنسيان والجهل، وقد تقرر أيضاً في علم الأصول أن جواب المسؤول لمن ساله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال، فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وقد أشار له في مراقي السعود في مبحث موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله عاطفاً على ما يمنع اعتباره: شعر : أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤال أو جرى على الذي غلب تفسير : كما يأتي بيانه في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} تفسير : [البقرة: 229] الآية. وبه تعلم أن وصف عدم الشعور الوارد في السؤال لا مفهوم له. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال: إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها. ولهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب، انتهى محل الغرض منه بلفظه.

الواحدي

تفسير : {وأتموا الحج والعمرة لله} بمناسكهما وحدودهما وسننهما، وتأدية كلِّ ما فيهما {فإن أحصرتم} حُبستم ومُنعتم دون تمامهما {فما استيسر} فواجبٌ عليكم ما تيسَّر {من الهدي} وهو ما يُهدى إلى بيت الله سبحانه، أعلاه بدنةٌ، وأوسطه بقرة، وأدناه شاةٌ، فعليه ما تيسَّر من هذه الأجناس {ولا تحلقوا رؤوسكم} أَيْ: لا تَحِلُّوا من إحرامكم {حتى يبلغ الهدي محلَّه} حتى يُنحر الهدي بمكَّة في بعض الأقوال، وهو مذهب أهل العراق، وفي قول غيرهم: مَحِلُّه حيث يَحِلُّ ذبحه ونحره، وهو حيث أُحصر، وهو مذهب الشَّافعي {فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه} [يعني الهوام تقع في الشَّعر وتكثر] فحلق {ففديةٌ من صيامٍ} وهو صيام ثلاثة أيَّام {أو صدقة} وهي إطعام ستة مساكين. لكلِّ مسكينٍ مُدَّان {أو نسك} ذبيحةٍ {فإذا أمنتم} أَيْ: من العدوِّ، أو كان حجٌّ ليس فيه خوفٌ من عدوٍّ {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} أيْ: قدم مكَّة مُحرماً واعتمر في أشهر الحجِّ، وأقام حلالاً بمكَّة حتى يُنشىء منها الحجَّ عامَه ذلك، واستمتع بمحظورات الإحرام؛ لأنَّه حلَّ بالعمرة، فمن فعل هذا {فـ} عليه {ما استيسر من الهدي فمن لم يجد} ثمن الهدي {فصيام ثلاثة أيام في} أشهر {الحج وسبعة إذا رجعتم} أَيْ: بعد الفراغ من الحجِّ {تلك عشرة كاملة ذلك} أَيْ: ذلك الفرض الذي أُمرنا به من الهدي أو الصِّيام {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} أَيْ: لمَنْ لم يكن من أهل مكَّة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 196- وأدوا الحج والعمرة لله على وجه التمام والكمال قاصدين بهما وجه الله، ولا تقصدوا بهما إصابة عَرَض دنيوى من شهرة ونحوها. وإذا قصدتم الحج والعمرة وأحرمتم بهما فمنعكم عدو فى الطريق فلكم أن تتحللوا من إحرامكم بحلق رءوسكم، ولكن عليكم قبل ذلك ذبح ما تيسر لكم - من شاة أو بعير أو بقرة - والتصدق به على المساكين، ولا تحلقوا رءوسكم حتى تقوموا بهذه النسك، ومن كان مُحْرِماً وأذاه شعر رأسه لمرض أو هوام فى رأسه فلا بأس أن يحلق رأسه، وعليه حينئذٍ أن يفدى عن ذلك بصيام ثلاثة أيام، أو التصدق على ستة مساكين بقوت يوم، أو ذبح شاة والتصدق بها على الفقراء والمساكين. وإذا كنتم فى دار الأمان والسلم ولم يعترض طريقكم عدو، وقصدتم الحج والعمرة وتمتعتم أولا بالعمرة إلى أن يحين وقت الحج فتحرموا، فعليكم ذبح شاة لمساكين الحرم وفقرائه، فمن لم يجد شاة أو لم يقدر على ثمنها صام ثلاثة أيام فى مكة وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وهذا على من لم يكن من أهل مكة، فمن كان من أهلها فلا شئ عليه إذا تمتع. 197- والحج يقع فى أشهر معلومة لكم، إذ كان أمره معروفاً عندكم من عهد إبراهيم - عليه السلام - وهى شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن فرض الحج على نفسه فى هذه الأشهر ودخل فيه فليراع آدابه، ومن آداب الحج أن يتنزه المحرم عن مباشرة النساء، وعن المعاصى من السباب وغيره، وعن الجدل والمراء مع غيره من الحجيج، وعن كل ما يجر إلى الشحناء والخصام حتى يخرج المحرم مهذب النفس، وليجتهد فى فعل الخير، وطلب الأجر من الله بالعمل الصالح فإن الله عليم بذلك ومجاز عليه، وتزودوا لآخرتكم بالتقوى والائتمار بأوامر الله واجتناب نواهيه، فإن ذلك خير الزاد، واستشعروا خشية الله فيما تأتون وما تذرون كما هو مقتضى العقل والحكمة، فلا تشوبوا أفعالكم بدواعى الهوى والغرض الدنيوى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وأتموا الحج والعمرة لله: فإتمامهما أن يحرم بهما من الميقات وأن يأتي بأركانهما وواجباتهما على الوجه المطلوب من الشارع، وأن يخلص فيهما لله تعالى. فإن أحصرتم: الحصر والإِحصار أن يعجز الحاج أو المعتمر عن إتمام حجه أو عمرته إما بعدو يصده عن دخول مكة أو مرض شديد لا يقدر معه على مواصلة السير إلى مكة. فما استيسر من الهدي: أي فالواجب على من أحصر ما تيسر له من الهدي شاة أو بقرة أو بعير. ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله: لا يتحلل المحصر من إحرامه حتى يذبح ما تيسر له من الهدى فإن ذبح تحلل بحلق رأسه. ففدية: فالواجب هو فدية من صيام أو صدقة أو نسك. فمن تمتع بالعمرة إلى الحج: فمن أحرم بعمرة في أشهر الحج وتحلل وبقي في مكة ينتظر الحج وحج فعلاً فالواجب ما استيسر من الهدي. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام: فمن تمتع بالعمرة ولم يجد هدياً لعجزه عنه فالواجب صيام عشرة أيام ثلاثة في مكة وسبعة في بلده. ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام: أي ما وجب من الهدي أو الصيام عند العجز وهو لغير أهل الحرم أما سكان مكة والحرم حولها وهم أهل الحرم فلا يجب عليهم شيء إن تمتعوا. معنى الآية الكريمة: يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يتموا الحج والعمرة له سبحانه وتعالى فيأتوا بها على الوجه المطلوب وأن يريدوا بهما الله تعالى، ويخبرهم أنهم إذا أحصروا فلم يتمكنوا من إتمامهما فالواجب عليهم أن يذبحوا أو ينحروا ما تيسر لهم فإذا ذبحوا أو نحروا حلوا من إحرامهم، وذلك بحلق شعر رؤوسهم أو تقصيره، كما أعلمهم أن من كان منهم مريضاً أو به أذى من رأسه واضطر إلى حلق شعر رأسه أو لبس ثوب أو تغطية رأس فالواجب بعد أن يفعل ذلك فدية وهي واحد من ثلاثة على التخيير: صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين حفنتان من طعام، أو ذبح شاة. كما أعلمهم أن من تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يكن من سكان الحرم أن عليه ما استيسر من الهدي شاة أو بقرة أو بعير فإن لم يجد ذلك صام ثلاثة أيام في الحج من أول شهر الحجة إلى يوم التاسع منه وسبعة أيام إذا رجع إلى بلاده. وأمرهم بتقواه عز وجل وهي امتثال أوامره والأخذ بتشريعه وحذرهم من إهمال أمره والإِستخفاف بشرعه فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. هداية الآية: من هداية الآية: 1- وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما بالإحرام من الميقات، وإن كان الحج تطوعاً والعمرة غير واجبة. 2- بيان حكم الإِحصار وهو ذبح شاة من مكان الإِحصار ثم التحلل بالحلق أو التقصير، ثم القضاء من قابل إن تيسر ذلك للعبد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى هو وأصحابه العمرة التي صدوا فيها عن المسجد الحرام عام الحديبية. 3- بيان فدية الأذى وهي أن من ارتكب محظوراً من محظورات الإِحرام بأن حلق أو لبس مخيطاً أو غطى رأسه لعذر وجب عليه فدية وهي صيام أو إطعام أو ذبح شاة. 4- بيان حكم التمتع مفصلا وهو أن من كان من غير سكان مكة والحرم حولها إذا أحرم بعمرة في أشهر الحج وتحلل منها وبقي في مكة وحجّ من عامه أن عليه ذبح شاة فإن عجز صام ثلاثة أيام في مكة وسبعة في بلاده. 5- الأمر بالتقوى وهي طاعة الله تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه، والتحذير من (تركها لما يترتب عليه من العقاب الشديد).

