Verse. 204 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَلْحَجُّ اَشْہُرٌ مَّعْلُوْمٰتٌ۝۰ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيْہِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوْقَ۝۰ۙ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ۝۰ۭ وَمَا تَفْعَلُوْا مِنْ خَيْرٍ يَّعْلَمْہُ اؙ۝۰ۭؔ وَتَزَوَّدُوْا فَاِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوٰى۝۰ۡوَاتَّقُوْنِ يٰۗاُولِي الْاَلْبَابِ۝۱۹۷
Alhajju ashhurun maAAloomatun faman farada feehinna alhajja fala rafatha wala fusooqa wala jidala fee alhajji wama tafAAaloo min khayrin yaAAlamhu Allahu watazawwadoo fainna khayra alzzadi alttaqwa waittaqooni ya olee alalbabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الحج» وقته «أشهر معلومات» شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وقيل كله «فمن فرض» على نفسه «فيهن الحج» بالإحرام به «فلا رفث» جماع فيه «ولا فسوق» معاص «ولا جدالَ» خصام «في الحج» وفي قراءة بفتح الأولين والمراد في الثلاثة النهي «وما تفعلوا من خير» كصدقة «يعلمه الله» فيجازيكم به، ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد فيكون كلاًّ على الناس: «وتزودوا» ما يبلغكم لسفركم «فإن خير الزاد التقوى» ما يُتَّقى به سؤال الناس وغيره «واتقون يا أولي الألباب» ذوي العقول.

197

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلا بد ههنا من تأويل وفيه وجوه أحدها: التقدير: أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وهو كقولهم: البرد شهران، أي وقت البرد شهران والثاني: التقدير الحج حج أشهر معلومات، أي لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر الثالث: يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس الحج لما كان الحج فيها كقولهم: ليل قائم، ونهار صائم. المسألة الثانية: أجمع المفسرون على أن شوالاً وذا القعدة من أشهر الحج واختلفوا في ذي الحجة، فقال عروة بن الزبير: إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله: العشر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبـي ومجاهد والحسن، وقال الشافعي رضي الله عنه: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر من أشهر الحج، حجة مالك رضي الله عنه من وجوه الأول: أن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة. الحجة الثانية: أن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج، وهو رمي الجمار والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيام بعد العشر، ومذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر والجواب عن الأول: من وجهين أحدهما: أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، بدليل قوله: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } تفسير : [التحريم: 4] والثاني: أنه نزل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا إنما رآه في ساعة منها والجواب عن الثاني: أن رمي الجمار يفعله الإنسان وقد حج بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم القضاء لا في حكم الأداء، وأما الذين قالوا إن عشرة أيام من أول ذي الحجة هي من أشهر الحج، فقد تمسكوا فيه بوجهين الأول: أن من المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر والثاني: أن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج، وهو طواف الزيارة، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه احتج على قوله بأن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر، والعبادة لا تكون فائته مع بقاء وقتها، فهذا تقرير هذه المذاهب. بقي ههنا إشكالان الأول: أنه تعالى قال من قبل: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } تفسير : [البقرة: 189] فجعل كل الأهلة مواقيت للحج الثاني: أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان مخصوص والجواب من الأول: أن تلك الآية عامة، وهذه الآية وهي قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } خاصة والخاص مقدم على العام وعن الثاني: أن النص لا يعارضه الأثر المروي عن الصحابة. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {مَّعْلُومَـٰتٍ } فيه وجوه أحدها: أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها، ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع وعلى هذا القول فالشرع لم يأت على خلاف ما عرفوا وإنما جاء مقرراً له الثاني: أن المراد بها معلومات ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام الثالث: المراد بها أنها مؤقتة في أوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، لا كما يفعله الذين نزل فيهم {أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِىء زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ } تفسير : [التوبة: 37]. المسألة الرابعة: قال الشافعي رضي الله عنه: لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رضي الله عنهم: لا يجوز في جميع السنة حجة الشافعي رضي الله عنه قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } وأشهر جمع تقليل على سبيل التنكير، فلا يتناول الكل، وإنما أكثره إلى عشرة وأدناه ثلاثة وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، فثبت أن المراد أن أشهر الحج ثلاثة، والمفسرون اتفقوا على أن تلك الثلاثة: شوال، وذو القعدة، وبعض من ذي الحجة، وإذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يجوز الإحرام بالحج قبل الوقت، ويدل عليه ثلاثة أوجه الأول: أن الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة الثاني: أن الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت، لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر، حكما فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى الثالث: أن الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء، حجة أبـي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول: قوله تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } تفسير : [البقرة: 189] فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، وهي ليست بمواقيت للحج فثبت إذن أنها مواقيت لصحة الإحرام، ويجوز أن يسمى الإحرام حجا مجازاً كما سمي الوقت حجاً في قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } بل هذا أولى لأن الإحرام إلى الحج أقرب من الوقت. والحجة الثانية: أن الإحرام التزام للحج، فجاز تقديمه على الوقت كالنذر. والجواب عن الأول: أن الآية التي ذكرناها أخص من الآية التي تمسكتم بها. والجواب عن الثاني: أن الفرق بين النذر وبين الإحرام أن الوقت معتبر للأداء والاتصال للنذر بالاداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ وأما الإحرام فإنه مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه، فلا جرم افتقر إلى الوقت. وقوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى {فَرَضَ } في اللغة ألزم وأوجب، يقال: فرضت عليك كذا أي أوجبته وأصل معنى الفرض في اللغة الحز والقطع، قال ابن الأعرابـي: الفرض الحز في القدح وفي الوتد وفي غيره، وفرضة القوس، الحز الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الوتد الحز الذي فيه، ومنه فرض الصلاة وغيرها، لأنها لازمة للعبد، كلزوم الحز للقدح، ففرض ههنا بمعنى أوجب، وقد جاء في القرآن: فرض بمعنى أبان، وهو قوله: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا } تفسير : [النور: 1] بالتخفيف، وقوله: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ } تفسير : [التحريم: 2] وهذا أيضاً راجع إلى معنى القطع، لأن من قطع شيئاً فقد أبانه من غيره والله تعالى إذا فرض شيئاً أبانه عن غيره، ففرض بمعنى أوجب، وفرض بمعنى أبان، كلاهما يرجع إلى أصل واحد. المسألة الثانية: اعلم أن في هذه الآية حذفا، والتقدير: فمن ألزم نفسه فيهن الحج، والمراد بهذا الفرض ما به يصير المحرم محرماً إذ لا خلاف أنه لا يصير حاجاً إلا بفعل يفعله، فيخرج عن أن يكون حلالاً ويحرم عليه الصيد واللبس والطيب والنساء والتغطية للرأس إلى غير ذلك ولأجل تحريم هذه الأمور عليه سمي محرماً، لأنه فعل ما حرم به هذه الأشياء على نفسه ولهذا السبب أيضاً سميت البقعة حرماً لأنه يحرم ما يكون فيها مما لولاه كان لا يحرم فقوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ } يدل على أنه لا بد للمحرم من فعل يفعله لأجله يصير حاجاً ومحرماً، ثم اختلف الفقهاء في أن ذلك الفعل ما هو؟ قال الشافعي رضي الله عنه: أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى ينضم إليها التلبية أو سوق الهدى، قال القفال رحمه الله في «تفسيره»: يروى عن جماعة أن من أشعر هديه أو قلده فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم، وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة والحج فقد أحرم، حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه: الحجة الأولى: قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } وفرض الحج لا يمكن أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدي فإنه لا إشعار ألبتة في التلبية بكونه محرما لا بحقيقة ولا بمجاز فلم يبق إلا أن يكون فرض الحج عبارة عن النية، وفرض الحج موجب لانعقاد الحج، بدليل قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ } فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج. الحجة الثانية: ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : وإنما لكل امرىء ما نوى»تفسير : . الحجة الثالثة: القياس وهو أن ابتداء الحج كف عن المحظورات، فيصح الشروع فيه بالنية كالصوم، حجة أبـي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول: ما روى أبو منصور الماتريدي في «تفسيره» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يحرم إلا من أهل أو لبى الثاني: أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيه إلا بنفس النية كالصلاة. وأما قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ } بالرفع والتنوين {وَلاَ جِدَالَ } بالنصب، والباقون قرؤا الكل بالنصب. واعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمتين الأولى: أن كل شيء له اسم، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى، وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى، فقولك: رجل يفيد الماهية المخصوصة، وحركات هذه اللفظة، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية، وهذا هو الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل، والصفة بإزاء الصفة، فعلى هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال: رحل جدار حجر، وذلك لأن تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شيء من أحواله وجب جعل اللفظ خالياً عن الحركات، فإن أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن يقال بالنصب، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون. المقدمة الثانية: إذا قلت: لا رجل بالنصب، فقد نفيت الماهية، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعاً، أما إذا قلت: لا رجل بالرفع والتنوين، فقد نفيت رجلاً منكراً مبهماً، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل، فثبت أن قولك: لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك: لا رجل بالرفع والتنوين. إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول: أما الذين قرؤا ثلاثة: بالنصب فلا إشكال وأما الذين قرؤا الأولين بالرفع مع التنوين، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الإهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق، وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملاً على جميع أنواع القبح لا جرم خصه الله تعالى في هذه القراءة بمزيد الزجر والمبالغة في النفي، أما المفسرون فإنهم قالوا: من قرأ الأولين بالرفث والثالث بالنصب فقد حمل الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكون رفث ولا فسوق وحمل الثالث على الإخبار بانتفاء الجدال، هذا ما قالوه إلا أنه ليس بيان أنه لم خص الأولان بالنهي وخص الثالث بالنفي. المسألة الثانية: أما الرفث فقد فسرناه في قوله: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ } تفسير : [البقرة: 187] والمراد: الجماع، وقال الحسن: المراد منه كل ما يتعلق بالجماع فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها، والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع، وهؤلاء قالوا: التلفظ به في غيبة النساء لا يكون رفثاً، واحتجوا بأن ابن عباس كان يحدو بعيره وهو محرم ويقول:شعر : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميساتفسير : فقال له أبو العالية أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء، وقال آخرون: الرفث هو قول الخنا والفحش، واحتج هؤلاء بالخبر واللغة أما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم» تفسير : ومعلوم أن الرفث ههنا لا يحتمل إلا قول الخنا والفحش، وأما اللغة فهو أنه روى عن أبـي عبيد أنه قال: الرفث الإفحاش في المنطق، يقال أرفث الرجل إرفاثاً، وقال أبو عبيدة: الرفث اللغو من الكلام. أما الفسوق فاعلم أن الفسق والفسوق واحد وهما مصدران لفسق يفسق، وقد ذكرنا فيما قبل أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة، واختلف المفسرون فكثير من المحققين حملوه على كل المعاصي قالوا: لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له، والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل، وهذا متأكد بقوله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } تفسير : [الكهف: 50] وبقوله: {أية : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} تفسير : [الحجرات: 7]. وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع ثم ذكروا وجوها: الأول: المراد منه السباب واحتجوا عليه بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ } تفسير : [الحجرات: 11] وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» تفسير : والثاني: المراد منه الإيذاء والإفحاش، قال تعالى: {أية : لا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } تفسير : [البقرة: 282] والثالث: قال ابن زيد: هو الذبح للأصنام فإنهم كانوا في حجهم يذبحون لأجل الحج، ولأجل الأصنام، وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } تفسير : [الأنعام: 121] وقوله: {أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 145] والرابع: قال ابن عمر: إنه العاصي في قتل الصيد وغيره مما يمنع الإحرام منه والخامس: أن الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة، والفسوق هو الجماع ومقدماته على سبيل الزنا والسادس: قال محمد بن الطبري: الفسوق، هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك محظوراته. وأما الجدال فهو فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي من القتل، يقال: زمام مجدول وجديل، أي مفتول، والجديل اسم الزمام لأنه لا يكون إلا مفتولاً، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه، وذكر المفسرون وجوها في هذا الجدال. فالأول: قال الحسن: هو الجدال الذي يخاف منه الخروج إلى السباب والتكذيب والتجهيل. والثاني: قال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى، قال بعضهم: حجنا أتم، وقال آخرون: بل حجنا أتم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك. والثالث: قال مالك في «الموطأ» الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وكان غيرهم يقفون بعرفات وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، قال الله تعالى: {أية : لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ * وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ }تفسير : الحج: 67 ـ 68) قال مالك هذا هو الجدال فيما يروى والله أعلم. والرابع: قال القاسم بن محمد: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج اليوم، وآخرون يقولون: بل غداً، وذلك أنهم أمروا أن يجعلوا حساب الشهور على رؤية الأهلة، وأخرون كانوا يجعلونه على العدد فبهذا السبب كانوا يختلفون فبعضهم يقول: هذا اليوم يوم العيد وبعضهم يقول: بل غدا، فالله تعالى نهاهم عن ذلك، فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة مواقيت للناس والحج، فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة. الخامس: قال القفال رحمه الله تعالى: يدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق عليهم ذلك وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»تفسير : وتركوا الجدال حينئذ. السادس: قال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج بسبب اختلافهم في أيهم المصيب في الحج لوقت إبراهيم عليه الصلاة والسلام. السابع: أنهم كانوا مختلفين في السنين فقيل لهم: لا جدال في الحج فإن الزمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم عليه السلام، وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: «حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»تفسير : فهذا مجموع ما قاله المفسرون في هذا الباب. وذكر القاضي كلاما حسناً في هذا الموضع فقال: قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } يحتمل أن يكون خبراً وأن يكون نهياً كقوله: {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [السجدة: 2] أي لا ترتابوا فيه، وظاهر اللفظ للخبر فإذا حملناه على الخبر كان معناه أن الحج لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد لأنه كالضد لها وهي مانعة من صحته، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى، إلا أن يراد بالرفث الجماع المفسد للحج، ويحمل الفسوق على الزنا لأنه يفسد الحج، ويحمل الجدال على الشك في الحج ووجوبه لأن ذلك يكون كفراً فلا يصح معه الحج وإنما حملنا هذه الألفاظ الثلاثة على هذه المعاني حتى يصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج، فإن قيل: أليس أن مع هذه الأشياء يصير الحج فاسداً ويجب على صاحبه المضي فيه، وإذا كان الحج باقياً معها لم يصدق الخبر بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج، قلنا: المراد من الآية حصول المضادة بين هذه الأشياء وبين الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء وتلك الحجة الصحيحة لا تبقى مع هذه الأشياء بدليل أنه يجب قضاؤها، والحجة الفاسدة التي يجب عليه المضي فيها شيء آخر سوى تلك الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء، وأما الجدال الحاصل بسبب الشك في وجوب الحج فظاهر أنه لا يبقى معه عمل الحج لأن ذلك كفر وعمل الحج مشروط بالإسلام فثبت أنا إذا حملنا اللفظ على الخبر وجب حمل الرفث والفسوق والجدال على ما ذكرناه، أما إذا حملناه على النهي وهو في الحقيقة عدول عن ظاهر اللفظ فقد يصح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وأن يراد بالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أنواعه، لأن اللفظ مطلق ومتناول لكل هذه الأقسام فيكون النهي عنها نهياً عن جميع أقسامها، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية كالحث على الأخلاق الجميلة، والتمسك بالآداب الحسنة، والاحتراز عما يحبط ثواب الطاعات. المسألة الثالثة: الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص، وهو قوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربعة: قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة، أعني الشهوانية، والغضبية، والوهمية، فقوله {فَلاَ رَفَثَ } إشارة إلى قهر الشهوانية، وقوله: {وَلاَ فُسُوقَ } إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب، وقوله: {وَلاَ جِدَالَ } إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم، والمخاصمة معهم في كل شيء، فلما كان منشأ الشر محصوراً في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } أي فمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله، والانخراط في سلك الخواص من عباده، فلا يكون فيه هذه الأمور، وهذه أسرار نفسية هي المقصد الأقصى من هذه الآيات، فلا ينبغي أن يكون العاقل غافلاً عنها، ومن الله التوفيق في كل الأمور. المسألة الرابعة: من الناس من عاب الإستدلال والبحث والنظر والجدال واحتج بوجوه أحدها: أنه تعالى قال: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } وهذا يقتضي نفي جميع أنواع الجدال، ولو كان الجدال في الدين طاعة وسبيلاً إلى معرفة الله تعالى لما نهى عنه في الحج، بل على ذلك التقدير كان الإشتغال بالجدال في الحج ضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه وثانيها: قوله تعالى: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } تفسير : [الزخرف: 58] عابهم بكونهم من أهل الجدل، وذلك يدل على أن الجدل مذموم، وثالثها: قوله: {أية : وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } تفسير : [الأنفال: 46] نهى عن المنازعة. وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا: الجدال في الدين طاعة عظيمة، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] وبقوله تعالى حكاية عن الكفار إنهم قالوا لنوح عليه السلام: {أية : يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } تفسير : [هود: 32] ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين. إذا ثبت هذا فنقول: لا بد من التوفيق بين هذه النصوص، فنحمل الجدل المذموم على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى. أما قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } [البقرة: 197] فاعلم أن الله تعالى قبل هذه الآية أمر بفعل ما هو خير وطاعة، فقال:{أية : وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 196] وقال: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ } ونهى عما هو شر ومعصية فقال: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } ثم عقب الكل بقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } وقد كان الأولى في الظاهر أن يقال: وما تفعلوا من شيء يعلمه الله، حتى يتناول كل ما تقدم من الخير والشر، إلا أنه تعالى خص الخير بأنه يعلمه الله لفوائد ولطائف أحدها: إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك الشر سترته وأخفيته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا هكذا، فكيف في العقبـى وثانيها: أن من المفسرين من قال في تفسير قوله: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } تفسير : [طه: 15] معناه: لو أمكنني أن أخفيها عن نفسي لفعلت فكذا هذه الآية، كأنه قيل للعبد: ما تفعله من خير علمته، وأما الذي تفعله من الشر فلو أمكن أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك وثالثها أن السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع: كل ما تتحمله من أنواع المشقة والخدمة في حقي فأنا عالم به ومطلع عليه، كان هذا وعداً له بالثواب العظيم، ولو قال ذلك لعبده المذنب المتمرد كان توعداً بالعقاب الشديد، ولما كان الحق سبحانه أكرم الأكرمين لا جرم ذكر ما يدل على الوعد بالثواب، ولم يذكر ما يدل على الوعيد بالعقاب ورابعها: أن جبريل عليه السلام لما قال: ما الإحسان؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : فههنا بين للعبد أنه يراه ويعلم جميع ما يفعله من الخيرات لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان الذي هو أعلى درجات العبادة، فإن الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه ليس بغافل عن أحواله كان أحرص على العمل وأكثر التذاذاً به وأقل نفرة عنه وخامسها: أن الخادم إذا علم اطلاع المخدوم على جميع أحواله وما يفعله كان جده واجتهاده في أداء الطاعات وفي الاحتراز عن المحظورات أشد مما إذا لم يكن كذلك، فلهذه الوجوه أتبع تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ }. أما قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } ففيه قولان أحدهما: أن المراد: وتزودوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران: سفر في الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد، وهو الطعام والشراب والمركب والمال، والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضاً من زاد، وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه الأول: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن وثانيها: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم وثالثها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرة، آمنة من الانقطاع والزوال ورابعها: أن زاد الدنيا وهي كل ساعة في الإدبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كل ساعة في الإقبال والقرب والوصول وخامسها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى. إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية، فكأنه تعالى قال: لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب، يعني إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لما فيه كثرة المنافع، وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى:شعر : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيث بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا تفسير : والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: إنا متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا فقال: وتزودوا ما تبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد: أن قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت. وروى محمد ابن جرير الطبري عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا عن ذلك بهذه الآية قال القاضي: وهذا بعيد لأن قوله: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } راجع إلى قوله: {وَتَزَوَّدُواْ } فكان تقديره: وتزودوا من التقوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال: فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان أحدهما: أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية والثاني: أن يكون في الكلام حذف ويكون المراد: وتزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى. أما قوله تعالى: {وَٱتَّقُونِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: إن قوله: {وَٱتَّقُونِ } فيه تنبيه على كمال عظمة الله وجلاله وهو كقول الشاعر:شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : المسألة الثانية: أثبت أبو عمرو الياء في قوله: {وَٱتَّقُونِ } على الأصل، وحذفها الآخرون للتخفيف ودلالة الكسر عليه. أما قوله تعالى: { يأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ } فاعلم أن لباب الشيء ولبه هو الخالص منه، ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال بعضهم: إنه اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان، والذي تميز به الإنسان عن البهائم وقرب من درجة الملائكة، واستعد به للتمييز بين خير الخيرين، وشر الشرين، وقال آخرون: أنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل العقل، والقلب قد يجعل كناية عن العقل قال تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } تفسير : [ق: 37] فكذا ههنا جعل اللب كناية عن العقل، فقوله: { يأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ } معناه: يا أولي العقول، وإطلاق اسم المحل على الحال مجاز مشهور، فإنه يقال لمن له غيرة وحمية: فلان له نفس، ولمن ليس له حمية: فلان لا نفس له فكذا ههنا. فإن قيل: إذا كان لا يصح إلا خطاب العقلاء فما الفائدة في قوله: { يأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ }. قلنا: معناه: إنكم لما كنتم من أولي الألباب كنتم متمكنين من معرفة هذه الأشياء والعمل بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح، ولهذا قال الشاعر:شعر : ولم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام تفسير : ولهذا قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } تفسير : [الأعراف: 179] يعني الأنعام معذورة بسبب العجز، أما هؤلاء القادرون فكان إعراضهم أفحش، فلا جرم كانوا أضل.

القرطبي

تفسير : فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} لمّا ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله: {أية : وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} تفسير : [البقرة: 196] بيّن ٱختلافهما في الوقت؛ فجميع السَّنة وقتٌ للإحرام بالعمرة، ووقت العمرة. وأمّا الحج فيقع في السَّنة مَرّةً، فلا يكون في غير هذه الأشهر. {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} ٱبتداء وخبر، وفي الكلام حذف تقديره: أشهرُ الحج أشهرٌ، أو وقت الحج أشهرٌ، أو وقت عمل الحج أشهرٌ. وقيل التقدير: الحج في أشهر. ويلزمه مع سقوط حرف الجَرّ نصب الأشهر، ولم يقرأ أحد بنصبها، إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف. قال الفرّاء: الأشهر رَفْعٌ؛ لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات. قال الفرّاء: وسمعت الكسائي يقول: إنما الصيف شهران، وإنما الطيلسان ثلاثة أشهر. أراد وقت الصيف، ووقت لباس الطيلسان؛ فحذف. الثانية: وٱختلِف في الأشهر المعلومات؛ فقال ٱبن مسعود وٱبن عمر وعطاء والرّبيع ومجاهد والزهريّ: أشهر الحج شوّال وذو القعدة وذو الحجة كله. وقال ٱبن عباس والسدّي والشعبيّ والنَّخعي: هي شوّال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة؛ وروي عن ٱبن مسعود، وقاله ٱبن الزبير، والقولان مرويان عن مالك؛ حكى الأخيرَ ٱبنُ حبيب، والأوّلَ ٱبنُ المنذر. وفائدة الفرق تعلّق الدم؛ فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دَماً فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر؛ لأنها في أشهر الحج. وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر، ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته. الثالثة: لم يسمّ الله تعالى أشهر الحج في كتابه؛ لأنها كانت معلومة عندهم. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض الشهر يتنزّل منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا، أو على عهد فلان. ولعله إنما رآه في ساعة منها؛ فالوقت يُذكر بعضه بكله، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيامُ مِنىً ثلاثة»تفسير : . وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقولون: رأيتك اليوم، وجئتك العام. وقيل: لما كان الاثنان وما فوقهما جَمْعٌ قال أشهر؛ والله أعلم. الرابعة: ٱختلف في الإهلال بالحج في غير أشهر الحج؛ فروي عن ٱبن عباس: مِن سُنّة الحج أن يُحرم به في أشهر الحج. وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزَاعي: من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حَجّه ويكون عمرة؛ كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة؛ وبه قال الشافعي وأبو ثور. وقال الأوزاعي: يَحلّ بعمرة. وقال أحمد بن حنبل: هذا مكروه؛ وروي عن مالك، والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها؛ وهو قول أبي حنيفة. وقال النَّخعيّ: لا يحلّ حتى يقضي حَجّه؛ لقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} تفسير : [البقرة: 189] وقد تقدّم القول فيها. وما ذهب إليه الشافعيّ أصح؛ لأن تلك عامة، وهذه الآية خاصة. ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم، لفضل هذه الأشهر على غيرها؛ وعليه فيكون قول مالك صحيحاً، والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً، وبالتلبية نُطقاً مسموعاً؛ قاله ٱبن حبيب وأبو حنيفة في التلبية. وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج؛ وهو قول الحسن بن حَيّ. قال الشافعيّ: تكفي النية في الإحرام بالحج. وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم. وأصل الفرض في اللغة: الحَزَّ والقَطْع؛ ومنه فُرْضة القَوْس والنّهر والجبل. ففرضية الحج لازمةٌ للعبد الحرّ كلزوم الخَزِّ للقِدْح. وقيل: «فَرَض» أي أبان؛ وهذا يرجع إلى القطع، لأن من قطع شيئاً فقد أبانه عن غيره. و «مَن» رفع بالابتداء ومعناها الشرط، والخبر قوله: «فَرض»؛ لأن «من» ليست بموصولة؛ فكأنه قال: رَجُلٌ فَرْض. وقال: «فيهن» ولم يقل فيها؛ فقال قوم: هما سواء في الاستعمال. وقال المازني أبو عثمان: الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس كذلك؛ تقول: الأجذاع ٱنكسرن، والجذوع ٱنكسرت؛ ويؤيد ذلك قول الله تعالى: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ}تفسير : [التوبة: 36] ثم قال: «مِنها». السادسة: قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ} قال ٱبن عباس وٱبن جُبير والسُّدى وقتادة والحسن وعكرمة والزهريّ ومجاهد ومالك: الرَّفثُ الجماعُ؛ أي فلا جماع لأنه يفسده. وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج، وعليه حَجٌّ قابل والهَدْيُ. وقال عبد اللَّه ٱبن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام؛ لقوله: إذا أحللنا فعلنا بك كذا، من غير كناية؛ وقاله ٱبن عباس أيضاً، وأنشد وهو مُحْرِم:شعر : وهنّ يمشين بنا هَميسَا إن تَصدقِ الطير نَنِك لَمِيسَا تفسير : فقال له صاحبه حُصين بن قيس: أترفُث وأنت مُحْرِم! فقال: إن الرّفث ما قيل عند النساء. وقال قوم: للرّفث الإفحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضرتهنّ أم لا. وقيل: الرفث كلمةٌ جامعةٌ لما يريده الرجل من أهله. وقال أبو عبيدة: الرّفث اللَّغَا من الكلام، وأنشد:شعر : ورُبّ أسرابِ حجيج كُظّمِ عن اللّغَا ورَفَث التكلُّمِ تفسير : يقال: رَفَث يَرْفُث، بضم الفاء وكسرها. وقرأ ٱبن مسعود «فلا رفوث» على الجمع. قال ٱبن العربي: المراد بقوله «فلا رفث» نفيه مشروعاً لا موجوداً، فإنّا نجد الرّفث فيه ونشاهده، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعاً لا إلى وجوده محسوساً؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة: 228] معناه: شرعاً لا حِسًّا؛ فإنا نجد المطلّقات لا يتربّصن؛ فعاد النّفي إلى الحكم الشرعيّ لا إلى الوجود الحِسّي. وهذا كقوله تعالى: {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 79] إذا قلنا: إنه وارد في الآدميين ـ وهو الصحيح ـ أن معناه لا يمسّه أحد منهم شرعاً، فإن وُجد المسّ فعلى خلاف حكم الشرع؛ وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا: إن الخبر يكون بمعنى النّهي، وما وُجد ذلك قَطُّ، ولا يصحّ أن يوجد، فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادّان وَصْفاً». السابعة: قوله تعالى: {وَلاَ فُسُوقَ} يعني جميع المعاصي كلّها؛ قاله ٱبن عباس وعطاء والحسن. وكذلك قال ٱبن عمر وجماعة: الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج؛ كقتل الصيد وقصّ الظفر وأخذ الشعر، وشبه ذلك. وقال ٱبن زيد ومالك: الفسوق الذبح للأصنام؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تفسير : [الأنعام: 145]. وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب؛ ومنه قوله: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ}تفسير : [الحجرات: 11]. وقال ٱبن عمر أيضاً: الفسوق السباب؛ ومنه قوله عليه السلام: «حديث : سِبابُ المسلِم فسوقٌ وقتالُه كفرٌ»تفسير : . والقول الأوّل أصح، لأنه يتناول جميع الأقوال. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : «مَن حَجّ فلم يَرْفُث ولم يفسُق رَجع كيوم ولدته أمه» «والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة»» تفسير : خرّجه مسلم وغيره. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض مِن عملٍ أفضلُ من الجهاد في سبيل الله أو حَجّة مبرورة لا رَفَث فيها ولا فسوق ولا جدال»تفسير : . وقال الفقهاء: الحج المبرور هو الذي لم يُعص الله تعالى فيه أثناء أدائه. وقال الفرّاء: هو الذي لم يُعص الله سبحانه بعده؛ ذكر القولين ٱبن العربي رحمه الله. قلت: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده. قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة. وقيل غير هذا، وسيأتي. الثامنة: قوله تعالى: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} قُرِىء «فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع والتنوين فيهما. وقرئا بالنصب بغير تنوين. وأجمعوا على الفتح في «ولا جدال»، وهو يقوّي قراءة النصب فيما قبله، ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كلّه؛ وعلى النصب أكثر القرّاء. والأسماء الثلاثة في موضع رفع، كل واحد مع «لا». وقوله «في الحج» خبر عن جميعها. ووجه قراءة الرفع أن «لا» بمعنى «ليس» فٱرتفع الاسم بعدها، لأنه ٱسمها، والخبر محذوف تقديره: فليس رفث ولا فسوق في الحج؛ دّل عليه «في الحج» الثاني الظاهر وهو خبر «لا جدال». وقال أبو عمرو بن العلاء: الرفع بمعنى فلا يكونن رفثٌ ولا فسوقٌ؛ أي شيء يُخرج من الحج، ثم ٱبتدأ النفي فقال: ولا جدال. قلت: فيحتمل أن تكون كان تامة، مثل قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} فلا تحتاج إلى خبر. ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف، كما تقدّم آنفاً. ويجوز أن يرفع «رفث وفسوق» بالابتداء، « ولا» للنفي، والخبر محذوف أيضاً. وقرأ أبو جعفر بن القَعْقاع بالرفع في الثلاثة. ورُويت عن عاصم في بعض الطرق، وعليه يكون «في الحج» خبر الثلاثة، كما قلنا في قراءة النصب؛ وإنما لم يحسن أن يكون «في الحج» خبر عن الجميع مع ٱختلاف القراءة، لأن خبر ليس منصوب وخبر «ولا جدال» مرفوع؛ لأن «ولا جدال» مقطوع من الأوّل وهو في موضع رفع بالابتداء، ولا يعمل عاملان في ٱسم واحد. ويجوز «فلا رَفَثَ ولا فسوقٌ» تعطفه على الموضع. وأنشد النحويون:شعر : لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلّةٌ اتّسع الخَرْقُ على الرّاقعِ تفسير : ويجوز في الكلام «فلا رفثَ ولا فسوقاً ولا جدالاً في الحج» عطفاً على اللفظ على ما كان يجب في «لا». قال الفَرّاء: ومثله:شعر : فلا أبَ وٱبناً مثلَ مروانَ وٱبنهِ إذا هو بالمجدِ ٱرْتَدَى وتأزّرَا تفسير : وقال أبو رجاء العطاردي: «فلا رفثَ ولا فسوقَ» بالنصب فيهما، «ولا جدالٌ» بالرفع والتنوين. وأنشد الأخفش:شعر : هذا وجَدّكم الصَّغار بعينه لا أُمَّ لِي إن كان ذاك ولا أبُ تفسير : وقيل: إن معنى «فلا رفث ولا فسوق» النهي؛ أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. ومعنى «ولا جدال» النفي، فلما ٱختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ. قال القشيري: وفيه نظر، إذ قيل: «ولا جدال» نهي أيضاً؛ أي لا تجادلوا، فلم فرق بينهما. التاسعة: قوله تعالى: {وَلاَ جِدَالَ} الجدال وزنه فعال من المجادلة، وهي مشتقة من الجَدْل وهو الفَتْل؛ منه زمامٌ مجدول. وقيل: هي مشتقة من الجَدَالة التي هي الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به الجَدَالة. قال الشاعر:شعر : قد أركب الآلة بعد الآلة وأترك العاجز بالجَدَالهْ مُنْعَفِراً ليست له محاله تفسير : العاشرة: وٱختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة؛ فقال ٱبن مسعود وٱبن عباس وعطاء: الجدال هنا أن تُماري مسلماً حتى تغضبه فينتهي إلى السَّباب؛ فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها. وقال قتادة: الجِدال السّباب. وقال ٱبن زيد ومالك بن أنس: الجدال هنا أن يختلف الناس: أيّهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام، كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك؛ فالمعنى على هذا التأويل: لا جدال في مواضعه. وقالت طائفة: الجدال هنا أن تقول طائفة: الحج اليوم، وتقول طائفة: الحج غداً. وقال مجاهد وطائفة معه: الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النَّسيء، كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضهم بجَمْع وبعضهم بعَرَفة، ويتمارون في الصواب من ذلك. قلت: فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه، وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله «وَلاَ جِدَالَ»؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الزمان قد ٱستدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»تفسير : الحديث، وسيأتي في «براءة». يعني رجع أمر الحج كما كان، أي عاد إلى يومه ووقته. وقال صلى الله عليه وسلم لما حَجّ: «حديث : خذوا عني مناسككم»تفسير : فبيّن بهذا مواقف الحج ومواضعه. وقال محمد بن كعب القُرَظِيّ: الجِدال أن تقول طائفة: حَجّنا أبَرّ من حَجّكم. ويقول الآخر مثل ذلك. وقيل: الجدال كان في الفخر بالآباء، والله أعلم. الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} شرط وجوابه، والمعنى: أن الله يجازيكم على أعمالكم، لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشيء. وقيل: هو تحريض وحَثّ على حُسنِ الكلام مكان الفحش، وعلى البِرّ والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجِدال. وقيل: جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ما نُهوا عنه. الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ} أَمْرٌ بٱتخاذ الزاد. قال ٱبن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وٱبن زيد: نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحجّ بيت الله ولا يطعمنا؛ فكانوا يبقون عالةً على الناس، فنُهوا عن ذلك، وأمِروا بالزاد. وقال عبد اللَّه بن الزبير: كان الناس يتّكل بعضهم على بعض بالزاد؛ فأمروا بالزاد.حديث : وكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلةٌ عليها زاد، وقدم عليه ثلثمائة رجل من مُزَينة، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: «يا عمر زوّد القوم»تفسير : . وقال بعض الناس: «تزوّدوا» الرفيق الصالح. وقال ٱبن عطية: وهذا تخصيص ضعيف، والأولى في معنى الآية: وتزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة. قلت: القول الأوّل أصح، فإن المراد الزاد المتَخَذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا؛ كما روى البخاريّ عن ٱبن عباس قال: كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون ويقولون: نحن المتوكلون؛ فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} وهذا نص فيما ذكرنا، وعليه أكثر المفسرين. قال الشعبيّ: الزاد التمر والسَّوِيق. ٱبن جبير: الكعك والسويق. قال ٱبن العربيّ: «أمر الله تعالى بالتزوّد لمن كان له مال، ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تَنْفُق في الطريق أو سائلاً فلا خطاب عليه؛ وإنما خاطب الله أهلَ الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون: نحن المتوكلون. والتوكل له شروط، من قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب، فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصّرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه، والله عز وجل أعلم». قال أبو الفرج الحَوْزِيّ: وقد لَبّس إبليس على قوم يدعون التوكل، فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ. قال رجل لأحمد بن حنبل: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد؛ فقال له أحمد: أخرج في غير القافلة. فقال لا، إلا معهم. قال: فعلى جُرُب الناس توكّلت؟! الثالثة عشرة: قوله تعالى: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} أخبر تعالى أن خير الزاد ٱتقاء المنهيّات؛ فأمرهم أن يضموا إلى التزوّد التقوى. وجاء قوله {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} محمولاً على المعنى؛ لأن معنى «وَتَزَوَّدُوا»: اتقوا الله في ٱتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: فإن خير الزاد ما ٱتقى به المسافر من الهَلَكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفّف. وقيل: فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار. قال أهل الإشارات: ذكّرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثّهم على تزوّد التقوى؛ فإن التقوى زاد الآخرة. قال الأعشى:شعر : إذ أنت لم تَرْحل بزادٍ من التُّقَى ولاقَيْتَ بعد الموت مَن قد تَزوّداً نَدِمتَ على ألاّ تكون كمثله وأنك لم ترصُد كما كان أرْصدَا تفسير : وقال آخر:شعر : الموتُ بحرٌ طامحٌ موجه تذهب فيه حيلة السابحِ يا نفسُ إني قائلٌ فٱسمعي مقالةً مِن مُشفق ناصِح لا يصحب الإنسانَ في قبره غيرُ التُّقَى والعملِ الصالح تفسير : الرابعة عشرة: قوله تعالى: {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } خصّ أولي الألباب بالخطاب ـ وإن كان الأمر يعم الكل ـ لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله، وهم قابلو أوامره والناهضون بها. والألباب جمع لُبّ؛ ولُبُّ كلّ شيء: خالصه؛ ولذلك قيل للعقل: لُبّ. قال النحاس: سمعت أبا إسحٰق يقول قال لي أحمد بن يحيى ثعلب: أتعرف في كلام العرب شيئاً من المضاعف جاء على فَعُلَ؟ قلت نعم، حكى سيبويه عن يونس: لَبُبْتَ تَلُبّ؛ فٱستحسنه وقال: ما أعرف له نظيراً.

