Verse. 205 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَنْ تَبْتَغُوْا فَضْلًا مِّنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۭ فَاِذَاۗ اَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفٰتٍ فَاذْكُرُوا اللہَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ۝۰۠ وَاذْكُرُوْہُ كَـمَا ھَدٰىكُمْ۝۰ۚ وَاِنْ كُنْتُمْ مِّنْ قَبْلِہٖ لَمِنَ الضَّاۗلِّيْنَ۝۱۹۸
Laysa AAalaykum junahun an tabtaghoo fadlan min rabbikum faitha afadtum min AAarafatin faothkuroo Allaha AAinda almashAAari alharami waothkuroohu kama hadakum wain kuntum min qablihi lamina alddalleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ليس عليكم جناح» في «أن تبتغوا» تطلبوا «فضلا» رزقا «من ربكم» بالتجارة في الحج نزل ردا لكراهيتهم ذلك «فإذا أفضتم» دفعتم «من عرفات» بعد الوقوف بها «فاذكروا الله» بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء «عند المشعر الحرام» هو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جدا رواه مسلم «واذكروه كما هداكم» لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل «وإن» مخففة «كنتم من قبله» قبل هداه «لمن الضالين».

198

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف والتقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فضلاً والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن الشبهة كانت حاصلة في حرمة التجارة في الحج من وجوه: أحدها: أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها، فوجب أن تكون التجارة محرمة وقت الحج وثانيها: أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية وثالثها: أن المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج، كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار سبباً لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إليه فبأن يصير سبباً لحرمة التجارة مع قلة الحاجة إليها كان أولى ورابعها: عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بسائر الطاعات فضلاً عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج، فلهذا السبب بين الله تعالى ههنا أن التجارة جائزة غير محرمة، فإذا عرفت هذا فنقول: المفسرون ذكروا في تفسير قوله: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } وجهين الأول: أن المراد هو التجارة، ونظيره قوله تعالى:{أية : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } تفسير : [المزمل: 20] وقوله: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [القصص: 73] ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان الأول: ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ: (أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ فِى مواسم ٱلْحَجُّ ) والثاني: الروايات المذكورة في سبب النزول. فالرواية الأولى: قال ابن عباس: كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية، وكانوا يسمون التاجر في الحج: الداج ويقولون: هؤلاء الداج، وليسوا بالحاج، ومعنى الداج: المكتسب الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة، وبالغوا في الإحتراز عن الأعمال، إلى أن امتنعوا عن إغاثة الملهوف، وإغاثة الضعيف وإطعام الجائع، فأزال الله تعالى هذا الوهم، وبين أنه لا جناح في التجارة، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج، وما بعدها أيضاً في الحج، وهو قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ } دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج، فلهذا السبب استغنى عن ذكره. والرواية الثانية: ما روي عن ابن عمر أن رجلاً قال له إنا قوم نكري وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا، فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } فدعاه وقال: أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت رداً على من يقول: لا حج للتجار والأجراء والجمالين. والرواية الثالثة: أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا بتجرون في أيام الموسم فيها، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يتجرون في الحج بغير إذن، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. والرواية الرابعة: قال مجاهد: إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولامنى، فنزلت هذه الآية. إذا ثبت صحة هذا القول فنقول: أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج، قال والتقدير: فاتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } ونظيره قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَْرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجمعة: 10]. واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه أحدها: الفاء في قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ } يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل، وذلك يدل على وقوع التجارة في زمان الحج وثانيها: أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لاعلى موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشهبة هو التجارة في زمن الحج، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة. أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة فجوابه: أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها، وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجاً لا يقال: بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية، لأنا نقول: هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطاً. القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجاً أعمالاً أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وهذا القول منسوب إلى أبـي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام، واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب، ولا يقال في مثله: لا جناح عليكم فيه، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات. والجواب: لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } تفسير : [النساء: 101] والقصر بالإتفاق من المندوبات، وأيضاً فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللاً في الحج ونقصاً فيه، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله: {أية : لا جناح عَلَيْكُمْ } تفسير : [الممتحنة: 10]. المسألة الثالثة: اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصاناً في الطاعة لم تكن مباحة، أما إن لم توقع نقصاناً ألبتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها، لقوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [البينه: 5] والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة، وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: «حديث : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه» تفسير : والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص. قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } فيه مسائل: المسألة الأولى: الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة، ومنه يقال: أفاض البعير بجرته، إذا وقع بها فألقاها منبثة، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر، معناه جمعها ثم ألقاها متفرقة، وإفاضة الماء من هذا لأنه إذا صب تفرق والإفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه، وعليه قوله تعالى: {أية : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } تفسير : [يونس: 61] ومنه يقال للناس: فوض، وأيضاً جمعهم فوضى ويقال: أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء حتى يتفرق. فقوله تعالى: {أَفَضْتُمْ } أي دفعتم بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم: دفعوا من موضع كذا وصبوا، وفي حديث أبـي بكر رضي الله عنه: ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه. المسألة الثانية: {عَرَفَـٰتٍ } جمع عرفة، سميت بها بقعة واحدة، كقولهم: ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وأرض سباسب، والتقدير: كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات، فإن قيل: هلا منعت من الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث قلنا: هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منها مسماة بعرفة، وعلى هذا التقدير لم يكن علماً ثم جعلت علماً لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف. المسألة الثالثة: اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوهاً أما يوم التروية ففيه قولان أحدهما: من روي يروي تروية، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته والثاني: من رواه من الماء يرويه إذا سقاه من عطش أما الأول: ففيه ثلاثة أقوال أحدها: أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت، فلما بناه تفكر فقال: رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك، قال: يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به، قال: زدني قال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك، قال: حسبـي يا رب حسبـي وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكراً هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان؟ فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك وثالثها: أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في غدهم بعرفات. أما القول الثاني: وهو اشتقاقه من تروية الماء، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق، وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر، ويتسعون في الماء، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم والثاني: أنهم يتزودون الماء إلى عرفة والثالث: أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة الله فشربوا منها حتى رووا، وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } تفسير : [الفجر: 3] عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة، والوتر يوم النحر، وعن عبادة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر، ولمن يصوم يوم التروية سنة، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان» تفسير : وروى أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله تعالى مثل ثواب عيسى بن مريم عليه السلام». تفسير : وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء، خمسة منها مختصة به، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره، أما الخمسة الأولى فأحدها: عرفة، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مشتق من المعرفة، وفيه ثمانية أقوال الأول: قول ابن عباس: إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمى اليوم عرفة، والموضع عرفات، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب، وحواء بجدة، وإبليس بنيسان، والحية بأصفهان، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج لقي حواء بعرفات فتعارفا وثانيها: أن آدم علمه جبريل مناسك الحج، فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال نعم، فسمى عرفات وثالثها: قول علي وابن عباس وعطاء والسدي: سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة ورابعها: أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك، وأوصله إلى عرفات، وقال له: أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف؟ قال نعم وخامسها: أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات وسادسها: ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام وسابعها: أن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا وثامنها: أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة. القول الثاني: في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال: إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه وتعالى الآن عرفتما أنفسكما. والقول الثالث: أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة قال تعالى: {أية : يُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } تفسير : [محمد: 6] أي طيبها لهم، ومعنى ذلك أن المذنبين لما تابوا في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب، ويكتسبون به عند الله تعالى رائحة طيبة، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» تفسير : الثاني: يوم إياس الكفار من دين الإسلام الثالث: يوم إكمال الدين الرابع: يوم إتمام النعمة الخامس: يوم الرضوان، وقد جمع الله تعالى هذه الأشياء في أربع آيات، في قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } تفسير : [المائدة: 3] الآية، قال عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية عرفة، وكان يوم الجمعة والنبـي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم عليه السلام، وذلك في حجة الوداع، وقد اضمحل الكفر، وهدم بنيان الجاهلية، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو يعلم الناس ما لهم في هذه الآية لقرت أعينهم»تفسير : فقال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين، كان يوم عرفة ويوم الجمعة فأما معنى: إياس المشركين: فهو أنهم يئسوا من قوم محمد عليه الصلاة والسلام أن يرتدوا راجعين إلى دينهم، فأما معنى إكمال الدين فهو أنه تعالى ما أمرهم بعد ذلك بشيء من الشرائع، وأما إتمام النعمة فأعظم النعم نعمة الدين، لأن بها يستحق الفوز بالجنة والخلاص من النار، وقد تمت في ذلك اليوم وكذلك قال في آية الوضوء {أية : وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ } تفسير : [المائدة: 6] ولما جاء البشير وقدم على يعقوب، قال: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على دين الإسلام قال: الآن تمت النعمة، وأما معنى الرضوان فهو أنه تعالى رضي بدينهم الذي تمسكوا به وهو الإسلام فهي بشارة بشرهم بها في ذلك اليوم فلا يوم أكمل من اليوم الذي بشرهم فيه بإكمال الدين، وقيل: هذا اليوم يوم صلة الواصلين {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } تفسير : [المائدة: 3] ويوم قطيعة القاطعين{أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } تفسير : [التوبة: 3] ويوم إقالة عثر النادمين وقبول توبة التائبين {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] فكما تاب برحمته على آدم فيه فكذلك يتوب على أولاده {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } تفسير : [الشورى: 25] وهو أيضاً يوم وفد الوافدين {أية : وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً } تفسير : [الحج: 27] وفي الخبر «حديث : الحاج وفد الله، والحاج زوار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره»تفسير : . وأما الأسماء الخمسة الأخرى ليوم عرفة فأحدها: يوم الحج الأكبر قال الله تعالى: {أية : وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ } تفسير : [التوبة: 3] وهذا الاسم مشترك بين عرفة والنحر، واختلف الصدر الأول من الصحابة والتابعين فيه، فمنهم من قال: إنه عرفة، وسمي بذلك لأنه يحصل فيه الوقوف بعرفات والحج عرفة إذا لو أدركه وفاته سائر مناسك الحج أجزأ عنها الدم، فلهذا السبب سمي بالحج الأكبر قال الحسن: سمي به لأنه اجتمع فيه الكفار والمسلمون، ونودي فيه أن لا يحج بعده مشرك، وقال ابن سيرين: إنما سمي به لأنه اجتمع فيه أعياد أهل الملل كلها من اليهود والنصارى وحج المسلمون ولم يجتمع قبله ولا بعده، ومنهم من قال: إنه يوم النحر لأنه يقع فيه أكثر مناسك الحج، فأما الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزىء في الليل وروى القولان جميعاً عن علي وابن عباس عن النبـي صلى الله عليه وسلم، وثانيها: الشفع وثالثها: الوتر ورابعها: الشاهد وخامسها: المشهود في قوله: {أية : وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } تفسير : [البروج: 3] وهذه الأسماء فسرناها في هذه الآية. واعلم أنه تعالى خص يوم عرفة من بين سائر أيام الحج بفضائل، منها أنه تعالى خص صومه بكثرة الثواب قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين» تفسير : وعن أنس كان يقال في أيام العشر: كل يوم بألف ويوم عرفة بعشرة آلاف بل يستحب للحاج الواقف بعرفات أن يفطر حتى يكون وقت الدعاء قوي القلب حاضر النفس. المسألة الرابعة: اعلم أنه لا بد وأن نشير إشارة حقيقية إلى ترتيب أعمال الحج حتى يسهل الوقوف على معنى الآية، فمن دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله، فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم، وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، والسنة للإمام أن يخطب بمكة يوم السابع من ذي الحجة، بعدما يصلي الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعدما يصلون الصبح إلى منى ويعلمهم تلك الأعمال، ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بها، ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير يتوجهون إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها، بل يضرب فيه الإمام بنمرة وهي قريبة من عرفة، فينزلون هناك حتى تزول الشمس، فيخطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، إذا فرغ من الخطبة الأولى جلس، ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال ويصلي بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه، ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات، لأن النبـي صلى الله عليه وسلم وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة يذكرون الله تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس. واعلم أن الوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به فمن فاته الوقوف في وقته وموضوعه فقد فاته الحج ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار فقد كفى، وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر فإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة. وفي تسمية المزدلفة أقوال: أحدها: أنهم يقربون فيها من منى والإزدلاف القرب والثاني: أن الناس يجتمعون فيها والإجتماع الإزدلاف والثالث: أنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف ويقال للمزدلفة: جمع لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغرب، وهذا قول قتادة، وقيل إن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها، ثم إذا أتى الإمام المزدلفة: جمع المغرب والعشاء بإقامتين، ثم يبيتون بها، فإن لم يبت بها فعليه دم شاة، فإذا طلع الفجر صلوا صلاة الصبح بغلس والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها، وهو متفق عليه، فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان منها سبعين حصاة، ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقال له قزح، وهو المراد من قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } وهذا الجبل أقصى المزدلفة مما يلي منى، فيرقى فوقه إن أمكنه، أو وقف بالقرب منه إن لم يمكنه، وبحمد الله تعالى يهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلوع الشمس ويكفي المرور كما في عرفة، ثم يذهبون منه إلى وادي محسر فإذا بلغوا بطن محسر فيستحب لمن كان راكباً أن يحرك دابته، ومن كان ماشياً أن يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر، فإذا أتوا منى رموا جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا ابتدأ الرمي، فإذا رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه، لأنه ربما لا يكون معه هدي، ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر والتقصير أن يقطع أطراف شعوره، ثم بعد الحلق يأتي مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة، ويصلي ركعتي الطواف، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعودون إلى منى في بقية يوم النحر وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي، واتفقوا على أنه متى حصل الرمي والحلق والطواف فقد حصل التحلل، والمراد من التحلل حل اللبس والتقليم والجماع، فهذا هو الكلام في أعمال الحج والله أعلم. المسألة الخامسة: اعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة إبراهيم عليه السلام، وذلك أن قريشاً وقوماً آخرين سموا أنفسهم بالحمس، وهم أهل الشدة في دينهم، والحماسة الشدة يقال: رجل أحمس وقوم حمس، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذي يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ومعناه: أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة فيدخلون في غور من الأرض، وهو المنخفض منها، وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة وصاروا في غور من الأرض، فأمر الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام بمخالفة القوم في الدفعتين، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس، وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، والآية لا دلالة فيها على ذلك، بل السنة دلت على هذه الأحكام. المسألة السادسة: الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام عند الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج، فإذا لم يأت به فلم يكن آتياً بالحج المأمور به، فوجب أن لا يخرج عن العهدة وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطاً أقصى ما في الباب أن الحج يحصل عند ترك بعض المأمورات إلا أن الأصل ما ذكرناه، وإنما يعدل عنه بدليل منفصل وذهب كثير من العلماء إلى أن الآية لا دلالة فيها على أن الوقوف شرط ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب، إلا أنه إن فاته ذلك قام الوقوف بجميع الحرم مقامه، وسائر الفقهاء أنكروا ذلك واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة. المسألة السابعة: قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } يدل أن الحصول عند المشعر الحرام واجب ويكفي فيه المرور به كما في عرفة، فأما الوقوف هناك فمسنون، وروي عن علقمة والنخعي أنهما قالا: الوقوف بالمزدلفة ركن بمنزلة الوقوف بعرفة وحجتهما قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } وذلك لأن الوقوف بعرفة لا ذكر له صريحاً في الكتاب وإنما وجب بإشارة الآية أو بالسنة، والمشعر الحرام فيه أمر جزم، وقال جمهور الفقهاء: إنه ليس بركن، واحتجوا بقوله عليه السلام: «حديث : الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه» تفسير : وبقوله: «حديث : من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج» تفسير : قالوا: وفي الآية إشارة إلى ما قلنا لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } أمر بالذكر لا بالوقوف، فعلم أن الوقوف عند المشعر الحرام تبع للذكر، وليس بأصل، وأما الوقوف بعرفة فهو أصل لأنه قال: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ } ولم يقل من الذكر بعرفات. المسألة الثامنة: {ٱلْمَشْعَرِ } المعلم وأصله من قولك: شعرت بالشيء إذا علمته، وليت شعري ما فعل فلان، أي ليت علمي بلغه وأحاط به، وشعار الشيء أعلامه، فسمى الله تعالى ذلك الموضع بالمشعر الحرام، لأنه معلم من معالم الحج، ثم اختلفوا فقال قائلون: المشعر الحرام هو المزدلفة، وسماها الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده، هكذا قاله الواحدي في «البسيط» قال صاحب «الكشاف»: الأصح أنه قزح، وهو آخر حد المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة. المسألة التاسعة: اختلفوا في الذكر المأمور به عند المشعر الحرام فقال بعضهم: المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك والصلاة تسمى ذكراً قال الله تعالى: {أية : وأقم الصلاة لذكري } تفسير : [طه: 14] والدليل عليه أن قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } أمر وهو للوجوب، ولا ذكر هناك يجب إلا هذا، وأما الجمهور فقالوا: المراد منه ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، وعن ابن عباس أنه نظر إلى الناس في هذه الليلة وقال: كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة لا ينامون. أما قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: لما قال: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } فلم قال مرة أخرى {وَٱذْكُرُوهُ } وما الفائدة في هذا التكرير؟. والجواب من وجوه أحدها: أن مذهبنا أن أسماء الله تعالى توقيفية لا قياسية فقوله أولاً: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } أمر بالذكر، وقوله ثانياً: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } أمر لنا بأن نذكره سبحانه بالأسماء والصفات التي بينها لنا وأمرنا أن نذكره بها، لا بالأسماء التي نذكرها بحسب الرأي والقياس وثانيها: أنه تعالى أمر بالذكر أولاً، ثم قال ثانياً: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } أي وافعلوا ما أمرناكم به من الذكر كما هداكم الله لدين الإسلام، فكأنه تعالى قال: إنما أمرتكم بهذا الذكر لتكونوا شاكرين لتلك النعمة، ونظيره ما أمرهم به من التكبير إذا أكملوا شهر رمضان، فقال: {أية : وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } تفسير : [البقرة: 185] وقال في «الأضاحي»:{أية : كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } تفسير : [الحج: 37] وثالثها: أن قوله أولاً: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } أمر بالذكر باللسان وقوله ثانياً: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } أمر بالذكر بالقلب، وتقريره أن الذكر في كلام العرب ضربان أحدهما: ذكر هو ضد النسيان والثاني: الذكر بالقول، فما هو خلاف النسيان قوله: {أية : وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ } تفسير : [الكهف: 63] وأما الذكر الذي هو القول فهو كقوله: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}تفسير : [البقرة: 200] {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [البقرة: 203] فثبت أن الذكر وارد بالمعنيين فالأول: محمول على الذكر باللسان والثاني: على الذكر بالقلب، فإن بهما يحصل تمام العبودية ورابعها: قال ابن الأنباري: معنى قوله: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } يعني اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته وخامسها: يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر، كأنه قيل لهم: اذكروا الله واذكروه أي اذكروه ذكراً بعد ذكر، كما هداكم هداية بعد هداية، ويرجع حاصله إلى قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } تفسير : [الأحزاب: 41] وسادسها: أنه تعالى أمر بالذكر عند المشعر الحرام، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة، ثم قال بعده: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة لوظائف الشريعة، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة، وهو أن ينقطع قلبك عن المشعر الحرام، بل عن من سواه فيصير مستغرقاً في نور جلاله وصمديته، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكراً له ومشتغلاً بالثناء عليه، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه الخيال، ومن أراد أن يصل إليه، فليكن من الواصلين إلى العين، دون السامعين للأثر ورابعها: أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، والمراد بالذكر الثاني: الاشتغال بشكر نعمائه، والشكر مشتمل أيضاً على الذكر، فصح أن يسمى الشكر ذكراً، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية، فقال: {كَمَا هَدَاكُمْ } والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر وثامنها: أنه تعالى لما قال {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه العبادة، يعني الحج فأزال الله تعالى هذه الشبهة فقال {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } يعني اذكروه على كل حال، وفي كل مكان، لأن هذا الذكر إنما وجب شكراً على هدايته، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمراً غير منقطع وتاسعها: أن قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك، ثم قوله: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } والمراد منه التهليل والتسبيح. السؤال الثاني: ما المراد من الهداية في قوله: {كَمَا هَدَاكُمْ }؟. الجواب: منهم من قال: إنها خاصة، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام، ومنهم من قال لا بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه. السؤال الثالث: الضمير في قوله: {مِن قَبْلِهِ } إلى ماذا يعود؟. الجواب: يحتمل أن يكون راجعاً إلى {ٱلْهُدَىٰ } والتقدير: وإن كنتم من قبل أن هداكم من الضالين، وقال بعضهم: إنه راجع إلى القرآن، والتقدير: واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه، وإن كنتم من قبل إنزاله ذلك عليكم من الضالين. أما قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّالّينَ } فقال القفال رحمة الله عليه: فيه وجهان أحدهما: وما كنتم من قبله إلا الضالين والثاني: قد كنتم من قبله من الضالين، وهو كقوله: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } تفسير : [الطارق: 4] وقوله: {أية : وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } تفسير : [الشعراء: 186].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {جُنَاحٌ} أي إثم، وهو ٱسم ليس. {أَن تَبْتَغُواْ} في موضع نصب خبر ليس؛ أي في أن تبتغوا. وعلى قول الخليل والكسائي أنها في موضع خفض. ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرَّفَث والفُسوق والجدال رخّص في التجارة؛ المعنى: لا جناح عليكم في أن تبتغوا فضل الله. وٱبتغاءُ الفضل وَرَدَ في القرآن بمعنى التجارة، قال الله تعالى: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 10]. والدليل على صحة هذا ما رواه البخاريّ عن ٱبن عباس قال: كانت عُكَاظ ومَجَنّة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثّموا أن يتّجروا في المواسم فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} في مواسم الحج. الثانية: إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركاً ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافاً للفقراء. أمَا إن الحج دون تجارة أفضل؛ لعُرُوّها عن شوائب الدنيا وتعلّقِ القلب بغيرها. روى الدَارَقُطْنِيّ في سُننه عن أبي أمامة التَّيمي قال قلت لابن عمر: إني رجل أكرى في هذا الوجه، وإن ناساً يقولون: إنه لا حجّ لك. «حديث : فقال ٱبن عمر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل هذا الذي سألتني، فسكت حتى نزلت هذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لك حَجًّا»».تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} فيه ست عشرة مسألة. الأولى: قوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم} أي ٱندفعتم. ويقال: فاض الإناء إذا ٱمتلأ حتى ينصبّ عن نواحيه. ورجل فَيّاض؛ أي مندفق بالعطاء. قال زُهير:شعر : وأَبْيَضَ فَيّاضٍ يداه غمامة على مُعْتَفِيه ما تُغِبّ فواضله تفسير : وحديث مستفيض؛ أي شائع. الثانية: قوله تعالى: {مِّنْ عَرَفَاتٍ} قراءة الجماعة «عَرفاتٍ» بالتنوين؛ وكذلك لو سُمِّيت ٱمرأةٌ بمسلمات؛ لأن التنوين هنا ليس فرقاً بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين. قال النحاس: هذا الجيّد. وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات؛ يقول: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفاتِ يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين؛ قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين. وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء، تشبيهاً بتاء فاطمة وطلحة. وأنشدوا:شعر : تَنَوّرتها من أذرعاتَ وأهلُها بيَثْرِبَ أدْنَى دارِها نَظَرٌ عالِ تفسير : والقول الأوّل أحسن، وأن التنوين فيه على حدّه في مسلمات؛ الكسرة مقابلة الياء في مسلمين والتنوين مقابل النون. وعرفات: ٱسم عَلَم، سُمّي بجَمْع كأذرعات. وقيل: سُمّيَ بما حوله، كأرضٍ سباسِب. وقيل: سُمِّيَتْ تلك البُقْعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها. وقيل: لأن آدم لما هبط وقع بالهند، وحوّاء بجُدّة، فٱجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عَرفة وتعارفَا؛ فسُميَ اليوم عرفة، والموضع عرفات؛ قاله الضحاك. وقيل غير هذا لما تقدّم ذكره عند قوله تعالى: {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}تفسير : [البقرة: 128]. قال ٱبن عطية: والظاهر أن ٱسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع. وعرفة هي نَعمان الأراك؛ وفيها يقول الشاعر:شعر : تزوّدتُ من نَعمان عُودَ أراكة لهِنْدٍ ولكن منَ يُبَلّغُه هِنْداً تفسير : وقيل: هي مأخوذة من العَرْف وهو الطِّيب؛ قال الله تعالى: {عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي طَيّبها، فهي طيبة بخلاف مِنىً التي فيها الفُرُوث والدماء؛ فلذلك سُمِّيتْ عرفات. ويوم الوقوف يوم عرفة. وقال بعضهم: أصل هذين الاسمين من الصبر؛ يقال: رجل عارف، إذا كان صابراً خاشعاً. ويقال في المَثَل: النّفْسُ عَرُوف وما حَملّتها تتحمّل. قال:شعر : فصَبْرْتُ عارفةً لذلك حُرّةً تفسير : أي نفس صابرة. وقال ذو الرُّمّة:شعر : عَرُوفٌ لِما خَطْت عليه المقادِرُ تفسير : أي صبور على قضاء الله؛ فسُمّيَ بهذا الاسم لخضوع الحاجّ وتذلّلهم، وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء وٱحتمال الشدائد؛ لإقامة هذه العبادة. الثالثة: أجمع أهل العلم على أن مَن وقف بعرفة يوم عَرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يُعتدّ بوقوفه ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على تمام حَجّ من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل؛ إلا مالك بن أنس فإنه قال: لا بدّ أن يأخذ من الليل شيئاً. وأمّا مَن وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجّه. والحجة للجمهور مطلقُ قوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} ولم يخصّ ليلاً من نهار، وحديث عُرْوة بن مُضَرِّس قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف من جَمْعِ، فقلت يا رسول الله، جئتك من جَبَلَيْ طَيْء، أَكْلَلْتُ مَطِيّتي، وأتعبتُ نفْسي، والله إن تركتُ من حَبل إلا وقفتُ عليه، فهل لي مِن حَجّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صلّى معنا صلاةَ الغداة بجَمْع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد قَضَى تَفَثَه وتَمّ حجه»تفسير : . أخرجه غير واحد من الأئمة، منهم أبو داود والنسائي والدارقُطْنِي واللفظ له. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أبو عمر: حديث عُرْوة بن مُضَرِّس الطائي حديث ثابت صحيح، رواه جماعة من أصحاب الشّعبي الثقات عن الشعبي عن عروة بن مضرس؛ منهم إسماعيل بن أبي خالد وداود ابن أبي هند وزكريا بن أبي زائدة وعبد اللَّه بن أبي السَّفَر ومُطَرِّف، كلهم عن الشعبيّ عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام. وحجةُ مالك من السُّنة الثابتة: حديث جابر الطويل، خرّجه مسلم؛ وفيه: فلم يزل واقفاً حتى غَرَبت الشمس وذهبت الصُّفرة قليلاً حتى غاب القُرص. وأفعاله على الوجوب، لاسِيّمَا في الحج وقد قال: «حديث : خذوا عنّي مناسككم».تفسير : الرابعة: وٱختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه مع صحة الحج؛ فقال عطاء وسفيان الثوريّ والشافعيّ وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم: عليه دَمٌ. وقال الحسن البصري: عليه هَدْيٌ. وقال ٱبن جُريج: عليه بَدَنة. وقال مالك: عليه حجٌّ قابلٌ، والهَدْيُ ينحره في حجّ قابل، وهو كمن فاته الحج. فإن عاد إلى عرفة حتى يَدْفع بعد مغيب الشمس فقال الشافعيّ: لا شيء عليه، وهو قول أحمد وإسحٰق وداود، وبه قال الطبري. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ: لا يسقط عنه الدّم وإن رجع بعد غروب الشمس؛ وبذلك قال أبو ثور. الخامسة: ولا خلاف بين العلماء في أن الوقوف بعرفة راكباً لمن قدر عليه أفضل؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك وقف إلى أن دَفع منها بعد غروب الشمس، وأردف أسامةَ بن زيد؛ وهذا محفوظ في حديث جابر الطويل وحديث عليّ، وفي حديث ٱبن عباس أيضاً. قال جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القَصْواء إلى الصَّخَرات، وجعل حَبْلَ المُشاة بين يديه وٱستقبل القبلة؛ فلم يزل واقفاً حتى غَرَبت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القُرص، وأردف أسامةَ بن زيد خلفه، الحديث. فإن لم يقدر على الركوب وقف قائماً على رجليه داعياً، ما دام يقدر، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على الوقوف؛ وفي الوقوف راكباً مباهاةٌ وتعظيم للحج {أية : وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}تفسير : [الحج: 32]. قال ٱبن وهب في مُوَطّئه قال لي مالك: الوقوف بعَرَفة على الدواب والإبل أحبّ إليّ من أن أقف قائماً، قال: ومن وقف قائماً فلا بأس أن يستريح. السادسة: ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أسامة ابن زيد؛ أنه عليه السلام كان إذا أفاض من عَرَفة يسير العَنَق فإذا وَجد فَجْوَةً نَصَّ. قال هشام بن عروة: والنّص فوق العَنَق. وهكذا ينبغي على أئمة الحاج فَمَن دونهم؛ لأن في ٱستعجال السير إلى المزدلفة ٱستعجال الصلاة بها، ومعلوم أن المغرب لا تُصلَّى تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة، وتلك سُنّتها؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. السابعة: ظاهر عموم القرآن والسنة الثابتة يدل على أن عرفة كلها مَوْقف؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ووقَفتُ ها هنا وعَرَفة كلها موقف»تفسير : . رواه مسلم وغيره من حديث جابر الطويل. وفي مُوَطّأ مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عرفةُ كلها موقف وٱرتفعوا عن بطن عُرَنة والمزدلفةُ كلها موقف وٱرتفعوا عن بطن مُحَسِّر»تفسير : . قال ابن عبد البر: هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد اللَّه، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عليّ بن أبي طالب، وأكثر الآثار ليس فيها ٱستثناء بطن عُرَنة من عَرَفة، وبطن مُحَسِّر من المزدلفة؛ وكذلك نقلها الحفاظ الثقات الأثبات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال أبو عمر: وٱختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة بعُرَنة؛ فقال مالك فيما ذكر ٱبن المنذر عنه: يُهْرِيق دماً وحجُّه تام. وهذه رواية رواها خالد بن نزار عن مالك. وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجّه فائت، وعليه الحج من قابل إذا وقف ببطن عُرَنة. وروي عن ٱبن عباس قال: من أفاض من عُرَنة فلا حج له. وهو قول ٱبن القاسم وسالم، وذكر ٱبن المنذر هذا القول عن الشافعيّ، قال وبه أقول: لا يجزيه أن يقف بمكانٍ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يوقف به. قال ٱبن عبد البر: الاستثناء ببطن عُرَنة من عرفة لم يجىء مجيئاً تلزمُ حُجته، لا من جهة النقل ولا من جهة الإجماع. وحُجة من ذهب مذهب أبي المصعب أن الوقوف بعرفة فرض مجمع عليه في موضع معيّن، فلا يجوز أداؤه إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف. وبطن عُرَنة يقال بفتح الراء وضمها، وهو بغربي مسجد عرفة؛ حتى لقد قال بعض العلماء: إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة. وحكى الباجي عن ٱبن حبيب أن عرفة في الحِلّ، وعرنة في الحَرَم. قال أبو عمر: وأما بطن مُحَسِّر فذكر وَكِيع: حدّثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَوْضَع في بطن مُحَسِّر. الثامنة: ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عَرَفة بغير عرفة، تشبيهاً بأهل عرفة. روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال: أوّل من صنع ذلك ٱبن عباس بالبصرة. يعني ٱجتماع الناس يوم عرفة في المسجد بالبصرة. وقال موسى بن أبي عائشة: رأيت عمر بن حُرَيث يخطب يوم عرفة وقد ٱجتمع الناس إليه. وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن التعريف في الأمصار، يجتمعون يوم عرفة، فقال: أرجو ألا يكون به بأس، قد فعله غير واحد: الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة. التاسعة: في فضل يوم عرفة. يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم، يكفّر الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية»تفسير : . أخرجه في الصحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلي لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له»تفسير : . وروى الدّارَقُطْنِيّ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من يوم أكثرَ أن يُعتق الله فيه عدداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو عز وجل ثم يُباهِي بهم الملائكة يقول ما أراد هؤلاء»تفسير : . وفي الموطأ عن عبيد الله بن كَرِيز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أَحْقَر ولا أَدْحَر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر». قيل: وما رأى (يوم بدر) يا رسول الله؟ قال: «أمَا إنه قد رأى جبريل يَزَع الملائكة»تفسير : . قال أبو عمر: روى هذا الحديث أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز عن أبيه، ولم يقل في هذا الحديث عن أبيه غيره وليس بشيء، والصواب ما في الموطأ. وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: حدّثنا حاتم بن نعيم التميمي أبو روح قال حدّثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال حدّثنا عبد القاهر بن السري السّلمي قال حدّثني ٱبنٌ لكنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جدّه عباس بن مرداس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشيّةَ عرفة بالمغفرة والرحمة، وأكثر الدعاء فأجابه: إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضاً فأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها. قال: «يا رب إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيراً من مظلمته وتغفر لهذا الظالم» فلم يجبه تلك العشِيّة؛ فلما كان الغداة غداة المزدلفة ٱجتهد في الدعاء فأجابه: إني قد غفرت لهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقيل له: تبسمْتَ يا رسول الله في ساعة لم تكن تتبسم فيها؟ فقال: «تبسمت من عدوّ الله إبليس إنه لما علم أن الله قد ٱستجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثُّبور وَيحْثي التراب على رأسه وَيفِرّ»تفسير : . وذكر أبو عبد الغني الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدّثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار وإذا كان يوم منىً غفر الله للجمالين وإذا كان يوم جمرة العقبة غفر الله للسُّؤّال ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إلٰه إلا الله إلا غفر له»تفسير : . قال أبو عمر: هذا حديث غريب من حديث مالك، وليس محفوظاً عنه إلا من هذا الوجه؛ وأبو عبد الغني لا أعرفه، وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في روايات الرغائب والفضائل عن كل أحد، وإنما كانوا يتشدّدون في أحاديث الأحكام. العاشرة: ٱستحب أهل العلم صوم يوم عرفة إلا بعرفة. روى الأئمة واللفظ للترمذي عن ٱبن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة، وأرسلت إليه أمّ الفضل بلبن فشرب. قال: حديث حسن صحيح. وقد روى عن ٱبن عمر قال: «حججت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ـ يعني يوم عرفة ـ ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه؛ والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يستحبون الإفطار بعرفة ليتقوّى به الرجل على الدعاء، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة». وأسند عن ٱبن عمر مثل الحديث الأوّل، وزاد في آخره: ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه؛ حديث حسن. وذكره ابن المنذر. وقال عطاء في صوم يوم عرفة: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف. وقال يحيى الأنصاري: يجب الفطر يوم عرفة. وكان عثمان بن أبي العاصي وابن الزبير وعائشة يصومون يوم عرفة. قال ابن المنذر: الفطر يوم عرفة بعرفات أحب إليّ، ٱتباعَاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والصوم بغير عرفة أحبّ إليّ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد «حديث : سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية»»تفسير : . وقد روينا عن عطاء أنه قال: من أفطر يوم عرفة ليتقوّى على الدعاء فإن له مثل أجر الصائم. الحادية عشرة: في قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أي ٱذكروه بالدعاء والتّلبية عند المشعر الحرام. ويسمَّى جَمْعاً لأنه يجمع ثَمّ المغرب والعشاء؛ قاله قتادة. وقيل: لاجتماع آدم فيه مع حوّاء، وٱزدلف إليها، أي دنا منها، وبه سُمّيت المزدلفة. ويجوز أن يقال: سُمّيت بفعل أهلها؛ لأنهم يزدلفون إلى الله، أي يتقرّبون بالوقوف فيها. وسُميَ مَشْعَراً من الشّعار وهو العلامة؛ لأنه معلم للحج والصلاة والمبيت به، والدعاء عنده من شعائر الحج. ووصف بالحرام لحُرْمته. الثانية عشرة: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً. وأجمع أهل العلم ـ لا ٱختلاف بينهم ـ أن السُّنة أن يَجْمع الحاج بجَمْع بين المغرب والعشاء. وٱختلفوا فيمن صلاّها قبل أن يأتي جَمْعاً؛ فقال مالك: مَن وقف مع الإمام ودَفع بدفعه فلا يصلّي حتى يأتي المزدلفة فيجمع بينها؛ وٱستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: «حديث : الصلاة أمامك»تفسير : . قال ٱبن حبيب: من صلّى قبل أن يأتي المزدلفة دون عذر يعيد متى ما عَلم، بمنزلة من قد صلى قبل الزوال؛ لقوله عليه السلام: «حديث : الصلاة أمامك» تفسير : وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب: لا إعادة عليه، إلا أن يصلّيهما قبل مغيب الشَّفَق فيعيد العشاء وحدها؛ وبه قال الشافعي، وهو الذي نصره القاضي أبو الحسن، وٱحتج له بأن هاتين صلاتان سُنّ الجمع بينهما، فلم يكن ذلك شرطاً في صحتهما، وإنما كان على معنى الاستحباب؛ كالجمع بين الظهر والعصر بعرفة. وٱختار ابن المنذر هذا القول، وحكاه عن عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير وأحمد وإسحٰق وأبي ثور ويعقوب. وحكي عن الشافعي أنه قال: لا يصلّي حتى يأتي المزدلفة، فإن أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما. الثالثة عشرة: ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق فقد قال ٱبن حبيب: لا صلاة لمن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق، (لا لإمام ولا غيره حتى يغيب الشفق)؛ لقوله عليه السلام: «حديث : الصلاة أمامك»تفسير : ثم صلاّها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق. (ومن جهة المعنى أن وقت هذه الصلاة بعد مغيب الشفق)؛ فلا يجوز أن يؤتى بها قبله، ولو كان لها وقت قبل مغيب الشفق لما أُخّرت عنه. الرابعة عشرة: وأما من أتى عرفة بعد دفع الإمام، أو كان له عذر ممن وقف مع الإمام فقد قال ٱبن الموّاز: من وقف بعد الإمام فليصل كل صلاة لوقتها. وقال مالك فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع الإمام: إنه يصلي إذا غاب الشفق الصلاتين يجمع بينهما. وقال ابن القاسم فيمن وقف بعد الإمام: إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل فليؤخّر الصلاة حتى يأتي المزدلفة، وإلا صلّى كل صلاة لوقتها. فجعل ٱبنُ الموّاز تأخير الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دون غيره، وراعى مالك الوقت دون المكان، وٱعتبر ٱبن القاسم الوقت المختار للصلاة والمكان، فإذا خاف فوات الوقت المختار بطل ٱعتبار المكان، وكان مراعاة وقتها المختار أوْلى. الخامسة عشرة: ٱختلف العلماء في هيئة الصلاة بالمزدلفة على وجهين: أحدهما: الأذان والإقامة. والآخر: هل يكون جمعهما متصلاً لا يفصل بينهما بعمل، أو يجوز العمل بينهما وحطّ الرّحال ونحو ذلك؛ فأما الأذان والإقامة فثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين. أخرجه الصحيح من حديث جابرالطويل، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وٱبن المنذر. وقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وكذلك الظهر والعصر بعرفة؛ إلا أن ذلك في أوّل وقت الظهر بإجماع. قال أبو عمر: لا أعلم فيما قاله مالك حديثاً مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه، ولكنه روي عن عمر بن الخطاب، وزاد ٱبنُ المنذر ٱبنَ مسعود. ومن الحجة لمالك في هذا الباب من جهة النظر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنّ في الصلاتين بمزدلفة وعرفة أن الوقت لهما جميعاً وقت واحد، وإذا كان وقتهما واحداً وكانت كل صلاة تصلّى في وقتها لم تكن واحدة منهما أوْلى بالأذان والإقامة من الأخرى؛ لأن ليس واحدة منهما تقضي، وإنما هي صلاة تصلّى في وقتها، وكلّ صلاة صُلّيت في وقتها سُنّتها أن يؤذّن لها وتقام في الجماعة، وهذا بيّن؛ والله أعلم. وقال آخرون: أما الأولى منهما فتُصلَّى بأذان وإقامة، وأما الثانية فتصلى بلا أذان ولا إقامة. قالوا: وإنما أمر عمر بالتأذين الثاني لأن الناس قد تفرّقوا لعشائهم فأذّن ليجمعهم. قالوا: وكذلك نقول إذا تفرّق الناس عن الإمام لعشاء أو غيره، أمر المؤذّنين فأذّنوا ليجمعهم، وإذا أذّن أقام. قالوا: فهذا معنى ما روي عن عمر، وذكروا حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: كان ٱبن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين، وفي طريق أخرى وصلّى كل صلاة بأذان وإقامة؛ ذكره عبد الرزاق. وقال آخرون: تُصلَّى الصلاتان جميعاً بالمزدلفة بإقامة ولا أذان في شيء منهما؛ روي عن ٱبن عمر وبه قال الثوري. وذكر عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوريّ عن سلمة بن كُهَيل عن سعيد بن جبير عن ٱبن عمر قال: «حديث : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجَمْع، صلى المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة واحدة»تفسير : وقال آخرون: تُصلّى الصلاتان جميعاً بين المغرب والعشاء بجَمْع بأذان واحد وإقامة واحدة. وذهبوا في ذلك إلى ما رواه هُشيم عن يونس بن عبيد عن سعيد بن جبير عن ٱبن عمر أنه جمع بين المغرب والعشاء بجَمْع بأذان واحد وإقامة واحدة؛ لم يجعل بينهما شيئاً. وروي مثل هذا مرفوعاً من حديث خزيمة بن ثابت، وليس بالقويّ. وحكى الجُوزْجاني عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما تُصلّيان بأذان واحد وإقامتين، يؤذن للمغرب ويقام للعشاء فقط. وإلى هذا ذهب الطحاوي لحديث جابر، وهو القول الأوّل وعليه المعوّل. وقال آخرون: تصلّى بإقامتين دون أذان لواحدة منهما. وممن قال ذلك الشافعيّ وأصحابه وإسحٰق وأحمد ابن حنبل في أحد قوليه، وهو قول سالم بن عبد اللَّه والقاسم بن محمد؛ وٱحتجوا بما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن ٱبن شهاب عن سالم عن ٱبن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء، صلّى المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة لكل واحدة منهما ولم يصل بينهما شيئاً. قال أبو عمر: والآثار عن ٱبن عمر في هذا القول مِن أثبت ما روي عنه في هذا الباب، ولكنها محتملة للتأويل، وحديث جابر لم يُختلف فيه، فهو أولى؛ ولا مدخل في هذه المسألة للنظر، وإنما فيها الاتباع. السادسة عشرة: وأما الفصل بين الصلاتين بعمل غير الصلاة فثبت عن أسامة بن زيد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء؛ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلاها، ولم يصل بينهما شيئاً. في رواية: ولم يَحُلُّوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حَلّوا. وقد ذكرنا آنفاً عن ٱبن مسعود أنه كان يجعل العشاء بين الصلاتين؛ ففي هذا جواز الفصل بين الصلاتين بجَمْع. وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة: أيبدأ بالصلاة أو يؤخر حتى يحطّ عن راحلته؟ فقال: أما الرّحل الخفيف فلا بأس أن يبدأ به قبل الصلاة، وأما المحامل والزوامل فلا أرى ذلك، وليبدأ بالصلاتين ثم يحطّ عن راحلته. وقال أشهب في كتبه: له حطّ رَحْله قبل الصلاة؛ وحطّه له بعد أن يصلي المغرب أحبّ إليّ ما لم يضطر إلى ذلك؛ لمَا بدابّته من الثّقل، أو لغير ذلك من العذر. وأما التنفل بين الصلاتين فقال ٱبن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أن من السُّنة ألا يتطوّع بينهما الجامع بين الصلاتين، وفي حديث أسامة: ولم يُصَلّ بينهما شيئاً. السابعة عشرة: وأما المبيت بالمزدلفة فليس رُكْناً في الحج عند الجمهور. وٱختلفوا فيما يجب على من لم يبِتْ بالمزدلفة ليلة النحر ولم يقف بجَمْع؛ فقال مالك: مَن لم يبت بها فعليه دم، ومن قام بها أكثر ليله فلا شيء عليه؛ لأن المبيت بها ليلة النحر سُنّة مؤكّدة عند مالك وأصحابه، لا فرض؛ ونحوه قول عطاء والزهريّ وقتادة وسفيان الثوري وأحمد وإسحٰق وأبي ثور وأصحاب الرأي فيمن لم يبِت. وقال الشافعيّ: إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإن خرج قبل نصف الليل فلم يعد إلى المزدلفة ٱفتدى، والفِذية شاة. وقال عكرمة والشعبيّ والنخعيّ والحسن البصري: الوقوف بالمزدلفة فرض، ومن فاته جَمْع ولم يقف فقد فاته الحجّ، ويجعل إحرامه عُمرة. وروي ذلك عن ٱبنُ الزبير وهو قول الأوزاعيّ. وروي عن الثوري مثل ذلك، والأصح عنه أن الوقوف بها سُنة مؤكدة. وقال حماد ٱبن أبي سليمان: من فاتته الإفاضة من جَمْع فقد فاته الحج؛ وليتحلّل بعمرة ثم ليحج قابلاً. وٱحتجوا بظاهر الكتاب والسُّنة؛ فأما الكتاب فقول الله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ}، وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن أدرك جَمْعاً فوقف مع الناس حتى يُفيض فقد أدرك ومَن لم يُدرك ذلك فلا حجّ له»تفسير : . ذكره ٱبن المنذر. وروى الدّارَقُطْنِي «حديث : عن عُرْوة بن مُضَرِّس: قال أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بجَمْع فقلت له: يا رسول الله، هل لي من حجّ؟ فقال: «مَن صلّى معنا هذه الصلاة ثم وقف معنا حتى نُفيض وقد أفاض قبل ذلك (من عرفات) ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجه وقضى تَفَثَه»»تفسير : . قال الشعبي: من لم يقف بجَمْع جعلها عُمرة. وأجاب مَن ٱحتج للجمهور بأن قال: أما الآية فلا حُجة فيها على الوجوب في الوقوف ولا المبيت، إذ ليس ذلك مذكوراً فيها، وإنما فيها مجرد الذكر. وكلٌّ قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة ولم يذكر الله أن حَجّه تام، فإذا لم يكن الذكر المأمور به من صُلب الحج فشهود الموطن أوْلى بألا يكون كذلك. قال أبو عمر: وكذلك أجمعوا أن الشمس إذا طلعت يوم النحر فقد فات وقت الوقوف بجَمْع، وأن من أدرك الوقوف بها قبل طلوع الشمس فقد أدرك، ممن يقول إن ذلك فرض، ومن يقول إن ذلك سُنّة. وأما حديث عروة بن مُضَرِّس فقد جاء في بعض طرقه بيان الوقوف بعرفة دون المبيت بالمزدلفة، ومثله حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحج عرفة من أدركها قبل أن يطلع الفجر من ليلة جمع فقد تمّ حجه"تفسير : . رواه النسائي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان - يعني الثوري - عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال شهدت...؛ فذكره. ورواه ابن عُيينة عن بكير عن عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وأيامُ مِنىً ثلاثة فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه»تفسير : . وقوله في حديث عروة: «حديث : مَن صلّى صلاتنا هذه»تفسير : . فذكر الصلاة بالمزدلفة؛ فقد أجمع العلماء أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصل مع الإمام حتى فاتته أن حجّه تام. فلما كان حضور الصلاة مع الإمام ليس من صلب الحج كان الوقوف بالموطن الذي تكون فيه الصلاة أحرى أن يكون كذلك. قالوا: فلم يتحقق بهذا الحديث ذلك الفرض إلا بعرفة خاصة. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} كرر الأمر تأكيداً؛ كما تقول: ٱرْمِ ٱرْمِ. وقيل: الأوّل أمْرٌ بالذكر عند المَشْعَر الحرام. والثاني أمرٌ بالذكر على حكم الإخلاص. وقيل: المراد بالثاني تعديد النعمة وأمرٌ بشكرها؛ ثم ذكّرهم بحال ضلالهم ليظهر قدر الإنعام فقال: {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ}. والكاف في «كما» نعتٌ لمصدر محذوف، و «ما» مصدريّة أو كافة. والمعنى: ٱذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هدايةً حسنة، وٱذكروه كما علّمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه. و «إنْ» مخففة من الثقيلة، يدلّ على ذلك دخول اللام في الخبر؛ قال سيبويه. الفراء: نافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلا؛ كما قال:شعر : ثكلتك أمُّك إنْ قَتلتَ لمسلماً حلّت عليك عقوبة الرحمن تفسير : أو بمعنى قد؛ أي قد كنتم؛ ثلاثة أقوال. والضمير في «قبله» عائد إلى الهدى. وقيل إلى القرآن؛ أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين. وإن شئت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، كناية عن غير مذكور؛ والأوّل أظهر والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة عن عمرو، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} في مواسم الحج. وهكذا رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير واحد عن سفيان ابن عيينة به. ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية، وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} في مواسم الحج، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} في مواسم الحج، وقال عبد الرحمن، عن ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقرأ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} في مواسم الحج؛ وهكذا فسرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة عن أبي أميمة، سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} وهذا موقوف، وهو قوي جيد، وقد روي مرفوعاً، قال أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إن نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبرائيل بهذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أنتم حجاج»تفسير : . وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن إنا نقوم نكري، ويزعمون أنه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كا يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق به، وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعاً، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعاً، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد بن العوام عن العلاء بن المسيب عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناساً يزعمون أنه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجاً؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: بلى، قال: «فأنتم حجاج»، ثم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألت، فلم يدر ما يعود عليه، أو قال: فلم يرد شيئاً حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فدعا الرجل، فتلاها عليه، وقال: «أنتم حجاج» وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي عن العلاء ابن المسيب مرفوعاً. وقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي، حدثنا أسباط، هو ابن محمد، أخبرنا الحسن بن عمرو، هو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري، فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلنا: بلى، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} إلى آخر الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنتم حجاج»تفسير : وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا غندر عن عبد الرحمن بن المهاجر عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟ وقوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} إنما صرف عرفات، وإن كان علماً على مؤنث، لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمي به بقعة معينة، فروعي فيه الأصل، فصرف، اختاره ابن جرير، وعرفة موضع الوقوف في الحج، وهي عمدة أفعال الحج، ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الحج عرفات ـ ثلاثاً ـ فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»تفسير : ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: «حديث : لتأخذوا عني مناسككم»تفسير : وقال في هذا الحديث: «حديث : فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك»تفسير : وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، رحمهم الله، وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتجوا بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه» تفسير : رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي. ثم قيل: إنما سميت عرفات لمارواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل عليه السلام إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فحج به، حتى إذا أتى عرفة، قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة. وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت عرفت، فسميت عرفات، وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمر وأبي مجلز، فالله أعلم، وتسمى عرفات المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:شعر : وبالمَشْعَرِ الأقصى إذا قَصَدُوا له إِلالٌ إلى تلكَ الشراجِ القوابلِ تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، حدثنا أبو عامر عن زمعة، هو ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة، حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا، فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس. ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة، وصلى الفجر بغلس، حتى إذا أسفر كل شيء، وكان في الوقت الآخر، دفع، وهذا حسن الإسناد، وقال ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «حديث : أما بعد ـ وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد ـ فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفاً هدينا هدي أهل الشرك»تفسير : ، هكذا رواه ابن مردويه، وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي عن عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كما يتوهمه بعض أصحابنا أنه ممن له رؤية بلا سماع، وقال وكيع، عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن المعرور بن سويد، قال: رأيت عمر رضي الله عنه حين دفع من عرفة، كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع، وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع. وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم، قال فيه: فلم يزل واقفاً ـ يعني بعرفة ـ حتى غربت الشمس، وبدت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: «حديث : أيها الناس السكينة السكنية»تفسير : كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتىٰ المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة، نص. والعنق هو انبساط السير، والنص فوقه. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} وهي الصلاتان جميعاً. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت، حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام: المزدلفة كلها. وقال هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} قال: فقال: هذا الجبل وما حوله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علامَ يزدحم هؤلاء؟ كل ما ههنا مشعر. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزمي عرفة من المزدلفة، ولكن مفضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس. (قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به؛ كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي، منهم القفال وابن خزيمة؛ لحديث عروة بن مضرس، أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم، أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء، لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عرفة كلها موقف، وارفعوا عن عرنة، وجمع كلها موقف، إلا محسراً»تفسير : هذا حديث مرسل، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني سليمان ابن موسى عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح»تفسير : وهذا أيضاً منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا، وهو الأشدق، لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبدالعزيز، عن سليمان، فقال الوليد: عن جبير بن مطعم عن أبيه، وقال سويد: عن نافع بن جبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، والله أعلم. وقوله: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه من الهداية إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا قال: {وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} قيل: من قبل هذا الهدى، وقبل القرآن، وقبل الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } في {أَن تَبْتَغُواْ } تطلبوا {فَضْلاً } رزقاً {مّن رَّبّكُمْ } بالتجارة في الحج نزل رداً لكراهتهم ذلك {فَإِذَا أَفَضْتُم } دفعتم {مِّنْ عَرَفَٰتٍ } بعد الوقوف بها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } هو جبل في آخر المزدلفة يقال له( قُزَح) وفي الحديث « حديث : أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً » تفسير : رواه مسلم {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل {وَإن } مخففة {كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ } قبل هداه {لَمِنَ ٱلضَّالّينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِكُمْ} روى ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجرين للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تركوا ذلك، حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِكُمْ} وكان ابن الزبير يقرأ {فِي مَواقِيتِ الْحَجِّ}. {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه فإذا رجعتم من حيث بَدَأْتُم. والثاني: أن الإفاضة: الدفع عن اجتماع، كفيض الإناء عن امتلاء. والثالث: أن الإفاضة الإسراع من مكان إلى مكان. وفي {عَرَفَاتٍ} قولان: أحدهما: أنها (جمع) عرفة. والثاني: أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع. وهذا قول الزجاج. واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل: أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة. والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة. والثالث: أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم. والرابع: أنه سُمِّيَ بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا (عرفة) و (عرفات)، ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه. {فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} والمَشْعَرُ المَعْلَمُ، سُمِّيَ بذلك، لأن الدعاء عنده، والمقام فيه من معالم الحج، وحد المشعر ما بين منى ومزدلفة مِنْ حَد مفضي مَأزمَي عرفة إلى محسر، وليس مأزماً عرفة من المشعر.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَضْلاً} كانت ذو المجاز وعكاظ متجراً في الجاهلية فلما جاء الإسلام تركوا ذلك حتى نزلت {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}. {أَفَضْتُم} أسرعتم، أو رجعتم من حيث بدأتم. {عَرَفَاتٍ} جمع عرفة، أو اسم واحد وإن كان بلفظ جمع، قاله الزجاج سميت به، لأن آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ عرف بها حواء بعد هبوطهما، أو عرفها عند رؤيتها إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما تقدم له من وصفها، أو لتعريف جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مناسكهم، أو لعلو الناس على جبالها، لأن ما علا عرفة وعرفات، ومنه عرف الديك. {الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} سمي به لأن الدعاء فيه والمقام من معالم الحج.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ليس عليكم جناح} أي حرج {أن تبتغوا فضلاً من ربكم} يعني رزقاً ونفعاً وهو الربح في التجارة (خ) عن ابن عباس قال كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج. وقرأها ابن عباس هكذا وفي رواية أن تبتغوا في مواسم الحج فضلاً من ربكم، وعكاظ سوق معروف بقرب مكة، ومجنة بفتح الميم وكسرها سوق بقرب مكة أيضاً، قال الأزرقي: هي بأسفل مكة على بريد منها وذو المجاز سوق عند عرفة كانت العرب في الجاهلية يتجرون في هذه الأسواق ولها مواسم فكانوا يقيمون بعكاظ عشرين يوماً من ذي القعدة ثم ينتقلون إلى مجنة فيقيمون بها ثماينة عشر يوماً عشرة أيام من آخر ذي القعدة، وثمانية أيام من أول ذي الحجة ثم يخرجون إلى عرفة في يوم التروية وقال الداودي: مجنة عند عرفة وحديث : عن أبي أمامة التيمي قال: كنت رجلاً أكري في هذا الوجه وكان الناس يقولون لي: إنه ليس لك حج فلقيت ابن عمر فقلت له يا أبا عبد الرحمن إني رجل أكري في هذا الوجه وإن أناساً يقولون لي: إنه ليس لك حج فقال ابن عمر أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ فقلت بلى قال فإن ذلك حجاً جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن مثل ما سألتني عنه فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقرأها عليه وقال لك حج" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي. وقال بعض العلماء: إن التجارة إن أوقعت نقصاً في أعمال الحج لم تكن مباحة وإن لم توقع نقصاً فيه كانت من المباحات التي الأولى تركها لتجريد العبادة عن غيرها لأن الحج بدون التجارة أفضل وأكمل. قوله تعالى: {فإذا أفضتم} أي دفعتم والإفاضة دفع بكثرة {من عرفات} جميع عرفة سميت بذلك وإن كانت بقعة واحدة لأن كل موضع من تلك المواضع عرفة فسمي مجموع تلك المواضع عرفات وقيل: إن اسم الموضع عرفات. واسم اليوم عرفة قال عطاء كان جبريل يرى إبراهيم المناسك ويقول له: عرفت فيقول عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم عرفة. وقال الضحاك: إن آدم لما أهبط وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات في يوم عرفة فتعارفا فسمي اليوم عرفة والموضع عرفات، وقال السدي: إن إبراهيم لما أذن في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأبى من أبى أمره الله تعالى أن يخرج إلى عرفات ونعتها له، فخرج فلما بلغ الشجرة استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر فطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فطار فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز فنظر إليه فلم يعرفه فجازه فسمي ذا المجاز، ثم انطلق إبراهيم حتى وقع بعرفات فعرفها بالنعت، فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع فسمي ذلك الموضع المزدلفة. وفي رواية عن ابن عباس أن إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ولده فلما أصبح تروى يومه أجمع أي تفكر هل هذه الرؤيا من الله تعالى أم من الشيطان فسمي يوم التروية، ثم رأى ذلك في ليلة عرفة ثانياً فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي اليوم عرفة. وقيل: سمي بذلك لأن الناس يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم وقيل: سمي عرفة من العرف وهو الطيب وسميت منى لما يمنى فيها من الدماء أي يصبُّ فيكون فيه الفروث والدماء، فلا يكون الموضع طيباً وعرفات طاهرة عن مثل هذا فتكون طيبة. واعلم أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج ولا يتم الحج إلاّ به، ومن فاته الوقوف في وقته فقد فاته الحج. ويدخل وقت الوقوف بعرفة بزوال الشمس من يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة فمن وقف بعرفات في هذا الوقت ولو لحظة واحدة من ليل أو نهار، فقد حصل له الوقوف ويتم حجه وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوعه من يوم النحر ووقت الإفاضة من عرفات، بعد غروب الشمس فإذا غربت الشمس دفع من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة (ق) عن أسامة بن زيد قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة أمامك ثم ركب فلما جاء المزدلفة، نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره، في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى ولم يصل بينهما شيئاً. وقوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} سمي مشعراً من الشعار وهي العلامة لأنه من معالم الحج وأصل الحرام المنع فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، والمشعر الحرام هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام وقيل المشعر الحرام هو قزح وهو آخر حد المزدلفة والأول أصح. وسميت المزدلفة من الازدلاف وهو الاقتراب، لأنها منزلة من الله تعالى وقربة. وقيل: لنزول الناس بها زلف الليل: وقيل: لاجتماع الناس بها وتسمى المزدلفة جمعاً لأنه يجمع فيها بين المغرب والعشاء، قيل المراد بالذكر عند المشعر الحرام هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك. ويدل عليه أن قوله: فاذكروا الله أمر وهو للوجوب ولا يجب هناك إلاّ الصلاة، والذي عليه جمهور العلماء أن المراد بالذكر هو الدعاء والتلبية والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير (ق) عن ابن عباس أن أسامة بن زيد كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم، من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة، عن جابر قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً ودفع قبل أن تطلع الشمس هذا الحديث ذكره البغوي بغير سند. ولم أجده في الأصول، قال طاوس كانوا في الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن المزدلفة بعد طلوعها وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فنسخ الله تعالى أحكام الجاهلية فأخر الإفاضة من عرفة إلى ما بعد غروب الشمس وقدم الإفاضة من المزدلفة إلى ما قبل طلوعها. وثبير جبل بمكة ومعنى قولهم أشرق ثبير أدخل أيها الجبل في الشروق وهو نور الشمس وقولهم كيما نغير أي ندفع للنحر يقال أغار إذا أسرع ودفع في عدوه (خ) عن عمرو بن ميمون قال قال عمر كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس وكانوا يقولون: أشرق ثبير فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس. وقوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} أي اذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} أي لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه، والهاء في من قبله راجعة إلى الهدي وقيل إلى الرسول أي من قبل إرسال الرسول لمن الضالين، وهو كناية عن غير مذكور وقيل يرجع إلى القرآن والمعنى واذكروه كما هداكم بكتابه الذي أنزله عليكم، وإن كنتم من قبل إنزاله لمن الضالين.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ...}. سبب نزول هذه الآية أَنَّهم كانوا يتوهمون أن سفر الحاج إذا خالطته نية التجارة ينقص من ثوابه أو يوقع في الإثم، فنزلت الآية. وقوله "مِّن رَّبِّكُمْ" دليل على أنّ المراد التجارة بالمال الحلال أما الحرام فلا. قيل لابن عرفة: كله من الله؟ فقال: أما باعتبار القدرة فنعم، وأمّا باعتبار الإذن فلا، والآية خرجت مخرج الإذن ورفع الحرج. ابن عطية: الجناح أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي العقاب وفيما يقتضي العقاب والزجر. قال ابن عرفة: والنفي بـ (ليس) لما يتوهم وقوعه والإثم كان متوهما وقوعه في سفر الحج للتجارة بخلاف النفي بـ (لا). حسبما ذكره المنطقيون في السالبة والمعدومة، مثل: الحائط لا يبصر، وزيد ليس يبصر، أو غير بصير. قوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ...}. ذكر الزمخشري هنا أنّ التاء في (بنت) ليست للتأنيث. قال ابن عرفة: يقال له بل للتأنيث لأن المذكر "ابن" والمؤنث "بنت" وعادتهم يجيبون بأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا كفاطمة. أبو حيان: منهم من قال: العامل في "إذا" "فَاذْكُرُوا" قال (وأخذ) من الآية أن جواب "إذَا" لا يعمل فيها لأن مكان إنشاء الإفاضة غير مكان الذكر فإذا اختلف المكان لزم منه ضرورة اختلاف الزمانين فلا يجوز أن يكون الذكر عند المشعر الحرام واقعا عند إنشاء الإفاضة. قيل لابن عرفة: نقول: إنه يذكر الله تعالى عند آخر أزمنة انفصاله من عرفات إلى المشعر الحرام، فقال: هذا صحيح لو لم يكن بين المكانين فاصل، وإنما الجواب الذي عادتهم يقولونه: إنّك تقول إذا قدم زيد من سفره فاكرمه بعد قدومه بيوم، فالعامل في "إذا" هو أكرمه مع اختلاف الزمان. قال: عادتهم يقولون: ليس العامل في إذا أكرمته بذاته، بل لاستلزامه معنى فعل آخر يصح عمله تقديره: إذا قدم زيد فاعلم أنّكَ مكلف بإكرامه بعد قدومه بيوم، وكذلك (تفهَم) هذه الآية فلا يتم لأبي حيان الرد بهما على من يقول العامل في "إذا" جوابُها. قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ...}. الأول: ذكرُ الحَجّ، والثاني: ذِكْرٌ مُطْلَقٌ، فهو تأسيس لا تأكيد وقوله: "كَمَا هَدَاكُمْ" الكاف إمّا للتعليل مثل: "أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللهُ إِلَيْكَ ". تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ...}. قال ابن عرفة: إن قلت هذا تأكيد لأن الهداية تستلزم تقدم الضّلال لها. فالجواب أنّه إنما (كان) يكون تأكيدا (أن) لو قيل: وَإِن كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ضَالِّينَ. وهذا أخص لأن قولك: زيد من الصالحين أخصّ من قولك: زيد صالح. قاله الزمخشري في قول الله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ }.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ...} الآية: الجُنَاحُ: أعم من الإِثم؛ لأنه فيما يقتضي العقابَ، وفي ما يقتضي الزجْرَ والعتاب. و {تَبْتَغُواْ }: معناه: تَطْلبوا، أي: لا دَرك في أنْ تتجروا وتطلبوا الربْحَ. وقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ}: أجمع أهْل العْلمِ على تمامِ حجِّ من وقف بعرفاتٍ بعد الزوال، وأفاض نهاراً قبل الليل إِلا مالك بن أنس، فإِنه قال: لا بدَّ أن يأخذ من الليل شيئاً، وأمَّا من وقف بعرفة ليلاً، فلا خلافَ بيْن الأمَّة في تمام حَجِّه. وأفاض القومُ أو الجيشُ، إِذا اندفعوا جملةً، واختلف في تسميتها عرفةَ، والظاهر أنه اسم مرتجلٌ؛ كسائر أسماء البقاع، وعرفةُ هي نَعْمَانُ الأَرَاكِ، والمَشْعَر الحَرَامُ جمعٌ كله، وهو ما بين جبلَيِ المزدَلِفَةِ من حَدِّ مُفْضَىٰ مَأْزِمَي عرفَةَ إِلى بطن مُحَسِّرٍ، قاله ابن عبَّاس وغيره، فهي كلُّها مشعر إِلا بطن مُحَسِّرٍ؛ كما أن عرفة كلُّها موقف إِلا بطن عُرَنَةَ بفتح الراء وضمها، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَشْعرٌ، أَلاَ وَٱرْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» تفسير : ، وذكر هذا عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ في خطبته، وذِكْرُ اللَّه تعالَىٰ عند المشعر الحرام ندْبٌ عند أهل العلْم، قال مالك: ومن مَرَّ به، ولم ينزلْ، فعليه دَمٌ. وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} تعديد للنعمة، وأمر بشكرها. * ص *: {كَمَا هَدَاكُمْ}: الكاف للتشبيهِ، وهو في موضع نصْبٍ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ، و «مَا» مصدريةٌ، أي: كهدايتِهِ، فتكون «مَا» وما بعدها في موضع جَرٍّ، إِذ يَنْسَبِكُ منْها مع الفعل مصْدَرٌ، ويَحتملُ أن تكون للتعليلِ على مذهب الأخفش، وابن بَرْهَانَ، وجوَّز ابن عطيَّة وغيره، أنْ تكون «مَا» كافَّة للكاف عن العَمَل، والأول أولى؛ لأن فيه إِقرار الكافِ علَىٰ عملها الجرّ، وقد منع صاحبُ «المُسْتَوْفَىٰ» أنْ تكون الكافُ مكفوفةً بـــ «مَا»؛ واحتج من أثبته بقوله: [الوافر] شعر : لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ كَمَا النِّسْوَانُ وَالرَّجُلُ الْحَلِيمُ أُريدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ لَئِيمٌ تفسير : انتهى. ثم ذكّرهم سبحانه بحالِ ضلالهم؛ ليظهر قدر إِنعامه عليهم. {وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ }، أي: من قبل الهُدَىٰ. وقوله سبحانه: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} المخاطب بهذه الآيةِ قريشٌ، ومن وَلَدَتْ، قاله ابن عبَّاس وغيره، وذلك أنهم كانوا لا يخرجُونَ من الحَرَم، ويَقِفُون بجَمْعٍ، ويفيضون منْه، مع معرفته أنَّ عرفة هي موقفُ إِبراهيم، فقِيلَ لهم: أفيضُوا من حيثُ أفاضَ النَّاس، أي: من عرفة، «ثُمَّ» ليست في هذه الآية للترتيبِ، إِنما هي لعطف جملة كلامٍ على جملة هي منها منقطعةٌ. وقال الضَّحَّاك: المخاطب بالآيةِ جملةُ الأمَّة، والمرادُ بالناسِ إبراهيم، ويحتملُ أن تكون إِفاضةً أخرَىٰ، وهي التي من المزدلفة، وعلَىٰ هذا عوَّل الطَبريُّ، فتكون «ثُمَّ» على بابها، وقرأ سعيدُ بن جُبَيْر: «النَّاسِي»، وتأوَّله آدم - عليه السلام -، وأمر عز وجل بالٱستغفارِ؛ لأنها مواطنه، ومظَانُّ القبولِ، ومساقطُ الرحْمَةِ، وفي الحديث أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم خَطَب عشيَّة عَرَفَةَ، فقال: «حديث : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي مَقَامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، إِلاَّ التَّبِعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، أَفِيضُوا عَلَى ٱسْمِ اللَّهِ»، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ جَمْعٍ، خَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ، فَعَوَّضَ التَّبِعَاتِ مِنْ عِنْدِهِ»".