القطان

تفسير : الحصر والاحصار: الحبس والمنع. والهَدي: هو ما يهديه الحاج الى البيت الحرام من الأنعام. المحل: مكان الحلول. تقدمت الاشارة الى الحج في الآية: 189. ثم الى الأشهر الحرم والقتال فيها. وفي هذه الآية والآيات التي تليها يفصّل الله تعالى مناسك الحج. فيقول: وأدوا الحج والعمرة على وجه التمام قاصدين بهما وجه الله. والحج معروف، وقته في التاسع من ذي الحجة والأيام الثلاثة التي تليه. ويشتمل الحج على الطواف بالبيت اول ما يصل الحاج الى الحرم. ثم الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة. ثم النزول بالمشعَر الحرام. ثم الذهاب الى مِنى ورمي الجمار والنحر، وبعد ذلك الذهاب الى الحرم ليطوف طواف الافاضة ثم يسعى بين الصفا والمروة، وبعد ذلك يحلق الحاج رأسه أو يقصّر من شعره. بذلك يتم الحج. وهو فرض مرةً واحدة على المستطيع. وأما العمرة فانها سنّة، ولا وقت معين لها، وهي تشتمل على الاحرام، ثم الطواف ثم السعي، وبعد ذلك يحلق المعتمر شعره أو يقصّر وينحر اذا كان عليه دم، هذه مناسك العمرة. {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} مُنعتم وأنتم محرمون من اتمام الحج، وبسبب عدوّ أو مرض أو نحوهما، وأردتم ان تتحلّلوا ـ فعليكم ان تذبحوا ما تيسّر لكم من الهدي، بقرة أو شاة أو بدنة.. ثم تتحللون. ويجب ذبح الهدي في المكان الذي حصل فيه المنع. ولا تحلقوا رؤوسكم قبل أن تقوموا بهذا النسك. ومن كان محرماً وآذاه شعر رأسه لمرض أو هوامٍ في رأسه فلا بأس ان يحلق، شريطة ان يصوم ثلاثة أيام، او يتصدق على ستة من الفقراء بقوت يومٍ لكل واحد، او ان يذبح شاة، ويتصدق بها. واذا قصدتم الحج والعمرة، وبدأتم بالعمرة واتممتم مناسكها وتحللتم ثم احرمتم للحج من مكة ـ فعليكم عند ذلك ذبح شاة، أو غيرها من الهدي. فمن لمن يجد شاة، فان عليه ان يصوم عشرة ايام: ثلاثة في الحج، وسبعة في وطنه عندما يرجع.. هذا اذا لم يكن من سكان الحرم. واتقوا الله ايها المؤمنون وحافظوا على امتثال أوامره، واعلموا انه شديد العقاب لمن انتهك حرماته.

د. أسعد حومد

تفسير : {ثَلاثَةِ} {رُؤُوسَكُمْ } (196) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِكْمَالِ أَفْعَالِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، وَذلِكَ بِأَدَاءِ المَنَاسِكِ عَلَى وَجْهِهَا التَّامِ الصَّحِيحِ، وَبِالإِخْلاَصِ للهِ تَعَالَى دُونَ قَصْدِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ. فَإِنْ مُنِعْتُمْ مِنَ الوُصُولِ إِلى البَيْتِ (أُحْصِرْتُمْ) وَتَعَذَّرَ عَلَيْكُمْ إِتْمَامُهَا، بِسَبَبِ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيرِ ذلِكَ، فَقَدْ رَخَّصَ اللهُ لَكُمْ بِأَنْ تَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، بِأَنْ تَذْبَحُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الهَدْيِ، ثُمَّ تَحْلقُوا رُؤُوسَكُمْ. أَمَّا الذِينَ لاَ يَعْتَرِضُهُمْ مَانِعٌ فَعَلَيهِمْ أَنْ يُتمُّوا أَفْعَالَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. وَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ لاَ يَحْلقُوا رُؤُوسَهُمْ حَتَّى يَفْرَغُوا مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَيَنْحَرُوا هَدْيَهُمْ فِي المَكَانِ الذِي يَحِلُّ فِيهِ ذَبْحُهُ، وَهُوَ مَكَانُ الإِحْصَارِ أَوِ الكَعْبَةِ. فَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ مِنْ قُمَّلٍ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ أَبَاحَ اللهُ لَهُ حَلْقَ شَعْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ أَفْعَالَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَ مِنْ ذلِكَ بِصِياَمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ (نُسُكٍ) وَتَوْزِيعِ لَحْمِهَا عَلَى الفُقَرَاءِ. وَالمَرِيضُ مُخَيَّرٌ بِأَنْ يَفْعَلَ أَيَّها شَاءَ. فَإِذَا تَمَكَّنَ المُسْلِمُونَ مِنْ أَدَاءِ مَنَاسِكَهِمْ (أَمِنْتُمْ) فَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعاً بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ (أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ وَيَنْتَقِلَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى وَقْتِ الانتِفَاعِ بِأَعْمَالِ الحَجِّ) - وَهذا يَشْمَلُ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا، أَوْ أَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ أَولاً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالحَجِّ - فَلْيَذْبَحْ مَا قَدِرَ عَلَيهِ مِنَ الهَدْيِ وَأَقَلُّهُ شَاةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً، أَوْ مَنْ لَمْ يَجِدْ ثَمَنَهُ، فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ (أَيْ فِي المَنَاسِكِ)، وَالأَوْلى أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَمِنَ الفُقَهَاءِ مَنْ يُجِيزُ صَوْمَها مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، ثُمَّ يَصُومُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِذا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَالتَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ خَاصٌ بِأَهْلِ الآفَاقِ، أَما أَهْلُ مَكَّةَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ إِذا تَمَتَّعُوا. وَأَمَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِالتَّقْوَى فِيمَا أَمْرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّه شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَارْتَكَبَ مَا نَهَى عَنْهُ. الهَدْيُ - هُوَ مَا يُهْدَى إِلَى الكَعْبَةِ مِنَ الذَّبَائِحِ، بَعيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ، وَيتُصَدَّقُ بِاللَحْمِ عَلَى المَسَاكِينِ. أُحْصِرْتُمْ - مُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمامِ مَنَاسِكِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. فَمَا اسْتَيْسَرَ - مَا تَيَسَّرَ. لاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ - لاَ تَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِحَلْقِ شُعُورِكُمْ. يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ - مَكَانَ وُجُوبِ ذَبْحِهِ وَهُوَ الحَرَمُ أَوْ مَكَانُ الإِحْصَارِ. نُسُكٍ - ذَبِيحَةٍ وَيُرادُ بِهَا هُنَا شَاةٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والنسق القرآني نسق عجيب، فأنتم تذكرون أنه تكلم عن الصيام، ورمضان يأتي قبل أشهر الحج، فكان طبيعياً أن يتكلم عن الحج بعد أن تكلم عن رمضان وعن الأهلة وعن جعل الأهلة مواقيت للناس والحج كما أن هناك شيئاً آخر يستدعي أن يتكلم في الحج وهو الكلام عن القتال في الأشهر الحرم، وعن البيت الحرام فقد قال سبحانه:{أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ..}تفسير : [البقرة: 191]. إذن فالكلام عن الحج يأتي في سياقه الطبيعي. وحين يقول الله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196] نفهم منه أن الأمر بإتمام الشيء لا يكون إلا إذا جاء الأمر بفرض هذا الفعل، فكأنك بدأت في العمل بعد التشريع به، ويريد منك سبحانه ألا تحج فقط، ولكن يريد منك أن تتمه وتجعله تامّاً مستوفياً لكل مطلوبات المشرع له. وساعة يقول الحق: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ} [البقرة: 196] لقائل أن يقول: إن الحج شيء والعمرة شيء آخر، بدليل عطفها عليه، والعطف يقتضي المغايرة كما يقتضي المشاركة، فإن وُجدَت مشاركة ولم توجد مغايرة فلا يصح العطف، بل لابد أن يوجد مشاركة ومغايرة. والمشاركة بين الحج والعمرة أن كليهما نسك وعبادة، وأما المغايرة فهي أن للحج زمناً مخصوصاً ويشترط فيه الوقوف بعرفة، وأما العمرة فلا زمن لها ولا وقفة فيها بعرفة. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في مشروعية الحج: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ..}تفسير : [آل عمران:97]. ولم يأت في تلك الآية بذكر العمرة، ومنها نعرف أن الحج شيء والعمرة شيء آخر، والمفروض علينا هو الحج. ولذلك أقول دائماً لابد لنا أن نأخذ القرآن جملة واحدة، ونأتي بكل الآيات التي تتعلق بالموضوع لنفهم المقصود تماماً، فحين يقول الحق في قرآنه أيضاً: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196] نعرف من ذلك أن العمرة غير الحج، وحين تقرأ قول الله في سورة براءة: {أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ..}تفسير : [التوبة: 3]. نعرف أن هناك حجاً أكبر، وحجاً ثانياً كبيراً. ولذلك فآية {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97] جاءت بالبيت المحرم، وهو القَدْرُ المشترك في الحج والعمرة. ونعرف أن الحج الأكبر هو الحج الذي يقف فيه المسلم بعرفة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الحج عرفة"تفسير : . وهو الحج الأكبر؛ لأن الحشد على عرفة يكون كبيراً، وهو يأتي في زمن مخصوص ويُشترط فيه الوقوف بعرفة. إذن قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97] الحج هو القصد إلى مُعظّم وهو "حج البيت"، أما العمرة فهي الحج الكبير وزمانها شائع في كل السنة، والقاصدون للبيت يتوزعون على العام كله. وذلك قد ثبت بالتشريع بقوله سبحانه: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97]. وما دام جاء بالأمر المشترك في قوله: حج البيت فهو يريد الحج الأكبر والحج الكبير. والحق سبحانه وتعالى يخاطب عباده ويعلم أن بعض الناس سيقبلون على العبادات إقبالاً شكلياً، وقد يقبلون على العبادة لأغراض أخرى غير العبادة، فكان لابد أن يبين القصد من الحج والعمرة، وأن المطلوب هو إتمامها، ولابد أن يكون القصد لله لا لشيء آخر، لا ليقال "الحج فلان"، أو ليشتري سلعاً رخيصة ويبيعها بأغلى من ثمنها بعد عودته. ونحن نعلم أن الحج هو العبادة الوحيدة التي يستمر اقترانها بفاعلها، فمثلاً لا يقال: "المصلى فلان" ولا "المزكي فلان"، فإن كان الحاج حريصاً على هذا اللقب، وهو دافعه من وراء عبادته فلا بد ألا يخرج بعبادته عن غرضها المشروعة من أجله، إن الحق يقول: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196]. وكلمة "لله" تخدمنا في قضايا متعددة، فما هي هذه القضايا؟ إن المسلم عندما يريد أن يحج لله فلا يصح أن يحج إلا بمال شرع الله وسائله. كثير من الناس حين يسمعون الحديث الشريف:"حديث : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ". تفسير : يعتقدون أن الإنسان له أن يرتكب ما يشاء من معاص ومظالم، ثم يظن أن حجة واحدة تُسقط عنه كل ذنوبه، نقول لهؤلاء: أولاً: لابد أن تكون الحجة لله. وثانياً: أن تكون من مال حلال، وما دامت لله ومن مال حلال فلا بد أن نعرف ما هي الذنوب التي تسقط عنه بعد الحج، فليست كل الذنوب تسقط، وإنما الذنوب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الذنب المتعلق بالله أنت لم تظلم الله به، لكن ظلمت نفسك، ولكن الذنب المتعلق بالبشر فيه إساءة لهم أو انتقاص من حقوقهم، وبالتالي فإن ظلم العباد لا يسقط إلا برد حقوق العباد. ونعرف أن العمرة هي قصد البيت الحرام في مطلق زمان من العام، والحج قصد البيت في خصوص زمان من العام، ويقول بعض العلماء: إن هذا تكليف وذاك تكليف، فهل يجوز أداؤهما معاً، أم كل تكليف يؤدى بمعزل عن الآخر؟ وبعضهم تناول ملحظيات الفضل والحسن، فالذي يقول: إن الإفراد بالحج أحسن، فذلك لأنه خص كل نُسِك بسفرة، والذي يقول: يؤديهما معاً ويحرم بالحج والعمرة معاً بإحرام واحد، فيذهب أولاً ويأتي بنسك العمرة، ثم يظل على إحرامه إلى أن يخرج إلى الحج، وفي هذه الحالة يكون قد قرن الأمرين معاً؛ أي أداهما بإحرام واحد وهذا ما يفضله بعض من العلماء؛ لأن الله علم أن العبد قد أدى نُسكين بإحرام واحد، وهناك إنسان متمتع أي يؤدي العمرة، ثم يتحلل منها، وبعد ذلك يأتي قبل الحج ليحرم بالحج، وهذا اسمه التمتع، وهو متمتع لأنه تحلل من الإحرام، ومن العلماء من يقول: إن التمتع أحسن لأنه فصل بين أمرين بما أخرجه عَنْ العادة، أحرم ثم تحلل ثم أحرم. إذن كل عالم له ملحظ، فكأن الله لا يريد أن يضيق على خلقه في أداء نُسك على أي لون من الألوان. وقد احتاط المشرع سبحانه وتعالى عند التكليف، واحترم كل الظروف سواء كانت الظروف التي قد تقع من غير غريم وهو القدريات، أو تقع من غريم، وهي التي لها أسباب أخرى فقال: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]. وأحصرتم تعني مُنِعْتُم. وهناك "حصر" وهي للقدريات، وهناك "أحصر" وتكون بفعل فاعل مثل تدخل العدو كما حوصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الحديبية، وقيل له لا تدخل مكة هذا العام، لذلك فالحق سبحانه وتعالى يخفف عنا وكأنه يقول لنا: أنا لا أهدر تهيؤ العباد، ولا نيتهم ولا استعدادهم ولا إحرامهم؛ فإن أُحصِروا {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196] والهدي هو ما يتم ذبحه تقرباً إلى الله، وكفارة عما حدث. ثم يقول بعد ذلك: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] أي إلى أن يبلغ المكان المخصص لذلك، هذا إن كنت سائق الهدى، أما إن لم تكن سائق الهدى فليس ضرورياً أن تذبحه، ويكفي أن تكلف أحداً يذبحه لك، وقوله الحق: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196] تعني أنه يصح أن يذبح الإنسان الهدي قبل عرفة، ويصح أن نؤخره ليوم النحر، ويصح أن يذبحه بعد ذلك كله. {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196] تعني أيضاً إن كان الحصول على الهدي سهلاً، سواء لسهولة دفع ثمنه، أو لسهولة شرائه، فقد توجد الأثمان ولا يوجد المُثمَّن. "والهدي" هو ما يُهدى للحرم، أو ما يهدي الإنسان إلى طريق الرشاد، والمعنى مأخوذ من الهُدى، وهو الغاية الموصلة للمطلوب. وقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] فالمريض الذي لا يستطيع أن يذبح الهدي وعنده أذى من رأسه حديث : كالصحابي الذي كان في رأسه قمل، وكان يسبب له ألماً، فقال له رسول الله: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك بشاة" ". تفسير : إنها تشريعات متعاقبة وكل تشريع له مناسبة، فكما شرع لمن أحصر ما استيسر من الهدى، كذلك شرع لمن حلق رأسه لمرض أن كان به أذى من رأسه، شرع له ثلاثة أشياء: صيام أو صدقة أو نسك. والمتأمل لهذه الأشياء الثلاثة يجد أنها مرتبة ترتيباً تصاعدياً؛ فالصيام هو أمر لا يتعدى النفع المباشر فيه إلى الغير، والصدقة عبادة يتعدى النفع فيها للغير، ولكن بقدر محدود لأنها إطعام ستة أفراد مثلاً، والنسك هو ذبيحة، ولحمها ينتفع به جمع كبير من الناس. فانظر إلى الترقي في النفع، إما صوم ثلاثة أيام، وإما إطعام ستة مساكين، وإما ذبح ذبيحة أي شاة. إن هذا تصعيد من الأضعف للأقوى كل بحسب طاقته ومقدرته. والحق سبحانه وتعالى ساعة يشرع كفارات معينة فذلك من أجل مراعاة العمليات المطلوبة في الحج، والمناسبة لظروف وحالة المسلم، فأباح له في حالة التمتع مثلاً أن يقسم الصوم إلى مرحلتين: ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم. إنه الترقي في التشريعات، واختيار للأيسر الذي يجعل المؤمن يخرج من المأزق الذي هو فيه. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]. وكلمة "فمن لم يجد" معناها أنه لا يملك، وهذا الذي لا يملك نقول له: لا تفعل كما يفعل كثير من الناس قبل أن يطوفوا، إن بعضهم يذهب للسوق ويشتري الهدايا، وبعد ذلك ساعة وجوب الهدي عليه يقول: ليس معي ولذلك سأصوم. هنا نقول له: ألم يكن ثمن تلك الهدايا يصلح لشراء الهدي؟ إنه لأمر غريب أن تجد الحاج يشتري هدايا لا حصر لها؛ ساعات وأجهزة كهربائية ويملأ حقائبه، ثم يقول لا أجد ما أشتري به الهدي. أليس ذلك غشاً وخداعاً؟ إن مَنْ يفعل ذلك يغش نفسه. إذن قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [البقرة: 196] يعني لا يجد حقاً، لا مَنْ تنفد أمواله في الهدايا، ثم يصبح صفر اليدين، ولذلك فالذين يحسنون أداء النسك لا يشترون هداياهم إلا بعد تمام أداء المطلوب في النسك، وإن بقي معهم مال اشتروا على قدر ما معهم. والذين ينفقون أموالهم في شراء الهدايا ثم يأتون عند {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196] ويقولون ليس معنا ثمن الهدى وسنصوم، الغريب أنهم لا يتذكرون الصوم إلا عند عودتهم، ألم يكن الأفضل للواحد منهم أن يصوم من البداية، من لحظة أن يعرف أنه لا يملك ثمن الهدى ويدخل في الإحرام للعمرة؟ إن المفروض أن يبدأ في صوم الثلاثة أيام حتى يكون عذره مسبقاً وليس لاحقاً وبعض العلماء أباح صوم أيام التشريق، وأيام التشريق الثلاثة هي التي تلي يوم العيد لأنهم كانوا "يشرقون اللحم" أي يبسطونه في الشمس ليجف ويقدد. وبعد ذلك عندما ينتهي من أداء المناسك إما أن يصوم السبعة الأيام في الطريق وهو عائد، أو عندما يصل لمنزله، إن له أن يختار ما يناسبه {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] ومعروف أن "ثلاثة" و"وسبعة" تساوي "عشرة"، وذلك حتى لا يظن الناس أن المقصود إما صوم ثلاثة أيام وإمّا سبعة أيام، ولذلك قال: {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] حتى لا يلتبس الفهم. وربما أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إلى أن الصائم سيصوم عشرة أيام فهي كاملة بالنسبة لأداء النسك. وليس الذابح بأفضل من الصائم، فما دام لم يجد ثمن الهدي وصام العشرة الأيام، فله الأجر والثواب كمن وجد وذبح. فإياك أن تظن أن الصيام قد يُنقصُ الأجر أو هو أقل من الذبح. ويقول الحق: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 196]، وهذا التشريع مقصود به مَنْ لم يكن أهله مقيمين بمكة. ونعرف أن حدود المسجد الحرام هي اثنا عشر ميلاً، والمقيم داخل هذه المسافة لا يلزمه ذبح ولا صوم، لماذا؟ بعض العلماء قال: لأن المقيمين حول المسجد الحرام طوافهم دائم فيغنيهم عن العمرة، فإن حج لا يدخل في هذا التشريع. ويختم الحق هذه الآية بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 196]. كيف يقول الحق: إنه شديد العقاب في التيسيرات التي شرعها؟ أي: إياكم أن تغشوا في هذه التيسيرات، فليس من المعقول أو من المقبول أن ندلس شيئاً فيها، لذلك حذرنا سبحانه من الغش في هذه المناسك بقوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 196]. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام، أعقب ذلك بذكر أحكام الحج لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأمّا آيات القتال فقد ذكرت عَرضاً لبيان حكمٍ هام وهو بيان الأشهر الحرم والقتال فيها وفيما لو تعرّض المشركون للمؤمنين وهم في حالة الإِحرام هل يباح لهم ردُّ العدوان عن أنفسهم والقتال في الأشهر الحرم؟ فقد وردت الآيات السابقة تبيّن حكمة الأهلة وأنها مواقيت للصيام والحج ثم بيَّنت الآيات بعدها موقف المسلمين من القتال في الشهر الحرام وذلك حين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة وصدّه المشركون ومنعوه من دخول مكة ووقع صلح الحديبية ثم لمّا أراد القضاء في العام القابل وخشي أصحابه غدر المشركين بهم وهم في حالة الإِحرام نزلت الآيات تبيّن أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء بل على سبيل القصاص ودفع العدوان، ثم عاد الكلام إِلى أحكام الحج وحكم الإِحصار فيه فهذا هو الإِرتباط بين الآيات السابقة واللاحقة. اللغَة: {أُحْصِرْتُمْ} الإِحصار: معناه المنع والحبس يقال حَصرَه عن السفر وأحصره إِذا حبسه ومنعه قال الأزهري: حُصر الرجلُ في الحبس، وأُحصر في السفر من مرضٍ أو انقطاعٍ به {ٱلْهَدْيُ} هو ما يُهدى إِلى بيت الله من أنواع النعم كالإِبل والبقر والغنم وأقله شاة {مَحِلَّهُ} المحِلُّ: الموضع الذي يحل به نحر الهَدْي وهو الحرم أو مكان الإِحصار للمحْصَر {النُّسك} جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى {جُنَاحٌ} إِثم وأصله من الجنوح وهو الميل عن القصد {أَفَضْتُم} أي دفعتم وأصله من فاض الماء إِذا سال منصباً ومعنى {أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} أي دفعتم منها بقوة تشبيهاً بفيض الماء. {خَلاَقٍ} نصيب من رحمة الله تعالى {تُحْشَرُونَ} تجمعون للحساب. سبب النزول: أولاً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون فإِذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله عز وجل {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}. ثانياً: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحُمْس وسائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإِسلام أمر الله تعالى نبيّه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، وكانت قريش تفيض من جمع من المشعر الحرام فأنزل الله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاس}. التفسِير: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} أي أدوهما تامين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة بمرضٍ أو عدوٍ وأردتم التحلل فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة أو بقرةٍ أو شاة {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو التقصير حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم أو مكان الإِحصار {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} أي فمن كان منكم معشر المحرمين مريضاً مرضاً يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقملٍ وصداعٍ فحلق في الإِحرام، فعليه فدية وهي إما صيام ثلاثة أيام أو يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإِحصار آمنين {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} أي من اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها، فعليه ما تيسّر من الهدي وهو شاة يذبحها شكراً لله تعالى {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي من لم يجد ثمن الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين يحرم بالحج وسبعة إِذا رجع إلى وطنه {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} أي عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي ذلك التمتع أو الهَدْي خاص بغير أهل الحرم، أما سكّان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره. ثم بيّن تعالى وقت الحج فقال: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} أي وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي: شوال وذو القعده وعشرٌ من ذي الحجة {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} أي من ألزم نفسه الحجَّ بالإحرام والتلبية {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} أي لا يقرب النساء ولا يستمتع بهن فإنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع الرفقاء {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} أي تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها خير زاد {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} أي لا حرج ولا إِثم عليكم في التجارة في أثناء الحج فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية، وقد كانوا يتأثمون من ذلك فنزلت الآية تبيح لهم الاتجار في أشهر الحج {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أي إذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها فاذكروا الله بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} أي اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، واشكروه على نعمة الهداية والإِيمان فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإِيمان وشرائع الدين {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} أي ثمّ انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس لا من المزدلفة، والخطاب لقريش حيث كانوا يترفعون على الناس أن يقفوا معهم وكانوا يقولون: نحن أهل الله وسُكّان حرمه فلا نخرج منه فيقفون في المزدلفة لأنها من الحرم ثم يفيضون منها وكانوا يسمون "الحُمْس" فأمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفة ثم يقف بها ثم يفيض منها {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي فإن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ، قال المفسرون: كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل بعد قضاء المناسك فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم فأمروا أن يذكروا الله وحده {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أي من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب {وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} أي ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل، وقد جمعت هذه الدعوة كل خيرٍ وصرفت كل شر، فالحسنة في الدنيا تشمل الصحة والعافية، والدار الرحبة، والزوجة الحسنة، والرزق الواسع إلى غير ما هنالك والحسنة في الآخرة تشمل الأمن من الفزع الأكبر، وتيسير الحساب ودخول الجنة، والنظر إِلى وجه الله الكريم الخ {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} أي نجّنا من عذاب جهنم {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات والله سريع الحساب يحاسب الخلائق بقدر لمحة بصر {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين فنفر فلا حرج عليه {وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث - وهو النفر الثاني - فلا حرج عليه أيضاً {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي ما ذكر من الأحكام لمن أراد أن يتقي الله فيأتي بالحج على الوجه الأكمل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي خافوا الله تعالى واعلموا أنكم مجموعون إليه للحساب فيجازيكم بأعمالكم. البَلاَغَة: 1- {يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} كناية عن ذبحه في مكان الإحصار. 2- {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} فيه إِيجاز بالحذف أي كان مريضاً فحلق أو به أذى من رأسه فحلق فعليه فدية. 3- {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} فيه التفات من الغائب إلى المخاطب وهو من المحسنات البديعية. 4- {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فيه إجمال بعد التفصيل وهذا من باب "الإطناب" وفائدته زيادة التأكيد والمبالغة في المحافظة على صيامها وعدم التهاون بها أو تنقيص عددها. 5- {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ} إِظهار الاسم الجليل في موضع الإِضمار لتربية المهابة وإِدخال الروعة. 6- {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} صيغته نفيٌ وحقيقته نهيٌ أي لا يرفثْ ولا يفسقْ وهو أبلغ من النهي الصريح لأنه يفيد أن هذا الأمر ممّا لا ينبغي أن يقع أصلاً فإنَّ ما كان منكراً مستقبحاً في نفسه ففي أشهر الحج يكون أقبح وأشنع ففي الإِتيان بصيغة الخبر وإِرادة النهي مبالغة واضحة. 7- {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} فيه تشبيه تمثيلي يسمى (مرسلاً مجملاً). 8- المقابلة اللطيفة بين {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} وبين {وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً...} الآية. فائِدة: أصل النسك: العبادة، وسميت ذبيحة الأنعام نسكاً لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها المؤمن إِلى الله تعالى. فائدة ثانية: زاد الدنيا يوصل إِلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إِلى النعيم المقيم في الآخرة ولهذا ذكر تعالى زاد الآخرة وهو الزاد النافع وفي هذا المعنى يقول الأعشى: شعر : إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ولاقيتَ بعد الموت من قد تزودا ندمتَ على ألاّ تكون كمثله وأنك لم تُرْصِدْ كما كان أرصدا