ابن كثير

تفسير : اختلف أهل العربية في قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحاً، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة: 189] وبأنه أحد النسكين، فصح الإحرام به في جميع السنة كالعمرة. وذهب الشافعي رحمه الله، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به. وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد رحمهم الله، والدليل عليه قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها؛ كميقات الصلاة، وقال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج؛ من أجل قول الله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة، عن الحاكم بن عتيبة، عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم في أشهر الحج، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: من السنة كذا، في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيراً للقرآن، وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا نافع، حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج»تفسير : وإسناده لا بأس به، لكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم. وقوله: {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا الذي علقه البخاري بصيغة الجزم، رواه ابن جرير موصولاً: حدثنا أحمد بن حازم بن أبي برزة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، إسناد صحيح، وقد رواه الحاكم أيضاً في مستدركه عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبد الله عن نافع، عن ابن عمر، فذكره وقال: هو على شرط الشيخين، (قلت): وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور رحمهم الله، واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: رأيته العام، ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 203] وإنما تعجل في يوم ونصف يوم، وقال الإمام مالك بن أنس والشافعي في القديم: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر أيضاً، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج؟ قال: نعم، كان عبد الله يسمي شوالاً وذا القعدة وذا الحجة، قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكي هذا أيضاً عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة، وجاء فيه حديث مرفوع، لكنه موضوع، رواه الحافظ بن مردويه من طريق حصين بن مخارق، وهو متهم بالوضع، عن يونس بن عبيد عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة»تفسير : وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم. وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة، بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة، وهذا إسناد صحيح، قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج، وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال: كانوا لا يرونها تامة. (قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم. وقوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} أي: أوجب بإحرامه حجاً، فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج، والمضي فيه، قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} يقول: من أحرم بحج أو عمرة، وقال عطاء: الفرض: الإحرام. وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم. وقال ابن جرير: أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية. وقوله: {فَلاَ رَفَثَ} أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}تفسير : [البقرة: 187] وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، كذلك التكلم به بحضرة النساء، قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن نافعاً أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم، قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله، قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، أنه كان يحدو وهو محرم، وهو يقول:شعر : وهُنَّ يَمْشين بنا هَميسا إِنْ تَصْدُقِ الطيرُ نَنَكْ لَمِيسا تفسير : وقال أبوالعالية: فقلت: تكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. ورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس فذكره. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن عوف حدثني زياد بن حصين حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت خليله، فلما كان بعد إحرامنا وقال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول:شعر : وهنًّ يَمْشينَ بنا هَمِيسا إنْ تَصْدُقِ الطيرُ نَنَكْ لَمِيسا تفسير : قال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. وقال عبد الله بن طاوس عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ}؟ قال: الرفث: التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث، وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش، وكذا قال عمرو بن دينار. وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة، وهو التعريض وهو محرم. وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة: إذا حللت أصبتك، وكذا قال أبو العالية، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث: غشيان النساء، والقبلة، والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك، وقال ابن عباس أيضاً وابن عمر: الرفث: غشيان النساء. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول وعطاء الخراساني وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. وقوله {وَلاَ فُسُوقَ} قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس: هي المعاصي، وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، وقال محمد بن إسحاق: عن نافع عن ابن عمر، قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله، صيداً أو غيره، وكذا روى ابن وهب عن يونس عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم، وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب. قاله ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي وإبراهيم النخعي والحسن، وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح: «حديث : سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»تفسير : ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»تفسير : ، وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام، قال الله تعالى:{أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}تفسير : [الأنعام: 145]، وقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب. والذين قالوا: الفسوق ههنا هو جميع المعاصي، الصواب معهم، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهياً عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال: {أية : مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [التوبة: 36] وقال في الحرم: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الحج: 25] واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهي عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك، كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى، والله أعلم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».تفسير : وقوله: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} فيه قولان: (أحدهما): ولا مجادلة في وقت الحج في مناسكه، وقد بينه الله أتم بيان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهداً يقول: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} قد بين الله أشهر الحج، فليس فيه جدال بين الناس. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} قال: لا شهر ينسأ، ولا جدال في الحج، قد تبين، ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به. وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} قال: قد استقام الحج، فلا جدال فيه، وكذا قال السدي. وقال هشيم: أخبرنا حجاج عن عطاء، عن ابن عباس: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} قال: المراء في الحج. وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} فالجدال في الحج ـ والله أعلم ـ أن قريشاً كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فهذا فيما نرى، والله أعلم. وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه الله حين أعلم نبيه بالمناسك، وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب، قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم. وقال حماد ابن سلمة، عن جبير بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج غداً، ويقول بعضهم: الحج اليوم، وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحج، والله أعلم. (والقول الثاني): أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا إسحاق عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود في قوله: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه، وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي، سألت ابن عباس عن الجدال، قال: المراء، تماري صاحبك حتى تغضبه. وكذلك روى مقسم والضحاك عن ابن عباس. وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ولا جدال في الحج}: المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك، وقال إبراهيم النخعي: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} قال: كانوا يكرهون الجدال. وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال في الحج السباب والمنازعة، وكذا روى ابن وهب عن يونس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب، قالوا: الجدال المراء. وقال عبد الله ابن المبارك عن يحيى بن بشر، عن عكرمة: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} والجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلماً، إلا أن تستعتب مملوكاً، فتغضبه من غير أن تضربه، فلا بأس عليك إن شاء الله. (قلت): ولو ضربه لكان جائزاً سائغاً، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً، حتى إذا كنا بالعرج، نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول: «حديث : انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع»تفسير : وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق، ومن هذاالحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر رضي الله عنه: «حديث : انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع»تفسير : كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك، والله أعلم. وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه».تفسير : وقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} لما نهاهم عن إتيان القبيح قولاً وفعلاً، حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة، وقوله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} قال العوفي، عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن عكرمة: أن ناساً كانوا يحجون بغير زاد، فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} وكذا رواه ابن جرير عن عمرو، وهو الفلاس، عن ابن عيينة، قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: وما يرويه عن ابن عيينة أصح. (قلت): قد رواه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد، فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} وأما حديث ورقاء، فأخرجه البخاري عن يحيى بن بشر، عن شبابة، وأخرجه أبو داود عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به، وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم، رموا بها، واستأنفوا زاداً آخر، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك. وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك، وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير {وَتَزَوَّدُواْ} قال: الخشكنانج والسويق، قال وكيع أيضاً: حدثنا إبراهيم المكي عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر، وزاد فيه حماد بن سلمة عن أبي ريحانة: أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة. وقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: {أية : وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ}تفسير : [الأعراف: 26] لما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشداً إلى اللباس المعنوي، وهوالخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع، قال عطاء الخراساني في قوله: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} يعني: زاد الآخرة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة»تفسير : وقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية: {وَتَزَوَّدُواْ}، قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله ما نجد ما نتزوده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : تزود ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى»تفسير : رواه ابن أبي حاتم، وقوله: {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} يقول: واتقوا عقابي ونكالي، وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلْحَجُّ } وقته {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَٰتٌ } شوّال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وقيل كله {فَمَن فَرَضَ } على نفسه {فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ } بالإحرام به {فَلاَ رَفَثَ } جماع فيه {وَلاَ فُسُوقَ } معاصٍ {وَلاَ جِدَالَ } خصام {فِي ٱلْحَجّ } وفي قراءة بفتح الأولين والمراد في الثلاثة النهي {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } كصدقة {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } فيجازيكم به، ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد فيكونون كَلاًّ على الناس: {وَتَزَوَّدُواْ } ما يبلغكم لسفركم {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } ما يُتَّقى به سؤال الناس وغيره {وَٱتَّقُونِ يَٰأُوْلِي ٱلأَلْبَٰبِ } ذوي العقول.

الشوكاني

تفسير : قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ } فيه حذف، والتقدير: وقت الحج أشهر، أي: وقت عمل الحج. وقيل التقدير: الحج في أشهر، وفيه أنه يلزم النصب مع حذف حرف الجر لا الرفع. قال الفراء: الأشهر رفع؛ لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات، وقيل التقدير: الحج حج أشهر معلومات. وقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، ومجاهد، والزهري: هي شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة كله، وبه قال مالك. وقال ابن عباس، والسدي، والشعبي، والنخعي: هي شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم. وقد روي أيضاً عن مالك. ويظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال إن ذا الحجة كله من الوقت لم يلزمه دم التأخير، ومن قال: ليس إلا العشر منه، قال يلزم دم التأخير. وقد استدل بهذه الآية من قال: إنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو عطاء، وطاوس، ومجاهد، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور قالوا: فمن أحرم بالحج قبلها أحلّ بعمرة، ولا يجزيه عن إحرام الحج، كمن دخل في صلاة قبل وقتها، فإنها لا تجزيه. وقال أحمد، وأبو حنيفة: إنه مكروه فقط. وروي نحوه عن مالك، والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة. وروي مثله عن أبي حنيفة. وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في الآية. وقد قيل: إن النص عليها لزيادة فضلها. وقد روي القول بجواز الإحرام في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه، وإبراهيم النخعي، والثوري، والليث بن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ} فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن هذه الآية عامة، وتلك خاصة، والخاص مقدّم على العام. ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة، فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة، كذلك يجوز للحج، ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنصّ القرآني، فهو باطل، فالحق ما ذهب إليه الأوّلون، إن كانت الأشهر المذكورة في قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ } مختصة بالثلاثة المذكورة بنص، أو إجماع، فإن لم يكن كذلك، فالأشهر جمع شهر، وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة، والثلاثة هي المتيقنة، فيجب الوقوف عندها. ومعنى قوله: {مَّعْلُومَـٰتٍ } أن الحج في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها، ليس كالعمرة، أو المراد معلومات ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، أو معلومات عند المخاطبين لا يجوز التقدّم عليها، ولا التأخير عنها، قوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ } أصل الفرض في اللغة: الحزّ والقطع، ومنه فرضة القوس، والنهر، والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر، كلزوم الحزّ للقوس. وقيل: معنى فرض: أبان، وهو أيضاً يرجع إلى القطع؛ لأن من قطع شيئاً فقد أبانه عن غيره. والمعنى في الآية: فمن ألزم نفسه فيهنّ الحج بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً، وبالتلبية نطقاً مسموعاً. وقال أبو حنيفة: إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية، أو بتقليد الهدي، وسوقه، وقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج. والرفث: قال: ابن عباس، وابن جبير، والسدي، وقتادة، والحسن، وعكرمة، والزهري، ومجاهد، ومالك: هو الجماع. وقال ابن عمر، وطاوس، وعطاء، وغيرهم: الرفث: الإفحاش بالكلام. قال أبو عبيدة: الرفث: اللغاء من الكلام، وأنشد:شعر : وربّ أسراب حَجِيج كُظَّم عن اللغا وَرَفَث التَّكَلُّـم تفسير : يقال: رفث يرفث بكسر الفاء، وضمها. والفسوق: الخروج عن حدود الشرع. وقيل: هو الذبح للأصنام. وقيل: التنابز بالألقاب. وقيل: السباب. والظاهر أنه لا يختص بمعصية معينة، وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق، على ذلك الفرد اسم الفسوق، كما قال سبحانه في الذبح للأصنام: {أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 145]. قال في التنابز: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ } تفسير : [الحجرات: 11]. وقال صلى الله عليه وسلم في السباب: «حديث : سباب المسلم فسوق»تفسير : ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصي لا يوجب اختصاصه به. والجدال مشتق من الجدل، وهو القتل، والمراد به هنا: المماراة، وقيل: السباب، وقيل: الفخر بالآباء، والظاهر الأوّل. وقد قرىء بنصب الثلاثة ورفعها، ورفع الأوّلين، ونصب الثالث، وعكس ذلك، ومعنى النفي لهذه الأمور: النهي عنها. وقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } حثّ على الخير بعد ذكر الشرّ، وعلى الطاعة بعد ذكر المعصية، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك، فهو معلوم عند الله لا يفوت منه شيء. وقوله: {وَتَزَوَّدُواْ } فيه الأمر باتخاذ الزاد؛ لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحجّ بيت ربنا، ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن متوكلون على الله سبحانه، وقيل: المعنى تزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } والأوّل أرجح كما يدل على ذلك سبب نزول الآية، وسيأتي وقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال: اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد، فإن خير الزاد التقوى، وقيل: المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة، والحاجة إلى السؤال، والتكفف، وقوله: {وَٱتَّقُونِ يأُوْلِي ٱلألْبَـٰبِ } فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حثّ جميع العباد على التقوى؛ لأن أرباب الألباب هم القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولبّ كل شيء خالصه. قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } فيه الترخيص لمن حجّ في التجارة، ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ }تفسير : [الجمعة: 10] أي: لا إثم عليكم في أن تبتغوا فضلاً من ربكم مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج. قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم } أي: دفعتم، يقال فاض الإناء: إذا امتلأ ماء حتى ينصبّ من نواحيه، ورجل فياض، أي: متدفقة يداه بالعطاء، ومعناه: أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم: دفعوا من موضع كذا. و{عرفات}: اسم لتلك البقعة، أي: موضع الوقوف. وقرأه الجماعة بالتنوين، وليس التنوين هنا للفرق بين ما ينصرف، وما لا ينصرف، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين. قال النحاس: هذا الجيد، وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين. وحكى الأخفش، والكوفيون فتح التاء تشبيهاً بتاء فاطمة، وأنشدوا:شعر : تنوّرتها من أذرعات وأهلُها بِيَثْربَ أدْنَى دارِها نَظَر عالي تفسير : وقال في الكشاف: فإن قلت: هلا منعت الصرف، وفيها السببان: التعريف، والتأنيث، قلت: لا يخلو التأنيث، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدّرة كما في سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث. ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدّر تاء التأنيث في بنت؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث، فأبت تقديرها. انتهى. وسميت عرفات؛ لأن الناس يتعارفون فيه. وقيل: إن آدم التقى هو وحواء فيها، فتعارف. وقيل: غير ذلك، قال ابن عطية: والظاهر: أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده، والمراد بذكر الله عند المشعر الحرام: دعاؤه، ومنه التلبية والتكبير، وسمي المشعر مشعراً من الشعار، وهو: العلامة، والدعاء عنده من شعائر الحج، ووصف بالحرام لحرمته، وقيل: المراد بالذكر: صلاة المغرب، والعشاء بالمزدلفة جمعاً. وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاجّ بينهما فيها. والمشعر: هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام. وقيل: هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر. قوله: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية، أو كافة أي: اذكروه ذكراً حسناً، كما هداكم هداية حسنة، وكرّر الأمر بالذكر تأكيداً، وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل: المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم، و «إن» في قوله: {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ } مخففة كما يفيده دخول اللام في الخبر. وقيل: هي بمعنى قد، أي: قد كنتم، والضمير في قوله: {مِن قَبْلِهِ } عائد إلى الهدي، وقيل: إلى القرآن. وقد أخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } "حديث : شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة"تفسير : . وأخرج الطبراني في الأوسط أيضاً، عن ابن عمر مرفوعاً مثله. وأخرج الخطيب، عن ابن عباس مرفوعاً مثله أيضاً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب موقوفاً مثله. وأخرج الشافعي في الأم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر موقوفاً مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، وعطاء، والضحاك مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طرق، عن ابن عمر في قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } قال شوّال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة. وأخرجوا إلا الحاكم، عن ابن مسعود مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن ابن عباس من طرق مثله. وأخرج ابن المنذر، والدارقطني، والطبراني، والبيهقي عن عبد الله بن الزبير مثله أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن، ومحمد، وإبراهيم مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن حرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عمر في قوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ } قال: من أهل فيهن بحج، وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن مسعود قال الفرض: الإحرام. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن الزبير قال: الإهلال. وأخرج عنه ابن المنذر، والدارقطني، والبيهقي قال: فرض الحج الإحرام. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الفرض الإهلال. وروى نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج الشافعي في الأم، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس؛ قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج من أجل قول الله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، والبيهقي عنه نحوه. وأخرج الشافعي في الأم، وابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبيهقي عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «حديث : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج»تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : {فلا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج} قال: الرفث: التعريض للنساء بالجماع، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال: جدال الرجل صاحبه»تفسير : وأخرج ابن مردويه، والأصبهاني في الترغيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فلا رفث: لا جماع، ولا فسوق: المعاصي والكذب»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس في الآية قال: الرفث الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: المِرَاء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: الرفث: غشيان النساء، والفسوق: السباب، والجدال: المراء. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي عنه نحوه. وروى نحو ما تقدّم عن جماعة من التابعين بعبارات مختلفة، وأخرج عبد بن حميد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم عن ابن عباس؛ قال: كان أهل اليمن يحجون، ولا يتزوّدون، ويقولون نحن متوكلون، ثم يقدمون، فيسألون الناس، فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: كان ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودَةٌ يقولون نحجّ بيت الله، ولا يطعمنا؟ فنزلت الآية. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها، واستأنفوا زاداً آخر، فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } فنُهُوا عن ذلك، وأمروا أن يتزوّدوا الكعك، والدقيق، والسويق. وأخرج الطبراني عن ابن الزبير قال: كان الناس يتوكل بعضهم على بعض في الزاد، فأمرهم الله، أن يتزوّدوا. وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ما تقدّم عن الصحابة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير عن ابن عباس؛ قال: كانوا يتقون البيوع، والتجارة في الموسم، والحج، ويقولون أيام ذكر الله، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الآية. وقد أخرج نحوه عنه البخاري، وغيره. وأخرج عبد بن حميد، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي، عن أبي أمامة التميمي؛ قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نُكْرَي، فهل لنا من حجّ؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وبين الصفا والمروة، وتأتون المعرَّف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلت بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه الآية، وقال: حديث : أنتم حجاج.تفسير : وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } في مواسم الحج. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن الزبير أنه قرأها كما قرأها ابن عباس. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف: أن ابن مسعود قرأها كذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: إنما سمي عرفات؛ لأن جبريل كان يقول لإبراهيم عليه السلام حين رأى المناسك عرفت. وأخرج مثله ابن أبي حاتم، عن ابن عمر. وأخرج مثله عبد الرزاق، وابن جرير، عن عليّ. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر؛ أنه سئل، عن المشعر الحرام، فسكت، حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال: هذا المشعر الحرام. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه؛ أنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عنه؛ قال: هو: الجبل، وما حوله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه قال: ما بين الجبلين الذي بجمع مشعر. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن الزبير في قوله: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } قال: ليس هذا بعامّ، هذا لأهل البلد كانوا يفيضون من جمع، ويفيض سائر الناس من عرفات، فأبى الله لهم ذلك، فأنزل: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} وأخرج عبد بن حميد، عن سفيان في قوله: {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ } قال: من قبل القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّالّينَ } قال لمن الجاهلين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُوماتٌ} اختلفوا في تأويله على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بأسرها، وهذا قول قتادة، وطاوس، ومجاهد، عن ابن عمر وهو مذهب مالك. والثاني: هو شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، وهذا قول أبي حنيفة. والثالث: هن شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، والسدي، ونافع، عن ابن عمر، وعطاء، والضحاك، والشافعي. ثم قال تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الإهلال بالتلبية، وهو قول عمر ومجاهد وطاوس. والثاني: أنه الإحرام، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعطاء، والشافعي. {فَلاَ رَفَثَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الجماع، وهو قول ابن عمر، والحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والزهري. والثاني: أنه الجماع أو التعرض له بمُوَاعَدَةٍ أو مُدَاعَبَةٍ، وهو قول الحسن البصري. والثالث: أنه الإفْحَاشُ للمرأة في الكرم، كقولك إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية، وهو قول ابن عباس، وطاوس. {وَلاَ فُسُوقَ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه فِعْلُ ما نُهِيَ عنه في الإحرام، من قتل صيد، وحلق شَعْر، وتقليم ظفر، وهو قول عبد الله بن عمر. والثاني: أنه السباب، وهو قول عطاء، والسدي. والثالث: أنه الذبح للأصنام، وهو قول عبد الرحمن بن زيد. والرابع: التنابز بالألقاب، وهو قول الضحاك. والخامس: أنه المعاصي كلها، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وطاووس. {وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِ } فيه ستة تأويلات: أحدها: هو أن يجادل الرجل صاحبه، يعني يعصيه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. الثاني: هو السباب، وهو قول ابن عمر وقتادة. والثالث: أنه المِرَاءُ والاختلاف فِيمَنْ هو أَبَرُّهُم حَجّاً، وهذا قول محمد بن كعب. والرابع: أنه اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم، وهذا قول القاسم بن محمد. والخامس: أنه اختلافهم في مواقف الحج، أيهم المصيب موقف إبراهيم، وهذا قول ابن زيد. والسادس: أن معناه ألاّ جدال في وقته لاستقراره، وإبطال الشهر الذي كانوا ينسؤونه في كل عام، فربما حجوا في ذي القعدة، وربما حجوا في صفر، وهذا قول أبي جعفر الطبري. وفي قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} تأويلان: أحدهما: تزوّدوا بالأعمال الصالحة، فإن خير الزاد التقوى. والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل اليمن، كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فنزلت فيهم: {وَتَزَوَّدُوا}، يعني من الطعام.

ابن عطية

تفسير : وقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات}، في الكلام حذف تقديره: أشهر الحج أشهر، أو: وقت الحج أشهر، أو: وقت عمل الحج أشهر، والغرض إنما هو أن يكون الخبر عن الابتداء هو الابتداء نفسه، والحج ليس بالأشهر فاحتيج إلى هذه التقديرات، ومن قدر الكلام: الحج في أشهر، فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ بنصبها أحد. وقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله. وقال ابن عباس والشعبي والسدي وإبراهيم: هي شوال وذو العقدة وعشر ذي الحجة، والقولان لمالك رحمه الله، حكى الأخير ابن حبيب، وجمع على هذا القول الأخير الاثنان وبعض الثالث كما فعلوا في جمع عشر فقالوا عشرون لعشرين ويومين من الثالث، وكما قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : ثلاثون شهراً في ثلاثةِ أَحْوَال تفسير : فمن قال إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دماً فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج، وعلى القول الآخر ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك. وقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} أي من ألزمه نفسه، وأصل الفرض الحز الذي يكون في السهام والقسي وغيرها، ومنه فرضة النهر والجبل، فكأن من التزم شيئاً وأثبته على نفسه قد فرضه، وفرض الحج هو بالنية والدخول في الإحرام، والتلبية تبع لذلك، و {من} رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والخبر قوله {فرض} لأن {من} ليست بموصولة فكأنه قال فرجل فرض، وقوله {فلا رفث} يحتمل أن يكون. الخبر، وتكون {فرض} صفة. وقوله تعالى: {فيهن} ولم يجيء الكلام فرض فيها: فقال قوم: هما سواء في الاستعمال. وقال أبو عثمان المازني: "الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس كذلك، تقول الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت"، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : إن عدة الشهور} تفسير : [التوبة: 36]، ثم قال: {منها}، وقرأ نافع "فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ" بنصب الجميع، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ" بالرفع في الاثنين ونصب الجدال، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة، ورويت عن عاصم في بعض الطرق، و {لا} بمعنى ليس في قراءة الرفع وخبرها محذوف على قراءة أبي عمرو، و {في الحج} خبر {لا جدال} وحذف الخبر هنا هو مذهب أبي علي، وقد خولف في ذلك، بل {في الحج} هو خبر الكل، إذ هو في موضع رفع في الوجهين، لأن {لا} إنما تعمل على بابها فيما يليها وخبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء، وظن أبو علي أنها بمنزلة ليس في نصب الخبر، وليس كذلك، بل هي والاسم في موضع الابتداء يطلبان الخبر، و {في الحج} هو الخبر في قراءة كلها بالرفع وفي قراءتها بالنصب، والتحرير أن {في الحج} في موضع نصب بالخبر المقدر كأنك قلت موجود في الحج، ولا فرق بين الآية وبين قولك زيد في الدار. وقال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة ومالك ومجاهد وغيرهم: الرفث الجماع. وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإعراب والتعريب، وهو الإفحاش بأمر الجماع عند النساء خاصة، وهذا قول ابن عباس أيضاً، وأنشد وهو محرم: شعر : وَهُنَّ يَمْشينَ بِنَا هَمِيساً إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا تفسير : فقيل له: ترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء وقال قوم: الرفث الإفحاش بذكر النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا، وقد قال ابن عمر للحادي: "لا تذكر النساء". قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل أن تحضر امرأة فلذلك نهاه، وإنما يقوي القول من جهة ما يلزم من توقير الحج. وقال أبو عبيدة: "الرفث اللغا من الكلام"، وأنشد: شعر : وَرُبَّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظُمِ عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ تفسير : قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في البيت، وقرأ ابن مسعود "ولا رفوث". وقال ابن عباس وعطاء والحسن وغيرهم: الفسوق المعاصي كلها لا يختص بها شيء دون شيء. وقال ابن عمر وجماعة معه: الفسوق المعاصي في معنى الحج كقتل الصيد وغيره. وقال ابن زيد ومالك: الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قول الله تعالى: {أية : أو فسقاً أهل لغير الله به} تفسير : [الأنعام:145]. وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب، ومنه قول الله تعالى: {أية : بئس الاسم الفسوق} تفسير : [الحجرات: 11]. وقال ابن عمر أيضاً ومجاهد وعطاء وإبراهيم: الفسوق السباب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وعموم جميع المعاصي أولى الأقوال. وقال قتادة وغيره: الجدال هنا السباب. وقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد: الجدال هنا أن تماري مسلماً حتى تغضبه. وقال مالك وابن زيد: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة حجنا أبر من حجكم وتقول الأخرى مثل ذلك. وقالت فرقة: الجدال هنا أن تقول طائفة: الجح اليوم وتقول طائفة بل الحج غداً، وقيل: الجدال كان في الفخر بالآباء. وقال مجاهد وجماعة معه: الجدال أن تنسىء العرب الشهور حسبما كان النسيء عليه، فقرر الشرع وقت الحج وبينه، وأخبر أنه حتم لا جدال فيه، وهذا أصح الأقوال وأظهرها، والجدال مأخوذ من الجدل وهو الفتل، كأن كل مجادل يفاتل صاحبه في الكلام. وأما ما كان النسيء عليه فظاهر سير ابن إسحاق وغيرها من الدواوين أن الناسىء كان يحل المحرم لئلا تتوالى على العرب ثلاثة أشهر لا إغارة فيها، ويحرم صفر، وربما سموه المحرم، وتبقى سائر الأشهر بأسمائها حتى يأتي حجهم في ذي الحجة على الحقيقة، وأسند الطبري عن مجاهد أنه قال: كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون صفران لصفر وشهر ربيع الأول، ثم كذلك ينقلون أسماء الشهور، ويتبدل وقت الحج في الحقيقة، لكنه يبقى في ذي الحجة بالتسمية لا في حقيقة الشهر، قال: فكان حج أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة على الحقيقة ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة على الحقيقة، وحينئذ قال: "حديث : إن الزمان قد استدار"تفسير : الحديث، ونزلت {ولا جدال في الحج} أي قد تبين أمره فلا ينتقل شهر البتة أبداً. وقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} المعنى فيثيب عليه، وفي هذا تخصيص على فعل الخير. وقوله تعالى: {وتزودوا} الآية، قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد: نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويقول بعضهم: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف نجح بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود. وقال بعض الناس: المعنى تزودوا الرفيق الصالح، وهذا تخصيص ضعيف، والأولى في معنى الآية: وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة، وفي قوله تعالى: {فإن خير الزاد التقوى} حض على التقوى، وخص أولو الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله وهم قابلو أوامره، والناهضون بها، وهذا على أن اللب لب التجارب وجودة النظر، وإن جعلناه لب التكليف فالنداء بــ {أولي الألباب} عام لجميع المكلفين، واللب العقل، تقول العرب لبُبْت بضم الباء الأولى ألُب بضم اللام، حكاه سيبويه، وليس في الكلام فعل يفعل بضم العين فيهما غير هذه الكلمة. وقوله تعالى: {ليس عليكم جناح} الآية، الجناح أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي العقاب وفيما يقتضي العتاب والزجر، و {تبتغوا} معناه تطلبون بمحاولتكم. وقال ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعطاء: إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ وذي المجاز ومجنة، فأباح الله تعالى ذلك، أي لا درك في أن تتجروا وتطلبوا الربح. وقال مجاهد: "كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون، فنزلت الآية في إباحة ذلك". وقال ابن عمر فيمن أكرى ليحج: "حجه تام ولا حرج عليه في ابتغاء الكراء"، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج". وقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات} أجمع أهل العلم على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل إلا مالك بن أنس، فإنه قال: "لا بد أن يأخذ من الليل شيئاً، وأما من وقف بعرفة بالليل فلا خلاف بين الأمة في تمام حجه" وأفاض القوم أو الجيش إذا اندفعوا جملة، ومنه أفاض الرجل في الكلام، ومنه فاض الإناء، وأفضته، ومنه المفيض في القداح، والتنوين في عرفات على حده في مسلمات، الكسرة مقابلة للياء في مسلمين والتنوين مقابل النون، فإذا سميت به شخصاً ترك، وهو معرف على حده قبل أن تسمي به، فإن كان {عرفات} اسماً لتلك البقعة كلها فهو كما ذكرناه، وإن كان جمع عرفة فهو كمسلمات دون أن يسمى به، وحكى سيبويه كسر التاء من "عرفاتِ" دون تنوين في حال النصب والخفض مع التعريف، وحكى الكوفيون فتحها في حال النصب والخفض تشبيهاً بتاء فاطمة وطلحة، وسميت تلك البقعة {عرفاتَ} لأن إبراهيم عرفها حين رآها على ما وصفت له، قال السدي. وقال ابن عباس: "سميت بذلك لأن جبريل عليه السلام كان يقول لإبراهيم عليه السلام: هذا موضع كذا، فيقول قد عرفت"، وقيل: سميت بذلك لأن آدم عرف بها حواء حين لقيها هناك. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع، وعرفة هي نعمان الأراك، وفيها يقول الشاعر: شعر : تزودت من نعمان عود أراكة لهند ولكن من يبلغه هندا؟ تفسير : و {المشعر الحرام} جمع كله، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضى مأزمي عرفة، قال ذلك ابن عباس وابن جبير والربيع وابن عمر ومجاهد، فهي كلها مشعر إلى بطن محسر، كما أن عرفة كلها موقف إلا بطن عُرَنة، بفتح الراء وضمها، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة كلها مشعر، إلا وارتفعوا عن بطن محسر" وذكر هذا عبد الله بن الزبير في خطبته، وفي المزدلفة قرن قزح الذي كانت قريش تقف عليه، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام ندب عند أهل العلم. وقال مالك: "من مر به ولم ينزل فعليه دم"، وقال الشافعي: "من خرج من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم، وإن كان بعد نصف الليل فلا شيء عليه"؟ وقال الشعبي والنخعي: من فاته الوقوف بمزدلفة فاته الحج. وقوله: {واذكروه كما هداكم} تعديد للنعمة وأمر بشكرها، ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قدر الإنعام، والكاف في {كما} نعت لمصدر محذوف، و {إن} مخففة من الثقيلة، ويدل على ذلك دخول اللام في الخبر، هذا قول سيبويه. وقال الفراء: "هي النافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلاّ" والضمير في {قبله} عائد على الهدي.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} شوال وذو القعدة وذو الحجة، أو شوال، وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، أو شوال وذو القعدة وعشر ليالي من ذي الحجة إلى طلوع الفجر يوم النحر. {فَرَضَ} أحرم، أو أَهَلَّ بالتلبية. {رَفَثَ} الجماع، أو الجماع والتعرض له بمواعدة ومداعبة أو الإفحاش بالكلام كقوله: "إذا حللت فعلت بكِ كذا من غير كناية". {وَلا فُسُوقَ} منهيات الإحرام، أو السباب، أو الذبح للأصنام، أو التنابز بالألقاب أو المعاصي كلها. {وَلا جِدَالَ} السباب، أو المِراء والاختلاف أيهم أتم حجاً، أو أن يجادل صاحبه حتى يغضبه، أو اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم، أو اختلافهم في مواقف الحج أيهم أصاب موقف إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو لا جدال في وقته لاستقراره وبطلان النسيء الذي كانوا ينسئونه فربما حجوا في صفر أو ذي القعدة. {وَتَزَوَّدُوأ} الأعمال الصالحة، أو نزلت في قوم من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد، ويقولون نحن المتوكلون، فنزل {وَتَزَوَّدُواْ} الطعام فإن خيراً منه التقوى.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الحج أشهر معلومات} يعني أشهر الحج أشهر معلومات وقيل وقت الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر وبه قال عبدالله بن مسعود جابر بن عبدالله وعبدالله بن الزبير ومن التابعين الحسن وابن سيرين والشعبي وهو قول الشافعي والثوري وأبي ثور وحجة الشافعي ومن وافقه أن الحج يفوت بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها فدل على أن يوم النحر ليس من أشهر الحج وأيضاً فإن الإحرام بالحج فيه لا يجوز فدل على أنه وما بعده ليس من أشهر الحج. وقال ابن عباس أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة آخرها يوم النحر وبه قال ابن عمر وعروة بن الزبير وطاوس وعطاء والنخعي وقتادة ومكحول والضحاك والسدي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وهي إحدى الروايتين عن مالك وحجة هذا القول أن يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر لأن فيه يقع طواف الإفاضة وهو تمام أركان الحج، وقيل إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر وبه قال الزهري: وهي الرواية الأخرى عن مالك وحجة هذا القول إن الله تعالى ذكر أشهر الحج بلفظ الجمع وأقل الجمع المطلق ثلاث، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج كان آخره كذلك. فإن قلت هنا إشكال. وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية: {أية : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}تفسير : [البقرة: 189] فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج. قلت قوله هي مواقيت للناس والحج عام وهذه الآية وهي قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} خاص والخاص مقدم على العام. وقيل: إن الآية الأولى مجملة وهذه الآية مفسرة لها. فإن قلت إنما قال الحج أشهر بلفظ الجمع وعند الشافعي أشهر الحج شهران وعشر ليال وعند أبي حنيفة وعشرة أيام فما وجه هذا؟ قلت: إن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما} تفسير : [التحريم: 4] وقيل إنه نزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال رأيتك سنة كذا وإنما رآه في ساعة منها ولا إشكال فيه على القول الثالث وهو قول من قال إن أشهر الحج ثلاث شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله {فمن فرض فيهن الحج} يعني فمن ألزم نفسه وأوجب عليها فيهن الحج والمراد بهذا الفرض ما به يصير حاجاً وهو فعل يفعله ثم اختلفوا في ذلك الفعل فقال الشافعي: ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبيةَ ووجهه أن فرض الحج عبارة عن النية فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج وقال أبو حنيفة: لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى تنضم إليه التلبية أو سوق الهدى ووجهه أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا به من انضمام شيء إلى النية كتكبيرة الإحرام مع النية في الصلاة، وفي الآية دليل على أن الإحرام بالحج لا ينعقد إلاّ في أشهره وهو قول ابن عباس وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق لأن الله تعالى خصص هذه الأشهر بفرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص وجه ولا فائدة وقال مالك والثوري وأبو حنيفة: ينعقد إحرامه بالحج في جميع شهور السنة ووجهه أن الإحرام إلزام الحج فجاز تقديمه على الوقت كالنذر لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها مواقيت للحج بقوله: {هي مواقيت للناس والحج} وقد تقدم الجواب عنه. وقوله تعالى {فلا رفث} قال ابن عباس الرفث الجماع وفي رواية عنه أن الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز وأن يعرض لهن بالفحش من الكلام فعلى هذا القول التلفظ به غيبة النساء لا يكون رفثاً، قال حصين بن قيس أخذ ابن عباس بذنب بعيره يلويه وهو يحدو ويقول: شعر : وهن يمشين بنا هميسا إن يصدق الطير ننك لميسا تفسير : فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرفث ما قيل عند النساء وقوله لميسا هو اسم امرأة وقيل الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه وقوله فلا رفث يحتمل أن يكون نهياً عن تعاطي الجماع وأن يكون نهياً عن الحديث في ذلك لأنه من دواعيه وقيل الرفث هو الفحش والخنا والقول القبيح. وقيل الرفث اللغو من الكلام ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يوم صوم أحدكم فلا رفث يومئذٍ ولا يصخب" تفسير : {ولا فسوق} أصله الخروج عن الطاعة قال ابن عباس: هي المعاصي كلها وهو قول طاوس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع والقرظي وقال ابن عمر: هو ما نهي عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر، وأخذ الشعر وما أشبه ذلك وقيل هو السباب والتنابز بالألقاب (ق) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدت أمه" تفسير : {ولا جدال في الحج} قال ابن عباس الجدال هو المراء وهو أن يماري الرجل صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه وقيل: هو قول الرجل الحج اليوم يقول آخر الحج غماً وقيل هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع وقد أحرموا بالحج "حديث : اجعلوا أهلاً لكم بالحج عمرة إلاّ م قلد الهدي قالوا كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج فهذا كان جدالهم" تفسير : . وقيل: هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بمزدلفة وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة وكل يقول الصواب فيما فعلته فأنزل الله: {ولا جدال في الحج} فأخبر أن أمر الحج قد استقر على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا خلاف فيه بعده وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" تفسير : وقيل: معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء وقيل: ظاهر الآية خبر ومعناه نهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج وإنما نهي عن ذلك وأمر باجتنابه في الحج وإن كان اجتناب ذلك في كل الأحوال والأزمان واجباً لأن الرفث والفسوق والجدال في الحج أسمج وأفظع منه في غيره {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو الذي يجازيكم عليها، حث الله على فعل الخير عقيب النهي عن الشر وهو أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن ومكان الفسوق البر والتقوى ومكان الجمال الوفاق والأخلاق الجملية، وقيل: جعل فعل الخير عبارة عن ربط الأنفس عن الشر حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه. وقيل: إنما ذكر الخير وإن كان عالماً بجميع أفعال العباد من الخير والشر لفائدة، وهي أنه تعالى إذا علم من العبد الخير ذكره وشهره وإذا علم منه الشر ستره وأخفاه فإذا كان هذا فعله مع عبده في الدنيا فكيف يكون في العقبى وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يخرجون للحج من غير زاد ويقولون نحن متوكلون ويقولون نحج بيت ربنا أفلا يطعمنا فإذا قدموا مكة سألوا الناس وربما أفضى بهم الحال إلى النهب والغصب فأنزل الله وتزودوا أي ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم عن الناس واتقوا إبرامهم والتثقيل عليهم فإن خير الزاد التقوى وقيل في معنى الآية وتزودوا من التقوى فإن الإنسان لا بد له من سفر في الدنيا، ولا بد فيه من زاد ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب وسفر من الدنيا إلى الآخرة، ولا بد فيه من زاد أيضاً وهو تقوى الله والعمل بطاعته وهذا الزاد أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة وفي هذا المعنى قال الأعشى: شعر : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا تفسير : {واتقون} أي وخافوا عقابي وقيل معناه واشتغلوا بتقواي وفيه تنبيه على كمال عظمة الله جل جلاله: {يا أولي الألباب} يا ذوي العقول الذين يعلمون حقائق الأمور.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ...}. ابن عطية: أي وقت الحج أشهر. ابن عرفة: أو الحج ذو أشهر كقولهم: زيد عدل أي ذو عدل. ابن عرفة: وعادتهم يوردون في هذا تشكيكا وهو أن هذه القضية، إمّا صادقة أو كاذبة وكلاهما باطل، أمّا بطلان الثاني فظاهر وأمّا الأول فلأنّها إذا كانت معلومة كان الإخبار بها غير مفيد إذ هو تحصيل الحاصل كقولك هذا (الشهر) معلوم. والجواب أن المعلوم قسمان: باق على أصله ومعلوميته لم يقع فيه (تغيير) بوجه، ومعلوم غير عن وضعه وهذا منه، كما قالوه في النسيء: فإنهم كانوا (يؤخرون) المحرم لصفر ويجعلونه كذلك عاما بعد عام حتى كانت حجّة أبي بكر رضي الله عنه في ذي القعدة سنة تسع، وحجّة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني حجة الوداع في ذي الحجة ولذلك قال في خطبته: "حديث : إن الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والارض"تفسير : فاقتضت الآية أنّ (الحجّ) هو الأشهر المعلومات (الأصلية) التي ليس فيها ذلك (التغيير). (والجواب الثاني) بأن فائدة ذلك التنبيه على هذه الأشهر المعلومة بالحج كما هو في شرع من قبلنا هي في شرعنا. ورده ابن عرفة بأنّ اللّفظ لا يقتضى ذلك. قال ابن عرفة: فإن قلت: ما فائدة (العدول) عن الحقيقة إلى المجاز في الإخبار بظرف الزمان عن المصدر مثل: زيد عدل؟ فأجاب عن ذلك بأن عادتهم يقولون: (فائدته) التنبيه على مفارقة الصلاة / فإن الصلاة الفائتة تقضى في غير وقتها، والحج لا يقضى إلا في هذه الأشهر فجعلت كأنها هي نفس الحج لملازمته لها. قال ابن عطية: وأشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، حكاه الشيخ ابن حبيب عن الإمام مالك رضي الله عنه وترك قولين آخرين في المذهب: أحدهما: أنّه شوال وذو القعدة وذو الحجة، والثاني أنه شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة وأيام الرمي. قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ...}. نقل الفخر في المحصول عن أبي الدّبوسي من (الحنفية): أن الفرض ما نشأ عن دليل قطعي لأنه مأخوذ من الفرض في (الخشبة)، والواجب ما نشأ عن دليل (ظني) لأن الوجوب في اللغة السقوط. قال الله تعالى {أية : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}تفسير : ولذلك يقولون: هذا واجب وجوب السنن ولا يقولون: هذا فريضة فرض السنن. قال ابن عرفة: فإن قلت لم أعيد لفظ الحجّ مظهرا، وهلا قيل: فمن فرضه فيهن؟ فأجاب عن ذلك بأنه لو قيل كذلك لكان فيه عود الضمير على اللفظ لا على المعنى مثل: عندي درهم ونصفه لأن الحج الأول مطلق يصدق بصورة فيتناول حج زيد وعمرو بالتعيين الواقع منهما وحجمها القابل لأن يفعلاه. وقول الله جل جلاله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} مقيد بحج كل واحدٍ واحدٍ بعينه، والشخص المعين (حجه مقيد لا) مطلق، فلذلك أعيد لفظ الحج مظهرا فيتناول الفرض والتطوع. قيل لابن عرفة: ما الفرق بين (جواز تقديم) إحرام الحجّ على أشهر الحج ومنع تقديم إحرام الصلاة على وقتها؟ فقال: الإحرام قسمان منقطع ومستصحب، فالمنقطع كتكبيرة الإحرام والمستصحب النية، فالنية يصح تقديمها على الوقت لأنها لايزال حكمها منسحبا على المصلي في جميع أجزاء صلاته ولا يصح تقديم تكبيرة الإحرام لانقطاعها بالفراغ منها، ونظيره هنا السعي، لا يجوز تقديمه على أشهر الحج. وأما نية الإحرام والتوجه فهو مستصحب فيصح تقديمه على أشهر الحج. وفرقوا بين إحرام الصلاة وإحرام الحج بأنّ إحرام الصلاة متيسر (لا مشقة) فيه فامتنع تقديمه وأمر المقدم له بإعادته واعتقاد وجوبه بخلاف إحرام الحج. قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ...}. نقل ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية عن الإمام مالك رضي لله عنه: إنّ أقل الجمع اثنان، وقال الباجي في الفصول: المشهور عن مالك وعن أصحابه أن أقل الجمع ثلاثة إلا ابن خويز منداد فإنه قال أقله اثنان. واحتج الأولون بقوله: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}.تفسير : وأجيب باحتمال أنْ يريد بالضمير الفاعل والمفعول معا، أي الحاكم المحكوم عليه. وردّه ابن التلمساني بإلزام كون الضمير فاعلا ومفعولا في حالة واحدة فيكون مرفوعا منصوبا، انظر المسألة الخامسة من الباب الثالث. قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ...}. قال أبو حيان: قرأ الأعمش رفوث. قال ابن عرفة: هو إما جمع بناء على أن جمع المصدر إذا اختلفت أنواعه إما قياسا كما قال ابن عصفور أو سماعا كما قال ابن أبي الربيع وابن هشام، وإمّا مفردا. قلت: مثل قعود ووقوف وكقولك: أقل أفولا، ولزم لزوما، والجمع كالحلوم وأما "رَفَثَ" فمثل قولك وَجِلَ وَجَلا وخَجل خجلا. قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ...}. إن قلت: المتقدم نهي وامتثاله بالترك كما أنّ امتثال الأمر بالفعل، فهلا عقب بأن يقال: وما تتركوا من شيء يَعْلَمَهُ اللهُ؟ قيل لابن عرفة: نقول إن الترك فعل؟ فقال: البحث على أنّه غير فعل. قال: وإنّما الجواب بما قال ابن الحاجب من أنّ نقيض الجلي (جلي)، ونقيض الخفي خفي فالإخبار بأن الله تعالى يعلم الفعل يستلزم معرفته نقيض ذلك وهو الترك وإنّما عدل على التنصيص على ذلك بالمطابقة إلى دلالة الالتزام ليفيد الكلام أمرين، وهو الحض على عدم الاقتصار على ترك ذلك فقط فيتضمن طلب تركه وطلب تعويضه بفعل الخير المحصل للثواب فإنه تعالى عالم بمن يترك ذلك ويفعل الخير فنبه على الترك والفعل.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {فلا رفث ولا فسوق} بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد. وزاد يزيد {ولا جدال} بالرفع. الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، {واتقون} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء. {ومن تأخر} روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين. الوقوف: {معلومات} ط {في الحج} ط {يعلمه الله} ط {التقوى} ز للعارض بين الجملتين المتفقتين {الألباب} ه {من ربكم} ط لأن "إذا" أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر {الحرام} ص لعطف المتفقتين {هداكم} ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً. {الضالين} ه {واستغفروا الله} ج {رحيم} ه {ذكراً} ط {من خلاق} ه {النار} ه {مما كسبوا} ط {الحساب} ه نصف الجزء. {معدودات} ط لأن الشرط في بيان حكم آخر {عليه} الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف {عليه} الثانية لا لتعليق اللام. {اتقي} ط لاختلاف النظم {تحشرون} ه. التفسير: من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك "البلد شهران". أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء. وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم "ليل قائم ونهار صائم" واتفق المفسرون على أن شوّالاً وذا القعدة من أشهر الحج. واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه. والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر. وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله تعالى {أية : فقد صغت قلوبكما} تفسير : [التحريم: 4] ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال "رأيتك سنة كذا" وإنما رآه في ساعة منها. ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج. والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء. وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة. ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر. وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها. قيل: إنه تعالى جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله {أية : قل هي مواقيت للناس والحج} تفسير : [البقرة: 189] وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات. وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام. وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين. فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتاً للحج، ومعنى قوله {معلومات} أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع. وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقاً مقرراً له. أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء. ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق. وأيضاً الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة. وأيضاً الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكماً، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى. وأيضاً الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء. وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله تعالى {أية : قل هي مواقيت للناس والحج} تفسير : [البقرة: 189] والجواب ما مر. قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر. والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت. قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله. وقد تبعد داره بعداً شديداً يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال. والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقاً {فمن فرض فيهن الحج} فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج. وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالاً له. قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية. نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله تعالى {فمن فرض} وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي. وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله {فلا رفث} فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج. وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لكل امرئ ما نوى" تفسير : وأيضاً إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم. وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية. وعن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم. وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم. وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من هل أو لبى. وأيضاً إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة. وصورة التلبية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، تفسير : ولا تكره الزيادة على هذا. روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها. لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل. فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقاً تعبداً ورقاً. قال الشافعي في أصح قوليه: الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشياً لما روي أنه صلى الله عليه وسلم لم يهل حتى انبعثت به دابته، قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة. فإذا استوت به راحلته متوجهاً إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى. وإن كان يريد القران نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى. والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد. ثم يأخذ في السير لرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائماً كان أو قاعداً راكباً أو ماشياً حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، حديث : قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت .تفسير : قوله عز من قائل {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال} من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج. وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه"تفسير : وإنه لم يذكر الجدال. وقيل: الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرئ كذلك. أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق. وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح. وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها. وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي. أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها. فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام. ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية. وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح. وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضاً بالجماع قبل حصول التحلل. ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللاً واحداً وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضاً وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" تفسير : واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجاً منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب امضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل. ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة. وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً. ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضاً أو تطوعاً فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و "قضى من قابل". وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمعدي لا يستحق ذلك. ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعاً. وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانياً فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى. وإن فدى لم يلزم إلا شاة. وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج. فلو باشر شيئاً منها عمداً فالفدية. روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسياً لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحد ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد. وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها. والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع. وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم"تفسير : وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام. وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال تعالى {أية : ففسق عن أمر ربه} تفسير : [الكهف: 50] وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال تعالى {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" تفسير : وقيل الإيذاء والإيحاش {أية : ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} تفسير : [البقرة: 282] وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام {أية : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق} تفسير : [الأنعام: 121] وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع الأجنبية. وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه. واختلف المفسرون فيه. فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم. وقال آخرون: بل حجنا أتم. وقال آخرون: بل حجنا أتم. فنهاهم الله عن ذلك. وقال مالك في الموطأ: الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بفزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب. وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك. فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غداً فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه. قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً. فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"تفسير : فتركوا الجدال حينئذ. وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم. وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم صلى الله عليه وسلم، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله تعالى بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر. وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة. وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة. واعلم أن الجدال ليس منهياً عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومخض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : [النحل: 125] وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالماً به أيضاً لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟ وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعدما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميماً لمكارم الأخلاق وتنبيهاً على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد. وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك. بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم. زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور. وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس. شعر : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكـون كمثلــه وأنك لم ترصد كما كان أرصـدا تفسير : وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون. ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله سبحانه أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم. وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله تعالى ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح. روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني رزقي. فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعاً لم يأته شيء حتى كاد يتلف. فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك. فألهمه الله تعالى في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة. وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي. وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله "أنا أبو النجم وشعري شعري" {يا أولي الألباب} يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق. ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية. وأيضاً أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهراً لأن المشتغل بخدمة الله تعالى يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية. وأيضاً كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة ولاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت. {ليس عليكم جناح أن تبتغوا} أي في أن تطلبوا {فضلاً من ربكم} عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله {أية : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} تفسير : [المزمل: 20] عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج. قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله {أية : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} تفسير : [الجمعة: 10] وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها. وأيضاً الفاء في قوله {فإذا أفضتم} ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس {فضلاً من ربكم في مواسم الحج} وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير. قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد. وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها. فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج. ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة. وعن ابن عمر أن رجلاً قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا. فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل {ليس عليكم جناح} فدعا به فقال: أنتم حجاج. وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟! وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: أن ابتغاء الفضل ههنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله تعالى ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان. واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق {أية : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} تفسير : [الجمعة: 10] ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة {أية : تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله} تفسير : [الفتح: 29] {أية : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} تفسير : [النساء: 83] ومنها ما يتعلق بمواهب القربة {أية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} تفسير : [الحديد: 21] {أية : وكان فضل الله عليك عظيماً} تفسير : [النساء: 113] ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله {أية : فلا جناح عليه أن يطوّف بهما} تفسير : [البقرة: 158]. {فإذا أفضتم} أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة. التقدير: أفضتم أنفسكم. فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا. وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة "ثوب أخلاق" و "برمة أعشار" ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟ فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف. وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو "مسلمات" ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين. وأن هذا التنوين تنوين الصرف. قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو "مسلمات وعرفات" ضعيف. فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث. وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول "هذه عرفات مباركاً فيها" ولا يجوز "مباركاً فيه" إلا بتأويل بعيد كما في قوله "ولا أرض أبقل إبقالها" فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة. وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو "عرفات" لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع. هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية. شعر : تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي تفسير : وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف. فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية. وقيل: التنوين عوض من منع الفتحة. واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة. وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص. فقيل: التروية التفكر. وسببه أن آدم عليه السلام لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك. قال يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به. قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك. قال: حسبي يا رب حسبي. وقيل: إن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكراً هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك. وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات. وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعدما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا. أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء عليهما السلام التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل عليه السلام علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال: نعم. أو لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة. عن علي عليه السلام وابن عباس وعطاء والسدي. أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله {أية : وأرنا مناسكنا} تفسير : [البقرة: 128] أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوماً بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد} تفسير : [البقرة: 127] ولما ذكرنا آنفاً من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة. وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال. يقال: إن آدم عليه السلام وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه: الآن عرفتما أنفسكما. وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك"تفسير : وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذاً من قوله تعالى في المائدة {أية : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} تفسير : [المائدة: 3] عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم عليه السلام في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم. تفسير : قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين. وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} تفسير : [المائدة: 3] يوم قطيعة القاطعين {أية : أن الله بريء من المشركين ورسوله} تفسير : [التوبة: 3] يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : [الأعراف: 23] يوم وفد الوافدين في الخبر "حديث : الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره" تفسير : يوم الحج الأكبر {أية : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} تفسير : [التوبة: 3] يوم خص صومه بكثرة الثواب قال صلى الله عليه وسلم "حديث : صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين"تفسير : وقال "حديث : من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم"تفسير : أقسم الله تعالى به في قوله عز من قائل {أية : والشفع والوتر} تفسير : [الفجر: 3] عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة. وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم"تفسير : ولا ضير أن نشير ههنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة. اعلم أنه من دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة. والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعدما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال. ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها. فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه. ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي. بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه. ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس. والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحج عرفة" تفسير : فمن فاته عرفة فقد فاته الحج. وقد يستدل بالآية أيضاً على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات. والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات. وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه تعالى أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلاً حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات. ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى. وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر. وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة. قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب. وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع. وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها. ويقال: للمزدلفة جمعم لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها. ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين. ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة. فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس. والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها وهو متفق عليه. فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلع الشمس. ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر. فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعدما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي. ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي. واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات. والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضاً لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال. والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب. أما أنه مسنون فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلماروي عن عبد الله بن عمرو قال: حديث : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي. قال: "ارم ولا حرج". وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: "ارم ولا حرج". وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: "افعل ولا حرج". تفسير : وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس ههنا موضع بيانه. ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر. وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض. وثبير جبل هناك فأمر الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس. وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضاً من قبيل الوحي. قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده. وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام. قال: والصحيح أنه الجبل لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفر. وقال: عند المشعر الحرام معناه ما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر. والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته. وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء. والصلاة تسمى ذكراً قال تعالى {أية : وأقم الصلاة لذكري} تفسير : [طه: 14] والدليل عليه أن {فاذكروا} أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل. عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون {كما هداكم} "ما" مصدرية أو كافة. أطلق الأمر بالذكر أوّلاً ثم قيده ثانياً. والمعنى: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله تعالى توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب. أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} تفسير : [الأحزاب: 41] وعلى هذا فيكون قوله {كما هداكم} متعلقاً بالأمرين جميعاً، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال. فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام. أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد {وإن كنتم من قبله} من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم {لمن الضالين} الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه. "وإن" هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية {ثم أفيضوا} في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى. وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعاً وكراً. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات. فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟ فلا تذهب. فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها. والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة. ومعنى "ثم" التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول "أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم" تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه. وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع. ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعاً. وقوله {من حيث أفاض الناس} المراد به إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام فإن من سنتهما ذلك. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس. وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً مقتدى به. {أية : إن إبراهيم كان أمة} تفسير : [النحل: 120] {أية : الذين قال لهم الناس} تفسير : [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود {إن الناس} يعني أبا سفيان. ووجه ثالث وهو أن يكون قوله {من حيث أفاض الناس} عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال "هذا مما فعله الناس قديماً". القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله {من حيث أفاض الناس} يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله تعالى بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وأورد على هذا القول أن استعمال "حيث" للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به. وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم عليه السلام واحتج بقراءة سعيد بن جبير {من حيث أفاض الناس} بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى} تفسير : [طه: 115] والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه. {واستغفروا الله} من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة. والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالاً ما عبدناك حق عبادتك. وصورة الاستغفار على ما روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" تفسير : ولو اقتصر على قوله "أستغفر الله" كفى. ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم. أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام. من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسناً. {إن الله غفور رحيم} بناءان للمبالغة كما مر مراراً. واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية. فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر. قوله عز من قائل {فإذا قضيتم مناسككم} أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك. وأنه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون اسم مكان. وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء. عن ابن عباس: أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم. فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم. ثم الفاء في قوله {فاذكروا الله} تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة. وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات. ومعنى {كذكركم آباءكم} توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذباً أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقاً استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم. وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق "أبه أبه أمه أمه" أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر. والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله. وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آباءكم. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف بالآباء وقال "حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت"تفسير : وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف. وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك. وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء. وقوله {أو أشد ذكراً} إما في موضع جر عطفاً على ما أضيف إليه الذكر في قوله {كذكركم} كما تقول "كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً. وإما في موضع نصف عطفاً على {آباءكم} بمعنى أو أشد ذكراً من آبائكم على أن {ذكراً} من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتدٍ له اعتبارات اعتبار وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل. وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر. وإنما لزم اعتبار الفعل ههنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون. ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكراً. ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: "وجهك أحسن وجه" أي أحسن الوجوه. فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله "زيد أفره عبداً". فالفراهة للعبد لا لزيد. والمذكور قبل {أشد} ههنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال "أشد ذكراً إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جراً إضافة. وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكراً مجازاً. ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه. فمعنى "أو" ههنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره "افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه". وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان. ثم إنه تعالى بعدما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة تنبيهاً على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار. فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة. عن أنس حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟ قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفي تفسير : . والإنصاف أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟! ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟ عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً. وذلك لأنكارهم البعث والمعاد. وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا. طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون. يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم. وقوله {ربنا آتنا في الدنيا} متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم "فلان معط" أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة. واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال. وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا. فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية. فلما قال عز من قائل {وماله في الآخرة من خلاق} أي طلب نصيب حذف مفعول {آتنا} لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علماً وعملاً روحانياً أو جسمانياً. اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. ثم إنه سبحانه لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولاً. فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجاباً لا كرامة واجتباء بل مكراً واستدراجاً ويؤيده قوله سبحانه {أية : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب} تفسير : [الشورى: 20] وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق. لأن همته مقصورة على الدنيا. والحسنتان في دعاء الصالحين. أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة {أية : إن تصبك حسنة تسؤهم} تفسير : [التوبة: 50] {أية : قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} تفسير : [التوبة: 52] قيل: إما النصرة وإما الشهادة. وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع. صرح بذلكفي قوله {وقنا عذاب النار} وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة. روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة. وعن علي رضي الله عنه الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء. وعذاب النار امرأة السوء. وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته. قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا. شعر : الجسم مني للجليس مجالس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي تفسير : وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين. وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة. ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً. ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام. قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل. {أولئك} الداعون بالحسنتين {لهم نصيب} وأي نصيب {مما كسبوا} من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. فمن للابتداء. ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله {أية : مما خطيئاتهم أغرقوا} تفسير : [نوح: 25] والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح "إنها كسب فلان" أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} تفسير : [الشورى: 30] ويجوز أن يكون {أولئك} للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا. {والله سريع الحساب} السرعة نقيض البطء. والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله "حسبك كذا" أي كفاك. وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان. ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب. ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب. عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم. وقيل: المحاسبة المجازاة {أية : وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً} تفسير : [الطلاق: 8] ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء. وقيل: إنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب. فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة. ومن قال: إنه صوت قال: إنه تعالى يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف. إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة. أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور "يا من لا يشغله سمع عن سمع"، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله تعالى {أية : اقترب للناس حسابهم} تفسير : [الأنبياء: 1] وقوله تعالى {واذكروا الله} أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة. وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله تعالى عنده {في أيام معدودات} هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى. والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى. والثالث يوم النفر الثاني. عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي الحج عرفة. من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد. فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً كما مر في تفسير قوله تعالى {أية : ولتكبروا الله على ما هداكم} تفسير : [البقرة: 185] وذكرنا صورة التكبير هناك أيضاً. ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى. وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى. وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة. واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة. فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية. والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة. والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة. واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها. وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب. والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني من الفقهاء لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال:حديث : الله أكبر. تفسير : ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله. وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة. قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس. وقيل: هو من قولهم "أشرق ثبير كيما نغير". وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وأما رمي أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئاً من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتماً برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعاً في سبع دفعات لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك رماها. وقال: خذوا عني مناسككم. فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولاً وفعلاً، ويكبر مع كل حصاة. وعلى الحجيج أن يبتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد وذلك قوله تعالى {فمن تعجل} أي عجل أو استعجل {في يومين فلا إثم عليه} ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي. وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله تعالى {ومن تأخر فلا إثم عليه لمن التقى} قال في الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله {ومن تأخر} والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة. وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام. وقد سئل ههنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه {فلا إثم عليه} وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه. فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثماً، ومنهم من يجعل المتأخر آثماً مخالفاً لسنة الحج، فبيّن الله تعالى أن لا إثم على واحد منهما. وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة. فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه. وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحداً. وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن تعالى أنه لا حرج في واحد منهما. وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى: 40] بل ههنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلاً. وأما قوله تعالى {لمن اتقى} أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه. وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجة كقوله {أية : إنما يتقبل الله من المتقين} تفسير : [المائدة: 27] أو لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج. وقوله {واتقوا الله} أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله {واعلموا أنكم إليه تحشرون} توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر - وهو اسم يقع على ابتداء - خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات. والمراد من قوله {إليه} أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو {أية : يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} تفسير : [الانفطار: 19]. التأويل: {الحج أشهر معلومات} هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد. نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة. {فلا رفث} لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار. {ولا فسوق} ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت {ولا جدال في الحج} لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} تفسير : [الفرقان: 63] وتزودوا لكل سالك زاد. فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت. وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات. فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد {أن تبتغوا فضلاً} مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات. وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله {عند المشعر الحرام} يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله {واذكروه كما هداكم} أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا. {وإن كنتم من} قبل الوقوف بعرفات المعرفة {لمن الضالين} في طلب الدنيا وحظوظ النفس {من حيث أفاض الناس} يعنى محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله {واستغفروا الله} لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله {أية : إذا جاء نصر الله} تفسير : إلى قوله {أية : واستغفره} تفسير : [النصر: 1 - 3] أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره {فإذا قضيتم} مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر {كذكركم آباءكم} في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار {أو أشد ذكراً} لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله {والله سريع الحساب} لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب {في أيام معدودات} هي أيام البداية والوسط والنهاية {فمن تعجل في يومين} وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة {فلا إثم عليه ومن تأخر} إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } في الكلام حذفٌ، تقديره: أشهر الحج أشهرٌ أو وقتُ الحجِّ أشهر معلوماتٌ، قال ابن مسعود وغيره: وهي شوَّال، وذُو القَعْدة، وذو الحَجَّة كلُّه. وقال ابن عبَّاس وغيره: هي شَوَّال، وذو القَعْدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة، والقولان لمالكٍ - رحمه اللَّه - {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ }، أي: ألزمه نفْسَهُ، وفرض الحج هو بالنيةِ والدخولِ في الإِحرام، والتلبيةُ تَبَعٌ لذلك، وقوله تعالى: {فِيهِنَّ}، ولم يجــىء الكلام «فيها»، فقال قوم: هما سواء في الاستعمال، وقال أبو عثمانَ المَازِنِيُّ: الجمعُ الكثيرُ لما لا يعقل يأتي كالواحدةِ المؤنَّثة، والقليلُ ليس كذلك، تقول: الأجذاعُ ٱنْكَسَرْنَ والجُذُوعُ ٱنْكَسَرَتْ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة:36] ثم قال: {أية : مِنْهَآ} تفسير : [التوبة:36]. وقوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ...} الآية، وقرأ ابن كثيرٍ، وأبو عمرٍو: «فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالَ»، بالرفع في الاثنين، ونصب الجدال، و «لا» بمعنى «لَيْسَ»، في قراءة الرفع، والرَّفَثُ الجماعُ في قول ابن عبَّاس، ومجاهد، ومالك، والفُسُوقُ قال ابن عبَّاس وغيره: هي المعاصِي كلُّها، وقال ابن زَيْد، ومالك: الفُسُوقُ: الذبْح للأصنام، ومنه قوله تعالَىٰ: {أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ }، تفسير : [الأنعام:145] والأول أولَىٰ. قال الفَخْر: وأكثر المحقِّقين حملوا الفِسْقَ هنا على كل المعاصِي؛ قالوا: لأن اللفظ صالِحٌ للكلِّ ومتناولٌ له، والنهي عن الشيء يوجبُ الاِنتهاءَ عن جَميعِ أنواعه، فحمل اللفْظ على بعض أنواع الفسوقِ تحكُّم من غير دليل. انتهى. قال ابن عباس وغيره: الجِدَالُ هنا: أن تماري مسلماً. وقال مالك، وابن زَيْد: الجدالُ هنا أن يَخْتَلفَ الناسُ أيهم صادَفَ موقفَ إِبراهيمَ - عليه السلام -؛ كما كانوا يفعلون في الجاهلية، قُلْتُ: ومعنى الآية: فلا تَرْفُثُوا، ولا تفسُقُوا، ولا تجادلُوا؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ، وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي ٱمْرُؤٌ صَائِمٌ...»تفسير : الحديث. انتهى. قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ}، أراد نفيه مشروعاً، لا موجوداً، فإِنا نجد الرفَثَ فيه، ونشاهده، وخبَرُ اللَّه سبحانه لا يَقَعُ بخلافِ مخبره. انتهى. قال الفَخْر: قال القَفَّال: ويدُخُل في هذا النهْيِ ما وقَعَ من بعضهم من مجادلة النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بفَسْخِ الحَجِّ إِلى العمرة، فشَقَّ عليهم ذلك، وقالوا: «أنروحُ إِلَىٰ مِنَىٰ، ومَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مَنِيًّا...» الحديث. انتهى. وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ }: المعنى: فيثيب عليه، وفي هذا تحضيضٌ على فعل الخير. * ت *: وروى أُسَامَةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: «حديث : مَنْ صُنِعَ إِليْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» تفسير : رواه الترمذيُّ، والنَّسائي، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» بهذا اللفظ. انتهى من «السلاح» ونحو هذا جوابُهُ صلى الله عليه وسلم للمهاجرينَ؛ حَيْثُ قَالُوا: «مَا رَأَيْنَا كَالأَنْصَارِ»، وأثنوا علَيْهم خيراً. وقوله سبحانه: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ...} الآية: قال ابن عُمَرَ وغيره: نزلَتِ الآية في طائفةٍ من العرب، كانت تجـــيء إِلى الحج بلا زادٍ، ويبقون عالة على النَّاس، فأمروا بالتزوُّد، وقال بعض النَّاس: المعنَىٰ: تزوَّدوا الرفيقَ الصالحَ، وهذا تخصيصٌ ضعيفٌ، والأَولَىٰ في معنى الآية: وتزوَّدوا لمعادِكُمْ من الأعمال الصالحة، قُلْتُ: وهذا التأويلُ هو الذي صَدَّر به الفخْرُ وهو الظاهرُ، وفي قوله: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} حضٌّ على التقوَىٰ.