ابن عادل

تفسير : قوله{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} "أَنْ" في محلِّ نَصْبٍ في مَوْضعين عند سيبويه والفراء، وجَرٍّ عند شَيْخَيْهما والأَخْفَشِ؛ لأنَّها على إضمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أي: في أَنْ، وهذا الجارُّ متعلِّقٌ: إمَّا بجُناح؛ لما فيه مِنْ مَعْنَى الفِعْلِ وهو الميلُ والإِثمُ، وما كانَ في معناهُمَا، وإمَّا بمحذوفٍ؛ لأنه صفةٌ لـ"جُناح" فيكونُ مرفوعَ المحلِّ، أي: جناحٌ كائنٌ في كذا. ونقل أبو البقاء رحمه الله تعالى عن بعضهم، أنه متعلقٌ بـ"ليس"، واسْتضْعَفُه. قال شهاب الدِّين: بل يُحْكَمُ بتخطئته ألبتة. قوله: "مِنْ رَبِّكُمْ" يجوزُ أَنْ يتعلَّق بتبتغوا فيكون مفعولاً له، وأَنْ يكون صِفَةٌ لـ"فضلاً"، فيكون منصوب المَحَلِّ، مُتَعَلِّقاً، بمحذوفٍ. و"منْ" في الوجهين لابْتِدَاء الغاية، لكن فى الوجهِ الثاني تحتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ أي: كَائناً مِنْ فُضولِ ربكم. فصل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ} يدلُّ على أنّ شُبْهَةً قَامَتْ عندهم في تحريم التجارة من وجوهٍ: أحدها: أنَّه تبارك وتعالى منع الجِدَال في الحجِّ، والتِّجَارةُ كثيرةُ الإفضاءِ إلى المُنازعَةِ في قلَّة القِيمَةِ وكثرتِهَا؛ فوجَبَ أَنْ تكونَ التجارة مُحَرَّمةً. ثانيها: أنّ التجارة كانت مُحرمةً في وقت الحج في الجاهليةِ، وذلك شيءٌ، حسَنٌ؛ لأن المشتغل بالحج مشتغلٌ بخدمةِ الله تعالى، فوجب ألاَّ يَشُوبَ هذا العملَ بالأطماعِ الدُّنيويَّةِ. وثالثها: أنّ المسلمين عَلِمُوا أنّ كثيراً من المباحاتِ صارت مُحرمةً عليهم في الحج: كاللّبسِ، والاصْطِيَادِ، والطِّيبِ، والمباشرة، فغلب على ظنِّهم أنَّ الحجَّ لمَّا صار سبباً لحرمةِ اللبسِ مع الحاجَةِ إليه، فأَوْلَى منه تحريمُ التجارةِ؛ لقلة الاحتياج إليها. ورابعها: عند الاشتغال بالصلاةِ يَحْرُمُ الاشتغالُ بالتجارةِ؛ قال تعالى: { أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}تفسير : [الجمعة: 9] فلهذا السبب، بيّن اللَّهُ تعالى - هاهنا - أنَّ التجارةَ جائزةٌ غير مُحَرَّمةٍ. فإذا عُرِفَ هذا، فذكر المفَسِّرُونَ في قوله: {أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} وجهين: الأوَّل: أَنَّ المراد هو التجارة؛ نظيره قوله تعالى: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [المزمل: 2] وقوله: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ}تفسير : [القصص: 73] ويدُلُّ عليه ما رَوَى عَطاءٌ عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ وابن الزُّبير أنّهم قرأوا: "أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَواسِمِ الحَجِّ". وقال ابن عباسٍ: كان ناسٌ من العرب يَحْتَرِزُونَ مِنَ التجارةِ في أيَّامِ الحَجِّ، وإذا دَخَلَ العَشْرُ، بالغوا في تَرْك البيع والشِّراء بالكلية، وكانوا يُسَمّون التاجر في الحج الدَّاجَّ، ويقُولون: هؤلاء الدَّاجُّ، وليسوا بالحاجِّ. ومعنى الدَّاجّ: المُكتسب الملْتَقِط، وهو مشتقٌّ من الدَّجاجة وبلغُوا في الاحتراز عن الأعمال إلى أن امتَنَعُوا من إِغاثةِ الملهُوفِ والضعيفِ وإِطعام الجائع؛ فأزال اللَّهُ هذا الوَهْمُ وبيّن أنّه لا جُناح في التجارة، ولما كان ما قَبْل هذه الآية في أحكامِ الحج، وما بعدها في الحج، وهو قوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} دَلّ ذلك على أَنَّ هذا الحكمَ واقِعٌ في زمان الحجِّ؛ فلهذا السبب استغني عن ذكره. وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنّ رجلاً قال له: إنَّا قَوْمٌ نكري، وإنَّ قَوماً يَزْعُمونَ أنّه لا حَجَّ لنا، فقال: أَلَسْتُم تُحْرِمُونَ كما يُحْرِمون، وتَطُوفُونَ كما يَطُوفُونَ، وتَرْمُونَ كما يَرْمُونَ؟ قلتُ: بَلَى، قال: أنْتُم حُجَّاجٌ؛ وجاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله عمَّا سَأَلتني، فلم يَرُدُّ عليه؛ حَتَّى نزل قوله تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} فَدَعَاهُ، وقال: أَنْتُم حُجَّاجٌ. وبالجملة فهذه الآية الكريمة نزلت رَدّاً على مَنْ يقول: لا حجَّ لِلتَّاجِرِ، والأَجِيرِ، والجَمَّالِ. ورَوَى عمرو بن دِينارٍ، عن ابن عباسٍ: أنَّ عُكَاظَ ومِجَنَّةَ، وذا المجاز كانت أسواقاً في الجاهليَّة، يتَّجرون فيها في أيَّام الموسِم، وكانت مَعَايشُهم مِنْهَا، فلمّا جاء الإسلامُ، كرهوا أنْ يَتّجروا في الحج بغير إذنٍ، فسألَوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآيةُ. وقال مجاهدٌ: إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بِعَرفة، ولا مِنَى، فنزلت هذه الآيةُ، فلهذا حمل أكثرُ المفسرين الآية على التجارةِ في أيام الحجِّ، وحَمَلَ أبُو مُسْلم الآية على ما بعد الحج، قال: والتقديرُ: واتقوني في كل أفعالِ الحج، وبعد ذلك {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} ونظيره قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 10]. قال ابن الخطيب: وهذا القولُ ضعيفٌ من وجوه، لأَنَّ قوله:{فَإِذَا أَفَضْتُم مِن عَرَفَاتٍ} يدلُّ على أنّ هذه الإفاضة حَصَلَتْ بعد ابتغاء الفَضْلِ؛ لأن الفاءَ للتَّعْقيب، وذلك يَدُلُّ على وُقُوع التجارة في زَمَانِ الحج. وأيضاً فَحَملُ الآية على موضع الشُبْهَة، أَوْلَى مِنْ حَمْلِها على مَوْضع لا شُبْهَةَ فيه، ومَحلُّ الشبهةِ، هو التجارةُ في زمان الحجِّ، وأَمَّا بعدَ فراغ الحجِّ، فكُلُّ أَحَدٍ يعلمُ حلَّ التجارة. فإن قيل: وكذلك أيضاً كل أَحَدٍ يعلمُ أَنَّ الصلاةَ إذا قُضِيت، يُبَاحُ البيعُ والشِّرَاء؛ فلماذا قال: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}. قلنا لأنه أمَر قبله بالسَّعي، ونهى عن البيع، فقال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} فَنَهى عن البيع بعد النِّدَاءِ، فلمَّا قال بعده: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّه}، كأنّه قال: إِنَّ المانعَ الذي مَنَعَكُمْ من البَيْعِ قد زال؛ فانْتَشِرُوا في الأرض، وابتغُوا من فضل الله. وأمَّا قِياسُ الحجِّ على الصلاةِ، فالفرقُ بينهما: أنّ الصلاة أعمالُها مُتَّصِلَةٌ، فلا يَحِلُّ في أثنائِهَا التشاغلُ بغيرها، وأَمّا أعمال الحج، فهي مُتَفرِّقَةٌ بعضها عن بعضٍ، ففي خلالها لا يبقى المرءُ على الحكم الأول، فتصيرُ الصلاةُ عملاً واحداً من أعمالِ الحج، لا مَجْمُوعَ الأَعْمَالِ، وأيضاً فقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ} تَصريحٌ بأَنّ الابتغاء بعد انقضاء الحج. فإن قيل: حُكمْ باقٍ في كل تلك الأَوقاتِ؛ بدليل حُرْمَةِ التطيب واللَّبسِ. فالجوابُ: هذا قياسٌ في مقابلة النص. القولُ الثاني: قال أبو جعفرٍ محمد بن علي الباقر: المرادُ بقوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} هو أَنْ يبتغي الإنسانُ حال كونه حاجّاً أعمالاً أخَرَ، تكونُ مُوجِبةً لاستحقاقِ فضْلِ الله ورحمته مِثْلَ إِعانَةِ الضَّعيف، وإغَاثَةِ الملهوف، وإطعام الجَائِعِ، واعترضَ عليه القاضي: بأَنّ هذا واجبٌ، أو مَنْدُوبٌ، ولا يُقالُ في مِثله: لا جَنَاحَ عَليكُم فيه، إِنَّما يُذكر هذا اللفظ في المُبَاحَاتِ. والجوابُ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ هذا اللفظَ لا يُذكرُ إلاّ في المُبَاحَاتِ لقوله تعالى: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ}تفسير : [النساء: 101] والقصْرُ مندوبٌ وكما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}تفسير : [البقرة: 158] والطوافُ ركنٌ في الحج، وإنّما أهلُ الجاهلية كانوا يعتقدون أنّ ضَمَّ سَائِرِ الطاعَاتِ إلى الحجِّ، يُوقِعُ خَلَلاً في الحج، ونَقْصاً؛ فبيَّن اللَّهُ تعالى بقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جَنَاحٌ} أنّ الأمر ليس كذلك. فصل اتفقُوا على أنّ التجارة إنْ أوْقعت نَقْصاً في الطاعة، لم تَكُنْ مباحةً، وإِنْ لم تُوقِعْ نقصاً في الطاعةِ، كانت مُبَاحةً، وتركها أَوْلَى؛ بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]، والإخلاصُ هو ألاَّ يكونَ له حَامِلٌ على الفِعْل سِوى كونهِ عبادةً، والحاصِلُ أنّ الإِذْنَ في هذه التجارة جَار مَجْرَى الرُّخَصِ. قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} العاملُ فيها جَوَابُها، وهو "فَاذْكُرُوا" قال أبُوا البقاءِ رحمه الله "ولا تمنَعُ الفاءُ مِنْ عَمَل ما بعدَها، فيما قَبْلَها؛ لأنه شَرْطٌ". ومَنَعَ أبُو حَيَّان مِنْ ذلك بما معناه: أنَّ مكانَ إنشاءِ الإِفَاضَةِ غيرُ مكانِ الذكْرِ؛ لأنَّ ذلك عَرَفَاتٌ، وهذا المَشْعَرُ الحَرَامُ، وإِذَا اختلفض المَكَانُ، لزم منه اختلافُ الزمَان ضرورةً، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يكونَ الذكْرُ عند المَشْعَرِ الحَرَامِ وَاقِعاً عند إنْشاء الإِفَاضَة. قوله: "مِنْ عَرَفَاتٍ" مُتَعلِّقٌ بـ"أَفَضْتُم" والإِفَاضَةُ في الأَصْلِ: الصبُّ، يُقالُ، فَاضَ الإِناءُ، إذا امْتَلأَ حَتَّى ينصبَّ عن نواحيه. ورجلٌ فيَّاضٌ، أي: مندفقٌ بالعطاءِ؛ قال زُهيرٌ: [الطويل] شعر : 998 - وَأَبْيَضَ فَيَّاضٍ يَدَاهُ غَمَامَةٌ عَلَى مُعْتَفِيهِ مَا تُغِبُّ فَوَاضِلُهُ تفسير : وحديثٌ مستفيضٌ، أي شائِعٌ. ويقالُ: فاضَ الماءُ وأَفَضْتُه، ثم يُستعملُ في الإِحْرامِ مَجَازاً. والهَمْزَةُ في "أَفَضْتُم" فيها وجهان: أحدُهما: أنها للتعدية، فيكون مفعولُه مَحْذُوفاً، تقديره: أَفَضْتُم أنفسكم، وهذا مَذْهب الزجاج، وتبعَهُ الزَّمَخْشَريُّ، وقَدَّره الزجاجُ فقال: معناه: دَفَعَ بعضُكم بَعْضاً والإِفَاضَةُ: الاندفاعُ في السَّيْرِ بكثرةٍ، ومنه يُقالُ: أَفَاضَ البَعِيرُ بجرِته، إذا وقع بها فألقاها منبثة، وكذلك أَفَاضَ القِداحَ في المَيْسِر، ومعناه: جمعها، ثم أَلقاها مُتَفَرِّقَةً، وإِفَاضَة الماءِ من هذا؛ لأنه إذا صُبَّ، تَفَرَّق، والإِفَاضَةُ في الحديث، إِنَّما هو الاندفاعُ فيه بإكثارٍ، وتصرُّفٍ في وُجُوهِهِ؛ قال تعالى: {أية : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}تفسير : [يونس: 61]، قال بعضُهم: ولَيْسَ كذلك؛ لما يأتي، ومنه يُقال للناس: فَوْض، ومثلهم فَوْضَى، ويُقال: أَفَاضَت العينُ دَمْعَها، فأصلُ هذه الكلمة: الدفعُ للشيءِ حتى يتفرقَ، فقوله تعالى: "أَفَضْتُم"، أي: دَفَعْتُم بكثرة، وأصلُه: أَفَضْتُم أَنْفُسَكُم، فتُرِك ذِكْرُ المفعول كما تُركَ في قولهم: دَفَعُوا مِنْ مَوضِعِ كَذَا، وَصَبُّوا. والوجه الثاني: أَنّ أَفْعَل هنا، بمعنى "فَعَلَ" المجردِ فلا مفعول له. قال أبو حيَّان: لأنه لا يحفّظُ: أَفَضْتُ زيداً بهذا المعنى الذي شرحناه آنفاً وأَصلُ أَفَضْتُم: أفْيَضْتُم فأُعِلَّ؛ كنظائره، بأَنْ نُقِلَتْ حَركَةُ حَرفِ العِلَّةِ على السَّاكِن قبلهُ فتحرَّك حرفُ العِلَّة في الأصل، وانْفَتَحَ ما قبله؛ فَقُلِب ألفاً، وهو مِنْ ذواتِ الياءِ من الفَيْض، كما تقدَّمَ، وليس مِنْ ذواتِ الواوِ من قولهم: فَوْضَى الناسِ، وهم أخلاطُ الناسِ بلا سائِسٍِ. وعَرَفات اسمُ مكانٍ مَخْصُوصٍ، وهل هو مشقٌّ أو مُرْتَجَلٌ؟ قولان: أحدهما: أنه مرتجلٌ، وإليه ذهب الزمخشريُّ، قال: "لأنَّ العَرَفَةَ لا تُعْرَفُ في أسماءِ الأجناس؛ إلا أنْ تكونَ جمعَ عارفٍ". والثَّاني: أنه مُشتقٌّ، واختُلِف في اشتقاقه، فقيل: مِنَ المَعْرِفة؛ لأنَّ إبراهيم - عليه السلام - لَمَّا عرَّفه جبريلُ هذه البقعة بالنَّعْتِ، والصِّفَةِ؛ فَسُمِّيَتْ "عَرَفَاتٍ" قاله عليٌ، وابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ والسُّدّيُّ. قال السُّدِّيُّ: لمّا أَذَّنَ إبراهيم في الناس بالحجِّ، فأجابوه: بالتَّلبية، وأتاهُ مَنْ أَتَاهُ - أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَخْرُجَ إلى عَرَفاتٍ، ونعتها له، فخرج، فلمَّا بَلَغَ الشجرة عند العقبةِ، استقبلَهُ الشيطانُ؛ يَرُدُّهُ؛ فرماه بسبع حَصَيَاتٍ، يُكَبّرُ مع كُلِّ حَصَاة، فَطَار، فَوقَعَ على الجمرة الثَّانية؛ فرمَاهُ وكبِّر [فطار، فَوقع على الجَمْرة الثالثة؛ فرماه وكبّر]، فلمّا رأى الشَّيطانُ أنَّه لا يُطيعُهُ؛ ذهب، فانطلق إبراهيم حتَّى أتى ذا المجازِ، فلمّا نظر إليه، لم يَعْرِفه، فجاز فسُمِّي ذا المجاز، ثمَّ انطلق حتَّى وقَفَ بعرفاتٍ فعرفها بالنَّعْت؛ فسُمِّي الموقف "عَرَفَة" والموضعُ "عَرَفَاتٍ"، حتى إذا أَمْسَى ازْدَلَف أي قَرُبَ إلى جَمع فسُمِّي المُزْدَلَفَة. وقال عطاء: إنّ جبريل - عليه السلام - علّم إبراهيم - عليه السّلام - المَنَاسِك، وأوْصَلَه إلى عَرَفاتٍ، وقال له: أعَرَفْتَ كيف تَطُوفُ، وفي أي مَوْضعٍ تَقِف؟ قال: نعم. وقيل: إن إبراهيم - عليه السلام - وضَعَ ابنهُ إسماعيل وأمَّه هاجر بمكَّة، ورجع إلى الشَّام ولم يَلْتَقِيا سِنين، ثم الْتَقَيَا يوم عَرَفَة بِعَرَفَات. وقال الضَّحَّاك: إنّ آدم وحَوَّاء - عليهما السلام - التَقَيَا بعرَفة، فعرَفَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما صاحِبَه؛ فسُمِّي اليوم عَرَفَة والمَوْضِع بعَرَفَاتٍ؛ وذلك أنَّهما لمّا أُهْبِطا من الجَنَّة، وقع آدم بسَرَنْدِيب، وحوّاء بجَدَّة، وإبليس ببيسان والحية بـ"أصْفهان" فلمّا أَمَر الله - تعالى - آدم - عليه السّلام - بالحجِّ، لقي حواء بعَرَفَاتٍ فتعارفا، قاله ابن عبَّاس. وقيل: إنّ آدم - عليه السّلام - علّمهُ جبريل مَنَاسِك الحَجِّ، فلمّا وقَفَ بعَرَفَاتٍ قال له: أَعَرفتَ؟ قال: نعم، فسُمِّي عَرَفَاتٍ. وقيل: إن الحجاج يتعارَفُون بعَرَفَاتٍ إذا وَقَفُوا. وقيل: إنّه - تبارك وتعالى - يتعرّف فيه إلى الحُجَّاجِ بالمَغْفِرة والرَّحْمة. وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ؛ أنّ إبراهيم - عليه السّلام - رأى ليلة التَّروية في منامه، أنَّه يؤمر بذبح ولده، فلما أصبح روَّى يومه أجمع، أي: فكّر أمنَ الله هذه الرُّؤيا أم من الشَّيطان؟ فسمِّي اليوم يوم التَّروية. ثم رأى ذلك ليلة عرفة ثانياً، فلمّا أصبح عرف أنّ ذلك من الله، فسمي اليوم عرفة. [وقيل: مشتقَّة من العرف، وهو الرائحة الطيبة]. قال تعالى: {أية : وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}تفسير : [محمد: 6] أي طيَّبها لهم، فيكون المعنى: أن المذنبين لمّا تابوا في عرفات، فقد تخلَّصوا من نجاسات الذُّنوب، واكتسبوا عند الله رائحةً طيِّبة. وقيل: أصله من الصَّبر: يقال: رجل عارفٌ؛ إذا كان صابراً خاشعاً؛ قال ذو الرُّمَّة في ذلك: [الطويل] شعر : 999 -............................. عَرُوفٌ لِمَا خَطَّتْ عَلَيْهِ المَقَادِرُ تفسير : أي: صبورٌ على قضاء الله - تعالى - فسمِّي بهذا الاسم؛ لخضوع الحاجِّ وتذللِّهم وصبرهم على الدُّعاء، واحتمال الشَّدائد لإقامة هذه العبادة. وقيل: مشتقَّة من الاعتراف؛ لأن الحاجَّ إذا وقف اعترف للحقِّ بالربوبيَّة والجلال والاستغناء، ولنفسه بالفقر والذِّلَّة والمسْكَنَة والحاجة. وقيل: إنّ آدم وحوّاء - عليهما السّلام - لمّا وقفا بعرفاتٍ، قالا: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23] قال الله - سبحانه وتعالى -: "حديث : الآن عَرَفْتُمَا أَنْفُسَكُما " تفسير : وقيل: من العرف، وهو الارتفاع، ومنه عرف الدّيك، وعرفات جمع عرفة في الأصل. ثم سمّي به بقعة واحدة كقولهم: ثوبٌ أخلاقٌ، وبرمةٌ أعشار، وأرضٌ سباسب، والتَّقدير، كان كلُّ قطعة من تلك الأرض عرفة، فسمِّي مجموع تلك القطع بعرفاتٍ. والمشهورُ: أنَّ عرفات وعرفة واحدٌ، وقيل: عرفة اسم اليوم، وعرفات اسم مكان، وعرفة هي نعمان الأراك؛ قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1000 - تَزَوَّدْتُ مِنْ نَعْمَانَ عُودِ أَرَاكَةٍ لِهِنْدٍ وَلَكِنْ مَنْ يُبْلِّغُهُ هِنْدَا تفسير : والتنوين في عرفاتٍ وبابه فيه ثلاثة أقوال: أظهرها: أنه تنوين مقابلةٍ، يعنون بهذا أنَّ تنوين هذا الجمع مقابلٌ لنون جمع الذكور، فتنوين مسلماتٍ مقابلٌ لنون مسلمين، ثم جعل كلُّ تنوين في جمع الإناث - وإن لم يكن لهنّ جمعٌ مذكرٌ - طرداً للباب. والثاني: أنه تنوين صرف، وهو ظاهر قول الزمخشريِّ؛ فإنه قال: "فإن قلتَ: فَهَلاَّ مُنِعَتِ الصَّرْفَ، وفيها السببان: التعريف والتأنيث؛ قلت: لا يخلو التأنيث: إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدَّرة؛ كما هي في "سُعاد"، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنَّث، ولا يصحُّ تقدير التاء فيها؛ لأنَّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعةٌ من تقديرها، كما لا تقدَّر تاء التأنيث في "بِنْتٍ"؛ لأنَّ التاء التي هي بدلٌ من الواو؛ سبباً فيها، فصار التنوين عنده للصَّرف. وأجاب غيره من عدم امتناع صرفها: بأنَّ هذه اللَّفظة في الأصل اسمٌ لقطع كثيرة من الأرض، كلُّ واحدة منها تسمى بعرفة، وعلى هذا التَّقدير لم يكن علماً، ثم جعلت علماً لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف. والثالث: أنَّ جمع المؤنث، إن كان له جمعٌ مذكرٌ؛ كمسلمات ومسلمين، فالتنوين للمقابلة، وإلاَّ فللصَّرف؛ كعرفاتٍ. والمشهور - حال التسمية به - أن يُنوَّن ويعرب بالحركتين: الضمة والكسرة؛ كما لو كان جمعاً، وفيه لغةٌ ثانيةٌ: وهو حذف التنوين تخفيفاً، وإعرابه بالكسرة نصباً، والثالثة: أعرابه غير منصرف بالفتحة جرًّا، وحكاها الكوفيُّون والأخفش، وأنشد قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 1001 - تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتَ وَأَهْلهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي تفسير : بالفتح. فصل اعلم أنَّ اليوم الثَّامن من ذي الحجَّة يسمَّى يوم التَّروية، والتَّاسع: يوم عرفة، وقد تقدَّم تعليل يوم عرفة، وأمَّا التَّروية ففيه قولان: أحدهما: ما تقدَّم من تروِّي إبراهيم - عليه السَّلام - في منامه، من روَّى يروِّي تروية؛ إذا تفكَّر وأعمل فكره ورؤيَّته. وقيل: إن آدم - عليه السلام - أمر ببناء البيت، فلمَّا بناه تفكَّر فقال: رب، إنَّ لكلِّ عاملٍ أجراً، فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك. قال: رب زدني، قال: لأغفرنّ لأولادك إذا طافوا به، قال: رب زدني، قال: أغفر لكلِّ من استغفر له الطَّائفون من موحدي أولادك. قال: حسبي يا ربِّ حسبي. وقيل: إنَّ أهل مكَّة يخرجون يوم التَّروية إلى منى فيروُّون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في الغد بعرفات. الثاني: من رواه بالماء يرويه؛ إذا سقاه من عطشٍ، فقيل: إن أهل مكَّة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق، وكان الحجاجُّ يستريحون في هذا اليوم من مشاقِّ السَّفر، ويتسعون في الماء، ويروون بهائمهم بعد مقامهم بسبب قلَّة الماء في الطَّريق. وقيل: إنهم يتزوَّدون الماء إلى عرفة. وقيل: إنَّ المذنين كالعطاش الَّذين وردوا بحار رحمة الله - تعالى -، فشربوا منها حتى رووا. فصل في فضل هذين اليومين دلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ}تفسير : [الفجر: 