Verse. 206 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

ثُمَّ اَفِيْضُوْا مِنْ حَيْثُ اَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللہَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۹۹
Thumma afeedoo min haythu afada alnnasu waistaghfiroo Allaha inna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أفيضوا» يا قريش «من حيث أفاض الناس» أي من عرفة بأن تقفوا بها معهم وكانوا يقفون بالمزدلفه ترفعا عن الوقوف معهم وثم للترتيب في الذكر «واستغفروا الله» من ذنوبكم إن الله غفور» للمؤمنين «رحيم» بهم.

199

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه قولان الأول: المراد به الإفاضة من عرفات، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه أحدها: أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى وثانيها: أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون: نحن أهل الله فلا نحل حرم الله وثالثها: أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم، لكان ذلك يوهم نقصاً في الحرم ثم ذلك النقص كان يعود إليهم، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة، فأنزل الله تعالى هذه الآية أمراً لهم بأن يقفوا في عرفات، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس، وروي أن النبـي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها، وأمر سائر الناس بالوقوف بها، وعلى هذا التأويل فقوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية الإفاضة من عرفات من يقول قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ } أمر عام لكل الناس، وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات، وروي أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس، ويخالف الحمس، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدي به، وهو كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } تفسير : [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 173] يعني أبا سفيان، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور، ومنه قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] وفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه الله، وهو أن يكون قوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال: هذا مما فعله الناس قديماً، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال: المراد من هذه الإفاضة من عرفات. القول الثاني: وهو اختيار الضحاك: أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ } المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالاً: أما الإشكال على القول الأول: فهو أن قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله: {أية : فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ } تفسير : [البقرة: 198] لمكان {ثُمَّ } فإنها توجب الترتيب، ولو كان المراد من هذه الآية: الإفاضة من عرفات، مع أنه معطوف على قوله {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ } كان هذا عطفاً للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية: فإذا أفضتم من عرفات، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الآية متقدمة على ما قبلها، والتقدير: فاتقون يا أولي الألباب، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله، وعلى هذا التريتب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها. قلنا: هذا وإن كان محتملاً إلا أن الأصل عدمه، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه. وأما الإشكال على القول الثاني: فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ {من حيث } في قوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } على الزمان، وذلك غير جائز، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان. أجاب القائلون بالقول الأول: عن ذلك السؤال بأن {ثُمَّ } ههنا على مثال ما في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ } تفسير : [البلد: 12، 13] إلى قوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البلد: 17] أي كان مع هذا من المؤمنين، ويقول الرجل لغيره: قد أعطيتك اليوم كذا وكذا، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة {ثُمَّ } ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه. وأجاب القائلون بالقول الثاني: بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جداً فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملاً في الآخر على سبيل المجاز. أما قوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } فقد ذكرنا أن المراد من {ٱلنَّاسِ } إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وأتباعهما، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري. أن المراد بالناس في هذه الآية: آدم عليه السلام، واحتج بقراءة سعيد بن جبير {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } وقال: هو آدم نسي ما عهد إليه، ويروى أنه قرأ {ٱلنَّاسِ } بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء، والمعنى: أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه. أما قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما، وأما الإستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب. فإن قيل: كيف أمر بالإستغفار مطلقاً، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار. والجواب: أنه إن كان مذنباً فالإستغفار واجب، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات، والاحتراز عن المحظورات، وجب عليه الإستغفار أيضاً تداركاً لذلك الخلل المجوز، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه ألبتة خلل في شيء من الطاعات، فهذا كالممتنع في حق البشر، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد، فكيف في أعمال كل العمر، إلا أن بتقدير إمكانه فالإستغفار أيضاً واجب، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق، ولهذا قالت الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فكان الإستغفار لازماً من هذه الجهة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنه ليغان على قلبـي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة»تفسير : . وأما قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قد علمت أن غفوراً يفيد المبالغة، وكذا الرحيم، ثم في الآية مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالإستغفار، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة، فهذا يدل قطعاً على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه. المسألة الثانية: اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون: إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع، وقال آخرون: إنها عند الدفع من الجمع إلى منى، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ } على أي الأمرين يحمل؟ قال القفال رحمه الله: ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية يوم عرفة فقال: «حديث : يا أيها الناس إن الله عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله»تفسير : فقال أصحابه: يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيباً حزيناً وأفضت بنا اليوم فرحاً مسروراً، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إني سألت ربـي عز وجل بالأمس شيئاً لم يجد لي به: سألته التبعات فأبـى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: التبعات ضمنت عوضها من عندي»تفسير : اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} قيل: الخطاب للحُمْس؛ فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحَرَم، وكانوا يقولون: نحن قِطين الله، فينبغي لنا أن نعظّم الحرم، ولا نعظّم شيئاً من الحِل، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم أن عرفة موقف إبراهيم عليه السلام لا يخرجون من الحرم، ويقفون بجَمْع ويُفيضون منه ويقف الناس بعرفة؛ فقيل لهم: أفيضوا مع الجملة. و «ثم» ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي لعطف جملة كلام هي منها منقطعة. وقال الضحاك: المخاطَب بالآية جملة الأمة، والمراد بـ (ـالناس» إبراهيم عليه السلام؛ كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] وهو يريد واحداً. ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة؛ فتجيء «ثم» على هذا الاحتمال على بابها؛ وعلى هذا الاحتمال عوّل الطبريّ. والمعنى: أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم من مزدلفة جَمْع؛ أي ثم أفيضوا إلى مِنًى لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جَمْع. قلت: ويكون في هذا حجة لمن أوجب الوقوف بالمزدلفة؛ للأمر بالإفاضة منها، والله أعلم. والصحيح في تأويل هذه الآية من القولين القول الأوّل. روى الترمذيّ عن عائشة قالت: كانت قريش ومن كان على دينها وهم الحُمْس يقفون بالمزدلفة يقولون: نحن قَطِين الله، وكان من سواهم يقفون بعرفة؛ فأنزل الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}. هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: الحُمْس هم الذين أنزل الله فيهم: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} قالت: كان الناس يُفيضون من عرفات، وكان الحُمْس يُفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نُفيض إلا من الحَرَم؛ فلما نزلت: {أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} رجعوا إلى عرفات. وهذا نصٌّ صريح، ومثله كثير صحيح، فلا معوّل على غيره من الأقوال. والله المستعان. وقرأ سعيد بن جبير «الناسي» وتأويله آدم عليه السلام؛ لقوله تعالى: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115]. ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناسِ؛ كالقاضِ والهادِ. ٱبن عطية: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءاً به فلا أحفظه. وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه، ومَظانّ القبول ومساقط الرحمة. وقالت فرقة: المعنى وٱستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفاً لسُنّة إبراهيم في وقوفكم بقُزَحَ من المزدلفة دون عرفة. الثانية: روى أبو داود عن عليّ قال: فلما أصبح ـ يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ وقف على قُزَحَ فقال: «حديث : هذا قُزَحُ وهو الموقف وجمْعٌ كلّها موقف ونَحرْتُ ها هنا ومِنىً كلها مَنْحَر فٱنحروا في رحالكم»تفسير : . فحكم الحَجِيج إذا دفعوا من عرفة إلى المزدلفة أن يبيتوا بها ثم يغَلّس بالصبح الإمامُ بالناس ويقفون بالمشعر الحرام. وقُزَحُ هو الجبل الذي يقف عليه الإمام، ولا يزالون يذكرون الله ويدعون إلى قرب طلوع الشمس، ثم يدفعون قبل الطلوع؛ على مخالفة العرب؛ فإنهم كانوا يدفعون بعد الطلوع ويقولون: أشْرِقْ ثَبِير، كيما نُغِير؛ أي كيما نقرب من التحلّل فنتوصّل إلى الإغارة. وروى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر صلّى بجَمْع الصبحَ ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشْرِق ثَبِير؛ وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم خالفهم فدفع قبل أن تطلع الشمس. وروى ابن عُيينة عن ابن جُريج عن محمد بن قيس بن مَخْرَمة عن ٱبن طاوس عن أبيه أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، وكانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس؛ فأخّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعجّل هذا، أخّر الدفع من عرفة، وعجّل الدفع من المزدلفة مخالفاً هَدْي المشركين. الثالثة: فإذا دَفعوا قبل الطلوع فحكمهم أن يدفعوا على هيئة الدّفع من عرفة، وهو أن يسير الإمام بالناس سير العَنَق، فإذا وَجَد أحدهم فُرجة زاد في العَنَق شيئاً. والعَنَقُ: مَشْيٌ للدواب معروف لا يُجهل. والنَّصُّ: فوق العَنَق؛ كالخَبَب أو فوق ذلك. وفي صحيح مسلم: عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما وسُئل: كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة؟ قال: كان يسير العَنَق، فإذا وَجد فَجْوَةً نَصَّ. قال هشام: والنَّصُّ فوق العَنق؛ وقد تقدم. ويُستحب له أن يحرّك في بطن مُحَسِّر قدر رَمْيَةٍ بحجر، فإن لم يفعل فلا حَرَج، وهو مِن مِنىً. وروى الثوري وغيره عن أبي الزبير عن جابر قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السَّكِينة وقال لهم: «حديث : أوْضِعوا في وادي مُحَسِّر»، وقال لهم: «خذوا عنّي مناسككم»تفسير : . فإذا أتْوا مِنىً وذلك غُدوة يوم النحر، رمَوْا جمرة العقبة بها ضُحىً رُكباناً إن قدروا، ولا يستحب الركوب في غيرها من الجمار، ويرمونها بسبع حَصَيات، كلّ حصاة منها مثل حَصَى الخذف على ما يأتي بيانه ـ فإذا رموها حل لهم كل ما حَرُم عليهم من اللباس والتَّفَث كله، إلا النساء والطِّيب والصيد عند مالك وإسحٰق في رواية أبي داود الخفّاف عنه. وقال عمر بن الخطاب وٱبن عمر: يَحلّ له كل شيء إلا النساء والطِّيب. ومن تطيّب عند مالك بعد الرّمي وقبل الإفاضة لم ير عليه فِدْية؛ لما جاء في ذلك. ومن صاد عنده بعد أن رمى جمرة العقبة وقبل أن يفيض كان عليه الجزاء. وقال الشافعي وأحمد وإسحٰق وأبو ثور: يحل له كل شيء إلا النساء؛ وروي عن ٱبن عباس. الرابعة: ويقطع الحاجّ التّلْبِيَة بأوّل حصاة يرميها من جمرة العقبة؛ وعلى هذا أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها، وهو جائز مباح عند مالك. والمشهور عنه قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة، على ما ذكر في موطّئه عن عليّ، وقال: هو الأمر عندنا. قلت: والأصل في هذه الجملة من السُّنة ما رواه مسلم «حديث : عن الفضل بن عباس، وكان ردِيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشيّة عرفةَ وغداةِ جَمْع للناس حين دَفعوا: «عليكم بالسكينة» وهو كافٌّ ناقته حتى دخل مُحَسِّراً (وهو مِن مِنىً) قال: «عليكم بحصى الخَذْف الذي يُرْمَى به الجمرة»، وقال: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حتى رمى جمرة العقبة»تفسير : . في رواية: حديث : والنبيّ صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يَخْذِف الإنسانتفسير : . وفي البخاري عن عبد اللَّه أنه ٱنتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومِنىً عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم. وروى الدارقطني عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء وحلّ لكم الثياب والطّيب»تفسير : . وفي البخاري عن عائشة قالت: «طيّبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديّ هاتين، حين أحرم، ولحلّه حين أحلّ قبل أن يطوف؛ وبسطتْ يديه» وهذا هو التحلل الأصغر عند العلماء. والتحلّل الأكبر: طواف الإفاضة، وهو الذي يحلّ النساء وجميع محظورات الإحرام، وسيأتي ذكره في سورة «الحج» إن شاء الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : ثم ـ ههنا ـ لعطف خبر على خبر، وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها، إلا قريشاً فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته. قال البخاري: حدثنا علي ابن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام؛ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم، واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإجماع. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن مجاهد عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: أضللت بعيراً لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف، قلت: إن هذا من الحمس، ما شأنه ههنا؟ أخرجاه في الصحيحين، ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، فالله أعلم. وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم عليه السلام، وفي رواية عند الإمام، قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح. وقوله: {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كثيراً ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثاً، وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين. وقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس بن مرداس السلمي في استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة، وأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة»تفسير : ، وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: «حديث : قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»تفسير : والأحاديث في الاستغفار كثيرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَفِيضُواْ } يا قريش {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } أي من عرفة بأن تقفوا بها معهم وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفعاً عن الوقوف معهم و(ثم) للترتيب في الذكر {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } من ذنوبكم {إنٱللَّهَ غَفُورٌ } للمؤمنين {رَّحِيمٌ } بهم.