ابن عادل

تفسير : "الحَجُّ" مبتدأ، و"أشْهُرٌ" خبره، والمبتدأ والخبر لا بدّ أن يصدقا على ذاتٍ واحدٍ، و"الحَجُّ" فعلٌ من الإفعال، و"أشْهُرٌ" زمانٌ، فيهما غيران، فلا بدَّ من تأويل، وفيه ثلاثة احتمالات: أحدها: أنَّه على حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره: أشهر الحج أشهر معلوماتٌ. أي: لا حجَّ إلاَّ في هذه الأشهر ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهيلَّة في غيرها، كقوله البرد شهران، أي: وقت البرد شهران. الثاني: الحذف من الثاني تقديره: الحجّ حجّ أشهرٍ، فيكون حذف من كل واحدٍ ما أثبت نظيره. الثالث: أن تجعل الحدث نفس الزَّمان مبالغةً، ووجه المجاز كونه حالاًّ فيه، فلما اتُّسع في الظَّرف جعل نفس الحدث، ونظيره: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف: 15] وإذا كان ظرف الزمان نكرةً مخبراً به عن حدثٍ، جاز فيه الرفع والنَّصب مطلقاً، أي: سواءً كان الحدث مستوعباً للظَّرف، أم لا، هذا مذهب البصريين. وأمَّا الكوفيُّون فقالوا: إن كان الحدث مستوعباً، فالرَّفع فقط نحو: "الصَّوْمُ يومٌ"، وإن لم يكن مستوعباً، فهشامٌ يلتزم رفعه أيضاً نحو: "مِيَعَادُكَ يَوْمٌ" والفرَّاء يجيز نصبه مثل البصريّين، وقد نقل عنه أنَّه منع نصب "أشْهُر"، يعني: في الآية الكريمة، لأنها نكرةٌ، فيكون له في المسألة قولان، وهذه مسألةٌ طويلةٌ. قال ابن عطيَّة: "ومنْ قَدَّر الكَلاَم: الحج في أشهر، فيلزَمُهُ مع سقوطِ حَرْفِ الجَرّ نصبُ الأَشْهُر، ولم يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ" قال أبَو حيان رحمه الله: ولا يَلْزَمُ ذلك؛ لأنَّ الرَّفْع على جِهة الاتِّساع، وإن كان أصلُهُ الجرَّ بـ"في". فصل أجمع المفسِّرون على أنَّ شوَّالاً، وذا القعدة، من أشهر الحج، واختلفوا فى ذي الحَّجة فقال عروة بن الزُّبير: إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك، وداود. وقال أبو حنيفة: العشر الأول من ذي الحجَّة من أشهر الحجِّ؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، وابن عمر، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والحسن. وقال الشافعيُّ – رحمه الله – التسعة الأول، مع ليلة النَّحر من أشهر الحج. حجَّة الأوَّل: أن الأشهر جمعٌ، وأقلُّه ثلاثةٌ، وأيضاً فإنَّ أيَّام النَّحر يفعل فيها بعض ما يتَّصل بالحج: من رمي الجمار، والذَّبح، والحلق، وطواف الزِّيارة، والبيتوتة يعني ليالي منى، وإذا حاضت المرأة، فقد تؤخِّر الطَّواف الذي لا بدَّ منه إلى انقضاء أيَّامٍ بعد العشرة. ومذهب عروة تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر. والجواب أنَّ لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد؛ بدليل قوله: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}تفسير : [التحريم: 4]. وقال – عليه السَّلام: "حديث : الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ"تفسير : . وأيضاً فإنَّه نزَّل بعض الشَّهر منزلة كلِّه، فإنّ العرب تسمِّي الوقت تامّاً بقليله، وكثيره، يقال زرتك سنة كذا، وأتيتك يوم الخميس، وإنما زاره، وأتاه في بعضه، وأيضاً فإنَّ الجمع ضمُّ شيءٍ إلى شيءٍ، فإذا جاز أن يسمَّى الاثنان جماعةً، جاز أن يسمَّى الاثنان، وبعض الثَّالث جماعةً، وأمَّا رمي الجمار، فإنما يفعله الإنسان، وقد حلّ بالحلق والطَّواف، والنَّحر، فكأنه ليس من أعمال الحجِّ، والحائضُ إذا طافت بعده، فكأنه في حكم القضاء، لا في حكم الأداء. حجَّة الثاني: أنَّ المفسرين قالوا: أنّ يوم الحجِّ الأكبر، هو يوم النَّحر، لأنَّ معظم أفعال الحج يفعل فيه: من طواف الزيارة؛ الذي هو ركنٌ في الحج، والرَّمي، والذَّبح، والحلق، فدخوله في أيام الحج أولى. حجَّة الشافعي – رحمه الله تعالى -:أنَّ الحجَّ يفوت بطلوع الفجر يوم النَّحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها. فصل قال بعض العلماء: لا يجوز أن يُهِلَّ بالحج قيل أشهر الحج، وهو قول ابن عباس، وجابر، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعيُّ، وأحمد فى رواية، وإسحاقٌ. وقال مالكٌ، والثوريُّ وأبو حنيفة – رضي الله عنه – يجوز. حجَّة الأول: قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}. جمع الأشهر جمع تقليلٍ، على سبيل التَّنكير؛ لا يتناول الكلَّ، وأكثر الجمع إلى عشرةٍ، وأدناه إلى ثلاثةٍ، وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، واتفق المفسِّرون على أنّ تلك الثَّلاثة، شوَّال وذو القعدة، وبعض ذي الحجَّة. وإذا تقرَّر هذا، وجب ألاَّ يجوز الإحرام بالحجِّ قبل الوقت؛ لأنَّ الإحرام بالعبادة قبل وقت أدائها لا يصحّ؛ كالصَّلاة، وخطبة الجمعة قبل الوقت. حجَّة الثاني: قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة: 189]، فجعل الأهلَّة كلَّها مواقيت الحجِّ، وليس مواقيتاً للأداء، فثبت أنها مواقيت لصحَّة الإحرام، ويجوز أن يسمَّى الإحرام حجّاً؛ مجازاً، كما سمّيَ الوقت حجّاً في قوله: "الحَجُّ أَشْهُرٌ" بل هنا أولى؛ لأن الإحرام أقرب إلى الحج من الوقت. وقد اشتهر بين أكابر الصّحابة أنَّهم قالوا: إتمام الحجِّ والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله، ومن يكن منزله بعيداً يجب أن يكون في المشرق أو في المغرب، فلا بدَّ وأن يحرم بالحج قبل أشهرٍ، وأيضاً فإنَّ الإحرام التزامٌ بالحجِّ، فجاز تقديمه على الوقت؛ كالنَّذر. وأجاب الأوَّلون عن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} بأنَّ قوله "الحجُّ أَشْهُرٌ" أخصُّ منها، وفرَّقوا بين النَّذر، والإحرام: بأنَّ الوقت معتبرٌ للأداء، ولا اتِّصال للنذر بالأداء، بدليل أنّ الأداء لا يتصور إلاَّ بعقد مبتدأ، والإحرام مع كونه التزاماً، فهو شروعٌ في الأداء، وعقدٌ عليه؛ فلا جرم افتقر إلى الوقت. فصل قوله: "مَعْلُومَاتٌ" أي: معلومات عندهم، مقررة لبيان الشرع، بخلاف مرادهم بها. أو معلوماتٌ ببيان الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام وأنها مؤقتةٌ في أوقات معينة، لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، كما فعلوه في النَّسيء. قوله: { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ}. يجوز في "مَنْ" أن تكون شرطيةً، وأن تكون موصولةً، كما تقدَّم في نظائرها، و"فِيهنَّ" متعلِّقٌ بـ"فَرَضَ". والضَّمير في "فِيهِنَّ" يعود على "أَشْهُر" وجيء به كضمير الإناث، لما تقدم من أنَّ جمع غير العاقل في القلَّة يعامل معاملة جمع الإناث على الأفصح؛ فلذلك جاء "فِيهِنَّ" دون "فِيهَا"، وهذا بخلاف قوله: {أية : مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}تفسير : [التوبة: 36] لأنه هناك جمع كثرة. وفرض في اللُّغة: ألزم وأوجب، يقال فرضت عليك كذا، أي: أوجبته، وأصل الفرض في اللغة: التَأثير والحزُّ والقطع. قال ابن الأعرابي – رحمه الله تعالى -: الفرض الحزُّ في القدح، [وفي الوتد، وفي غيره]، وفرضة القوس: الحزُّ الذي فيه الوتر، وفرضه الوتد الحزُّ الذي فيه، ومنه فرض الصلاة؛ لأنها لازمةٌ للعبد كلزوم الحزّ للقدح، ففرض ها هنا – بمعنى: أوجب، وقد جاء في القرآن "فَرَضَ" بمعنى أبان؛ قال تعالى: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}تفسير : [النور: 1] بالتخفيف، وقوله: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}تفسير : [التحريم: 2]. راجع إلى معنى القطع؛ لأنَّ من قطع شيئاً، فقد أبانه من غيره، والله تعالى إذا فرض شيئاً، أبانه عن غيره، ففرض بمعنى: أوجب: وفرض: بمعنى أبان؛ كلاهما راجعٌ إلى أصل واحدٍ؛ ومن ها هنا فرَّق بعضهم بين الفرض والواجب، فقالوا: الفرضُ ما ثبت بدليل قطعيّ؛ لأن أصله القطع، وسمَّاه بالركن. والواجب ما ثبت بدليل ظنِّي، وجعل الفرض لا يسامح به، عمداً ولا سهواً، وليس له جابر، والواجب ما يجبر ويسامح فيه العباد لسهوة، قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ "فَرَضَ" في القرآن بإزاء خمسة معان: الأول: فرض بمعنى أوجب، كهذه الآية الكريمة، ومثله: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}تفسير : [البقرة: 237] أي أوجبتم. الثاني: فرض بمعنى بيَّن، قال تعالى: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}تفسير : [التحريم: 2] ومثله {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}تفسير : [النور: 1]. الثالث: فرض: بمعنى أحلَّ؛ قال تعالى: {أية : مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} تفسير : [الأحزاب: 38] أي أحلَّ. الرابع: فرض: بمعنى أنزل؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ}تفسير : [القصص: 85] أي: أنزل. الخامس: الفرض: الفريضة في قسمة المواريث؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 11]. فصل قوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} يدلُّ على أنّه لا بدَّ للمحرم من فعل يفعله؛ يصير به محرماً وحاجاً، واختلفوا في ذلك الفعل. فقال الشَّافعيُّ، وأحمد: ينعقد الإحرام بمجرد النِّية، من غير حاجةٍ إلى التَّلبية. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ الشُّروع في الإحرام بمجرد النية؛ حتى يضمَّ إليه التَّلبية أو سوق الهدي. وقال القفَّال في تفسيره: ويروى عن جماعةٍ من العلماء؛ أنّ من أشعر هديه أو قلَّده، فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنّه قال: إذا قلَّد أو أشعر، فقد أحرم، وعن ابن عباسٍ: إذا قلَّد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحجَّ، فقد أحرم. قوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدةٌ في الخبر على حسب القولين المتقدِّمين. وقرأ أبو عمرٍ وابن كثير: بتنوين "رَفَثَ" و"فُسُوقَ"، ورفعهما، وفتح "جِدَالَ". والباقون: بفتح الثَّلاثة. وأبو جعفر – ويروى عن عاصم – برفع الثلاثة والتنوين. فأمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان: أظهرهما: أنَّ "لا" ملغاةٌ، وما بعدها رفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة؛ تقدُّم النفي عليها، و"في الحجّ" خبر المبتدأ الثالث، وحذف خبر الأول، والثاني؛ لدلالة خبر الثالث عليهما، أو يكون "في الحج" خبر الأول، وحُذِفَ خبرُ الثاني، والثالث؛ لدلالةِ خبرِ الأولِ عليهما، ويجوزُ أنْ يكونَ "في الحج" خبرَ الثلاثة، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ "في الحجِّ" خبرَ الثاني، وحُذِفَ خبرُ الأولِ، والثالث؛ لقبح مثل هذا التركيب، ولتأديته إلى الفصل. والثاني: أن تكون "لاَ" عاملةً عمل ليس، ولعملها عمل ليس شروطٌ: تنكير الاسم، وألاَّ يتقدَّم الخبر، ولا ينتقض النفيُ؛ فيكونُ "رَفَثَ" اسمَها، وما بعده عطْفٌ عليه، و"في الحجِّ" الخبرُ على حسب ما تقدَّم من التقادير فيما قبله. وخرَّجه ابن عطية بهذا الوجه، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ إعمال "لا" عمل ليس لم يقم عليه دليل صريحٌ، وإنما أنشدوا أشياء محتملةً، أنشد سيبويه: [مجزوء الكامل] شعر : 987 – مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ تفسير : وأنشد غيره: [الطويل] شعر : 988 – تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى الأَرْضِ باقيَا وَلاَ وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ وَاقِيَا تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 989 – أَنْكَرْتُها بَعْدَ أَعْوَامِ مَضَيْنَ لَهَا لاَ الدَّارُ دَاراً وَلاَ الجِيرَانُ جَيرَانَا تفسير : وأنشد ابن الشَّجري: [الطويل] شعر : 990 – وحَلَّتْ سَوادَ القَلْبِ لاَ أَنَا بِاغِياً سِوَاهَا وَلاَ فِي حُبِّها مُتَرَاخِيَا تفسير : وللكلام على الأبيات موضعٌ غير هذا. وأمَّا من نصب الثلاثة منونةً فتخريجها على أن تكون منصوبةً على المصدر بأفعال مقدرةٍ من لفظها، تقديره: فلا يَرْفُثُ رَفَثاً، ولا يَفُسُقُ فُسُوقاً ولا يُجَادِلُ جِدَالاً، وحينئذٍ فلا عمل لـ"لا" فيما بعدها، وإنَّما هي نافيةٌ للجمل المقدرة، و"في الحجِّ" متعِّلقٌ بأيِّ المصادر الثَّلاثة شئت، على أنَّ المسألة من التنازع، ويكون هذا دليلاً على تنازع أكثر من عاملين، وقد يمكن أن يقال: إنَّ "لا" هذه هي التي للتَّبرئة على مذهب من يرى أنَّ اسمها معربٌ منصوب، وإنما حذف تنوينه؛ تخفيفاً، فرجع الأصل في هذه القراءة الشاذة كما رجع في قوله: [الوافر] شعر : 991 – أَلاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً .............................. تفسير : وقد تقدَّم تحريره. وأمَّا قراءة الفتح فى الثَّلاثة فهي "لا" التي للتَّبرئة. وهل فتحة الاسم فتحة إعراب أم بناءٍ؟ فيه قولان، الجمهور على أنَّها فتحة بناءٍ، وإذا بني معها، فهل المجموع منها، ومن اسمها في موضع رفع بالابتداء، وإن كانت عاملة فى الاسم النصب على الموضع وما بعدها، ولا خبر لها؟ أو ليس المجموع فى موضع مبتدأ، بل "لاَ" عاملةٌ في الاسم النَّصب على الموضع، وما بعدها خبرٌ لـ"لاَ"؛ لأنَّها اجريت مجرى "أنَّ" فى نصب الاسم، ورفع الخبر؟ قولان: الأول: قول سيبويه. والثاني: قول الأخفش. وعلى هذين المذهبين، يترتَّب الخلاف فى قوله: "فِي الحَجِّ"، فعلى مذهب سيبويه: يكون فى موضع خبر المبتدأ، وعلى رأي الأخفش: يكون فى موضع خبر "لا"، وقد تقدَّم شيء من هذا أول الكتاب. وأمَّا من رفع الأولين، وفتح الثالث: فالرفع على ما تقدَّم، وكذلك الفتح، إلا أنه ينبغي أن ينبَّه على شيءٍ: وهو أنَّا قلنا بمذهب سيبويه من كون "لا" وما بني معها في موضع المبتدأ، يكون "في الحج" خبراً عن الجميع؛ إذ ليس فيه إلاَّ عطف مبتدأ على مبتدأ، وأمّا على مذهب الأخفش، فلا يجوز أن يكون "في الحجِّ" إلا خبراً للمبتدأين، أو خبراً لـ"لاَ". لا يجوز أن يكون خبراً للكلِّ؛ لاختلاف الطالب؛ لأنَّ المبتدأ يطلبه خبراً له، ولا يطلبه خبراً لها. وإنَّما قرئ كذلك، قال الزمخشري: "لأنَّهما حَمَلا الأوَّلَيْنِ على معنى النَّهي، كأنه قيلَ: فلا يكوننَّ رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ، والثالثُ على معنى الإخبارِ بانتفاء الجِدالِ، كأنه قِيلَ: ولا شكَّ ولا خلاف في الحجِّ"، واستدلَّ على أنّ المنهيَّ عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال، بقوله عليه السلام: "حديث : مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ... "تفسير : وأنه لم يذكر الجدال. وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ سبقه إليه صاحب هذه القراءة؛ إلاَّ أنه أفصح عن مراده، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها -: الرفع بمعنى فَلاَ يَكُونُ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ؛ أي شيء يخرج من الحجِّ، ثم ابتدأ النفي فقال: "ولا جدال"، فأبوا عمرو لم يجعل النفيين الأوَّلين نهياً، بل تركهما على النَّفي الحقيقي. فمن ثم، كان في قوله هذا نظيرٌ؛ فإنَّ جملة النفي بلا التبرئة، قد يراد بها النهي أيضاً، وقيل ذلك فى قوله تعالى: {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 2]. والذي يظهر فى الجواب عن ذلك، ما نقله أبو عبد الله الفاسي عن بعضهم فقال: "وقيل: الحُجَّةُ لِمَنْ رَفَعَهُمَا أنَّ النفيَ فيهما ليس بعامٍّ؛ إذ قد يقعُ الرفَثُ، والفُسُوقُ فى الحَجِّ من بعض الناسِ، بخِلاَفِ نفي الجِدَالِ في أَمْرِ الحجِّ؛ فإنه عامٌّ؛ لاسْتِقْرَارِ قَوَاعِدِهِ". قال شهاب الدِّين. وهذا يتمشَّى على عُرف النَّحويين، فإنهم يقولون: "لا" العاملة عمل "لَيْسَ" لنفي الوحدة، والعاملة عمل "إنَّ" لنفي الجنس، قالوا: ولذلك يقال: لا رجل فيها، بل رجلان، أو رجالٌ؛ إذا رفعت، ولا يحسن ذلك إذا بنيت اسمها أو نصبت بها. وتوسَّط بعضهم فقال: التي للتبرئة نصٌّ في العموم، وتلك ليس نصًّا. والظاهر أنَّ النكرة في سياق النفي مطلقاً للعموم، وقد تقدَّم معنى الرَّفث فى قوله: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}تفسير : [البقرة: 187] قال ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر: هو الجماع، وهو قول الحسن، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وقتادة، وعكرمة، والنخعي، والربيع. وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: الرَّفث: غشيان النساء، والتَّقبيل، والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام. وقال طاوسٌ: هو التَّعريض للنساء بالجماع، وذكره بين أيديهنَّ. وقال عطاءٌ: الرَّفث: هو قول الرجل للمرأة فى حال الإحرام: إذا حللت، أَصَبْتُكِ. وقيل الرَّفث: الفحش، والفسق وقد تقدم في قوله: {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [البقرة: 26]. وقرأ عبد الله "الرَّفُوث" وهو مصدر بمعنى الرَّفث. وقوله: "فَلاَ رَفثَ" وما في حيِّزه فى محلِّ جزمٍ، إن كانت "مَنْ" شرطيةً، ورفع، إن كانت موصولةً، وعلى كلا التقديرين، فلا بدَّ من رابطٍ يرجع إلى "مَنْ"؛ لأنها إن كانت شرطيةً، فقد تقدَّم أنه لا بدَّ من ضمير يعود على اسم الشرط، وإن كانت موصولة، فهي مبتدأ والجملة خبرها، ولا رابط فى اللَّفظ، فلا بدَّ من تقديره، وفيه احتمالان: أحدهما: أن تقديره: ولا جدال منه، ويكون "منه" صفَّة لـ"جِدَال"، فيتعلَّق بمحذوف، فيصير نظيره قولهم: "السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ" تقديره: منوان منه. والثاني: أن يقدَّر بعد "الحج" تقديره: ولا جدال في الحجِّ منه، أو: له. ويكون هذا الجارُّ في محلِّ نصب على الحال من "الحج". وللكوفيِّين في هذا تأويل آخر: وهو أنَّ الألف واللام نابت مناب الضمير، والأصل: في حجِّه، كقوله: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}تفسير : [النازعات: 40] ثم قال: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النازعات:41] أي: مأواه. وكرَّر الحجَّ؛ وضعاً للظاهر موضع المضمر تفخيماً، كقوله: [الخفيف] شعر : 992 – لاَ أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ .......................... تفسير : وكأنَّ نظم الكلام يقتضي: "فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحجَّ فَلاَ رَفَث فيه"، وحسَّن ذلك في الآية الكريمة الفصل بخلاف البيت. والجدال مصدر "جَادَل". والجدال: أشدُّ الخصام، مشتقٌّ من الجدالة، وهي الأرض؛ كأن كلَّ واحد من المتجادلين يرمي صاحبه بالجدالة. قال القائل: [الرجز] شعر : 993 – قَدْ أَرْكَبُ الآلَةَ بَعْدَ الآلهْ واتْرُكُ العَاجِزَ بالْجَدَالَهْ تفسير : ومنه "الأَجْدَلُ" للصَّقر؛ لشدَّته. وقال القائل: [الكامل] شعر : 994 -....................... يَهْوِي مُحَارِبُهَا هُوِيَّ الأجْدَلِ تفسير : والجدل: فَتْلُ الحبل، ومنه زمامٌ مجدولٌ، أي: محكم الفتل. فصل قد تقدَّم أنّ الفسق: هو الخروج عن الطَّاعة، واختلف المفسرون فيه، فحمله أكثر المحقِّقين على كلِّ المعاصي، وهذا قول ابن عباس – رضي الله عنهما -، وطاوس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والزهري، والربيع، والقرظي، قالوا: لأنَّ اللفظ صالحٌ للكلِّ، والنَّهي عن الشَّيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه؛ ويؤكده قوله تعالى {ِأية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : [الكهف: 50]، وقوله: {أية : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}تفسير : [الحجرات: 7]. وذهب بعضهم إلى أنَّ المراد منه بعض أنواعه، ثم ذكروا وجوهاً. أحدها: قال الضحّاك: المراد التنابز بالألقاب؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ}تفسير : [الحجرات: 11]. والثاني: قال عطاء، ومجاهد، وإبراهيم النخعي: المراد السّباب، لقوله – عليه السلام - "حديث : سِبَابُ المؤْمِن فُسُوقٌ، وقِتَالُه كُفْرٌ " تفسير : الثالث: أنَّ المراد منه الإيذاء، والإفحاش؛ قال تعالى: {أية : وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}تفسير : [البقرة: 282]. الرابع: قال ابن زيد: هو الذَّبح للأصنام؛ فإنّهم كانوا فى حجِّهم يذبحون لأجل الأصنام قال تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}تفسير : [الأنعام: 121]، وقوله: {أية : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}تفسير : [الأنعام: 145]. الخامس: قال ابن عمر: هو قتل الصَّيد، وسائر محظورات الإحرام. وأمّا الجدال: فهو "فِعَالٌ" من المجادلة، الذي هو الفَتْلُ، يقال: زمامٌ مجدولٌ وجديلٌ، أي: مفتولٌ، والجديل: اسم للزِّمان؛ لأنه لا يكون إلاَّ مفتولاً، وسميت المخاصمة مجادلة لأنّ كلَّ واحدٍ من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه. وذكر المفسرون فيه وجوهاً: أحدها: قال ابن مسعود، وابنُ عباس، والحسنُ: هو الجدالُ الذي يخافُ معه الخروجُ إلى السِّباب، والتكذيب، والتجهيل. وهو قولُ عمرو بن دينار، وسعيد بن جُبَيرٍ، وعِكْرمة، والزهريِّ، وعطاءٍ، وقتادة. الثاني: قال محمد بن كعب القُرظيُّ: إِنَّ قُريشاً كانوا إذا اجتمعوا بِمنَى قال بعضهُم: حجُّنا أَتَمُّ. وقال آخرون: بل حَجُّنَا أَتَم، فَنَهَاهُمَّ اللَّهُ عن ذلك. الثالث: قال القاسِمُ بن محمد: هو أنْ يقولَ بعضهُم: الحَجُّ اليَوْمَ، ويقول بعضُهم: الحج غداً، وذلك بأنهم أُمِرُوا بأن يَجْعَلُوا حِسَابَ الشهور على الأهِلَّةِ، فكان بعضُهم يجعلُ الشهورَ على الأَهِلّةِ، وآخرون يجعلونها بالعدد فلهذا السبب؛ كانوا يختلفون. الرابع: قال مقاتِلٌ، والقفّال: هو ما جادلُوا فيه النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – حين أمرهُم بنسخ الحج إلى العُمْرَة، إلاَّ مَنْ قَلّدَ الهَدْيَ، قالُوا: كيف نجعلُها عُمْرَةً، وقد سمينا الحج؟! فهذا جِدَالُهم. الخامس: قال مَالِكٌ في "الموطأ": الجدالُ في الحج أنَّ قريشاً كانوا يقفون عن المشعَرِ الحَرَامِ في المُزْدَلِفة بقزح وغيرها يقفُ بعرفاتٍ، وكُلٌّ منهم يزعَمُ أنّ موقفهُ موقف إبراهيم، ويقولُ عليه الصلاة والسلام نحن أصْوَبُ؛ فقال الله تعالى: {أية : لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [الحج: 67 – 68] قال مالكٌ: هذا هو الجِدالُ فيما يُروى والله أعلم. السَّادس: قال ابنُ زيْدٍ: كانوا يَقِفُون مَواقِف مختلقة، فبعضهم يقفُ بعرفة، وبعضهم بالمزدلفة، وبعضُهم حجَّ في ذي القَعْدة، وبعضُهم في ذي الحَجَّةِ، وكُلٌّ يقول: ما فعلتُه هو الصَّوَابُ؛ فقال تعالى: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ}، أَي: اسْتَقَرَّ أَمرُ الحج على ما فعلهُ الرسولُ - عليه السلام - فلا اختلاف فيه مِنْ بعدِ ذلك، وذلك معنى قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أَلاَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوات والأَرْضَ ". تفسير : قال مجاهدٌ: معناه: لا شَكَّ في الحجِّ أنّه في ذي الحجةِ، فأَبْطَلَ اللَّهُ النَّسِيءَ. قال أهلُ المعاني: ظَاهِرُ الآية الكريمة نفيٌ ومعناه نَهْيٌ، أي لا ترفُثُوا، ولا تَفسقوا ولا تُجَادِلُوا؛ كقوله تعالى {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 3] أي: لا ترتابُوا. قال القاضي: قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} يحتملُ أن يكونَ خبراً، وأنْ يكونَ نَهْياً، كقوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ}، أي: لا تَرْتَابُوا فيه، وظاهرُ اللفظِ للخبر، فإذا حَمَلناهُ على الخبر كان معناه: أنّ الحجة لا تثبتُ مع واحدةٍ من هذه الخِلالِ، بل تَفْسُدُ؛ كالضدِّ لها وهي مانعةٌ من صحَّته، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى؛ إلاَّ أَنْ يُراد بالرفَثِ، الجماعُ [المفسِدُ للحج، ويُحْملُ الفسوقُ على الزِّنا؛ لأنه يُفسِدُ الحجَّ، ويُحملُ الجِدالُ على الشَّكِّ في وجوب الحجِّ]؛ لأن ذلك يكون كُفْراً، فلا يَصِحَّ معه الحج، وإنَّما حَمَلْنَا هذه الألفاظ على هذه المعاني؛ حتَّى يصحَّ خبرُ اللَّهِ بأنَّ هذه الأشياء لا تُوجَدُ مع الحج. فصل قال ابنُ العَرَبيِّ: المرادُ بقوله: "فَلاَ رَفَثَ" نَفْيُهُ مَشْرُوعاً لا مَوجُوداً، فإِنَّا نَجِدُ الرفثَ فيه حِسّاً، وخبرُ اللَّهِ تعالى لا يجُوزُ أَنْ يَقَعَ بخلاف مخبره، وإنما يرجعُ النفيُ إلى وجوده مَشْرُوعاً لا إلى وجوده مَحْسُوساً؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة: 228] أي: مشروعاً لا حسّاً، فإنَّا نجدُ المطلقاتِ لا يتربصْنَ؛ فعاد النَّفْيُ إلى الحكم الشَّرعيِّ لا إلى الوجود الحِسّيّ؛ وهو كقوله تعالى: {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 79] إذا قلنا: إنّه واردٌ فى الآدَمِيِّينٍ؛ وهو الصَّحيحُ، فإنَّ معناه لا يَمَسُّه أَحَدٌ منهم شَرْعاً، فإن وجد المَسُّ، فعلى خلاف حُكْم الشرع، وهذه الدَّقِيقةً فاتت العُلماء فقالوا: إِنّ الخبرَ يكونُ بمعنى النَّهْي، وما وجِدَ ذَلك قَطُّ، ولا يصح أَنْ يُوجَدَ؛ فإنهما مُخْتَلِفَان حقيقةً، ومُتَضَادان وَصْفاً. فصل قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - فإن قيل أليس أن مع هذه الأشياء يصير الحجُّ فَاسِداً ويجبُ على صاحبه المضيّ فيه، وإذا كان الحجُّ باقِياً معها، لم يصدق الخبرُ لأَنَّ هذه الأشياء لا توجدُ مع الحجة؟ قلنا المرادُ من الآية الكريمة حصولُ المضادةِ بين هذه الأشياء، وبَيْن الحجة المأمُورِ بها ابتداءً، وتلك الحجةُ الصحيحةُ لا تَبْقَى مع هذه الأشياء؛ بدليل أنّه يجبُ قضاؤُهَا، والحجةُ الفاسِدَةُ التي يجبُ عليه المضِيُّ فيها شيءٌ آخر سوى تلك الحجةِ المأمُورِ بها ابتداءً، وأَمَّا الجِدَالُ الحَاصِلُ بسبب الشَّكِّ في وجوب الحج، فظاهره أنَّه لا يبْقَى معه عملُ الحج؛ لأنَّ ذلك كُفْرٌ وعملُ الحج مشروطٌ بالإسلام، فثبت أَنَّا إِذَا حملنا اللفظ على الخبر، وجب حَمْلُ الرَّفث والفُسُوق والجِدَالِ على ما ذكرنا، وأمَّا إِذَا حملناه على النَّهي، وهو في الحقيقة عُدُولٌ عن الظَّاهِر، فقد يَصِحُّ أنْ يرادَ بالرفثِ الجماعُ ومقدماتُه، وقولُ الفُحْشِ، وأَنْ يرُادَ بالفِسْقِ جميعُ أنْواعه، وبالجدالِ جميعُ أَنواعه؛، لأَنَّ اللفْظَ مُطْلَقٌ ومتناولٌ لكل هذه الأقسامِ، فيكون النهي عنها نَهْياً عن جميع أقسامها. فإن قيل: ما الحكمةُ في أنّ الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة: وهي الرَّفث، والفُسُوق، والجدَال في الحج، مِنْ غير زِيَادَةٍ ولا نَقْصٍ؟ فالجواب: لأنه ثَبَتَ في العلوم العقلية أنّ للإنسان أربَعَ قُوًى: قوّة شَهْوَانيةٌ بهيميَّةٌ، وقُوَّةٌ غَضَبيَّةٌ سبعيَّةٌ، وقُوَّةٌ وهمِيَّةٌ شيطانيَّةٌ، وقُوة عقليةٌ مَلكيَّةٌ، والمقصود من جميع العبادات قَهْرُ القُوَى الثلاث، أعْنِي: الشهوانية والغضبية والوهْمية. فقوله: "فَلاَ رَفَثَ" إشارةٌ إلى قَهْرِ الشهوانية. وقوله: "ولا فُسُوقَ" إشارةٌ إلى قَهْرِ القُوةِ الغضبيةِ التي توجِبُ المعصية والتمردَ. وقوله: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} إشارةٌ إلى قَهْرِ القوةِ الوهْمية، التي تحملُ الإنسانَ على الجدال في ذاتِ الله، وصفاتِهِ، وأفعاله، وأحكامه، وأسمائِهِ، وهي البَاعِثَةُ على مُنَازعِةِ الناسِ، ومُمَاراتِهِم، والمخاصَمَةِ مَعَهُم في كل شَيْءٍ، فلمّا كان سَبَبُ الشَّرِّ مَحْصُوراً في هذه الأمور الثلاثة؛ لا جرم لا يَذْكُرْ معَها غيرَها. فصل من الناس مَنْ عاب الاستدلالَ، والبَحْثَ، والنَّظر، والجِدال؛ واحْتَجَّ بقوله تعالى: {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ}، وهذا يَقْتَضِي نَفْيَ جميع أنواعِ الجدال، ولو كان الجِدَالُ في الدين طَاعَةٌ، لما نُهِيَ عَنْهُ في الحج، بل على ذلك التقدير، يكونُ الاشتغالُ بالجِدَالِ ضَمَّ طاعَةٍ إلى طَاعَةٍ، فيكون أَوْلَى بالترغيب فيه. وأيضاً قال تبارك وتعالى: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}تفسير : [الزخرف: 58]، عابهم بكونِهم مِنْ أَهْل الجَدَلِ، فدلّ على الجدل مَذْمُومٌ، وقال تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}تفسير : [الأنفال: 46] فنهى عن المنازعة. وأمّا جمهور المتكلِّمين فقالوا: الجدَالُ في الدين طاعةٌ عظيمةٌ؛ لقوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125]، وحكى قول الكفَّار لنوح – عليه السلام – {أية : قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}تفسير : [هود: 32]، ومعلومٌ أَنَّ ذلك الجِدال، إنما كان لتقريرِ أُصُولِ الدين، فيُحملُ الجدالُ المذمومُ على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المالِ، والجَاهِ، والجدالُ الممدوحُ على الجَدَلِ في تقرير الحقِّ، ودعوةِ الخَلْقِ إلى سبيل اللِّهِ، والذَّبِّ عن دين الله. قولُه: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} تقدَّمَ الكلامُ على نَظِيرتِهَا، وهي: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ}تفسير : [البقرة: 106] فَكُلُّ ما قيلَ ثَمَّ، يُقالُ هُنَا. قال أبو البقاء رحمه الله "وَنَزِيدُ هنا وَجْهاً آخرَ: وهو أَنْ يَكُونَ "مِنْ خَيْر" في مَحلِّ نصبٍ نَعْتاً لمَصْدرٍ مَحْذُوفٍ، تقديرُه: وَمَا تَفْعَلُوا فِعْلاً كَائِناً مِنْ خَيْرٍ". و"يَعْلَمْه" جَزْمٌ على جوابِ الشَّرط، ولاَ بُدَّ مِنْ مَجَازٍ فِي الكَلامَ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَبَّر بالعِلْم عن المُجازاة على فعل الخَيْر، كأنّهُ قِيل: يُجازِيكم، وإِمَّا أَنْ تُقَدَّر المُجازاة بعد العِلم، أي: فيثيبُه عَلَيْه. وفي قوله: "وَمَا تَفْعَلُوا" التفَاتٌ؛ إذْ هو خُرُوج مِنْ غَيْبَةٍ في قوله: فَمَنْ فَرَضَ" وحُمِلَ على َمَعْنَى "مَنْ" إذ جَمَعَ الضميرَ ولم يُفْرده. وقد خَبَطَ بعضُ المُعْربين، فقال: "مِنْ خَيْر" مُتعَلِّق بتَفْعلوا، وهو في مَوضع نصب؛ لمصدَر محذوفٍ، تقديرُه:"وَمَا تَفْعَلُوا فِعْلاً مِنْ خَيْر" والهاءُ في "يَعْلَمْه" تَعُودُ إلى خير. قال شهابُ الدِّين: وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ؛ لأَنَّه مِنْ حَيْثُ عَلَّقه بالفعلِ قبله كيف يَجْعَلُه نَعْتَ مصدرٍ مَحذوفٍ؟ ولأنَّ جَعْلَه الهاءَ تعودُ إلى "خَيْر" يلزمُ منه خلوُّ جملة الجواب مِنْ ضمير يَعُودُ على اسم الشَّرْطِ، وذلك لا يجوزُ، أَمَّا لَوْ كانَتْ أَداةُ الشَّرْطِ حَرْفاً، فلا يُشْترطُ فيه ذلك، فالصَوابُ ما تقدَّم. وإنما ذكرت لك هذا لِئَّلا تراه فَتَتَوهَّمَ صِحَّتَه. والهاءُ عائِدةٌ على "ما" الَّتي هي اسمُ الشَّرْطِ. فصل اعلم أنَّ اللَّهَ تعالى يعلمُ كُلَّ شَيْءٍ وإذا خَصَّ هُنا الخير بأنه يعلمُه لفوائِد. أحدها: إذا علمتُ منك الخير، ذكرتُه وشَهَرْتُه، وإذا علمتُ مِنْك الشرَّ، سترتُه وأخفَيْتُه؛ لِتَعلم أنّه إذا كانت رَحْمَتي بك في الدنيا هكذا فكيف في العُقْبَى؟ وثانيها: قال بعضُ المفسرين في قوله: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}تفسير : [طه: 15] معناه: لَو أمكَنَنِي أن أُخْفيها عن نفسي، لَفَعلتُ، فكذا - هاهنا - كأنَّه قيل لِلْعَبْدِ: ما تَفْعَلْه مِن الشَّرِّ، فَلَوْ أَمْكنِني أَنْ أُخْفيهُ عن نَفْسي لَفَعلتُ ذلك. وثالثها: أنّ السُّلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع: كُلّ ما تتحمله من المشقَّة والخِدْمة في حَقِّي، فأنا عالِمٌ به، ومُطَّلِعٌ عليه، كان هذا وَعْداً له بالثَّواب العظيم، ولَو قال ذلك لعبده المذنِبِ، كان تَوَعُّداً له بالعِقابِ الشَّديد، ولَمَّا كان سبحانه أكرمَ الأَكرَمِينَ؛ لا جرمَ ذَكرَ ما يَدُلُّ على الثَّوابِ، ولم يذكرْ ما يدلُّ على العِقَابِ. ورابعها: أَنَّ جبريل – عليه السلام – لمَّا قال: "ما الإحسان"؟ فقال: "حديث : الإحْسَانُ: أَنْ تَعْبُد اللَّهُ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ"تفسير : ، فهاهنا بيَّن للعبدِ أنَّه يَرَاهُ، ويعلمُ ما يفعلهُ من الخيراتِ لتكون طاعةُ العَبْدِ للربِّ من الإحسانِ، الذي هُو أَعْلَى دَرَجاتِ العِبَادِةِ، فإن الخادِمَ مَتَى علم أَنَّ مخدومه مُطَّلِعٌ عليه، ليس بغافلٍ عن أَحوالِهِ – كان أَحْرصَ على العَمَلِ. فصل قال القُرطبيُّ: هذا شرط وجوابه، والمعنى أنَّ اللَّهَ يُجَازيكُم على أعمالكُم؛ لأنَّ المجازاة إنما تقعُ من العَالِمِ بالشَّيءِ. وقيل: هو تحريضٌ وحَثٌّ على حُسنِ الكَلاَمِ مَكَانَ الفُحشِ، وعلى البِرِّ والتَّقْوَى في الأخلاقِ مكان الفُسُوقِ والجِدَالِ. وقيل: جعل الخير عبارةً عن ضبط أَنفُسِهم؛ حتى لا يوجد ما نهُوا عنه. قوله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} فيه قولان: أحدهما: أن المراد تزوّدوا من التَّقْوَى؛ لقولهِ {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} فتحقيقٌ [الكلام فيه: أَنَّ] الإنسان له سَفَرانِ، سفرٌ فى الدنيا، وسَفَرٌ مِنَ الدُّنيا. فالسَّفَرُ في الدنيا، لا بُدَّ له مِنْ زَادٍ، وهو الطَّعامُ، والشَّرَابُ، والمركبُ، والمالُ والسَّفَرُ من الدنيا لاَ بُدَّ له - أيضاً - مِنْ زَادٍ، وهو معرفةُ الله تعالى ومحبتُه والإعراضُ عمّا سِوَاهُ، وهذا الزادُ خيرٌ مِنَ الزَّادِ الأوَّلِ لوجوه: أحدها: أنّ زادَ الدُّنيا [يخلصُكَ مِنْ عَذَابِ مُنْقَطِعٍ، وزادَ الآخرة يُخَلِّصُك مِنْ عذاب دائمٍ، وزادُ الدُّنيا] يوصلك إلى لذَّةٍ مَمزُوجةٍ بالآلامِ، والبلايَا، وزادَ الآخرةِ يُوصِلكّ إلى لذَّاتِ باقيةٍ خالصةٍ عن شوائب المضَرَّةِ، وزادُ الدنيَا يُوصِلُك إلى دُنيا مُنقضيةٍ، وزادُ الآخرة يُوصِلُكَ إلى الآخرة، وهي كل ساعةٍ من الإِقبالِ، والقُرْبِ، والوُصُول غير منقضية وزادُ الدنيا يُوصِلُكُ إلى منصة الشَّهوة والنَّفْس وزادُ الآخرة يُوصِلُكَ إلى حضرة الجلالِ والقُدُس؛ فلهذا قال: {خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} فَاشْتغلوا بتقواي يا أولي الألباب، يعني: إِن كُنتُم من أُولي الألباب الَّذين يعلمون حقائق الأمور فاشتغلوا بتحصيل هذا الزادِ؛ لما فيه من كثرةِ المَنافع؛ وفي هذا المعنى قال الأعشى: [الطويل] شعر : 995 – إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزادٍ مِنَ التُّقَى وَلاَقَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا نَدْمِتَ عَلَى أَلاَّ تَكُونَ كَمِثْلِهِ وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصْدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا تفسير : والقولُ الثَّانِي: أنّ هذه الآية الكريمة نزلت في أُناسٍ مِنْ أهل اليمن، كانوا يحجُّونَ بغير زادٍ، ويقُولُونَ إِنّا مُتَوكِّلُونَ وكانوا يَسْأَلُونَ وربما ظَلَمُوا الناس وغصبُوهُم، فأمرهم اللَّهُ تعالى أَنْ يَتَزوَّدُوا ما يَبْلُغُون به، فإنّ خير الزادِ ما تكفون به وجوهكم عن السُّؤال، وأنْفُسَكُم عن الظلم. وعن ابن زيدٍ، أنّ بعض قبائِلِ العربِ كانوا يحرّمُون الزادَ في الحج، والعمرة؛ فنزلت الآية. قال ابنُ الجَوزيّ: قد لَبَسَ إِبْلِيسُ على قومٍ يَدعُون التوكُّل؛ فخرجوا بِلاَ زادٍ، وظنُّوا أن هذا هو التوكُّلُ وهُم على غاية الخطأَ، قال رَجلٌ لأحمد بن حَنْبلٍ: أُرِيد أَنْ أَخْرُجَ إلى مكَّةَ المشرفة على التوكُّلِ بِغَير زادٍ، فقال له أَحْمَدُ: اخرج في غير القَافِلَةِ. فقال: لا إِلاَّ معهُم، فقال: على جُرُب النَّاسِ تَوكلت. وروى محمد بنُ جرير الطبري عن ابن عمر قال: كانوا إذا أَحْرَموا، ومعهم أزودةٌ رَمَوْا به؛ فنهوا عن ذلك بهذه الآية الكريمة. قال القاضي: فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان: الأوَّل: أنّ القادر على أنْ يستصحِبَ المالَ في السفر إذا لم يستصحبه، عَصَى اللَّهُ تعالى في ذلك، فبهذا الطَّرِيق يصحُ دُخُولُه تحتَ الآية الكريمة. والثاني: أَنْ يكونَ في الكلام حَذْفٌ، والمرادُ تَزَوَّدوا لعاجل سفركم، وللآجِلِ، فإِنَّ خير الزادِ التقوَى. وقيل: المعنى فإنّ خَيْرَ الزادِ ما اتقى به المسافر من الهَلَكة، والحاجة إلى السؤال، والتكفُّفِ، وأَلِفُ "الزَّادِ" مُنقلبَةٌ عَنْ "واوٍ" لقولهم تَزَوَّدَ. قولهُ: "واتَقُونِي" أَثبتَ أبو عمر "الياءَ" في قوله: "وَاتَّقُونِي" على الأصل، وحذف الآخرون؛ للتخفيف، ودلالة الكسرةِ عليه، وفيه تَنْبيهٌ على كمالِ عظمةِ اللَّهِ وجلالِهِ؛ وهو كقول الشَّاعر: [الرجز] شعر : 996 – أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي تفسير : قولُه {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} اعلم أَنَّ لُبَّ الشيءٍ ولُبَابَهُ هو الخَالِصُ منه. قال النَّحاسُ: سمعت أبا إسحاق يقول: قال لي أحمدُ بن يحيى ثعلبٌ: أتعرف في كَلامِ العربِ شيْئاً من المُضاعَفِ جاء على فَعُلَ؟ قلت: نعم، حكى سيبويه عن يونس: لَبُبْتَ تَلُبّ؛ فاسْتَحْسَنُه، وقال: ما أَعْرفُ له نظيراً. واختلفوا فيه فقال بعضهم: إنّه اسمٌ للعقلِ؛ لأنه أشرفُ ما في الإنسان، وبه تميز عن البهائِمِ، وقَرُبَ مِنْ درجةِ الملائكة. وقال آخرون: إنّه في الأَصْلِ اسمٌ للقَلْبِ الذي هو محل للعقلِ، والقَلْبُ قد يُجعل كنايةً عن العَقلِ، فقوله: {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي: يا أُولِي العُقُولِ، وإطلاق اسم المحلِّ على الحال مجازٌ مشهُورٌ. فإن قيل: إذا كان لا يصِحُّ إِلاَّ خِطَابُ العقل؛ فما فائدة قوله: {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}؟! فالجواب: معناهُ أنّكم لمّا كنتُم مِنْ أُولِي الألباب، تمكنتُم مِنْ معرفة هذه الأشياء، والعَمَلِ بها، فَكَانَ وجوبها عليكم أَثبت، وإعراضُكم عنها أقبحَ؛ ولهذا قال الشاعر: [الوافر] شعر : 997 – وَلَمْ أَرَ في عُيُوب النَّاسِ شَيْئاً كَنَقْص الْقَادِرِيْن عَلَى التَّمَامِ تفسير : وقال تبَاركَ وتعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}تفسير : [الأعراف: 179] يعني: أَنَّ الأنعامَ مَعْذُورةٌ بسبب العَجزِ، وأَمَّا هؤلاء فقادِرُون فكان إعراضهم أفحش، فلا جرم كانُوا أَضَلَّ.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الحج موقت بالأهلة ولم يعين له وقتاً من شهور السنة وختم ذلك بالتفرقة في بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت النفس إلى تعيين وقته وأنه هل هو كالمكان أو عام الحكم فقال {الحج} أي وقته {أشهر} فذكره بصيغة من جموع القلة الذي أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة العيد بدليل أنه يفوت بطلوع الفجر يوم النحر؛ ولما أبهم عين فقال: {معلومات} أي قبل نزول الشرع فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه ولا شك أن في الإبهام ثم التعيين إجلالاً وإعظاماً للمحدث عنه. ولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن الشوائب ناهياً بصيغة النفي تفخيماً له وتأكيداً للنهي ولما كان الحج لا يقع إلا فرضاً قال: {فمن فرض} أي أوجب بالإحرام، وهو من الفرض وهو الحز في الشيء لينزل فيه ما يسد فرضته حساً أو معنى فمن تعظيمه سبحانه وتعالى له أنه جعله دون سائر العبادات لا نفل فيه بعد التلبس به. قال الحرالي: لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضواً عضواً قائم دينه كما أن النوافل من لم يأت بها عري نم زينتها فكانت الفروض صحة والنوافل زينة. وفي قوله: {فيهن} إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ليس كالصوم طبق زمانه، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم، وما يتسع فيه كالصلاة، وما لا بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع التوسعة في الشروع - انتهى {الحج} أي تلبس به كيف كان. ولما كان في الإنسان قوى أربع: شهوانية بهيمية، وغضبية سَبُعية ووهمية شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على المنازعة والمغالبة في كل شيء، وعقلية ملكية؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث لأن منشأ الشرور كلها محصور فيها بالعقلية قال دالاً عليها محذراً منها مرتبة: {فلا رفث} أي مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح. ولما كان الرفث هو داعياً إلى الوقاع الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح قال ضاماً إليه كل ما دخل في هذا الاسم: {ولا فسوق} قال الحرالي: هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى. ولما كان المراء قد يجر إلى الفسق بما يثير من الإحن وتوعير الصدور فكان فسقاً خاصاً عظيماً ضرره قال: {ولا جدال} أي مدافعة بالقول بفتل عن القصد كمدافعة الجلاد باليد أو السيف ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون مزيداً دون الجدل الذي معناه الدرء في الخصومة لأن ينصب النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله لأنه لا يكاد يسلم منه أحد، وكذا الحال في الفسوق {في الحج} فصار الفسق واسطة بين أمرين جارين إليه والجدال لكونه قد يفسد ذات البين أعظمها خطراً ويجمع ما في الرفث من الشهوة وقد يكون فسقاً فقد اشتمل على قبائح الكل؛ فلذلك أجمع القراء السبعة على بنائه مع لا على الفتح دون ما قبله لأن البناء دال على نفي الماهية ونفيها موجب لنفي جميع أفرادها، وأما الرفع فإنما يدل على نفي فرد منكر من تلك الماهية وهو لا يوجب نفي جميع الأفراد، ولأن العرب كانوا يبنون الحج على النسيء ويتخالفون فيه في الموقف، فزال الجدال فيه بعد البيان بكل اعتبار من جهة الخدم والعيال وغيرهم والنسيء والموقف وغيرهما من حيث إنه قد علمت مشاعره وتقررت شرائعه وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه فارتفع النزاع أصلاً في أمره. قال الحرالي: فمنع في الحج من الإقبال على الخلق بما فيه كره من رفث ومسابّة وجدال حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن مواجهته بما يتحامى مع الخلق في زمن الحج كما تحومي ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة؛ وفي وروده نفياً لا نهياً إعلام بأنه مناقض لحال الحج حين نفى لأن شأن ما يناقض أن ينفى وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهى عنه، كما قال فيما هو قابل للجدال {أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} تفسير : [العنكبوت: 46] وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى. ولما كانت هذه المنفيات شراً وكان التقدير: فما فعلتم من هذه المنهيات على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه: {وما} وقال الحرالي: ولما حمي من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع فقال: وما {تفعلوا} انتهى. أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات {من خير} في الحج أو غيره بتوكل في تجرد أو تزود في تزهد أو غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث، والبر والتقوى مكان الفسق، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال {يعلمه الله} الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ترغيب وترهيب. ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - العباد فقال: {وتزودوا} أي التقوى لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما في أيدي الناس، و المواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب الله "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة"تفسير : وذلك هو ثمرة التقوى؛ والزاد هو متعة المسافر. ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله {فإن خير}، ويجوز أن يكون التقدير: وتزودوا واتقوا الله في تزودكم {فإن خير الزاد التقوى} وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق، فأمر الكل بالتزود ستراً للصنفين، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين - قاله الحرالي وقال: وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف: متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين، ومتمتع لم يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على كمال السنة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : قيّدها وتوكل"تفسير : لأن ذلك أستر للطرفين؛ وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله تعالى في إقامة خلقه وأمره، قال بعض أهل المعرفة: من عوده الله سبحانه وتعالى دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلاً - انتهى. ولما علم من ذلك أن التقدير: فأكثروا من الزاد مصحوباً بالتقوى وكان الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملاً له في العادة على الطغيان إلاّ من عصم الله وقليل ما هم قال سبحانه وتعالى مؤكداً لأمر التقوى مشرفاً لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيهاً على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف بحج أو غيره عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق: {واتقون} أي في تقواكم بالتزود، وزاد الترغيب فيها بقوله: {يا أولي الألباب *} أي العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها. ولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناساً كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلماً أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى: {ليس عليكم جناح} أي إثم في {أن تبتغوا} أي تطلبوا بجد واجتهاد {فضلاً} أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها {من ربكم} المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه، وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "كانت عكاظُ وَمَجِنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم فنزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج". ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر بالذكر في قوله {فإذا} أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر {أفضتم} أي أوقعتم الإفاضة، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب، وأصل الإفاضة الدفع بكثرة {من عرفات} الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة، وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع المؤنث، قاصدي المبيت بالمزدلفة، وهو علم على الموقف سمي بجمع {فاذكروا الله} ذا الجلال لذاته بأنواع الذكر {عند} أي قريباً من {المشعر} أي المعلم ولما كان بالحرم، قال: {الحرام} وهو الجبل المسمى قزح، وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض الدنيا ومحوها وزوالها، والثاني دال بفجره وشمسه على البعث لمجازاة الخلائق بأعمالها؛ والتعبير بعند للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر فإنها كلها تقاربه، ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق الأولى. قال الحرالي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثنى الوقوف في الحل والحرم. فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر؛ فوقف فيه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال والانفعال، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: صنف يقفون في موطن روع ومخافة وقوفاً طويلاً اعتباراً بوقوف الواقفين بعرفة من حين زوال الشمس إلى غروبها ست ساعات، وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال عليه الصلاة والسلام بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى. ولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير: كما هو مستحق للذكر لذاته، عطف عليه قوله {واذكروه} أي عند المشعر وغيره {كما} أي على ما ولأجل ما {هداكم} أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس خاصة لترك الوقوف به والوقوف مع الناس في موقف أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولما كان التقدير: فإنه بين لكم بياناً لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله: {وإن} أي فإنكم {كنتم} ولما كانوا قبل عمرو بن لُحَيّ على هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن عمرو و ورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال: {من قبله} أي الهدى الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم {لمن الضآلين *} عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء علماً وعملاً حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام. ولما قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي فقال عاطفاً على ما تقديره: فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم تخالفون فيها الناس دالاً على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم بالوجوب: {ثم} أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم على الناس بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها {أفيضوا} أي إذا قضيتم الوقوف. وقال الحرالي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو ثم، يقع تارة لترتيب الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلاً: امش إلى حاجة كذا - تقديماً في الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا، فيكون السابق في الكيان متأخراً بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. ثم أفيضوا أيها الحمس! {من حيث أفاض الناس} أي معظمهم وهو عرفات، إلى المشعر الحرام لتبيتوا به، وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه وتعالى {ثم أفيضوا}" الآية، {واستغفروا الله} أي اطلبوا من ذي الجلال والإكرام أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف وما يبقى في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم. قال الحرالي: والعادات أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمناً، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - انتهى. وأظهر الاسم الشريف تعريفاً للمقام وإعلاماً بأنه موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال: {إن الله} ذا الكمال {غفور} أي ستور ذنب من استغفره {رحيم *} أي بليغ الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ولما أمرهم بالذكر في المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم بالذكر بعد قضائها لأن من فرغ من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن الذكر إلى غيره وكانت عادتهم أن يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال: {فإذا قضيتم} أي أنهيتم إنهاء بيناً لا شبهة فيه {مناسككم} أي أركان الحج، وأعاد الاسم الأعظم بمثل ما مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع الوجوه فقال: {فاذكروا الله} الذي لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي هداكم، ذكراً {كذكركم آباءكم} لكونهم أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في الحقيقة من فضل الله تعالى، على أنهم فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة فإنهم أضلوكم، فسبحان من رضي وهو المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر من كان سبباً لنعمة خاصة هو سبحان الذي أفاضها عليه مع أنه كان سبباً في الضلال! قال الحرالي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجاً لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم، وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا. ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب كما ورد "استحي من الله كما تستحيي رجلاً جليلاً من قومك" قال تعالى: {أو أشد ذكراً} انتهى. أي اذكروا الله ذكراً أعلى من ذلك بأن تذكروه ذكراً أشد من ذكركم لآبائكم لما له من الفضل العام، ومما يدخل تحت هذا الذكر أن يأنف من أن يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما يستنكف ابن أن يكون لأبيه فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد أنفة. قال الحرالي: فرفع الخطاب إلى ما هو أليق بالحق من إيثار ما يرجع إليه على ما يرجع إلى الخلق انتهى. ولما أمر تعالى بما أمر من ذكره لذاته ثم لإحسانه على الإطلاق ثم قيد بإفراده بذلك وترك ذكر الغير سبب عنه تقسيم الناس في قبول الأمر فقال صارفاً من القول عن الخطاب دلالة على العموم: {فمن الناس من} تكون الدنيا أكبر همه فلا التفات له إلى غيرها فهو {يقول} أفرد الضمير رعاية للفظ من بشارة بأن الهالك في هذه الأمة إن شاء الله قليل {ربنا} أيها المحسن إلينا {آتنا في الدنيا} ومفعوله محذوف تقديره: ما نريد - {و} الحال أنه {ما له} ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: فيعطيه ما شاء سبحانه منها لا ما طلب هو، وليس له {في الآخرة من خلاق *} أي نصيب لأنه لا رغبة له فيها فهو لا يطلبها ولا يسعى لها سعيها. قال الحرالي: والخلاق الحظ اللائق بالخَلق والخُلق. {ومنهم من} يجعل عبادته وحجه وسيلة إلى الرغبة إلى ربه ويذكر الله تعالى كما أمر فهو {يقول ربنا} بإحسانك {آتنا في الدنيا} حالة وعيشة {حسنة} لا توصل بها إلى الآخرة على ما يرضيك. قال الحرالي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. {وفي الآخرة حسنة} أي من رحمتك التي تدخلنا بها الجنة. ولما كان الرجاء لا يصلح إلا بالخوف وإعطاء الحسنة لا ينفي المس بالسيئة قال: {وقنا عذاب النار *} أي بعفوك ومغفرتك. ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم بتجلي نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال: {أية : الذي خلقني فهو يهدين} تفسير : [الشعراء: 78] الآيات حتى قال {أية : رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} تفسير : [الشعراء: 83] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله: {أية : ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا} -تفسير : [آل عمران: 193] الآيات، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف جامعاً على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة أو يكون الجمع لعظم صفاتهم: {أولئك} أي العالو المراتب العظيمو المطالب {لهم} أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له. ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد وأقل ما فيها أن تكون خالية عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك: {نصيب} وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة، كائن {مما} لو قال: طلبوا - مثلاً، لم يعم جميع أفعالهم؛ ولو قال: فعلوا، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله: {كسبوا} أي طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه فهو الذي يثابون عليه وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم. ولما كان أسرع الناس حساباً أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً وكان التقدير: فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {سريع الحساب *} وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها الجزاء واتصاله إلى العامل لما له من سعة العلم وشمول القدرة، قيل لبعضهم: كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد؟ قال: كما يرزقهم في وقت واحد، وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً، وترهيب بأنّه لا يمشي عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏في قوله ‏{‏الحج أشهر معلومات‏}‏ شوال، وذو القعدة، وذو الحجة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الحج أشهر معلومات شوال، وذو القعدة، وذو الحجة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الخطيب عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : في قوله تعالى ‏{‏الحج أشهر معلومات‏}‏ شوال، وذو القعدة، وذو الحجة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ‏ {‏الحج أشهر معلومات‏} ‏ قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة‏.‏ وأخرج الشافعي في الأم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع‏.‏ أنه سئل أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، كان يسمّي شوالاً، وذا القعدة، وذا الحجة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وعطاء والضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عمر {‏الحج أشهر معلومات‏} ‏قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة‏.‏ وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود ‏{‏الحج أشهر معلومات‏} ‏ قال شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي من طرق عن ابن عباس {‏الحج أشهر معلومات‏}‏ قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، لا يفرض الحج إلا فيهن‏.‏ وأخرج ابن المنذر والدارقطني والطبراني والبيهقي عن عبد الله بن الزبير ‏ {‏الحج أشهر معلومات‏}‏ قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن ومحمد وإبراهيم‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود‏.‏ أنه سئل عن العمرة في أشهر الحج فقال‏:‏ الحج أشهر معلومات، ليس فيهن عمرة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن محمد بن سيرين قال‏:‏ ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ قال عمر‏:‏ افصلوا بين حجكم وعمرتكم، اجعلوا الحج في أشهر واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحجكم ولعمرتكم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عون قال‏:‏ سئل القاسم عن العمرة في أشهر الحج‏؟‏ فقال‏:‏ كانوا لا يرونها تامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عمر في قوله ‏{‏فمن فرض فيهن الحج‏} ‏ قال‏:‏ من أهلَّ فيهن الحج‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ الفرض الإِحرام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير ‏{‏فمن فرض فيهن الحج‏} ‏ قال‏:‏ الإِهلال‏.‏ وأخرح ابن المنذر والدارقطني والبيهقي عن ابن الزبير قال‏:‏ فرض الحج الإِحرام‏.‏ وأخرح ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ الفرض الإِهلال‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال‏:‏ الإِهلال فريضة الحج‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏فمن فرض فيهن الحج‏}‏ يقول‏:‏ من أحرم بحج أو عمرة‏.‏ وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج من أجل قول الله ‏ {‏الحج أشهر معلومات‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر موقوفا‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء أنه قال لرجل قد أحرم بالحج في غير أشهر الحج‏:‏ اجعلها عمرة فإنه ليس لك حج، فإن الله يقول ‏ {‏الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ فمن فرض فيهن الحج فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ‏ {‏فمن فرض فيهن الحج‏} ‏ قال‏:‏ التلبية والإِحرام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ‏{‏فمن فرض فيهن الحج‏} ‏ قال‏:‏ التلبية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس ‏ {‏فمن فرض فيهن الحج‏} ‏ قال‏:‏ التلبية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وإبراهيم‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه عن خلاد بن السائب عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال والتلبية فإنها شعار الحج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه زيد بن خالد الجهني‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏جاءني جبريل فقال‏:‏ مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعار الحج ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير قال‏:‏ التلبية زينة الحج‏. ‏وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه عن أبي بكر الصديق ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل‏؟‏ قال‏:‏ العج والثلج‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا عن يمينه وشماله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما من محرم يضحي لله يومه، يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر ‏"حديث : ‏أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك‏"تفسير : ‏‏.‏ وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس‏.‏ أن رجلاً أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً‏‏ "‏. تفسير : وأخرج الشافعي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلبيته حجاً قط ولا عمرة‏.‏ وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لبيك إله الخلق لبيك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص‏.‏ أنه سمع بعض بني أخيه وهو يلبي‏:‏ يا ذا المعارج‏.‏ فقال سعد‏:‏ إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج الشافعي عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه كان إذا فرغ من تلبية سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذه برحمته من النار‏.‏ وأخرج الشافعي عن محمد بن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من التلبية‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج‏}‏ ‏.‏ أخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏في قوله ‏{‏فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج‏}‏ قال‏:‏ الرفث الاعرابة والتعريض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي كلها، والجدال جدال الرجل صاحبه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أبي أمامة قال ‏"حديث : ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فمن فرض فيهن الحج فلا رفث‏}‏ قال‏:‏ لا جماع ولا فسوق‏.‏ قال‏:‏ المعاصي والكذب‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس في الآية‏:‏ الرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال المراء‏.‏ وفي لفظ‏:‏ أن تماري صاحبك حتى يغضبك أو تغضبه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ الرفث غشيان النساء والقبل والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام، والفسوق معاصي الله كلها، والجدال المراء والملاحاة‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس قال‏:‏ سألت ابن عباس عن قوله ‏ {‏فلا رفث‏} قال‏:‏ الرفث الذي ذكر هنا ليس الرفث الذي ذكر في ‏{أية : ‏أحل لكم ليلة الصيام الرفث‏}‏تفسير : ‏[‏البقرة: 187‏]‏ ذاك الجماع، وهذا العراب بكلام العرب، والتعريض بذكر النكاح‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي العالية قال‏:‏ كنت أمشي مع ابن عباس وهو محرم وهو يرتجز بالإِبل ويقول‏:‏ شعر : وهن يمشين بنا هميساً إن صدق الطير ننك لميسا تفسير : فقلت‏:‏ أترفث وأنت محرم‏؟‏ قال‏:‏ إنما الرفث ما روجع به النساء‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر في الآية قال‏:‏ الرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال السباب والمنازعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن ابن عمر في قوله ‏{‏فلا رفث‏} ‏ قال‏:‏ غشيان النساء ‏ {‏ولا فسوق‏}‏ قال‏:‏ السباب ‏{‏ولا جدال‏} ‏ قال‏:‏ المراء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في الآية فقال‏:‏ الرفث اتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم، والفسوق اتيان معاصي الله في الحرم، والجدال والسباب، والمراء والخصومات‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ كان ابن عمر يقول للحادي‏:‏ لا تعرض بذكر النساء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس أن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ إياكم والنساء فإن الاعراب من الرفث‏.‏ قال طاوس‏:‏ وأخبرت بذلك ابن عباس فقال‏:‏ صدق ابن الزبير‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس‏.‏ أنه كره الاعراب للمحرم قيل‏:‏ وما الاعراب‏؟‏ قال‏:‏ أن يقول لو أحللت قد أصبتك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية قال‏:‏ الرفث اتيان النساء، والجدال تماري صاحبك حتى تغضبه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والشيرازي في الألقاب عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ الرفث الجماع، والفسوق والمنابزة بالألقاب تقول لأخيك‏:‏ يا ظالم يا فاسق، والجدال أن تجادل صاحبك حتى تغضبه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وعكرمة قالا‏:‏ الرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال المراء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك وعطاء‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ الرفث اتيان النساء، والفسوق السباب، والجدال المماراة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال‏:‏ الرفث الغشيان، والفسوق السباب، والجدال الاختلاف في الحج‏.‏ وأخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير في قوله ‏{‏فلا رفث‏} ‏ قال‏:‏ لا جماع {‏ولا فسوق‏}‏ لا سباب {‏ولا جدال‏} ‏ لا مراء‏.‏ وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله ‏{‏ولا جدال في الحج‏} ‏ قال‏:‏ الجدال كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء‏:‏ حجنا أتم من حجكم‏.‏ وقال هؤلاء‏:‏ حجنا أتم من حجكم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏{‏ولا جدال في الحج‏}‏ قال‏:‏ كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه الله حين أعلم نبيه بمناسكهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولا جدال في الحج‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏لا شبهة في الحج ولا شك في الحج قد بين وعلم وقته، كانوا يحجون في ذي الحجة عامين وفي المحرم عامين، ثم حجوا في صفر من أجل النسيء الذي نسأ لهم أبو يمامة حين وافقت حجة أبي بكر في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة، فذلك حين يقول‏:‏ إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض‏"‏‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة وابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولا جدال في الحج‏} ‏ قال‏:‏ صار الحج في ذي الحجة فلا شهر ينسىء‏.‏ وأخرج سفيان وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من قضى نسكه وقد سلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما عمل أحبّ إلى الله من جهاد في سبيله، وحجة مبرورة متقبلة لا رفث ولا فسوق ولا جدال‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما من عمل بين السماء والأرض بعد الجهاد في سبيل الله أفضل من حجة مبرورة، لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أسماء بنت أبي بكر قالت ‏"‏حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً، وكانت زاملتنا مع غلام أبي بكر، فجلسنا ننتظر حتى تأتينا، فاطلع الغلام يمشي ما معه بعيره فقال أبو بكر‏:‏ أين بعيرك‏؟‏ قال‏:‏ أضلني الليلة، فقام أبو بكر يضربه، ويقول: بعير واحد أضلك وأنت رجل‏؟‏ فما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تبسم وقال‏:‏ انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال‏:‏ لا ينظر المحرم في المرآة ولا يدعو على أحد، وإن ظلمه‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب‏}‏ . أخرج عبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون، يقولون‏:‏ نحن متوكلون، ثم يقدمون فيسألون الناس، فأنزل الله ‏ {‏وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى‏}‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كان ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون‏:‏ نحج بيت الله ولا يطعمنا‏.‏ فقال الله ‏ {‏وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى‏}‏ ما يكف وجوهكم عن الناس‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زاداً آخر، فأنزل الله {‏وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى‏}‏ فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزوّدوا الكعك والدقيق والسويق‏.‏ وأخرج الطبراني عن الزبير قال‏:‏ كان الناس يتوكل بعضهم على بعض في الزاد، فأمرهم الله أن يتزوّدوا فقال {‏وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى‏} ‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ كان الناس من الأعراب يحجون بغير زاد ويقولون‏:‏ نتوكل على الله، فأنزل الله ‏ {‏وتزوّدوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {‏وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى‏} ‏ قال‏:‏ كان أناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون، فأمرهم الله بالزاد والنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن خير الزاد التقوى‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة وابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله ‏ {‏وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى‏}‏ قال‏:‏ كان أناس يقدمون مكة بغير زاد في أيام الحج، فأمروا بالزاد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏{‏وتزوّدوا‏} ‏ قال‏:‏ السويق والدقيق والكعك‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ‏{‏وتزوّدوا‏}‏ قال‏:‏ الخشكناتج والسويق‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة عن سعيد بن جبير ‏ {‏وتزوّدوا‏}‏ قال‏:‏ هو الكعك والزيت‏.‏ وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الشعبي قال ‏ {‏وتزوّدوا‏}‏ قال‏:‏ الطعام التمر والسويق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان قال ‏"حديث : ‏لما نزلت هذه الآية ‏{‏وتزوّدوا‏}‏ قام رجل من فقراء المسلمين فقال‏:‏ يا رسول الله ما نجد زاداً نتزوّده‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: تزوّد ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سفيان قال‏:‏ في قراءة عبد الله ‏{‏وتزوّدوا وخير الزاد التقوى‏}‏ ‏.‏ وأخرج الطبراني عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من يتزوّد في الدنيا ينفعه في الآخرة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن الزبير بن العوّام‏ "‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ العباد عباد الله والبلاد بلاد الله، فحيث وجدت خيراً فأقم واتق الله‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبغوي في معجمه والبيهقي في سننه والأصبهاني عن رجل من أهل البادية قال ‏"حديث : ‏أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله، فكان فيما حفظت عنه أن قال‏:‏ إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله إلا أعطاك الله خيراً منه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في الأدب والترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال ‏"حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكثر ما يدخل الناس الجنة‏؟‏ قال‏:‏ تقوى الله وحسن الخلق، وسئل ما أكثر ما يدخل الناس النار‏؟‏ قال‏:‏ الأجوفان‏:‏ الفم والفرج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن رجل من بني سليط قال‏ ‏"‏حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول‏: المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يظلمه، التقوى ههنا التقوى ههنا وأومأ بيده إلى صدره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني عن قتادة بن عياش قال ‏"حديث : ‏لما عقد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومي أتيته مودعاً له فقال‏:‏ جعل الله التقوى زادك، وغفر ذنبك، ووجهك للخير حيث تكون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم عن أنس قال ‏"‏حديث : جاء رجل فقال‏:‏ يا رسول الله إني أريد سفراً فزوّدني، فقال‏:‏ زوّدك الله التقوى قال‏:‏ زدني‏.‏ قال‏: وغفر ذنبك‏. قال‏:‏ زدني بأبي أنت وأمي‏.‏ قال‏: ويسر لك الخير حيثما كنت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال ‏"‏حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد سفراً فقال‏:‏ أوصني‏.‏ قال‏:‏ أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف، فلما مضى قال‏:‏ اللهم ازو له الأرض، وهوّن عليه السفر‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي بكر الصديق‏.‏ أنه قال في خطبته‏:‏ الصدق أمانة، والكذب خيانة، أكيس الكيس التقى، وأنوك النوك الفجور‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن عمر بن الخطاب‏.‏ أنه كتب إلى ابنه عبد الله‏:‏ أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقاه وفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك، وجلاء قلبك، واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال‏:‏ سألت الحسن ما زين القرآن‏؟‏ قال‏:‏ التقوى‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال‏:‏ مكتوب في التوراة‏:‏ ابن آدم اتق الله ونم حيث شئت‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال‏:‏ الإِيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن داود بن هلال قال‏:‏ كان يقال‏:‏ الذي يقيم به العبد وجهه عند الله التقوى، ثم يتبعه الورع‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن عروة قال‏:‏ كتبت عائشة إلى معاوية‏.‏ أما بعد فاتق الله فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس، وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي حازم قال‏:‏ ترصدني أربعة عشر عدواً، أما أربعة منها فشيطان يضلني، ومؤمن يحسدني، وكافر يقاتلني، ومنافق يبغضني‏.‏ وأما العشرة منها فالجوع، والعطش، والحر، والبرد، والعري، والهرم، والمرض، والفقر، والموت، والنار، ولا أطيقهن إلا بسلاح تام، ولا أجد لهم سلاحاً أفضل من التقوى‏.‏ وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن أبي نجيح قال‏:‏ قال سليمان بن داود عليهما السلام‏:‏ أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا، وعلمنا مما علم الناس وما لم يعلموا، فلم نجد شيئاً هو أفضل من تقوى الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر‏.‏ وأخرج الأصبهاني عن زيد بن أسلم قال‏:‏ كان يقال‏:‏ من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا‏.‏