الصابوني

تفسير : [10] إتمام الحج والعمرة التحليل اللفظي {أُحْصِرْتُمْ}: الإحصار في اللغة معناه: المنع والحبس، يقال: حَصَره عن السفر وأحصره عنه إذا حبسه ومنعه قال الشاعر: شعر : وما هجرُ ليلى أن تكون تَباعدت عليك ولا أن أحصرتْكَ شُغُول تفسير : قال في "اللسان": الإحصار أن يُحضر الحاج عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو نحوه. قال الفراء: العرب تقول للذي يمنعه خوف أو مرض من الوصول إلى تمام حجه أو عمرته: قد أُحْصر، وفي الحبس إذا حبسه سلطان، أو قاهر مانع: قد حُصِر. وقال الأزهري وأبو عبيدة: حُصر الرجل في الحبس، وأحصر في السفر من مرضٍ أو انقطاع به. {ٱلْهَدْيُ}: الهديُ ما يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها، وأصله هديٌّ مشدد فخفّف، جمع هديّة قاله ابن قتيبة، وقال القرطبي: وسميت هدياً لأن منها ما يهدى إلى بيت الله. {مَحِلَّهُ}: المحلّ بكسر الحاء الموضع الذي يحل به نحر الهدي وهو الحرم، أو مكان الإحصار. {نُسُكٍ}: النّسك: جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى وأصل النسك العبادة ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} تفسير : [البقرة: 128] أي متعبداتنا. {رَفَثَ}: الرفث: الإفحاش للمرأة بالكلام. وكل ما يتعلق بذكر الجماع ودواعيه، وأنشد أبو عبيدة: شعر : وربّ أسراب حجيجٍ كظّم عن اللغا ورفث التكلم تفسير : {فُسُوقَ}: الفسوق في اللغة: الخروج عن الشيء يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، وفي الشرع الخروج عن طاعة الله عز وجل، ومنه قوله تعالى في حق إبليس {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف: 50] والمراد في الآية جميع المعاصي. {جِدَالَ}: الجدال: الخصام والمراء، ويكثر عادة بين الرفقة والخدم في السفر. {ٱلزَّادِ}: ما يتزود به الإنسان من طعام وشراب لسفره، والمراد به التزود للآخرة بالأعمال الصالحة قال الأعشى: شعر : إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التُقى ولاقيتَ بعد الموتِ من قد تزودّا ندمتَ على ألاّ تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا تفسير : {جُنَاحٌ}: الجناحُ: الحرج والإثم من الجنوح وهو الميل عن القصد وقد تقدم. {أَفَضْتُم}: أي اندفعتم يقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصبّ على نواحيه. قال الراغب: فاض الماء إذا سال منصباً، والفيضُ: الماء الكثير، ويقال غيضٌ من فيض، أي قليل من كثير، وقوله تعالى: {أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ} أي دفعتم منها بكثرة تشبيهاً بفيض الماء. وقال الزمخشري: أفضتم: دفعتم بكثرة، وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فتُرك ذكرُ المفعول. {عَرَفَٰتٍ}: اسم علم للموقف الذي يقف فيه الحجاج، سميت تلك البقعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها، وهي اسم في لفظ الجمع (كأذرعات) فلا تجمع. قال الفراء: عرفات جمع لا واحد له، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيهٌ بمولّد. وليس بعربي محض. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحج عرفة" تفسير : هو اسم لليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم الوقوف بعرفات، وليس اسماً للمكان كما صرح به الراغب. {ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ}: هو جبل المزدلفة يقف عليه الإمام، وسمي (مَشْعراً) لأنه مَعْلم للعبادة، ووصف بالحرام لحرمته. {مَّنَاسِكَكُمْ}: المناسك جمع (مَنْسَك) الذي هو المصدر بمنزلة النسك، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، وإن جعلتها جمع (مَنْسَك) الذي هو موضع العبادة كان التقدير: فإذا قضيتم أعمال مناسككم فيكون من باب حذف المضاف. أفاده الفخر. {خَلاَقٍ}: أي نصيب وقد تقدم، ومعنى الآية: ليس له في الآخرة نصيب من رحمة الله. المعنى الإجمالي أمر الله المؤمنين بإتمام الحج والعمرة، وأداء المناسك على الوجه الأكمل ابتغاء وجه الله، فإذا مُنع المحرم من إتمام النسك بسبب عدوٍ أو مرض، وأراد أن يتحلل فعليه أن يذبح ما تيسّر له من بدنة، أو بقرة، أو شاة، ونهى تعالى عن الحلق والتحلل قبل بلوغ الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه، أمّا من كان مريضاً أو به أذى في رأسه فإنه يحلق وعليه فدية، إمّا صيام ثلاثة أيام، أو يذبح شاة، أو يتصدق على ستة مساكين، لكل مسكين فدية، صاعٍ من طعام فمن اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها فعليه ما استيسر من الهدي شكر لله تعالى، فمن لم يجد الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين يحرم بالحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه. ذلك التمتع خاص بغير أهل الحرم، أما أهل الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي. ثم بيّن تعالى أشهر الحج وهي (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) وأمر من ألزم نفسه الحج بالتجرد عن عاداته، وعن التمتع بنعيم الدنيا، لأنه مقبل على الله، قاصد لرضاه، فعليه أن يترك النساء والاستمتاع بهن، وأن يترك المعاصي والنزاع والجدال مع الناس، وأن يتزود من الأعمال الصالحة التي تقربه من الله. ثم أبان تعالى أن الكسب في أيام الحج غير محظور، وأن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية، وقد كان الناس يتأثمون من كل عمل دنيوي أيام الحج، فأعلمهم الله أن الكسب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص ثم أمر تعالى الناس بعد الدفع من عرفات، أن يذكروا الله عند المشعر الحرام، بالدعاء والتكبير والتلبية، وأن يشكروه على نعمة الإيمان، فإذا فرغوا من مناسك الحج، فليكثروا ذكر الله وليبالغوا فيه كما كانوا يفعلون بذكر آبائهم ومفاخرهم. روي عن ابن عباس أنه قال: "كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، يتفاخرون بمآثر آبائهم، يقول الرجل منهم: كان أبي يُطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكرٌ غير فعال آبائهم فأنزل الله {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}. وجه الارتباط بالآيات السابقة ذكرت أحكام الحج بعد ذكر أحكام الصيام، لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأما آيات القتال السابقة فقد نزلت في بيان أحكام الأشهر الحرم، والإحرام، والمسجد الحرام، ولما كان عليه السلام قد أراد العمرة وصدّه المشركون أول مرة بالحديبية، وأراد القضاء في العام القابل، وخاف أصحابه غدر المشركين بهم أنزل الله أحكام القتال، ثم عاد الكلام إلى إتمام أحكام الحج فهذا هو وجه الارتباط والله تعالى أعلم. سبب النزول أولاً: عن كعب بن عُجرة رضي الله عنه قال: "حديث : حُملتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنتُ أرى أن الجهد بلغ بك هذا!! أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك" تفسير : فنزلت {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} قال فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة. ثانياً: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحو المتوكلون فيسألون الناس، فأنزل الله تعالى {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}. ثالثاً: عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات،" فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها يفيض منها فذلك قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}. وفي رواية كانوا يقولون: "نحن أهل الله وقطّان حرمه فلا نخرج منه ولا نفيض إلا من الحرم". وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور (أو نُسُكٍ) بضم النون والسين، وقرأ الحسن (أو نُسْكٍ) بسكون السين. 2 - قرأ الجمهور (فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج) بالفتح في الجميع، وقرأ أبو جعفر وابن كثير بالرفع في الجميع (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالٌ في الحج). وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} قال الزمخشري: رفع بالابتداء أي فعليه ما استيسر، أو نصب على تقدير: فاهدوا ما استيسر. 2 - قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} (الحج) مبتدأ و(أشهرٌ) الخبر، والتقدير: أشهر الحج أشهر معلومات كقولهم: البرد شهران أي وقت البرد شهران. أقول: إنما قدّر العلماء ذلك لأنه من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر. 3 - قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} (لا) نافية للجنس و(رفث) اسمها و(في الحج) الخبر و(لا) مكررة للتوكيد في المعنى وهو خبر يفيد النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. 