3]، قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: "الشَّفْعُ"؛ يوم التَّروية وعرفة، والوتر يوم النَّحر. وعن عبادة؛ أنه - عليه السّلام - قال: حديث : صِيَامُ عَشْر الأضْحَى كُلُّ يومٍ مِنْها كالشَّهْرِ، ولِمَن يَصُوم يَوْم التَّروية سَنَة، وبصَوْم يوم عَرَفَة سَنَتَانِ تفسير : وروى أنس عنه - عليه السلام -؛ قال: "حديث : مَنْ صَامَ يَوْمَ التَّرويَةِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَثْلَ ثَوَابِ عِيسَى ابْنِ مَريمَ"تفسير : ، وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء خمسة منها مختصَّة به، وخمسة يشترك فيها مع غيره، فالخمسة الأول: أحدها: عرفة وتقدَّم اشتقاقه. الثاني: يوم إياس الكفَّار من دين الإسلام؛ قال - تبارك وتعالى -: {أية : ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ}تفسير : [المائدة: 3]. قال عمر، وابن عبَّاس: نزلت هذه الآية الكريمة عشيَّة عرفة، والنَّبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم - عليه السلام -:، وذلك في حجَّة الوداع وقد اضمحلَّ الكفر وهدم شأن الجاهليَّة، فقال النبيُّ - عليه السلام -: "حديث : لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما لَهُم في هذه الآية، لقَّرَّت أَعْيُنُهُم" تفسير : فقال يهوديُّ لعمر: لو أنَّ هذه الآية نَزَلَت عَلَيْنَا لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْم عِيداً، فقال عُمَر: أمَّا نَحْنُ فَجَعَلْنَاهُ عيدين؛ كان يوم عَرَفَة ويَوم الجُمُعَة، ومعنى إياس المشركين بأنَّهم يئسوا من قوم محمَّد - عليه السَّلام - أن يرتَدّوا [راجعين] إلى دينهم. الثالث: يوم إكمال الدِّين؛ نزل فيه قول تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3] فلم يأمرهم بعد ذلك بشيءٍ من الشَّرائع. الرابع: يوم إتمام النِّعمة؛ لقوله فيه: {أية : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}تفسير : [المائدة: 3] وأعظم النِّعم نعمة الدِّين. الخامس: يوم الرِّضوان؛ لقوله تعالى في ذلك اليوم: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً}تفسير : [المائدة: 3]. أما الخمسة الأُخر. فأحدها: يوم الحجِّ الأكبر؛ قال تعالى: {أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}تفسير : [التوبة: 3] وهذا الاسم مشترك بينه وبين يوم النَّحر، واختلف فيه الصَّحابة - رضي الله عنهم - والتابعون. فمنهم من قال: إنَّه عرفة؛ لأنَّ فيه الوقوف بعرفة "والحَجُّ عَرَفَة" فإنَّه لو أدركه وفاته سائر مناسك الحجِّ، أجزأ عنها الدَّم، فلهذا سمِّي بالحَجِّ الأكبر. وقال الحَسَن: سمِّي به؛ لأنه اجتمع فيه الكفَّار والمسلمون، ونودي فيه على ألاَّ يحجَّ بعده مشرك. وقال ابن سيرين: إنما سمِّي به؛ لأنَّه اجتمع فيه أعياد أهل الملل كلِّها؛ من اليهود والنَّصارى وحجِّ المسلمين، ولم يجتمع قبله ولا بعده. ومنهم من قال: إِنَّه يوم النَّحر؛ لأن فيه أكثر مناسك الحجِّ، فأمَّا الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزئ باللَّيل. وثانيها: الشَّفع. وثالثهما: الوتر. ورابعها: الشَّاهد. وخامسها: المشهود في قوله تعالى: {أية : وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}تفسير : [البروج: 3]. فصل "في ترتيب أعمال الحج" من دخل مكَّة محرماً في ذي الحجَّة أو قبله، فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم، وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات وإن كان متمتِّعاً طاف وسعى وحلق، وتحلَّل من عمرته، وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفاتٍ، وحينئذٍ يحرم من مكَّة بالحجِّ ويخرج، وكذلك من أراد الحجَّ من أهل مكَّة، والسُّنَّة أن يخطب الإمام بمكَّة يوم السَّابع من ذي الحجَّة، بعد أن يصلِّي الظُّهر خطبة واحدة، يأمرهم فيها بالذِّهاب غداً بعد صلاة الصُّبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال، ثم يذهبون يوم التَّروية وهو اليوم الثَّامن من ذي الحجَّة إلى منى، بحيث يوافون الظُّهر بها، ويصلُّون بها الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والصُّبح من يوم عرفة، فإذا طلعت الشَّمس على ثبيرٍ يتوجَّهون إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسُّنَّة ألاَّ يدخلوها، بل يضرب فيه الإمام بنمرة، وهي قريبة من عرفة، فينزلون هناك حتَّى نزول الشَّمس، فيخطب الإمام خطبتين، يبيِّن لهم مناسك الحجِّ، ويُحرِّضهم على كثرة الدُّعاء والتَّهليل بالموقف، فإذا فرغ من الخطبة الاولى، جلس ثم قال، وافتتح الخطبة الثَّانية والمؤذِّنون يأخذون في الأذان معه، ويخفِّف بحيث يكون فراغه من الخطبة، مع فراغ المؤذِّنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذِّنون فيصلِّي بهم الظُّهر، ثم يقيمون في الحال ويصلِّي بهم العصر، وهذا الجمع متفقٌ عليه، فإذا فرغوا في الصَّلاة توجَّهوا إلى عرفاتٍ، فيقفون عند الصَّخرات موقف النَّبي صلى الله عليه وسلم ويستقبلون القبلة ويذكرون الله - تعالى - ويدعونه إلى غروب الشَّمس. وهنا الوقوف ركنٌ لا يدرك الحجُّ إلاّ به، فمن فاته في وقته وموضعه، فقد فاته الحجُّ، ووقت الوقوف يدخل بزوال الشَّمس من يوم عرفة، ويمتدُّ إلى طلوع الفجر من يوم النَّحر، وذلك نصف يوم وليلة كاملة، فإذا حضر الحاجُّ هناك في هذا الموقف لحظة واحدة من ليل أو نهار، كفاه. قال القرطبيّ - رحمه الله تعالى -: أجمع أهل العلم على أنَّ من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزَّوال، ثم أفاض منها قبل الزَّوال أنّه لا يعتدّ بوقوفه ذلك، وأجمعوا على تمام حجِّ من وقف بعرفة بعد الزَّوال، وأفاض نهاراً قبل اللَّيل إلاَّ مالك؛ فإنَّه قال: لا بدَّ أن يأخذ من اللَّيل شيئاً، وأمَّا من وقف بعرفة باللَّيل، فإنّه لا خلاف بين الأئمَّة في تمام حجِّه، [فإذا غربت الشَّمس، دفع الإمام من عرفات وأخّر صلاة المغرب] وعند أحمد - رضي الله عنه - وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر. فصل قال القرطبيّ: لا خلاف بين العلماء أنَّ الوقوف بعرفة راكباً لمن قدر عليه أفضل؛ لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وعرفة كلها موقف إلاّ بطن عُرنَة. قال: ولا بأس بالتَّعريف في المساجد يوم عرفة؛ تشبيهاً بأهل عرفة. فصل فإذا غربت الشَّمس دفع الإمام من عرفات، وأخَّر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة. وفي تسميتها بالمزدلفة أقوال: أحدها: أنّهم يقربون فيها من منى، والأزدلاف: القرب. والثاني: أنّ النَّاس يجتمعون فيها، والاجتماع الازدلاف. والثالث: يزدلفون إلى الله - تعالى -، أي: يتقرَّبون بالوقوف، ويقال للمزدلفة: جمع؛ لأنَّه يجمع فيها بين المغرب والعشاء؛ قاله قتادة. وقيل: إنّ آدم - عليه السلام - اجتمع فيها مع حوَّاء، وازدلف إليها، أي: دنى منها، فإذا أتى الإمام المزدلفة، جمع المغرب والعشاء بإقامتين، ثم يبيتون بها، فإن لم يبت بها فعليه دم [شاة]، فإذا طلع الفجر، صلُّوا الصُّبح بغلس، والتَّغليس هنا أشدُّ استحباباً منه في غيره بالاتِّفاق، فإذا صلُّوا الصبح، أخذوا منها حصى الرَّمي، كُلُّ إنسانِ سبعين حصاة، ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقال له: "قزح"، وسُمِّي مشعراًً؛ لأنَّه من الشِّعار وهو العلامة؛ لأنه معلم الحجِّ، والصَّلاة والمبيت به، والدعاء عنده من شعائر الحجِّ، وسمِّي بالحرام لحرمته وهو أقصى المزدلفة مما يلي منى، فيرقى عليه إن أمكنه، أو يقف قريباً منه إن لم يمكنه، ويحمد الله - تعالى - ويهلِّله ويكبِّره إلى أن يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلوع الشَّمس، ويكفي المرور كما في عرفة، ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً، حَرَّك دابته، ومن كان ماشياً، أسرع قدر رمية بحجر، فإذا أتوا منى رموا جمرة العقبة في بطن الوادي بسبع حصيات، يقطع التَّلبية مع ابتداء الرَّمي، فإذا ذبح حلق رأسه، أو قصَّر شعره بأن يقطع طرفه، ثم يأتي إلى مكَّة بعد الحلق، فيطوف بالبيت طواف الإفاضة، ويسمّى طواف الزِّيارة، ويصلي ركعتي الطَّواف، ويسعى بين الصَّفا والمروة، ثم يعود إلى منى في بقيَّة يوم النَّحر، وعليه المبيت بمنى ليالي التَّشريق لأجل الرَّمي، وسمِّيت "منى" لأنه يمنى فيه الدَّم، أي: يراق، فإذا حصل الرَّمي والحلق والطَّواف، فقد حلّ. فصل اعلم أنّ أهل الجاهليَّة كانوا قد غيَّروا مناسك الحجِّ عن سنَّة إبراهيم - عليه السلام - وذلك أنّ قريشاً وقوماً آخرين سمُّوا أنفسهم بالحمس، وهم أهل الشِّدَّة في دينهم، والحماسة الشِّدَّة، يقال: رجل أحمس وقوم حمسٌ، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفاتٍ، ويقولون: لا نخرج من الحرم، ولا نتركه وقت الطَّاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفاتٍ والَّذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل غروب الشَّمس، والذين يقفون بالمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشَّمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ومعناه: أشرق يا ثبير بالشَّمس، كيما نندفع من مزدلفة، فيدخلون في غور من الأرض، فأمر الله - تعالى - محمَّداً - عيله السَّلام - بمخالفة القوم في الدُّفعتين، فأمره بأن يفيض من عرفة بعد المغرب، وبأن يفيض من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس، فالسُّنَّة بيَّنت المراد من الآية الكريمة. فصل الآية دلَّت على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام، عند الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفة مشروطة بالحصول في عرفة، ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به وكان مقدوراً للمكلَّف، فهو واجبٌ، فدلَّت الآية الكريمة على أنَّ الحصول في عرفاتٍ واجبٌ في الحجِّ، فإذا لم يأت به لم يكن آتياً بالحجِّ المأمور؛ فوجب ألاَّ يخرج عن العهدة، وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطاً. أقصى ما في الباب: أنّ الحجَّ يحصل عند ترك بعض المأمورات بدليل منفصل، إلاّ أنّ الأصل ما ذكرنا، وذهب كثير من العلماء إلى أنّ الآية لا دلالة فيها على أنّ الوقوف شرطٌ، ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجبٌ، إلاَّ أنه إن فاته ذلك، قام الوقوف بجميع الحرم مقامه، واتَّفق الفقهاء على أنّ الحجَّ لا يحصل إلاّ بالوقوف بعرفة. قوله: {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بـ"اذْكُرُوا". والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حالٌ من فاعل "اذْكُرُوا" أي: اذكروه كائنين عند المشعر. والمشعر: المعلم من الشِّعار وهو العلامة؛ لأنّه من معالم الحجِّ، وأصله قولك: شعرت بالشَّيء إذا علمته، وليت شعري ما فعل فلانٌ، أي: ليت بلغه وأحاط به، وشعار الشَّيء علامته، واختلفوا: فقال بعضهم: هو المزدلفة، لأن الصَّلاة والمقام والمبيت بها، والدُّعاء عنده، قاله الواحدي في البسيط. وقال الزَّمخشري: الأصحُّ أنه قزح وهو آخر المزدلفة. وقال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: والأول أقرب؛ لأنَّ الفاء في قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} تدلُّ على أنّ الذِّكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلاّ البيتوتة بالمزدلفة. فصل قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} يدلُّ على أن الحصول عند المشعر الحرام واجبٌ، ويكفي فيه المرور به، كما في عرفة، فأمَّا الوقوف هناك فمسنون. وروي عن علقمة والنَّخعي؛ أنّهما قالا: الوقوف بالمزدلفة ركنٌ بمنزلة الوقوف بعرفة، لقوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ}، فإذا قلنا: بأن الوقوف بعرفة ركن وليس ذكره صريحاً في الكتاب، وإنَّما وجب بإشارة الآية الكريمة أو بالسُّنَّة - فالمشعر الحرام فيه أمر جزمٌ. وقال جمهور الفقهاء: ليس برِكن؛ لقوله - عليه السلام -: "حديث : الحَجُّ عَرَفَةُ، فمن وقف بعرفة، فقد تم حجُّه"تفسير : وقوله"حديث : مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَة فَقَدْ أَدْرَك الحَجَّ، ومن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ"تفسير : ، وأيضاً فقوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أمر بالذِّكر لا بالوقوف فالوقوف بالمشعر الحرام يقع للذِّكر، وليس بأصلٍ، وأمّا الوقوفَ بعرفة فهو أصلٌ؛ لأنه قال: {فإِذَآ أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ} ولم يقل عند الذكر بعرفاتٍ. فصل اختلفوا في الذِّكر المأمور به عند المشعر الحرام. فقال بعضهم: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء، والصَّلاة تسمَّى ذكراً؛ قال تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِذِكْرِيۤ}تفسير : [طه: 14]، وأيضاً فإنه أمر بالذِّكر هناك، والأمر للوجوب، ولا ذكر هناك يجب إلاَّ هذا. وقال الجمهور: هو ذكر الله بالتَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: كان النّاس إذا أدركوا هذه اللَّيلة لا ينامون. قوله: "كَمَا هَدَاكُمْ" فيه خمسة أقوال: أحدها: أن تكون "الكَافُ" في محلّ نصبٍ نعتاً لمصدر محذوفٍ. والثاني: أن تكون في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير المقدَّر، وهو مذهب سيبويه. والثالث: أن يكون في محلِّ نصب على الحال من فاعل "اذْكُرُوا" تقديره: مشبهين لكم حين هداكم، قال أبو البقاء: "ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ؛ لأنَّ الجُثَّة لا تشبه الحدث". ومثله: "كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ" الكاف نعت لمصدر محذوف. قال القرطبيّ: والمعنى: "اذْكُرُوه ذكْراً حسناً كما هَدَاكُمْ هِدَاية حَسنَة". الثالث: أن يكون حالاً، تقديره: فاذكروا الله مبالغين. والرابع: للتعليل بمعنى اللام، أي: اذكروه لأجل هدايته إيَّاكم، حكى سيبويه رحمه الله: "كَمَا أنَّهُ لاَ يَعْلَمُ، فتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ". وممَّن قال بكونها للعلِّيَّة الأخفش وجماعةٌ. و"مَا" في "كَمَا" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مصدريةً، فتكون مع ما بعدها في محلِّ جر بالكاف، أي: كهدايته. والثاني - وبه قال الزمخشريُّ وابن عطية - أن تكون كافَّةً للكاف عن العمل، فلا يكون للجملة التي بعدها محلٌّ من الإعراب، بل إن وقع بعدها اسم، رفع على الابتداء كقول القائل: [الطويل] شعر : 1002 - وَنَنْصُرُ مَوْلاَنَا ونَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا النَّاسُ مَجْرُومٌ عَلَيْهِ وَجَارِمُ تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 1003 - لَعَمْرُكَ إنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ كَمَا النَّشْوَانُ والرَّجُلُ الْحَلِيمُ أُرِيدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ لَئِيمُ تفسير : وقد منع صاحب "المُسْتَوْفى" كون "مَا" كافةً للكاف، وهو محجوجٌ بما تقدّم. والخامس: أن تكون الكاف بمعنى "عَلَى"؛ كقوله: {أية : وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 185]. فإن قيل: قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} ثم قال: "وَاذْكُرُوهُ" فما فائدة هذا التَّكرار؟ فالجواب من وجوهٍ: أحدها: أنّ أسماء الله - تعالى - توقيفيَّة؛ فقوله أولاً: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أمر بالذِّكر، وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُم} أمر بأن نذكره بالأسماء والصِّفات التي بيَّنها لنا وهدانا إليها، لا بأسماء تذكر بحسب الرَّأي والقياس. وقيل: أمر بالذِّكر أولاً، ثم قال: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ}، أي: وافعلوا ما أمركم به من الذِّكر كما هداكم لدين الإسلام، كأنّه قال: إنَّما أمرتكم بهذا الذِّكر؛ لتكونوا شاكرين لتلك النِّعمة، ونظيره ما أمرهم به من التكبير عند فراغ رمضان، فقال: {أية : وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 185]، وقال في الأضاحي: {أية : كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ}تفسير : [الحج: 37]. وقيل: أمر أولاً بالذِّكر باللِّسان، وثانياً بالذِّكر بالقلب، فإن الذكر في كلام العرب ضربان: أحدهما: الذِّكر ضد النِّسيان. والثاني: الذِّكر بالقول. فالأول: كقوله: {أية : وَمَآ أَنْسَٰنِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ}تفسير : [الكهف: 63]. والثاني: كقوله: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ}تفسير : [البقرة: 200]، و {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}تفسير : [البقرة: 203] فالأول محمول على الذِّكر باللِّسان، والثاني على الذكر بالقلب. وقال ابن الأنباري: معنى قوله: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أي: اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته. وقيل: المراد مواصلة الذكر بالذِّكر؛ كأنه قيل لهم: اذكروا الله واذكروه، أي: اذكروه ذكراً بعد ذكر؛ كما هداكم هداية بعد هداية، نظيره قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}تفسير : [الأحزاب: 41]. وقيل: المراد بالذكر الأول: ذكر الله بأسمائه وصفاته الحسنى، والمراد بالثاني: الاشتغال بشكر نعمائه والشُّكر مشتمل أيضاً على الذِّكر. فصل قال بعضهم: إن هذه الهداية خاصَّة، والمراد: كما هداكم في مناسك حجِّكم إلى سنَّة إبراهيم - عليه السلام -. وقال بعضهم: بل هي عامَّة متناولة لكل أنواع الهدايات. قوله: {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ}: "إنْ" هذه هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام بعدها للفرق بينهما وبين النافية، وجاز دخول "إنْ" على الفعل؛ لأنه ناسخٌ، وهل هذه اللام لام الابتداء التي كانت تصحب "إنَّ"، أو لامٌ أخرى غيرها؛ اجتلبت للفرق؟ قولان هذا رأيُ البصريِّين. وأمَّا الكوفيون فعندهم فيها خلاف: فزعم الفرّاء أنها بمعنى "إنْ" النافية، واللام بمعنى "إلاَّ"، أي: ما كنتم من قبله إلاَّ من الضالِّين، ومذهب الكسائيِّ التفصيل: بين أن تدخل على جملةٍ فعليَّة، فتكون "إنْ" بمعنى "قَدْ"، واللاَّم زائدةً للتوكيد؛ كقوله: {أية : وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [الشعراء: 186]، وبين أن تدخل على جملةٍ اسميَّةٍ، كقوله: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}تفسير : [الطارق: 4]؛ فتكون كقول الفرَّاء. و"مِنْ قَبْلِهِ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ يدلُّ عليه "لَمِنَ الضَّالِّينَ"، تقديره: كنتم من قبله ضالِّين لمن الضَّالِّين، ولا يتعلَّق بالضالِّينَ بعده؛ لأنَّ ما بعد "أَلِ" الموصولةِ، لا يعمل فيما قبلها، إلا على رأي من يتوسَّع في الظرف، والهاء في "قَبْلِهِ" عائدةٌ على "الهُدَى" المفهوم من قوله "كَمَا هَدَاكُمْ". وقيل: تعود إلى القرآن، والتقدير: واذكروه كما هداكم، بكتابه الذي بيَّن لكم معالم دينه، وإن كنتم من قبل إنزاله عليكم من الضَّالِّين. وقيل: إلى الرَّسول.