ابو السعود

تفسير : {الْحَجُّ} أي وقته {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} معروفاتٌ بـين الناس هي شوَّالٌ وذو القَعدة وعشرُ ذي الحِجة عندنا وتسعةٌ بليلةِ النحر عند الشافعي وكلُّه عند مالكٍ، ومدارُ الخلافِ أن المرادَ بوقته وقتُ إحرامِه أو وقتُ أعماله ومناسِكهُ أو ما لا يحسُن فيه غيرُه من المناسِك مطلقاً فإن مالِكاً كرِه العُمرةَ في بقية ذي الحِجة، وأبو حنيفةَ وإن صحَّح الإحرامَ به قبل شوالٍ فقد استكرهه وإنما سُمي شهران وبعضُ شهرٍ أشهراً إقامةً للبعض مُقامَ الكل أو إطلاقاً للجمع على ما فوق الواحدِ، وصيغةُ جمعِ المذكر في غيرِ العقلاء تجيء بالألف والتاء {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} أي أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن أو بالتلبـية أو بسَوْق الهدْي {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} أي لا جِماعَ أو فلا فحشَ من الكلام ولا خروجَ من حدود الشرعِ بارتكاب المحظوراتِ وقيل: بالسِّباب والتنابز بالألقاب {وَلاَ جِدَالَ} أي لا مِراءَ مع الخدَم والرِفقة {فِي ٱلْحَجّ} أي في أيامه والإظهارُ في مقام الإضمارِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأنه، والإشعارِ بعِلة الحُكم فإن زيارةَ البـيت المعظَّم والتقرُّبَ بها إلى الله عز وجل من موجبات تركِ الأمورِ المذكورة، وإيثارُ النفي للمبالغة في النهي والدَلالة على أن ذلك حقيقٌ بأن لا يكون، فإن ما كان مُنْكراً مستقبَحاً في نفسه ففي تضاعيفِ الحجِّ أقبحُ كلبُس الحريرِ في الصلاة والتطريبِ بقراءة القرآن لأنه خروجٌ عن مقتضىٰ الطبعِ والعادةِ إلى محض العبادةِ، وقرىء الأولان بالرفع على معنى لا يكونن رَفثٌ ولا فسوقٌ والثالثُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلافِ في الحج، وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائرَ العرب فتقفُ بالمشعَر الحرام فارتفعَ الخلافُ بأن أُمروا بأن يقفوا أيضاً بعَرَفاتٍ {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} فيجزي به خيرَ جزاءٍ وهو حثٌّ على فعل الخيرِ إِثرَ النهْي عن الشر {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} أي تزوّدوا لمِعَادكم التقوى فإنه خيرُ زادٍ وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا يحُجُّون ولا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون فيكونون كَلاًّ على الناس فأُمروا أن يتزوّدوا ويتقوا الإبرامَ في السؤال والتثقيل على الناس {وَٱتَّقُونِ يأُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ} فإن قضيةَ اللُبِ استشعارُ خشيةِ الله عز وجل وتقواه، حثهم على التقوى ثم أمرَهم بأن يكون المقصودُ بذلك هو الله تعالى فيتبرّؤا من كل شيءٍ سواه وهو مقتضىٰ العقلِ المعرَّى عن شوائبِ الهوى فلذلك خُصَّ بهذا الخطاب أُولوا الألباب.

التستري

تفسير : قوله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} [197] قال: هو الرفيق إلى ذكر الله تعالى خوفاً، إذ لا زاد للمحب سوى محبوبه، وللعارف سوى معروفه. وقال في قوله: {أية : مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : [آل عمران:97] قال: الزاد والراحلة، ثم قال: أتدرون ما الزاد والراحلة؟ فقالوا: لا. فقال: الزاد الذكر، والراحلة الصبر. قال: وقد صحبه رجل في طريق مكة فلم يجد يومين شيئاً فقال: يا أستاذ أحتاج إلى قوت. فقال: القوت هو الله. فقال: لا بد من قوت يقوم به الجسد. فقال: الأجساد كلها بالله عزَّ وجلَّ وأنشد: [من البسيط] شعر : يا حِبُّ زِدْنِي سَقَاكَ الشَّوْقُ من دِيَمٍ يَزِيدُنِي صَوْبُها الأحزانَ والكربا ودامَ لي لوعةٌ في القَلْبِ تَحْرِقُنِي إِنِّي متى أَزدادُ حُبّاً زادني طربا تفسير : ثم قال: الدنيا هي التي قطعت المنقطعين إلى الله عن الله عزَّ وجلَّ. وقال: عيش الملائكة في الطاعة، وعيش الأنبياء بالعلم وانتظار الفرج، وعيش الصديقين بالاقتداء، وعيش سائر الناس [عالماً كان أو جاهلاً، زاهداً كان أو عابداً] في الأكل والشرب. قوله: {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}[197] أي يا أهل الفهم عني بالعقول السليمة. وقال: إن الله تعالى أمرهم أن يتقوه على مقدار طاقات عقولهم بما خصهم به من نور الهداية بذاته، والقبول منه، وإفرادهم بالمعنى الذي ركبه فيهم، وعلمه بهم قبل خلقهم، فذكرهم تلك النعمة عليهم، ودعاهم بتلك النعمة التي سبقت لهم إلى الاعتراف بنعمة ثانية بعد الموهبة الأزلية، وهي حقيقة المعرفة، وقبول العلم بالعمل خالصاً له. قيل: فما معنى التقوى وحقيقته؟ قال: الحقيقة لله عزَّ وجلَّ أن تعاجل لدى العمل القليل بالموت، وكذا الخطايا بالعقوبة، فيعرف ذلك فيتقيه، فلا يتكل على شيء سواه. قيل له: قد اختلفت أسباب تقوى الخلق؟ قال: نعم، كما اختلف أفعالهم. قال أبو بكر: فقلت: لقد ثبت في القرآن أن تقوى كل امرئ على حسب طاقته. فقال: نعم، قد قال الله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ}تفسير : [التغابن:16] فردهم إلى ما في طاقتهم. فقلت له: لقد قال الله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران:102] قال سهل: أما أصحابنا فيقولون إن هذا الخطاب لقوم مخصوصين بأعيانهم، لأنهم طولبوا بما لم يطالب به الأنبياء عليهم السلام، وكما قال إبراهيم ويعقوب لأولادهما.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}. قال النصرآباذى: وقَّت الله عز وجل العبادات بأوقات ليتأهب العبد لها قبل أوقاتها بالآداب الظاهرة ولم يوقت المعرفة بوقتٍ لئلا يخلى العبد سره عن مراقبة المشاهدة بحالٍ. قوله تعالى: {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أى: أقبلوا علىَّ أصحاب الفهوم السليمة واعقلوا عنى. قال الواسطى: هم من الخصوص خصوص لم يجعل للعموم فيهم طريقًا.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}. كما أن الحج بالنفوس أَشْهُرٌ معلومات لا ينعقد الإحرام به إلا فيها، ولا يجوز فعل الحج في جميع السَّنَةِ إلا في وقت مخصوص، من فاته ذلك الوقت فاته الحج - فكذلك حج القلوب له أوقات معلومة لا يصح إلا فيها، وهي أيام الشباب؛ فمن لم تكن له إرادة في حال شبابه فليست له وصلة في حال مشيبه، وكذلك من فاته وقت قصده وحال إرادته فلا يصلح إلا للعبادة التي آخرها الجنة، فأما الإرادة التي آخرها الوصلة.. فلا. قوله جلّ ذكره: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ}. كذلك الإشارة لمن سلك طريق الإرادة ألا يُعرِّج على شيء في الطريق، ولا يمزج إرادته بشيء. فمن نَازَعه أو عَارَضَهُ أو زاحمه - سَلَّم الكل للكل، فلا لأجل الدنيا مع أحدٍ يخاصم، ولا لشيء من حظوظ النَّفْس والجاه مع أحد يزاحم، قال تعالى: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]. قوله جلّ ذكره: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ}. تكتفي بِعِلْمِه وحُكْمِه عن شهود خَلْقِه وحُكْم خلْقِه وعلم خلْقِه. قوله جلّ ذكره: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. تقوى العامة مُجانبة الزلات، وتقوى الخواص مجانبة الأغيار بالسرائر.

البقلي

تفسير : {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} بين الله تعالى مواقيت العبادة لئلا يتساموا عباده عن خدمتع ويقعوا بفتوريهم ---- وايضا حتى يسكن اهل المعرفة عن اثقال العبودية في بسطهم برؤية الربوبية وانتقالهم بمشاهدة الرحمن عن زحمة الامتحان ووقت الحق لاهل خالصة فى سولكهم وانيانهم لبساط القربة اخانين الصفاء والوفاء والطمانية واليقين وجمع لهم لعيرفوا ان القصد لا يتهبا الى باسطه الا فى هذه الاوقات العاصمة قال النصر ابادى وقت الله العبادات باوقات ليتاهب العبد لها قبل اوانها بادائه الطهارة ولم يوقت المعرفة لئلا يتجلى العبد سره عن مراقبة الماشهدة بحال {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } اى اجتنبوا على الالتفات الى غيرى في استقبالكم الى فانى زادكم فى جميع الاحوال ولا تحتاجون الى حد سواى وايضاً اذا اردتم ان يعقطعوا قفار الديمومية وذلوات الازلية فتزودوا على مراكب القلوب نور الانانية لارواح العاشقة فى سير العيوب وخافوا عن فقدى فان خير الزاد فى طلب وصلة الافتقار الى مخافة فقدان قربى {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} لانكم اهل الخصوص بانوار العقل فمن يعقلنى بنعت العظمة لا يسكن روعته فى دار امتحانى وقيل وتزددوا فان خير الزاد التقوى هو خطاب للخاص لانه لا زاد للعارف سوى معرفة والا للمحب سوى محبتبه وانشدوا اذا نحن ادلجنا فانت امامنا كفى بمطايانا بلقائك هاديا واتقون يا اولى الالباب قال الواطسى عاقبهم لانه احبهم وقيل اقبلوا على يا اصحاب الفهوم السيلمة واعقولوا عنى وقال ايضا هم من الخصوص ولم تجعل للعموم فيهم طريقا.

اسماعيل حقي

تفسير : {الحج} بحذف المضاف اى وقته لان الحج فعل والفعل لا يكون اشهرا {اشهر} هى شوال وذوالقعدة وعشر ذى الحجة عندنا وانما سمى شهران وبعض شهر أشهرا مع ان جمع القلة لا يطلق على ما هو اقل من الثلاثة اقامة للبعض مقام الكل او اطلاقا للجمع على ما فوق الواحد {معلومات} معروفات بين الناس لانهم توارثوا علمها والشرع جاء مقررا لما عرفوه ولم يغير وقته عما كان قبله وفائدة توقيت الحج بهذه الاشهر ليعلم ان من شأ من افعال الحج لا يصح لا فيها والاحرام وان كان ينعقد فى غيرها ايضا عند ابى حنفية الا انه مكروه يعنى ان الاحرام عنده من شرائط الحج فيجوز تقديمه على وقت ادائه كما يجوز تقديم الطهارة على اداء الصلاة. وقولهم وقت الحج اشهر ليس المراد به انها وقت احرامه بل المراد انها وقت ادائه بماشرة اعماله ومناسكه والاشهر كلها وقت لصحة احرامه لقوله تعالى {أية : يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج} تفسير : [البقرة: 189]. فجعل الاهلة كلها مواقيت للحج ومعلوم ان الاهلة كلها ليست مواقيت لصحة اداء احج فتعين ان المراد انها مواقيت لصحة الاحرام حتى من احرم يوم النحر لان يحج فى السنة القابلة يصح احرامه من غير كراهة عند ابى حنيفة كذا فى حواشى ابن الشيخ {فمن فرض فيهن الحج} اى اوجبه على نفسه بالتلبية او تقليد الهدى وذلك لان الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع بمجرد النية كالصلاة فلا بد من فعل يشرع به فيه وهو ما ذكرنا من التلبية او تقليد الهدى وهو جعل القلادة فى عنقه وسوقه {فلا رفث} اى فلا جماع وما دونه مما يفضى الى ذلك كالقبلة والغمز وهو محظور الاحرام فقبل الوقوف بعرفة مفسد وبعده موجب للبدنة وحرمت دواعيه لئلا يقع فيه والرفث وما يليه من الفسوق والجدال وان كانت على صورة النفى بمعنى ان شيأ منها لا يقع فى خلال الحج الا ان المراد بها النهى لان ابقاءها خبرا على ظاهرها يستلزم الخلف فى خبر الله للعلم بان هذه الاشياء كثيرا ما تقع فى خلال الحج وانما اخرجت على صورة الاخبار للمبالغة فى وجوب الانتهاء عنها كأن المكلف اذعن كونها منهيا عنها فاجتنب عنها فالله تعالى يخبر بانها لا توجد فى خلال الحج ولا يأتى بها احد منكم {ولا فسوق} ولا خروج من حدود الشرع بارتكاب المحظورات والفسق هو المعاصى بانواعها فيدخل فيه السباب والتنابز بالالقاب وغير ذلك {ولا جدال} اى لا مراء مع الخدم والرفقة والمكارين لانه يفضى الى التضاغن وزوال التأليف فاما الجدال على وجه النظر فى امر من امور الدين فلا بأس به {فى الحج} اى فى ايامه وانما امر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب فى كل حال لانه مع الحج اقبح واشنع كلبس الحرير فى الصلاة والتطريب فى قراءة القرآن والمنهى عنه التطريب الذى تخرج الحروف به عن هيآتها كما يفعله بعض القرآء من الالحان العجيبة والانغام الموسيقية واما تحسين القراءة ومدها فهو مندوب اليه قال عليه السلام "حديث : حسنوا القرآن باصواتكمbr>". تفسير : فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا والتطريب المقبول سبب للرقة واقبال النفس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله وجماعة من السلف {وما} شرطية {تفعلوا من خير يعلمه الله} علم الله تعالى بما يفعله العبد من الخير كناية عن اثابته عليه. نهى عن ثلاثة اشياء من المعاصى ورغب فى كل الطاعات فهو حث على فعل الخير عقيب النهى عن الشر فيدخل فيه استعمال الكلام الحسن مكان القبيح والبر والتقوى مكان الفسوق والوفاق والاخلاق الجميلة مكان الجدال {وتزودوا} اى اجعلوا زادكم لمعادكم وآخرتكم اتقاء القبائح {فإن خير الزاد التقوى} لا ما يتخذ من الطعام وتحقيق الكلام ان الانسان له سفران سفر فى الدنيا وسفر من الدنيا فالسفر فى الدنيا لا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمركب والمال والسفر من الدنيا لا بد له ايضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والاعراض عما سواه بالاشتغال فى طاعته والاجتناب عن مخالفته ومناهيه وهذا الزاد خير من زاد المسافر فى الدنيا لان زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم وزاد الدنيا فان وزاد الآخرة يوصلك الى لذات باقية خالصة. وقيل كان اهل اليمن لا يتزودون ويخرجون بغير زاد ويقولون نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا فيكون كلا على الناس واذا قدموا مكة سألوا الناس وربما يفضى بهم الحال الى النهب والغصب فقال الله تعالى {وتزودوا} اى ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم من الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها واتقوا الاستطعام وابرام الناس والتثقيل عليهم {فان خير الزاد التقوى} من السؤال والنهب {واتقون يا اولى الالباب} فان قضية اللب خشية الله وتقواه حثهم على التقوى ثم امرهم بان يكون المقصود بها هو الله فيتبرأوا عن كل شىء سواه وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى فلذلك خص اولى الالباب بالخطاب فان من لم يتقه فكأنه لا لب له. فعلى العاقل تخليص العقل من الشوائب وتهذيب النفس وتكميلها بالوصول الى اعلى المراتب: قال الشاعر شعر : ولم ار فى عيوب الناس شيأ كنقص القادرين على التمام تفسير : قال الامام اعلم ان الانسان فيه قوى ثلاث. قوة شهوانية بهيمية وقوة غضبية. سبعية شيطانية. وقوة وهمية عقلية ملكية والمقصود من جميع العبارات قهر القوات الثلاث اعنى الشهوانية والغضبية والوهمية فقوله {فلا رفث} اشارة الى قهر القوة الشهوانية وقوله {ولا فسوق} اشارة الى قهر القوة الغضبية التى توجب المعصية والتمدد وقوله {ولا جدال} اشارة الى قهر القوة الوهمية التى تحمل الانسان على الجدال فى ذات الله وصفاته وافعاله واحكامه واسمائه وهى الباعثة للانسان على منازعة الناس ومماراتهم والمخاصمة معهم فى كل شىء فلما كان الشر محصورا فى هذه الامور الثلاثة لا جرم قال {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج} اى فيمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله والانخراط فى سلك الخواص من عباده انتهى ما قال الامام. قالوا من سهل عليه المشى فى طريق الحج فهو الافضل فان كان يضعف ويؤدى ذلك الى سوء الخلق وقصور عن عمل فالركوب افضل كما ان الصوم افضل للمسافر والمريض ما لم يفض الى ضعف وسوء. خلق قال ابو جعفر محمد الباقر ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت اذا لم يأت بثلاث. ورع يحجزه عن محارم الله. وحلم يكف به غضبه. وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاث يحتاج اليها المسافر خصوصا الى الحج فمن كملها فقد كمل حجه والا فلا: ونعم ما قال السعدى قدس سره شعر : ازمن بكوى حاجىء مردم كزايرا كوبوستين خلق بآزار ميدرد حاجى تونيستى شترست ازبراى آنك بيجار خار ميخورد وبار ميبرد تفسير : فينبغى ان يجتهد الحاج قبل مفارقة رفيقه والجمال فى ان يتحالوا من الظالم ان كانت جرت بينهم مثل غيبة ونميمة او اخذ عرض او تعرض لمال فما سلم من ذلك الا القليل واذا ذكر رفيقه فليثن عليه خيرا وليغض عما سوى ذلك فقد كان السلف بعد قفولهم اى رجوعهم من السفر لا يذكر احدهم صاحبه الا بخير وليحذر من نظفت صحيفة علمه من الذنوب بالغفران ان يرجع الى وسخ المعاصى. ثم الاشارة ان قصد القاصدين الى الله تعالى انما يكون فى اشهر معلومات من حياتهم الفانية فى الدنيا فاما بعد انقضاء الآجال فلا يفيد لاحد السعى كما لا ينفع للحاج القصد بعد مضى اشهر الحج قال تعالى {أية : يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها} تفسير : [الأنعام: 158] الآية. وكما ان للحاج مواقيت معينة يحرمون منها فكذلك للقاصدين الى الله ميقات وهى ايام الشباب من بلاغية الصورة الى بلوغ الاربعين وهو حد بلاغية المعنى قال تعالى {أية : حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة} تفسير : [الأحقاف: 15]. ولهذا قال المشايخ الصوفى بعد الاربعين نادر يعنى ان كان ظهور ارادته وطلبه يكون بعد الاربعين فوصوله الى المقصد الحقيقى يكون نادرا مع اركانه ولكن من يكون طلبه وصدقه فى الارادة قبل الاربعين وما امكنته الوصلة يقرب فى الاحتمال ان يكون بعد الاربعين حصول مقصوده بان يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده ومن فاته اوان الطلب فى عنفوان شبابه مستبعدة له الوصلة فى حال مشيبه فجرى منه عليه الحيف بان ضيع اللبن فى الصيف ولكن يصلح للعبادة التى آخرها الجنة ووقف بعض المشايخ على باب الجامع والخلق يخرجون منه فى ازدحام وغلبة وكان ينظر اليهم ويقول هؤلاء حشو الجنة وللمجالسة اقوام آخرون كذا فى التأويلات النجمية. وقال القاشانى وقت الحج ازمنة وهو من وقت بلوغ الحلم الى الاربعين ثلاثة اعصر كل عصر بمثابة شهر. عصر من سن النمو. وعصر من سن الوقوف. وبعض من سن الكهولة كما قال تعالى فى وصف البقرة {أية : لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} تفسير : [البقرة: 68]. انتهى: قال الحافظ شعر : عشق وشباب ورندى مجموعه مرادست جون جمع شدمعانى كوى بيان توان زد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الحج}: مبتدأ، على حذف مضاف، أي: إحرامُ الحج أو فعلُ الحج، و {أشهر}: خبر، وإذا وقع الزمان خبراً عن اسم معنى؛ فإن كان ذلك المعنى واقعاً في كل ذلك الزمان أو جُلِّه؛ تعيَّن رفعُه عند الكوفيين، وترجح عند البصريين إذا كان الزمان نكرة، نحو: السفر يوم. إن كان السفر واقعاً في جميع ذلك اليوم أو في جُلِّه؛ لأنه باستغراقه إياه صار كأنه هو، ويصح: السفر يوماً، أو في يوم. وإن كان ذلك المعنى واقعاً في بعض ذلك الزمان تعيَّن نصبُه أو جرَّه فـ (في)، نحو: السفر يوم الجمعة، أو في يوم الجمعة وقد يرفع نادراً. قال في التسهيل: ويُغني - أيْ: ظرف الزمان - عن خبر اسم معنى مطلقاً، فإن وقع في جميعه، أو في أكثره، وكان نكرة، رُفع غالباً، ولا يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافاً للكوفيين. وربما رُفع خبرُ الزمان المُوقَع في بعضه. هـ. ومن ذلك: {الحج أشهر معلومات} فإن جُلّضها تصلح للإحرام. يقول الحقّ جلّ جلاله: وقتُ إحرام الحج {أشهر معلومات}: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن أحرم قبلها كره عند مالك، وبطل عند الشافعي، {فمن فرض} على نفسه {فيهن الحج} فيلزم الأدب والوقار، ويجانبْ شهوة النساء، {فلا} يقع منه {رفث} أي: جماع أو كلام فُحْش، {ولا فسوق} أي: ذنوب، {ولا جدال في} زمان {الحج} ولو مع المكاري أو الخُدّام، ولا غيره من أنواع الخصام؛ فإنه في حضرة الملك العلام. {وما تفعلوا من خير} كحِلْم وصبر وحُسن خلق {يعلمه الله} فاستبقوا الخيرات، وتزودوا قبل هجوم الممات، واتقوا الله حق تقاته {فإن خير الزاد التقوى}. أو تزودوا لسفر الحج، ولا تسافروا كَلاً على الناس؛ {فإن خير الزاد التقوى} عن الطمع في الخلق، {واتقون يا أولي الألباب}، وأفرِدُوني في سركم حتى أفتح لكم الباب، وأدخلَكم مع الأحباب. الإشارة: معاملة الأبدان مؤقتة بالأمكان والأزمان، ومعاملة القلوب أو الأرواح غير مؤقتة بزمان مخصوص، ولا مكان مخصوص، فحجَ القلوب، الأزمنةُ كلها له ميقات، والأماكن كلها عرفات، حج القلوب هو العلوب هو العكوف في حضرة علام الغيوب، وهي مُسَرْمَدَةٌ على الداوم على مَرِّ الليالي والأيام، فكل وقت عندهم ليلة القدر، وكل مكان عندهم عرفةُ المشرَّفةُ القدر، وأنشدوا: شعر : لولا شهودُ جمالكم في ذاتي ما كنتُ أَرْضَى ساعةً بِحَياتي ما ليلةُ القدرُ الْمُعَظَّمُ شأنُها إلا إذا عَمَرَتْ بكُم أوقَاتِي إن المحبَّ إذا تمكَّنَ في الهَوَى والحبّ لم يَحْتَجْ إلى ميقاتِ تفسير : وقال آخر: شعر : كُلُّ وقتٍ مِنْ حَبيبِي قدْرُهُ كأَلْفِ حَجَّة فازَ مَنْ خلَّى الشَّوَاغِلْ وَلِموْلاَه تَوَجَّهْ تفسير : فمَنْ فَرض على قلبه حجَّ الحضرة فيلتزم الأدب والنظرة، والسكوتَ والفكرة، قال تعالى:{أية : وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}تفسير : [طه: 108] فلا رفث ولا فسوقَ ولا جدال ولا مراء، إذ مبنى طريقهم على التسليم والرضى، وما تفعلوا من خير فليس على الله بخفي. وتزودوا بتقوى شهود السَّوَى، {فإن خير الزاد التقوى}، وجِمَاعُ التقوى هي مخالفة الهَوى، ومحبة المولَى، فهذه تقوى أولي الألباب؛ الذين صفَتْ مِرآة قلوبهم، فأبصروا الرشد والصواب، وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو {فلا رفث ولا فسوق} بالرفع، {ولا جدال} بالنصب. الباقون بالنصب فيهنّ تقدير الآية: أشهر الحجّ أشهر معلومات، فحذف المضاف، وأقام المضاف اليه مقامه. وأشهر الحجّ - عندنا - شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، على ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وابراهيم، والشعبي، ومجاهد، والحسن، واختاره الجبائي. وقال عطا، والربيع، وابن شهاب، وطاووس: أشهر الحجّ شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وروي ذلك في أخبارنا، وإنما هذه أشهر الحج، لأن الاحرام بالحج لا يصح أن يقع إلا فيها - بلا خلاف - وعندنا - أن الاحرام بالعمرة التي يتمتع بها لا يقع أيضاً إلا فيها. ومن قال: إن جميع ذي الحجة من أشهر الحج، قال: لأن جميع ذي الحجة يصح أن يقع فيه شيء من أفعال الحج، مثل صوم الثلاثة أيام، فانه يصح أن يقع في جميع ذي الحجة، وكذلك يصح أن يقع ذبح الهدي فيه. وقال قوم: إن المعنى واحد في قول الفريقين. وقال آخرون: هو مختلف من حيث أن الثاني معناه: أن العمرة لا ينبغي أن تكون في الأشهر الثلاثة على الكمال، لأنها أشهر الحج، والأول على أنها لا ينبغي أن تكون في شهرين وعشر من الثالث، فقد روي عن ابن عمر: ان تفصلوا بين الحج والعمرة، فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته. وروي ذلك عن القاسم بن محمد عن ابن شهاب عن عبد الله، وابن سيرين. وقد بينا مذهبنا في ذلك. فان قيل كيف جمع شهرين، وعشرة أيام ثلاثة أشهر؟ قلنا: لأنه قد يضاف الفعل الى الوقت وإن وقع في بعضه. ويجوز أن يضاف الوقت اليه كذلك، كقولك: صليت صلاة يوم الجمعة، وصلاة يوم العيد وإن كانت الصلاة في بعضه. ويقال أيضاً: قدم زيد يوم كذا، وخرج يوم كذا وإن كان قدومه أو خروجه في بعضه، فكذلك جاز أن يقال: شهر الحج ذو الحجة، وإن كان في بعضه، وإنما يفرض فيهن الحج، بأن يحرم فيهنّ بالحج - بلا خلاف - أو بالعمرة التي يتمتع بها بالحج - عندنا خاصة - وفي الاحرام بالحج وافقنا فيه ابن عباس، والحسن، وقتادة. وقال ابن عمر، ومجاهد: إنما يفرض فيهنّ بالتلبية. وقال بعض المتأخرين: يفرض بالعزم على أعمال الحج. الاعراب: ولا يجوز نصب أشهر - في العربية - على ما بيناه من المعنى من أن تقديره أشهر {الحج أشهر معلومات} أو وقت {الحج أشهر معلومات} وقد أجازوا الحج شهر ذي الحجة، لأنه معرفة كما تقول العرب: المسلمون جانب، والكفار جانب بالرفع، فاذا أضافوا نصبوا، فقالوا: المسلمون جانب أرضهم، والكفار جانب بلادهم. وانما جاز ذلك، لأن النكرة لما جاءت على شرط الخبر: في كونه نكرة من حيث كانت الفائدة فيه، ورفعت بأنها خبر الابتداء فلما صارت معرفة، والخبر يطلب النكرة نصبت ليصح تقدير الاستقرار الذي هو نكرة كأنك قلت: الكفار مستقرون جانب بلادهم، ففائدة الأول من جانب، وفائدة الثاني في مستقر. المعنى: وقوله تعالى: "فلا رفث" فالرفث ها هنا - عند أصحابنا - كناية عن الجماع وهو قول ابن مسعود، وقتادة. وأصله الافحاش في النطق كما قال العجاج: شعر : عن اللّغا ورفث التكلم تفسير : وقيل الرفث بالفرج: الجماع، وباللسان: المواعدة للجماع، وبالعين: الغمز للجماع. وقال ابن عباس، وابن عمر وعطا: المراد ها هنا: المواعدة للجماع، والتعريض للنساء به. وقال الحسن: الجماع، والتعرض له بمواعدة أو مداعبة كله رفث. وقوله تعالى: {ولا فسوق} روى أصحابنا: أنه أراد الكذب. والأولى أن نحمله على جميع المعاصي التي نهي المحرم عنها، وبه قال ابن عمر. وقال الحسن: المعاصي نحو القذف وشبهه، وقال ابن عباس ومجاهد وعطا: هو جميع المعاصي مثل ما قلناه. وقال بعضهم لا يجوز أن يكون المراد إلا ما نهي عنه المحرم ها هنا، مما هو حلال له في غير الاحرام، لاختصاصه بالنهي عنه وهذا غلط، لأنه تخصيص للعموم بلا دليل، وقد يقول القائل: ينبغي أن تقيد لسانك في رمضان لئلا يبطل صومك، فيخصه بالذكر لعظم حرمته. وقوله: {ولا جدال فى الحج} فالذي رواه أصحابنا: أنه قول لا والله وبلى والله صادقاً، وكاذباً. وللمفسرين فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وابن مسعود، والحسن: أنه لا مراء بالسّباب والأعصاب على جهة المحك، واللجاج. الثاني - قال مجاهد والسدي: إنه لا جدال في أن الحج قد استدار في ذي الحجة، لأنهم كانوا ينسون الشهور فيقدمون ويؤخرون، فربما اتفق في غيره. اللغة: وأما اشتقاقه في اللغة فالجدال والمجادلة، والمنازعة، والمشاجرة، والمخاصمة واحد، وتقول: جدلت الحبل أجدّله وأجدِله جدلا: إذا فتلته، وجادلت الرجل مجادلة وجدالا: إذا خاصمته، وتجادلا تجادلا. وجدلته تجديلا: إذا ألقيته على الأرض. وتجدّل تجدّلا وانجدل انجدالا. والجديل: زمام البعير. والجدول: نهر صغير. والمجدل: القصر. والجدالة: الأرض ذات الرمل الرقيق. والأجدل: الصقر، وكل مفتول: مجدول. وغلام جادل: إذا ترعرع واشتد. والجديلة: شريجة الحمام. ورجل أجدل المنكب: فيه تطأطؤ، بخلاف الاشراف من المناكب. وأصل الباب: الفتل، والجدال: القتال. الاعراب: ومن نصب (الثلاثة) أخرج اللفظ مخرج عموم النفي للمبالغة في معنى النفي. ومن رفع بعضاً ونصب بعضاً، فلاختلاف المعنى، لأن الأول على معنى النهي، والثاني بمعنى الاخبار عن زمان الحج: قد استدار في ذي الحجة، فكان أحقّ بالنصب، لعموم النفي. فأما الأول، فقد يقع من الخاطىء، فلا يصح فيه عموم النفي. هذا قول النحويين. والصحيح أن الكل معناه النهي، وان خرج مخرج النفي، والاخبار. والمراد به النهي بلا خلاف. المعنى: وقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} معناه وما تفعلوا من خير يجازكم الله العالم به، لأن الله عالم على كل حال، إلا أنه جعل {يعلمه} في موضع يجازيه للمبالغة في صفة العدل، لأنه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ظهر منكم، فيجازي به، وذلك تأكيد أن الجزاء لا يكون إلا بالفعل دون ما يعلم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه. وقوله: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: أن قوماً كانوا يرمون بازوادهم، ويتسمون بالمتوكلة، فقيل لهم تزودوا من الطعام، ولا تلقوا كلكم على الناس، وخير الزاد مع ذلك التقوى. والثاني - {تزودوا} من الأعمال الصالحات {فإن خير الزاد التقوى}، فذكر ذلك في الحج، لأنه أحق شيء بالاستكثار من أعمال البرّ فيه، والزاد: الطعام الذي يتخذ للسفر. والمزود: وعاء يجعل فيه الزاد. وكل من انتقل بخير من عمل أو كسب، فقد تزود منه تزوداً. وقوله: {واتقون يا أولي الألباب} يعني يا ذوي العقول، لأن اللبّ العقل، وإنما سمي لباً لأنه أفضل ما في الانسان. وأفضل كل شيء لبّه.