4 - قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ} الكاف نعت لمصدر محذوف و(ما) مصدرية والتقدير اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هدايةً حسنة، ويجوز أن تكون الكاف بمعنى (على) والتقدير: اذكروا الله على ما هداكم، وقوله تعالى {وَإِن كُنْتُمْ} إنْ مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: الهديُ يطلق على الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المعتمر هديّة لأهل الحرم من غير سببٍ موجب، وهذا ليس مراداً هنا، ويطلق على ما وجب على الحاج أو المعتمر بسبب موجب كترك واجب أو فعل شيء محظوراً، أو كالإحصار والتمتع وهذا هو المراد في الآية الكريمة. اللطيفة الثانية: المراد بإتمام الحج والعمرة الإتيان بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما ظاهراً بأداء المناسك على وجهها، وباطناً بالإخلاص لله تعالى من غير رياءٍ ولا سمعة قال الشاعر: شعر : إذا حججتَ بمال أصله سُحُتٌ فما حججتَ ولكنْ حجّت العير لا يقبل الله إلا كل خالصةٍ ما كلّ من حج بيت الله مبرور تفسير : اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} فيه مجاز بالحذف تقديره: فحلق ففدية من صيام، فحذف "فحلق" اختصاراً، فهو مثل قوله تعالى في آية الصيام {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تفسير : [البقرة: 184] حذف كلمة (فأفطر) اختصاراً لدلالة اللفظ عليه. اللطيفة الرابعة: التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب فقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} جاء على طريقهم في التوكيد، مثل قوله: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُور} تفسير : [الحج: 46] وقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] وقوله: {أية : ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4] وفيه فائدة دفع التوهم إذ أن بعض العرب يستعملون عدد السبعة للكثرة في الآحاد، كما يستعملون عدد السبعين لغاية الكثرة، فلئلا يتوهم السامع ذلك قال (عشرة كاملة) فتنبه له. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} كانت قريش لا تخرج من الحرم وتقول: لسنا كسائر الناس، نحن أهل الله وقطّان حرمه فلا نخرج منه، وكان الناس يقفون خارج الحرم ويُفيضون منه فأمرهم الله أن يقفوا حيث يقف الناس، ويفيضوا من حيث أفاض الناس، أفاده ابن قتيبة. اللطيفة السادسة: من بلاغة الإيجاز في الآية التصريح في مقام الإضمار، بذكر الحج ثلاث مرات في قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} فالمراد بالأول زمان الحج، وبالثاني الحج نفسه المسمّى بالنسك، وبالثالث ما يعم الزمان والمكان وهو (الحرم) ولو قال: فمن فرضه فيهن فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه، لم يؤدّ هذه المعاني كلها، وجاء بصيغة النفي لأنه أبلغ في النهي. قال أبو السعود: "وإيثار النفي للمبالغة في النهي، والدلالة على أن ذلك حقيق بألاّ يكون". الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل العمرة واجبة كالحج؟ اختلف الفقهاء في حكم العمرة، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها واجبة كالحج، وهو مروي عن (علي) و(ابن عمر) و(ابن عباس). وذهب المالكية والحنفية إلى أنها سنة، وهو مروي عن (ابن مسعود) و(جابر بن عبد الله). أدلة الشافعية والحنابلة: استدل الشافعية والحنابلة على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي: أولاً - قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} فقد أمرت الآية بالإتمام وهو فعل الشيء والإتيان به كاملاً تاماً فدل على الوجوب. ثانياً - ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لأصحابه "حديث : مَن كان معه هدي فليهلّ بحجة وعمرة ". تفسير : ثالثاً - ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". تفسير : أدلة المالكية والحنفية: واستدل المالكية والحنفية على أن العمرة سنة بما يلي: أولاً: عدم ذكر العمرة في الآيات التي دلت على فريضة الحج مثل قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97] وقوله جل ثناؤه: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ...} تفسير : [الحج: 27] الآية. ثانياً: قالوا إن الأحاديث الصحيحة التي بيّنت قواعد الإسلام لم يرد فيها ذكر العمرة، فدل ذلك على أن العمرة ليست بفريضة، وأنها تختلف في الحكم عن الحج. ثالثاً: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الحج جهادٌ والعمرة تطوع ". تفسير : رابعاً: ما روي عن جابر بن عبد الله "حديث : أنّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا خير لكم ". تفسير : خامساً: وأجابوا عن الآية والأحاديث التي استدل بها الشافعية فقالوا: إنها محمولة على ما كان بعد الشروع، فإن التعبير بالإتمام مشعر بأنه كان قد شرع فيه، وهذا يجب بالاتفاق. قال العلامة الشوكاني: "وهذا وإن كان فيه بعد، لكنه يجب المصير إليه جمعاً بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه صلى الله عليه وسلم بما تقدم في حديث جابر من عدم الوجوب، وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها". أقول: لعل هذا الرأي يكون أرجح والله تعالى أعلم. الحكم الثاني: هل الإحصار يشمل المرض والعدو؟ اختلف العلماء في السبب الذي يكون به الإحصار، والذي يبيح للمحرم التحلل من الإحرام. فذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو، لأن الآية نزلت في إحصار النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، عندما منع من دخول مكة هو وأصحابه وكانوا محرمين بالعمرة. وقال ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. وذهب أبو حنيفة: إلى أن الإحصار يكون من كل حابس يحبس الحاج عن البيت من عدوٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو ذهاب نفقة، أو ضلال راحلةٍ، أو موت محرم الزوجة في الطريق، وغير ذلك من الأعذار المانعة. وحجته: ظاهر الآية {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فإن الإحصار - كما يقول أهل اللغة - يكون بالمرض، وأما الحصر (المنع والحبس) فيكون بالعدو، فلما قال تعالى: {أُحْصِرْتُمْ} ولم يقل (حصرتم) دلّ على أنه أراد ما يعم المرض والعدو. واستدل بما روي عن ابن مسعود أنه أفتى رجلاً لدغ بأنه محصر وأمره أن يحل. وحجة الجمهور أن الله تعالى ذكر في الآية قوله: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} وهو يدل على أنه حصر العدو لا حصر المرض، ولو كان من المرض لقال: (فإذا برأتم) ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، فقيّد إطلاق الآية وهو أعلم بالتنزيل. الترجيح: ولعلّ ما ذهب إليه الحنفية يكون أرجح، فهو الموافق لظاهر الآية الكريمة، والموافق ليسر الإسلام وسماحته، وقد اعتضد بأقوال أهل اللغة، فإنهم جميعاً متفقون على أن (الإحصار) يكون بالمرض، و(الحصر) يكون بالعدو، والآية بظاهرها تميل إلى التيسير، فإن المريض الذي يشتد مرضه كيف يمكنه إتمام المناسك! والشخص الذي تضل راحلته، أو تضيع نقوده كيف يستطيع متابعة السفر، مع أنه لم يعد يملك نفقة ولا زاداً؟ وهل يكلفه الإسلام أن يستجدي من الناس؟! وهذا الذي رجحناه هو الذي اختاره شيخ المفسرين (ابن جرير الطبري) رحمه الله حيث قال ما نصه: "وأولى التأويلين بالصواب في قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو، أو مرض، أو علة من الوصول إلى البيت، أي صيّركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم. ولو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فإن حبسكم حابسٌ من العدو عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم". أقول ويؤيده ما روي في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حُجّي واشترطي أن مَحَلّي حيث حبستني" تفسير : فقد دل على أن المرض من الأسباب المبيحة للتحلل، وهذا ما يتفق مع سماحة الإسلام ويسر أحكامه. الحكم الثالث: ماذا يجب على المحصر، وأين موضع ذبح الهدي؟ الآية الكريمة صريحة في أن على (المحصر) أن يذبح الهدي لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} وأقله شاة، والأفضل بقرة أو بدنة، وإنما تجزئ الشاة لقوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ} وهذا رأي جمهور الفقهاء، وروي عن ابن عمر أنه قال: بدنة أو بقرة ولا تجزئ الشاة، والصحيح رأي الجمهور. وأما المكان: الذي يذبح فيه هدي الإحصار فقد اختلف العلماء فيه على أقوال: فقال الجمهور (الشافعي ومالك وأحمد): هو موضع الحصر، سواءً كان حلاً أو حرماً. وقال أبو حنيفة: لا ينحره إلا في الحرم لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 33]. وقال ابن عباس: إذا كان يستطيع البعث به إلى الحرم وجب عليه، وإلاّ ينحره في محل إحصاره. قال الإمام الفخر: "ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية، فقال الشافعي: المحِلّ في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل، وقال أبو حنيفة: إنه اسم للمكان". الترجيح: والراجح رأي الجمهور اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أحصر بالحديبية ونحر بها وهي ليست من الحرم، فدلّ على أن المحصر ينحر حيث يحل في حرمٍ أو حل، وأما قوله تعالى: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] وقوله: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 33] فذلك - كما يقول الشوكاني - في الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت، والله تعالى أعلم. الحكم الرابع: ما هو حكم المتمتع الذي لا يجد الهدي؟ دل قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} على وجوب دم الهدي على المتمتع، فإذا لم يجد الدم - إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان - صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله. وقد اختلف الفقهاء في هذا الصيام في قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ...} الآية. فقال أبو حنيفة: المراد في أشهر الحج وهو ما بين الإحرامين (إحرام العمرة) و (إحرام الحج) فإذا انتهى من عمرته حلّ له الصيام وإن لم يحرم بعد بالحج، والأفضل أن يصوم يوم التروية، ويوم عرفة، ويوماً قبلهما يعني (السابع، والثامن، والتاسع) من ذي الحجة. وقال الشافعي: لا يصح صومه إلا بعد الإحرام في الحج لقوله تعالى: {فِي ٱلْحَجِّ}، وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر، والأصح أنها لا تجوز يوم النحر، ولا أيام التشريق، والمستحب أن تكون في العشر من ذي الحجة قبل يوم عرفة. ويرى بعض العلماء أن من لم يصم هذه الأيام قبل العيد، فله أن يصومها في أيام التشريق، لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهما "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لا يجد الهدي". ومنشأ الخلاف بين (الحنفية) و(الشافعية) هو اختلافهم في تفسير قوله تعالى: {ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} فالحنفية قالوا في أشهر الحج، والشافعية قالوا: في إحرام الحج، وبكلٍ قال بعض الصحابة والتابعين. وأما السبعة أيام فقد اختلف الفقهاء في وقت صيامها. فقال الشافعية: وقت صيامها الرجوع إلى الأهل والوطن لقوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}. وقال أحمد بن حنبل: يجزيه أن يصوم في الطريق ولا يشترط أن يصل إلى أهله ووطنه. وقال أبو حنيفة: المراد من الرجوع الفراغ من أعمال الحج وهو مذهب مالك رحمه الله. قال الشوكاني: والأول أرجح فقد ثبت في "الصحيح" من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله ". تفسير : وثبت أيضاً في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ (وسبعةٍ إذا رجعتم إلى أمصاركم). الحكم الخامس: ما هي شروط وجوب دم التمتع؟ قال العلماء: يشترط لوجوب دم التمتع خمسة شروط: الأول: تقديم العمرة على الحج، فلو حج ثم اعتمر لا يكون متمتعاً. الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. الثالث: أن يحج في تلك السنة لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ}. الرابع: ألا يكون من أهل مكة لقوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. الخامس: أن يحرم بالحج من مكة، فإن عاد إلى الميقات فأحرم بالحج لا يلزمه دم التمتع. وقال المالكية: شروطه ثمانية وهي كالتالي (1 - أن يجمع بين الحج والعمرة 2 - في سفر واحد 3 - في عام واحد 4 - في أشهر الحج 5 - وأن تقدم العمرة على الحج 6 - وأن يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة 7 - وأن تكون العمرة والحج عن شخص واحد 8- وألاَّ يكون من أهل مكة). الحكم السادس: من هم حاضرو المسجد الحرام؟ دل قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} على أنّ أهل الحرم لا متعة لهم، وهذا مذهب ابن عباس وأبي حنيفة، وقال (مالك، والشافعي، وأحمد) إن للمكي أن يتمتع بدون كراهة وليس عليه هدي ولا صيام، واستدلوا بأن الإشارة تعود إلى أقرب المذكور، وأقرب المذكور هنا وجوب الهدي أو الصيام على المتمتع، وأما أبو حنيفة فقد أعاد الإشارة إلى التمتع، والتقدير: ذلك التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. وقد اختلفوا في المراد من قوله تعالى: {حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. فقال مالك: هم أهل مكة بعينها، واختاره الطحاوي ورجحه. وقال ابن عباس: هم أهل الحرم، قال الحافظ: وهو الظاهر. وقال الشافعي: من كان أهله على أقل مسافة تقصر فيها الصلاة، واختاره ابن جرير. وقال أبو حنيفة: هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية. أقول: لعل ما ذهب إليه المالكية هو الأرجح والله تعالى أعلم. الحكم السابع: ما هي أشهر الحج؟ واختلف العلماء في المراد من قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} ما هي هذه الأشهر؟ فذهب مالك: إلى أن أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كلّه) وهو قول (ابن عمر) و(ابن مسعود) و(عطاء) و(مجاهد). وذهب الجمهور (مالك، والشافعي، وأحمد): إلى أن أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) وهو قول ابن عباس، والسدي، والشعبي، والنخعي، وأما وقت العمرة فجميع السنة. قال الشوكاني: "وتظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال: إنّ ذا الحجة كله من الوقت لم يُلْزمه دم التأخير، ومن قال: ليس إلا العشر منه قال: يلزم دم التأخير". الحكم الثامن: هل يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؟ اختلف الفقهاء فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج هل يصح إحرامه؟ على أقوال: الأول: روي عن ابن عباس أنه قال: من سُنّة الحج أن يحرم به في أشهر الحج. الثاني: فذهب الشافعي أن من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجرُّه ذلك ويكون عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة. الثالث: مذهب أحمد بن حنبل أنه مكروه فقط ويجوز الإحرام قبل دخول أشهر الحج. الرابع: مذهب أبي حنيفة جواز الإحرام في الحج في جميع السنة كلها وهو مشهور مذهب مالك، واستدلوا بقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} تفسير : [البقرة: 189] وقالوا: كما يصح الإحرام للعمرة في جميع السنة، كذلك يجوز للحج. قال العلامة القرطبي: "وما ذهب إليه الشافعي أصح لأن هذه عامة وتلك الآية خاصة والخاص يقدم على العام" وقد مال إلى هذا المذهب الشوكاني ورجحه لأنه موافق لظاهر النص الكريم. الحكم التاسع: ما هي محرمات الإحرام؟ حظر الشارع على المحرم أشياء كثيرة، منها ما ثبت بالكتاب، ومنها ما ثبت بالسنة، ونحن نذكرها بالإجمال فيما يلي: أولاً: الجماع ودواعيه، كالتقبيل، واللمس بشهوة، والإفحاش بالكلام، والحديث مع المرأة الذي يتعلق بالوطء أو مقدماته. ثانياً: اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي، التي تخرج الإنسان عن طاعة الله عز وجل. ثالثاً: المخاصمة والمجادلة مع الرفقاء والخدم وغيرهم. والأصل في تحريم هذه الأشياء قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} وهذه كلها بنص الآية الكريمة. روى البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حجّ فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ". تفسير : وقد ثبت بالسنة بعض المحرمات كالتطيب، ولبس المخيط، وتقليم الأظافر، وقص الشعر أو حلقه، وانتقاب المرأة، ولبسها القفازين.. إلى أخر ما هنالك من محرمات وهذه تعرف من كتب الفروع. الحكم العاشر: ما هو حكم الوقوف بعرفة، ومتى يبتدئ وقته؟ أجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ". تفسير : ويرى جمهور العلماء أن وقت الوقوف يبتدئ من زوال اليوم التاسع، إلى طلوع فجر اليوم العاشر، وأنه يكفي الوقوف في أي جزءٍ من هذا الوقت ليلاً أو نهاراً، إلا أنه إذا وقف بالنهار وجب عليه مد الوقوف إلى ما بعد الغروب، أما إذا وقف بالليل فلا يجب عليه شيء. وقد روي عن الإمام (مالك) رحمه الله أنه إذا أفاض قبل غروب الشمس لم يصح حجه وعليه حج قابل، قال القرطبي: "واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه؟ فقال (الشافعي وأحمد وأبو حنيفة) عليه دم، وقال (مالك) عليه حج قابل، والهدي ينحره في حج قابل وهو كمن فاته الحج.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} فالحَجُّ والعُمْرَةُ جميعاً: الزيارَةُ. والحَجُّ فَرِيضَةٌ، وهو الحَجُّ الأَكْبرُ، والعُمْرَةُ تَطوعٌ، وهي الحَجُّ الأَصْغَرُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} معناه مُنِعتُمْ لِحَربٍ أَوْ مَرضٍ أَوْ غَيرِ ذَلكَ {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} معناه بَدنةٌ أَوْ بَقرةٌ أَو شَاةٌ أَوْ شرْكٌ فِي دَمٍ يَشتَركُ سَبعَةُ أَنفسٍ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرةٍ كلهم يريدُ بِهِ النُّسُكَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: الصِّيامُ: ثَلاثةُ أَيامٍ، والصَّدقَةُ: ثَلاَثةُ أَصْوع بين ستةِ مساكين والنُّسكُ: شَاةٌ تُذبحُ بِمكةَ. والنَّسيكةُ: الذَبيحةُ. والجمعُ النَّسائكُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يستدل بقوله [تعالى]: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ } على أمور: أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما. الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "خذوا عني مناسككم ". الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة. الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلا. الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى. السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر، فلهذا قال: { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، بمرض، أو