السيوطي

تفسير : أخرج سفيان وسعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت ‏ {‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏}‏ في مواسم الحج‏.‏ وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، ويقولون‏ أيام ذكر الله، فنزلت {‏ليس عليكم جناح‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي من طريق عبيد بن عمير عن ابن عباس‏:‏ في أوّل الحج كانوا يتبايعون بمنى وعرفة وسوق ذي المجاز ومواسم الحج، فخافوا البيع وهم حرم، فانزل الله (‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج)‏ فحدث عبيد بن عمير أنه كان يقرأها في المصحف‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة التميمي قال ‏"‏قلت لابن عمر‏:‏ إنا ناس نكتري فهل لنا من حج‏؟‏ قال‏:‏ أليس تطوفون بالبيت، وبين الصفا والمروة، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ فقال ابن عمر‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ‏ {‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏} ‏ فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية وقال‏:‏ أنتم حجاج‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي الزبير‏.‏ أنه قرأ ‏"‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج‏}‏.‏ وأخرج وكيع وأبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة والبخاري وعبد بن حميد وابن جرير و ابن المنذر عن ابن عباس‏.‏ أنه كان يقرأ ‏ {‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عطاء قال‏:‏ نزلت ‏"لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج‏" وفي قراءة ابن مسعود ‏"‏في مواسم الحج فابتغوا حينئذ"‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ليس عليكم جناح‏}‏ يقول‏:‏ لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الاحرام وبعده‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ كان ناس لا يتجرون أيام الحج، فنزلت فيهم ‏ {‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏}‏ ‏.‏ وأخرج أبو داود عن مجاهد، أن ابن عباس قرأ هذه الآية ‏{‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏}‏ قال‏:‏ كانوا لا يتجرون بمنى، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏} ‏ قال‏:‏ التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال‏:‏ كان ناس من أهل الجاهلية يسمون ليلة النفر ليلة الصدر، وكانوا لا يعرجون على كسير ولا ضالة ولا لحاجة ولا يبتغون فيها تجارة، فأحل الله ذلك كله للمؤمنين أن يعرجوا على حاجاتهم ويبتغوا من فضل الله‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏فإذا أفضتم من عرفات‏}‏ . أخرج وكيع وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ إنما تسمى عرفات لأن جبريل كان يقول لإِبراهيم عليهما السلام‏:‏ هذا موضع كذا، وهذا موضع كذا‏.‏ فيقول‏:‏ قد عرفت قد عرفت، فلذلك سميت عرفات‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ إنما سميت عرفات لأنه قيل لإبراهيم حين أري المناسك عرفت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن علي‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال ‏"حديث : ‏خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أما بعد - وكان إذا خطب قال أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وأن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ههنا قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفاً هدينا لهدي أهل الشرك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه، ومن فاته فقد فاته الحج‏‏"‏‏. تفسير : وأخرج البخاري عن ابن عباس قال‏:‏ يطوف الرجل بالبيت ما كان حلالاً حتى يهل بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هديه من الإِبل أو البقر أو الغنم ما تيسر له من ذلك أي ذلك شاء، وإن لم يتيسر له فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه، ثم لينطلق حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام، ثم ليدفعوا من عرفات إذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعاً للذي يبيتون به، ثم ليذكروا الله كثيراً وأكثروا التكبير والتهاليل قبل أن تصبحوا، ثم أفيضوا فإن الناس كان يفيضون وقال الله ‏{أية : ‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 199‏]‏ حتى ترموا الجمرة‏.‏ وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال‏:‏ حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة إلى ملتقى وصيق ووادي عرفة‏.‏ وأخرج أبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم عن جابر ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا وجمع كلها موقف‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏"‏حديث : كل عرفات موقف وارفعوا عن عرفة وكل جمع موقف، وارفعوا عن محسر وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي واللفظ له وصححه وابن ماجة عن علي قال‏:‏ ‏ حديث : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال‏:هذه عرفة وهو الموقف وعرفة كلها موقف، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد، وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يميناً وشمالاً، يلتفت إليهم يقول‏: يا أيها الناس عليكم السكينة‏. ثم أتى جمعاً فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزح وقف عليه وقال‏: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر ففزع ناقته فخبب حتى جازوا الوادي فوقف وأردف الفضل، أم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال‏:‏ هذا المنحر ومنى كلها منحر‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن يزيد بن شيبان قال‏:‏ أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن وقوف بالموقف فقال‏:‏ إني رسول رسول الله إليكم‏.‏ يقول‏:‏ كونوا على مشاعركم فإنكم على ارث من ارث إبراهيم‏.‏ وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال‏:‏ أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة، فقال‏:‏ يا أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بايجاف الخيل والإِبل‏.‏ قال‏:‏ فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعاً، ثم أردف الفضل بن العباس فقال‏:‏ أيها الناس إن البر ليس بايجاف الخيل والإِبل فعليكم بالسكينة‏.‏ قال‏:‏ فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى‏"‏‏.‏ وأخرج البخاري عن ابن عباس ‏"حديث : ‏أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجراً شديداً وضرباً للإِبل، فأشار بسوطه إليهم وقال‏:‏ يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإِيضاع‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال ‏"حديث : ‏إنما كان بدء الإِيضاع من أهل البادية، كانوا يقفون حافتي الناس قد علقوا العقاب والعصي، فإذا أفاضوا تقعقعوا، فانفرت الناس فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن ظفري ناقته لا يمس الأرض حاركها، وهو يقول‏:‏ يا أيها الناس عليكم بالسكينة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أسامة بن زيد ‏"‏أنه سأل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حين أفاض من عرفة‏؟‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفات قال‏:‏ كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص‏"‏‏.‏ وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس، فأقبل يكبر الله ويهلله ويعظمه ويمجده حتى انتهى إلى المزدلفة‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفات وهو يقول‏:‏ شعر : إليك تعدو قلقاً وضينها مخالفاً دين النصارى دينها تفسير : وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور عن عروة بن الزبير، أن عمر بن الخطاب حين دفع من عرفة قال‏:‏ شعر : إليك تعدو قلقاً وضينها مخالفاً دين النصارى دينها تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبي بكر قال‏:‏ رأيت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وأبا سلمة بن سفيان، واقفين على طرف بطن عرفة فوقفت معهما، فلما دفع الإِمام دفعاً وقالا:‏ شعر : إليك تعدو قلقاً وضينها أمخالفاً دين النصارى دينها تفسير : يكثران من ذلك، وزعم أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولها إذا دفع‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس ‏"‏أن أسامة بن زيد كان ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال‏:‏ لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة‏"‏‏.‏ وأخرج مسلم عن أسامة بن زيد ‏"‏أنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة، فلما جاء الشعب أناخ راحلته ثم ذهب إلى الغائط، فلما رجع جئت إليه بالأذواة فتوضأ، ثم ركب حتى أتى المزدلفة فجمع بها بين المغرب والعشاء‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال‏:‏ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثاً، والعشاء ركعتين، باقامة واحدة‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاذكروا الله عند المشعر الحرام‏}‏ . أخرج وكيع وسفيان وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو‏.‏ أنه سئل عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال‏:‏ هذا المشعر الحرام‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عمر قال‏:‏ المشعر الحرام مزدلفة كلها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر‏.‏ أنه رأى الناس يزدحمون على قزح فقال‏:‏ علام يزدحم هؤلاء‏؟‏ كل ما ههنا مشعر‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله {‏فاذكروا الله عند المشعر الحرام‏} ‏ قال‏:‏ هو الجبل وما حوله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ ما بين الجبلين اللذين بجمع مشعر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ ما بين جبلي مزدلفة فهو المشعر الحرام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن الأسود قال‏:‏ لم أجد أحداً يخبرني عن المشعر الحرام‏.‏ وأخرج مالك وابن جرير عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ عرفة كلها موقف إلا بطن عُرَنة والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر‏.‏ وأخرج الأزرقي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ارفعوا عن بطن عرنة، وارفعوا عن بطن محسر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ أين المزدلفة‏؟‏ قال‏:‏ المزدلفة إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما قال‏:‏ قف بأيهما شئت وأحب إلي أن تقف دون قزح‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن جابر‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين وقف بعرفة‏ "‏حديث : هذا الموقف وكل عرفة موقف. وقال حين وقف على قزح‏: هذا الموقف وكل المزدلفة موقف‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف عند المشعر الحرام، ويقف الناس يدعون الله، ويكبرونه، ويهللونه، ويمجدونه، ويعظمونه، حتى يدفع إلى منى‏"‏‏.‏ وأخرج الأزرقي عن نافع قال‏:‏ كان ابن عمر يقف بجمع كلما حج على قزح نفسه لا ينتهي حتى يتخلص عنه، فيقف عليه مع الامام كلما حج‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر‏.‏ أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول‏:‏ رخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج أبو داود والطيالسي وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب بجمع بعدما صلى الصبح، وقف فقال‏:‏ إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون‏:‏ أشرق ثبير‏.‏ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس‏.‏ وأخرج الأزرقي عن كليب الجهني قال: ‏"‏رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في حجته وقد دفع من عرفة إلى جمع، والنار توقد بالمزدلفة وهو يؤمها حتى نزل قريباً منها‏.‏ وأخرج الأزرقي عن ابن عمر قال‏:‏ كانت النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان‏.‏ وأخرج الأزرقي عن إسحق بن عبد الله بن خارجة عن أبيه قال‏:‏ لما أفاض سليمان بن عبد الملك بن مروان من المأزمين نظر إلى النار التي على قزح فقال لخارجة بن زيد‏:‏ يا أبا زيد من أوّل من صنع هذه النار ههنا‏؟‏ قال خارجة‏:‏ كانت في الجاهلية وضعها قريش، وكانت لا تخرج من الحرم إلى عرفة وتقول‏:‏ نحن أهل الله قال خارجة‏:‏ فاخبرني رجال من قومي أنهم رأوها في الجاهلية وكانوا يحجون، منهم حسان بن ثابت في عدة من قومي قالوا‏:‏ كان قصي بن كلاب قد أوقد بالمزدلفة ناراً حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفات‏.‏ وأخرج البخاري واللفظ له ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن يزيد قال‏:‏ خرجت مع عبد الله إلى مكة، ثم قدمنا جمعاً فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بآذان وإقامة والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر وقائل يقول‏:‏ طلع الفجر، وقائل يقول‏:‏ لم يطلع الفجر، ثم قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن هاتين الصلاتين حوّلتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعاً حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة‏"تفسير : ‏ثم وقف حتى اسفر، ثم قال‏:‏ لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر‏.‏ وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن الزبير قال‏:‏ من سنة الحج أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة فيقيل حيث قضى له، حتى إذا زالت الشمس خطب الناس ثم صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم وقف بعرفات حتى تغيب الشمس ثم يفيض، فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن عروة بن مضرس قال‏ ‏"حديث : ‏أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بجمع فقلت‏:‏ جئتك من جبل طيىء وقد أكلت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل الا وقفت عليه فهل لي من حج‏؟‏ فقال‏: من صلى معنا هذه الصلاة في هذا المكان، ثم وقف هذا الموقف حتى يفيض الإِمام، وكان وقف قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الشافعي عن ابن عمر قال‏:‏ من أدرك ليلة النحر من الحاج فوقف بجبل عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة فيقف بها قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، فليأت البيت فليطف به سبعاً، ويطوف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج قابلاً فليحج إن استطاع وليهد بدنة، فإن لم يجد هدياً فليصم عنه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله‏.‏ وأخرج مسلم والنسائي عن عبد الرحمن بن يزيد‏.‏ أن عبد الله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع فقال أعرابي‏:‏ من هذا‏؟‏ قال عبد الله‏:‏ أنسي الناس أم ضلوا‏؟‏ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان ‏"‏لبيك اللهم لبيك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن الزبير في قوله ‏ {‏واذكروه كما هداكم‏} ‏ قال‏:‏ ليس هذا بعام هذا لأهل البلد كانوا يفيضون من جمع، ويفيض سائر الناس من عرفات، فأبى الله لهم ذلك، فأنزل الله ‏ {‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ‏ {‏وإن كنتم من قبله‏} قال‏:‏ من قبل القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏وإن كنتم من قبله لمن الضالين‏}‏ قال‏:‏ لمن الجاهلين‏.‏ وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر قال ‏"حديث : ‏رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول‏:‏ لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت‏:‏ أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل بمثل عمله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء حتى استوت به ناقته على البيداء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به، فأهل التوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي تهلون به، فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً منه‏.‏ ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته حتى أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏} ‏ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين يقرأ فيهما بقل هو الله أحد، وبقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ‏{‏أية : إن الصفا والمروة من شعائر الله‏}تفسير : ‏[‏البقرة: 158‏] فبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فكبر الله وحده وقال‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال‏:‏ مثل هذا ثلاث مرات‏.‏ ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال‏:‏ إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى أهلوا بالحج، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت بنمرة‏.‏ فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فاجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا غربت الشمس أمر بالقصواء فرحلت، فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس فقال‏:‏ إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دم عثمان بن ربيعة بن الحرث بن المطلب، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، اتقوا الله في النساء أخذتموهن بامانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف‏.‏ وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون‏؟‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت قال‏:‏ اللهم اشهد، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص، وأردف أسامة خلفه فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله وهو يقول بيده اليمنى‏:‏ السكينة أيها الناس كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى صعد حتى أتى المزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح‏.‏ ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه فاستقبل الكعبة فحمد الله وكبره وَوَحَّدَهُ، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى محسراً، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى الذي تخرجك إلى الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، فرمى بطن الوادي ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنحر، فنحر بيده ثلاثاً وستين، وأمر علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقتها ثم ركب، ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت فصلى بمكة الظهر، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال‏:‏ انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فأدلوه دلواً فشرب منه‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ} أي في أن تبتغوا أي تطلُبوا {فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} عطاءً ورزقاً منه أي الربحَ بالتجارة وقيل: كان عُكاظُ ومَجنّةُ وذو المَجازِ أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها أيامَ مواسمِ الحج وكانت معايشُهم منها فلما جاء الإسلامُ تأثّموا منه فنزلت {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ} أي دفعتم منها بكثرة من أفضتُ الماء إذا صبَبْتُه بكثرة وأصلُه أفضتم أنفسَكم فحُذِفَ المفعولُ حذفَه من دفعتُ من البَصْرة، وعَرَفاتٌ جمعٌ سُمّي به كأذرِعات وإنما نوّن وكُسر وفيه علميةٌ وتأنيثٌ لما أن تنوين الجمعِ تنوينُ المقابلة لا تنوينُ التمكن ولذلك يُجمع مع اللام وذهابُ الكسرة تبعُ ذهابِ التنوين من غير عِوَض لعدم الصرْف وههنا ليس كذلك أو لأن التأنيثَ إما بالتاء المذكورة وهي ليست بتاء التأنيث وإنما هي مع الألف التي قبلها علامةُ جمعِ المؤنَّث أو بتاءٍ مقدَّرةٍ كما في سُعادَ ولا سبـيل إليه لأن المذكورةَ تأبىٰ تقديرَها لما أنها كالبدل منها لاختصاصِها بالمؤنث كتاءِ بنت، وإنما سمي الموقفُ عَرَفة لأنه نُعِتَ لإبراهيمَ عليه السلام فلما أبصره عَرَفه، أو لأن جبريلَ عليه السلام كان يدور به في المشاعر فلما رآه قال: «عرَفتُ»، أو لأن آدمَ وحواءَ التقيا فيه فتعارَفا، أو لأن الناسَ يتعارفون فيه وهي من الأسماءِ المُرْتجلة إلا من يجعلها جمعَ عارف، قيل: وفيه دليلٌ على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضةَ لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ} [البقرة، الآية: 199] وقد قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحجُّ عَرَفةُ» تفسير : فمن أدرك عَرَفةَ فقد أدرك الحجَّ، أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظرٌ إذ الذكرُ غيرُ واجب والأمرُ به غيرُ مطلق {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بالتلبـية والتهليلِ والدعاء وقيل: بصلاة العشاءين {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} هو جبلٌ يقف عليه الإمامُ ويسمى قُزَح وقيل: ما بـين مأزمي عرفةَ ووادي مُحسِّر ويؤيد الأول ما رَوىٰ جابرٌ أنه عليه الصلاة والسلام لما صلى الفجرَ يعني بالمزدَلِفةِ بغَلَسٍ ركِب ناقتَه حتى أتى المشعَرَ الحرامَ فدعا فيه وكبّر وهلَّل ولم يزَلْ واقفاً حتى أسفَر. وإنما سُمِّي مَشعَراً لأنه مَعْلمُ العبادة ووُصِف بالحرام لحُرمته ومعنى عند المشعر الحرامِ ما يليه ويقرُب منه فإنه أفضلُ وإلا فالمزدلفةُ كلُها موقفٌ الإوادِيَ مُحَسِّر {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أي كما علَّمكم أو اذكُروه ذِكراً حسناً كما هداكم هدايةً حسَنةً إلى المناسك وغيرِها وما مصدرية أو كافّة {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ} من قبل ما ذُكر من هدايتِه إياكم {لَمِنَ ٱلضَّالّينَ} غيرِ العاملين بالإيمان والطاعة، وإن المخففةُ واللامُ هي الفارقة وقيل: هي نافية واللامُ بمعنى إلا كما في قوله عز وعلا: {أية : وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} تفسير : [الشعراء، الآية 186] {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} أي من عرَفةَ لا من المزدَلِفة والخطابُ لقريش لمّا كانوا يقفون بجمعٍ وسائرُ الناس بعرَفةَ ويرَوْن ذلك ترفعاً عليهم فأُمروا بأن يُساووهم و(ثم) لتفاوتِ ما بـين الإفاضتين كما في قولك: أحسِنْ إلى الناس ثم لا تُحسِنْ إلا إلى كريم وقيل: من مزدلفةَ إلى مِنىً بعد الإفاضةِ من عرَفة إليها، والخطابُ عام وقرىء الناسِ بكسر السين أي الناسي على أن يراد به آدمُ عليه السلام من قوله تعالى: {أية : فَنَسِىَ } تفسير : [طه، الآيات: 88، 115]، والمعنى أن الإفاضةَ من عرفه شرعٌ قديم فلا تغيِّروه {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} من جاهليتكم في تغيـير المناسكِ {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفرُ ذنبَ المستغفِر ويُنعِمُ عليه فهو تعليلٌ للاستغفار أو للأمر به.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [الآية: 198]. إلى ذكره وجعلكم من أهله {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} عن ذكره.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}. الإشارة فيه أن ما تبتغي من فضل الله مما يُعينك على قضاءِ حقِّه، ويكون فيه نصيب للمسلمين أو قوة للدين - فهو محمود. وما تطلبه لاستيفاء حظك أو لما فيه نصيب لنفسك - فهو معلول. قوله جلّ ذكره: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ}. الإشارة فيه إذا وقفت حتى قمت بحق طلبه فاذكر فضله معك؛ فلولا أنه أَرَادَكَ لما أَرَدْتَهُ، ولولا أنه اختارك لما آثرتَ رضاه.

البقلي

تفسير : {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} اى اذكروا بلسان عرفان نعمة تعريف نفسه لكم كما هداكم الى معرفته و خصائص قربته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليس عليكم جناح} اى اثم من الجنوح وهو الميل عن القصد {أن تبتغوا} اى فى ان تقصدوا وتطلبوا {فضلا من ربكم} اى عطاء ورزقا يريد الربح بالتجارة فى ايام الحج فان الآية نزلت ردا على من يقول لا حج للتاجر والجمال لكن الحق ان التجارة وان كانت مباحة فى الحج الا ان الاولى تركها فيه لقوله تعالى {أية : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} تفسير : [البينة: 5]. والاخلاص ان لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه طاعة وعبادة {فاذا افضتم من عرفات} الهمزة فى افضتم للتعدية والمفعول محذوف اى دفعتم انفسكم منها بكثرة بعد غروب الشمس ورجعتم بعد الوقوف بها. وفى التيسير وحقيقة الافاضة هنا هو اجتماع الكثير فى الذهاب والمسير. وعرفات علم للموقف وليس بجمع حقيقة بل هو من قبيل ما زيدت حروفه لزيادة معناه فانه للمبالغة فى الانباء عن المعرفة روى انه نعته جبريل لابراهيم عليهما السلام فلما ابصره عرفه فسمى ذلك الموضع عرفات او لان جبريل عليه الصلاة والسلام كان يدور به فى المشاعر اى مواضع المناسك ويقول عرفت فيقول عرفت فلما رآه قال عرفت او لان آدم عليه الصلاة والسلام لما اهبط الى الارض وقع بالهند وحوآء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا او لغير ذلك كما ذكر فى التفاسير. وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفات لان الاضافة مأمور بها وهى موقوفة على الحضور فيها والوقوف بها وما لم يتم الواجب الا به فهو واجب فيكون الوقوف واجبا {فاذكروا لله} بالتلبية والتهليل والتسبيح والتحميد والثناء والدعوات {عند المشعر الحرام} قزح وهو الجبل الذى يقف عليه الامام وعلى الميقدة وفى المغرب الميقدة هو موضع بالمشعر الحرام على قزح كان اهل الجاهلية يوقدون عليها النار وتقييد محل الذكر والوقوف بقوله {عند المشعر الحرام} للتنبيه على ان الوقوف فيما يقرب من جبل قزح افضل من الوقوف فى سائر مواضع ارض مزدلفة وذلك لا ينافى صحة الوقوف فى جميع مواضعها كما ان عرفات كلها موضع الوقوف لكن الوقوف بقرب جبل الرحمة افضل واولى والمشعر العلم اى للعبادة. والشعائر العلامات من الشعار وهو العلامة ووصفه بالحرام لحرمته فلا يفعل فيه ما نهى عنه {واذكروه كما هداكم} اى كما علمكم كيف تذكرونه مثل كون الذكر ذكرا كثيرا وعلى وجه التضرع والخيفة والطمع ناشئا عن الرغبة والرهبة ومشاهدة جلال المذكور وجماله كما قال عليه السلام "حديث : الاحسان ان تعبد الله كأنك تراهbr>". تفسير : فالمقصود من الكاف مجرد التقييد لا التشبيه اى اذكروه على الوجه الذى هداكم اليه لا تعدلوا عما هديتم اليه كما تقول افعل كما علمتك وليس هذا تكرارا لقوله {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} لان الاول لبيان محل الذكر والوقوف وتعليم النسك المناسك لذلك المحل واوجب بالثانى ان يكون ذكرنا اياه كهدايته ايانا اى موازيا لها فى الكم والكيف {وان} هى المخففة واللام هى الفارقة {كنتم من قبله} اى من قبل ما ذكر من هدايته اياكم {لمن الضالين} غير العالمين بالايمان والطاعة قال القاشانى ان الله تعالى هدى اولا الى الذكر باللسان فى مقام النفس. ثم الى الذكر بالقلب وهو ذكر الافعال اى تصور آلاء الله ونعمائه ثم الى ذكر السر وهو معاينة الافعال ومكاشفة علوم تجليات الصفات. ثم الى ذكر الروح وهو مشاهدة انوار تجليات الصفات مع ملاحظة نور الذات. ثم الى ذكر الخفى وهو مشاهدة جمال الذات مع بقاء الاثنينية. ثم الى ذكر الذات وهو الشهود الذاتى بارتفاع البعد وان كنتم من قبل الهدى الى هذه المقامات لمن الضالين عن طريق هذه الاذكار انتهى. ولما امر بذكر الله تعالى اذا فعلت الافاضة امر بان تكون الافاضة من حيث افاض الناس مرتبا الامر الثانى على الاول بكلمة ثم فقال.

ابن عجيبة

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} قلت: {أن تبتغوا}: على إسقاط حرف الجر، أيْ: في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية: أن عُكاظاً ومَجَنّة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقاً في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثَّمُوا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحقّ جلّ جلاله: {ليس عليكم جناح} أي: إثم أو ميل عن الصواب، في {أن تبتغوا فضلاً من ربكم} أي: عطاء ورزقاً تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلَصَتْ نيتكم، وغلب قصدُ الحج على التجارة. وها هنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها: أن العمل إذا تمحَّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض الله خالصاً فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوْب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث؛ فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب، حُط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساوي تقاوماً وتساقطاً وصار العمل لا له ولا عليه. ثم قال: ويشهد لهذا إجماعُ الأمة على أن مَنْ خرج حاجّاً ومعه تجارة صحَّ حجه وأُثيب عليه. ثم قال: والصواب أنْ يقال: مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي، وكان غرضُ التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طُرِّد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: يُنْظر لغالب الباعث وخُلوص القصد، وكذلك الصوم للحِمْية والثواب، ينظر لغالب الباعث. قلت: وتطَّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحِرَف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمَشُوب يُنظر للغالب كما تقدم. وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدقّ من هذه فقال: إذا أكرم الله عبداً في حركاته وسكناته، نصَب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلّب في عبوديته، والحظوظ عنه مستورة، مع جَرْي ما قُدِّر له، ولا يلتفت إليها؛ لأنها في معزل عنه، وإذا أهان الله عبداً في حركاته وسكناته، نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديته، فهو يتقلّب في شهواته، وعبودية الله عنه بمعزلِ، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر، قال: وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصِّدِّيقية العظمى، والولاية الكبرى، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة؛ لأنه بالله فيما يأخذ ويترك. هـ. الإشارة: العبد لا يستغني عن طلب الزيادة، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية، فالقناعة من الله حرمان، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان، فليس عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلاً من ربكم زيادة في إيقانكم، وترَقِّياً في معانيكم، إذ كمالات الحق لا نهاية لها، وأسرار الذات لا إحاطة بها، قال تعالى:{أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}تفسير : [طه: 110]. والله وليّ التوفيق. ثم ذكر الحقّ تعالى الوقوف بعرفة، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام، فقال: {...فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً...} قلت: {أفضتُم}: دفعتم، وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبَع بقوة، ثم استُعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و {عرفات} فيه الصرف وعدمه، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين علَّمه المناسك: قد عرفتُ: أو لمعرفة آدم حواءَ فيها. والكاف في {كما هداكم} تعليلية، و {ما} مصدرية، أي: واذكروه لأجل هدايته لكم. و {إن كنتم} مخففة، واللام فارقة، وقوله: {أو أشد} نعت لمصدر محذوف، أي: أو ذكراً أشد... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيِتُوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند {المشعر الحرام}، وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام -، {واذكروه} لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه، وغير ذلك من شعائر الدين، أو فاذكروه ذكراً حسناً هداكم هداية حسنة، وقد كنتم من قبل هذه الهداية {لمن الضالين}. وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعاً عليهم، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الحق جلّ جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: {ثم أفيضوا} يا معشر قريش {من حيث أفاض الناس} بأن تَقْضُوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، {واستغفروا الله} في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلامَ - {إن الله غفور} لكم، {رحيم} بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم. {فإذا قضيتم مناسككم} وفرغتم من حجتكم {فاذكروا الله} ذكراً كثيراً {كذكركم آباءكم} أو ذكراً {أشد ذكراً} منهم، حيث كنتم تَذْكُرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخَرة، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقَفُوا بِمنى، بين المسجد والجبل، فيذكرون مفاخرة آبائهم، ومحاسن أيامهم، فأُمِرُوا أن يُبدلوا ذلك بذكر الله، وذكر إحسانه إليهم، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: إذا وقَفَت القلوبُ على جَبل عرفة المعارف، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف، حتى صارت تلك المعاني هي روحَها وسرَّها، وإليها مآلها ومسيرُها، أُمرتْ بالنزول إلى رض العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، شكراً لما هداها إليه من معالم التحقيق، وما أبان لها من منار الطريق، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشحباحهم، وانفرادهم عنهم بأرواحهم، أشباحُهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حِسّ؛ فليستغفروا الله {إن الله غفور رحيم}. ثم يقال لهم: فإذا قضيتم مناسككم، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم، فاذكروا الله على كل شيء، وعند كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، حتى لا يبقى من الأثر شيء، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم، في حال غفلتكم، بل أشد ذكراً وأعظم وأتم، والله ذو الفضل العظيم. ثم بيَّن الحقّ تعالى مقاصد الناس، وهممهم في طلبهم وسعيهم، فقال: {... فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يقول الحقّ جلّ جلاله: في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره: {فمن الناس} من قصرت نيته وانحطت همته، {يقول ربنا آتنا في الدنيا} ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها، وليس له {في الآخرة من خلاق} أي: نصيب، لأنه عجَّل نصيبه في الدنيا. "إن الله يرزق العبد على قدر نيته" {ومنهم} من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة {يقول ربنا آتنا في الدنيا} حالة {حسنة}؛ كالمعرفة، والعافية، والمال الحلال، والزوجة الحسنة، وجميع أنواع الجمال، {وفي الآخرة حسنة}؛ كالنظرة، والحُور العين، والقصور، جميع أنواع النعيم، {وقنا عذاب النار} بالعفو والمغفر، وقال سيّدنا عليٍّ - كرَّم الله وجهه -: (الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة،، وفي الآخرة: الحَوْرَاء. وعذاب النار في الدنيا: المرأة السوء) وقال الحسن: (الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة). {وقنا عذاب النار}: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة. {أولئك} الذين طلبوا خيرَ الدارَيْن {لهم نصيب} وحظٍّ من الجزاء الوافر من أجلْ ما كسبوا من الأعمال الصالحات، {والله سريع الحساب} يحاسب عباده على كثرتهم، وكثرة أعمالهم، في مقدار لَمْحة. قيل لعليّ رضي الله عنه: كيف يُحاسب اللّهُ عباده في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. هـ. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده، فبادِرُوا إلى إغتنام الطاعات، واكتساب الحسنات، قبل هجوم الممات. الإشارة: الناس ثلاثة: صاحب همة دَنِيَّة، وذو همة متوسطة، وصاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، وأكبَّ على جمع حطامها الفانية، فقلبُ هذا خالٍ من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، وصلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، ولم ينسَ نصيبه من الدنيا لِيقْضِي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، وهي الكفاية والغنى، وفي الآخرة حسنة، وهي النعمة والسرور والهنا. وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونَيْن، وأغمض طَرْفَه عن الالتفات إلى الدارين، بل علَّق همته بمولاه، ولم يقنع بشيء سواه، قد ولّى عن هذه الدار مُغضياً، وأعرض عنها مُولياً، ولم يشغله عن الله شيء، يقول بلسان المقال إظهاراً لعبودية للكبير المتعال: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} وهي النظرة والشهود، ورضا الملك الودود، {وفي الآخرة حسنة} وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى، من المقربين والأنبياء، في حضرة الشهود المؤبد {في مقعد صدق عند مليك مقتدر}. أتحفَنَا الله من ذلك بحظٍّ وافر، بمنِّه وكرمه، نحن وأحباءَنا أجمعين، آمين.

الطوسي

تفسير : هذه الآية فيها تصريح بالاذن في التجارة، ونحوها في حال الاحرام، لأنهم كانوا يتحرّجون بذلك في صدر الاسلام, على قول ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطا، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). اللغة والاعراب: والجناح هو الجرح في الدين، وهو الميل عن الطريق المستقيم، وأصله الميل - على ما مضى القول فيه -. وقوله: {فإذا أفضتم من عرفات} يعني دفعتم من عرفة الى المزدلفة عن اجتماع، كفيض الأناء عن امتلائه، تقول: فاض الماء يفيض فيضاً: إذا انصبّ عن امتلاء، وأفاض إفاضة في الحديث: إذا اندفع فيه. واستفاض الخبر إذا شاع. والافاضة الضرب بالقداح. وفيض الصدر بما فيه: البوح به. والافاضة: امتلاء الحوض حتى يفيض. ورجل فيّاض: جواد. ودرع مفاضة، وفيوض إذا كانت واسعة. وفيض البصرة: نهرها. وأصل الباب: الفيض: الانصباب عن الامتلاء. و {عرفات} صرفت وإن كان فيها التعريف، والتأنيث، لأنها على حكاية الجمع، كما يجب أن يحكى المذكر إذا سمي به الجمع، ويجوز فيها ترك الصرف تشبيهاً بالواحد فيسقط التنوين ويسقط الاعراب كما كان في الجمع كقول امرء القيس: شعر : تنوَّرتُها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالي تفسير : والأول اختيار النحويين، وقد أجاز بعضهم فتح التاء بغيرتنوين على قياس طلحة، وأنشدوا البيت على ثلاثة أوجه (أذرعات) - منوناً مكسوراً - ومجروراً بلا تنوين - ومفتوحاً بلا تنوين -. وأنكر الزجاج الوجه الثالث. والمشعر هو معلم المتعبد. وقال المبرد: المشعر - بفتح الميم والعين - مكان الشعور، كالمدخل لمكان الدخول. والمشعر - بكسر الميم - الحديدة التي يشعر بها أي يعلم بها. فكسرت، لانها آلة كالمخرز، والمقطع، والمخيط. وقال: الكسائي: لا فرق بين الفتح والكسر. المعنى: و {المشعر الحرام} هو المزدلفة: وهو جُمع بلا خلاف. وسميت عرفات عرفات، لأن إبراهيم (ع) عرفها بما تقدم له من النعت لها، والوصف، على ما روي عن علي (ع) وابن عباس. وقال عطا، والسدي، وقد روي ذلك في أخبارنا: أنها سميت بذلك، لأن آدم وحواء اجتمعا فيه، فتعارفا بعد أن كانا افترقا. وقيل: سميت عرفات لعلوّه وارتفاعه، ومنه عرف الديك. ووجه التشبيه في قوله {واذكروه كما هداكم} أن الذكر بالشكر، والثناء يجب أن يكون بحسب الانعام، والهداية في العظمة لأنه يجب أن يكون الشكر كالنعمة في عظم المنزلة كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة، ولا يجوز التسوية في الشكر بين من عظمت نعمته ومن صغرت. الاعراب: وقوله: {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} معنى (إن) ها هنا المخففة من الثقيلة بدلالة دخول لام الابتداء معها، وإذا خففت لم تعمل. وجار دخولها على الاسم، والفعل، كقوله تعالى: {أية : وإن كل لما جميع لدينا محضرون}. تفسير : وأما {كنتم} فلا موضع لها من الاعراب، لأنها بعد حرف غير عامل. وليس {لأن} موضع كما ليس لها موضع في الابتداء. وإنما هذه الواو عطف جملة على جملة. وروى جابر عن أبي جعفر (ع) قال: {لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم} معناه أن تطلبوا المغفرة.