الجنابذي

تفسير : {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ} مستأنفٌ لبيان حكم من احكام الحجّ كأنّه قيل: اىّ وقت وقت الحجّ؟ - فقال: وقت الحجّ اشهر {مَّعْلُومَاتٌ} وفى حمل الذّات على المعنى ما مرّ من انّه بالمجاز فى اللّفظ او فى الحذف او فى النّسبة والاشهر المعلومات شوّال وذو القعدة وذو الحجّة الى التّاسع او الى العاشر للمختار والمضطرّ {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} نسب الى الصّادق (ع) انّه قال: الفرض التّبلية والاشعار والتّقليد، واستعمال الفرض مع انّ الحكم جار فى النّدب والفرض للاشعار بأنّ النّدب بعد الاحرام يصير كالفرض فى وجوب الاتمام والقضاء لو اخلّ بالوطئ قبل المشعر وقيل: من احرم لزمه الاتمام مطلقاً واجباً كان او ندباً شرط لنفسه العدول اولا {فَلاَ رَفَثَ} لا جماع ولا نظر بشهوة ولا قبلة ولا مواعدة {وَلاَ فُسُوقَ} الكذب والسّباب او مطلق ما يخرج الانسان من الحقّ {وَلاَ جِدَالَ} لا مخاصمة بحقٍّ او باطلٍ وفسّرت بالجماع وبالكذب والسّباب وبقول: لا والله، وبلى والله، {فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} ترغيبٌ فى العمل لله والمقصود أنّه يجازيكم لأنّه عالم وعادل لا يهملكم من غير مجازاةٍ {وَتَزَوَّدُواْ} كانوا لا يتزوّدون فى طريق الحجّ ويلقون كلّهم فى الطّريق على الغير فنهاهم الله تعالى عن ترك التّزوّد بالطّعام وقيمته والتّزوّد بالتوكّل والقاء الكلّ على الغير {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} عن السّؤال والقاء الكلّ على الغير لا التّوكّل على الله والتذلّل على النّاس او المراد تزوّدوا فى مناسك الحجّ لمعادكم بالتّقوى عمّا نهيتم عنه ظاهراً ممّا يترك فى الحجّ وباطناً من النيّات والاغراض سوى امر الله {وَٱتَّقُونِ} اى سخطى وعذابى فى مخالفة أمرى ونهيى {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} كانوا يتأثّمون بالتّجارة فى طريق الزّيارة كما كانوا لا يتزوّدون لذلك وكما انّ المتزهّدين فى زماننا يتحرّجون بالتّجارات فى طريق الزّيارات وهكذا حال السّلاك فى طريق بيت الله الحقيقىّ يتحرّجون بالالتفات الى ما وراءهم وبالتّجارات الرّائجة فى حقّ حرثهم ونسلهم وقد كفلهم الله القيام بأمر النّسل وحفظ الحرث فنفى تعالى الجناح عنهم فى التّجارة بل أمرهم بها فانّ نفى التأثّم فى امثال المقام عن شيءٍ يستعمل فى الامر به فقال: ليس عليكم جناح {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} بالتّجارات الظاهرة والباطنة {فَإِذَآ أَفَضْتُم} أفاض الماء أفرغه والنّاس {مِّنْ عَرَفَاتٍ} دفعوا أنفسهم او رجعوا وتفرّقوا او أسرعوا او اندفعوا من عرفات اسم لا بعد مناسك الحجّ من مكّة سمّيت بعرفات لارتفاعها وارتفاع جبالها، او لانّ ابراهيم (ع) عرفها بما وصفها به جبرئيل، او لانّ جبرئيل قال لآدم (ع) فى هذا الموضع: اعترف بذنبك واعرف مناسكك، او لانّ آدم (ع) وحوّاء التقيا فيها وعرف كلّ صاحبه، او لانّ يوم الوقوف بها يوم عرفة وسمّى يوم عرفة بعرفة لانّ ابراهيم (ع) عرف فى هذا اليوم انّ رؤياء ذبح الولد كانت رحمانيّةً لا شيطانيّةً والاتيان بالفاء الدّالّة على التّعقيب وباذا الدّالّة على الوقوع بعد الامر بابتغاء الفضل يومى الى انّ الافاضة من عرفات الدّالّة على الوقوع فيها متحقّقة مسلّمة مفروغ عنها ولا حاجة الى ان يحكم بها وهذا يناسب التّأويل فانّ السّالك الى الله والحاجّ للبيت الحقيقىّ الّذى هو القلب يتحرّج بحمل الزّاد وبابتغاء الفضل، واذا ابتغى الفضل بسبب أمره تعالى يتنزّل الى ابعد مراتب النّفس من القلب كما مرّ سابقاً واذا وقع الى انزل مراتبها لا يمكنه القرار فيها بل يفيض منها كأنّه يدفعه دافع الى طريقه لكنّه لا يصل الى البيت من دون وقوفٍ فى الطّريق فيقف فى المزدلفة ثمّ فى منى ثمّ يفيض منه الى مكّة القلب فكان الوقوع فى عرفات والوقوف لازم لابتغاء الفضل والافاضة منها لازمة للوقوع فيها، وهكذا الوقوف بالمزدلفة والمنى {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} بالوقوف فيه ليلة النّحر وباداء الصّلاة الفريضة والادعية والاذكار المأثورة وغير المأثورة، وفى تفسير الامام (ع) أنّه قال: بآلائه ونعمائه والصّلاة على سيّد انبيائه وعلى سيّد اصفيائه {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} اى مثل الذّكر الّذى هداكم اليه على لسان نبيّه (ص) او من اجازة نبيّه (ص)، وهذا يدلّ على ما قالته العلماء الاعلام وعرفاء الاسلام انّ العمل اذا لم يكن بتقليد عالمٍ حىٍّ لم يكن مقبولاً ولو كان مطابقاً. وقال الصوفيّة: انّ الذّكر اللسانىّ او القلبىّ اذا لم يكن مأخوذاً من عالمٍ مجازٍ من اهل الاجازة وعلماء اهل البيت لم يكن له أثر ولا ينتفع صاحبه به، ويحتمل ان يكون ما مصدريّةً او كافّةً والمعنى اذكروه ذكراً يوازى هدايته لكم وعلى اىّ تقديرٍ يستنبط التّعليل من اعتبار حيثيّة الهداية ولذلك قيل: انّ هذه العبارة للتّعليل {وَإِن كُنْتُمْ} ان مخفّفة من المثقّلة {مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} الجملة حالية.

الأعقم

تفسير : {الحج اشهر معلومات} يعني ان الاحرام فيها أفضل والأشهر هي شوال والقعدة وعشر من ذي الحجة عن ابن عباس {فمن فرض فيهن الحج} أي أوجب، قيل: بالاحرام، وقيل: بالتلبيَة، وقيل: بالعزم، وعند الشافعي بالنيَّة {فلا رفث} قيل: اراد مواعدة النساء والتعريض للجماع {ولا فسوق} قيل: ما نهي عنه المحرم من قتل الصيد وغيره، وقيل: هو السباب والتنابز بالألقاب لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : سبُّ المسلم فسقٌ وقتاله كفرٌ" تفسير : {ولا جدال} قيل: لا مراء مع الرفقاء والخدم، وقيل: لا شك في الحج {وتزودوا فان خير الزاد التقوى} قيل: من الطعام، وقيل: من الطاعات، وقيل: من الأعمال الصالحة قال: شعر : اذا انت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمتَ على أن لا تكون كمثله وانك لم ترصد كما كان راصدا تفسير : وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا ويكونون كَلاً على الناس فنزلت فيهم {يا أولي الالباب} يا أولي العقول {ليس عليكم جناح} الآية، قيل: كانوا يتأثمون بالتجارة في الإحرام في صدر الإسلام ويمتنعون منها فنزلت الآية، وقيل: ان قوماً قالوا: ليس للتاجر ولا للأجير ولا للجمال حج فنزلت {فاذا أفضتم من عرفات} سميت عرفات لتعريف جبريل (عليه السلام) المناسك ابراهيم (عليه السلام)، أو لمعرفة آدم حواء هناك، أو لتعارف الناس هناك، أو لاعترافهم بذنوبهم، قوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} هو جانبا جبل المزدلفة قيل: بالتلبية والدعاء، وقيل: الجمع بين صلاة المغرب والعشاء {واذكروه كما هداكم} لدينه {وان كنتم من قبله لمن الضالين} قيل: من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ثم افيضوا من حيث افاض الناس} قيل: الخطاب لقريش وحلفائها وهم الحُمسُ، وكانوا يقفون بالمزدلفة ويفيضون منها وسائر الناس بعرفة ويقولون نحن أهل الله وخاصته فلا نخرج من حرمه فأمرهم الله تعالى بالوقوف بعرفة وان يفيضوا كما افاض الناس قيل: الناس آدم {واستغفروا الله} من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جهلكم {فاذا قضيتم مناسككم} وما امرتم به من حجكم ومتعبَّداتكم، وقيل: الذبح {فاذكروا الله} قيل: بالتكبير أيامِ منَى، وقيل: بسائر الادعيَة، وقيل: بالتوحيد {كذكركم آباءكم} قيل: كانوا يذكرون آباءهم ومفاخرهم كان الرجل يقول: كان ابي يقري الضيف ويطعم الطعام وينحر الجزر فاعطني مثله فنزلت الآية، وقيل: كما يذكر الصبيُّ أبويه {ربنا آتنا في الدنيا} اعطنا من أموال الدنيا ابلاً وبقراً وغنماً وعبيداً ونحوه {وما له في الآخرة من خلاق} أي حظ ونصيب {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة}، وقيل: نعم الدنيا ونعم الآخرة، وقيل: العلم والعبادة في الدنيا والجنة في الآخرة، وقيل: في الدنيا حسنة المرأة الصالحة {وفي الآخرة حسنة} الحور العين.

الهواري

تفسير : قوله: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} ذكر جماعة من العلماء أنها شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ} أي فمن أَوجب فيهن الحجَّ. ذكر بعضهم أن عكرمة لقى أبا الحكم البجلي فقال: أنت رجل سوء، يقول الله: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ}، وَأَنْتَ تُهِل بالحج في غير أشهر الحج موجهاً إلى خراسان أو إلى كذا وكذا. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: لا يهل بالحج في غير أشهر الحج. ذكر أنه ذكروا للحسن رجلاً يحرم من السنة إلى السنة، فقال: لو أدركه عمر بن الخطاب لأوجع له رأساً. وقال: في أي شهر أحرم فقد وجب عليه الإِحرام؛ وأحسن ذلك أن يكون في أشهر الحج. قوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ذكر عطاء عن ابن عباس أنه قال: الرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدَال أن يُماري بعضهم بعضاً حتى يغضبوا. قوله: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ}، يعني التطوّع والفريضة. وهو كقوله: (أية : وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ) تفسير : [آل عمران:115]. قوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}. قال بعض المفسرين: كان أناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون، فأمرهم الله بالزاد والنفقة في سبيله، وأخبرهم أن خير الزاد التقوى. وقال الحسن: يقول: إذا أراد أحدكم سفراً تزوّد لسفره خيراً. قوله: {وَاتَّقُونِ يَا أُْولِي الأَلْبَابِ} يعني يا أولي العقول، وهم المؤمنون. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} ذكر عن عبيد الله بن أبي يزيد أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير، وبلغه أن أناساً يأنفون من التجارة في الحج فقال: يقول الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} يعني به التجارة في مواسم الحج. ذكروا عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالتجارة في الحج، في الفريضة وغيرها. قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ}. ذكر بعض المفسّرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفات بعد غروب الشمس. ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تدفعوا حتى يدفع الإِمام فإنها السنة . تفسير : ذكر عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاض من عرفات قال: حديث : يا أيها الناس عليكم بالسكينة، لا يشغلنّكم رجل عن الله أكبر . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل عرفة موقف، وارتفعوا عن عرَنَة، وكل جمع موقف، وارتفعوا عن محسِّر . تفسير : ذكروا أن عمر بن الخطاب أفاض من عرفات وبعيره يجتر، أي: إنه سار على هيئته. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن عُرَنة. ذكروا عن عطاء أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من وقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج . تفسير : ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفات، والعمرة الطواف. قوله: {فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ} قال بعض المفسّرين: هي ليلة المزدلفة، وهي جمع. وإنما سمي جمعاً لأنه يجمع فيه بين المغرب والعشاء. ذكر أبو الطفيل أن ابن عباس قال: إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمع فقال: هذا المشعر الحرام. ذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال: ألا لا صلاة إلا بجمع، ألا لا صلاة إلا بجمع، ألا لا صلاة إلا بجمع، يعني المغرب والعشاء. وذكروا عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا يصلي المغرب والعشاء ولو انتصف الليل إلا بجمع. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن رسول الله لما صلى الصبح وقف بجمع، ثم أفاض. ذكروا أن إبراهيم النبي عليه السلام بات بجمع، حتى إذا كان من الغد صلّى صلاة المعجلة، ثم وقف إلى صلاة المصبحة ثم أفاض. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلع الفجر صلى الصبح، ثم وقف. وذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال: رأيت أبا بكر الصديق واقفاً على قزح وهو يقول: يا أيها الناس اصبحوا. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع قبل طلوع الشمس. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح ثم وقف عند المشعر الحرام فقال: حديث : قد وقفت هاهنا والمزدلفة كلها موقف تفسير : .ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول: ما بين الجبلين كله موقف. قوله: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} أي: في مناسككم وحجكم ودينكم كله.

اطفيش

تفسير : {الحجُّ أشهرٌ مَعْلومَاتٌ}: لا يخفى أن الحج ليس نفس الأشهر، فيتم الكلام بتقدير، أى الحج حج أشهر معلومات دون الحج فى غير تلك الأشهر، وقد كانوا يحرمون الحج فى غير أشهره ويقضونه فى أشهره، وكانوا أيضاً يحجون فى غير أشهره على مقتضى النسئ، فحذف المضاف آخراً، روى الربيع عن أبى عبيدة: حديث : لما أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحج الوداع، وهى حجة التمام، فوقف بعرفات فقال: "يا أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، فلا شهر ينسى ولا عدة تحصى، ألا وإن الحج فى ذى الحجة إلى يوم القيامة"تفسير : ، أو الحج وقته أشهر معلومات أو حذف المضاف أولا وهو زمان، وناب عنه المصدر، كقولك صلاة العصر موعدنا، أى وقت العصر. قال ابن هشام: إذا احتاج الكلام إلى حذف مضاف يمكن تقديره مع أول الجزأين، ومع ثانيها، فتقديره مع الثانى أولى نحو الحج أشهر، فكون التقدير الحج حج أشهر معلومات، أو من تقدير أشهر الحج أشهر معلومات، لأنك فى الوجه الأول قدرت عند الحاجة إلى التقدير، ولأن الحذف من آخر الجملة أولى. انتهى. وتقدم كلام فى قوله عز وجل: {ولكنّ البرَّ منْ آمن باللهِ} وهن شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذى الحجة بيوم النحر، وعنهما: شوال وذو القعدة كله، وبالرواية الأولى عن ابن عباس، يقول أبو حنيفة وقول الشافعى، وهو قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير والحسن وابن سيرين والشعبى والثورى، وأبو ثور، وبالراية الأولى، عن ابن عباس يقول ابن عمر وعروة بن الزبير، وعطاء وطاووس والنخعى وقتادة ومكحول والضحاك، والسدى وأحمد بن حنبل، وبالرواية الثانية عن ابن عباس يقول ابن عمر والزهرى، واحتج الشافعى بأن الحج يفوت بطلوع الفجر المنتشر الذى تحل به الصلاة من يوم النحر، والعبادات لا تفوت مع بقاء وقتها، وبأن الإحرام بالحج لا يجوز فيه، وحجة ابن عباس فى الرواية الأولى عنه أن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، وأن فيه طواف الإفاضة، وهو تمام أركان الحج وحجته فى الرواية الثانية عنه أن الله تعالى ذكر وقت الحج بصيغة الجمع وهو أشهر، وأقل الأشهر ثلاثة، وأن كل شهر أوله من أشهر الحج قد كان آخره كذلك، ومن قال ليلة النحر من أشهر الحج أجاز للإنسان أن يحرم فيها، ويقف بعرفات مقدار الباقيات الصالحات قبل طلوع فجر الصلاة، وأما تسمية يوم النحر وما بعده لآخر الشهر من أشهر الحج فباعتبار أنه يعمل فيها ما بقى من المناسك كالرمى والطواف والسعى، وإنما ذلك اختلاف فى تفسير أشهر الحج المذكورة فى الآية، فبعض فسرها بما يصح فيه الإحرام بالحج والوقوف، وبعض فسرها بذلك مع ما يعمل فيه ما بقى من المناسك، وإن قلت: من قال ذو الحجة كله، فلا إشكال عليه، أما القائلون ببعضه فكيف يسمى وقت الحج أشهراً مع أنه لم يتم ثلاثة أشهر؟ قلت: الذى عندى أنه لا إشكال، لأن المعنى أن الحج يعمل فى ثلاثة أشهر، لأنه إذا كان يعمل فيه بعض ذى الحجة صح أن يقال أنه عمل فى ذى الحجة، كما تقول عملت كذا فى شهر كذا، وإنما عملته فى ستة منه، ولا سيما أن ذا الحجة كله يعمل فيه باقى الحج، وأما إن يقال أطلق بعض الجمع على ما فوق الواحد مجازا أو حقيقة، فلا يصح هنا عندى لأنه ليس المراد هنا شهرين فقط، فلو قلنا بذلك لتعطلت البقية، بل لو قيل إن أشهر جمع شهر الحقيق وشهر المجاز بعلاقة البعضية أو الكلية أو علاقتهما لكان أولى من هذا الذى ذكرت أنه لا يصح، ولو كان جمع اللفظ الحقيقى والمجازى فى صيغة واحدة مرجوحاً مختلفاً فيه، وتجوز العمرة عندنا فى باقى السنة، وكره مالك العمرة فى باقى ذى الحجة، زاعماً أن وقت الحج ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقاً، وكذلك قيل عن عمر وابن عمر وعروة أن العمرة غير مستحبة فى باقى ذى الحجة، فكأنه مخصص للحج وكان شهر حج لا غير، وكان عمر فيما قيل يصرب الناس بالدرة على العمرة فى باقيه وينهاهم، وقال ابن عمر لرجل: إن أطعتنى انتظرت حتى إذا أهللت المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة، وقالوا: لعل مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر، وكره أبو حنيفة الإحرام بالحج قبل شوال وأمضاه إن وقع، زاعماً أن المراد بوقته وقت أعماله ومناسكه، فأجاز الإحرام به قبل شوال دون أعماله ولا معارضة بين هذه الآية وقوله: {أية : مَوَاقيتُ للنَّاس والحجِّ}تفسير : لأن المعنى أن الأهلة مواقيت للحج ولغير الحج، وهذه الآية فى الحج فقط، فهى خصوص من عموم، أو قوله: {مواقيت} يفيد بظاهره أن الأهلة كلها مواقيت للناس، وكلها مواقيت للحج، فكانت هذه تفسير أن ميقات الحج أشهر معلومات فقط، ولك أن تقول أشهر السنة مواقيت للحج بمعنى أن حساب أشهر الحج متوقف على حساب الأشهر قبلها، وذكروا أن عكرمة لقى أبا الحكم البجلى وقال: أنت رجل سوء، يقول الله {الحج أشهر معلومات}. {فَمَنْ فَرَض فِيهنَّ الحجَّ}: وأنت تهل بالحج فى غير أشهر الحج متوجهاً إلى خراسان وإلى كذا وكذا، قال جابر بن عبد الله: لا تهل بالحج فى غير أشهر الحج، وذكروا رجلا للحسن أنه يحرم من السنة إلى السنة. فقال: لو أدركه عمر بن الخطاب لأوجع له رأساً، والمذهب أنه لا ينعقد الإحرام بالحج قبل شوال، وكذا قال ابن عباس والشافعى وأحمد وإسحاق، لأن الله جل وعلا قال: {أشْهُرٌ معلوماتٌ}، وقال: {فمن فرض فيهن الحج} فلو كان ينعقد فى غيرهن لم يكن وجه للتخصيص، وزعم مالك والثورى وأبو حنيفة فى أى شهر من شهور السنة عقد الإحرام بالحج انعقد، وأحسن ذلك أن يكون فى أشهر الحج، ووجهه أن الإحرام إلزام الحج، فجاز تقديمه على الوقت كالنذر، وأن الله تعالى جعل الأهلة كلها مواقيت للحج بقوله: {أية : قُلْ هىَ مواقيتُ للنَّاس والحجِّ}،تفسير : قلنا: ليس كذلك، أما قوله تعالى {أية : قل هى مواقيت للناس} تفسير : فقد تقدم الكلام فيه، وأما كون الإحرام إلزام الحج فجاز تقديمه كالنذر، فيبحث فيه بأنه لم يخاطب بالحج قبل أشهره فلم يصح الإحرام قبلهن، كما أنه لم يخاطب بالظهر قبل الزوال، فلم تصح قبله. ولم يخاطب بصوم رمضان قبل رمضان، فلم يصح فى شعبان مثلا، وكذا سائر الفروض المؤقتة، فإنه لا يصح تقديمها إلا ما قام الدليل عى جواز تقديمه، كتقديم الزكاة لحاجة الفقراء، وبأن النذر لا يصح تقديمه على وقته فلما قدم لم يجزه معنا فرض الحج ألزمه نفسه إلزام وفاء به وإيقاع، أو جزم به بالدخول فيه، وإنما ذلك فى النية والتلبية به عندنا، لأن الحج له أول وآخر تحريم وتحليل، فلم يصح الدخول فيه بمجرد النية، كام لا يصح الدخول فى الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام مع النية، ألا ترى كيف ورد فى الشرع قولهم: الإحرام وأحرم ومحرم، وإحلال وأحل ومحل ونحو ذلك؟ كما ورد فى الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم؟ وزعم الشافعى ومالك: أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية بلا تلبية، لأن فرض الحج فى قوله: {فرض فيهن الحج} عبارة عن نواه وإلزامه، وأما التلبية فتتبع. وقال أبو حنيفة: لا يصح الشروع فى الإحرام إلا بالنية والتلبية، أو بالنية وسوق الهدى، وإنما قال فرض فيهن ولم يقل فيها، لأن الأفصح فى جمع القلة، وما وافقه فى قلة العدد ذلك، ولو قال فيها لكان فصيحاً، قال أبو عثمان المازنى شيخ المبرد الجمع الكثير لما لا يعقل يأتى كالواحدة المؤنثة والقليل لبس كذلك، تقول الأجداع انكسرن والجدوع انكسرت، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله} إلى قوله: {منها أربعة حرم}، فلم يقل منهن، لأن الأحد عشر كتير فصاعداً، وقيل العشرة فصاعدا. {فَلاَ رفَثَ}: لا جماع ولا موصلا إليه من فحش الكلام، ومن نحو القبلة، قاله ابن عباس وهو أولى لعمومه، وقال: ما يكون من فحش الكلام بغيبة النساء، فليس برفث، وما كان بحضرتهن فهو رفث، ولو كن غير أزواجه. وعن ابن عباس: الرفث الجماع، وكذا قال مجاهد ومالك، وهو رواية عطاء عن ابن عباس: ولعله بعدما فسره بالجماع ظهر له زيادة دواعيه، أو أشار بالجماع إل دواعيه، فإن للوسائل حكم المقاصد، وقيل: الفحش والخناء والقول القبيح، وقيل: اللغو من الكلام، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب ". تفسير : {ولا فُسُوقَ}: لا معصية، وهو مصدر فسق مفرد لا جمع، فهو كالقعود، ويجوز أن يكون جمع فسق، والأول أولى، لأن ما قبله وما بعده مفرد، ولأن نفى بلا الاستغراقية كاف فى العموم وأنص فى العموم. كأنه قيل لا معصية من المعاصى، وهذا قول المحققين، قال ابن عباس: هو المعاصى، كلها، فقال هو ولم يقل هى، فدل على أنه مفرد، وفى رواية عنه هى المعاصى بالتأنيث، ولا دليل فيها على أنه جمع، لجواز أن يكون إنما قال هى باعتبار الخبر وهو المعاصى، وتفسير بالمعاصى كلها قول طاووس والحسن وسعيد بن جبير، وقتادة، والزهرى، والربيع ومحمد بن كعب القرظى، وقال ابن زيد ومالك: الفسق الذبح للأصنام كقوله تعالى: {أية : أو فسقا أُهلَ لغير الله به} تفسير : وقيل: التنابز بالألقاب والتساب، والتحقيق عموم المعاصى لعموم اللفظ وتخصيص بعضها تحكم، وقال ابن عمر: الفسوق هو ما نهى عنه المحرم فى حال الإحرام من قتل الصيد، وتقليم الأظفار، وإلقاء النفث ونحو ذلك، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"تفسير : رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة، وسميت المعاصى وما ذكر فسقاً، لأنها خروج عن حدود الشرع وهى لغة الخروج. {ولاَ جِدالَ}: لا خصام مع الخدم والرفقة والمكارين وغيرهم. {فى الحجِّ}: قال ابن عباس وغيره: الجدال أن تمارئ مسلماً، وقال ابن زيد ومالك: الجدال أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كما يفعلون فى الجاهلية، وقيل: إن الجدال هنا مخالفة قريش سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام، فنفى جواب ذلك فليقفوا كسائر العرب بعرفة، وكان بعض العرب يحج فى ذى القعدة، وبعض فى ذى الحجة وكانت قريش تقول: الصواب مع وقوفنا بالمشعر الحرام، وغيرهم يقول: الصواب مع وقوفنا بعرفة، ومن يحج فى ذى الحجة يقول: الصواب معى، ومن يحج فى ذى القعدة يقول: الصواب معى، فنزلت الآية تخبر أنه لا جدال فى الحج، وأن الأمر قد استقر على ما فعله رسول الله صلى الله عليهِ وسلم، من الوقوف بعرفة تاسع ذى الحجة، وما قاله صلى الله عليه وسلم من: "حديث : أن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض"تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الجدال فى الحج أن يمارئ الرجل صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه، وقيل: هو قولهم كيف نجعل حجتنا عمرة وقد سمينا الحج، حين قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع، وقد أحرموا بالحج: "حديث : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى"تفسير : وقيل: الجدال أن يقول الرجل: الحج اليوم ويقول، الآخر: الحج غداً، أو يقول يوم كذا ويقول الآخر: الحج فى غيره، وقيل المعنى لا شك فى الحج أنه فى ذى الحجة فأبطل النسئ والله أعلم. وفى الحج خبر للأولى والثانية والثالثة انفردت كل باسم، واشتركن فى الخبر بناءاً على جواز عمل عاملين وأكثر فى معمول واحد، إذا اتفق معنى العوامل وعملهن، وإن شئت فقدر لكل واحدة من الأولين خبراً دل عليه خبر الثالثة أو هو خبر للأولى، ويقدر للثالثة والثانية أولا الثانية والثالثة صلتان للتأكيد، ومدخولهما معطوف على مدخول الأولى والخبر للأولى، وقرأ ابن كثير وأبو عمر: ولا رفثٌ ولا فسوقٌ والتنوين قيل حملا على معنى النهى أى لا يكونن رفث ولا فسوق، وقرأ: ولا جدال بالفتح إخبار، لا خلاف ولا شك فى الحج أنه فى عرفة فى ذى الحجة، وقرئ برفع الثلاثة منونة على معنى النهى، والمرفوع مبتدأ، أو إسم لا عاملة كليس، وعملها كليس ضعيف ولا سيما إن قلنا خبرها هو قوله: {فى الحج}، والآية تحتمل عندى أوجها: الأول أن يكون لفظها إخباراً ومعناها نهيا، أى فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل فى الحج، ونكتة المجئ بها فى صورة الإخبار الإشارة إلى أن تلك الثلاثة بالغة فى القبح مبلغاً عظيماً، حتى إنها لا يرتكبها عاقل، وكأنهم زجروا عنها فازدجروا، فهو يخبر بانتفائها للانتهائهم عنها، كما تبالغ فى الطلب، فتجئ به بصورة الإخبار، كأنه مجاب، فصرت تحبر بوقوعه، تقول رحمك الله ورضى عنك، والوجه الثانى أن يكون اللفظ إخباراً بعضاً ومعنى بالنظر إلى التكليف بترك الثلاثة، أى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج المشروع، وإن وقع ذلك فى حج فليس بالحج المأمور به، المشروع ولا ثواب فيه، فإن المشروع المأمور به مجرد عن ذلك الوجه الثالث؛ كون الأولين بمعنى النهى كالوجه الأول، والثالث إخبار بارتفاع مخالفة بعض العرب فى وقت الحج وهو ضعيف. وهذه الأوجه كلها محتملة على القراءات كلها إذ لا فرق، غير أن لا العاملة عمل إن نص فى نفى الجنس، والمهملة والعاملة عمل ليس تحتمل نفى الواحدة، وتحتمل نفى الجنس، والمتبادر نفى الجنس؛ لوقوع النكرة فى سياق السلب. ثم إن الأولى فى قوله {ولا جدال} نفى الجدال مطلقاً فى مخالفة بعض العرب، وفى أمور المناسك، وفى الأمور الشرعية، وفى كل أمر ولا حاجة إلى حصره فى ما استقرت قواعد الحج الآن على خلافه من مخالفة بعض العرب، ويناسب الوجه الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصوم جنة فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إنى أمرؤ صائم"تفسير : ولكن مجرد مناسبته. وقد جرد ابن العربى الأندلسى المالكى تلميذ الغزالى فى المسجد الحرام على الأول فى كتاب له سماه "أحكام القرآن" إذ قال: قوله تعالى: {فَلاَ رفَثَ وَلاَ فُسُوقَ}، أراد نفيه مشروعاً لا موجوداً فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله سبحانه وتعالى لا يقع بخلاف مخبره. انتهى. لكن فى عبارته اختصاراً، أراد فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، وأراد نجد الرفث والفسوق والجدال ونشاهدها، ويحتمل الوجه الثالث، لكن لم أقتصر على قوله نجد الرفث، ولم يذكر الفسوق، وكذا حمل القفال - وهو من الشافعية - الآية على النهى إذ قال: ويدخل فى هذا النهى ما وقع من بعضهم من مجادلة النبى صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فشق ذلك عليهم وقالوا أنروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا، وإن قلت الفسق والجدال غير الجائز محرمان فى الحج وغيره، وكذا الرفث غير الجائز، قلت: نعم لكن ما قبح فى غير الحج كان فى الحج أقبح، لأنه عبادة مختصة خارجة عن العادة، ومقتضى الطبع، ألا ترى منع تغطية الرأس ولبس المخيط والطيب ونحو ذلك، ولأنه كالذهاب للآخرة، وكشأن مواقف الآخرة ذلك كلبس الرجل الحرير فى غير الحرب، وفى غير ضرورة فإنه قبيح، ولبسه فى الصلاة أو فى الحج قبح، وكمد الصوت فى القراءة واللفظ لزيادة التحسين حتى تخرج الحروف عن هيئتها، فإنه قبيح ولا سيما بالقرآن ولا سيما فى الصلاة. {وما تَفْعلُوا منْ خَير}: كالصدقة وسائر العبادات الواجبة وغير الواجبة. {يَعْلَمْهُ الله}: فيجازيكم عليه، فحذف الفاء ومعطوفها، أو كَنَّى بالعلم عن المجازات، لأنه سببها وملوزمها، وذلك حث فعل الخير عقب الزجر عن الشر؛ ليفعلوا الخير مكان الشر عموماً، ويحسنوا الكلام بدل الرفث، ويبروا مكان الفسق ويوافقوا على الصواب، ويتخلقوا بالصواب عوض الجدال، ويجوز أن يراد بفعل الخير: ترك الرفث والفسوق والجدال، أو ترك ذلك، والوفاء بمناسك الحج، والتعميم أولى، روى أسامة بن زيد عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صنع إليه معروفاً فقال لفاعله جزاك الله خيراً فقد أبلغ فى الثناء"تفسير : رواه الترمذى والنسائى وابن ماجة، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار حين أووه ونصروه وقاتلوا معه، وقاسموا الأموال للمهاجرين وقالوا المنة لله ورسوله علينا: "ما رأينا كالأنصار" وإن قلت: هو عالم بالخير والشر ومجاز عليهما معاً فلم ذكر الخير وحده؟ قلت: لأن المقام مقام جلب للخير بعد الزجر عن الشر، وللإشعار بأنه كريم جواد، ألا ترى أن الجواد الكريم من الناس كيف يذكر الخير ويجازى به أضعافاً ويفضى عن الشر والجزاء به. {وتَزَوَّدُوا}: اكتسبوا الأعمال الصالحات وتحفظوا عما يفسدها، توافوا بها القيمة كما يتحفظ الإنسان على زاده فى سفره ليلا ينقطع به. {فإن}: أى لأن. {خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}: وذلك أن الزاد نوعان: زاد المسافر فى الدنيا وزاد الآخرة وهو العمل الصالح، ولا شك أن أفضل الزادين هو زاد الآخرة لأنه الموصل للخير الدائم البالغ نهاية الكثرة والحسن، قال ابن هشام اللخمى: حدثنى خلاد بن قرة بن خالد السدوسى وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم، أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد الإسلام فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا وما ذاك من عشق النساء وإنما تناسيت قبل اليوم خلة مهددا ولكن أرى الدهر الذى هو خائن إذا صلحت كقاى عاد فأفسدا كهولا وشباناً فقدت وثروة فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع وليدا وكهلا حين شبت وأمردا وابتدل العيس المراقيل تعتلى مسافة ما بين النجير فصرخدا ألا أيها السائلى أين يممت فإن لها فى أهل يثرب موعدا فإن تسألن عنى فيارب سائل حفى عن الأعشى به حيث أصعدا أجدت برجليها النجاء وراجعت يداها خنا فالينا غير أحردا وفيها إذا ما هجة عجرفية إذا حلت حرباء الظهير أصيدا وآليت لا أرثى لها من كلالة ولا من حفى حتى تلاقى محمدا متى ما تناخى عند باب ابن هاشم تراجى وتلقى من فواضله ندا نبى يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا له صدقات ما تغب ونائل وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسع وصاة محمد نبى الإله حين أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله فترصد للأمر الذى كان أرصدا فإباك والميتات لا تقربنها ولا تأخذن منهما حديدا لنقصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا ولا تقربن حرة كان سرها عليك حراماً فانكحن أو تأبدا وذا الرحم القربى فلا تقطعنه لعاقبة لا والأسير المقيدا وسبح على حين العشيات والضحى ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ولا تحسبن المال للمرء مخلدا تفسير : قال السهيلى ووقع فى رواية غير ابن هشام بعد قوله أجدت برجليها إلى آخره: شعر : فأما إذا ما ادلحب فترى لها رقيبين نجما ولا يغيب وفرقدا تفسير : وبعد قوله نبى يرى إلى آخره: شعر : به أنقد الله الأنام من العمى وما كان فيهم من يريع إلى الهدى تفسير : وليلة أرمد اعتماض ليلة أرمد ومهدد فعلل من المهد بأصالة الميم وزيادة الدال الآخرة إلحاقاً بجعفر لا معفل من الهدو إلا لأدغم كمرد ومفر إلا أن يقال فك ضرورة، لكن هذا خلاف الأصل ولا دليل عليه والاهية المائل العنق، يصف ناقته كأنها الجرياء المائلة مع الشمس لنشاطها، وخنفت الدابة مالت بيدها، والحرد الاعوجاج والنجير وصرخد بلدان، فمنع صرف صرخد للعلمية وتأنيت البلدة أو البقعة أو نحو ذلك، والغور ما انخفض من الأرض، والنجد ما ارتفع منها، والسر النكاح، والتأبد التعزب، يريد الترهب لأن الراهب أبدا عزب، فقيل له متأبد مشتق من لفظ الأبد، وفى رواية: وإنك لم ترصد كمن كان أرصدا، وقيل كما رواه البخارى: نزلت الآية فى ناس من اليمن يخرجون إلى الحج من غير زاد، ويقولون نحن متوكلون، ويقولون نحج بيت ربنا إلا فأطعمنا، ويكونون عيالا على الناس، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، وربما أفضى بهم الحال إلى النهب والغصب، وعلى ذها فمعنى قوله: {تزوَّدُوا} خذوا الزاد للسفر، فيكون معنى قوله: {فإن خير الزاد التقوى} فإن أفضل الزادين زاد السفر وزاد الآخرة لهو التقوى، فإذا لم تزودوا للسفر وقعتم فى سؤال الناس، وفى أكل مال الناس بالباطل، فتخرجوا عن التقوى، أو فإن خير الزاد ما يتقى به سوال الناس، أو أكل مالهم بالباطل. {واتَّقُون}: خافونى خوف إجلال، أو خافوا عقابى، أو احذروه، أو اعبدونى، وأثبت أبو عمرو الياء بعد نون اتقونى فى الوصل. {يا أُولى الألْباب}: يا ذوى العقول، فإن اللب داع إلى التقوى، إذا عرى من شوائب الهوى، ولذلك خص أولى الألباب بهذا الخطاب.