ضلالة، أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع. { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي، فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل. ثم قال تعالى: { وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر، بحلق أو غيره، لأن المعنى واحد من الرأس، أو من البدن، لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته، وهو موجود في بقية الشعر. وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر، حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر، كما تدل عليه الآية. ويستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق الهدي، لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة، أحرم بالحج، ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك، لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له، والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ستة مساكين أو نسك ما يجزئ في أضحية، فهو مخير، والنسك أفضل، فالصدقة، فالصيام. ومثل هذا، كل ما كان في معنى ذلك، من تقليم الأظفار، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة، مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع، إزالة ما به يترفه. ثم قال تعالى: { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ } بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها. { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } أي: فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له. ويدل مفهوم الآية، على أن المفرد للحج، ليس عليه هدي، ودلت الآية، على جواز، بل فضيلة المتعة، وعلى جواز فعلها في أشهر الحج. { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } أي الهدي أو ثمنه { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت بـ "منى" ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع، والثامن، والتاسع، { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله. { ذَلِكَ } المذكور من وجوب الهدي على المتمتع { لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } بأن كان عند مسافة قصر فأكثر، أو بعيدا عنه عرفات، فهذا الذي يجب عليه الهدي، لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } أي: في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية. { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } أي: لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 73 : 62 - سفين عن بن جريج عن مجاهد في قوله جل وعز {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} قال، إتمامهما ما أمر الله فيهما. [الآية 196]. 74 : 35 - سفين عن ثور بن يزيد عن سليمن بن موسى عن طاوس في قوله جل وعز {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} قال، تمامهما أن تفردهما موتنفتين من أهلك. 75 : 24 - حدثنا سفين عن خصيف عن مجاهد عن بن عباس في قوله تبارك وتعالى {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} قال، الحج عرفات، والعمرة البيت - 76 : 25 - حدثنا سفين عن محمد بن سوقة عن سعد بن جبير، إتمامهما ان يهل من بيته. 77 : 33 - سفين عن بن جريج عن عطآء في قوله جل وعز {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} قال، الإِحصار من كل شيء يحبسه. [الآية 196]. 78 : 34 - سفين عن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم النخعي قال، الإِحصار المرض والكسر والخوف. 79 : 36 - سفين عن ليث عن مجاهد عن بن عباس قال، كل شيء في القرآن "أو، أو" نحو قوله {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فهو فيه يخير. ما كان {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} فهو على الأول. ثم يخير فيه. [الآية 196]. 80 : 37 - سفين عن بن جريج عن عطآء قال، قال ابن عباس في قوله تبارك وتعالى {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} قال، المتعة للمحصر وحده. [الآية 196]. 81 : 38 - سفين عن بن جريج عن عطآء، إنما سميت المتعة لانه يتمتع بأهله وثيابه. 82 : 39 - سفين عن بن جريج عن عطآء، في قول الله تبارك وتعالى {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} قال، أصومهما حلالا في العشر أحب إليّ من أن أصومهما حراماً في شوال وذي القعدة. فإِن صامهما حراما في شوال أو ذي القعدة، أجزاه. وإن صامهما حلالاً في شوال أو ذي القعدة، ذبح. [الآية 196].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} [196] 50- أنا عمرو بن علي، نا أزهر بن سعد، عن ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب/ بن عُجرة قال: فيَّ أُنزلت هذه الآية، فأتيت، فقال: "حديث : ادن" فدنوت، فقال: "أيؤذيك هوامُّك" فأمرني بصيام، أو صدقة، أو نُسُك . تفسير : قال ابن عون: ففسره لي مجاهد، فلم أحفظه. فسألت أيوب، فقال: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، والنُّسك ما استيسر. 51- أنا محمد بن بشار، نا محمد، نا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن مَعقِل قال: حديث : جلست في هذا المسجد إلى كعب بن عُجرة، فسألته عن هذه الآية {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ}. قال كعب: فيَّ نزلت، وكان بي أذىً من رأسي، فحُملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقَمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كُنت أُرَى أن الجهد بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟" قال: لا، فنزلت هذه الآية {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} تفسير : فالصوم ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنُّسك شاة. 52- أنا محمد بن عبد الأعلى، نا بشر، عن عمران بن مسلم، عن أبي رجاء، عن عمران قال: نزلت آية المتعة - يعني الحج - في كتاب الله وأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم يَنْهَ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، قال رجل برأية ما شاء.

همام الصنعاني

تفسير : 203- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، وعمن سمع عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ}: [الآية: 196]، قال: هما واجبتان: الحج والعمرة لله. 204- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن مسعود، في قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}: [الآية: 196]، قال: إذَا أُحْصِر الرجل من مَرَضٍ أو كَسْرٍ أو شبه ذلكَ بعث بهَديِة ومكث على إحْرامِه حتى يبلغ الهدي محله وينحر، ثم قد حلَّ ويَرْجع إلى أهلِه وعليه الحج والعمرة جميعاً وهدي أيضاً. قال: فإن وصَل إلى البيت من وجهة ذلِك فلي عليه إلاَّ الحج من قابل. 205- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، نحو ذلِك. 206- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ}: [الآية: 196]، قال: أمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم كعْب بن عجرة أن يصوم ثلاثة أيّامٍ. 207- عبد الرزاق، قال معمر، أخبرني أيوب عن مجاهد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: حديث : مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على كَعْبِ بن عجرة وهُوَ يوقد تحت قِدْرٍ وهوامّ رأسِه تَتَساقَط عليهِ. قال: أتُؤْذِيك هذه الهوامٌ يا كعْب؟ قال: نعم يا نبي الله. فأمره أن يحلق رأسه ويَنْسُكَ نُسكاً أو يصُومَ ثلاثة أيّام أو يطعم فرقاً بين ستة مساكين . 208تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، قال: أخبرني داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن كعب بن عُجْرة، أنه قال: بين كل مسكينين صاع أو نُسُك، قال معمر، وقال قتادة: والنسك شاة. 209- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه في قوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ}: [الآية: 196]، قال: إذا أمنت حين تحصر من كسرك، من وجعك، فعليك أن تأتي البيتَ فَتَكُون متعةً لك إلى قابل، ولا حلّ لك حتّى تأتي البيت. 210- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن أيوب، عن عِكْرمة في قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}: [الآية: 196]، قال: صِيَامُ ثلاثةِ أيّام يعْني أيام العشر من حين يحرم، آخرها يَومُ عرفة. 211- قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، وقال الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: صوم ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة، فَمَنْ فاته ذلِكَ صام أيام التشريق، فإنَّها مِنْ أيام الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. 212- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}: [الآية: 196] قال: قال: ابن عباس: يا أهْلَ مكة! لا مُتْعَة لكم، إنما يجعل أحدكم بينه وبين مكة وادياً ثم يُهِل. 213- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}: [الآية: 196]، قال: هيَ لأهْلِ الحرم. 214- عبد الرزاق، قال معمر: أخبرني من سمع عطاء بن أبي رباح يقول: من كان أهله دون الميقات، فهو كأهْلِ مكة، يقول: لا يتمتع.