اطفيش

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُم جُناحٌ}: إثم ولا عتاب، فإن الجناح يطلق على الإثم وعلى العتاب، فهو عام لهما يجوز أن يستعمل فى أحدهما وأن يستعمل فيهما. {أَنْ تَبتغُوا}: فى أن تبتغوا، أى فى أن تطلبوا. {فَضلاً}: عطاءاً ورزقاً. {مِنْ ربِّكُم}: بالتجر، روى البخارى عن ابن عباس: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً فى الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا فى تلك الأسواق فى مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فنزلت الآية، وعكاظ سوق بقرب مكة لقيس، ومجنة - بفتح الميم وكسرها والفتح أشهر وتشديد النون - سوق على بريد من مكة لكنانة بمر الظهران، وذو المجاز سوق بعرفة لهذيل، وكانوا يقيمون بعكاظ عشرين يوماً من ذى القعدة، ثم ينتقلون مجنة فيقيمون بها ثمانية عشر يوماً عشرة من آخر ذى العقدة، وثمانية من ذى الحجة، ويخرجون فى الثامن إلى عرفة، وقال الداودى: مجنة عند عرفة وعن أبى أمامة التيمى: كنت أكرى فى الحج، وكان الناس يقولون لى: ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت له: يا أبا عبد الرحمن إنى رجل أكرى جمالى فى الحج، وإن أناساً يقولون إنه ليس لك حج. فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبى وتطوف بالبيت وتفيض من عرفة وترمى الجمار؟ قلت: بلى قال: فإن لك حجاً، حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن مثل ما سألتنى عنه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه، حتى نزلت الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاح أنْ تَبْتغُوا فَضْلاً من ربكم} فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها عليه، وقال: "ولك حج"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذى، وقال بعض العلماء: إن التجارة إن أوقعت نقصا فى أعمال الحج لم تكن مباحة، وإن لم توقع نقصاً فيه فمباحة، لكن الأولى تركها لتجريد العبادة عن غيرها، لأن الحج بدون التجر أكمل وأفضل، ذكر ذلك الخازن فى تفسيره، وبعضه أخذه عن الكشاف، وروى الكشاف فدعى به فقال: أنتم حجاج، وسئل عمر: هل كنتم تكرهون التجارة فى الحج؟ فقال: نعم ولكن نزلت الآية رافعة للكراهية. وقرأ ابن عباس: فضلا من ربكم فى مواسم الحج، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفوا عن التجر والبيع والشراء، فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة: الداج، ويقولون هؤلاء الداج، وليسوا بالحاج، وعن عبيد الله بن أبى يزيد: سمعت عبد الله بن الزبير، وبلغه أن ناساً يتأثمون من التجارة فى الحج، وقال: يقول الله {ليس عَلَيْكُمْ جَناحٌ أنْ تَبتغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكم}، يعنى به التجارة فى مواسم الحج، وعن الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالتجارة فى الحج فى الفريضة وغيرها، وروى مجاهد عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين تحرجوا عن التجر فى مواسم الحج فنزلت الآية. {فإذَا أفَضْتُم}: يجوز أن تكون الهمزة للتعدية والمفعول محذوف، أى إذا أفضتم أنفسكم، ويجوز أن تكون للتأكيد فيكون أفاض بمعنى فاض ما زاد عليه إلا بالتأكيد، فهو لموافقة المجرد، وذلك من قولك فاض الماء وأفضته بمعنى خرج بسرعة، ولكثرة بالنسبة لموضعه، وأخرجته بسرعة وكثرة كذلك، ويجوز أن يكون المراد بالإفاضة مطلقاً الخروج بسرعة أو بغيرها، كما ذكروا عن عمر أنه أفاض من عرفات وبعيره يجتر، أى سار على هيئته، وتجوز الإفاضة على الدابة، كما فعل صلى الله عليه وسلم والصحابة، وروى البخارى ومسلم عن ابن عباس: حديث : أن أسامة بن زيد كان رديف النبى صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، ولم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبةتفسير : . وروى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر ابن زيد: حديث : سأل أسامة بن زيد كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فرجة نضتفسير : ، والنض فوق العنق، وهو السرعة فى السير، وكذا روى البخارى ومسلم عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: سأل أسامة بن زيد وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إلخ الحديث بلفظه المذكور، إلا أنه ليس فيه قوله حين دفع وإلا أن فيه فجوة مكان فرجة، وهما بمعنى. وروى البخارى حديث : عن ابن عباس: أنه دفع مع النبى صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فسمع النبى صلى الله عليه وسلم وراءه زجراً شديداً وضرباً للإبل، فأشار بصوته إليهم فقال: "يا أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"تفسير : والإيضاع السير السريع. {مِنْ عَرفاتٍ}: جمع عرفة، وعرفة بالإفراد، ومنع الصرف علم على البقعة التى هى مخصوصة، وقعت التسمية لها فى قصة آدم أو إبراهيم أو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اعتبرت كل بقعة من البقع التى تليها، فسيمت عرفة، فجمعن على فرعات بنية العلم لتلك البقع كلها، وأصل عرفة عرفت باسكان الفاء وفتح التاء أو ضمها، ولما سميت به البقعة فتحت الفاء فكانت التاء هاء يقع عليها الإعراب، أعنى كان تاء تكتب بصورتها، ويجوز أن يكون عرفات جمع عرفه، وعرفه جمع عارف، ككامل وكملة، وإن قلت إن كان عرفات علما فلم صرفت وفيه التأنيث مع تلك العلمية، قلت: ليس تنوينه وجره بكسرة صرفاً، بل تنوينه للمقابلة كما هو شأن جمع السلامة لمؤنث زعم بعض أنه يجتمع مع اللام، وليس كذلك، والصواب أنه لا يجتمع التنوين مع أل، سواء كان للمقابلة إلا النون المزيدة بغير أن تكون بطريق التنوين، وذهاب الكسرة تابع لذهاب التنوين من غير عوض، لعدم الصرف، ووجودها تابع لوجوده، وهنا ليس كذلك لما لم يحذف التنوين لم يحذف الكسر، وزعم بعض أن تأنيث عرفات إما أن يكون بالتاء المذكورة وهى ليست تاء تأنيث، وإنما هى مع الألف التى قبلها علامة جمع المؤنث، وإما بتاء مقدرة كما فى سعاد، ولا يصح تقديرها، لأن المذكورة تمنعه من حيث إنما كالبدل لاختصاصها بالمؤنث، كتاء بنت، وليس كما قال، إلا أن تاءه جمع السلامة يكتفى بها فى الثانية إلا إن تبين أن مفرده مذكراً، ويرجع الضمير مثلا إليه مؤنثاً كطلحة - لرجل - وطلحات، ولأن تقدير التاء فى التأنيث كاف، ولو لم يقبلها اللفظ، ولأنه ليس كل تأنيث إما بالتاء وإما بالألف، كحبلى فإنا نعرف الإسم بعلامة وبلا علامة، ولا نسلم أن المؤنث بلا علامة تقدير فيه تاء التأنيث، وإنما ذلك فى الثلاثى بشروط. وقال الفراء: ليس عرفات جمع عرفة، بل اسم منزل بصيغة الجمع وهو علم للبقعة وعرفة اسم لليوم وليس كونه اسما للموضع بعربى محض انتهى. ويدل له ما قال الضحاك: إن آدم لما أهبط وقع بالهند وحواء وقعت بجدة، فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات فى يوم عرفة فتعارفا، فسمى اليوم عرفة، والموضع عرفات، وما روى عن عطاء: كان جبريل يُرى إبراهيم المناسك ويقول له: عرفت؟ فيقول: عرفت فسمى المكان عرفات، واليوم عرفة، وعن السدى: أن إبراهيم لما أذن فى الناس بالحج وأجابوه بالتلبية، وأبى من أبى، أمره الله تعالى أن يخرج إلى عرفات ونعتها له، فلما بلغ الجمرة استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية، ورماه وكبر، فطار ووقع على الجمرة الثالثة، ورماه وكبر، فطار، فلما رآه الشيطان أنه لا يطيعه ذهب، فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فنظر إليه فلم يعرفه، ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت، فسمى الوقت عرفة، والموضع عرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع فسمى المزدلفة، فسمى ذلك الموضع المزدلفة، وما روى عن ابن عباس: أن إبراهيم رأى فى منامه ليلة التروية أنه يؤمر بذبح إبنه، فلما أصبح ثوى يومه أجمع يفكر: هل هذه الرؤية من الله؟ فسمى يوم التروية، ثم رأى ذلك فى ليلة عرفة ثانيا، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمى اليوم عرفة، وما قيل من أنه سمى كان الناس يعترفون فى ذلك اليوم بذنوبهم، وما قيل من أنهُ سمى عرفة من العرف وهو الطيب لما لم يكن فيه ما فى يوم منى من رائحة الدم والفرث، صار هو كان فيها طيباً، وكذا سمى الموضع عرفات لاعترافهم فيه من الذنوب، ولخلوه من الدم والفرث سمى موضع منى باسم منى لما يمنى فيه من الدم، أى يصب أو يقدر، وذكر بعض: أن عرفات علم مرتجل للموضع كله بصيغة الجمع للمبالغة فيما ذكر من المعرفة، أو العرف، أو الاعتراف أو التعارف، وعرفة نعمان الأراك، وقيل سميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيه، وفى ذكر الإفاضة دلالة على وجوب الكون فى عرفات، وقد تقرر بالسنة والعادة أنه كون بالوقوف لقادر، فدلت أيضاً على وجوب الوقوف بواسطة السنة وتقرير العادة، ووجه ذلك أن الإفاضة من عرفات فرع الحصول فيها، وأن مدخول إذا الشرطية مفروض على أنه يكون على معنى قولك: إن كان، وأيضاً قد أمر بها فى قوله: {ثم أفيضوا} والأمر للوجوب، قيل وأيضاً الإفاضة مقدمة للذكر الواجب فى المشعر الحرام، ومقدمة الواجب واجبة. واعترض بأن الذكر فيه غير واجب؛ فلا يستلزم وجوب مقدمته؛ بل مستحب، ولئن سلم وجوبه ليقال: إنه واجب مفيد بالإضافة لا واجب مطلقاً، فضلا عن أن تجب مقدمته؛ فإن المعنى إذا حصلتم فى المشعر الحرام فاذكروا الله. أجمع أهل العلم على صحة وقوف الواقف بعرفات بعد الزوال بقليل أو كثير، وأفاض بعد الغروب، واختلفوا فى من وقف قبل الزوال وأفاض قبله، وفى من أفاض قبل الغروب. المذهب عدم صحة وقوفه، وأنه المجئ للخروج من عرفات قبل الغروب، ولو لم يخرج من حدها إلا بعده، وكذا قال مالك: لا بد أن يأخذ الواقف شيئاً من الليل، ونسب تمام حج الواقف بعد الزوال المفيض قبل الغروب فى وقت من أوقات ما بين الزوال والغروب، إلى جمهور الأمة، ولا يصح ذلك، واختلفوا فيمن وقف ليلا قبل الفجر، فقيل يجزيه، وقيل لا، وزعم بعض أنه لا خلاف بين الأمة فى تمام حجه، قال بعض قومنا من أدرك لحظة فى عرفات بعد الزوال إلى طلوع الفجر فقد تم حجه، وقال أحمد وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر وأنه تكفى لحظة من ذلك، وعن عطاء قال (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج"تفسير : وعن ابن عباس الحج عرفات والعمرة الطواف، والسنة أن يدفعوا قبل الإمام، واتفقوا على استحسان الإفاضة بعد الغروب فى ما قيل، إلا أن منهم من استحسنه بإيجاب، روى البخارى ومسلم عن أسامة بن زيد قال:حديث : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، قلت: الصلاة يا رسول الله؟ قال: "الصلاة أمامك" ثم ركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره فى منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى ولم يصل بينهما شيئاًتفسير : ، وروى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أسامة: حديث : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالعشب نزل فتوضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة. فقال: "الصلاة أمامك" فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فى منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره فى منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما . تفسير : وروى الربيع عن أبى عبيدة: يستحب بعد المغرب ركعتان، ومعنى توضأ ولم يسبغ الوضوء أنه غسل يديه فقط، ولم يتوضأ وضوءة التام الذى يعتاده، أو غسل يده وتوضأ وضوءاً خفيفاً. ومعنى نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، توضأ وضوءه المعتاد، فالفاء فى قوله: فأسبغ تفصيل لقوله: فتوضأ، وهو مجدد وضوءاً فى المشعر الحرام ليكون له نور على نور بعد وضوئه فى الشعب، أو هو وضوء أول والذى فى الشعب غسل يده. {فَاذكرُوا اللّهَ}: بالتهليل والتسبيح والتكبير والتلبية والدعاء وسائر الأذكار، وقراءة القرآن، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه نظر إلى الناس لية جمع فقال: "لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون" وعن عكرمة عن ابن عباس: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاض من عرفات قال: "يا أيها الناس عليكم السكينة لا يشغلنكم زجل عن الله أكبر"تفسير : وقيل: المراد بذكر الله هنا صلاة المغرب والعشاء. {عِنْدَ المشْعَر الحَرَامِ}. قيل: السنة صلاة المغرب والعشاء فيه مقرونتين، ولو انتصف الليل ما لم يخف طلوع الفجر، والمشعر الحرام المزدلفة، قال ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل عرفة موقف، وارتفعوا عن عرفة، وكل جمع موقف وارتفعوا عن محسر"تفسير : . وفى رواية: "حديث : عرفة كلها موقف إلا بطن عرفة والمزدلفة كلها مشعر، ألا وارتفعوا عن بطن محسر"تفسير : . وذكره عبد الله بن الزبير فى خطبتهِ، وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل عرفة موقف ورفعوا عن بطن عرفة، وكل المزدلفة موقف وارفعوا عن بطن محسر، وكل فجاج منى منحر إلا ما وراء العقبة"تفسير : . وزاد "حديث : وكل أيام التشريق ذبح"تفسير : ، وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم، عن جابر بن عبد الله كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر، ويسمى المشعر الحرام بجمع، لأنه يجمع فيه بين المغرب والعشاء، روى عبد الله ابن الزبير أنه قال: ألا لا صلاة إلا بجمع، ألا لا صلاة إلا بجمع، ألا لا صلاة إلا بجمع، يعنى المغرب والعشاء. وعن الحسن وابن سيرين: لا يصلى المغرب والعشاء ولو انتصف الليل إلا بجمع، وذكروا عن جابر بن عبد الله، وقيل سمى جمعاً لأن آدم وحواء اجتمعا فيه، لأنهما تعارفا من بعيد وآدم فى عرفات، فجاء كل إلى الآخر فاجتمعا فيه، وكذا سميت المزدلفة لأن كلا منهما اردلف إلى الآخر، أى اقترب فيها، وازدلف افتعل، قلبت التاء دالا فى ادّان وازدد واذكر دالا بقى، وقيل: سمى مزدلفة لأنه يذكر الله فيه زلفاً من الليل، وقيل: لنزول الناس به زلف الليل، وقيل: لازدلاف الناس إليه، وقيل: لأنهُ يتقرب إلى الله فيه، وهى بضم الميم وفتح اللام اسم مكان من الخماسى خارج بالتاء عن القياس، أو اسم مفعول على الحذف والإيصال، أى البقعة المزدلف إليها أو فيها، وظاهر قول الكشاف بجواز أن يكون وصفت بفعل أهلها، إذ يزدلفون إلى الله، يدل على أنه يكسر اللام اسم فاعل، وسمى مشعرا لأنه من معالم دين الله، ومن معالم الحج، ولأن فيه الصلاة والمبيت والدعاء وسائر الذكر، والذكر فيها ندب عنه جمهور قومنا، وقيل: واجب ليس بصلاة المغرب والعشاء، وقيل: إنه واجب وإنه هو صلاة المغرب والعشاء، والحرام الممنوع من أن يعمل فيه ما لم يؤذن فيه، والمشعر الحرام ما بين جبلى المزدلفة من مأزمى عرفة إلى وادى محسر، وليس منه المأرمان، ولا وادى محسر، قاله ابن عباس وغيره ومن لم يبت بالمشعر الحرام لزمه الدم، وإن بات ولم يذكر الله لزمه دم، وذكر بعضهم أن المشعر الحرام هو جبل من آخر المزدلفة، يسمى قزحا لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر يعنى بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر، فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفرتفسير : ، ولما رواه الشيخ هود عن ابن الزبير: رأيت أبا بكر الصديق وقفاً على قزح وهو يقول: يا أيها الناس اصبحوا وليس الأمر كما قال ذلك البعض عندى، بل المراد بالمشعر الحرام المزدلفة ذلك الجبل وغيره. ولو استحبوا القرب من ذلك الجبل لكثرة دلائل كون المشعر الحرام الزدلفة فتفسيره بها أولى من أن يقال إنه الجبل، وإن المراد بالعندية ما يقرب منها، وتقدمت أحاديث فى ذلك على العموم،وعن جابر بن عبد الله حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلى الصبح ثم وقف عند المشعر الحرام، يعنى ذلك الجبل، فقال: "قد وقفت ها هنا والمزدلفة كلها موقف"تفسير : وعن ابن عباس: ما بين الجبلين كله مشعر، وذكروا عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه بات يجمع حتى إذا كان من الغد صلى صلاة المعجلة، ثم وقف إلى الصلاة المصبحة ثم أفاض، وعن جابر بن عبد الله حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلع الفجر صلى الصبح ثم وقفتفسير : . وليست الأحاديث التى ذكر فيها الوقوف عند الجبل مفسرة للمشعر الحرام المذكور فى الآية، كالحديث السابق عن جابر ابن عبد الله، وكما روى عنه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع حتى طلع الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ودفع قبل أن تطلع الشمستفسير : ، رواه البغوى ولم يذكره البخارى ولا مسلم ولا الترمذى ولا النسائى ولا ابن ماجه ولا البيهقى ولا الطبرانى، وروى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد بلاغاً عن أبى أيوب الأنصارى: حديث : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاًتفسير : ، وروى الربيع عن أبى عبيدة أنهحديث : لما تم حجه صلى الله عليه وسلم خطب الناس بعرفة فقال: "إن أهل الشرك والأوثان يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال فى وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم، وندفع من المزدلفة غداً إن شاء الله قبل طلوع الشمس هدياً مخالفاً لهدى الشرك والأوثان"تفسير : ، قال طاووس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن المزدلفة بعد طلوعها، وكانوا يقولون أشرق ثبير كيما تغير فنسخ الله تعالى أحكام الجاهلية، فآخر الإفاضة من عرفة إلى غروب الشمس، وقدم الإفاضة من المزدلفة عن طلوعها، وثبير جبل بمكة، والمعنى ادخل يا ثبير فى الشروق كى ندفع للنحر، يقال أغار أى أسرع ودفع فى غدوه. وروى البخارى عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر: حديث : كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير، فخالفهم النبى صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس . تفسير : {واذْكُروهُ}: بالتوحيد والتعظيم وسائر الأذكار. {كَمَا هَداكُم}: مناسك الحج ومعالم دين الإسلام، قال ابن هشام التعليل بالكاف فى الآية ظاهر، أى لأجل هدايته إياكم، وما مصدرية، قاله جماعة وهو الأظهر. وزعم الزمخشرى وابن عطية وغيرهما كابن برهان، أن {ما} كافة، ورد ابن هشام بأن فيه إخراج الكاف عما ثبت لها من عمل الجر لغير مقتض، قال زكرياء وفيه نظر. قلت: الحق ما قال ابن هشام، لأن الجر بالكاف أصل، والغاءها فرع بإجماع، فكيف يدعى خروجها عن الجر يجعل ما كافة دون دليل مع إمكان إبقائها على الأصل بجعل ما مصدرية ومجئ الكاف للتعليل مذهب قوم، ونفاه الأكثر، وأثبته بعض بشرط أن تكف بما قال ابن هشام الحق جوازه فى المجرة من ما نحو: (وبكأنه لا يفلح الكافرون) أى أعجب لعدم فلاحهم، وفى المقرونة بما الكافة كحكاية سيبويه، كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه، وبما المصدرية نحو: {كما أرسلنا فيكم رسولا}.. الآية. قال الأخفش: أى لا حَلَّ إرسالى فيكم رسولا منكم فاذكرونى، وقال بعض: الكاف فى آية البقرة للتشبيه، والكلام من وضع الخاص موضع العام، إذا الذكر والهداية يشتركان فى أمر وهو الإحسان، فهو فى الأصل بمنزلة: {وأَحسِنْ كمَا أحْسَنَ الله إليْكَ} انتهى كلام ابن هشام أى اذكروه ذكراً حسناً شبيهاً بهدايته إياكم فى الحسن، وقد منع صاحب المستوفى أن تكون الكاف مكفوفة بما واحتج مثبته بقوله: شعر : لعمرك إننى وأبا حميد كما النسوان والرجل الحليم أريد هجاءه وأخاف ربى وأعلم أنه عبد لئيم تفسير : برفع ما بعد ما ولا يشكل هذا إذا سلمنا فيه الكف لوجود الرفع فيه، فهو دليل الكف بخلاف الآية، بل يحتمل أن تكون ما: مصدرية، أى كما تفعل النسوان والرجل الحليم إذ لا يتعين تقدير كما النسوان والرجل الحليم يفعلان أو يفعلون. {وإنْ كُنتُم من قَبْلهِ لمِنَ الضَّالِّين}: عن دين الإسلام ومعالم الحج، وإن مخففة، واللام فارقة بين الإثبات والنفى، أو نافية واللام بمعنى الأوبة، قال الكوفيون: والهاء عائدة إلى الهدى المدلول عليه بهداكم وهذا أولى من عودها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو القرآن، لأنهُ لم يجر لهما ذكر.

اطفيش

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} أيها المسلمون على الإطلاق {جُنَاحٌ} إثم {أَنْ تَبْتَغُواْ} فى أن تطلبوا {فَضْلاً} رزقاً {مِّن رَّبِّكُمْ} التجارة فى الحد، وهذا ترخيص ونهى لهم عن تحريم الجر بعد الإحرام، فإنه لا ينقص ثواباً ولا يحبطه، والترك أولى، وهو الموافق لقوله تعالى: "أية : وأتموا الحج" تفسير : [البقرة: 196] وإن كانت التجارة تنقض فرضاً حرمت، أو متسحبّاً كرهت، وإذا شوركت العبادة بغيرها قال ابن عبد السلام فلا أجر لها أو أخرويا فبقدره وإن تساويا سقطا، وعندى أنه يثاب بقدره ولو أقل قليل، وبه قال ابن حجر، وكانوا يكرهون التجر أو يحرمونه فى الحج فنزلت الآية مبيحة بلا جدال ولا فسوق فى أسواقكم عكاظ ومجنة وذى المجاز وغيرها، أسواق تقام فى مواسم الحج، وعكاظ من التعاكظ وهو التفاخر، يتفاخرون وتناشدون بين نخلة والطائف عشرين يوماً من أول ذى الحجة، ومجنة على أميال من مكة، وذو المجاز على فرسخ من عرفة، ومنع أبو مسلم التجر فى الحج، وحمل الآية على ما بعد الفراغ من الحج، كقوله {أية : فإذا قضيت الصلاة} تفسير : [الجمعة: 10] الخ، ويرده أن الحمل على إباحة ما توهم حرمته أو كراهته أولى من الحمل على ما علم إباحته، وهو التجر بعد الفراغ من الحج، وأما الصلاة فأعمالها متصلة لا يقاس عليها الحج، لأن أعماله متفرقة، وكان ابن عباس يقرأ قراءة تفسير، أن تبتغوا فضلا من ربكم فى مواسم الحج وكذا ابن مسعود، قال أبو أمامة لابن عمر نكرى الحجاج، ويقول الناس لا حج لنا ونحن نفعل أفعال الحج كلهم، فقال سئل صلى الله عليه وسلم عما سألت فنزلت الآية، فقال أنتم الحجاج أنتم الحجاج، وتدل على ذلك الفاء فى قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} أفضتم أنفسكم أى دفعتموها دفعا شبيها بإفاضة الإنسان الماء فى الكثرة والسرعة وذلك هو الأصل، ولو يرد أن غير الكثير وغير المسموع لا يتم، بل يتم، أو لا يذكر الله عند المشعر الحرام بل يذكره فيه {مِّنْ عَرَفَٰتٍ} منون تنوين مقابلة لأنه بصيغة جمع المؤنث السالم، أو جمع مؤنث السالم سمى به والمفرد عرفة، وعرفة جمع عارف تسمية للمحل باسم الحال، وذلك أنه تعارف آدم وحواء فيهما ويتعارف الناس فيها، وعرفها جبريل لآدم وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم عليهم، ولقول جبريل فيها اعترف بذنبك، فاعرف المناسك، أو لعلوها كما قيل لعرف الديك، أو عرفة اسم مفرد، وضع للبقعة كعرفات بصيغة الجمع فهما اسمان ويرجحه أن الأصل عدم الانتقال من الحج إلى جمع آخر، ولكون تنوينه للمقابلة ثبت مع العلمية والتأنيث كحمزات، وهو تأنيث البقعة، وصيغ ة جمع المؤنث السالم صيغة تأنيث فيراعى التأنيث فى المنع، ولو مما يرد إليه الضمير مذكرا كهندات علما لرجل، وسكون ما قبل تائه لا يبطل تأنيثه، ولو لم يكن فى ينة التحريك كرغبوت، وأيضا هى عوض عن تاء المفرد فى الجملة، ولزم من الإفاضة أنهم فيها، كأنه قيل قفوا فى عرفات، وأفيضوا منها، فإذا أفضتم منها فاذكروا الله الخ، والإفاضة من عرفات واجبة لأن الأمر المجرد للوجوب، وهو لا يتم إلا بالكون فى عرفات وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وَهو بلا تكلف عندى إلا أن الكون فيها لا يستلزم اللبث فيتقوى وجوب الوقوف بالإجماع والحيث، بل يدل على ذلك لفظ الإفاضة لأنها بعد لبث الماء فى شأن الماء فكذا فى شأن اللبث {فَاذْكُرُواْ اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} ولزم من الذكر عنده أنهم أفاضوا إلى المزدلفة ولبثوا فيها، وكأنه قيل أفيضوا منها إلى المزدلفة ثم إلى المشعر الحرام، فاذكروا الله فيه، أى بعد المبيت فيها بالتلبية والتهليل والدعاء، والمشعر الحرام، جبل فى أخر المزدلفة يسمى قزح كعمر، اسم لملك موكل بالسحاب، أو لملك من الملوك، أو شيطان فى الأصل، روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم حديث : وقف به يذكر الله ويدعوه حتى أسفر جداتفسير : ، وسمى المشعر لأنه علامة من علامات الحج معظمة لأنه من الحرم، ومحل العبادة، وقيل المشعر الحرام ما بين مأزمى عرفة ووادى محسر، ويروى ما بين وادى مزدلفة ووادى محسر ليس من الموقف، ووادى محسر خمسمائة ذراع طولا وخمس وأربعون عرضا، وفى مسلم عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم حديث : لما صلى الفجر أى فى المزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبر وهللتفسير : ، فدل الحديث على القول الأول، إلا أن يؤول المشعر الحرام فى الحديث بالجبل أو بتسمية الجزاء باسم الكل، والمعنى واذكروا الله لذاته إعظاما وإجلالا واستحقاقا عند المشعر الحرام {وَاذْكُرُوهُ} أيضا {كَمَا هَدَٰكُمْ} أى لهدايته إياكم عن الضلالة إلى المناسك وغيرها من دينه عز وجل، أو اذكروه ذكرا شبيها بهدايته إياكم إلى ذلك فى الحسن، أو اذكروه على نحو ما علمك لا تغيروه {وَإِنْ} الشأن، أو أنكم خففت وأهملت، وليست نافية بدليل اللام فى قوله {كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ} أى من قبل الهدى المعلوم من قوله كما هداكم {لَمِنَ الضَّالِّينَ} الجاهلين للتوحيد والعبادة وهداكم الله عز وجل إليهما أحوج ما أنتم للفترة.

الالوسي

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي حرج في {أَن تَبْتَغُواْ} أي تطلبوا {فَضْلاً مِّن رَّبّكُمْ} أي رزقاً منه تعالى بالربح بالتجارة في مواسم الحج، أخرج البخاري وغيره ـ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في الموسم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم/ عن ذلك فنزلت، واستدل بها على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج وأن ذلك لا يحبط أجراً ولا ينقص ثواباً، ووجه الارتباط أنه تعالى لما نهى عن الجدال في الحج كان مظنة للنهي عن التجارة فيه أيضاً لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها فعقب ذلك بذكر حكمها، وذهب أبو مسلم إلى المنع عنها في الحج، وحمل الآية على ما بعد الحج، وقال؛ المراد واتقون في كل أفعال الحج ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح الخ كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ }تفسير : [الجمعة: 10] وزيف بأن حمل الآية على محل الشبهة أولى من حملها على ما لا شبهة فيه ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج. وأما بعد الفراغ فنفي الجناح معلوم وقياس الحج على الصلاة فاسد فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في أثنائها، وأيضاً الآثار لا تساعد ما قاله فقد سمعت ما أخرجه البخاري، وقد أخرج أحمد وغيره حديث : عن أبـي أمامة التيمي قال سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا قال: ألستم تلبون ألستم تطوفون بين الصفا والمروة ألستم ألستم؟؟ قلت بلى قال: إن رجلاً سأل النبـي صلى الله عليه وسلم عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى تزلت {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} الآية فدعاه فتلا عليه حين نزلت وقال: "أنتم الحجاج"» تفسير : وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرأ فيما أخرجه البخاري وعبد ابن حميد وابن جرير وغيرهم عنه {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} في مواسم الحج، وكذلك روي عن ابن مسعود، وأيضاً ـ الفاء ـ في قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ} ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك مؤذن بأن المراد وقوع التجارة في زمان الحج، نعم قال بعضهم: إذا كان الداعي للخروج إلى الحج هو التجارة أو كانت جزء العلة أضر ذلك بالحج لأنه ينافي الإخلاص لله تعالى به ـ وليس بالبعبد ـ و {أَفَضْتُمْ} من الإفاضة من فاض الماء إذا سال منصباً. وأفضته أسلته والهمزة فيه للتعدية، ومفعوله مما التزم حذفه للعلم به، وأصله أفيضتم فنقلت حركة ـ الياء ـ إلى ـ الفاء ـ قبلها فتحركت ـ الياء ـ في الأصل وانفتح ما قبلها الآن فقلبت ألفاً ثم حذفت، والمعنى هنا فإذا دفعتم أنفسكم بكثرة من عرفات و {مِنْ} لابتداء الغاية وعرفات موضع بمنى وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع قال الفراء: ولا واحد له بصحة، وقول الناس نزلنا عرفة شبيه بمولد ـ وليس بعربـي محض ـ واعترض عليه بخبر «حديث : الحج عرفة»تفسير : وأجيب بأن عرفة فيه اسم لليوم التاسع من ذي الحجة كما صرح به الراغب والبغوي والكرماني، والذي أنكره استعماله في المكان، فالاعتراض ناشىء من عدم فهم المراد ومن هنا قيل: إنه جمع عرفة وعليه صاحب «شمس العلوم»، والتعدد حينئذ باعتبار تسمية كل جزء من ذلك المكان عرفة كقولهم: جب مذاكيره فلا يرد ما قاله العلامة: من أنه لو سلم كون عرفة عربياً محضاً فعرفة وعرفات مدلولهما واحد، وليس ثمة أماكن متعددة كل منها عرفة لتجمع على عرفات، وإنما نون وكسر مع أن فيه العلمية والتأنيث لأن تنوين جمع المؤنث في مقابلة نون جمع المذكر فإن النون في جمع المذكر قائم مقام التنوين الذي في الواحد في المعنى الجامع لأقسام التنوين وهو كونه علامة تمام الاسم فقط، وليس في النون شيء من من معاني الأقسام للتنوين فكذا التنوين في جمع المؤنث علامة لتمام الاسم فقط، وليس فيها أيضاً شيء من تلك المعاني سوى المقابلة وليس الممنوع من غير المنصرف هذا التنوين بل تنوين التمكين لأنه الدال على عدم مشابهة الاسم بالفعل وأن ذهاب الكسرة على المذهب المرضي تبع لذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف، وهنا ليس كذلك ـ قاله الجمهور ـ وقال الزمخشري: إنما نون وكسر لأنه منصرف لعدم الفرعيتين المعتبرتين إذ التأنيث/ المعتبر مع العلمية في منع الصرف إما أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث بل علامة الجمع، وإما أن يكون بتاء مقدرة كما في زينب، واختصاص هذه التاء بجمع المؤنث يأبى تقدير تاء لكونه بمنزلة الجمع بين علامتي تأنيث فهذه التاء كتاء بنت ليست للتأنيث بل عوض عن الواو المحذوفة، واختصت بالمؤنث فمنعت تقدير التاء فعلى هذا لو سمي بمسلمات، وبنت مؤنث كان منصرفاً، وقول ابن الحاجب: إن هذا يقتضي أنه إذا سمي بذلك منع صرفه ليس بشيء إذ الاقتضاء غير مسلم، وكذا ما قاله عصام الدين من أن التأنيث لمنع الصرف لا يستدعي قوة ألا يرى أن طلحة يعتبر تأنيثه لمنع الصرف ولا يعتبر لتأنيث ضمير يرجع إليه لأن بناء الاستدلال ليس على اعتبار القوة والضعف بل على عدم تحقق التأنيث، نعم يرد ما أورده الرضي من أنه لو لم يكن فيه تأنيث لما التزم تأنيث الضمير الراجع إليه، ويجاب بأن اختصاص هذا الوزن بالمؤنث يكفي لإرجاع الضمير ولا يلزم فيه وجود التاء لفظاً أو تقديراً وإنما سمي هذا المكان المخصوص بلفظ ينبىء عن المعرفة لأنه نعت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فعرفه، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو لأن جبريل كان يدور به في المشاعر (فلما رآه) قال: قد عرفت، وروي عن عطاء، أو لأن آدم وحواء اجتمعا فيه فتعارفا، وروي عن الضحاك والسدي؛ أو لأن جبريل عليه السلام قال لآدم فيه اعترف بذنبك واعرف مناسكك قاله بعضهم، وقيل: سمي بذلك لعلوه وارتفاعه، ومنه عرف الديك، واختير الجمع للتسمية مبالغة فيما ذكر من وجوهها كأنه عرفات متعددة وهي من الأسماء المرتجلة قطعاً عند المحققين، وعرفة يحتمل أن تكون منها وأن تكون منقولة من جمع عارف ولا جزم بالنقل إذ لا دليل على جعلها جمع عارف والأصل عدم النقل. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بالتلبية والتهليل والدعاء، وقيل: بصلاة العشاءين لأن ظاهر الأمر للوجوب ولا ذكر واجب {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} إلا الصلاة، والمشهور أن المشعر مزدلفة كلها، فقد أخرج وكيع وسفيان وابن جرير والبيهقي وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن المشعر الحرام فسكت حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال: هذا المشعر الحرام وأيد بأن الفاء تدل على أن الذكر عند المشعر يحصل عقيب الإفاضة من عرفات وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة، وذهب كثير إلى أنه جبل يقف عليه الإمام في المزدلفة ويسمى قزح، وخص الله تعالى الذكر عنده مع أنه مأمور به في جميع المزدلفة لأنها كلها موقف إلا وادي محسر كما دلت عليه الآثار الصحيحة لمزيد فضله وشرفه، وعن سعيد بن جبير ـ ما بين جبلي مزدلفة فهو المشعر الحرام ومثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإنما سمي ـ مشعراً ـ لأنه معلم العبادة، ووصف ـ بالحرام ـ لحرمته، والظرف متعلق باذكروا أو بمحذوف حال من فاعله. {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أي كما علمكم المناسك والتشبيه لبيان الحال وإفادة التقييد أي اذكروه على ذلك النحو ولا تعدلوا عنه، ويحتمل أن يراد مطلق الهداية ومفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال أي: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها. و (ما) ـ على المعنيين تحتمل أن تكون مصدرية فمحل {كَمَا هَدَاكُمْ} النصب على المصدرية بحذف الموصوف أي ذكراً مماثلاً لهدايتكم، وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإعراب، والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة بالجملة، ولذا لا تطلب عاملاً تفضي بمعناه إلى مدخولها، وذهب بعضهم إلى أن ـ الكاف ـ للتعليل وأنها متعلقة بما عندها و ـ ما ـ مصدرية لا غير أي: اذكروه وعظموه لأجل هدايته السابقة منه تعالى لكم. {وَإِن كُنتُمْ} أي وإنكم كنتم فخففت (إن) وحذف الاسم وأهملت عن العمل ولزم اللام فيما بعدها، وقيل: إن (إن) / نافية، واللام بمعنى إلا {مِّن قَبْلِهِ} أي ـ الهدى ـ والجار متعلق بمحذوف يدل عليه {لَمِنَ ٱلضَّالّينَ} ولم يعلقوه به لأن ما بعد ـ ال ـ الموصولة لا يعمل فيما قبلها وفيه تأمل، والمراد من الضلال الجهل بالإيمان ومراسم الطاعات، والجملة تذييل لما قبلها كأنه قيل: اذكروه الآن إذ لا يعتبر ذكركم السابق المخالف لما هداكم لأنه من الضلالة، وحمله على الحال توهم بعيد عن المرام.