اطفيش

تفسير : {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَٰتٌ} عن الناس، وقت الحج أشهر، أو الحج ذو أشهر، شوال، وذو القعدة وعشرة من ذى الحجة، ولا يشكل علينا الجمع، لأن المعنى أن الحج يوقع فى ثلاثة أشهر، والأمر كذلك فإنه يوقع فى التسعة الأولى وفى ليلة النحر للمراهق، فذو الحجة بذلك محل للحج، بل يوقع باقى أعلمه أيضا بعد ذلك، ولا يلزم من كون شهر محلا لكذا أن يكون فى كل يوم منه، تقول فعلت كذا سنة كذا، وإنما فعلته فى ساعة منها أو عشرون من ذى الحجة أو ثلاثون، ووقت العمرة السنة كلها، وقيل نزل بعض الشهر منزلة الشهر فى قوله أشهرن إذ لم يقل شهران وعشرة أيام أو شهران وعشرون يوما، وزعم بعض أن الجمع المركب من آحاد بعضها حقيقة. وبعضها مجاز، ليس جمعا بين الحقيقة والمجاز، وليس كذلك عندى، وأجاز الشافعية الجمع بينهما، وزعم بعض أن الآية على أن أقل الجمع اثنان مجازا حقيقة، وأما من قال ثلاثون يوما فقد أتم ثلاثة أشهر، ومذهبنا الأول، فلا يفوت طواف الزيارة والسعى ما دام غير ناقض لإحرامه، ولو عاما أو أكثر، وفاته بالعشرين على الثانى وبالثلاثين على الثالث فيقضى الحج مستأنفاً على القولين، ونسب الثالث لمالك فى رواية عنه، وابن عمر، والزهرى، وروى عن الشافعى شاذًّا، وأما الإحرام به فلا يجوز بعد عرفة وأجازه الشافعى ليلة النحر شاذًّا مردوداً، وعن إملاء الشافعى يجوز الإحرام به فى جيمع ذى الحجة وهو أشذ وأبعد، وأما الوقوف فلا يصح إلا فى يوم عرفة فى عرقة، إلا المراهق فله الوقوف فيها ليلة النحر، وعن أبى حنيفة شهران وعشرة لأن الطواف ركن ويوقع فيه لا قبله، والخلاف لفظى، فإن ما قبل طلوع فجر النحر وقت الإحرام، والركن الأعظم، وهو الوقوف، وما بعد ذلك وقت للركن العظيم، وما ليس ركنا، وزعم أبو حنيفة فيما قيل عنه، أنه يجوز الإحرام قبل شوال بالحج على كراهة، والتحقيق أنه أجازه قبله، لأنه عنده شرط كالوضوء للصلاة {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} على نفسه بالإحرام به مع النية ولو بلا لفظ، ومع التلبية به مع اللفظ والقصر للدخول فيه، كالدخول فى الصلاة، هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة بالتلبية مع النية أو سوق الهدى معها أيضا، لأن الإحرام فى الحج عقد على الأداء، فلا بد معه من ذكر، وهو التلبية أو ما قام مقامه وهو السوق كالإحرام فى الصلاة، وقال الشافعى تجزى النية بلا لفظ ولا تلبية، لأن الإحرام التزام الكف عن المحظ رات فيصير شارعا بالنية كالصوم، ومن أفسد حجا أو عمرة ولو نفلا لزمه قضاؤها، ولو عند من لا يوجب قضاء نفل العبادة منا، وكذا قال الشافعى وأبو حينفة، وقوله فيهن، دليل على أنه لا يصح الإحرام بالحج فى غير أشهره، قيبطل، وقيل يصير عمرة، وأجيب بأن المراد بفيهن الكمال ونفى الكرامة، وليس كذلك، فإن قوله أشهر معلومات نص فى تخصيص أشهر، وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا ينبغى لأحد أن يحرم بالحج إلا فى أشهره"تفسير : ، أراد به التحريم، بدليل الأحاديث الفاصلة على أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره {فَلاَ رَفَثَ} فى الحج ولا جماع كما تعورف شرعا، أو فلا فحش كلام فى أمر الجماع ومقدماته، وهو المعنى الحقيقى للرفث، وعليه فبالأولى أن لاجماع {وَلاَ فُسُوقَ} فى الحج ولا غيره، ومنها السب والنبز باللقب، فمن فعل كبيرة بعد الإحرام لزمه دم {وَلاَ جِدَالَ فِى الْحَجِّ} فى أيامه بعد الإحرام به، ولو مع المكارى أو الخادم أو الرفقة، ومن جادل حتى أغضب أو غضب لزمه دم، ولو فى الحق والمباح، وقيل المراد لا جدال فى أيام الحج ولو قبل الإحرام، واللفظ إخبار، والمعنى إنشائى أى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، أو إخبار لفظا ومعنى، أى لا يثبت ذلك فى دين الله، وإن كان فمن دين الجاهلية والشيطان، والفسوق محرم على الحاج وغيره وذكر هنا لمزيد التغليظ، كالنهى عن لبس الحرير فى حق الرجل حال الصلاة، مع أنه محرم فى غيرها أيضا، أو الفسوق بمعنى الخروج، أى لا تخرجوا عن حد الشرع إلى المعصية ولو صغيرة، وإلى ما لا يجوز فى الإحرام كلبس المخيط والتطيب والصيد، وزعم بعض أن الجدل بالحق غير منهى عنه، ويرده مخالفة ظاهر الآية، وأنه يقضى إلى شر، وقد قال عز وجل "أية : فلا تمار فيهم" تفسير : [الكهف: 22] الأمر لظاهر، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك المراء وهو محق بنى له بيت فى أعلى الجنة، ومن تركه وهو مبطل بنى له فى ربضها"تفسير : ، وغير ذلك وعدم ذكره فى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" تفسير : لا يدل على عدم النهى عنه لأن عدم ذكر الشىء لا يدل على انتقائه ويروى أن معنى لا جدال فى الحج، اتركوا الخلاف فى الحج إذ كانت قريش تقف بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة، وكانوا يقدمون الحج عاما ويؤخرونه عاما، فأنزل الله ذلك فنقول أيضاً لا جدال فى ذلك ولا في غيره ولم يضمر للحج لتأكيد شأنه {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} كالكلام الحسن مكان الرفث والبر، والتحصن مكان الفسوق، والوفاق بالأخلاق الحميدة مكان الجدال فى الحج وغيره كالصدقة والصوم والنفل وسائر العبادة {يَعْلَمْه اللهُ} فيجازيكم به، وكذلك يعلم الشر لكن لم يذكره لأن المقام مقابلة الشر بالخير، أو أراد بالعلم الجزاء {وَتَزَوَّدُواْ} لآخرتكم الأعمال الصالحة وترك ما ينهى عنه، وترك الطمع والسؤال مع وجود الغنى عنه، فمن لم يتزود لها هلك بالنار كما يموت مسافر بلا زاد {فَإِنَّ} لأن {خَيْرَ الزَّادِ} لأن الزاد شمل زاد الدنيا وزاد الآخرة {التَّقْوَى} الحذر عن ترك الفرض وفعل المحرم، ومنه الإلحاح فى السؤال بل مطلق السؤال بلا حاجة إليه مضطرة، والخروج إلى الحج بلا زاد، فيكون عيالا على الناس وثقلا عليهم، فالتحرز عن ذلك من حملة التقوى، ويروى أن حجاج اليمن كانوا يفعلون ذلك، ويزعمون أن ذلك توكل على الله، فأوحى الله، أن تزودوا ما يبلغكم ويرجعكم، كما رواه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن عباس رضى الله عنهما حتى فسروا الزاد بطعام المسافر وشرابه، طبق ما يفعل اليمانيون ويقولون نحن حجاج بيت ربنا ووفد إليه، أفلا يطعمنا، وربما أفضى بهم ذلك إلى النهب والغضب، وما ذكرته أولا هو الراجح لأنه ظاهر الآية، وعلى الأخير يكون المعنى اصنعوا الزاد لسفر الحج لأن خير الأزواد تقوى، ومن لا يصنعه يخرج عن التقوى بالطمع والسؤال {وَاتَّقُونِ يَأُولِى الأَلْبَٰبِ} فقد وضعت فيكم من العقل ما يميل بكم عن المخالفة.

الالوسي

تفسير : {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ} أي وقته ذلك وبه يصح الحمل، وقيل: ذو أشهر أو حج أشهر، وقيل: لا تقدير، ويجعل الحج الذي هو فعل من الأفعال عين الزمان مبالغة، ولا يخفى أن المقصد بيان وقت الحج كما يدل عليه ما بعد فالتنصيص عليه أولى، ومعنى قوله سبحانه وتعالى: {مَّعْلُومَـٰتٍ} معروفات عند الناس وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عندنا، وهو المروي عن ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وابن عمر والحسن/ رضي الله تعالى عنهم، وأيد بأنّ يوم النحر وقت لركن من أركان الحج ـ وهو طواف الزيارة ـ وبأنه فسر يوم الحج الأكبر بيوم النحر، وعند مالك الشهران الأولان وذو الحجة كله عملاً بظاهر لفظ الأشهر، ولأنّ أيام النحر يفعل فيها بعض أعمال الحج من طواف الزيارة، والحلق، ورمي الجمار، والمرأة إذا حاضت تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيامه بعد العشرة، ولأنه يجوز ـ كما قيل ـ تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر ـ على ما روي عن عروة بن الزبير ـ ولأن ظواهر الأخبار ناطقة بذلك، فقد أخرج الطبراني والخطيب وغيرهما بطرق مختلفة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّ الثلاثة أشهر الحج» وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك. وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه الشهران الأولان وتسع ذي الحجة بليلة النحر لأنّ الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تكون فائتة مع بقاء وقتها، قاله الرازي، وفيه أنّ فوته بفوت ركنه الأعظم ـ وهو الوقوف ـ لا بفوت وقته مطلقاً، ومدار الخلاف أنّ المراد بوقته وقت مناسكه وأعماله من غير كراهة وما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقاً ـ أو وقت إحرامه ـ والشافعي رضي الله تعالى عنه ـ على الأخير ـ والإحرام لا يصح بعد طلوع فجر يوم النحر لعدم إمكان الأداء، وإن جاز أداء بعض أعمال الحج في أيام النحر، ومالك على الثاني فإنه ـ على ما قيل ـ كره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لما روي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه كان يخوّف الناس بالدرّة وينهاهم عن ذلك فيهن، وإنّ ابنه رضي الله تعالى عنه قال لرجل: إن أطعتني انتظرت حتى إذا هلّ المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة. والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على الأول لكون العاشر وقتاً لأداء الرمي والحلق وغيرهما، وغيرها من بقية أيام النحر ـ وإن كان وقتاً لذلك أيضاً ـ إلا أنه خصص بالعشر اقتضاءاً لما روي في الآثار من ذكر العشر، ولعل وجهه أنّ المراد الوقت الذي يتمكن فيه المكلف من الفراغ عن مناسكه بحيث يحل له كل شيء وهو اليوم العاشر وما سواه من بقية أيام النحر، فللتيسير في أداء الطواف، ولتكميل الرمي، والأشهر مستعمل في حقيقته إلا أنه تجوز في بعض أفراده، فإن أقل الجمع ثلاثة أفراد عند الجمهور فجعل بعض من فرد فرداً ثم جمع، وقيل: إنه مجاز فيما فوق الواحد بعلاقة الاجتماع، وليس من الجمع حقيقة بناءاً على المذهب المرجوح فيه لأنه إنما يصح إطلاقه على اثنين فقط، أو ثلاثة ـ لا على اثنين ـ وبعض ثالث، والقول ـ بأن المراد به اثنان والثالث في حكم العدم ـ في حكم العدم، وقيل: المراد ثلاثة، ولا تجوز في بعض الأفراد لأن أسماء الظروف تطلق على بعضها حقيقة لأنها على معنى ـ في ـ فيقال: رأيته في سنة كذا أو شهر كذا أو يوم كذا وأنت قد رأيته في ساعة من ذلك ـ ولعله قريب إلى الحق ـ وصيغة جمع المذكر في غير العقلاء ـ تجي ـ بالألف والتاء. {فَمَن فَرَضَ} أي ألزم نفسه {فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} بالإحرام، ويصير محرماً ـ بمجرد النية ـ عند الشافعي لكون الإحرام التزام الكف عن المحظورات فيصير شارعاً فيه بمجردها كالصوم، وعندنا ـ لا ـ بل لا بد من مقارنة التلبية لأنه عقد على الأداء فلا بد من ذكر كما في تحريمة الصلاة، ولما كان باب الحج أوسع من باب الصلاة كفى ذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية ـ فارسياً كان أو عربياً ـ وفعل كذلك من سوق الهدي أو تقليده، واستدل بالآية على أنه لا يجوز الإحرام بالحج إلا في تلك الأشهر، كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعطاء وغيرهما إذ لو جاز في غيرها ـ كما ذهب إليه الحنفية ـ لما كان لقوله سبحانه: {فِيهِنَّ} فائدة، وأجيب بأنّ فائدة ذكر {فِيهِنَّ} كونها وقتاً لأعماله من غير كراهية فلا يستفاد منه عدم جواز/ الإحرام قبله، فلو قدّم الإحرام انعقد حجاً مع الكراهة، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه يصير محرماً بالعمرة، ومدار الخلاف أنه ركن عنده ـ وشرط عندنا ـ فأشبه الطهارة في جواز التقديم على الوقت، والكراهة جاءت للشبهة، فعن جابر عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج»تفسير : . {فَلاَ رَفَثَ} أي لا جماع، أو لا فحش من الكلام {وَلاَ فُسُوقَ} ولا خروج عند حدود الشرع بارتكاب المحظورات، وقيل: بالسباب والتنابز بالألقاب {وَلاَ جِدَالَ} ولا خصام مع الخدم والرفقة. {فِي ٱلْحَجّ} أي في أيامه، والإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه والإشعار بعلة الحكم فإنّ زيارة البيت المعظم والتقرّب بها إلى الله تعالى من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك، وإيثار النفي للمبالغة في النهي والدلالة على أنه حقيقة بأن لا تكون، فإن ما كان منكراً مستقبحاً في نفسه منهياً عنه مطلقاً فهو للمحرم بأشرف العبادات وأشقها أنكر وأقبح كلبس الحرير في الصلاة وتحسين الصوت بحيث تخرج الحروف عن هيآتها في القرآن، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأوّلين بالرفع حملا لهما على معنى النهي أي: لا يكونن رفث ولا فسوق والثالث ـ بالفتح ـ على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج، وذلك أنّ قريشاً كانت تقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة، وبعد ما أمر الكل بالوقوف في عرفة ارتفع الخلاف فأخبر به، وقرىء بالرفع فيهنّ ووجهه لا يخفى. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} بتأويل الأمر معطوف على {فَلاَ رَفَثَ} أي لا ترفثوا وافعلوا الخيرات ـ وفيه التفات ـ وحث على ـ الخير ـ عقيب النهي عن الشر ليستبدل به، ولهذا خص متعلق العلم مع أنه تعالى عالم بجميع ما يفعلونه من خير أو شر، والمراد من ـ العلم ـ إما ظاهره فيقدر بعد الفعل فيثيب عليه، وإما المجازاة مجازاً {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن حبان والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون، ثم يقدمون فيسألون الناس فنزلت ـ فالتزوّد ـ بمعناه الحقيقي ـ وهو اتخاذ الطعام للسفر ـ والتقوى بالمعنى اللغوي ـ وهو الاتقاء من السؤال ـ وقيل: معنى الآية اتخذوا التقوى زادكم لمعادكم فإنها خير زاد، فمفعول (تزوّدوا) محذوف بقرينة خبر إن ـ وهو التقوى بالمعنى الشرعي ـ وكان مقتضى الظاهر أن يحمل {خَيْرَ ٱلزَّادِ} على {ٱلتَّقْوَىٰ} فإن المسند إليه والمسند إذا كانا معرفتين يجعل ما هو مطلوب الإثبات مسنداً، والمطلوب هنا إثبات خير الزاد للتقوى لكونه دليلاً على تزوّدها إلا أنه أخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر للمبالغة لأنه حينئذ يكون المعنى إن الشيء الذي بلغكم أنه خير الزاد وأنتم تطلبون نعته هو التقوى فيفيد اتحاد خير الزاد بها {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلالْبَـٰبِ} أي أخلصوا لي التقوى فإن مقتضى العقل الخالص عن الشوائب ذلك وليس فيه ـ على هذا ـ شائبة تكرار مع سابقه لأنه حث على الإخلاص بعد الحث على التقوى.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي للإِعلام بتفصيل مناسك الحج، والذي أراه أن هذه الآيات نزلت بعد نزول قوله تعالى: { أية : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } تفسير : في [سورة آل عمران: 97] فإن تلك الآية نزلت بفرض الحج إجمالاً، وهذه الآية فيها بيان أعماله، وهو بيان مؤخر عن المبين، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة واقع غير مرة، فيظهر أن هذه الآية نزلت في سنة تسع، تهيئة لحج المسلمين مع أبي بكر الصديق. وبين نزول هذه الآية ونزول آية { أية : وأتموا الحج والعمرة لله } تفسير : [البقرة: 196] نحو من ثلاث سنين فتكون فيما نرى من الآيات التي أمر الرسول - عليه السلام - بوضعها في هذا الموضع من هذه السورة للجمع بين أعمال الحج وأعمال العمرة. وهي وصاية بفرائض الحج وسننه ومما يحق أن يراعى في أدائه، وذكر ما أراد الله الوصاية به من أركانه وشعائره. وقد ظهرت عناية الله تعالى بهذه العبادة العظيمة، إذ بسط تفاصيلها وأحوالها مع تغيير ما أدخله أهل الجاهلية فيها. ووصف الأشهر بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب من قبل، فهي من الموروثة عندهم عن شريعة إبراهيم، وهي من مبدأ شوال إلى نهاية أيام النحر، وبعضها بعض الأشهر الحرم، لأنهم حرموا قبل يوم الحج شهراً وأياماً وحرموا بعده بقية ذي الحجة والحرام كلّه، لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع الحجيج إلى آفاقهم، وأما رجب فإنما حَرَّمته مُضر لأنه شهر العمرة. فقوله: {الحج أشهر معلومات} أي في أشهر، لقوله بعده: {فمن فرض فيهن الحج} ولك أن تقدر: مدة الحج أشهر، وهو كقول العرب «الرطب شهرا ربيع». والمقصود من قوله: {الحج أشهر} يحتمل أن يكون تمهيداً لقوله: {فلا رفث ولا فسوق} تهويناً لمدة تر ك الرفث والفسوق والجدال، لصعوبة ترك ذلك على الناس، ولذلك قُللت بجمع القلة، فهو نظير ما روى مالك في «الموطأ»: أن عائشة قالت لعروة بن الزبير يا ابن أختي إنما هي عشر ليال فإن تخلج في نفسك شيء فدعه، تعني أكل لحم الصيد، ويحتمل أن يكون تقريراً لما كانوا عليه في الجاهلية من تعيين أشهر الحج فهو نظير قوله: { أية : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً } تفسير : [التوبة: 36] الآية، وقيل: المقصود بيان وقت الحج ولا أَنثلج له. والأَشهر المقصودة هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لا غير، وإنما اختلفوا في أن ذا الحجة كله شهر أو العشر الأوائل منه أو التسع فقط، أو ثلاثة عشر يوماً منه، فقال بالأول ابن مسعود وابن عمر والزهري وعروة بن الزبير وهو رواية ابن المنذر عن مالك، وقال بالثاني ابن عباس والسدي وأبو حنيفة وهو رواية ابن حبيب عن مالك. وقال بالثالث الشافعي، والرابع قول في مذهب مالك ذكره ابن الحاجب في «المختصر» غير معزو. وإطلاق الأشهر على الشهرين وبعض الشهر عند أصحاب القولين الثالث والرابع مخرَّج على إطلاق الجمع على الاثنين أو على اعتبار العرب الدخول في الشهر أو السنة كاستكماله، كما قالوا: ابن سنتين لمن دخل في الثانية، وكثرة هذا الخلاف تظهر فيمن أوقع بعض أعمال الحج مما يصح تأخيره كطواف الزيارة بعد عاشر ذي الحجة، فمن يراه أوقعه في أيام الحج لم ير عليه دماً ومن يرى خلافه يرى خلافه. وقد اختلفوا في الإهلال بالحج قبل دخول أشهر الحج، فقال مجاهد وعطاء والأوزاعي والشافعي وأبو ثور: لا يجزىء ويكون له عمرة كمن أحرم للصلاة قبل وقتها، وعليه: يجب عليه إعادة الإحرام من الميقات عند ابتداء أشهر الحج، واحتج الشافعي بقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات}، وقال أحمد: يجزىء ولكنه مكروه، وقال مالك وأبو حنيفة والنخعي: يجوز الإحرام في جميع السنة بالحج والعمرة إلاّ أن مالكاً كره العمرة في بقية ذي الحجة، لأن عمر بن الخطاب كان ينهى عن ذلك ويضرب فاعله بالدِّرة، ودليل مالك في هذا ما مضى من السنة، واحتج النخعي بقوله تعالى: { أية : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } تفسير : [البقرة: 189] إذ جعل جميع الأهلة مواقيت للحج ولم يفصل، وهذا احتجاج ضعيف، إذ ليس في الآية تعميم جميع الأهلة لتوقيت الحج بل مساق الآية أن جميع الأهلة صالحة للتوفيق إجمالاً، مع التوزيع في التفصيل فيوقت كل عمل بما يقارنه من ظهور الأهلة على ما تبينه أدلة أخرى من الكتاب والسنة. ولاحتمال الآية عدة محامل في وجه ذكر أشهر الحج لا أرى للأئمة حجة فيها لتوقيت الحج. وقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} تفريع على هاته المقدمة لبيان أن الحج يقع فيها وبيان أهم أحكامه. ومعنى فرض: نوى وعزم، فنية الحج هي العزم عليه وهو الإحرام، ويشترط في النية عند مالك وأبي حنيفة مقارنتها لقول من أقوال الحج وهو التلبية، أو عمل من أعماله كسَوْق الهدي، وعند الشافعي يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولاً أو عملاً وهو أرجح؛ لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من أعمال العبادة، ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة براكبها. وضمير {فيهن} للأشهر، لأنه جمع لغير عاقل فيجري على التأنيث. وقوله: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} جواب من الشرطية، والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى {لا رفث} من ضمير يعود على (من)؛ لأن التقدير فلا يرفث. وقد نفى الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها عن الحاج، حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهى فانتفت أجناسها، ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: { أية : والمطلقات يتربصن } تفسير : [البقرة: 228] وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخبر عنه بأنه فَعَل كما قرره في «الكشاف» في قوله: {والمطلقات يتربصن}، فأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة. وقرأ الجمهور بفتح أواخر الكلمات الثلاث المنفية بلا، على اعتبار (لا) نافية للجنس نصاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع (رفث) و(فسوق) على أن (لا) أخت ليس نافية للجنس غير نص وقرآ (ولا جدال) بفتح اللام على اعتبار (لا) نافية للجنس نصاً وعلى أنه عطف جملة على جملة فروي عن أبي عمرو أنه قال: الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق يعني أن خبر (لا) محذوف وأن المصدرين نائبان عن فعليهما وأنهما رفعا لقصد الدلالة على الثبات مثل رفع { أية : الحمد لله } تفسير : [الفاتحة: 2] وانتهى الكلام ثم ابتدأ النفي فقال: {ولا جدال في الحج} على أن في الحج خبر (لا)، والكلام على القراءتين خبرٌ مستعمل في النهي. والرفث اللغو من الكلام والفحش منه قاله أبو عبيدة واحتج بقول العجاج: شعر : وَربِّ أَسْرابِ حجيجٍ كُظَّم عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّم تفسير : وفعله كنصر وفرح وكرم والمراد به هنا الكناية عن قربان النساء. وأحسب أن الكناية بهذا اللفظ دون غيره لقصد جمع المعنيين الصريح والكناية، وكانوا في الجاهلية يتوقون ذلك، قال النابغة: شعر : حَيَّاكِ رَبِّي فإنَّا لاَ يحِلُّ لنا لَهْوُ النساءٍ وإِنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَما تفسير : يريد من الدين الحج وقد فسروا قوله: لهو النساء بالغزل. وهذا خبر مراد به مبالغة النهي اقتضى أن الجماع في الحج حرام، وأنه مفسد للحج وقد بينت السنة ذلك بصراحة، فالدخول في الإحرام يمنع من الجماع إلى الإحلال بطواف الإفاضة وذلك جميع وقت الإحرام، فإن حصل نسيان فقال مالك هو مفسد ويعيد حجه إذا لم يمض وقوف عرفة، وإلاّ قضاه في القابل نظراً إلى أن حصول الالتذاذ قد نافى تجرد الحج والزهد المطلوب فيه بقطع النظر عن تعمد أو نسيان، وقال الشافعي في أحد قوليه وداود الظاهري: لا يفسد الحج وعليه هدي، وأما مغازلة النساء والحديث في شأن الجماع فذريعة ينبغي سدها، لأنه يصرف القلب عن الانقطاع إلى ذكر الله في الحج. وليس من الرفث إنشاد الشعر القديم الذي فيه ذكر الغزل؛ إذ ليس القصد منه إنشاء الرفث، وقد حدا ابن عباس راحلته وهو محرم ببيت فيه ذكر لفظ من الرفث فقال له صاحبه حصين بن قيس: أترفُث وأنت محرم؟ فقال: إن الرفث ما كان عند النساء أي الفعل الذي عند النساء أي الجماع. والفسوق معروف وقد تقدم القول فيه غير مرة، وقد قيل أراد به هنا النهي عن الذبح للأصنام وهو تفسير مروي عن مالك، وكأنه قاله لأنه يتعلق بإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية غير أن الظاهر شمول الفسوق لسائر الفسق وقد سكت جميع المفسرين عن حكم الإتيان بالفسوق في مدة الإحرام. وقرن الفسوق بالرفث الذي هو مفسد للحج يقتضي أن إتيان الفسوق في مدة الإحرام مفسد للحج كذلك، ولم أر لأحد من الفقهاء أن الفسوق مفسد للحج، ولا أنه غير مفسد سوى ابن حزم فقال في «المحلَّى»: إن مذهب الظاهرية أن المعاصي كلها مفسدة للحج، والذي يظهر أن غير الكبائر لا يفسد الحج وأن تعمد الكبائر مفسد للحج وهو أحرى بإفساده من قربان النساء الذي هو التذاذ مباح والله أعلم. والجدال مصدر جادله إذا خاصمه خصاماً شديداً وقد بسطنا الكلام عليه عند قوله تعالى: { أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } تفسير : [في سورة النساء: 107]، إذ فاتنا بيانه هنا. واختلف في المراد بالجدال هنا فقيل السباب والمغاضبة، وقيل تجادل العرب في اختلافهم في الموقف؛ إذ كان بعضهم يقف في عرفة وبعضهم يقف في جمع وروي هذا عن مالك. واتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه، وقد سمعت من شيخنا العلامة الوزير أن الزمخشري لما أتم تفسير الكشاف وضعه في الكعبة في مدة الحج بقصد أن يطالعه العلماء يحضرون الموسم وقال: من بدا له أن يجادل في شيء فليفعل، فزعموا أن بعض أهل العلم اعترض عليه قائلاً: بماذا فسرت قوله تعالى: {ولا جدال في الحج} وأنه وجم لها، وأنا أحسب إن صحت هذه الحكاية أن الزمخشري أعرض عن مجاوبته، لأنه رآه لا يفرق بين الجدال الممنوع في الحج وبين الجدال في العلم. واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى. وقوله: {وما تفعلوا خير يعلمه الله} عُقب به النهي عن المنهيات لقصد الاتصاف بأضداد تلك المنهيات فكأنه قال: لا تفعلوا ما نهيتم عنه وافعلوا الخير فما تفعلوا يعلمه الله، وأطلق علم الله وأريد لازمه وهو المجازاة على المعلوم بطريق الكناية فهو معطوف على قوله: {فلا رفث} الخ. معطوف على جملة: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} باعتبار ما فيها من الكناية عن الترغيب في فعل الخير، والمعنى وأكثروا من فعل الخير. والتزود إعداد الزاد وهو الطعام الذي يحمله المسافر، وهو تفعُّل مشتق من اسم جامد وهو الزاد كما يقال تَعَمَّم وتقَمَّص أي جعل ذلك معه. فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير استعداداً ليوم الجزاء شبه بإعداد المسافر الزاد لسفره بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت. قال الأعشى في قصيدته التي أنشأها لمدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر فيها بعض ما يدعو النبي إليه أخذاً من هذه الآية وغيرها: شعر : إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزاد من التقى ولاَقَيْتَ بعد الموت من قَد تَزودا نَدِمْتَ أَنْ لا تكونَ كمِثْلِه وأَنَّك لم تُرْصِدْ بما كان أرْصَدا تفسير : فقوله: {فإن خير الزاد التقوى} بمنزلة التذييل أي التقوى أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص. ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فيكون أمراً بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضاً بقوم من أهل اليمن كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد ويقولون نحن متوكلون على الله() فيكونون كلاً على الناس بالإلحاف. فقوله: {فإن خير الزاد} الخ إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود تنبيهاً بالتفريع على أنه من التقوى لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض. وقوله: {واتقون} بمنزلة التأكيد لقوله {فإن خير الزاد التقوى} ولم يزد إلا قوله {يا أولى الألباب} المشير إلى أن التوقى مما يرغب فيه أهل العقول. والألباب: جمع لب وهو العقل، واللب من كل شيء: الخالص منه، وفعله لَبُب يلُب بضم اللام قالوا وليس في كلام العرب فَعُل يفعُل بضم العين في الماضي والمضارع من المضاعف إلا عذا الفعل حكاه سيبويه عن يونس وقال ثعلب ما أعرف له نظيراً. فقوله {فإن خير الزاد التقوى} بمنزلة التذييل أي التقوى أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص، وموقع قوله: {واتقون يا أولي الألباب} على احتمال أن يُرَاد بالتزود معناه الحقيقي مع المجازي إفادةُ الأمر بالتقوى التي هي زاد الآخرة بمناسبة الأمر بالتزود لحصول التقوَى الدنيوية بصَوْن العرض. والتقوى مصدر اتقى إذا حذر شيئاً، وأصلها تَقْيَي قلبوا ياءها واواً للفرق بين الاسم والصفة، فالصفة بالياء كامرأةٍ تَقْيَى كخَزْبى وصَدْيَى، وقد أطلقت شرعاً على الحذر من عقاب الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه وقد تقدمت عند قوله تعالى: { أية : هدى للمتقين } تفسير : [البقرة: 2].

الواحدي

تفسير : {الحج أشهر} أًيْ: أشهرُ الحجِّ أشهرٌ {معلوماتٌ} مُوقَّتةٌ معيَّنةٌ، وهي شوال وذو القعدة وتسعُ من ذي الحجَّة {فمن فرض} أوجب على نفسه {فيهنَّ الحجَّ} بالإحرام والتَّلبية {فلا رفث} فلا جِماعَ {ولا فسوق} ولا معاصي {ولا جدال} وهو أَنْ يُجادلَ صاحبه حتى يُغضبه، والمعنى: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا {في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله} أَيْ: يُجازيكم به الله العالم {وتزوَّدوا} نزلت في قومٍ كانوا يحجُّون بلا زادٍ ويقولون: نحن متوكِّلون، ثمَّ كانوا يسألون النَّاس وربَّما ظلموهم وغصبوهم، فأمرهم الله أَنْ يتزوَّدوا فقال: {وتزوَّدوا} ما تتبلَّغون به {فإن خير الزاد التقوى} يعني: ما تكفُّون به وجوهكم عن السُّؤال وأنفسكم عن الظُّلم. {ليس عليكم جناح...} الآية. كان قومٌ يزعمون أنَّه لا حَجَّ لتاجرٍ ولا جَمَّالٍ، فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنه لا حرج في ابتغاء الرِّزق بقوله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} أَيْ: رزقاً بالتجِّارة في الحجِّ {فإذا أفضتم} أَيْ: دفعتم وانصرفتم من {عرفات فاذكروا الله} بالدُّعاء والتَّلبية {عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم} أَيْ: ذكراً مثلَ هدايته إيَّاكم، أَيْ: يكون جزاءً لهدايته إيَّاكم {وإن كنتم من قبله} أَيْ: وما كنتم من قبل هُدَاه إلاَّ ضالِّين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أشهر معلومات: هي شوال والقعدة وعشر ليال من الحجة هذه هي الأشهر التي يحرم فيها بالحج. فرض: نوى الحج وأحرم به. فلا رفث: الرفث الجماع ومقدماته. ولا فسوق: الفسق والفسوق الخروج من طاعة الله بترك واجب أو فعل حرام. الجدال: المخاصمة والمنازعة. الجناح: الإِثم. تبتغوا فضلاً: تطلبوا ربحاً في التجارة من الحج. أفضتم من عرفات: الإِفاضة من عرفات تكون بعد الوقوف بعرفة يوم الحج وذلك بعد غروب الشمس من يوم التاسع من شهر الحجة. المشعر الحرام: مزدلفة وذكْرُ الله تعالى عندها هو صلاة المغرب والعشاء جمعاً بها وصلاة الصبح. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان أحكام الحج والعمرة فأخبر تعالى أن الحج له أشهر معلومة وهي شوال والقعدة وعشر ليال من الحجة فلا يحرم بالحج إلا فيها. وأن من أحرم بالحج يجب عليه أن يتجنب الرفث والفسق والجدال حتى لا يفسد حجه أو ينقص أجره، وانتدب الحاج إلى فعل الخير من صدقة وغيرها فقال: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} ولازمه أنه يثيب عليه ويجزي به. وأمر الحجاج أن يتزودوا لسفرهم في الحج بطعام وشراب يكفون به وجوههم عن السؤال فقال: وتزودّوا، وأرشد إلى خير الزاد وهو التقوى، ومن التقوى عدم سؤال الناس أموالهم والعبد غير محتاج وأمرهم بتقواه عز وجل، أي بالخوف منه حتى لا يعصوه في أمره ونهيه فقال: {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}، والله أحق أن يتقى لأنه الواحد القهار، ثم أباح لهم الاتجار أثناء وجودهم في مكة ومنى فقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} يريد رزقاً حلالاً بطريق التجارة المباحة، ثم أمرهم بذكر الله تعالى في مزدلفة بصلاة المغرب والعشاء والصبح فيها وذلك بعد إفاضتهم من عرفة بعد غروب الشمس فقال عز من قائل: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} ثم ذكرهم بنعمة هدايته لهم بعد الضلال الذي كانوا فيه وانتدبهم إلى شكره وذلك بالإِكثار من ذكره فقال تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ}. ثم أمرهم بالمساواة في الوقوف بعرفة والإِفاضة منها فليقفوا كلهم بعرفات. وليفيضوا جميعاً منها فقال عز وجل {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}، وذلك أن الحمس كانوا يفيضون من أدنى عرفات حتى ينجوا من الزحمة ويسلموا من الحطمة. وأخيراً أمرهم باستغفار الله أي طلب المغفرة منه ووعدهم بالمغفرة بقوله: {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة الرفث والفسوق والجدال في الإحرام. 2- استحباب فعل الخيرات للحاج أثناء حجه ليعظم أجره ويبر حجه. 3- إباحة الاتجار والعمل للحاج طلبا للرزق على أن لا يحج لأجل ذلك. 4- وجوب المبيت بمزدلفة لذكر الله تعالى. 5- وجوب شكر الله تعالى بذكره وطاعته على هدايته وإنعامه. 6- وجوب المساواة في أداء مناسك الحج بين سائر الحجاج فلا يتميز بعضهم عن بعض في أي شعيرة من شعائر الحج. 7- الترغيب في الإستغفار والإكثار منه.