الشوكاني

تفسير : قيل: الخطاب في قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ } للحمس من قريش، لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات. بل كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، فأمروا بذلك، وعلى هذا تكون، ثم لعطف جملة على جملة لا للترتيب، وقيل: الخطاب لجميع الأمة، والمراد بالناس إبراهيم، أي: ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، فيحتمل أن يكون أمراً لهم بالإفاضة من عرفة. ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة، وعلى هذا تكون، "ثم" على بابها أي: للترتيب، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري، وإنما أمروا بالاستغفار؛ لأنهم في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة. وقيل: إن المعنى استغفروا للذي كان مخالفاً لسنة إبراهيم، وهو: وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة. والمراد بالمناسك: أعمال الحج، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا عني مناسككم» تفسير : أي: فإذا فرغتم من أعمال الحجّ، فاذكروا الله. وقيل: المراد: بالمناسك: الذبائح، وإنما قال سبحانه: {كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة، فيذكرون مفاخر آبائهم، ومناقب أسلافهم، فأمرهم الله بذكره مكان ذلك الذكر، ويجعلونه ذكراً مثل ذكرهم لآبائهم، أو أشدّ من ذكرهم لآبائهم. قال الزجاج: إن قوله: {أَوْ أَشَدَّ } في موضع خفض عطفاً على ذكركم، والمعنى، أو كأشدّ ذكراً، ويجوز أن يكون في موضع نصب: أي اذكروه أشدّ ذكراً. وقال في الكشاف: إنه عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله: {كَذِكْرِكُمْ } كما تقول كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشدّ منهم ذكراً. قوله: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } الآية، لما أرشد سبحانه عباده إلى ذكره، وكان الدعاء نوعاً من أنواع الذكر جعل من يدعوه منقسماً إلى قسمين: أحدهما: يطلب حظ الدنيا، ولا يلتفت إلى حظ الآخرة، والقسم الآخر: يطلب الأمرين جميعاً، ومفعول الفعل، أعني قوله: {أَتَـٰنَا } محذوف، أي: ما نريد، أو ما نطلب، والواو في قوله: {وما له} واو الحال، والجملة بعدها حالية. والخَلاق: النصيب، أي: وما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب؛ لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، ولا يطلب سواها. وفي هذا الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا، والذمّ لمن جعلها غاية رغبته، ومعظم مقصوده. وقد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية، فقيل: هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية، وما لا بدّ منه من الرزق، وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا؛ وقيل: المراد بحسنة الدنيا: الزوجة الحسناء، وحسنة الآخرة: الحور العين، وقيل: حسنة الدنيا: العلم والعبادة، وقيل غير ذلك. قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين: نعيم الدنيا، والآخرة، قال: وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء، فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة: الجنة بإجماع. انتهى. قوله: {حَسَنَةً وَقِنَا } أصله أوقنا حذفت الواو، كما حذفت في يقي؛ لأنها بين ياء، وكسرة، مثل: يعد، هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: حذفت فرقاً بين اللازم، والمتعدّي. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الفريق الثاني {لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ } جنس {مَّا كَسَبُواْ } من الأعمال أي: من ثوابها، ومن جملة أعمالهم الدعاء، فما أعطاهم الله بسببه من الخير، فهو مما كسبوا، وقيل: إن معنى قوله: {مِمَّا كَسَبُواْ } التعليل، أي: نصيب من الدنيا، ولا نصيب لهم في الآخرة، وللآخرين نصيب من أجل ما كسبوا، وهو بعيد. قيل: إن قوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الفريقين جميعاً: أي: للأوّلين نصيب مما كسبوا من الدنيا، ولا نصيب لهم في الآخرة، وللآخرين نصيب مما كسبوا في الدنيا، وفي الآخرة. وسريع من سَرُع يَسْرُع كعظُم يعظُم سرعاً، وسرعة، والحساب مصدر كالمحاسبة، وأصله العدد، يقال: حسب يحسب حساباً، وحسابة، وحسباناً، وحسباً. والمراد هنا المحسوب، سمي حساباً تسمية للمفعول بالمصدر، والمعنى: أن حسابه لعباده في يوم القيامة سريع مجيئه، فبادروا ذلك بأعمال الخير، أو أنه وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وأنه لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة، كما قال تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ }تفسير : [لقمان: 28]، قوله: {فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي: أيام منى، وهي أيام التشريق، وهي أيام رمي الجمار. وقال الثعلبي: قال إبراهيم: الأيام المعدودات أيام العشر، والأيام المعلومات: أيام النحر. وكذا روي عن مكي، والمهدوي. قال القرطبي: ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمر بن عبد البرّ، وغيره. وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات: أيام النحر، قال: لقوله تعالى: {أية : وَيَذْكُرُواْ ٱللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلاْنْعَامِ } تفسير : [الحج: 28] وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة: يوم الأضحى، ويومان بعده. قال الكيا الطبري: فعلى قول أبي يوسف، ومحمد لا فرق بين المعلومات، والمعدودات، لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف. وروي عن مالك أن الأيام المعدودات، والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم، وهو مرويّ عن ابن عمر. وقال ابن زيد: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، وأيام التشريق. والمخاطب بهذا الخطاب المذكور في الآية، أعني قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } هو الحاجّ، وغيره كما ذهب إليه الجمهور؛ وقيل: هو خاص بالحاج. وقد اختلف أهل العلم في وقته، فقيل من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ وقيل: من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر النحر، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك، والشافعي، قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ } الآية، اليومان هما: يوم ثاني النحر، ويوم ثالثه. وقال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والنخعي: من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات، فلا حرج، ومن تأخر إلى الثالث، فلا حرج، فمعنى الآية: كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماماً، وتأكيداً؛ لأن من العرب من كان يذمّ التعجل، ومنهم من كان يذمّ التأخر، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك. وقال عليّ، وابن مسعود: معنى الآية: من تعجل، فقد غفر له، ومن تأخر، فقد غفر له. والآية قد دلّت على أن التعجل، والتأخر مباحان. وقوله: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } معناه: أن التخيير، ورفع الإثم ثابت لمن اتقى؛ لأن صاحب التقوى يتحرّز، عن كل ما يريبه، فكان أحق بتخصيصه بهذا الحكم. قال الأخفش: التقدير ذلك لمن اتقى. وقيل: لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي. وقيل: لمن اتقى قتل الصيد. وقيل معناه: السلامة لمن اتقى. وقيل: هو متعلق بالذكر، أي: الذكر لمن اتقى. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عائشة قالت: «كانت قريش، ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ }. وأخرجا أيضاً، عنها موقوفاً، نحوه. وقد ورد في هذا المعنى روايات، عن الصحابة، والتابعين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى سماء الدنيا في الملائكة، فيقول لهم: عبادي آمنوا بوعدي، وصدّقوا برسلي ما جزاؤهم؟ فيقال أن تغفر لهم، فذلك قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة لأهل عرفة، ونزول الرحمة عليهم، وإجابة دعائهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ } قال: حجكم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ } قال: إهراق الدماء {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } قال: تفاخر العرب بينها بفعال آبائها يوم النحر حين يفرغون، فأمروا بذكر الله مكان ذلك. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان المشركون يجلسون في الحج، فيذكرون أيام آبائهم، وما يعدّون من أنسابهم يومهم أجمع، فأنزل الله على رسوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا }. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } يقول: كما يذكر الأبناء الآباء. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أيضاً أنه قيل له في قوله: {كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } إن الرجل ليأتي عليه اليوم، وما يذكر أباه. فقال: إنه ليس بذاك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عُصِىَ أشدّ من غضبك إذا ذُكر والدك بسوء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلاْخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } ويجىء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون {رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } فأنزل الله فيهم: {أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }. وأخرج الطبراني، عن عبد الله بن الزبير قال: كان الناس في الجاهلية إذا وقفوا عند المشعر الحرام دعوا، فقال أحدهم: اللهم ارزقني إبلاً، وقال الآخر: اللهمّ ارزقني غنماً، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير، عن أنس أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فيدعون: اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدوّنا الظفر، وردّنا صالحين إلى صالحين، فنزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله:{أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } قال: مما عملوا من الخير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } قال: سريع الإحصاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، عن عليّ قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام: يوم الأضحى، ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها، أوّلها. وأخرج الفريابي، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، عن ابن عمر؛ أنها أيام التشريق الثلاثة، وفي لفظ: هذه الأيام الثلاثة بعد يوم النحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة، عن ابن عباس؛ قال: الأيام المعلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق. وأخرج الطبراني، عن ابن الزبير قال في قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } قال: هنّ أيام التشريق، يذكر فيهنّ بتسبيح، وتهليل، وتكبير، وتحميد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الأيام المعدودات أربعة أيام: يوم النحر، والثلاثة أيام بعده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر؛ أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى، ويقول التكبير واجب، ويتأوّل هذه الآية: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ }. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه كان يكبر يوم النحر، ويتلو هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } قال: التكبير أيام التشريق: يقول في دبر كل صلاة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر أنه كان يكبر ثلاثاً ثلاثاً وراء الصلوات، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأخرج المروزي عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر أيام التشريق كلها. وأخرج مالك، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر بمنى حين ارتفع النهار شيئاً، فكبرَّ، وكبرَّ الناس بتكبيره، ثم خرج الثانية في يومه ذلك بعد ارتفاع النهار، فكبرَّ، وكبرَّ الناس بتكبيره حتى بلغ تكبيرهم البيت، ثم خرج الثالثة من يومه ذلك حين زاغت الشمس، فكبرَّ، وكبرَّ الناس بتكبيره. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمار، ويكبر مع كل حصاة. وقد روى نحو ذلك من حديث عائشة عند الحاكم وصححه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } قال: في تعجيله: {وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } قال: في تأخيره. وأخرج ابن جرير، عن ابن عمر قال: النَّفْر في يومين لمن اتقى. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه قال: من غابت له الشمس في اليوم الذي قال الله فيه: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ } وهو بمنى، فلا ينفرنّ حتى يرمى الجمار من الغد، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } قال: لمن اتقى الصيد، وهو محرم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأهل السنن، والحاكم وصححه، عن عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو واقف بعرفة، وأتاه الناس من أهل مكة، فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: "حديث : الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جَمْع قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك أيام منى ثلاثة أيام: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } قال: مغفوراً له: {وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } قال مغفوراً له"تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } قال: لمن اتقى في حجه. قال قتادة، وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي من عمره.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} فيه قولان: أحدهما: أنها نزلت في قريش، وكانوا يسمون الحمس، لا يخرجون من الحرم في حجهم، ويقفون مزدلفة، ويقولون نحن من أهل الله، فلا نخرج من حرم الله، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وهي موقف إبراهيم عليه السلام، فأنزل الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} يعني جميع العرب، وهذا قول عائشة، وعروة، ومجاهد، وقتادة. والقول الثاني: أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، يعني بالناس إبراهيم، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس، قال الله تعالى: {حديث : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 173] وكان القائل واحداً، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الضحاك. وفي قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تأويلان: أحدهما: استغفروه من ذنوبكم. والثاني: استغفروه مما كان من مخالفتكم في الوقت والإفاضة.

ابن عطية

تفسير : قال ابن عباس وعائشة وعطاء وغيرهم: المخاطب بهذه الآية قريش ومن ولدت وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن قطين الله فينبغي لنا أن نعظم الحرم ولا نعظم شيئاً من الحل، فسنوا شق الثياب في الطواف إلى غير ذلك وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم أن عرفة هي موقف إبراهيم لا يخرجون من الحرم ويقفون بجمع ويفيضون منه، ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم أن يفيضوا مع الجملة، و {ثم} ليست في هذه الآية للترتيب، إنما هي لعطف جملة كلام على جملة هي منها منقطعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحمس، ولكنه كان يقف مذ كان بعرفة، هداية من الله. وقال الضحاك: "المخاطب بالآية جملة الأمة" والمراد بــ {الناس} إبراهيم عليه السلام كما قال: {أية : الذين قال لهم الناس} تفسير : [آل عمران: 173] وهو يريد واحداً، ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة فتجيء {ثم} على هذا الاحتمال على بابها، وعلى هذا الاحتمال عول الطبري، وقرأ سعيد بن جبير "الناسي" وتأوله آدم عليه السلام، ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءاً به فلا أحفظه، وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه ومظان القبول ومساقط الرحمة، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عشية عرفة فقال: "حديث : أيها الناس، إن الله عز وجل قد تطاول عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله" تفسير : ، فلما كان غداة جمع، خطب فقال: "حديث : أيها الناس إن الله تطاول عليكم فعوض التبعات من عنده ". تفسير : وقالت فرقة: المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفاً لسنة إبراهيم في وقوفكم بقزح من المزدلفة. وقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} الآية، قال مجاهد: "المناسك الذبائح وهراقة الدماء"، والمناسك عندي العبادات في معالم الحج ومواضع النسك فيه، والمعنى إذا فرغتم من حجكم الذي هو الوقوف بعرفة فاذكروا الله بمحامده وأثنوا عليه بآلائه عندكم، وخص هذا الوقت بالقضاء لما يقضي الناس فيه مناسكهم في حين واحد، وما قبل وما بعد فهو على الافتراق: هذا في طواف وهذا في رمي وهذا في حلاق وغير ذلك، وكانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة فتتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيام الجاهلية، هذا قول جمهور المفسرين. وقال ابن عباس وعطاء: معنى الآية اذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم، أي فاستغيثوا به والجؤوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم. وقالت طائفة: معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك والنقص في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم، وقرأ محمد بن كعب القرظي "كذكركم آباؤكم" أي اهتبلوا بذكره كما يهتبل المرء بذكر ابنه، فالمصدر على هذه القراءة مضاف إلى المفعول، و {أشد} في موضع خفض عطفاً على {ذكركم} ويجوز أن يكون في موضع نصب، التقدير أو اذكروه أشد ذكراً. وقوله تعالى: {فمن الناس من يقول} الآية، قال أبو وائل والسدي وابن زيد: كانت عادتهم في الجاهلية أن يدعوا في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون الآخرة، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص، بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم، والخلاق: النصيب والحظ، و {من} زائدة لأنها بعد النفي، فهي مستغرقة لجنس الحظوظ. وقال قتادة: "حسنة الدنيا العافية وكفاف المال". وقال الحسن بن أبي الحسن: "حسنة الدنيا العلم والعبادة". وقال السدي:" حسنة الدنيا المال"، وقيل: حسنة الدنيا المرأة الحسناء، واللفظة تقتضي هذا كله وجميع محابّ الدنيا، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع، و {قنا عذاب النار} دعاء في أن لا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة، ويحتمل أن يكون دعاء مؤكداً لطلب دخول الجنة، لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من الطرفين، كما حديث : قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: "أنا إنما أقول في دعائي اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حولها ندندن" . تفسير : وقوله تعالى: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} الآية، وعد على كسب الأعمال الصالحة في صيغة الإخبار المجرد، والرب تعالى سريع الحساب لأنه لا يحتاج إلى عقد ولا إلى إعمال فكر، وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب الله الخلائق في يوم؟ فقال "كما يرزقهم في يوم"، وقيل: الحساب هنا المجازاة، كأن المجازي يعد أجزاء العمل ثم يجازي بمثلها، وقيل معنى الآية سريع مجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة، وأمر الله تعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وليس يوم النحر من المعدودات، ودل على ذلك إجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر وهو ثاني يوم النحر، فإن يوم النحر من المعلومات، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من ينفر من شاء متعجلاً يوم القر، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات، وحكى مكي والمهدوي عن ابن عباس أنه قال: "المعدودات هي أيام العشر"، وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر الذي بعد يوم النحر، وفي ذلك بعد، والأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده لإجماعهم على أنه لا ينحر أحد في اليوم الثالث، والذكر في المعلومات إنما هو على ما رزق الله من بهيمة الأنعام. وقال ابن زيد: "المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق"، وفي هذا القول بعد، وجعل الله الأيام المعدودات أيام ذكر الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هي أيام أكل وشرب وذكر الله ". تفسير : ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصلوات، واختلف في طرفي مدة التكبير: فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس: يكبر من صلاة الصبح من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق. وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وقال يحيى بن سعيد: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر يوم التشريق. وقال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي. وقال ابن شهاب: "يكبر من الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق". وقال سعيد بن جبير: "يكبر من الظهر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق". وقال الحسن بن أبي الحسن: "يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر يوم النفر الأول". وقال أبو وائل: "يكبر من صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر". ومشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاثة تكبيرات، وفي المذهب رواية أنه يقال بعد التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد. وقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه}، قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد: المعنى من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج عليه، فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماماً وتأكيداً إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك، ومن العلماء من رأى أن التعجل إنما أبيح لمن بعد قطره لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر، قاله مالك وغيره، ومنهم من رأى أن الناس كلهم مباح لهم ذلك، قاله عطاء وغيره. وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم: معنى الآية من تعجل فقد غفر له ومن تأخر فقد غفر له، واحتجوا بقوله عليه السلام: "حديث : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه" تفسير : ، فقوله تعالى: {فلا إثم عليه} نفي عام وتبرئة مطلقة، وقال مجاهد أيضاً: معنى الآية من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام القابل، وأسند في هذا القول أثر. وقال أبو العالية: المعنى في الآية لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره، والحاج مغفور له البتة. وقال أبو صالح وغيره: معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد وما يجب عليه تجنبه في الحج، وقال أيضاً: لمن اتقى في حجه فأتى به تاماً حتى كان مبروراً، واللام في قوله {لمن اتقى} متعلقة إما بالغفران على بعض التأويلات، أو بارتفاع الإثم في الحج على بعضها، وقيل: بالذكر الذي دل عليه قوله {واذكروا}، أي الذكر لمن اتقى، ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. وقال ابن أبي زمنين: "يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجل". قال ابن المواز: "يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأنه قد رمى جمرة العقبة بسبع يوم النحر. قال ابن المواز: "ويسقط رمي اليوم الثالث". وقرأ سالم بن عبد الله {فلا إثم عليه} بوصل الألف، ثم أمر تعالى بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف بين يديه.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَفَاضَ النَّاسُ} إبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ عبّر عن الواحد بلفظ الجمع، كقوله {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [آل عمران: 173] يعني نُعيم بن مسعود، أو أمر قريشا أن يفيضوا من حيث أفاض الناس وهم العرب ـ كانوا يقفون بعرفة، لأن قريشاً كانوا يقفون بمزدلفة، ويقولون نحن أهل الحرم فلا نخرج منه فنزلت {وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ} من ذنوبكم، أو من مخالفتكم في الوقوف والإفاضة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} أي لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، وفي المخاطبين بهذا قولان أحدهما أنه خطاب لقريش قال أهل التفسير: كانت قريش ومن دان بدينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله وقطان حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه ويتعاظمون أن يقفوا مع سائر الناس بعرفات، وكان سائر الناس يقفون بعرفات فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات مع سائر الناس، ثم يفيضوا منها إلى جمع وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت كان قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكان يسمون الحمس وكانت سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} قولها: كانوا يسمون الحمس هو جمع أحمس وأصله من الشدة والشجاعة وإنما سميت قريش وكنانة حمساً لتشددهم في دينهم فعلى هذا القول الناس معناهم جميع العرب سوى الحمس، والقول الثاني: إنه خطاب لسائر المسلمين أمرم الله أن يفيضوا من حين أفاض إبراهيم، وهو المراد بقوله من حيث أفاض الناس، وقيل: الناس هم آدم وحده بدليل قراءة سعيد بن جبير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي بالياء وقال هو آدم عهد إليه فنسي، ووجه هذا أن الوقوف بعرفات والإفاضة منها شرع قديم وما سواه مبتدع محدث، وقيل: المراد من هذه الآية أن الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر، قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وأراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما لأنه كانت إفاضتم من المزدلفة قبل طلوع الشمس، ووجه هذا القول أن الإفاضة من عرفات قد تقدم ذكرها في قوله: {أية : فإذا أفضتم من عرفات} تفسير : [البقرة: 198] ثم قال بعد ذلك {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} فدل على أن هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى لكن القول الأول الذي هو الأصح الذي عليه جمهور المفسرين. فإن قلت على القول الأول الذي هو قول جمهور المفسرين إشكال، وهو أن ظاهر الكلام لا يقتضي ذلك لأن قوله: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله} والإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع فكيف قال {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} فكأنه قال فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات وذلك غير جائز. قلت: أجيب عن هذا الإشكال بأن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله فعلى هذا الترتيب يصح أن تكون هذه الإفاضة تلك الإفاضة بعينها وقيل: إن ثم في قوله ثم أفيضوا بمعنى الواو أي وأفيضوا كقوله ثم كان من الذين آمنوا والإفاضة الدفع (ق) عن هشام بن عروة عن أبيه قال سأل أسامة بن زيد وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال هشام والنص فوق العنق. العنق بفتح العين ضرب من السير سريع، هو أشد من المشي والفجوة: الفرجة وهي المتسع من الأرض، والنص السير السريع حتى يستخرج من الناقة أقصى وسعها (خ) عن ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجراً شديداً وضرباً للإبل فأشار بسوطه إليهم قال: يا أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع، الإيضاع السير السريع الشديد. قوله تعالى: {واستغفروا الله} أي من مخالفتكم في الموقف ولجميع ذنوبكم {إن الله غفور رحيم} يعني أن الله هو الساتر لذنوب عباده برحمته والغفور يفيد المبالغة في الغفر وكذا الرحيم وفيه دليل على أنه تعالى يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم، لأنه تعالى أمر المذنب بالاستغفار ثم وصف نفسه تعالى بأنه كثير الغفران كثير الرحمة فدل ذلك على أنه تعالى يغفر للمستغفرين ويرحم المذنبين بمنه وكرمه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ...}. قال أبو حيان: "ثم" قيل إنّها للترتيب في الذكر لا في الزّمان لتعذره وهذا على (الإفاضة) من عرفات وقيل بمعنى الواو. قال ابن عرفة: لا فرق بينهما لأن الواو كذلك هي أيضا للترتيب في الذكر فالمقدم فيها مقدم في اللفظ لا في المعنى. قيل لابن عرفة: إنّما يريد النحويون بذلك الذكر القلبي بمعنى: أنه لم يستحضر أوّلا غير (الأول) من المعطوفين فلذلك بدأ به فلما نطق به استحضر الآخر وهذا مستحيل في الآية. وذكر الزمخشري أن "ثُمّ" هنا لبعد ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ كما تقول: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن الى غير كريم. قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا (قال) ثم أحسن إلى الكريم فيعطف الأمر على الأمر فهو أولى من عطف النهي على الأمر. فأجاب بأنه أراد تحقيق كونها لبعد ما بين الصواب وهو الإحسان إلى الكريم والخطأ وهو الإحسان إلى غير الكريم ولو أتى بالكل أمرا لكانت "ثم" بين الجائز والأولى (ولم) تكن صريحة في البعد والتفاوت. (وزاد) أبو حيان قولين: أحدهما: أنّها للترتيب الزماني والإفاضة (من) جمع. والآخر: أنها على بابها من الترتيب. وفي الكلام تقديم وتأخير أي وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الألْبَاب ثم أفيضوا. قال ابن عرفة: والفرق بين القولين (الأولين) عندي أن يريد بقوله "ثُمّ" هنا، قيل للترتيب في الذكر، إنّها في هذه الآية خاصة بمعنى الواو، وبالقول الثاني: إنها بمعنى الواو مطلقا والله أعلم. قال ابن عرفة: وعادتهم يقولون: إنّها للتراخي والمهلة فهي على بابها، والمهلة فيها بين الذي يليها فقط والذي يليها هو معطوف على ما قبله بالواو والمشهور في الواو أنّها للجمع من غير ترتيب ولا مهلة، فتكون الجملة الموالية لـ "ثم" مراد بها التقديم. والتقدير: "فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا هَدَاكُمْ" "ثم أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ" و{واذْكُرُا اللّه عِند المَشْعَرِ الحَرَامِ}. قال ابن عرفة: وهذا معنى سادس لم يذكروه، وهو الذي (ينبغي) حمل الآية عليه. والله أعلم. وقول الله تعالى: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} قرأ ابن جبير (الناسي). أبو حيان: والألف واللاّم قيل للعهد وقيل للجنس فالعهد يريد آدم عليه السلام. (قال) ابن عرفة: كونها للجنس (إما) أن يريد النّاسِي في الحجّ أو بالإطلاق. فالنّاسي في الحج لا إفاضة له لأنه نسي الإفاضة فلا يصح أمرنا له بالإفاضة من حيث أفاض النّاس وإِن أراد الناسي مطلقا، وهو الذي نسي غير هذا أي من حيث أفاض الذي من شأنه النسيان فباطل أيضا، لأن ترتيب الحكم على الاسم (المشتق) (يشعر) بمناسبة معناه للحكم، وعلته له فإذا قلت. أكرم زيدا المصلي، فإكرامه إنما هو لصلاته لا لصدقته. قال ابن عطية: ويجوز عند بعضهم حذف الياء. قال: فأما جوازه في العربية فذكره سيبويه وأمّا جوازه مقروءاً به فلا أحفظه. قال ابن عرفة: وهذا غير صحيح كيف يقول: لا أحفظه وهو شأن الزوائد في القرآن في الاسم والفعل، قال الله تعالى {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : وقال أيضا {أية : قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}تفسير : فقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: "يَأْتِ" "وَنَبْغِ" بحذف الياء وصلا ووقفا. وتعقبه أبو حيان بأن سيبويه لم يجزه إلا في الشعر وجوّزه الفراء. قال ابن عرفة: وعادتهم يقولون: لم عدل في الآية عن دلالة المطابقة وهي حقيقة إلى دلالة الالتزام، وهي مجاز، فعبر بالإفاضة المستلزمة للوقوف، وهلا عبر بالوقوف نفسه فيقول: ثم قفوا من حيث وقف الناس، فما السر في ذلك؟ قال: وعادتهم يجيبون عن ذلك بأنّ قريشا كانوا لا يخرجون من الحرم لشرفه ويرون الخروج عنه موجبا للوقوع في الإثم، (ويقفون بالمشعر الحرام، فأتت الآية ردا عليهم وتنبيها على أن الخروج هنا لاينقص أجرا ولا يوقع في الإثم) ثم إنّ الإتيان إلى المحل الشريف من المحل البعيد مُشْعِر بنهاية تعظيمه وكمال تشريفه، فقصد التنبيه على الحكم مقرونا بعلته، وهذا هو المذهب الكلامي عند البيانيين. ولو قيل: ثم قفوا، لما أشعر بالانتقال والرجوع من الحل إلى الحرم بعد الخروج منه، فعبر بالإفاضة التي من شأنها أن لاتكون (إلا بعد) وقوف لإشعارها بالانتقال من المحل البعيد وهو عرفة لأنه في الحل إلى هذا الحرم الشريف تكريما له وإجلالا، فالإفاضة مستلزمة للرجوع إلى الحرم، ومشعرة بالوقوف المستلزم للخروج من الحرمِ إلى الحل. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأنه عبر بالإفاضة للمناسبة بينه وبين لفظه في أول الآية والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : استشكل الناس مجي "ثُمَّ" هنا؛ من حيث إنَّ الإفاضة الثانية هي الإفاضة الأولى؛ لأنَّ قريشاً كانت تقف بمزدلفة، وسائر الناس بعرفة، فأمروا أن يفيضوا من عرفة كسائر الناس، فكيف يجاء بـ"ثُمَّ" التي تقتضي الترتيب والتراخي؟ والجواب من وجوهٍ: أحدها: أنَّ الترتيب في الذِّكر، لا في الزمان الواقع فيه الأفعال، وحسَّن ذلك؛ أن الإفاضة الأولى غير مأمور بها، إنما المأمور به ذكر الله، إذا فعلت الإفاضة. ثانيها: أن تكون هذه الجملة معطوفةً على قوله: {أية : وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة: 197] ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وهو بعيدٌ. ثالثها: أن تكون "ثُمَّ" بمعنى الواو، قال بعض النُّحَاةِ: فهي لعطف كلامٍ منقطع من الأول. قال بعضهم: وهي نظير قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ}تفسير : [البلد: 12،13] إلى قوله: {أية : ثُّمَّ كّانَ}تفسير : [البلد: 17]، أي: كان مع هذا من المؤمنين، وفائدة "ثُمَّ" ههنا: تأخُّر أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخّر المخبر عنه [عن ذلك المخبر عنه]. رابعها: أن الإفاضة الثانية هي من جمع إلى منى، والمخاطبون بها جميع الناس، قاله الضَّحَّاك، ورجَّحه الطبريُّ، وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن، فتكون "ثُمَّ" على بابها، قال الزمخشريُّ: "فإنْ قلتَ: كيف موقعُ "ثُمَّ"؟ قلتُ: نحو موقِعها في قولك: أَحْسِنْ إلَى النَّاسِ، ثُمَّ لاَ تُحْسِنْ إلَى غَيْرِ كَريمٍ" تأتي بـ"ثُمَّ"؛ لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وبُعد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات، قال: {ثُمَّ أَفِيضُواْ} لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأنَّ إحداهما صواب والثانية خطأ" قال أبو حيَّان: "وليستِ الآية نظيرَ المثال الذي مَثَّلَهُ، وخاصل ما ذكر أن "ثُمَّ" تسلب الترتيب، وأنَّ لها معنى غيره سمَّاه بالتفاوت، والبعد لما بعدها عمَّا قبلها، ولم يذكر في الآية إفاضة الخطأ حتَّى تجيء "ثُمَّ" لتفاوت ما بينهما، ولا نعلم أحداً سبقه إلى إثبات هذا المعنى لـ"ثُمَّ" قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: وهذا الذي ناقش الزمخشريَّ به تحاملٌ عليه، فإنه يعني بالتفاوت والبعد التراخي الواقع بين الرتبتين، وسيأتي له نظائر، وبمثل هذه الأشياء لا يردُّ بها على مثل هذا الرجل. و"مِنْ حَيْثُ" متعلِّقٌ بـ"أَفِيضُوا"، و"مِنْ" لابتداء الغاية، و"حَيْثُ" هنا على بابها من كونها ظرف مكانٍ، وقال القفَّال: "هي هنا لزمان الإفاضة" وقد تقدَّم أن هذا قول الأخفش، وتقدَّم دليله، وكأن القفال رام بذلك التغاير بين الإفاضتين؛ ليقع الجواب عن مجيء "ثُم" هنا، ولا يفيد ذلك؛ لأن الزَّمان يستلزم مكان الفعل الواقع فيه. و {أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} في محلِّ جرِّ بإضافة "حَيْثُ" إليها، والجمهور على رفع السِّين من "النَّاسُ". وقرأ سعيد بن جبيرٍ: "النَّاسِي" وفيها تأويلان: أحدهما: أنه يراد به آدم - عليه السَّلام - بقوله: "فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً". والثاني: أن يراد به التارك للوقوف بمزدلفة، وهم جمع النَّاس، فيكون المراد بـ"النَّاسِي" جنس الناسين، قال ابن عطيَّة: "ويجوز عند بعضهم حذف الياء، فيقول: "النَّاسِ" بكسر السِّين، فاكتفى بالكسرة عن الياء، وبها قرأ الزُّهريُّ؛ كالقاص والهاد؛ قال: أمّا جوازه في العربية، فذكره سيبويه وأمّا جوازه قراءةً، فلا أحفظه. قال أَبو حيان: لم يجز سيبويه ذلك إلا في الشِّعر، وأجازه الفرَّاء في الكلام، وأمَّا قوله: "لَمْ أَحْفَظْهُ"، فقد حفظه غيره، حكاها المهدويُّ قراءةً عن سعيد بن جبير أيضاً. فصل في المراد بالإفاضة في الآية الكريمة قولان: الأول: أنّ المراد بهذه الإفاضة من عرفات. قال المفسِّرون: كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهل الله وقطَّان حرمه، فلا نخرج من الحرم، ويستعظمون أن يقفوا مع النَّاس بعرفاتٍ، وسائر العرب كانوا يقفون بعرفاتٍ، فإذا أفاض النَّاس من عرفات، أفاض الحمس من المزدلفة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية الكريمة، وأمرهم أن يقفوا بعرفات وأن يفيضوا منها كما يفعله سائر النَّاس، والمراد بالنَّاس: العرب كلُّهم غير الحمس. وقال الكلبي: هم أهل اليمن وربيعة، وروي أنَّه - عليه السلام - لمّا جعل أبا بكرٍ أميراً في الحجِّ، أمره بإخراج النَّاس إلى عرفاتٍ، فلمّا ذهب مرّ على الحمس وتركهم، فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر رسول الله إلى عرفاتٍ، ووقف بها وأمر سائر النَّاس بالوقوف بها، وقال بعضهم: "أفِيضُوا" أمر عامٌّ لكلِّ النَّاس. وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} المراد: إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام -: فإنَّ سنَّتهما كانت الإفاضة من عرفاتٍ. وقيل: المراد بالنَّاس: النَّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه روي أنّ النَّبيَّ - عليه السلام - كان يقف في الجاهليَّة بعرفة كسائر النَّاس ويخالف الحمس. وقال الضَّحَّاك: النَّاس ههنا إبراهيم وحده، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدى به، وهو كقوله - تبارك وتعالى -:{أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [آل عمران: 173] يعني به: نعيم ابن مسعود، {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}تفسير : [آل عمران: 173] يعني أبا سفيان، وهو مجاز مشهور؛ ومنه قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. وقال القفَّال: قوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفاتٍ، وأنَّه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث؛ كما يقال: هذا ممَّا فعله النَّاس قديماً. وقال الزَّهريّ: إنّ المراد من النَّاس في هذه الآية: آدم - عليه السلام -؛ واحتج بقراءة سعيد بن جبير المتقدِّمة. القول الثاني - وهو اختيار الضحَّاك ورجَّحه الطَّبري -: أنّ المراد بهذه الإفاضة، هي الإفاضة من مزدلفة إلى منى يوم النَّحر، قبل طلوع الشمس للرَّمي والنَّحر. وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}] المراد: إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما. قوله:{وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} "اسْتَغْفَرَ" يتعدَّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بـ"مِنْ"؛ نحو: استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر؛ كقول القائل: [البسيط] شعر : 1004 - أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبَّ العِبَادِ إِلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ تفسير : هذا مذهب سيبويه - رحمه الله - وجمهور النَّاس. وقال ابن الطَّراوة: إنه يتعدَّى إليهما بنفسه أصالة، وإنما يتعدَّى بـ"مِنْ"؛ لتضمنه معنى ما يتعدَّى بها، فعنده "اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ مِنْ كَذَا" بمعنى تبت إليه من كذا، ولم يجىء: "اسْتَغْفَرَ" في القرآن الكريم متعدِّياً إلاَّ للأول فقط، فأمَّا قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ}تفسير : [غافر: 55] {أية : وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ}تفسير : [يوسف: 29] {أية : فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 135] فالظاهر أنَّ هذه اللام لام العلَّة، لا لام التعدية، ومجرورها مفعول من أجله، لا مفعول به. وأمَّا "غَفَرَ" فذكر مفعوله في القرآن تارةً: {أية : وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 135]، وحذف أخرى: {أية : وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [المائدة: 40]. والسين في "اسْتَغْفَرَ" للطلب على بابها، والمفعول الثاني هنا محذوف للعلم به، أي: من ذنوبكم التي فرطت منكم. فإن قيل: أمرٌ بالاستْغفارِ مطلقاً، وربما كان فيهم من لم يُذنِبْ، فحينئذٍ لا يحتاجُ إلى الاسْتِغْفار. فالجواب: أنّه إن كان مُذْنِباً، فالاستِغْفار واجِب، وإن لم يُذْنِب، فيجوز من نفْسِه صدور التَّقْصِير في أداء الواجِبات، والاحتِراز عن المَحْظُوراتِ؛ فيجب عليه الاسْتِغْفار تَدَارُكاً لذلك لخَلَلِ المُجَوَّز، وهذا كالمُمْتَنِع في حَقِّ البَشَر. فصل واختلف العلماء - رضي الله عنهُم - في هذه المَغْفرة الموعُودة. فقال بعضهم: إنّها عند الدَّفع من عَرَفَاتٍ إلى جمع. وقال آخرون: إنها عند الدَّفْع من جَمْع إلى مِنًى، وهذا مَبْنِيٌّ على الخِلاَف المُتَقَدِّم في قوله: " ثُمَّ أَفِيضُوا" على أيّ الأَمْرَين يحمل. قال القفّال - رحمه اللَّهُ - ويتأكَّد الثَّانِي بما رَوَى نَافِعٌ عن ابن عُمَر؛ قال: حديث : خَطَبنا رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عشِيَّة عَرَفَة؛ فقال: "يا أيُّها النَّاسُ إن يَطَّلعُ الله عَلَيْكُم في مَقَامِكُم هذا، فَقَبِل من مُحْسِنِكُم، ووهب مُسِيئَكُم لمُحْسِنِكُم، والتَّبِعَاتُ عوَّضهَا من عنده، أفيضُوا على اسْم الله تعالى" قال أصحابُه: يا رسُول الله، أَفَضْتَ بنا بالأَمْسِ كَئِيباً حزِيناً، وأَفضتَ بنا اليَوْمَ فَرِحاً مَسْرُوراً، فقال عليه السَّلام - "إنّي سَأَلْت ربِّي - عزَّ وجل - بالأمْس شَيئاً لم يَجُدْ لي به: سأَلْتُه التَّبِعَات فَأَبَى عَلَيَّ، فلمّا كَانَ اليَوْم أَتَى جِبْرِيلُ - عليه السّلام - فقال: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلام ويقول: التبِعَات ضَمِنْتُ عِوَضَهَا من عِنْدِي"تفسير : والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في سننه عن عائشة قالت‏:‏ كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر نبيه أن يأتي عرفات ثم يقفون بها ثم يفيض منها، فذلك قوله {‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏‏ .‏ وأخرج البخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات قال هشام‏:‏ فحدثني أبي عن عائشة قال‏:‏ كانت الحمس الذين أنزل الله فيهم ‏{‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏ قالت‏:‏ كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون‏:‏ لا نفيض إلا من الحرم‏.‏ فلما نزلت ‏{‏أفيضوا من حيث أفاض الناس‏} ‏ رجعوا إلى عرفات‏.‏ وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ قالت قريش‏:‏ نحن قواطن البيت لا نجاوز الحرم فقال الله ‏ {‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏‏ .‏ وأخرج البخاري ومسلم والنسائي والطبراني عن جبير بن مطعم قال‏:‏ أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً مع الناس بعرفة، فقلت والله إن هذا لمن الحمس فما شأنه ههنا‏؟‏ وكانت قريش تعد من الحمس‏.‏ وزاد الطبراني وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم‏:‏ إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس حرمكم، وكانوا لا يخرجون من الحرم‏.‏ وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جبير بن مطعم قال‏:‏ كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة ويقولن‏:‏ نحن الحمس فلا نخرج من الحرم وقد تركوا الموقف على عرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم، ثم يدفع إذا دفعوا‏.‏ وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جبير بن مطعم قال‏:‏ ‏"‏لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه وأنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس يدفع معهم منها، وما ذاك إلا توفيق من الله‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كانت العرب تقف بعرفة وكانت قريش دون ذلك بالمزدلفة، فأنزل الله ‏{‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت‏:‏ كانت قريش يقفون بالمزدلفة ويقف الناس بعرفة إلا شيبة بن ربيعة، فأنزل الله ‏ {‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ كانت قريش وكل ابن أخت لهم وحليف لا يفيضون مع الناس من عرفات أنما يفيضون من المغمس، كانوا يقولون‏:‏ إنما نحن أهل الله فلا نخرج من حرمه، فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وكانت سنة إبراهيم وإسماعيل الإِفاضة من عرفات‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏{‏من حيث أفاض الناس‏} ‏ قال‏:‏ إبراهيم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏ قال: عرفة، كانت قريش تقول‏:‏ إنما نحن حمس أهل الحرم لا يخلف الحرم المزدلفة، أمروا أن يبلغوا عرفة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال‏:‏ كان الناس يقفون بعرفة إلا قريشاً وأحلافها وهي الحمس، فقال بعضهم‏:‏ لا تعظموا إلا الحرم فإنكم إن عظمتم غير الحرم أوشك أن تتهاونوا بحرمكم، فقصروا عن مواقف الحق فوقفوا بجمع، فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستغفروا الله إن الله غفور رحيم‏}‏‏ .‏ أخرج ابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى السماء الدنيا في الملائكة، فيقول لهم‏:‏ عبادي آمنوا بوعدي وصدقوا رسلي ما جزاؤهم‏؟‏ فيقال‏:‏ أن يغفر لهم‏.‏ فذلك قوله ‏ {‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم‏}‏‏ .‏ وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي والحاكم عن عائشة‏ ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول‏:‏ ما أراده هؤلاء‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم‏:‏ انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن جابر ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: أفضل أيام الدنيا أيام العشر - يعني عشر ذي الحجة - قيل‏:‏ وما مثلهن في سبيل الله‏؟‏ قال‏: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول‏:‏ انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويستعيذون من عذابي ولم يروه، فلم ير يوماً أكثر عتيقاً وعتيقة من النار منه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول‏:‏ انظروا الى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فما من يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا ادحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا مما يرى فيه من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله وما الذي رأى يوم بدر‏؟‏ قال‏:‏ رأى جبريل يزع الملائكة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الفضل بن عباس ‏"‏أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، وكان الفتى يلاحظ النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ببصره هكذا وصرفه، وقال يا ابن أخي‏:‏ هذا يوم من ملك فيه بصره إلا من حق، وسمعه إلا من حق، ولسانه إلا من حق، غفر له‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل قولي وقول الأنبياء قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ‏"‏كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير‏"‏‏.‏ وأخرج الترمذي وابن خزيمة والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال ‏"‏كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول‏:‏ اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي ولك رب تدآبي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أسألك من خير ما تجيء به الريح وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما من مسلم يقف عشية عرفة بالموقف فيستقبل القبلة بوجهه، ثم يقول‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، ثم يقرأ {‏قل هو الله أحد}‏ ‏[الإِخلاص: 1‏] مائة مرة، ثم يقول‏:‏ اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وعلينا معهم مائة مرة إلا قال الله تعالى‏:‏ يا ملائكتي ما جزاء عبدي هذا سبحني وهللني وكبرني وعظمني وعرفني وأثنى عليَّ وصلى على نبيي، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له وشفعته في نفسه، ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف كلهم‏.‏ قال البيهقي‏:‏ هذا متن غريب، وليس في إسناده من ينسب إلى الوضع ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن بكير بن عتيق قال‏:‏ حججت فتوسمت رجلاً أقتدي به إذا سالم بن عبد الله في الموقف يقول‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله إلهاً واحداً ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله ولو كره المشركون، لا إله إلا الله ربنا ورب آبائنا الأوّلين‏.‏ فلم يزل يقول هذا حتى غابت الشمس، ثم نظر إلي وقال‏:‏ حدثني أبي عن جدي عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‏"حديث : ‏يقول الله تبارك وتعالى‏:‏ من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والجندي في فضائل مكة عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدور، وتشتت الأمور، وعذاب القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، شر بوائق الدهر‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الجندي عن ابن جريج قال‏:‏ بلغني أنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف‏:‏ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي وابن أبي عاصم والطبراني معاً في الدعاء والبيهقي في الدعوات عن عبد الله بن مسعود قال ‏"‏ما من عبد ولا أمة دعا الله ليلة عرفة بهذه الدعوات - وهي عشر كلمات - ألف مرة إلا ولم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه إلا قطيعة رحم أو اثما‏ً.‏ سبحان الذي في السماء عرشه، سبحان الذي في الأرض موطنه، سبحان الذي في البحر سبيلة، سبحان الذي في النار سلطانه، سبحان الذي في الجنة رحمته، سبحان الذي في القبور قضاؤه، سبحان الذي في الهواء روحه، سبحان الذي رفع السماء، سبحان الذي وضع الأرض، سبحان الذي لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه‏.‏ قيل له‏:‏ أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن صدقة بن يسار قال‏:‏ سألت مجاهداً عن قراءة القرآن أفضل يوم عرفة أم الذكر‏؟‏ قال‏:‏ لا بل قراءة القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي عن علي بن أبي طالب أنه قال وهو بعرفات‏:‏ لا أدع هذا الموقف ما وجدت إليه سبيلاً، لأنه ليس في الأرض يوم أكثر عتقاً للرقاب فيه من يوم عرفة، فأكثروا في ذلك اليوم من قول‏:‏ اللهم اعتق رقبتي من النار، وأوسع لي في الرزق، واصرف عني فسقة الجن والإِنس، فإنه عامة ما أدعوك به‏.‏ وأخرج الطبراني في الدعاء عن ابن عباس قال‏:‏ كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة‏"حديث : ‏اللهم أنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المساكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وادعوك دعاء الخائف المضرور من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، ونحل لك جسده ورغم أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقياً، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ويا خير المعطين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الدعاء عن ابن عمر‏.‏ أنه كان يرفع صوته عشية عرفة يقول‏:‏ اللهم اهدنا بالهدي، وزينا بالتقوى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، ثم يخفض صوته بقوله‏:‏ اللهم إني أسألك من فضلك رزقاً طيباً مباركاً، اللهم إني أمرت بالدعاء وقضيت على نفسك بالإِجابة، وإنك لا تخلف وعدك ولا تنكث عهدك، اللهم ما أحببت من خير فحببه إلينا ويسره لنا، وما كرهت من شر فكرهه إلينا وجنبناه، ولا تنزع منا الإِسلام بعد إذ أعطيتناه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو ذر الهروي في المناسك عن أبي مجلز قال‏:‏ شهدت ابن عمر بالموقف بعرفات، فسمعته يقول‏:‏ الله أكبر ولله الحمد ثلاث مرات، ثم يقول‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مرة واحدة، ثم يقول‏:‏ اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً ويسكت قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يعود فيقول مثل ذلك حتى أفاض‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي سليمان الداراني عن عبد الله بن أحمد بن عطية قال‏:‏ سئل علي بن أبي طالب عن الوقوف بالجبل ولِمَ لم يكن في الحرم‏؟‏ قال‏:‏ لأن الكعبة بيت الله والحرم باب الله، فلما قصدوه وافدين وقفهم بالباب يتضرعون‏.‏ قيل‏:‏ يا أمير المؤمنين فالوقوف بالمشعر‏؟‏ قال‏:‏ لأنه لما أذن لهم بالدخول وقفهم بالحجاب الثاني وهو المزدلفة، فلما أن طال تضرعهم أذن لهم بتقريب قربانهم بمنى، فلما أن قضوا تفثهم وقربوا قربانهم فتطهروا بها من الذنوب التي كانت لهم أذن لهم بالوفادة إليه على الطهارة‏.‏ قيل‏:‏ يا أمير المؤمنين فمن أين حرم صيام أيام التشريق‏؟‏ قال‏:‏ لأن القوم زوار الله وهم في ضيافته، ولا يجوز للضيف أن يصوم دون إذن من أضافه‏.‏ قيل‏:‏ يا أمير المؤمنين فتعلق الرجل بأستار الكعبة لأي معنى هو‏؟‏ قال‏:‏ مثل الرجل بينه وبين سيده جناية فتعلق بثوبه وتنصل إليه وتحدى له ليهب له جنايته‏.‏ وأخرج ابن زنجويه والأزرقي والجندي ومسدد والبزار في مسنديهما وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس بن مالك قال‏:‏ حديث : كنت قاعداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف أتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما عليه ثم قالا‏:‏ يا رسول الله جئنا نسألك‏.‏ قال‏:‏ إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه، وإن شئتما سألتماني‏.‏ قال‏:‏ أخبرنا يا رسول الله نزداد إيماناً ويقيناً‏!‏ قال للأنصاري‏: جئت تسأل عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه، وعن طوافك وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك بعرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت وما لك فيه، يعني الإِفاضة‏.‏ قال‏:‏ والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأسألك عن ذلك‏. ‏ قال‏:‏ أما مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام فإن ناقتك لا ترفع خفاً ولا تضعه إلا كتب الله لك به حسنة ومحا به عنك خطيئة، وأما طوافك بالبيت فإنك لا ترفع قدماً ولا تضعها إلا كتب الله لك بها حسنة ومحا عنك بها خطيئة ورفع لك بها درجة، وأما ركعتاك بعد طوافك فكعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بين الصفا والمروة فكعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، ويقول‏:‏ انظروا إلى عبادي جاؤوني من كل فج عميق شعثاً غبراً يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم مثل الرمل، وعدد القطر، ومثل زبد البحر، ومثل نجوم السماء، لغفرتها لهم ويقول‏:‏ أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم فيه، وأما رميك الجمار فإن الله يغفر لك بكل حصاة رميتها كبيرة من الكبائر الموبقات الموجبات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما طوافك بالبيت - يعني الافاضة - فإنك تطوف ولا ذنب عليك، ويأتيك ملك فيضع يده بين كتفيك ويقول‏:‏ اعمل لما بقي فقد كفيت ما مضى‏ .‏ تفسير : وأخرج البزار والطبراني وابن حبان عن ابن عمر قال ‏"‏حديث : كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما ثم قالا‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم جئناك نسألك فقال‏: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت‏.‏ فقالا‏:‏ أخبرنا يا رسول الله‏!‏ فقال الثقفي للأنصاري‏:‏ سل‏.‏ فقال‏:‏ اخبرني يا رسول الله‏.‏ فقال‏: جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن نحرك وما لك فيه مع الإِفاضة‏. فقال‏:‏ والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك‏. قال‏: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفاً ولا ترفعه إلا كتب لك به حسنة ومحى عنك خطيئة، وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، فيقول‏:‏ عبادي جاؤوني شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول‏:‏ اعمل فيما يستقبل فقد غفر لك ما مضى‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فقال‏:‏ حديث : أيها الناس إن الله تطوّل عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم وأعطى محسنكم ما سأل، ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله‏. فلما كان غداة جمع قال‏: أيها الناس إن الله قد تطوّل عليكم في مقامكم هذا فقبل من محسنكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات بينكم عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله فقال أصحابه‏:‏ يا رسول الله أفضت بنا الأمس كئيباً حزيناً، وأفضت بنا اليوم فرحاً مسرورا‏ً؟‏ فقال‏: إني سألت ربي بالأمس شيئاً لم يجد لي به سألته التبعات فأبى علي، فلما كان اليوم أتاني جبريل فقال‏:‏ إن ربك يقرئك السلام ويقول ضمنت التبعات وعوّضتها من عندي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة‏"حديث : ‏أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله، فلما كان بجمع قال‏:‏ إن الله قد غفر لصالحيكم، وشفع لصالحيكم في طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم، ثم يفرق المغفرة في الأرض فيقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليس وجنوده بالويل والثبور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة عن العباس بن مرداس السلمي‏ ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله إليه‏:‏ إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضاً، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها‏.‏ فقال‏: يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيراً من مظلمته وتغفر لهذا الظالم‏. فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأجابه الله أني قد غفرت لهم‏.‏ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أصحابه‏؟‏ قال‏: تبسمت من عدوّ الله إبليس، إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي وأبو يعلى عن أنس ‏‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: إن الله تطوّل على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة، فيقول‏:‏ يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فاشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت لمحسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم، فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله، فيقول‏:‏ يا ملائكتي عبادي وقفوا فعادوا في الرغبة والطلب، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنيهم جميع ما سألوني، وكفلت عنهم التبعات التي بينهم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المبارك عن أنس بن مالك قال ‏"حديث : ‏وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال‏:‏ يا بلال أنصت لي الناس‏. فقام بلال فقال‏:‏ انصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فنصت الناس فقال‏:‏ يا معاشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربي السلام وقال‏:‏ إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات‏.‏ فقام عمر بن الخطاب فقال‏:‏ يا رسول الله هذا لنا خاصة‏؟‏ قال‏:‏ هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة‏. فقال عمر بن الخطاب‏:‏ كثر خير الله وطاب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة عن بلال بن رباح‏ ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع‏: أنصت الناس‏.‏‏ ثم قال‏:‏ إن الله تطاول عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما عائدان من منى إلى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أم الفضل بنت الحرث ‏"‏أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم‏:‏ هو صائم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ ليس بصائم‏.‏ فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه‏"‏‏.‏ حديث : وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في الأضاحي والحاكم وصححه عن أبي هريرة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة‏"‏‏ . تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي نجيح قال‏:‏ سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة فقال‏:‏ حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي قتادة ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك في الموطأ من طريق القاسم بن محمد عن عائشة‏.‏ أنها كانت تصوم يوم عرفة قال القاسم‏:‏ ولقد رأيتها عشية عرفة يدفع الإِمام وتقف حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض، ثم تدعو بالشراب فتفطر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ ما من يوم من السنة أصومه أحب إليّ من يوم عرفة‏.‏ وأخرج البيهقي عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن مسروق أنه دخل على عائشة يوم عرفة فقال‏:‏ اسقوني‏.‏ فقالت عائشة‏ "‏وما أنت يا مسروق بصائم‏.‏ فقال‏:‏ لا، إني أتخوّف أن يكون يوم أضحى‏.‏ فقالت عائشة‏:‏ ليس كذلك يوم عرفة، يوم يعرف الإِمام، ويوم النحر يوم ينحر الإِمام، أو ما سمعت يا مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدله بصوم ألف يوم‏"‏‏؟. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي والبيهقي عن أنس بن مالك قال‏:‏ كان يقال في أيام العشر‏:‏ بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم، يعني في الفضل‏.‏ وأخرج البيهقي عن الفضل بن عبّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : من حفظ لسانه وسمعه وبصره يوم عرفة غفر له من عرفة إلى عرفة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال‏ ‏"حديث : ‏كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ابن أخي أن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج المروزي في كتاب العيدين عن محمد بن عباد المخزومي قال‏:‏ لا يستشهد مؤمن حتى يكتب اسمه عشية عرفة فيمن يستشهد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في الأضاحي والمروزي عن إبراهيم‏.‏ أنه سئل عن التعريف بالأمصار فقال‏:‏ إنما التعريف بعرفات‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عوانة قال‏:‏ رأيت الحسن البصري يوم عرفة بعد العصر جلس، فذكر الله ودعا واجتمع إليه الناس‏.‏ وأخرج المروزي عن مبارك قال‏:‏ رأيت الحسن، وبكر بن عبد الله، وثابتاً البناني ومحمد بن واسع، وغيلان بن جرير، يشهدون عرفة بالبصرة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن موسى بن أبي عائشة قال‏:‏ رأيت عمرو بن حريث في المسجد يوم عرفة والناس مجتمعون إليه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والمروزي عن الحسن قال‏:‏ إن أول من عرف البصرة ابن عباس‏.‏ وأخرج المروزي عن الحكم قال‏:‏ أول من فعل ذلك بالكوفة مصعب بن الزبير‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن أبي الدنيا في الأضاحي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهن أيام أكل وشرب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن جابر بن عبد الله قال ‏"حديث : ‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة الغداة يوم عرفة وسلم جثا على ركبتيه فقال‏:‏ الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، إلى آخر أيام التشريق يكبر في العصر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق أبي الطفيل عن علي وعمار ‏حديث : "‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم ويقنت في الفجر، وكان يكبر من يوم عرفة صلاة الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق‏"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والمروزي في العيدين والحاكم عن عبيد بن عمير قال‏:‏ كان عمر يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة الظهر أو العصر من آخر أيام التشريق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن شقيق قال‏:‏ كان يكبر بعد الفجر غداة عرفة، ثم لا يقطع حتى يصلي العصر من آخر أيام التشريق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي والحاكم عن ابن عباس‏:‏ أنه كان يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والحاكم عن عمير بن سعد قال‏:‏ قدم علينا ابن مسعود، فكان يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه كان يقول‏:‏ من يصحبني منكم من ذكر أو انثى فلا يصومن يوم عرفة، فإنه يوم أكل وشرب وتكبير‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [الآية: 199]. قال ابن عطاء: إذا عمرتم بواطنكم بذكرى واستفرغتم الوسع فيه، فارجعوا إلى ما رجع إليه العام من القيام برسوم العبودية، واستغفروا الله عن اشتغالكم بغيره، إن الله غفورٌ للمطيعين تقصيرهم فى طاعته، رحيمٌ بالعاصين أن يردهم برحمته إلى بابه.

القشيري

تفسير : الإشارة فيه ألا تعلم نفسك بما تمتاز عن أشكالك في الظاهر؛ لا بلبسة ولا بخرقة ولا بصفة، بل تكون كواحد من الناس، وإذا خطر ببالك أنك فعلت شيئاً، أو بك أو لك أو معك شيء فاستغفرْ اللهَ، وجَدِّدْ إيمانك فإنه شِرْكٌ خَفِيٌّ خَامَرَ قلبَك.

البقلي

تفسير : {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} اى اذا بلغتم مقام مشاهدة المذكور بعد احتراقكم بانوار ذركه اشتغلوا بما يشتغل العوام من رسم العبادات لكى لا تفنوا فى بحار الوجد {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} من فترتكم عن الاحوال واشغالكم بالاعمال {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} تقصيركم فيما وجب عليكم حق معرفته {رَّحِيمٌ} عليكم بان يردكم الى حالاتكم ومقاماتكم وقال ابن عطاء اذا عمرتم بواطنكم بذكرى واستغفرتم الوسع فيه فارجعوا الى ما رجع اليه العوام من القيام برسوم العبودية واستغفروا عن اشتغالكم بغيره ان الله غفوره للمطعين تقصيرهم في طاعاتهم رحيم بالعاصين ان يردهم برحمته الى بابه وقال الاستاد ابو القسم القشيرى الاشارة فيه ان لا تعلم نفسك بما تمتاز اشكالك فى الظاهر لا بلبسه ولا بخرقه وصبغة بل يكون كواحد من الناس واذا خطر ببالك انك فعلت شيئا اوبك اولئك او منك شئ فاستغفر اله عز وجل جدد ايمانك فانه شرك خفى خامر قلبك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم أفيضوا} اى ارجعوا {من حيث أفاض الناس} اى من عرفة لا من المزدلفة كانت قريش وحلفاؤها هم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن اهل الله وسكان حرمه فلا نخرج من الحرم ويستعظمون ان يقفوا مع الناس بعرفات لكونها من الحل وسائر العرب كانوا يقفون بعرفات اتباعا لملة ابراهيم عليه السلام فاذا افاض الناس من عرفات افاض الحمس من المزدلفة فانزل الله هذه الآية فأمرهم ان يقفوا بعرفات وان يفيضوا منها كما يفعله سائر الناس والمراد بالناس العرب كلهم غير الحمس. والحمس فى الاصل جمع احمس وهو الرجل الشجاع والاحمس ايضا الشديد الصلب فى الدين والقتال وسميت قريش وكنانة وجديلة وقيس حمسا لتشددهم فى دينهم وكانوا لا يستظلون ايام منى ولا يدخلون البيوت من ابوابها وكذلك كان من حالفهم او تزوج منهم {واستغفروا الله} من جاهليتكم فى تغيير المناسك ومخالفتكم فى الموقف {ان الله غفور رحيم} يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه فامر النبى عليه السلام ابا بكر رضى الله تعالى عنه ان يخرج بالناس جميعا الى عرفات فيقف بها ـ روى ـ ان الله تعالى يباهى ملائكته باهل عرفات ويقول "حديث : انظروا الى عبادى جاؤا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا انى غفرت لهم" تفسير : ويروى ان الشيطان ما رؤى فى يوم هو أصغر واحقر واذل منه يوم عرفة وما ذلك الا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام اذ يقال ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الا الوقوف بعرفة وفى الحديث "حديث : اعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن الله تعالى لا يغفر لهbr>". تفسير : والحجة الواحدة افضل من عشرين غزوة فى سبيل الله. وقيل ان البعير اذا حج عليه مرة بورك فى اربعين من امهاته واذا حج عليه سبع مرات كان حقا على الله ان يرعاه فى رياض الجنة ومصداق ذلك ما قال النهرانى رحمه الله بلغنى ان وقاد تنور حمام اتى بسلسلة عظام حمل ليوقدها قال فألقيتها فى المستوقد فخرجت منه فألقيتها فعادت فخرجت فعدت فألقيتها الثالثة فعادت فخرجت بشدة حتى وقعت فى صدرى واذا بصوت هاتف يقول ويحك هذه عظام جمل قد سعى الى مكة عشر مرات كيف تحرقها بالنار واذا كانت هذه الرأفة والرحمة بمطية الحاج فكيف به ثم ان الفضل على ثلاثة اقسام بالنسبة الى احوال العبد فان التنوع راجع الى تغيير احوال العباد لا الى تغيير صفة من صفات الحق تعالى. فالاول منها ما يتعلق بالمعاش الانسانى من المال والجاه ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضرورى وهذا الفضل مفسر بالرزق قال الله تعالى {أية : وابتغوا من فضل الله}تفسير : [الجمعة: 10]. والثانى منها ما يتعلق بالمصالح الاخروية للعبد وهو نوعان ما يتعلق باعمال البدن على وفق الشرع ومتابعة الشارع ومجانبة طريق الشيطان المنازع قال تعالى {أية : يبتغون فضلا من الله ورضوانا} تفسير : [الفتح: 29]. وما يتعلق باعمال القلب وتزكية النفس قال تعالى {أية : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا}تفسير : [النور: 21]ٍ. والقسم الثالث منها ما يتعلق بالله تعالى وهو نوعان ما يتعلق بمواهب القربة قال تعالى {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} تفسير : [الأحزاب: 47]. اى قربا كبيرا فانه اكبر من الدنيا والآخرة وما يتعلق بمواهب الوصلة قال تعالى {أية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} تفسير : [الجمعة: 4] يعنى فضل مواهب الوصلة اعظم من الكل ولكل قسم من هذه الاقسام الثلاثة مقام فى الابتغاء. اما الذى يتعلق بالمصالح الاخروية وهو فضل الرحمة فمقام ابتغائه بترك الموجود وبذل المجهود وهو فى السير الى عرفات. واما الذى يتعلق بالله وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه عند الوقوف بعرفات وعرفات اشارة الى المعرفة وهى معظم اركان الوصلة. واما الذى يتعلق بالمصالح الدنيوية وهو فضل الرزق فمقام ابتغائه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الاضافة. ففى الآية تقديم وتأخير اى اذا افضتم من عرفات فليس عليكم الخ وذلك لان حال اهل السلوك فى البداية ترك الدنيا والتجريد عنها. وفى الوسط التوكل والتفريد. وفى النهاية المعرفة والتوحيد فلا يسلم الشروع فى المصالح الدنيوية الا لاهل النهاية لقوتهم فى المعرفة وعلو همتهم بان يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية ويملأها نورا بالالطاف الخفية فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العالية فلا يتصرفون فى شىء منها وتصرفهم بالله وفى الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين واصابة الخير الى الغير كذا فى التأويلات النجمية: قال فى المثنوى شعر : كارباركانرا قياس ازخودمكير كرجه ماند در نوشتن شير شير تفسير : اللهم اجعل ههممنا مقصورة على جنابك آمين.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في معنى هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وعائشة، وعطا، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): أنه أمر لقريش وخلفائهم، لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة، ولا يفيضون منها، ويقولون: نحن أهل حرم الله لا نخرج عنه، فكانوا يقفون بجمع ويفيضون منه، دون عرفة، فأمرهم الله تعالى أن يفيضوا من عرفة بعد الوقوف بها. والثاني - قال الضحاك، والجبائي وحكاه المبرد، لكنه اختار الأول، لأنه خطاب لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم (ع) من المزدلفة. والأول إجماع، وهذا شاذ، وليس لأحد أن يقول على الوجه الآخر: كيف يقال لابراهيم وحده الناس، وذلك أن هذا جائر كما قال: {أية : الذين قال لهم الناس}تفسير : وإنما كان واحداً بلا خلاف: وهو نعيم بن مسعود الاشجعي، وذلك مستعمل. وقيل إن إبراهيم لما كان إماماً، كان بمنزلة الأمّة التي تتبع في سنة. فان قيل: إذا كانت {ثم} للترتيب، فما معنى الترتيب ها هنا؟ قلنا: الذي رواه أصحابنا أن ها هنا تقديماً، وتأخيراً. وتقديره {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}. وقال قوم: المعنى {ثم أفيضوا} من المزدلفة. والذي أجاب به المتأوّلون: أن قالوا: رتبت الافاضة بعد المعنى الذي دل الكلام الأول عليه، كأنه قيل: أحرموا بالحج على ما بين لكم {ثم أفيضوا} يا معشر قريش {من حيث أفاض الناس} بعد الوقوف بعرفة. وهذا قريب مما قلناه. وإنما عدل الذي تأوّله على الافاضة من المزدلفة، لأنه رآه بعد قوله، فاذا أفضتم من عرفات، قال: فأمروا أن يفيضوا من المزدلفة بعد الوقوف بها، كما أمروا في عرفة، وقد بينا ترتيب الكلام في التأويل المختار. والاستغفار هو طلب المغفرة، كما أن الاستخبار: طلب السؤال. والمغفرة: التغطية للذنب بايجاب المثوبة. وقيل في معنى الاستغفار قولان: أحدهما - الحض عليه في تلك المواطن الشريفة، لأنها خليقة بالاجابة. الثاني - استغفروه لما سلف من مخالفتكم في الوقوف والافاضة، كما سنّه الله تعالى للناس عامة. والفرق بين غفور وغافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة، فأما غافر، فيستحق الصفة فيه بوقوع الغفران. والعفو هو المغفرة. وقد فرق بينهما بأن العفو ترك العقاب على الذنب، والمغفرة تغطية الذنب بايجاب المثوبة. ولذلك كثرت المغفرة في صفات الله تعالى, دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان كما يقال: استغفروا الله.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} يعنى افيضوا من عرفات والافاضة منها مستلزمة للوقوع فيها فكأنّه قال: قفوا بعرفات ثمّ افيضوا منها ولا تقتصروا على الوقوف بالمزدلفة والافاضة منها، فانّه انت قريش لا يرون للوقوف بعرفات فضلاً وكانوا يقفون بالمشعر الحرام وبه يفتخرون على النّاس فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالوقوت بعرفات والافاضة منها، وعلى هذا فالاتيان بثمّ للتّفاوت بين الامرين يعنى بعد ما علمتم الوقوف بالمزدلفة ينبغى لكم الوقوف بعرفات مثل النّاس فلا تستنكفوا منه ولا تفتخروا بالوقوف بالمزدلفة، وقيل: انّ الآية على التّقديم والتّأخير اى ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلاً من ربّكم ثمّ افيضوا من حيث افاض النّاس فاذا افضتم من عرفات، وروى عن الباقر (ع) أنّه قال: كانت قريش وحلفاؤهم من الحمس لا يقفون مع النّاس بعرفات ولا يفيضون منها ويقولون: نحن اهل حرم الله فلا نخرج من الحرم فيقفون بالمشعر ويفيضون منه فأمرهم الله ان يقفوا بعرفات ويفيضوا منها، وعن الحسين (ع) انّه قال: فى حجّ النّبىّ (ص) ثمّ غدا والنّاس معه وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهى جمع ويمنعون النّاس ان يفيضوا منها فأقبل رسول الله (ص) وقريش ترجوا ان تكون افاضته (ص) من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله، ثمّ أفيضوا من حيث أفاض النّاس يعنى ابراهيم (ع) واسماعيل (ع) واسحاق (ع)، ويجوز بحسب اللّفظ ان يكون المراد بالافاضة هاهنا الافاضة من المشعر الحرام بل لا تدلّ الآية بظاهرها الاّ عليه وفى تفسير الامام (ع) ما يدلّ عليه فانّ فيه {ثمّ افيضوا من حيث افاض النّاس} اى ارجعوا من المشعر الحرام من حيث رجع النّاس من جمع، قال والنّاس فى هذا الموضع الحاجّ غير الحمس فانّ الحمس كانوا لا يفيضون من جمع، وفيه دلالة على انّ جمعاً اسم لموضع خاصّ من المشعر وانّ المراد من الافاضة من حيث افاض النّاس الافاضة من موضع خاصّ من المشعر الحرام لكنّه مخالف لما روته العامّة والخاصّة من انّهم كانوا لا يفيضون من عرفات فأمرهم الله ان يقفوا بعرفات ثمّ يفيضوا منها {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} ممّا فعلتم بآرائكم الزّائغة وأهوائكم الباطلة من تغيير المناسك والاستنكاف من الوقوف بعرفات مثل النّاس {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر بعد الاستغفار والاعتراف والدّخول تحت طاعة خليفته الذّنوب والنّقائص الّلازمة لكم من انانيّتكم {رَّحِيمٌ} يرحمكم بعد مغفرتكم بفتح باب القلب وادخالكم فى دار رحمته.

فرات الكوفي

تفسير : { ثُمّ أفيضوا مِنْ حيثُ أفاضَ الناسُ199} فرات قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا أحمد بن صبيح عن الحسين بن علوان: عن جعفر عن أبيه [عن جدّه. ن] عن علي [بن الحسين] عليه السلام قال: قام رجلٌ إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الناس وأشباه الناس والنسناس؟ قال: فقال علي: أجبه يا حسن. قال: فقال له الحسن: سألت عن الناس فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {الناس} لأنّ الله تعالى يقول: {ثم افيضوا من حيث أفاض الناس} و نحن منه، وسألت عن أشباه الناس فهم شيعتنا وهم منّا وهم أشباهنا، وسألت عن النسناس فهم هذا السواد الأعظم وهو قول الله تعالى في كتابه {أية : إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل سبيلاً} تفسير : [44/ الفرقان].

الهواري

تفسير : قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهي الإِفاضة من عرفات. رجع إلى الإِفاضة من عرفات وهي قبل جمع. قال بعض المفسرين: كانت قريش وكل ابن أخت لهم وحليف لا يقفون بعرفة ويقولون: نحن أهل الله، لا نخرج من حرمه: وكانوا يفيضون من المشعر. وكان الناس في الجاهلية يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس، ومن جمع بعد طلوع الشمس، فخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدفعتين جميعاً؛ فأفاض من عرفة بعد غروب الشمس، ومن جمع قبل طلوع الشمس، وكانت تلك سنة إبراهيم وإسماعيل. قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}. ذكر بعض المفسّرين قال: كان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم ذكروا آباءهم وفعل آبائهم؛ به يخطب خطيبهم إذا خطب، وبه يحدّث محدثهم إذا حدّث، فأمرهم الله إذا قضوا مناسكهم أن يذكروه كذكرهم آباءهم أو أشد ذكراً [يعني بل أشد ذكراً]. قوله: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} وهم المشركون، ليس لهم هِمَّة إلا الدنيا. لا يسألون الله شيئاً إلا لها، ولا يدعونه أن يصرف عنهم سوءاً إلا لها، وذلك لأنهم لا يُقِرّون بالآخرة، ولا يؤمنون بها. وقد فسّرنا الخلاق قبل هذا الموضع. {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فهؤلاء المؤمنون. والحسنة في الدنيا، في تفسير الحسن، طاعة الله، وفي الآخرة الأجر، وهي الجنة. وبعضهم يقول: الحسنة في الدنيا كل ما كان من رخاء الدنيا، ومن ذلك الزوجة الصالحة. وهو الذي في أيدي العامة من التفسير.

اطفيش

تفسير : {ثُمّ أفِيضُوا}: خطاب لسائر المسلمين. {مِنْ حَيثُ أفاضَ النَّاسُ}: أى من موضع إفاضة الناس، وهو المشعر الحرام، أمرهم أن يفيضوا منه إلى منى فى طريق الأفاضة، كما أفاض الناس قبلكم: آدم وإبراهيم وإسماعيل وأتباعهم. وهذا ما ظهر لى، فتكون ثم على أصلها من الترتيب فى الزمان بلا مهلة لاتصال الإفاضة بالوقوف فى المشعر الحرام، أى بمهلة باعتبار مبتدأ الوقوف فيه، أو باعتبار التهيؤ للرحيل منه، ومرادى بالوقوف فيه الحصول فيه للعبادة، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين الذين أسلموا حادثاً، ومن لم يتعلم منهم أو خالف فى الإفاضة فيكون الناس: رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة المؤمنين ومن نحا نحوهم أو يكون الناس: رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيماً، أو لأنه إمام الناس أو الناس قريش ومن تبعهم، لأنهم كانوا يقفون فى المشعر الحرام لا فى عرفات، ثم يفيضون منه، ثم رأيت فى تفسير ابن جرير الطبرى كون الإفاضة من المشعر الحرام إلى منى كما ذكرت، والحمد لله، ورأيته أيضاً قولا فى تفسير القاضى، ومرادى به البيضاوى، حيث ذكرته، وهكذا حيث ذكرت أبا عبيدة فى أمر لغوى، فهو أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكذا إذا ذكره المخالفون كابن هشام فى المغنى وغيره، ووهم الشمنى فى حواشيه على المغنى، وقال إنه أبو عبيدة الإباضى ومدحه بالعلم الغزير، والتورع، وهو صادق فى مدحه، وحيث ذكرت أبا عبيدة فى الحديث فهو الإباضى المذكور، شيخ الربيع وتلميذ جابر بن زيد - رحمهم الله ورزقنا الاقتداء بهم - وقال الجمهور: المراد بالإفاضة الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام والخطاب لقريش، والناس هم النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، أو الناس مطلقاً، أو إبراهيم وإسماعيل وآدم وأتباعهم، أو العرب، وذلك أن قريشا كانوا يقفون بالمشعر الحرام، ولا يقفون مع الناس بعرفات، فأمرهم الله عز وجل أن يقفوا بها مع الناس، بأن أمرهم بالإفاضة منها، لأن الإفاضة منها فرع الحصول فيها، فاللفظ أمر باللازم، والمراد أمر الملزوم وهو الوقوف فيها، وكانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، ويقولون: أنحن أهل الله وقطان حرمه، فلا نخلف الحرم: ولا نخرج منه، ويتعاظمون أن يقفوا مع الناس، ومعنى لا نخلف الحرم لا نتركه خلفنا، وذلك أن المزدلفة من الحرم، وعرفات خارجة عنه، وكانوا يفيضون من المزدلفة إلى منى، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها كما هو سنة إبراهيم عليه السلام وغيره، وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها:حديث : أن قريشا كانوا هم ومن يدين بدينهم يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتى عرفات فيقف بها، ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}تفسير : : قال الشيخ هود: قال بعض المفسرين: كانت قريش وكل ابن أخت لهم وحليف لا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل الله لا نخرج من حرمه، وكانوا يفيضون من المشعر الحرام وكان الناس فى الجاهلية يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس، ومن جمع بعد طلوع الشمس فخالف رسول الله فى الدفعتين جمعياً فأفاض من عرفات بعد غروب الشمس، ومن جمع قبل طلوع الشمس، وكانت تلك سنة إبراهيم وإسماعيل، وقيل المراد الإفاضة من عرفات، والخطاب للمؤمنين، والناس آدم وإبراهيم وإسماعيل وأتباعهم وسائر العرب، أو جمع ذلك. وقيل المراد إبراهيم تعظيماً له، أو لأنه إمام الناس، وقيل آدم تعظيماً، أو لأنه أبو الناس، قرأ سعيد بن جبير من حيث أفاض الناس بكسر السين، وأصله الناسى حذفت الياء تخفيفاً كحذفها فى قوله عز وجل:{أية : الكبير المتعال}تفسير : وقرأ بعض بإثباتهما، والمراد فى هاتين القراءتين: آدم عليه السلام، وذلك أنه عهد إليه فنسى، وعلى كل حال فالمراد أن الوقوف بعرفات شرع قديم متبوع فاتبعوه ولا تتخلفوا عنه، وإن قلت: إذا قلنا المراد هنا الإفاضة من عرفات، تكرر مع قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} ولزم أن يكون الإفاضة من عرفات بعد المبيت بالمشعر الحرام، فيناقض قوله: {فإذا أفضتم} أو يفيد الوقوف بها مرتين. قلت لا يتكرر ذلك، لأن قوله: {أفضتم} إخبار مشروط و{أفيضوا} أمر ولا يلزم أن يكون وقوف عرفات بعد مبيت المشعر الحرام؛ لأن ثم حينئذ للترتيب الذكرى أو للتباعد المعنوى، فإن وقوف قريش بالمزدلفة والوقوف بعرفات متباعدان بالصواب والخطأ، فإن الوقوف بعرفات صواب، والوقوف بالمزدلفة يوم عرفة خطأ، وهذا كما تقول: تتصدق على الناس ثم لا تتصدق على والديك وأقاربك، وفيه تكلف سلم منه التفسير بالإفاضة من المزدلفة إلى منى وكذا إن قلنا ثم بمعنى الواو. {واسْتَغفِرُوا الله}: من جميع ذنوبكم، ومنها وقوف من يقف بالمزدلفة، ويترك عرفة وتغيير مناسك الحج. {إنَّ اللّهَ غَفُورٌ رحيمٌ}: لمن تاب. وحديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب عشية عرفة فقال: "أيها الناس إن الله عز وجل تطاول عليكم فى مقامكم هذا فقبل محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التباعات فيما بينكم أفيضوا على اسم الله" فلما كان غداة جمع خطب فقال: "أيها الناس إن الله تطاول عليكم فعوض التباعات من عنده، ومعنى وهب مسيئكم لمحسنكم أنه قبل توبة المسئ بسبب اجتماعه فى عرفات بالمحسن، ومعنى تعويض التباعات من عنده أنه يعوض لمن تاب ولم يجد خلاصاً من تباعات الناس من عنده لأصحاب التباعات ويرضيهم عنه ".

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أَفِيضُواْ} منها يا قريش ومن يكون معهم، والمفعلو به محذوف أى أنفسكم {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} سائر العرب والعجم أنفسهم، أو أفاض فى الموضعين موافق فاض، فهو لازم، والمراد الإفاضة من عرفات، والخطاب لقريش، والحكم عام، لأن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم، وقيل الضمير للعموم لا لقريش خاصة، فيدخلون بالأولى، قيل وهو أوضح، لأن الضمائر قبل وبعد للعموم، قلت يناسب خصوص قريش عموم إفاضة الناس وأنهم الذين لا يفيضون كما يفيض غيرهم، وقيل الناس إبراهيم، لأنه أبوهم والمعروف بالمناسك، وكرر الإفاضة من عرفات للتأكيد وليبين لهم أنهم ليسوا أولى من غيرهم، بل هم وغيرهم سواء، وإنما الشرف بالتقوى لا بالنسب والمكان، وكانوا يقولون نحن من ولد إبراهيم، إنا سكان الحرم وأهل الله فلا نخرج منه فيقفون بالمزدلفة منه وسائر الناس يقفون بعرفات خارجة عنه، أو أل للكمال أى أفاض الناس الكاملون فى شأن الوقوف، وهم الذين يقفون فى عرفات، فذلك ذم لقريش ومن ينحو نحوهم، ترفعوا فجازاهم الله بأنهم دون غيرهم لأنهم خالفوا موقف إبراهيم عليه السلام وغيرهم وافقه، وثم للترتيب فى الرتبة لا فى الزمان، يعنى أن الإفاضة من عرفات هى العالية لا الإفاضة من المزدلفة للواقف فيها دون عرفات، وقيل الإفاضة الثانية من المزدلفة إلى منى بعد الوقوف فى عرفات، وهو قول جماعة، وعليه الضحاك، ورجحه الطبرى، فيكون الخطاب للناس كلهم وقريش وغيرهم، أو لهم وفى حكمهم غيرهم، فالترتيب فى الزمان على أصله، أى من حيث أفاض الناس، الأوائل فيكم من لدن آدم، ومن لدن إبراهيم عليهما السلام لا تغيروه كما غيرته جاهليتكم إذ كنتم من قبل الهدى ضالين {وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ} من ضلالكم وتغييركم المناسك، وفيه دليل أن الكفار مخاطبون بالفروع وأنهم مؤاخذون على الذنوب {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن آمن واستغفر.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} أي من عرفة لا من ـ المزدلفة ـ والخطاب عام، والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف بجمع، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه: {ثُمَّ أَفِيضُواْ} الآية ومعناها: ثم أفيضوا أيها الحجاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديماً وحديثاً، وهو عرفة لا من مزدلفة، وجعل الضمير عبارة عن الحمس يلزم منه بتر النظم إذ الضمائر السابقة واللاحقة كلها عامة؛ والجملة معطوفة على قوله تعالى: {أية : فَإِذَا أَفَضْتُم} تفسير : [البقرة: 198] ولما كان المقصود من هذه التعريض كانت في قوة ثم لا تفيضوا من المزدلفة؛ وأتى ـ بِثُم ـ إيذاناً بالتفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب، والأخرى خطأ، ولا يقدح في ذلك أن التفاوت إنما يعتبر بين المتعاطفين لا بين المعطوف عليه وما دخله حرف النفي من المعطوف لأن الحصر ممنوع، وكذا لا يضر انفهام التفاوت من كون أحدهما مأموراً به، والآخر منهياً عنه كيفما كان العطف لأن المراد أن كلمة (ثم) تؤذن بذلك مع قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي، وجوز أن يكون العطف على ـ فاذكروا ـ ويعتبر التفاوت بين الإفاضتين أيضاً كما في السابق بلا تفاوت، وبعضهم جعله معطوفاً على محذوف أي: أفيضوا إلى منى ثم أفيضوا الخ وليس بشيء كالقول بأن في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ـ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واستغفروا وإذا أريد بالمفاض منه المزدلفة وبالمفاض إليه منى ـ كما قال الجبائي ـ بقيت كلمة (ثم) على ظاهرها لأن الإفاضة إلى منى بعيدة عن الإفاضة من ـ عرفات ـ لأن الحاج إذا إفاضوا منها عند غروب الشمس يوم عرفة يجيئون إلى المزدلفة ليلة النحر ويبيتون بها فإذا طلع الفجر وصلوا بغلس ذهبوا إلى قزح فيرقون فوقه أو يقفون بالقرب منه ثم يذهبون إلى وادي محسر ثم منه إلى منى، والخطاب على هذا عام بلا شبهة، والمراد من الناس الجنس كما هو الظاهر ـ أي من حيث أفاض الناس كلهم قديماً وحديثاً، وقيل: المراد بهم إبراهيم عليه السلام وسمي ناساً لأنه كان إماماً للناس، وقيل: المراد هو وبنوه، وقرىء (الناس) بالكسر أي الناسي والمراد به آدم عليه السلام لقوله تعالى في حقه: {أية : فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 115] وكلمة ـ ثم ـ على هذه القراءة للإشارة إلى بعد ما بين الإفاضة من عرفات والمخالفة عنها بناءاً على أن معنى ثم أفيضوا عليها ثم لا تخالفوا عنها لكونها شرعاً قديماً كذا قيل فليتدبر {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} من جاهليتكم في تغيير المناسك ونحو {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} للمستغفرين {رَّحِيمٌ} بهم منعم عليهم.

ابن عاشور

تفسير : الذي عليه جمهور المفسرين أن ثم للتراخي الإخباري للترقى في الخبر وأن الإفاضة المأمور بها هنا هي عين الإفاضة المذكورة في قوله تعالى: { أية : فإذا أفضتم من عرفات } تفسير : [البقرة: 198] وأن العطف بثم للعودة إلى الكلام على تلك الإفاضة. فالمقصود من الأمر هو متعلق {أفيضوا} أي قوله: {من حيث أفاض الناس} إشارة إلى عرفات فيكون متضمناً الأمر بالوقوف بعرفة لا بغيرها إبطالاً لعمل قريش الذين كانوا يقفون يوم الحج الأكبر على (قُزَح) المسمى بجمع وبالمشعر الحرام فهو من المزدلفة وكان سائر العرب وغيرهم يقف بعرفات فيكون المراد بالناس في جمهورهم من عدا قريشاً. عن عائشة أنها قالت: كانت قريش ومن دَان دينها يقفون بيوم عرفة في المزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} اهــــ فالمخاطب بقوله: {أفيضوا} جميع المسلمين والمراد بالناس عموم الناس يعني من عدا قريشاً ومن كان من الحمس الذين كانوا يفيضون من المزدلفة وهم قريش ومن ولدوا وكنانة وأحلافهم. روى الطبري عن ابن أبي نجيح قال: كانت قريش لا أدري قبل الفيل أم بعده ابتدعت أمر الحمس رأياً قالوا: نحن ولاة البيت وقاطنو مكة فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا فلا تعظموا شيئاً من الحللِ كما تعظمون الحرم ـــ يعني لأن عرفة من الحل ـــ فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرَمكم وقالوا: قد عظموا من الحل مثلَ ما عظموا من الحرم فلذلك تركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك اهــــ، يعني فكانوا لا يفيضون إلاّ إفاضة واحدة بأن ينتظروا الحجيج حتى يردوا من عرفة إلى مزدلفة فيجتمع الناس كلهم في مزدلفة ولعل هذا وجه تسمية مزدلفة بجمع، لأنها يجمع بها الحمس وغيرهم في الإفاضة فتكون الآية قد ردت على قريش الاقتصار على الوقوف بمزدلفة. وقيل: المراد بقوله: {ثم أفيضوا} الإفاضة من مزدلفة إلى منى، فتكون (ثم) للتراخي والترتيب في الزمن أي بعد أن تذكروا الله عند المشعر الحرام وهي من السنة القديمة من عهد إبراهيم - عليه السلام - فيما يقال، وكان عليها العرب في الجاهلية وكانت الإجازة فيها بيد خُزاعة ثم صارت بعدهم لبني عَدْوان من قيس عَيلان، وكان آخرُ من تولى الإجازة منهم أبا سَيَّارة عُمَيلة بن الأعزل أجاز بالناس أربعين سنة إلى أن فتحت مكة فأبطلت الإجازة وصار الناس يتبعون أمير الحج، وكانوا في الجاهلية يخرجون من مزدلفة يوم عاشر ذي الحجة بعد أن تطلع الشمس على ثَبير وهو أعلى جبلٍ قُرب منى وكان الذي يُجيز بهم يقف قبيل طلوع الشمس مستقبل القبلة ويدعو بدعاء يقول فيه: «اللهم بَغِّض بين رعائنا، وحَبِّب بين نسائنا، واجعل المال في سُمَحائنا، اللهم كن لنا جاراً ممن نخافه، أَوْفُوا بعهدكم، وأكرموا جاركم، واقروا ضيفكم»، فإن قرب طلوع الشمس قال: «أَشْرِقْ ثَبير كيما نُغير» ويركب أبو سيارة حماراً أسود فإذا طلعت الشمس دَفَع بهم وتبعه الناس وقد قال في ذلك راجزهم: شعر : خَلُّوا السبيلَ عن أبي سَيَّارهْ وعن مَواليه بني فَزارهْ حتَّى يُجيز سالماً حِمارَه مستقبل القبلةِ يَدْعو جَارهْ تفسير : أي يدعو الله تعالى لقوله: اللهم كن لنا جاراً ممن نخافه. فقوله: {من حيث أفاض الناس} أي من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة. وعبر عنه بذلك لأن العرب كلهم يجتمعون في مزدلفة، ولولا ما جاء من الحديث لكان هذا التفسير أظهر لتكون الآية ذكرت الإفاضتين بالصراحة وليناسب قوله بعد: { أية : فإذا قضيتم مناسككم } تفسير : [البقرة: 200]. وقوله: {واستغفروا الله} عطف على {أفيضوا من حيث أفاض الناس} أمرهم بالاستغفار كما أمرهم بذكر الله عند المشعر الحرام. وفيه تعريض بقريش فيما كانوا عليه من ترك الوقوف بعرفة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}. لم يبين هنا المكان المأمور بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظه حيث، التي هي كلمة تدل على المككان، كما تدل حين على الزمان. ولكنه يبين ذلك بقوله: {أية : فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} تفسير : [البقرة: 198] الآية. وسبب نزولها أن قريشاً كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون: نحن قطان بيت الله، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛ لأن عرفات خارج عن الحرم وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر الله النَّبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش. وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه الإجماع، وعليه فلفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة، وترتيبها عليها في مطلق الذكر، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} تفسير : [البلد: 13-17]. وقول الشاعر: شعر : إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده تفسير : وقال بعض العلماء: المراد بقوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ} الآية. أي: من مزدلفة إلى منى، وعليه فالمراد بالناس إبراهيم. قال ابن جرير في هذا القول: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.

الواحدي

تفسير : {ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض الناس} يعني: العرب وعامِّة النَّاس إلاَّ قريشاً، وذلك أنَّهم كانوا لا يقفون بعرفات وإنَّما يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفاتٍ، كما يقف سائر النَّاس حتى تكون الإفاضة معهم منها. {فإذا قضيتم مناسككم} أَيْ: فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحجِّ {فاذكروا الله كذكركم آباءَكم} كانت العرب إذا فرغوا من حجِّهم ذكروا مفاخر آبائهم، فأمرهم الله عزَّ وجلَّ بذكره {أو أشدَّ ذكراً} يعني: وأشدَّ ذكراً {فمن الناس...} الآية، وهم المشركون كانوا يسألون المال والإبل والغنم، ولا يسألون حظَّاً في الآخرة؛ لأَنهم لم يكونوا مؤمنين بها، والمسلون يسألون الحظَّ في الدُّنيا والآخرة، وهو قوله: {ومنهم مَنْ يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة...} الآية. [ومعنى: {في الدنيا حسنة} : العمل بما يرضي الله، {وفي الآخرة حسنة}: الجنة]. {أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا} أَيْ: ثوابُ ما عملوا {والله سريعُ الحساب} مع هؤلاء؛ لأنَّه يغفر سيئاتهم ويضاعف حسناتهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (199) - رَوَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشاً وَمَنْ وَالاَهَا مِنْ كِنَانَةَ وَجُدَيْلَةَ وَقَيْسٍ، كَانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ تَرَفُّعاً عَنْ الوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ فِي عَرَفَاتٍ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ بِالحُمُسِ، أَيِ الشَّدِيدِي التَّصَلُّبِ فِي الدِّينِ، أَمَّا سَائِرُ العَرَبِ فَتَقِفُ فِي عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ الكَرِيمَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِهَا مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنينَ بِالاسْتِغْفَارِ، وَبِذِكْرِ اللهِ فِي هذِهِ الأَمَاكِنِ المُبَارَكَةِ.

الجيلاني

تفسير : {ثُمَّ} لما تم توجهكم ووقوفكم بعرفة الذات وتحققكم بها {أَفِيضُواْ} منها {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} إلى المرابت المترتبة إلى الصفات {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} المحيط بكم فيها {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} ساتر لرتبكم وتعيناتكم {رَّحِيمٌ} [البقرة: 199] لكم بإيصالكم إلى مبدئكم الأصلي. {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} المأمور لكم من الاجتناب عن مقتضيات الحياة الطبيعية والاتصاف بمقتضيات المعين الحقيقية {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} الهادي لكم إلى هذه المرتبة {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} بلا ترددٍ وتشكيكٍ {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} بل ذكر الله أشد في الوضوع من ذكر الآباء؛ إذ يجري فيه التشكيك بخلاف ذكر الله المتفرع على الشهود، المستتبع للفناء فيه، فإنه خال عن وصمة الريب {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن} يحصر التوجه والرجوع إلى الله والمناجاة معه للنشأة الأولى، و{يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} ما نحن محتاجون إليها من أمور المعاش {وَ} هو إن وصل إلى مبتغاه في الدنيا {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 200] نصيبٍ؛ لصرفه استعداده إلى ما لا يغنيه بل يضره. {وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ} جامعاً بين الظاهر والباطن والأولى والأخرى: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} ترضى بها عنا فيها {وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} توصلنا إلى توحيدك {وَقِنَا} بلطفك {عَذَابَ ٱلنَّارِ} [البقرة: 201] أي: الإمكان المحوج إلى الذات الوهمية. {أُولَـٰئِكَ} الموفون الموحدون الجامعون بين مرتبتي الظاهر والباطن {لَهُمْ نَصِيبٌ} حظ كامل {مِّمَّا كَسَبُواْ} في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة من المعارف اللدنية والكشوف الإلهية {وَٱللَّهُ} المحيط وبضمائرهم {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [البقرة: 202] يحاسبهم ويجازيهم على ما كسبوا.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [199] 54- / أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا أبو معاوية، نا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت قريش تقف بالمُزدلفة، ويُسمون الحُمْس، وسائر العرب تقف بعرفة، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقف بعرفة، ثم يدفع منها، فأنزل الله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}.

همام الصنعاني

تفسير : 230- عبد الرزاق: قال: حدَّثنا معمر، عن الزهري، قال: كان الناس يقفون بعرفة إلا قريشاً وأحلافها وهم الحُمس فقال بعضهم لبعض: لا تعظموا إلا الحرم فإنكم إن عظمتم غير الحرم، أوشك الناسُ أن يتهاونوا بحرمكم فقصروا عن مواقف الخلق، فوقفوا بجميع فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات، فلذلك قال الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}: [الآية: 199]. 231- عبد الرزاق، قال معمر، وأخبرني أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو: أن جبريل عليه السلام وقف بإبراهيم عليه السلام بعرفات. 232- قال معمر: وأخبرني سليمان التيمي أنه سمع نُعَيْم بن أبي هند، قال: لما وقف جبريل بإبراهيم بعرفة ق ال: عرفت فَسُمِّيَت عَرَفات.