ابن عاشور

تفسير : جملة معترضة بين المتعاطفين بمناسبة النهي عن أعمال في الحج تنافي المقصد منه فنقل الكلام إلى إباحة ما كانوا يتحرجون منه في الحج وهو التجارة ببيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي إبطالاً لما كان عليه المشركون، إذ كانوا يرون التجارة للمُحْرم بالحج حراماً. فالفضل هنا هو المال، وابتغاء الفضل التجارة لأجل الربح كما هو في قوله تعالى: { أية : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } تفسير : [المزمل: 20]. وقد كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من سوق ذي المجاز إلى مكة حرم عندهم البيع والشراء قال النابغة: شعر : كادَتْ تُسَاقِطُني رَحْلي ومِيثَرَتِي بذِي المجاز ولم تُحسس به نَغَما() من صَوْتِ حِرْمِيَّةٍ قالتْ وقد ظعنوا هل في مُخِفِّيكُمُ مَنْ يشتري أَدَما قلتُ لهَا وهي تَسْعَى تحتَ لَبَّتِها لا تَحْطِمنَّكِ إن البيعَ قد زَرِما تفسير : أي انقطع البيع وحَرُم، وعن ابن عباس: كانت عكاظ ومَجَنَّة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأَثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المواسم فنزلت: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في موسم الحج اهــــ. أي قرأها ابن عباس بزيادة في مواسم الحج. وقد كانت سوق عكاظ تفتح مستهل ذي القعدة وتدوم عشرين يوماً وفيها تباع نفائس السلع وتتفاخر القبائل ويتبارى الشعراء، فهي أعظم أسواق العرب وكان موقعها بين نَخْلَةَ والطائف، ثم يخرجون من عكاظ إلى مَجِنَة ثم إلى ذي المَجاز، والمظنون أنهم يقضون بين هاتين السوقين بقية شهر ذي القعدة؛ لأن النابغة ذكر أنه أقام بذي المجاز أربع ليال وأنه خرج من ذي المجاز إلى مكة فقال يذكر راحلته: شعر : باتَت ثلاثَ ليالٍ ثم واحِدَةً بذي المجاز تُراعِي مَنْزِلاً زِيَمَا تفسير : ثم ذكر أنه خرج من هنالك حاجّاً فقال: شعر : كادَتْ تُساقِطني رَحْلي ومِيثَرَتِي تفسير : الفاء عاطفة على قوله: { أية : فلا رفث ولا فسوق } تفسير : [البقرة: 197] الآية، عطف الأمر على النهي، وقوله: (إذا أفضتم) شرط للمقصود وهو: (فاذكروا الله). والإفاضة هنا: الخروج بسرعة وأصلها من فاض الماء إذا كثر على ما يحويه فبرز منه وسالَ؛ ولذلك سموا إحالة القِداح في المَيْسر إفَاضَةً والمجيلَ مُفيضاً، لأنه يُخْرِج القِدَاح من الرِّبَابَة بقوة وسرعة أي بدون تَخَيُّر ولا جَسَ لينظر القدح الذي يخرج، وسمَّوا الخروج من عرفة إفاضة لأنهم يخرجون في وقت واحد وهم عدد كثير فتكون لخروجهم شدة، والإفاضة أطلقت في هاته الآية على الخروج من عرفة والخروج من مزدلفة. والعرب كانوا يسمون الخروج من عرفة الدَّفْع، ويسمون الخروج من مزدلفة إفاضة، وكلا الإطلاقين مجاز؛ لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة، ومن بلاغة القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين؛ لما في أفاض من قرب المشابهة من حيث معنى الكثرة دون الشدة. ولأن في تجنُّب دَفَعْتُم تجنباً لتوهم السامعين أن السير مشتمل على دفععِ بعض الناس بعضاً؛ لأنهم كانوا يجعلون في دفعهم ضَوْضَاء وجلبة وسرعةَ سير فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك في حجة الوداع وقال: « حديث : ليس البِرُّ بالإيضَاع فإذا أفضتم فعليكم بالسَّكينة والوَقَار » تفسير : . و(عرفات) اسم واد ويقال: بطن وهو مَسِيلٌ متَّسع تنحدر إليه مياه جبال تحيط به تعرف بجبال عرفة بالإفراد، وقد جُعل عرفات علَمَاً على ذلك الوادي بصيغة الجمع بألفٍ وتاء، ويقال له: عرفة بصيغة المفرد، وقال الفرّاء: قول الناس يومُ عَرفة مولَّد ليس بعربي محْضٍ، وخالفه أكثر أهل العلم فقالوا: يقال عرفات وعرفة، وقد جاء في عدة أحاديث «يوم عرفة»، وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: يوم عرفات. وفي وسط وادي عرفة جُبيل يقف عليه ناس ممن يقفون بعرفة ويخطب عليه الخطيب بالناس يوم تاسع ذي الحجة عند الظهر، ووقف عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - راكباً يوم عرفة، وبُني في أعلى ذلك الجبيل عَلَم في الموضع الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام فيقف الأئمة يوم عرفة عنده. ولا يُدرَى وجه اشتقاقٍ في تسمية المكان عَرَفات أو عَرَفة، ولا أنه علم منقول أو مرتجل، والذي اختارَه الزمخشري وابنُ عطية أنه علم مرتجل، والذي يظهر أن أحد الاسمين أصل والآخر طارىء عليه وأن الأصل (عرفات) من العربية القديمة وأن عرفة تخفيف جرى على الألسنة، ويحتمل أن يكون الأصل (عرفة) وأن عرفات إشباع من لغة بعض القبائل. وذكر (عرفات) باسمه في القرآن يشير إلى أن الوقوف بعرفة رُكن الحج وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « حديث : الحج عرفة » تفسير : . سمي الموضع عرفات الذي هو على زنة الجمع بألفٍ وتاء فعاملوه معاملة الجمع بألفٍ وتاء ولم يمنعوه الصرف مع وجود العلمية. وجمع المؤنث لا يُمنع من الصرف؛ لأن الجمع يزيل ما في المفرد من العلمية؛ إذ الجمع بتقدير مُسَمَّيَات بكذا، فما جُمع إلاّ بعدَ قصدِ تنكيره، فالتأنيث الذي يمنع الصرف مع العلمية أو الوصفية هو التأنيث بالهاء. وذكر الإفاضة من (عرفات) يقتضي سبق الوقوف به؛ لأنه لا إفاضة إلاّ بعد الحُلول بها، وذِكر (عرفات) باسمه تنويه به يدل على أن الوقوف به ركن فلم يُذكر من المناسك باسمه غير عرفة والصفا والمروة، وفي ذلك دلالة على أنهما من الأركان، خلافاً لأبي حنيفة في الصفا والمروة، ويؤخذ ركن الإحرام من قوله: { أية : فمن فرض فيهن الحج } تفسير : [البقرة: 197]، وأما طواف الإفاضة فثبت بالسنة وإجماع الفقهاء. و(من) ابتدائية. والمعنى فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المزدلفة. والتصريح باسم (عرفات) في هذه الآية للرد على قريش؛ إذ كانوا في الجاهلية يقفون في (جَمْع) وهو المزدلفة؛ لأنهم حُمْس، فيرون أن الوقوف لا يكون خارج الحرم، ولما كانت مزدلفة من الحرم كانوا يقفون بها ولا يرضون بالوقوف بعرفة، لأن عرفة من الحل كما سيأتي، ولهذا لم يذكر الله تعالى المزدلفة في الإفاضة الثانية باسمها وقال: {مِنْ حيثُ أَفَاضَ الناسُ} لأن المزدلفة هو المكان الذي يفيض منه الناس بعد إفاضة عرفات، فذلك حوالة على ما يعلمونه. و (المشعر) اسم مشتق من الشعور أي العِلْم، أو من الشِّعَار أي العَلاَمة، لأنه أقيمت فيه علامة كالمنار من عهد الجاهلية، ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم يدفعون من عرفات آخر المساء فيدركهم غبسُ ما بعد الغروب وهم جماعات كثيرة فخشوا أن يضلوا الطريق فيضيق عليهم الوقت. ووصف المشعر بوصف (الحَرام) لأنه من أرض الحرم بخلاف عرفات. والمشعر الحرام هو (المزدلفة)، سميت مزدلفة لأنها ازدلفت من مِنَى أي اقتربت؛ لأنهم يبيتون بها قاصدين التصبيح في مِنى. ويقال للمزدلفة أيضاً (جَمْع) لأن جميع الحجيج يجتمعون في الوقوف بها، الحُمْس وغيرُهم من عهد الجاهلية، قال أبو ذؤيب: شعر : فبَاتَ بجَمْعٍ ثم راح إلى منًى فأصبح رَاداً يبتغي المَزْجَ بالسَّحْل تفسير : فمن قال: إن تسميتها جمعاً لأنها يُجْمع فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل عن كونه اسماً من عهد ما قبل الإسلام. وتسمى المزدلفة أيضاً (قُزَح) ـــ بقاف مضمومة وزاي مفتوحة ممنوعاً من الصرف ــــ، باسم قرن جبل بين جبالٍ من طَرَف مزدلفة ويقال له: المِيقَدَة لأن العرب في الجاهلية كانوا يُوقدون عليه النيران، وهو موقف قريش في الجاهلية، وموقفُ الإمام في المزدلفة على قُزح. روى أبو داود والترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أصبح بجَمْع أتى قُزَحَ فوقف عليه وقال: هذا قُزَح وهو الموقف وجَمْعُ كلها موقف. ومذهب مالك أن المبيت سنة وأما النزول حصةً فواجب. وذهب علقمة وجماعة من التابعين والأوزاعي إلى أن الوقوف بمزدلفة ركن من الحج فمن فاته بطل حجه تمسكاً بظاهر الأمر في قوله {فاذكروا الله}. وقد كانت العرب في الجاهلية لا يفيضون من عرفة إلى المزدلفة حتى يجيزهم أحد (بني صُوفَة) وهم بنو الغوث بن مُر بن أدِّ بن طابخة بن إلياس بن مُضر وكانت أمهُ جرهمية، لقب الغوث بصُوفَة؛ لأن أمه كانت لا تلد فنذرت إنْ هي ولدت ذكراً أن تجعله لخدمة الكعبة فولدت الغوث وكانوا يجعلون صوفةً يَربطون بها شعر رأس الصبي الذي ينذرونه لخِدمة الكعبة وتسمى الرَّبيِطَ، فكان الغوْث يلي أمر الكعبة مع أخواله من جرهم فلما غلب قصَي بن كِلاب على الكعبة جعل الإجازة للغَوْث ثم بَقيت في بنيه حتى انقرضوا، وقيل إن الذي جعل أبناء الغَوْث لإجازة الحَاجِّ هم ملوك كندة، فكان الذي يجيز بهم من عرفة يقول: شعر : لاَ هُمَّ إِني تَابِع تباعَهْ إن كان إثْمٌ فعلَى قُضاعهْ تفسير : لأن قضاعة كانت تُحل الأشهر الحرم، ولما انقرض أبناء صوفة صارت الإجازة لبني سعد بن زيد مناءة بن تميم ورثوها بالقُعدد فكانت في آل صَفْوان منهم وجاء الإسلام وهي بيد كَرب بن صفوان قال أوس بن مَغْراء: شعر : لاَ يَبْرَحُ الناسُ ما حَجُّوا مُعَرَّفَهُم حَتَّى يُقَالَ أجيزوا آل صفوانَا تفسير : الواو عاطفة على قوله: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} والعطف يقتضي أن الذكر المأمور به هنا غير الذكر المأمور به في قوله: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} فيكون هذا أمراً بالذكر على العموم بعد الأمر بذكر خاص فهو في معنى التذييل بعد الأمر بالذكر الخاص في المشعر الحرام. ويجوز أن يكون المراد من هذه الجملة هو قوله: {كما هداكم} فموقعها موقع التذييل. وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف بل تُفْصَل وعدل عن مقتضى الظاهر فعطفت بالواو باعتبار مغايرتها للجملة التي قبلها بما فيها من تعليل الذكر وبيانِ سببه وهي مغايَرةٌ ضعيفة لكنها تصحح العطف كما في قول الحارث بن همام الشيباني: شعر : أيا ابْنَ زَيَّابَةَ إِنْ تَلْقَني لا تلقني في النَّعَم العَازِب وتَلْقَني يشتَدُّ بي أَجْرَدٌ مُسْتَقْدِم البِرْكَة كالراكب تفسير : فإن جملة تلقني الثانية هي بمنزلة بدَل الاشتمال من لا تلقني في النعم العازب لأن معناه لا تلقني راعيَ إبل وذلك النفي يقتضي كونه فارساً؛ إذ لا يخلو الرجل عن إحدى الحالتين فكان الظاهر فصل جملة تلقني تشتد بي أجرد لكنه وصلها لمغايرةٍ مَّا. وقوله: {كما هداكم} تشبيه للذكر بالهدى وما مصدرية. ومعنى التشبيه في مثل هذا المشابهةُ في التساوي أي اذكروه ذكراً مساوياً لهدايته إياكم فيفيد معنى المجازاة والمكافأَة فلذلك يقولون إن الكاف في مثله للتعليل وقد تقدم الفرق بينها وبين كاف المجازاة عند قوله تعالى: { أية : فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا } تفسير : [البقرة: 167] وكثر ذلك في الكاف التي اقترنت بها (ما) كيف كانت، وقيل ذلك خاص بما الكافة والحق أنه وارد في الكاف المقترنة بما وفي غيرها. وضمير {من قبله} يرجع إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية و«إنْ» مخففة. من إنَّ الثقيلة. والمراد ضلالهم في الجاهلية بعبادة الأصنام وتغيير المناسك وغير ذلك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}. لم يبين هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه أثناء الحج. وأشار في آيات أخر إلى أنه ربح التجارة كقوله: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [المزمل: 20]؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية: يسافرون يطلبون ربح التجارة. وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 10] أي: بالبيع والتجارة، بدليل قوله قبله: {أية : وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} تفسير : [الجمعة: 9] أي: فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرماً عليكم عند النداء لها. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل على أنه المراد؛ لأن الحمل على الغالب أولى، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة، كما ذكرنا.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 198- ولقد كان منكم من يجد حرجاً فى مزاولة التجارة وابتغاء الرزق فى موسم الحج، فلا حرج عليكم فى ذلك، بل لكم أن تزاولوا التكسب بطرقه المشروعة وتبتغوا فضل الله ونعمته، وإذا صدر الحجاج راجعين من عرفات بعد الوقوف بها، ووصلوا المزدلفة ليلة عيد النحر فليذكروا الله عند المشعر الحرام - وهو جبل المزدلفة - بالتهليل والتلبية والتكبير، وليمجدوه وليحمدوه على هدايته إياهم إلى الدين الحق والعبادة القويمة فى الحج وغيره، وقد كانوا من قبل ذلك فى ضلال عن صراط الهدى والرشاد. 199- وقد كان قوم من العرب - وهم قريش - لا يقفون مع الناس فى عرفات مع علمهم أنه موقف أبيهم إبراهيم، وذلك ترفعاً أن يساووا غيرهم وهم أهل بيت الله وقطان حرمه، وزعماً منهم أن ذلك تعظيم للحرم الذى لا يريدون الخروج منه إلى عرفات، وهى من الحلال لا من الحرام، فطالبهم الله بأن يقلعوا عن عادات الجاهلية ويقفوا بعرفات ويصدروا عنها كما يصدر جمهور الناس، فلا فضل لأحد على الآخر فى أداء العبادة، وعليهم أن يستغفروا الله فى هذه المواطن المباركة فذلك أدعى أن يغفر الله لهم ما فرط منهم من الذنوب والآثام ويرحمهم بفضله. 200- وإذا فرغتم من أعمال الحج وشعائره فدعوا ما كنتم عليه فى الجاهلية من التفاخر بالآباء وذكر مآثرهم، وليكن ذكركم وتمجيدكم لله فاذكروه كما كنتم تذكرون آباءكم، بل اذكروه أكثر من ذكر آبائكم لأنه ولى النعمة عليكم وعلى آبائكم، ومواطن الحج هى مواطن الدعاء وسؤال الفضل والخير والرحمة من عند الله، وقد كان فريق من الحجاج يقصر دعاءه على عرض الدنيا وخيراتها ولا يلقى بالاً للآخرة فهذا لا نصيب له فى الآخرة. 201- ومن الناس من وفَّقه الله فاتجه بقلبه إلى طلب خيرى الدنيا والآخرة، ودعا الله أن يجنبه شر النار وعذابها.

القطان

تفسير : الجناح: الحرج والاثم. الافاضة، من المكان: الدفع منه، والانطلاق. عرفات: هو المكان المعروف الذي يتم فيه أكبر أركان الحج. الذكر: الدعاء والتلبية، والتكبير والتحميد: المشعر الحرام: موضع بالمزدلفة فيه مسجد، وقال مجاهد: مزدلفة كلها هي المشعر الحرام. كان بعض الناس يتأثمون من كل عمل دنيوي في ايام الحج، فقال تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فلا إثم في مزاولة التجارة وابتغاء الرزق أيام الحج، أما التجرد للعبادة فانه افضل. واذا افضتم من عرفات بعد الوقوف بها ووصلتم المزدلفة ليلة عيد النحر فاذكروا الله عند المشعر الحرام. وقد جاء النبي الى المشعر الحرام بعد افاضته من عرفات، فصلى المغرب ثم العشاء وبات في المزدلفة ثم صلى الصبح. وبعد ذلك تابع سيره الى مكة.. فمن فعل ذلك فقد تم حجه. واكثر الفقهاء يقولون ان المبيت بالمزدلفة سنة لا فرض. {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} كانت قريش ومن تبعهم من كنانة وقيس وجديلة لا يقفون مع الناس بعرفات في الجاهلية بل بمزدلفة، ترفعاً عن الوقوف مع غيرهم ـ فأمر الله نبيه ان يأتي عرفات ثم يقف فيها ثم يُفيض منه ليبطِل ما كانت عليه قريش، وحتى تتحقق المساواة، ولا يكون هناك امتياز لأحد على احد. واستغفِروا الله ما أحدثتم من تغيير المناسك، وادخال الشرك في عبادتكم ايها العرب ان الله واسع المغفرة قابل للتوبة.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَرَفَاتٍ} {هَدَاكُمْ} (198) - ظَنَّ المُسْلِمُونَ فِي بَادِئِ أَمْرِهِمْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي اتِّجَارِهِمْ أَيَّامَ مَوْسِمِ الحَجِّ إِثْمٌ. إَذْ كَانَ العَرَبُ يَتْجُرونَ فِي أَسْوَاقِ عُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَذِي المجَازِ. فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ لإِشْعَارِ المُسْلِمِينَ بِأَنَّهُ لا إِثْمَ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيهِمْ، إِنِ اتَّجَرُوا وَابْتَغوا فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ. (أَيْ رِبْحاً مِنْ رَبِّهِمْ بِالتِّجَارَةِ، عَلَى أَنْ لاَ يَكُونَ الكَسْبُ وَالرِّبْحُ هُمَا المَقْصُودَينِ بِالذَّاتِ). فَإِذَا أَفَاضَ المُسْلِمُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، بَعْدَ الوُقُوفِ بِهَا مِنْ زَوَالِ اليَوْمِ التَّاسِعِ إِلى مَا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (وَالوُقُوفُ بِعَرَفَةَ هُوَ عُمْدَةُ الحَجِّ)، فَيَتَوقَّفُونَ، وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلى مِنىً، فِي المُزْدَلِفَةِ - وَهِيَ المَشْعَرُ الحَرَامُ، (وَالمَشَاعِرُ هِيَ المَعَالِمُ الظَّاهِرَةُ) - لِيَذْكُرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاهُمْ إِلى مَعْرِفَةِ أُمُورِ دِينِهِمْ، وَمَشَاعِرِ حَجِّهِمْ، وَقَدْ كَانُوا قَبْلَ هُدَى اللهِ لَهُمْ مِنَ الضَّالِينَ. الجُنَاحُ - الحَرَجُ أَوِ الإِثْمُ - وَالجُنَاحُ مِنَ الجُنُوحِ وَهُوَ المَيْلُ عَنِ القَصْدِ. فَضْلاً - رِزْقاً بِالتِّجَارَةِ أَفَضْتُمْ - دَفَعْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَسِرْتُمْ. المَشْعَرُ الحَرَامُ - المُزْدَلِفَةُ.