القطان

تفسير : الرفث: مباشرة النساء، وقد سبق. الفسوق. الخروج عن الآداب التي حددها الشرع من جدل وسباب وخصام. هنا بين لنا تعالى ان الحج يقع في أشهر معلومات، هي شوال وذو القعدة وذو الحجة. وهذه الأشهر معروفة من أيام ابراهيم عليه السلام. فمن فرض الحج على نفسه في هذه الأشهر وأحرم فيه فعليه ان يراعي آدابه. ومن آداب الحج ان يبتعد عن النساء، وعن المعاصي من السباب والخصام والمراء مع رفقته في الحج، ويجتنب كل ما يجر الى الشحناء والخصام. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ...} فاجتهدوا في فعل الخير وطلب الأجر منه فإنَّه مجازيكم. وتزوّدوا لآخرتكم بالتقوى فانها أحسن زاد، واستشعروا خشية الله فيما تأتون وما تذرون يا أهل العقول السليمة، فهو خير لكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَّعْلُومَاتٌ} {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} (197) - لأَِدَاءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ لَدَى النَّاسِ هِيَ شَوَّال وَذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ. فَلاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ أَنْ يُحرِمَ بِالحَجِّ إِلا فِي هذِهِ الشُّهُورِ. فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حَجّاً بِإِحْرَامِهِ - وَالفَرَضُ هُنا هُوَ الإِحْرَامُ - فَعَليهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ الجِمَاعَ وَدَواعِيَهُ (الرَّفَثَ)، وَالمَعَاصِيَ (الفُسُوقَ)، وَعَلَيهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ الجِدَالَ وَالمُخَاصَمَةَ وَالمُلاحَاةَ في الحَجِّ. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى فِعْلِ الجَمِيلِ، وَتَرْكِ الرَّفَثِ والفُسُوقِ وَالجِدَالِ، لِتَصْفُوَ نُفُوسُهُمْ، وَتَتَخَلَّى عَنِ الرَّذَائِلِ، وَتَتَحَلَّى بِالفَضَائِلِ. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَأَنَّهُ سَيَجْزِيهِمْ عَلَيهِ الجَزَاءَ الأَوْفَى يَوْمَ القِيَامَةِ. وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ. الذِينَ يُرِيْدُونَ الحَجَّ بِالتَّزَوُّدِ لِلطَّرِيقِ لِكَي يَكُفُّوا وُجُوهَهُمْ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ، لأَِنَّ أُناساً مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا يَحُجُّونَ مِنْ غَيرِ زَادٍ. وَأَعْلَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ خَيْرَ زَادِ المُؤْمِنِ لِلآخِرَةِ هُوَ التَّقْوَى، وَفِعْلُ الجَمِيلِ. ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ ذَوِي العُقُولِ وَالأَفْهَامِ مِنْ عِقَابِهِ وَنَكَالِهِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ. فَرَضَ - أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِالإِحْرَامِ. فَلاَ رَفَثَ - لاَ وِقَاعَ وَلاَ فُحْشَ فِي القَوْلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولنا أن نلحظ أن الحق قال في الصوم: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185] ولم يذكر شهور الحج: شوالاً وذا القعدة وعشرة من ذي الحجة كما ذكر رمضان، لأن التشريع في رمضان خاص به فلا بد أن يعين زمنه، لكن الحج كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، ويعلمون شهوره وكل شيء عنه؛ فالأمر غير محتاج لذكر أسماء الشهور الخاصة به، والشهور المعلومة هي: شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة وتنتهي بوقفة عرفات وبأيام منى، وشهر الحج لا يستغرق منه سوى عشرة أيام، ومع ذلك ضمه لشوال وذي القعدة، لأن بعض الشهر يدخل في الشهر. وكلمة "معلومات" تعطينا الحكمة من عدم ذكر أسماء شهور الحج، لأنها كانت معلومة عندهم. {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} [البقرة: 197] والفرض ليس من الإنسان إنما الفرض من الله الذي فرض الحج ركناً، وأنت إن ألزمت به نفسك نية وفعلاً، وشرعت ونويت الحج في الزمن المخصوص للحج تكون قد فرضت على نفسك الحج لهذا الموسم الذي تختاره وهو ملزم لك. وقوله سبحانه: {فَرَضَ} [البقرة: 197] يدل على أنك تلتزم بالحج وإن كان مندوباً؛ أي غير مفروض. {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} [البقرة: 197]؛ والرفث للسان، وللعين. وللجوارح الأخرى رفث، كلها تلتقي في عملية الجماع ومقدماته، ورفث اللسان في الحج أن يذكر مسألة الجماع، ورفث العين أن ينظر إلى المرأة بشهوة. فالرفث هو كل ما يتأتى مقدمة للجماع، أو هو الجماع أو ما يتصل به بالكلمة أو بالنظرة، أو بالفعل. والرفث وإن أُبيح في غير الحج فهو محرم في الحج، أما الفسوق فهو محرم في الحج وفي غير الحج، فكأن الله ينبه إلى أنه وإن جاز أن يحدث من المسلم فسوق في غير الحج، فليس من الأدب أن يكون المسلم في بيت الله ويحدث ذلك الفسوق منه، إنّ الفسوق محرم في كل وقت، والحق ينبه هنا المسرف على نفسه، وعليه أن يتذكر إن كان قد فسق بعيداً عن بيت الله فليستح أن يعصي الله في بيت الله؛ فالذاهب إلى بيت الله يبغي تكفير الذنوب عن نفسه، فهل يُعقل أن يرتكب فيه ذنوباً؟ لابد أن تستحي أيها المسلم وأنت في بيت الله، واعلم أن هذا المكان هو المكان الوحيد الذي يُحاسب فيه على مجرد الإرادة. يقول الله عز وجل: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الحج: 25]. إذن الرفث حلال في مواضع، لكنه يَحْرُمُ في البيت الحرام، ولكن الفسوق ممتنع في كل وقت، وامتناعه أشد في البيت الحرام. والجدال وإن كان مباحاً في غير الحج فلا يصح أن يوجد في الحج. ولنا أن نعرف أن مرتبة الجدال دون مرتبة الفسوق، ودون مرتبة العصيان، والرسول قال: "حديث : مَنْ حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"تفسير : لم يقل: "ولم يجادل" إن بشرية الرسول تراعي ظروف المسلمين، فمن المحتمل أن يصدر جدال من الحاج نتيجة فعل استثاره، فكأن عدم ذكر الجدال في الحديث فسحة للمؤمن ولكن لا يصح أن نتمادى فيها. والجدال ممكن في غير الحج بدليل:{أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..}تفسير : [النحل: 125]. إنما الحج لا جدال فيه. والجدل هو أن يلف كل واحد من الطرفين على الآخر ليطوقه بالحجة. ثم انظر إلى تقدير الحق لظروف البشر وعواطف البشر والاعتراف بها والتقنين لأمر واقع معترف به، فالحج يُخرج الإنسانَ من وطنه ومن مكان أهله، ومن ماله، ومما أَلِفَ واعتاد من حياة. وحين يخرج الإنسان هذا الخروج فقد تضيق أخلاق الناس؛ لأنهم جميعاً يعيشون عيشة غير طبيعية؛ فهناك مَنْ ينام في غرفة مشتركة مع ناس لا يعرفهم، وهناك أسرة تنام في شقة مشتركة ليس فيها إلا دورة مياه واحدة، ومن الجائز أن يرغب أحد الأفراد في قضاء حاجته في وقت قضاء حاجة شخص آخر، وحين تكون هذه المسألة موجودة لا رأي لإنسان، ولذلك يقال: "لا رأي لحاقن" أي لا رأي لمحصور .. أي لمن يريد قضاء حاجته من بول، وكذلك الشأن في الحاقب وهو الذي يحتبس غائطه لأنها مسألة تُخِل توازن الإنسان. إذن فالحياة في الحج غير طبيعية، وظروف الناس غير طبيعية، لذلك يحذرنا الحق من الدخول في جدل؛ لأنه ربما كان الضيق من تغيير نظام الحياة سبباً في إساءة معاملة الآخرين، والحق يريد أن يمنع هذا الضيق من أن يؤثر في علاقتنا بالآخرين. وقد أثبتت التجربة أن من يذهبون للحج في جماعة إما أن يعودوا متحابين جداً، وإما أعداء ألداء. ولذلك يطلب إلينا الحق أن يصبر كل إنسان على ما يراه من عادات غيره في أثناء الحج، وليحتسب خروجه عن عاداته وعن رتابة أموره وعن أنسه بأهله يحتسب ذلك عند الله، وليشتغل بأنس الله، وليتحمل في جانبه كل شيء، ويكفي أنه في بيت الله وفي ضيافته. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} [البقرة: 197]. فبعد أن نهانا الحق بقوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} [البقرة: 197] وتلك أمور سلبية وهي أفعال على الإنسان أن يمتنع عنها، وهنا يتبع الحق الأفعال السلبية بالأمر بالأفعال الإيجابية، أفعال الخير التي يعلمها الله. إن الله يريد أن نجمع في العبادة بين أمرين، سلب وإيجاب، سلب ما قال عن الرفث والفسوق والجدال، ويريد أن نوجب ونوجد فعلاً. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} [البقرة: 197]. وما هو ذلك الخير؟ إنها الأمور المقابلة للمسائل المنهي عنها، فإذا كان الإنسان لا يرفث في الحج فمطلوب منه أن يعف في كلامه وفي نظرته وفي أسلوبه وفي علاقته بامرأته الحلال له، فيمتنع عنها ما دام محرماً ويُطلب منه أن يفعل ما يقابل الفسوق، من بر وخير. وفي الجدال نجد أن مقابله هو الكلام بالرفق والأدب واللين وبحلاوة الأسلوب وبالعطف على الناس، هذا هو المقصود بقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ}. وكلمة من في قوله "من خير" للابتداء، كأن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تصنع خيراً وهو سبحانه يرى أقل شيء من الخير؛ ولذلك قال: {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} [البقرة: 197]. فكأنه خير لا يراه أحد؛ فالخير الظاهر يراه كل الناس؛ والتعبير {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} [البقرة: 197] أي الخير مهما صغر، ومهما قل فإن الله يعلمه، وكثير من الخيرات تكون هواجس بالنية، ويجازي الله على الخير بالجزاء الذي يناسبه. وقول الحق: {وَتَزَوَّدُواْ} [البقرة: 197] والزاد: هو ما يأخذه المسافر ليتقوى به على سفره، وكان هذا أمراً مألوفاً عند العرب قديماً؛ لأن المكان الذي يذهبون إليه ليس فيه طعام. وكل هذه الظروف تغيرت الآن، وكذلك تغيرت عادات الناس التي كانت تذهب إلى هناك. كانت الناس قديماً تذهب إلى الحج ومعها أكفانها، ومعها ملح طعامها، ومعها الخيط والإبرة، فلم يكن في مكة والمدينة ما يكفي الناس، وأصبح الناس يذهبون الآن إلى هناك ليأتوا بكماليات الحياة، وأصبحت لا تجد غرابة في أن فلاناً جاء من الحج ومعه كذا وكذا. كأن الحق سبحانه وتعالى جعل من كل ذلك إيذاناً بأنه أخبر قديماً يوم كان الوادي غير ذي زرع فقال: {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ..}تفسير : [القصص: 57]. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله: {يُجْبَىٰ} ومعناها يؤخذ بالقوة وليس باختيار من يذهب به، فكأن من يذهب بالثمرات بكل ألوانها إلى هناك مرغم أن يذهب بها، وهو رزق من عند الله، وليس من يد الناس. وهذا تصديق لقوله تعالى: {أية : وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ ..}تفسير : [إبراهيم: 37]. وقوله الحق: {وَتَزَوَّدُواْ} [البقرة: 197] مأخوذة - كما عرفنا - من الزيادة، والزاد هو طعام المسافر، ومَنْ يدخر شيئا لسفر فهو فائض وزائد عن استهلاك إقامته، ويأخذه حتى يكفيه مئونة السؤال أو الاستشراف إلى السؤال؛ لأن الحج ذلة عبودية، وذلة العبودية يريدها الله له وحده. فمن لا يكون عنده مؤونة سفره فربما يذل لشخص آخر، ويطلب منه أن يعطيه طعاماً، والله لا يريد من الحاج أن يذل لأحد، ولذلك يطلب منه أن يتزود بقدر حاجته حتى يكفي نفسه، وتظل ذلته سليمة لربه، فلا يسأل غير ربه، ولا يستشرف للسؤال من الخلق، ومَنْ يسأل أو يستشرف فقد أخذ شيئاً من ذلته المفروض أن تكون خالصة في هذه المرحلة لله وهو يوجهها للناس، والله يريدها له خالصة. وإن لم يعط الناس السائل والمستشرف للسؤال فربما سرق أو نهب قدر حاجته، وتتحول رحلته من قصد البر إلى الشر. وكان بعض أهل اليمن يخرجون إلى الحج بلا زاد ويقولون: "نحن متوكلون، أنذهب إلى بيت الله ولا يطعمنا؟". ثم تضطرهم الظروف لأن يسرقوا، وهذا سبب وجود النهب والسرقة في الحج. إن إلحاح الجوع قد يدفع الإنسان لأن ينهب ويسرق ليسد حاجته. ومن هنا أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على النفس البشرية هذا الشر فقال: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ} [البقرة: 197] إنه أمر من الله بالتزود في هذه الرحلة التي ينقطع فيها الإنسان عن ماله وعن أهله وعن أحبابه وعن معارفه، ويقول سبحانه: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} [البقرة: 197] ونعرف أن الزاد هو ما تَقِي به نفسك من الجوع والعطش، وإذا كان التزود فيه خير لاستبقاء حياتك الفانية، فما بالك بالحياة الأبدية التي لا فناء فيها، ألا تحتاج إلى زاد أكبر؟ فكأن الزاد في الرحلة الفانية يعلمك أن تتزود للرحلة الباقية. إذن فقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} [البقرة: 197] يشمل زاد الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى يذكرنا بالأمور المُحَسّة وينقلنا منها إلى الأمور المعنوية، ولكن إذا نظرت بعمق وصدق وحق وجدت الأمور المعنوية أقوى من الأمور الحسية. ولذلك نلاحظ في قوله سبحانه وتعالى: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 26]. هذا أمر حسي. ويفيدنا ويزيدنا سبحانه "ريشاً" إنه - سبحانه - لا يواري السوءة فقط، وإنما زاد الأمر إلى الكماليات التي يتزين بها، وهذه الكماليات هي الريش، أي ما يتزين به الإنسان، ثم قال الحق: {أية : وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ..}تفسير : [الأعراف: 26]. أي أنعمت عليكم باللباس والريش، ولكن هناك ما هو خير منهما وهو "لباس التقوى". فإن كنت تعتقد في اللباس الحسي أنه سَترَ عورتك ووقاك حراً وبرداً وتزينت بالريش منه فافهم أن هذا أمر حسي، ولكن الأمر الأفضل وهو لباس التقوى، لماذا؟ لأن مفضوح الآخرة شر من مفضوح الدنيا. إذن فقوله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 197]. يعني أن الحق يريد منك أن تتزود للرحلة زاداً يمنعك عن السؤال والاستشراف أو النهب أو الغصب، واحذر أن يدخل فيه شيء مما حرم الله، ولكن تزودك في دائرة: {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 197] أي يا أصحاب العقول، ولا ينبه الله الناس إلى ما فيهم من عقل إلا وهو يريد منهم أن يُحَكِّمُوا عقولهم في القضية، لأنه جل شأنه يريد منك أن تُحَكِّمَ عقلك، فإن حَكَّمْتَ عقلك في القضية فسيكون حُكْمُ العقل في صف أمر الله. ولما كان الله - سبحانه - بسعة لطفه ورحمته - يريد في هذه الشعيرة المقدسة والرحلة المباركة أن يتعاون الناس، أذِنَ لجماعةٍ من الحجاج أن تقوم على خدمة الآخرين تيسيراً لهم. ومن العجيب أن الذين يقومون بخدمة الحجاج يُرخصُ الله لهم في الحج أن ينفروا قبل غيرهم؟ لأن تلك مصلحة ضرورية. فهب أن الناس جميعاً امتنعوا عن خدمة بعضهم بعضاً فمَنْ الذي يقوم بمصالح الناس؟ إذن لابد أن يذهب أناس وحظهم العمل لخدمة الحجاج، والله - سبحانه وتعالى - بين ذلك ووضحه بقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [الآية: 197]. شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا أبو جعفر الرازي و ورقاءُ، عن مغيرة عن إِبراهيم، قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة [الآية: 197]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} [الآية: 197]. يعني من أَهَلَّ. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح. عن مجاهد قال: الـ {رَفَثَ}: الجماع. والـ {فُسُوقَ}: المعاصي في الحج [الآية: 193] يقول: ليس هو شهر ينسأُ قد بين الحج فيه لا شك فيه، وذلك أَنهم كانوا في الجاهلية يسقطون المحرم. يقولون: صفر بصفر. ويسقطون شهر ربيع الأَول، ثم يقولون: شهر ربيع بشهر ربيع. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَتَزَوَّدُواْ} [الآية: 197]. قال: كان أَهل الآفاق يحجون بغير زاد، يتوصلون بالناس. فأُمروا أَن يتزودوا. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 198]. قال: التجارة في الموسم. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: كانت قريش تقول: إِنما نحن الحمس لا نخلف الحرم والمزدلفة. فأُمروا أَن يبلغوا عرفات. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} [الآية: 200]. يعني: نصراً ورزقاً. ولا يسأَل لآخرته شيئاً.

الأندلسي

تفسير : {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} على المخالفة. {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} لما أمر بإِتمام الحج والعمرة وكانت العمر لا وقت لها معلوم بين أن الحج له وقت معلوم فظهر بها مناسبة ما قبل الآية والحج مبتدأ وأشهر خبره وليس أشهر وهو الزمان الحج وهو المصدر فالتقدير أشهر الحج أو وقت الحج أو التقدير حج أشهر أو لما كان يقع فيها اتسع فجعل إياها على سبيل المجاز قال ابن عطية: ومن قدر الكلام في أشهر فيلزمه مع سقوط حرف الجر بنصبها أصل "انتهى". ولا يلزم نصب الأشهر مع سقوط حرف الجر كما ذكر ابن عطية لا ناقد ذكرنا أنه يرفع على الاتساع وهذا لا خلاف فيه عند البصريين أعني أنه إذا كان ظرف الزمان نكرة خبراً عن المصادر أن يجوز فيه عندهم الرفع والنصب وسواء كان الحدث مستغرقاً للزمان أو غير مستغرق واما الكوفيون فعندهم في ذلك تفصيل وهو أن الحدث إما أن يكون مستغرقاً للزمان فيرفع ولا يجوز فيه النصب أو غير مستغرق فمذهب هشام أنه يجب فيه الرفع تقول ميعادك يوم وثلاثة أيام وذهب الفراء في هذا الموضع أنه لا يجوز نصب الأشهر لأن شهراً نكرة غير محصورة وهذا النقل مخالف لما نقلنا نحن عنه فيمكن أن يكون له القولان قول البصريين وقول هشام وأشهر جمع قلة وهو شوال وذو القعدة وذو الحجة كله على ظاهر الجمع وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم كابن مسعود وعطاء ومالك. قال الزمخشري: فإِن قلت كيف كان الشهران وبعض الشهر أشهراً قلت اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4] فلا سؤال فيه إذن داعا كان يكون موضعاً للسؤال لو قيل ثلاثة أشهر معلومات "انتهى كلامه". وما ذكره الدعوى فيه عامة وهو أن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد وهذا فيه النزاع والدليل الذي ذكره خاص وهو فقد صغت قلوبكما وهذا لا خلاف فيه ولا طلاق الجمع في مثل هذا على التثنية شروط ذكرت في النحو وأشهر ليس من باب فقد صغت قلوبكما فلا يمكن أن يستدل به عليه وقوله: فلا سؤال، فيه إذن ليس بجيد لأنه قد فرض السؤال بقوله: فإِن قلت وقوله: وإنما، كان يكون موضعاً للسؤال لو قيل ثلاثة أشهر معلومات ولا فرق عندنا بين أشهر وبين قوله ثلاثة أشهر لأنه كما يدخل المجاز في لفظ أشهر كذلك يدخل المجاز في العدد ألا ترى إلى ما حكاه الفراء له اليوم يومان لم أره، قال: وإنما هو يوم وبعض يوم آخر، وإلى قول امرىء القيس: ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال على ما قدمناه ذكره وإلى ما حكي عن العرب ما رأيته منذ خمسة أيام وان كنت قد رأيته في اليوم الأول واليوم الخامس فلم يشمل الانتفاء خمسة الأيام جميعاً بل يجعل ما رأيته في بعضه وانتفت الرؤية في بعضه كأنه يوم كامل لم تره فيه فإِذا كان هذا موجوداً في كلامهم فلا فرق بين أشهر وبين ثلاثة أشهر لكن مجاز العدد ومعنى معلومات معروفات عند الناس وأن مشروعية الحج فيها إنما جاءت على ما عرفوه وكان مقرراً عندهم. {فَمَن فَرَضَ} أي ألزم نفسه الحج واصل الفرض الحز الذي في السهم. والمراد بالفرض هنا ما يكون به المحرم محرماً وهو الإِهلال بالحج على خلاف فيما يدخل به المحرم في الحج مذكور في القصة وجاء فيهن وهو عائد على أشهر على الفصيح. {فَلاَ رَفَثَ} أي الجماع ولا ما لا يليق ممن كان قلباً بالحج. {وَلاَ فُسُوقَ} فسر هنا بفعل ما نهي عنه في الإِحرام في قتل صيد وحلق شعر والمعاصي كلها. {وَلاَ جِدَالَ} أي مماراة المسلم حتى يغضبه وسبابه وما يسمى جدالاً للتغالب وحظ النفس وقرىء: برفع الثلاثة على الابتداء والخبر. {فِي ٱلْحَجِّ} وجزم ابن عطية بأنها عملت عمل ليس ضعيف وقرىء: بنصب الثلاثة على المصدر ننصبها أفعال من لفظها وفي الحج متعلق بما شئت من الأفعال على تقدير الفتح في الثلاثة من غير تنوين وهذا بناء على قول الجمهور ولا والمبني معها موضع مبتدأ والخبر عنه في موضع رفع ولا عاملة في المبنى فهو في موضع نصب ومذهب الأخفش: أن لا عاملة عمل ان فالمبنى اسمها والخبر خبرها في موضع نصب، وقرىء: برفع الأولين وبالتنوين وفتح الثالث من غير تنوين فعلى مذهب سيبويه ان في الحج خبر عن الثلاثة عطف مبتدأ ومذهب الأخفش أنه لا يجوز أن يكون في الحج إلا خبراً عن الأولين أو خبر لاختلاف المعرب. ولابن عطية والزمخشري في هذا الكلام تعقبناه عليها وذكرناه في البحر وهذه الجملة صورتها صورة الخبر والمعنى على النهي ومن فيمن شرطية أو موصولة والرابطة محذوف لفهم المعنى أي فلا جدال له في الحج أو فلا جدال في الحج له أو منه وعلى رأي الكوفيين تنوب آل عن الضمير أي في حجه وكرر في الحج للتعظيم والتفخيم ولم يأت التركيب فلا جدال فيه. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} نصب على الخبر حثا على فعله وهو تعالى عالم بما يفعلونه من خير وشر وفي قوله: وما تفعلوا التفات ويعلمه اما على ظاهره أي فيثبت عليه أو عبر عن المجازاة بالعلم. {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} عن ابن عباس نزلت في ناس من اليمن يحجون بغير زاد ويقولون نحن متوكلون بحج بيت الله أفلا يطعمنا فيتوصلون بالناس وربما ظلموا وغضبوا فأمروا بالتزود وأن لا يظلموا ويكونوا كلاً على الناس والذي يدل عليه سياق ما قبل الأمر وما بعده أن يكون الأمر بالتزويد بالنسبة إلى تحصيل الأعمال الصالحة التي تكون له كالزاد إلى سفر الآخرة والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عما ينفي به النار ومفعول وتزودوا محذوف أي وتزود أو التقوى بدل عليه الإِظهار في خبر أن. {وَٱتَّقُونِ} تحذير من ارتكاب ما تحل به العقوبة. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} ولما جاء الإِسلام تحرجت العرب من أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ وذي المجاز ومجنة فأباح الله لهم ذلك والفضل الأرباح التي تكون بسبب التجارة. {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ} عرفات علم اسم جبل وهو مؤنث حكى سيبويه هذه عرفات مباركاً فيها وهو مرادف لعرفة وتنوينه تنوين مقابلة وقيل تنوين صرف ولا يدل هذا الشرط على وجوب الوقوف بعرفات إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها لكن السنة والاجماع يدلان على ذلك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفع من عرفات أعنق وإذا وجد فرجة نص والعنق سير سريع مع رفق والنصب سير سريع شديد فوق العنق. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أي اذكروه بالثناء والتضرع أو كني به عن الصلاة بالمزدلفة المغرب والعشاء والمشعر المعلم ووصف بالحرام لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما نهي عنه من محظورات الإِحرام وهذا المشعر يسمى جمعاً وهو ما بين جبلي المزدلفة من مفضى عرفة إلى بطن محسر وليس المأزمين ولا وادي محسر من المشعر الحرام والمأزم المضيق وهو مضيق واحد بين جبلين ثنوه لمكان الجبلين ولم تتعرض الآية لتعيين الذكر بالمزدلفة وعنه صلى الله عليه وسلم أنه لما صلى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقعاً حتى أسفر وعلى هذا يكون في الكلام مجلة محذوفة أي فإِذا أفضتم من عرفات ويتم بالمزدلفة فاذكروا الله عند المشعر الحرام. {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ} الظاهر أنه تكرار قصد به التوكيد والكاف في كما للتشبيه أما نعت لمصدر محذوف أو نصب على الحال أو تكون الكاف للتعليل أي اذكروه وعظموه لهدايته السابقة لكم وقد ذكر سيبويه حاكياً كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه أي لأنه لا يعلم وأثبت كون الكاف للتعليل الأخفش وابن برهان ومن المتأخرين ابن مالك وما في كما مصدرية وجوز الزمخشري وابن عطية أن تكون كافة للكاف عن العمل وقد منع أن تكون الكاف مكفوفة بما عن العمل أبو سعد علي بن مسعود بن الفرخال صاحب المستوفى والهداية هنا هي خاصة أي في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أو عامة تتناول أنواع الهدايات. {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ} أي ضالين من قبله أي من قبل الهدى الدال عليه كما هداكم. {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} ثم للترتيب في الذكر لا للترتيب في الزمان الواقع فيه الأفعال وحسن هذا ان لإِفاضة السابقة لم تكن مأموراً بها إنما كان المأمور به ذكر الله تعالى إذا فعلت والأمر بالذكر عند الفعل لا يدل على الأمر بالفعل ألا ترى أنك تقول إذا ضربك زيد فاضربه فلا يكون زيد مأموراً بالضرب فكأنه قيل ثم لتكن تلك الإِفاضة من عرفات وفي الحديث كان الحمس يقفون بالمزدلفة وكان من سواهم يقفون بعرفة فأنزل الله هذه الآية وقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث بعرفة وهو من الحمس إلهاماً من الله وتوفيقاً إلى ما شرع وللزمخشري كلام في ثم دانها تكون للتفاوت والبعد. قال: فإِن قلت فكيف موقع ثم قلت نحو موقعها من قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم تأتي بثم لتفاوت ما بين الإِحسان إلى الكريم والإِحسان إلى غيره وبعدما بينهما فلذلك حين أمرهم بالذكر عند الافاضة من عرفات قال: ثم أفيضوا التفاوت ما بين الإِفاضتين وان أحدهما صواب والثانية خطأ "انتهى كلامه". وليست الآية كالمثال الذي مثله وحاصل ما ذكر أن ثم تسلب الترتيب وانها لها معنى غيره سماه بالتفاوت والبعد لما بعدها مما قبلها ولم يجر في الآية أيضاً ذكر الافاضة الخطأ فتكون ثم في قوله: ثم أفيضوا، جاءت لبعد ما بين الافاضتين وتفاوتهما ولا نعلم أحداً سبقه إلى إثبات هذا المعنى لثم والناس ظاهره العموم في المفيضين وقرىء: الناس بالياء وبتركها وفسر بآدم لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 115]. قال ابن عطية: ويجوز عند بعضهم حذف الياء فيقول الناس كالقاضي والهاد قال: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه ظاهره أن ذلك جاز مطلقاً ولم يجزه سيبويه إلا في الشعر وأجازه القراء في الكلام وأما قوله: وأما جوازه مقرؤا به فلا أحفظه فكونه لا يحفظه قد حفظه غيره. قال أبو العباس المهدوي: قرأ أفاض الناسي سعيد بن جبير وعنه أيضاً أفاض الناس بالكسر من غير ياء "انتهى". كلام المهدوي وفي هذه القراءة دليل على أن الافاضة من عرفات شرع قديم ولما حج أبو بكر توجه إلى عرفات فمر بالحمس وهم وقوف بجمع فلما ذهب ليجاوزهم قالوا له: يا أبا بكر أين تجاوزنا إلى غيرنا هذا موقف آبائك فمضى أبو بكر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفات وبها أهل اليمن وربيعة فوقف بها حتى غربت الشمس ثم أفاض بالناس إلى المشعر الحرام فوقف به فلما كان عند طلوع الشمس أفاض منه. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} أمر بطلب غفران الذنوب كانوا إذا قضوا مناسكهم اجتمعوا في الموسم يتفاخرون ويذكرون مآثر آبائهم من قرى الضيف والشجاعة ونحر الجزر وفك العاني وجز النواصي وغير ذلك مما يفخرون به فنزل: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} الآية، ومعنى قضيتم أدّيتم وقرىء: مناسككم بالتفكيك وبالإِدغام والمعنى ابتهلوا بذكر الله والثناء عليه والهجوا بذكره كما يلهج المرء بذكر أبيه وأعربوا ذكراً تمييزاً بعد أفعل التفضيل فجعلوا الله ذكرا إذ التقدير أو ذكراً أشد ذكراً وذلك على سبيل المجاز كما قالوا شعر شاعر وجوزوا أن يكون أو شد معطوفاً على موضع الكاف فيكون منصوباً أو على ذكر المجرور فيكون مجروراً أي أو كذكر أشد ذكراً أو وصفاً في المعنى للذاكر منتصبة بفعل مضمر تقديره أو كونوا أشد ذكراً أو للذاكر المذكور منتصبه عطفاً على إياكم والتقدير أو قوماً أشد ذكراً من آبائكم ومعنى من آبائكم أي من ذكركم لآبائكم أو بجره عطفاً على الضمير المجرور بالمصدر أي أو قوم أشد ذكراً فهذه خمسة وجوه ضعيفة وقد ساغ لنا حمل الآية على معنى يتبادر إليه الذهن بتوجيه صحيح ذهلوا عنه وهو أن يكون أشد منصوباً على الحال وهو كان يكون نعتاً لذكرا لو تأخر فلما تقدم انتصب على الحال ألا ترى أنه لو تأخر لكان التركيب أو ذكراً أشد أي من ذكركم لآبائكم فصلت الحال بين حرف العطف والمعطوف وجاز ذلك لأن حرف العطف على أن أزيد من حرف ولأن الحال مفعول فيها فهي شبيهة بالظرف وحسن تأخير ذكراً لأنه كالفاصلة ولزوال التكرار إذ تقدم لكان التركيب فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو ذكراً أشد. {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ} هذا تقسيم للمأمورين بالذكر بعد الفراغ من المناسك وأنهم ينقسمون في سؤال الله تعالى إلى من يغلب عليه حب الدنيا فلا يدعو إلا بها ومنهم من يدعو بصلاح ماله في الدنيا والآخرة وهذا من الإِلتفات ولو جاء على الخطاب لكان التركيب فمنكم من يقول وحكمة هذا الإِلتفات أنهم لما واجهوا بهذا الذي لا ينبغي أن يسأله عاقل وهو الاقتصار على الدنيا فابرزوا في صورة غير المخاطبين بذكر الله بأن جعلوا في صورة الغائبين مفعول آتنا محذوف أي ما نريد ومطلوبنا وجعل في زائدة فتكون الدنيا المفعول الثاني أو جعل في بمعنى من تكون في موضع المفعول الثاني قولان ساقطان. {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أي نصيب وهو اخبار بحاله في الآخرة حيث اقتصر في طلبه على الدنيا وأفرد الضمير في يقول حملاً على اللفظ وأتى بنون الجمع في آنا حملاً على المعنى الحسنة مطلقة وقد مثلوا الحسنتين بأنواع من حسنات الدنيا ومن حسنات الآخرة. وقال ابن عطية: حسنة الآخرة الجنة بإِجماع. {وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} من عطف شيئين على شيئين لا من باب الفصل بين حرف العطف والمعطوف بل هو من باب أعطيت زيداً درهماً وعمراً ديناراً ورأيت من زيد وداً ومن بكر جفوة. {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} سؤال بالوقاية من النار وهو أن لا يدخلوها إذ كان من يدخل النار ثم يدخل الجنة صدق عليه أنه أوقى في الآخرة حسنة فسألوا الوقاية من النار. {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} إشارة إلى الفريقين إذ لفظ نصيب ومما كسبوا مشترك بينهما ومن للتبعيض أي من جنس ما كسبوا أو للسبب. {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يعم محاسبة العالم كلهم. {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ} خطاب للحاج وهو مطلق والمراد التكبير عند رمي الجمرات في أيام معدودات لم تعين واختلفوا أهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر قاله ابن عباس أو يوم النحر ويومان بعده قاله عليّ أو يوم النحر وثلاثة أيام بعده. {فَمَن تَعَجَّلَ} أي استعجل النفر أو بالنفر لأن تعجل يكون متعدياً أو غير متعد في. {يَوْمَيْنِ} ليس على ظاهره بل على حذف أي في أصل يومين ويتعين أن يكون ذلك بعد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر لإِجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر أو يكون التقدير في تمام يومين وظاهر فمن تعجل العموم سواء كان مكياً أو آفاقياً وان التعجيل يكون بالنهار. {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} في التعجل أي لا حرج لما كان الأمر بالذكر في أيام وهي جمع ولم يستغرقها بالمقام وتعجل نفي عنه الحرج في الأخذ بالرخصة ثم نفى الحرج عمن تأخر في تركه الأخذ بالرخصة. {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} متعلق بنفي الاثم إذ من لم يكن متقياً لم يرتفع الاثم عنه وقد كملت أحكام الحج من ذكر وقته إلى آخر فعله وهو النفر وبدئت بالأمر بالتقوى وختمت به وتخلل الأمر بها في غضون الآي. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} نزلت في الأخنس بن شريق واسمه أبي كان حلو اللسان والمنظر يظهر الإِسلام وحب الرسول عليه السلام ويحلف على ذلك وهو عليه السلام يدنيه ولا يعلم ما أضمر وكان من ثقيف حليفاً لبني زهرة ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر قبل نوعي السائلين أتى بذكر نوعين من هو حلو المنطق يظهر الود يخالف باطنه لظاهره والآخر يبتغي رضى الله وقدم الأول هنا لأنه هناك مقدم وأحال على إعجاب قوله دون غيره من أوصافه لأن القول هو الظاهر منه أولاً وهو المذكور في قوله: "فمن الناس من يقول". والخطاب للرسول إذا كان التعجب معياً أو لمن كان مؤمناً إذ كان غير معين والإِعجاب استحسان منطقه بحلاوته وموافقته لمن يخاطبه. وفي الحياة متعلق بيعجبك أي يستحسن مقالته دائماً في مدة حياته إذ لا يصدر منه من القول إلا ما هو معجب رائق لطيف ومع ذلك أفعاله منافياً لأقواله. {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} قرىء: مضارع أشهد ونصب الجلالة أي يحلف بالله أنه صادق وقاتل حقاً ومحب في الرسول والإِسلام، وقرىء: يشهد مضارع شهد ورفع الجلالة أي يطلع الله عما في قلبه من الخبث والمكر ولا يعلم به أحد لشدة تكتمه. {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} اللدد شدة الخصومة يقال لددت تلدداً ولدادة ورجل ألد وامرأة لداء والخصام مصدر أو جمع خصم فالجمع يكون فيه ألد خبراً عن هو بلا تقدير والمصدر يحتاج إلى تقدير أي وخصامه أشد أو هو أشد ذوي الخصومة قال الزمخشري: والخصام المخاصمة وإضافة الألد بمعنى في كقولهم: ثبت العذر "انتهى". يعني أن أفعل ليس من باب ما أضيف إلى ما هو بعضه بل هي إضافة على معنى في وهذا مخالف لما يزعمه النحاة من أن أفعل التفضيل لا يضاف إلا لما هو بعض له وفيه إثبات الإِضافة بمعنى في وهو قول مرجوح في النحو والجملتان الفعلية والإِسمية معطوفتان على صلة من فهما داخلان في الصلة. {وَإِذَا تَوَلَّىٰ} أي ببدنه عن الذي يلين له القول ويلطف به والتولي حقيقة في الانصراف بالبدن. {سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} أي مشى فيها والمتردد من جهةٍ إلى جهة. {لِيُفْسِدَ فِيِهَا} علة لسعيه أي مقصوده في سعيه إنما هو الفساد. {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} عطف خاص على عام وجرد من العام لأنهما أعظم ما يحتاج إليهما في عمارة الدنيا والحرث الزرع والنسل ما يتولد من الأولاد من الناس والحدان. وقرىء: ويهلك مضارع أهلك ونصب لحرث والنسل ويهلك بضم الكاف على الاستئناف ويهلك مضارع هلك برفع الكاف ورفع ما بعده وكذا مع فتح اللام وهي لغة شاذة نحو ركن يركن والجملة الشرطية اما مستأنفة واما داخلة في الصلة ولما تقدمت جملتان الثانية مندرجة في الأولى قال تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} فاكتفى بذكر الأولى لانطوائها على الثانية والفساد عام في الأرض ومال ودين وغير ذلك حتى أن بعض أهل العلم استدل به على منع الإِنسان شق ثوبه.

الجيلاني

تفسير : ثم لم أمر سبحانه عباده بالحج، بأن يأتوا إلى بيته من كل بلد بعيد وفج عميق، عين له وقتاً معنياً من الأوقات التي لها فضيلة ومنزلة عنده سبحانه، فقال: {ٱلْحَجُّ} أي: أوقات الحج {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} متبركات معروفات، وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامها أو بعضها على ما خولف فيه {فَمَن فَرَضَ} على نفسه {فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} بأن ارتكب بشرائطه وأركانه عادياً له في خلال هذه الأشهر، لزمه إتمامه بلا فسخ العزيمة وقلب النية وحل المحرمات فيه {فَلاَ رَفَثَ} أي: لا جماع ولا وقاع وإن طالت المدة {وَلاَ فُسُوقَ} ولا خروج عن حدود الله بارتكاب المحظورات {وَلاَ جِدَالَ} ولا مجادلة ولا مراءاة مع الخدام والرفقاء {فِي} أيام {ٱلْحَجِّ} إذ الحج كناية عن الموت الإداري المنبئ عن الحياة الحقيقة، وهذه الأمور من أوصاف الأحياء بالحياة الطبيعية، فمن قصد الحج الحقيقي والحياة الحقيقية، فله أن يميت نفسه من لوازم الحياة الطبيعية المستعارة، الغير القارة؛ ليفوز بالحياة الحقيقية الازلية والبقاء الأبدي السرمدي، وذلك لا يتيسر إلا بالخروج عن مقتضيات عقل الجزئي المشوب بالوهم والخيال، بل هو مقلوب منها محكوم لها دائماً. ولا يحصل ذلك إلا للسالك الناسك الذي جذبه الحق عن نفسه متدرجاً مرتقياً من عالمٍ إلى عالمٍ من العوالم المنتخبة عنها ذاته إلى أن وصل إلى مقامٍ ومرتبةٍ طويت المراتب كلها عنده، وفنيت العوالم بأسرها فيها، وفني فيها أيضاً، وهي فناؤها أيضاً فيها، ولم ينزل فيها هابطاً أصلاً، بل تقرر وتمكن واطمأن فيها كما نشاهد مثلها متحسرين، متمنين لها من بعض بدلاء الزمان، مد الله ظلاله العالي على مفارق أهل اليقين والعرفان، وإبهام اسمه لإبهام شأنه، هيهات هيهات ما لنا وما لحتى حتى نتكم عنه. جعلنا الله من خُدَّام تُراب أقدامه. وبعدما أمر سبحانه عباده بحج بيته تعظيماً له ولبيته، حثهم على الخيرات، وبذل المال فها وفي طريقها؛ لتقرر في نفوسهم هذه الخصلة الحميدة؛ إذ هو المناع من ميل القلوب إلى المحبوب الحقيقي وهو رأس كل فتنة فقال: {وَمَا تَفْعَلُواْ} لرضاء الله {مِنْ خَيْرٍ} خالصٍ عن ثوب المنة والأذى، عارٍ عن العجب والرياء، سالمٍ عن وسوسة شياطين الأهواء {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} بالحضور،؛ إذ أمثال هذه الخيرات جارٍ على الصراط المستقيم الذي هو صراط الله الأعظم الأقوم {وَتَزَوَّدُواْ} للعبور على صراط الله بالتقوى عن الدنيا وما فيها {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ} للعباد ليوم المعاد هو {ٱلتَّقْوَىٰ} عن جميع الفساد {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 197] المتوجهين إلى لب اللباب، والمتمايلين عن القشور العائقة عن الحضور، أدركنا بلفطك يا خفي الألطاف. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {جُنَاحٌ} ضيق وتعب اتقائكم من سخط الله وتزويدكم بالتقوى {أَن تَبْتَغُواْ} أي: كل منكم {فَضْلاً} من المعارف اليقينية واللذات الروحانية {مِّن رَّبِّكُمْ} الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم {فَإِذَآ أَفَضْتُم} أيها المؤمنون {مِّنْ عَرَفَٰتٍ} الذات المحيطة بجميع الصفات المرتبة لكم، جمعها باعتبار وصول كل من الواصلين إليها بطريق مخصوص، وإن كانت بعد الوصول واحدةً، وحدةً حقيقيةً ذاتيةً لا كثرة فيها أصلاً {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} المستجمع لذواتكم {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أي: الصفات المحرمة ثبوتها لغير ذات الله، أفرده لاختصاص كلٍ بصفة مخصوصة يربيه {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ} بتفويض الأمور كلها إليه، واتقائكم نحوه من وساوس الشياطين المضلة {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ} أي: قبل إهدائه {لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} [البقرة: 198] التائهين في بيدات الضلالة، الناكبين عن الهداية الحقيقية.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ}تفسير : [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتاً؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}تفسير : [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادراً مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} [البقرة: 197]؛ أي: صادقة صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} [البقرة: 197]؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} [البقرة: 197]، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضاً قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، {وَتَزَوَّدُواْ} فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من {خَيْرَ ٱلزَّادِ}، فأشار إلى: {تَزَوَّدُواْ} يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانية الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به. ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل كثرة وتنوعاً؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير صفات الحق تعالى. والقسم الأول منها: ما يتلعق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا القسم من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: {أية : تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً}تفسير : [الفتح: 29]، وقال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 21]. والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضاً على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً}تفسير : [الأحزاب: 47]؛ أي: قرباً كثيراً فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاماً في الابتغاء. فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نوراً وحبوراً وسروراً بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم بالله، وفي الله والله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى الغير ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا بعد الوقوف بعرفات المعرفة {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ} [البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق بعد وقوفه بعرفات {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9] {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 17]. فأعلم ألله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]، {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ} [البقرة: 198]، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 199]، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}تفسير : [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يومٍ سبعين مرة ". تفسير : ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200]، إلى قوله: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]؛ أي قضيتم مناسك وصلكم، وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا الله افتقاراً وافتخاراً؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى الله تعالى ويقول: "حديث : اللهم واقية كواقية الوليد"،تفسير : ويفتخر بافتقاره، ويقول: "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري"تفسير : {فَمِنَ ٱلنَّاسِ} [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك {مَن يَقُولُ} [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان، وتغير الأحوال {رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال {مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي العافية، والصحة، والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق {وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [البقرة: 202]، نار القطعة وحرقة الفراق. {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ} [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر {مِّمَّا كَسَبُواْ} [البقرة: 202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}تفسير : [ابراهيم: 34]، وفي {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} إشارة إلى سرعة الحساب، فيما يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها دليله قوله تعالى: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثارها أو تركها؛ فأما الحسنة فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله عز وجل: إذ تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن { الْحَجَّ } واقع في { أشهر معلومات } عند المخاطبين، مشهورات، بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره، وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس. وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم، التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم. والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا. { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } أي: أحرم به، لأن الشروع فيه يصيره فرضا، ولو كان نفلا. واستدل بهذه الآية الشافعي ومن تابعه، على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره، قلت لو قيل: إن فيها دلالة لقول الجمهور، بصحة الإحرام [بالحج] قبل أشهره لكان قريبا، فإن قوله: { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة وقد لا يقع فيها، وإلا لم يقيده. وقوله: { فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } أي: يجب أن تعظموا الإحرام بالحج، وخصوصا الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه، من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن. والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام. والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة. والمقصود من الحج، الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبرورا والمبرور، ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج. واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر، ولهذا قال تعالى: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } أتى بـ "من "لتنصيص على العموم، فكل خير وقربة وعبادة، داخل في ذلك، أي: فإن الله به عليم، وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير، وخصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة، فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها، من صلاة، وصيام، وصدقة، وطواف، وإحسان قولي وفعلي. ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك، فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم، سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع. وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه، في دنياه، وأخراه، فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم دائم أبدا، ومن ترك هذا الزاد، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين. فهذا مدح للتقوى. ثم أمر بها أولي الألباب فقال: { وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ } أي: يا أهل العقول الرزينة، اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول، وتركها دليل على الجهل، وفساد الرأي.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 83 : 7 - سفين عن خصيف عن مقسم عن بن عباس في قول الله جل وعز {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} قال، شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. [الآية 197]. 84 : 8 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن خصيف عن مقسم عن بن عباس في قول الله جل وعز {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} قال، شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. 85 : 9 - سفين عن مغيرة عن إبراهيم مثله. 86 : 10 - سفين عن المغيرة عن إبراهيم في قوله جل وعز {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} قال، أحرم فيهن. [الآية 197]. 87 : 11 - سفين عن العلاء بن المسيب عن عطاء بن ابي رباح قال، هي التلبية. 88 : 12 - سفين عن ليث عن مجاهد في قول الله {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} قال، الرفث الجماع، والفسوق السباب، والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه. [الآية 197]. 89 : 13 - سفين عن منصور عن إبراهيم {وَلاَ جِدَالَ} قال، لا مراء. [الآية 197]. 90 : 81 - سفين عن عاصم الأحول عن بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس قال، الرفث (و) المباشرة والإِفضاء والتغشي واللماس الجماع. ولكن الله عز وجل كنّى. 91 : 22 - سفين ثنا محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير في قوله جل وعز {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} قال، السويق والدقيق والكعك. [الآية 197]. 92 : 23 - سفين عن عمرو عن مجاهد قال، كانوا لا يتزودون، فأُمروا أن يتزودوا. وكانوا لا يركبون، فأُمروا أن يركبوا. 93 : 99 - سفين في قراءة عبد الله {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} [197] 53- أنا سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: كان ناس يحُجُّون بغير زاد، فنزلت {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}.

همام الصنعاني

تفسير : 216- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}: [الآية: 197]، قال: شوال وذو القَعْدة وذو الحجة. 217- {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ}: [الآية: 197]، قال ابن أبي نجيح، قال مجاهد: والفرض الإهلال. 218- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري وقتادة، عن ابن أبي نجيح، عن مُجَاهِد، قال: "الرفث": غشيان النِّساء، والفسوق: المعاصي، واختلفوا في الجدال، فقال الزهري وقتادة: هو الصخب والمراء وأنت مُحْرِمٌ، وقال مجاهد: لا جدال فيه، قدْ بيَّنَ الله الحَجَّ فلَيْسَ فيه شكٌّ. 219- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}: [الآية: 197]، قال: كانَ أناسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمن يخْرُجُونَ بغيرِ زا دٍ إلى مَكَّةَ، فأَمَرَهم الله أن يتزودوا، وأخبرهم أنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى. 220- عبد الرزاق قالق، حدثنا عمر بن ذرّ قال: سمعت مجاهداً يقُولُ: كانوا يحجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، فَرخَّصَ لهُمْ في الزاد، وكانوا يحجون ولا يركبُونَ فأنزل الله تبارك وتعالى: {أية : يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ}تفسير : [الحج: 27]، {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}: [الآية: 197]. 221- عبد الرزاق، قال: حدثني أبي، عن عِكْرمة، قال: هذا السويق والدقيق. 222- عبد الرزاق قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عِكْرِمة، قال: كانوا يَحُجُّون بغير زاد فَأُمِرُوا أنْ يتزوّدوا فقال: {وَتَزَوَّدُواْ} ثم قال: "وخير الزاد التقوى". 223- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عُيَيْنة، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: هو الكعك والسويق. 224- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عُيَيْنة، عن عبد الملك، عن الشعبي، قال: هو التَّمْرُ والسويقُ.