الثعلبي

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} الآية قال المفسرون: كان ناس من العرب لا يتّجرون في أيام الحج فإذا دخل العشر كفّوا عن الشراء والبيع فلم يقم لهم سوق وكانوا يسمون من يخرج إلى الحجّ ومعه تجارة: الداج، فأنزل الله تعالى هذه الآية واباح التجارة في الحج. فقال ابن عبّاس: كانت عكاظ ومجنة وذو الحجاز أسواقاً في الجاهلية كانوا يتجرون فيها في الموسم وكان أكثر معايشهم منها فلما جاء الإسلام كأنهم تأثموا منها فسألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية. وقال أبو أُمامة التيمي: قلت لابن عمر: إنّا قوم نكري فيدعمون المؤمنين في الحج. فقال: ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون الحجارة كما يرومون؟ قلت: بلى. قال: انتم حاج، جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتّى نزل جبرئيل بهذه الآية {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} يعني التجارة وكان ابن عبّاس يقرأها {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} في مواسم الحج. الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج به الخاص فإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للجار، وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين، وإذا كان عند جمرة العقبة (غفر اللَّه للسؤال) ولا شهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلاّ الله إلاّ غفر له ". تفسير : {فَإِذَآ أَفَضْتُم} رجعتم ودعيتم بكرة. يقال: أفاض القوم في الحديث إذاً اندفعوا فيه وأكثروا التصرف. قال الشاعر: شعر : فلما أفضنا في الحديث وأسمحت أتتنا عيون بالنميمة تضرب تفسير : وأصلها من قول العرب أفاض الرجل ماءه إذا صبّه، وأفاض البعير (تجرعه) إذا رمى ودفع بها من كرشه. قال الراعي: شعر : فأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الابارق إذا رعين حقيلاً تفسير : ويقال: أفاض الرجل بالقداح إذا ضرب بها لأنها موضع بقع متفرقة. قال أبو ذهيب: شعر : يصف الحمار والأنف وأتته ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع تفسير : ولا تكون الافاضة في اللغة إلاّ عن تفرق وكثرة قال عمر بن الخطاب: الافاضة الانصداع. {مِّنْ عَرَفَاتٍ} القراءة بالكسر والتنوين لانه جمع عرفة مثل مسلمات ومؤمنات، فسميت بها بقعة واحدة مثل قولهم: أرض سباسب وثوب اخلاق يجمع بها حولها، فلما سميت بها البقعة الواحدة صرفت إذا كانت مصروفة قبل ان يسمى بها البقعة تركاً منهم لها على أصلها فإذا كانت في الأصل بقعة واحدة ولم يكن جمعاً تركوا إجزاءها ونصبوا تاءها في حال الخفض مثل عانات وأذرعات فرقا بين الاسم وبين الجمع، واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله قيل للموقف عرفات وليوم الوقوف بها عرفة. فقال الضحاك: إن آدم لما أُهبط وقع في الهند وحواء بجدة فجعل آدم يطلب حواء وهي تطلبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم عرفة والموضع عرفات. أبو حمزة الثمالي عن السّدي قال: إنّها سميت عرفات لأن هاجر حملت إسماعيل عليه السلام فأخرجته من عند سارة وكان إبراهيم غائباً فلما قدم لم ير إسماعيل فحدثته سارة بالذي صنعت هاجر فانطلق في طلب إسماعيل فوجده مع هاجر بعرفات فعرفه فسميت عرفات. وعن علي بن الأشدق عن عبدالله بن (حراد) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان إبراهيم غدا من فلسطين فحلفت سارة إن لا ينزل عن ظهر دابته حتّى يرجع إليها من الغيرة فأتى إسماعيل ثمّ رجع فحبسته سارة سنة ثمّ استأذنها فأذنت له فخرج حتّى بلغ مكّة وجبالها فبات ليلة يسير ويسعى حتّى أذن الله عزّ وجلّ له في ثلث الليل الأخير عند سند جبل عرفة، فلما أصبح عرف البلاد والطريق فجعل الله عزّ وجلّ عرفة حيث عرف فقال: اجعل بيتك أحبَّ بلادك إليك حتّى يهوي الله قلوب المسلمين من كلّ فج عميق ". تفسير : عبد الملك عن عطاء قال: إنّما سميت عرفات لأن جبرئيل عليه السلام كان يُري إبراهيم المناسك ويقول: عرفت ثمّ يُريه فيقول: عرفت فسميت عرفات. وروى سعيد بن المسيب عن علي رضي الله عنه قال: بعث الله عزّ وجلّ جبرئيل إلى إبراهيم فحج به حتّى إذا [جاء] عرفات قال: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك فسميت عرفات. وروى أبو الطفيل عن ابن عبّاس قال: إنّما سمي عرفة لأن جبرئيل عليه السلام أرى إبراهيم فيه بقاع مكّة ومشاهدها وكان يقول يا إبراهيم هذا موضع كذا وهذا موضع كذا ويقول قد عرفت، قد عرفت. وروى اسباط عن السّدي قال: لما أذن إبراهيم بالناس فأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات فنعتها له فلمّا خرج وبلغ الشجرة المستقبلة للشيطان فرماه بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبّر فطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر فلما رأى إنه لا يطيقه ذهب، فانطلق إبراهيم حتّى أتى ذا المجاز فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فكذلك سُمّي ذو المجاز فانطلق حتّى وقف بعرفات، فلما نظر إليها عرفها بالنعت فقال: عرفت، فسمي عرفات بذلك وسمي ذلك اليوم عرفة لأن إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه أن يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح يومه أجمع أيّ فكر أمن الله هذا الحكم أمن الشيطان وسمي اليوم من فكرته تروية ثمّ رأى ليلة عرفة ذلك ثانياً فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي اليوم يوم عرفة. وقال بعضهم: سميت بذلك لأن الناس يعترفون في هذا اليوم على ذلك [الموقف] بالذنوب والأصل نسيان آدم عليه السلام لما أمر بالحجّ وقف بعرفات يوم عرفة قال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23]. وقيل: هي مأخوذة من العرف، قال الله تعالى {أية : وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} تفسير : [محمد: 6] أي طيّبها، قالوا: فمنى موضع بمنى وفيه الدم أي يصب فلذلك سميَّ منى ففيه يكون الفروث والانذار والدماء وليست بطيبة، وعرفات ليس فيها وهي طيبة فلذلك سميت عرفات ويوم الوقوف بها عرفة. وقيل: لأن الناس يتعارفون بها. وقال بعضهم: أصل هذين الأسمين من الصبر، يقال: رجل عارف إذا كان صابراً خاضعاً خاشعاً ويقال في المثل: النفس عروف وما حمّلتها تتحمل. قال الشاعر: شعر : فصبرت عارفة لذلك حرّة ترسوا إذا نفس الجنان تطلع تفسير : أي نفساً صابرة. وقال ذو الرمّة: شعر : عروف لما خطت عليه المقادر تفسير : أي صبور على قضاء الله، فسميا بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم وصرفهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمالهم الشدائد والميقات لإقامة هذه العبادة. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بالتلبية والدعاء {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} وهو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسّر، وليس مأزماً عرفة من المشعر، وإنّما سمي مشعراً من الشعار وهو العلامة، لأنه معلم للحج، والصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده من [معالم] الحج، والمبيت بالمشعر الحرام فرض واجب ومن تركه كان عليه شاة، والدليل عليه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بات بها وقال [انحروا] عنى بمناسككم. وقال المفضل: سمي مشعراً لأنها شعر المؤمنون أنه حرم كالبيت ومكّة، أيّ اعلموا ذلك، وأصل الحرام المنع، قال الله تعالى [..........] أي الممنوع من المكاسب والشيء المنهي عنه حرام لأنه منع من اتيانه. وقال زهير: شعر : وإن أتاه (خليل) يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرام تفسير : أي ولا ممنوع، والمشعر الحرام من أن يفعل فيه ما حرم ولم يرض في اتيانه، ويقال له المشعر الحرام والمزدلفة وقدم [............] بغيرهما والجميع، سمي بذلك لأنه يجمع فيها بين صلاتي العشاء، والافاضة من عرفات بعد غروب الشمس وكان أهل الجاهليّة يفيضون منهما قبل غروب الشمس ومن جمع بعد طلوعها، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأمر الله مخالفتهم في الدفعتين جميعاً. وروى أبو صالح عن ابن عبّاس أنه نظر إلى الناس ليلاً جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة ما ينامون تأولون قول الله تعالى {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ}. {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} لدينه ومناسك حجّه {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} يعني وما كنتم من قبله إلاّ من الضالين كقوله {أية : وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [الشعراء: 186] يعني وان نظنك إلاّ من الكاذبين. قال الشاعر: شعر : ثكلتك أُمّك إن قتلت لمسلماً حلت عليك عقوبة الرحمن تفسير : أي ما قتلت إلاّ مسلماً. والهاء في قوله (من قبله) عائدة إلى الهدي، وإن شئت على الرسول صلى الله عليه وسلم، كناية عن غير مذكور. {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} الآية. قال عامّة المفسّرين: كانت قريش وحلفاؤها ومن دان [بدينها] وهم الحمس لا يخرجون من الحرم إلى عرفات وكانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن أهل الله وقطان حرمه فلا يخلو الحرم ولا نخرج منها، فلسنا كسائر الناس وكانوا يتعاظمون ان يقفوا مع سائر العرب بعرفات، ويقول بعضهم لبعض ألا تعظموا إلاّ الحرم فإنكم إن عظمتم غير الحرم تهاون الناس بحرمتكم فوقفوا الجميع فإذا أفاض الناس من عرفات أفاضوا من المشعر وهو المزدلفة وأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس وأخبرهم أنها سنّة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليه السلام. وقال بعضهم: المخاطبون بهذه الآية المسلمون كلهم والمعنى بقوله {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} جمع أي أفيضوا من جمع إلى منى، وهذا القول اشبه بظاهر القرآن، لأن الافاضة من عرفات قبل الافاضة من جمع بلا شك فكيف يسوغ أن يقول: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وأما الناس في هذه الآية فهم العرب كلهم غير الحمس. الكلبي بإسناده: هم أهل اليمن [وربيعة]. الضحاك: الناس هاهنا إبراهيم وحده، يدلّ عليه قوله {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} تفسير : [النساء: 54] يعني محمّداً صلى الله عليه وسلم وحده وقوله {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود الأشجعي {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 173] يعني أبا سفيان وإنّما يقال هذا للذي يقتدي به ويكون لسان قومه وإمامهم كقوله {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] فذكر الواحد بلفظ الجمع ومثله كثير (وقيل: ) الناس هاهنا آدم عليه السلام، دليله قول سعيد بن جبير: ثمّ افيضوا من حيث افاض الناس، وقيل: هو آدم نسي ما عهد إليه والله أعلم. الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عبّاس قال:" حديث : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفه وعليه السكينة والوقار رديفه أُمامة وقال: «أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، قال: فما رأيتها رافعة يديها عادية الخيل فالإبل حتّى أتى جمعاً ". تفسير : وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: "حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الحجّ وأمره أن يخرج بالناس جميعاً إلى عرفات فيقف بها فإذا غربت الشمس أفاض بالناس منها حتّى يأتي بهم جمعاً فيبيت بها حتّى إذا أصبح بها وصلى الفجر ووقف الناس بالمشعر الحرام ثمّ يفيض منها إلى مِنى قال: فتوجه أبو بكر نحو عرفات فمَّر بالحمس وهم وقوف بجمع فلمّا ذهب يتجاوزهم قالت له الحمس: يا أبا بكر أين تُجاوزنا إلى غيرنا هذا مفيض آبائك فلا تذهب حتّى تفيض أهل اليمن وربيعة من عرفات فمضى أبو بكر لأمر الله وأمر رسوله حتّى أتى عرفات وبها أهل اليمن وربيعة وهم الناس في هذه الآية فوقف بها حتّى غربت الشمس، ثمّ أفاض بالناس إلى المشعر الحرام حتّى وقف بها حتّى إذا كان عند طلوع الشمس أفاض منها ". تفسير : {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أبي رباح عن أبي طالح السمان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الحجاج والعمار وفد الله عزّ وجلّ إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم ". تفسير : عن مجاهد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللّهمّ اغفر للحاجّ ولمن إستغفر له الحاجّ ". تفسير : وعن علي بن عبد العزيز يقول: كنت عديلاً لأبي عبيد بن سلام لسنة من السنين فلما صرت إلى الموقف تصدق إلى [نفسي] حب النخل فتطهرت ونسيت نفقتي عنده، فلما صرت إلى [المارقين] قال لي أبو عبيدة: لواشتريت لنا زبداً وتمراً، فخرجت لأبتاعه فذكرت النفقة فرجعت عودي على بدئي إلى أن وافيت الموضع فإذا [نفقتي] بحالها فأخذتها ورجعت وكنت قد صادفت الوادي مملوءة قردةً وخنازير وغير ذلك فجزعت عنه، ثمّ إنّي رجعت فإذا هم على حالهم حتّى دخلت على أبي عبيدة قبيل الصبح فسألني عن أمري فخبرته وذكرت القردة، قال: تلك ذنوب بني آدم تركوها وانصرفوا. {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} [فرغتم] من حجكم وذبحتم مناسككم يقال منه نسك الرجل ينسك نسكاً ونسكاً ونسيكة ومنسكاً إذا ذبح نسكه، والمنسك المذبح مثل المشرق والمغرب، ويقال من [العهد] نسك ومنسك ومونسكاً ونسكاً ونساكه إذا...نظر، وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف فيه وفي أخواته في كل القرآن مثل قوله {أية : مَا سَلَكَكُمْ} تفسير : [المدثر: 42] لأنهما مثلان. قال الشاعر: شعر : ولا (نشار) لك عندي بعد واحدة لا والذي أصبحت عندي له نعم تفسير : {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ}. قال أكثر المفسرين في هذه الآية: كانت العرب إذا فرغوا من حجهم وقفوا عند البيت وذكروا مآثر أبائهم ومفاخرهم فكان الرجل يقول إن أبي كان يُقرى الضيف ويضرب بالسيف ويُطعم الطعام وينحر الجزور ويفك العاني ويجز النواصي ويفعل كذا وكذا فيتفاخرون بذلك فأمرهم الله بذكره فقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم واحسنت إليكم وإليهم. قال السّدي: كانت العرب إذا قضيت مناسكها وأقاموا بِمنى يقوم الرجل فيسأل الله ويقول اللّهمّ إن أبي كان عظيم [الحجة] عظيم القبة كثير المال فأعطني كلّ ما أعطيت أبي ليس يذكر الله إنّما يذكر ويسأل أن يعطى في دنياه فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عبّاس وعطاء والربيع والضحاك: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الأباء وهو قول الصبي أول ما يفصح ويفقه الكلام [أبه أمه] ثمّ يلهج بأبيه وأمه. عن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عبّاس أخبرنا عن قوله {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} وقد يأتي على الرجل اليوم لا يذكر أباه فيه. فقال ابن عبّاس: ليس كذلك ولكن من يُغضب الله إذا عصى بأشد من غضبك لوالديك إذا أهنتهما. القرظي: في قوله {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} قال كذكركم آباءكم إياكم. {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} يعني أشد وبل أشد كقوله {أية : أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] مقاتل: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} أي أكثر ذكراً كقوله {أَشَدُّ قَسْوَةً} {أية : أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} تفسير : [النساء: 77] وأما وجه إنتصاب (أشد)، فقال الأخفش: اذكروه أشد. وقال الزجاج: في محل الخفض لكنه لا ينصرف لانه صفة على مفعال أفعل وصفته ذكراً على التمييز. {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} أي أعطنا إبلاً وغنماً وبقراً وعبيداً وإماءً فحذف المفعول. قال أنس: كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون ويقولون اللّهمّ اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر وردّنا صالحين إلى صالحين. قتادة: هذا عبدٌ نوى الدنيا لها أنفق ولها عمل ولها [قضت] فهي همه وأمنيته وطلبته. { وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} حظ ونصيب {وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} وهم النبيّ والمؤمنون. واختلفوا في معنى الحسنتين. فقال علي رضي الله عنه: في الدنيا حسنة إمرأة صالحة وفي الآخرة الحسنة الحور العين. {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} المرأة السوء. قال الحسن: في الدنيا حسنة: العلم والعبادة وفي الآخرة حسنة: الجنّة والرضوان. السّدي و[ابن حيان]: في الدنيا حسنة رزقاً حلالاً واسعاً وعملاً صالحاً وفي الآخرة حسنة الثواب والمغفرة. عطية: في الدنيا حسنة العلم والعمل وفي الآخرة حسنة تيسير الحساب ودخول الجنّة. وقيل: في الدنيا حسنة التوفيق والعصمة وفي الآخرة حسنة النجاة والرحمة. وقيل: في الدنيا حسنة أولاداً أبراراً وفي الآخرة حسنة موافقة الأنبياء. وقيل: في الدنيا حسنة المال والنعمة وفي الآخرة حسنة تمام النعمة وهو الفوز والخلاص من النّار ودخول الجنّة. وقيل: في الدنيا حسنة الدين واليقين وفي الآخرة حسنة اللقاء والرضا. وقيل: في الدنيا حسنة الثبات على الإيمان وفي الآخرة حسنة السلامة والرضوان. وقيل: في الدنيا حسنة الاخلاص وفي الآخرة حسنة الخلاص. وقيل: في الدنيا حسنة حلاوة الطاعة وفي الآخرة حسنة لذة الروية. قتادة: في الدنيا عافية وفي الآخرة عافية. دليل هذا التأويل ما روى حميد عن أنس" حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً قد صار مثل الفرخ المنتوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كنت تدعوا له بشيء أو تسأله شيئاً؟ قال: كنت أقول اللّهمّ [ما كنت معاتبي] به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا. فقال: سبحان الله إذاً لا تستطيعه ولا تطيقه فهلاّ قلت: اللّهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار ". تفسير : فدعا الله بها فشفاه الله. سهل بن عبدالله: في الدنيا حسنة السنّة وفي الآخرة حسنة الجنّة. المسيب عن عوف في هذه الآية قال: من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلاً ومالاً وولداً فقد أولى في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. حماد عن ثابت إنّهم قالوا لأنس بن مالك: إدع الله لنا، فقال: اللّهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا: زدنا، فأعادها، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون قد سألت الله تعالى لكم خير الدنيا والآخرة. قال أنس:" حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يدعو بها اللّهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار ". تفسير : سفيان الثوري في هذه الآية: في الدنيا حسنة الرزق الطيب والعلم، وفي الآخرة حسنة الجنّة. مجاهد عن ابن عبّاس قال: عند الركن اليماني ملك قائم منذ خلق الله السماوات والأرض يقول آمين، فقولوا: ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وقال ابن جريج: بلغني إنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الوقف: اللّهمّ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} يعني من حجّ عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت. عن الفضل بن عبّاس" حديث : إنه كان ردف النبيّ صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: إن أمي عجوز كبيرة لا تستمسك على الرحل و ان ربطتها [خشيت] أن أقتلها. فقال له: أرأيت لو كان على أمك دين كنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فحجّ عنها ". تفسير : أبو سلمة عن أنس" حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في رجل أوصى بحجّة: «كتب له أربع حجات: حجّة الذي كتبها، وحجّة الذي نفدها، وحجّة الذي أخذها، وحجة الذي أمر بها ". تفسير : وقال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: إني آجرت نفسي واشترطت عليهم الحجّ (معهم) فهل يجزيني ذلك؟ قال: انت من الذين قال الله {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ}. {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يعني إذا حاسب فحسابه سريع لانه لا يحتاج إلى تمديد ولا وعي منه ولا روية ولا فكرة. وقال الحسن: أسرع من لمح البصر. وفي الحديث ان الله تعالى يحسب في قدر حلب شاة وقيل هو إنه إذا حاسب... واحداً واحداً حاسب جميع الخلق فمعنى الحساب تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم ما نسوه من ذلك، يدلّ عليه قوله {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [المجادلة: 6]. { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} يعني التكبير في الصلوات وعند الجمرات يكبّر مع كلّ حصاة وغيرها من الأوقات. {فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} وهي أيام التشريق وأيام منى ورمي الجمار والأيام المعلومات عشر ذي الحُجّة، نافع ابن عمر: الأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده. أبو حنيفة عن حماد بن إبراهيم في قوله {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} قال: المعدودات أيام العشر و المعلومات أيام النحر، والصحيح أن المعدودات أيام التشريق، وعليه أكثر العلماء يدلّ عليه قوله {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} أي منها وإنّما يكون الصدر في أيّام التشريق. قال الزجاج: ويستعمل المعدودات في اللغة الشيء القليل فسميت بذلك لأنها ثلاثة أيام والأيام المعدودات: أيام التشريق والذكر المأمور فيها التكبير. قال نافع: كان عمرو وابنه عبد الله يكبران بمنى تلك الأيام جميعاً وخلف الصلوات وفي المجلس وعلى الفراش و القسطاط وفي الطريق ويكبر النّاس [بتكبيرهم] ويناولان هذه الآية قلت: واجمعوا على أن التكبير في هذه الأيام سنّة إلاّ إنّهم اختلفوا في قدرها ووقتها... فكان عبد الله بن مسعود يكبّر من صلاة الغداة من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وإليه ذهب أبو يوسف ومحمّد بن الحسن وهو أجمع الأقاويل. كان ابن عبّاس وزيد بن ثابت يكبران من صلاة الظهر من يوم النحر إلى [مدة] العصر من آخر أيام التشريق وهو قول عطاء وهو الأظهر والأشهر من مذهب الشافعي إنه يبتدأ التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق هذا بالحاج آخر صلاة يصليها الحاج بمنى والناس لهم تبع. وأما لفظ التكبير فكان سعيد بن جبير يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر نسقاً وهو مذهب الشافعي وأهل المدينة وكان ابن مسعود يكبر [إثنتين] وهو مذهب أبي حنيفة وأهل العراق. وروى عن مالك إنه كان يقول الله أكبر الله أكبر ثمّ يقطع فيقول الله اكبر لا إله الاّ الله. وروى عن قتادة إنّه كان يقول الله أكبر كبيراً الله أكبر على ما هدانا الله أكبر ولله الحمد. وروى عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله ". تفسير : عن جعفر بن محمّد:" حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث منادياً فنادى في أيام التشريق: إنّها أيام أكل وشرب"تفسير : ، قال الله تعالى {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ} يعني من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني من أيام التشريق. {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} في تعجله {وَمَن تَأَخَّرَ} عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتّى ينفر في اليوم الثالث {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} في تأخره فإن لم ينفر في اليوم الثاني وأقام حتّى تغرب الشمس فليقم إلى الغد من اليوم الثالث فيرمي الجمار ثمّ ينفر مع الناس، هذا قول ابن عمر وابن عبّاس والحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والنخعي والسّدي قال بعضهم: معناه فمن تعجل في يومين فهو [مغفور له] لا إثمّ ولا ذنب عليه ومن تأخر فكذلك، وهكذا قول علي وأبي ذر وابن مسعود والشعبي ومطرف بن الشخير. قال معاوية بن [مرة]: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال إسحاق بن يحيى بن طلحة: سألت مجاهد عن ذلك قال: فمن تعجل في يومين فلا إثمّ عليه إلى قابل ومن تأخر فلا إثمّ عليه أيضاً إلى قابل. وقال سعيد بن المسيب: توفي رجل بمنى في آخر أيام التشريق فقيل لعمر: توفي ابن الخنساء أفلا نشهر دفنه، فقال عمر: وما يمنعني أن أدفن رجلاً لم يذنب منذ غفر له. {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} اختلفوا في معناه. فقال ابن عبّاس في رواية العوفي والكلبي: لمن اتقى قتل الصيد لا يحل له أن يقتل صيداً حتّى ينقضي أيام التشريق. قتادة: لمن اتقى أن يصيب في حجر شيئاً نهاه الله عزّ وجلّ عنه فيه. أبو العالية: ذهب اثمه كلّه إن اتقى فيما بقى من عمره، وكان ابن مسعود يقول إنّما حطت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله في حجّه. ابن جريح: وهو في مصحف عبدالله لمن اتقى الله، جويبر عن الضحاك عن ابن عبّاس لمن اتقى عبادة الأوثان. وروى عن ابن عبّاس أيضاً: لمن اتقى معاصي الله قال: ووددت أني من هؤلاء الذين يصيبهم اسم التقوى. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يجمعون في الآخرة فيجزيكم بإعمالكم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} [البقرة: 198]. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [البقرة: 198] أي لا إثم عليكم ولا حرج {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198] أي أن تتكسبوا في الحج وهو نسك عبادي، والمكسب الذي يأتي فيه هو فضل من الله. وقديماً كانوا يقولون: فيه "حاج"، وفيه "داجّ"، واحدة بالحاء وواحدة بالدال، "فالداجّ" هو الذي يذهب إلى الأراضي المقدسة للتجارة فقط، ونقول له: لا مانع أن تذهب لتحج وتتاجر؛ لأنك ستيسر أمراً؛ لأننا إن منعناه فمَنْ الذي يقوم بأمر الحجيج؟ ولماذا قال الحق: {تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198] ولم يقل رزقاً؟. لقد أوضح الحق في الآية التي قبلها: ألاَّ تذهبوا إلاّ ومعكم زادكم. إذن أنت لا تريد زاداً بعملك هذا، أي لا تذهب إلى الحج لتأكل من التجارة، إنما تذهب ومعك زادك وما تأتي به هو زائد عن حاجتك ويكون فضلاً من الله سبحانه وتعالى، وهو جل شأنه يريد منك ألاَّ يكون في عملك المباح حرج؛ فنفى الجناح عنه؛ فأنت قد جئت ومعك الأكل والشرب ويكفيك أن تأخذ الربح المعقول، فلا يكون فيه شائبة ظلم كالاستغلال لحاجة الحجيج، لذلك أسماه "فضلاً" يعني أمراً زائداً عن الحاجة. وكل ابتغاء الرزق وابتغاء الفضل لا يصح أن يغيب عن ذهن مبتغي الرزق والفضل، فكله من عند الله. إياك أن تقول: قوة أسباب، وإياك أن تقول: ذكاء أو احتياط، فلا شيء من ذلك كله؛ لأن الرزق كله من الله هو فضل من الله. ولا ضرر عليك أن تبتغي الفضل من الرب؛ لأنه هو الخالق وهو المربي. ونحن مربوبون له، فلا غضاضة أن تطلب الفضل من الله. ثم يقول الحق بعد ذلك: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 198]. وأنت حين تملأ كأساً عن آخرها فهي تفيض بالزائد على جوانبها، إذن فالفائض معناه شيء افترق عن الموجود للزيادة. قوله: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] تدل على أن الله قد حكم بأن عرفات ستمتلئ امتلاء، وكل من يخرج منها كأنه فائض عن العدد المحدد لها. وهذا حكم من الله في الحج. وأنت إذا ما شهدت المشهد - كتبه الله للمسلمين جميعاً. إن شاء الله - سترى هذه المسألة، فكأن إناءً قد امتلأ، وذلك يفيض منه. ولا تدري من أين يأتي الحجيج ولا إلى أين يذهبون. ومن ينظر من يطوفون بالبيت يظن أنهم كتل بشرية، وكذلك إذا فاض الحجيج في مساء يوم عرفة يخيل إليك عندما تنظر إليهم أنه لا فارق بينهم؛ ولذلك يقال: سالت عليه شعاب الحي كأنها سيل. وقال الشاعر: شعر : فسـالت عليه شعـاب الحي حـين دعـا أصـحـابه بـوجـوه كالـدنـانـير تفسير : وقال آخر: شعر : ولمـا قضـيـنا مـن مـنىً كـل حـاجـة ومسـّح بـالأركـان من هـو ماسح أخـذنا بـأطـراف الأحـاديـث بـينـنـا وسـالـت بأعـناق المـطي الأباطح تفسير : أي كأنه سيل متدفق، هكذا تماماً تكون الإفاضة من عرفات. وعندما تتأمل الناس المتوجهين إلى "مزدلفة" تتعجب أين كان كل هذا الجمع؟ ترى الوديان يسير فيها الناس والمركبات كأنهم السيل ولا تستطيع أن تفرق شخصاً من مجموعة، وفي موقف الحجيج إفاضتان: إفاضة من عرفات، ثم إفاضة ثانية بينتها الآية التي بعدها يقول - سبحانه -: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 199]. وعرفات ننطقها بمنطوقين: مرة نقول "عرفات" كما وردت في هذه الآية، ومرة ننطقها "عرفة" كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحج عرفة"تفسير : . وعرفات جمع، وعرفة مفرد. هذه الكلمة أصبحت علماً على المكان الفسيح الذي يجتمع فيه الحجيج في التاسع من ذي الحجة، ولا تظن أنها جبل، فإذا سمعت: "جبل عرفات" كما يقول الناس فافهم أن المقصود هو الجبل المنسوب إلى عرفات. وليس عرفات في ذاتها، ولذلك تجد أناساً كثيرين يظنون أنهم إن لم يصعدوا الجبل المسمى بجبل الرحمة الذي عند الصخرات التي وقف عليها رسول الله في حجة الوداع فكأن الإنسان منهم لم يحج. نقول لهم: لا، الوقوف يكون في الوادي، والجبل المجاور للوادي أسميناه جبل عرفات، فالجبل هو المنسوب لعرفات وليس الوادي هو المنسوب للجبل. وأصل كلمة عرفة وردت فيها أقوال كثيرة. وهناك فرق بين الاسم يكون وصفاً ثم يصير اسماً. وبين أن يكون عَلَماً من أول الأمر. وقلنا: إنه إذا سميت العَلَم من أول الأمر فلا ضرورة أن يكون فيه معنى اللفظ؛ فقد تسمى واحداً شقياً بـ"سعيد"، وتُسمى زنجية بـ"قمر"، وهذا لا يُسمى "وصفاً" وإنما يُسمى عَلََماً إلا أن الناس حين يسمون يتفاءلون بالأصل، فيقال: أُسَمِّي ابني "سعيداً" تفاؤلاً بأن يكون "سعيداً"، وعندما تكون بنتاً فقد تعطيها اسماً مخالفاً لحالها، فقد تكون دميمة وتسميها "جميلة" تفاؤلاً بالاسم. هنا يكون أخذ العلم للتفاؤل. والعرب عندما كانوا يسمون الأسماء كانوا يتفاءلون بها. مثلاً كانوا يسمون "صخراً" ليتفاءلوا به أمام الأعداء. ويسمون "كلباً" حتى لا يجرؤ عليه أحد. وقيل لعربي: إنكم تحسنون أسماء عبيدكم فتقولون "سعيداً" و"سعداً" و"فضلاً" وتسيئون أسماء أبنائكم؛ تسمونهم: "مُرة"، "كلباً"، "صخراً" قال العربي: نعم؛ لأننا نسمي أبناءنا لأعدائنا ليكونوا في نحورهم، ونسمي عبيدنا لنا. وكلمة "عرفة" هي الآن علم على مكان، لكن سبب تسميتها فيه خلاف: قيل: لأن آدم هبط في مكان وحواء هبطت في مكان، وظل كلاهما يبحث عن الآخر حتى تلاقيا في هذا المكان، فسُمي "عرفة". والحديث عن آدم وحواء يقتضينا أن نبحث عن سبب تفرقهما الذي جعل كلا منهما يبحث عن الآخر، إذا كان الله عز وجل خلقهما ليكونا زوجين فلماذا فرقهما؟. لك أن تتصور حال آدم وهو مخلوق في عالم غريب واسع بمفرده، وينظر حوله فلا يجد بشراً مثله، بالله ألا يشتاق لإنسان يؤنس وحدته؟. وماذا يكون حاله عندما يرى إنساناً؟. لا شك أنه سيقابله باشتياق شديد. من أجل هذا فرق الله بينهما وجعل كلاًّ منهما يبحث عن إنسان يؤنس وحشته، ولو ظل كل منهما بجوار الآخر فربما كان الأمر عادياً. وهكذا أراد الله لكل من آدم وحواء أن يشتاق كل منهما للآخر، فأبعدهما عن بعضهما ثم تلاقيا بعد طول بعاد، فكان الشوق للقاء. وبعد اللقاء تأتي المودة والرحمة والألفة والسكن، وهو مطلوب الحياة لزوجين. وهناك قول آخر بخصوص تسمية عرفات: إن سيدنا آدم قالت له الملائكة وهو في ذلك المكان: اعرف ذنبك وتب إلى ربك فقال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23]. فيكون بذلك قد عرف زلته وعرف كيف يتوب. أو حينما أراد الله أن يُعَلِّم إبراهيم عليه السلام، وهو الذي دعا ربَّه أن يجعل أفئدة الناس وقلوبهم تميل وتهوى هذا المكان. إن إبراهيم رأى في المنام أن يذبح ابنه. وتلك مسألة شاقة من ثلاثة وجوه: المشقة الأولى أنها رؤيا وليست وحياً. والمشقة الثانية أنه ابنه الوحيد، والمشقة الثالثة أنه هو الذي سيذبحه. إنها ثلاث مشقات صعاب، وليس من المعقول أن تمر هذه المسألة على أبي الأنبياء بيسر وسهولة، بل لابد أنه تحدّث فيها كثيراً بينه وبين نفسه، وهل هي رؤيا أم ماذا؟. ومن هنا سُمي اليوم الذي قبل يوم عرفة بيوم التروية. وعندما تأكد سيدنا إبراهيم بأن رؤيا الأنبياء حق عرف أنه لابد أن ينفذ ما رأى. والمكان الذي عرف فيه حقيقة الرؤيا سُمي عرفة. أو أنه حين جاءت له الرؤيا بذبح ابنه فالشيطان لم يدع مثل هذه الفرصة تمر، وكان لابد أن يدخل ليوسوس لإبراهيم. أليس هو القائل: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16]. فعندما تمثل الشيطان لإبراهيم رجمه بالحصى سبعاً في المرة الأولى، ثم عاوده مرة أخرى فرجمه سبعاً، وجاءه في الثالثة فرجمه سبعاً، بعدها لم يأت له ثانية، فجرى إبراهيم مخافة أن يلاحقه، ولذلك سُمي المكان بالمزدلفة، والمزدلف هو المسرع، ويسمى "ذا المجاز" أي أنه اجتاز المزدلفة، ويكون قد عرف المسألة عند عرفة. أو أن جبريل كان يعرفه المناسك في هذا المكان، فيقول له: عرفتَ؟ فيرد إبراهيم: "عرفتُ". أو أن الإنسان يعرف فيها ربه في آخر ما شرع له من أركان فكل منا عرف الأركان: هذا عرف، وذاك عرف، وثالث، ورابع، وهكذا فيكون كلنا: عرفات، ويصبح المكان عبودية لله. اشترك فيها جميع الحجاج. {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 198]. والمشعر الحرام في مزدلفة: "فاذكروا الله" معناها أن الله يَسّر لكم هذه الرحلة الشاقة، وجاء بكم آمّين وقاصدين بيت الله الحرام، ثم تعودون مغفوراً لكم، وهي مسألة تستحق أن تذكروا الله بالشكر والعرفان. {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198]؛ لأن هدايته لكم وتعليمكم أقصر طريقة يوصل إلى الخير هو تحية من الله لخلقه، والتحية يجب أن يُرَدّ عليها، فكما هداكم اذكروه. {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} [البقرة: 198]؛ لأنهم طالما حجوا كثيراً، في الجاهلية، فأنتم كنتم تحجون بضلال، والآن تحجون بهدى. {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [البقرة: 199]. قوله: "ثُمَّ" تدل على أنه لابد من الوقوف بعرفة أو المبيت في مزدلفة؛ لأن "ثُمَّ" تدل على البعدية ببطء والتعقيب بتمهل. إذن قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ} [البقرة: 199] حجة لمن قال: إنه لابد من المبيت في مزدلفة. وهذه الآية نزلت لأن قريشاً كانت ترى نفسها أهل الحرم فلا يُطالبون أبداً بما يُطالب به سائر الناس، ولذلك لا يذهبون مع الناس إلى عرفات، والله يريد بالحج المساواة بين الناس، ولذلك قال النبي في حجة الوداع:"حديث : كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان"تفسير : فلابد أن ينسخ الله مسلك قريش فقال: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [البقرة: 199] يعني لا تميز لكم ولا تفرقة بين المسلمين. وبعض المفسرين يقول: إن معنى {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [البقرة: 199] المقصود به من حيث أفاض إبراهيم، بمعنى أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد رسم مناسك الحج كلها بعد أن علمها الله له، فالناس وإن كانوا جمعاً إلا أن المراد بكلمة "الناس" هو "إبراهيم". ولا نستغرب أن يكون معنى: "الناس" هو "إبراهيم" لأن الله وصفه بأنه "أمة". وكلمة الناس تُطلق على الإنسان الذي يجمع خصائص متعددة؛ ولذلك قال الله عز وجل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [النساء: 54]. لقد وصف الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس. والرجل الذي ذهب للمؤمنين يخبرهم باستعداد المشركين لقتالهم نزل فيه قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] إنه إنسان واحد ومع ذلك وصفه الله بالناس، كأنه بتنبيهه للمسلمين يكون جمع كل صفات الخير في الناس. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 199] إنّ الحق سبحانه وتعالى يعلم أن بني آدم لا يمكن لهم أن يراعوا حقوقه كما يجب أن تُراعى، فلا بد أن تفلت منهم أشياء، وهو سبحانه وتعالى يعلم ذلك؛ لأنه خالقهم، فأمرهم - جلّت حكمته - أن يستغفروه؛ ليكفروا عن سيئاتهم.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالفَضلُ ها هنا: التِجَارَةُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: الإِفاضةُ: الإِسرَاعُ فِي السَّيرِ، يُريدُ رَجَعتُمْ مِنْ حَيثُ جِئتُم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما أمر تعالى بالتقوى، أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره، ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله، لا منسوبا إلى حذق العبد، والوقوف مع السبب، ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه. وفي قوله: { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات، لا تكون إلا بعد الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام، وهو المزدلفة، وذلك أيضا معروف، يكون ليلة النحر بائتا بها، وبعد صلاة الفجر، يقف في المزدلفة داعيا، حتى يسفر جدا، ويدخل في ذكر الله عنده، إيقاع الفرائض والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة، متأخر عن الوقوف بعرفة، كما تدل عليه الفاء والترتيب. الرابع، والخامس: أن عرفات ومزدلفة، كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها، وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم، كما قيده بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل، كما هو مفهوم التقييد بـ "مزدلفة " { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ } أي: اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم، التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان. { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس، من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بـ "منى "ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك. ولما كانت [هذه] الإفاضة، يقصد بها ما ذكر، والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد، في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة. وهكذا ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومن بها على ربه، وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، ورد الفعل، كما أن الأول، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم: { مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب، لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء، لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم، وهماتهم ونياتهم، جزاء دائرا بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه، وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع، مسلما أو كافرا، أو فاسقا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه، دليلا على محبته له وقربه منه، إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين. والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة. وحسنة الآخرة، هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به، والحث عليه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 94 : 26 - سفين عن السدي قال، سألت سعيد بن جبير عن "المشعر الحرام" فقال، ما بين جبلي جَمْع فهو المشعر الحرام. [الآية 198]. 95 : 132 - سفين في قوله {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} قال، قبل القرآن. [الآية 198].

همام الصنعاني

تفسير : 225- عبد الرزاق، قال حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}: [الآية: 198]، قال: كانوا إذا أفاضوا من عرفات، لم يتجروا بتِجارة، ولم يُعَرِّجُوا على كسير ولا ضالَّةٍ، فأحلَّ الله لهُمْ ذلِكَ، فقال: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}. 226- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عُيَيْنة، عن عُبَيْد الله بن أبي يزيد، قال: سمعتُ ابن الزبير يقرأ: (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج). 227- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، قال: قال ابن عباس: "كان ذو المجاز وعكاظ متجراً للناس في الجاهلية، فلَمَّا كان الإِسْلامُ كَرِهُوا ذلِكَ حتَّى نزلت: (ليس عليكم جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضلاً من ربكم في مَواسِم الحَجّ). 228- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ}: [الآية: 198]، قال: المشعر الحارم جمع كله. 229- قال معمر، وقال أيوب، عن ابن أبي مليكة، سمع ابن الزبير يقول: الجمع كله موقف، وارتفعوا عن بطن محسر، وعرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرفة.