٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
200
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم، ويتناشدون فيها الأشعار، ويتكلمون بالمنثور من الكلام، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم، وروى القفال في «تفسيره» عن ابن عمر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «حديث : أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا {رَّحِيمٌ يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } [الحجرات: 13] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم»تفسير : وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول: اللهم إن أبـي كان عظيم الجفنة، عظيم القدر، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فأنزل الله تعالى هذه الآية. المسألة الثانية: اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس، فالمراد به الإتمام والفراغ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام، نظير الأول قوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 12] {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ } تفسير : [الجمعة: 10] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : وما فاتكم فاقضوا»تفسير : ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما، ونظير الثاني قوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ } تفسير : [الإسراء: 23] وإذا استعمل في الإعلام، فالمراد أيضاً ذلك كقوله: {أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الإسراء: 4] يعني أعلمناهم. إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ } لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصاً وذكر كثير منه قد تقدم من قبل، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد: اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ } مشعر بالفراغ والاتمام من الكل، وهذا مفارق لقول القائل: إذا حججت فقف بعرفات، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج. المسألة الثالثة: «المناسك» جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، وإن جعلنها جمع منسك الذي هو موضع العبادة، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمال مناسككم، فيكون من باب حذف المضاف. إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: المراد من المناسك ههنا ما أمر الله تعالى به الناس في الحج من العبادات، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء. المسألة الرابعة: الفاء في قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } يدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو؟ فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشريق، على حسب اختلافهم في وقته أولاً وآخراً، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات، ومنهم من قال: بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة، فكأنه تعالى قال: فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء، ومنهم من قال: بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال، والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والإنقطاع إلى الله تعالى، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من الاشتغال بهذه العبادة: قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصوداً بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال الله، والتقدير: فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار والثاني استنارة القلب بذكر الملك الجبار. أما قوله تعالى: {كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ } ففيه وجوه أحدها: وهو قول جمهور المفسرين: أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَأَبَاءَكُمْ } يعني توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء وابذلوا جهدكم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذباً فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة وإن كان صدقاً فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور، وكل ذلك من أمهات المهلكات، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من اشتغالكم بمفاخر آبائكم، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي وثانيها: قال الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] قالوا وهو قول الصبـي أول ما يفصح الكلام أبه أبه، أمه أمه، أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبـي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه وثالثها: قال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله ورابعها: قال ابن الأنباري في هذه الآية: إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبـي وأبيكم وجدي وجدكم، فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آبائكم وخامسها: قال بعض المذكورين: المعنى اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك، وهذا هو المراد بقوله: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } وسادسها: أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكراً له بالتعظيم، فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك وسابعها: يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكرهم إلى إجابة الدعاء عند الله فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يحلفوا بآبائهم فقال: «حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»تفسير : إذا كان ما سوى الله فإنما هو لله وبالله فالأولى تعظيم الله تعالى ولا إله غيره وثامنها: روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: هو أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء. واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين. أما قوله تعالى: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: عامل الإعراب في {أَشَدَّ } قيل: الكاف، فيكون موضعه جراً وقيل: {ٱذْكُرُواْ } فيكون موضعه نصباً، والتقدير: اذكروا الله مثل ذكركم آباءكم، واذكروه {أَشَدَّ ذِكْرًا } من آبائكم. المسألة الثانية: قوله: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } معناه: بل أشد ذكراً، وذلك لأن مفاخر آبائهم كانت قليلة، أما صفات الكمال لله عز وجل فهي غير متناهية، فيجب أن يكون اشتغالهم بذكر صفات الكمال في حق الله تعالى أشد من اشتغالهم بذكر مفاخر آبائهم، قال القفال رحمه الله: ومجاز اللغة في مثل هذا معروف، يقول الرجل لغيره: افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه، لا يريد به التشكيك، إنما يريد به النقل عن الأول إلى ما هو أقرب منه. في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر، فقال: {أية : فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } تفسير : [البقرة: 198] ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره، وأن يقتصر على ذكره فقال: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا } وما أحسن هذا الترتيب، فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لا بد من الإشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقاً بالذكر كما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] ثم قال: {أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [الشعراء:83] فقدم الذكر على الدعاء. إذا عرفت هذا فنقول: بين الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان أحدهما: أن يكون دعاؤهم مقصوراً على طلب الدنيا والثاني: الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، وقد كان في التقسيم قسم ثالث، وهو من يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا؟ والأكثرون على أنه غير مشروع، وذلك أن الإنسان خلق محتاجاً ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة، روى القفال في «تفسيره» عن أنس أن النبـي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض، فقال: ما كنت تدعو الله به قبل هذا قال: كنت أقول. اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا، فقال النبـي عليه السلام: «حديث : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت {رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [البقرة:201] »تفسير : قال فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفي. واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن، أو على منبت شعرة واحدة، لشوش الأمر على الإنسان وصار بسببه محروماً عن طاعة الله تعالى وعن الاشتغال بذكره، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله تعالى في أولاه وعقباه، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير جائز، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين، وأهمل هذا القسم الثالث. المسألة الثانية: اختلفوا في أن الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟ فقال قوم: هم الكفار، روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم أرزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماء، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة، وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والمعاد، وعن أنس كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر، فأخبر الله تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة، أي لا نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب، نقل عن الشيخ أبـي علي الدقاق رحمه الله أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله في الدنيا، طلباً للمأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة، وقال آخرون: هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون الله لدنياهم، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب حيث سألوا الله تعالى في أعظم المواقف، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها الفاني، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة، وقد يقال لمن فعل ذلك إنه لا خلاق له في الآخرة، وإن كان الفاعل مسلماً، كما روى في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [آل عمران: 77] أنها نزلت فيمن أخذ مالاً بيمين فاجرة، روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم، «حديث : إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم»تفسير : ثم معنى ذلك على وجوه أحدها: أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب والثاني: لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو الله عنه والثالث: لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل الله لآخرته، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالاً بيمين فاجرة كخلاق من تورع عن ذلك والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا } حذف مفعول {أَتَـٰنَا } من الكلام لأنه كالمعلوم، واعلم أن مراتب السعادات ثلاث: روحانية، وبدنية، وخارجية أما الروحانية فإثنان: تكميل القوة النظرية بالعلم، وتكميل القوة العملية بالأخلاق الفاضلة، وأما البدنية فإثنان: الصحة والجمال، وأما الخارجية فإثنان: المال، والجاه، فقوله: {آتنا في الدنيا} يتناول كل هذه الأقسام فإن العلم إذا كان يراد للتزين به في الدنيا والترفع به على الأقران كان من الدنيا، والأخلاق الفاضلة إذا كانت تراد للرياسة في الدنيا وضبط مصالحها كانت من الدنيا، وكل من لا يؤمن بالبعث والمعاد فإنه لا يطلب فضيلة لا روحانية ولا جمسانية إلا لأجل الدنيا، ثم قال تعالى في حق هذا الفريق {وما لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } أي ليس له نصيب في نعيم الآخرة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الآخرة من نصيب } تفسير : [الشورى: 20] ثم إنه تعالى لم يذكر في هذه الآية أن الذي طلبه في الدنيا هل أجيب له أم لا؟ قال بعضهم: إن مثل هذا الإنسان ليس بأهل للإجابة لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح فلا تثبت إلا لمن كان ولياً لله تعالى مستحقاً للكرامة لكنه وإن لم يجب فإنه ما دام مكلفاً حيا فالله تعالى يعطيه رزقه على ما قال: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6] وقال آخرون إن مثل هذا الإنسان قد يكون مجاباً، لكن تلك الإجابة قد تكون مكراً واستدراجاً. أما قوله تعالى: {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } فالمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها: أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة، والأمن، والكفاية والولد الصالح، والزوجة الصالحة، والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق، وما أشبهه «حسنة» فقال: {أية : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } تفسير : [التوبة: 50] وقيل في قوله: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ } تفسير : [التوبة: 52] أنهما الظفر والنصرة والشهادة، وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثواب، والخلاص من العقاب، وبالجملة فقوله: {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً } كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة، روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا، فقال: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» قالوا: زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون؟ قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه وثانيها: أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله وبالأنس به وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلاً دعا ربه فقال في دعائه: {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئاً من أمر الدنيا، فقال بعض الصحابة: بلى يا رسول الله إنه قال: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه يقول: آتنا في الدنيا عملا صالحاً تفسير : وهذا متأكد بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } تفسير : [الفرقان: 74] وتلك القرة هي أن يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية وثالثها: قال قتادة: الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين، وعن الحسن: الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى، وفي الآخرة الجنة، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لو قيل، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات، ولكنه قال: {آتنا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً} وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة، فلذلك اختلف المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة. فإن قيل: أليس أنه لو قيل: آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولاً لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير؟ قلت: الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن يقول: اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول: اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقاً لقضائك وقدرك فأعطني ذلك، فلو قال: اللهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما، وقد بينا أنه غير جائز، أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين. أما قوله تعالى: {أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ } فيه قولان أحدهما: إنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال: {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ }. والقول الثاني: أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه، فمن أنكر البحث وحج التماساً لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك والله مجازيه، أو يكون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصيب مثله في دنياه كما قال: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الأَخِرةِ مِنْ نَصيب} تفسير : [الشورى: 20]. أما قوله تعالى: {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: قوله: {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } يجري مجرى التحقير والتقليل فما المراد منه؟ الجواب: المراد: لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم فقوله: {مِنْ } في قوله: {مِمَّا كَسَبُواْ } لابتداء الغاية لا للتبعيض. السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل؟ الجواب: نعم. ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي. السؤال الثالث: ما الكسب؟ الجواب: الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون كسبه ومكتسبه، بشرط أن يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح: إنها كسب فلان، وأنه كثير الكسب أو قليل الكسب، لأن لا يراد إلا الربح، فأما الذي يقوله أصحابنا من أن الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب القديمة في الكلام. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } ففيه مسائل. المسألة الأولى: {سَرِيعُ } فاعل من السرعة، قال ابن السكيت: سرع يسرع سرعاً وسرعة فهو سريع {وَٱلْحِسَابَ } مصدر كالمحاسبة، ومعنى الحساب في اللغة العد يقال: حسب يحسب حساباً وحسبة وحسبا إذا عد ذكره الليث وابن السكيت، والحسب ما عد ومنه حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره، والاحتساب الاعتداد بالشيء، وقال الزجاج: الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم: حسبك كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حساباً لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان. المسألة الثانية: اختلف الناس في معنى كون الله تعالى محاسباً لخلقه على وجوه أحدها: أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم، بمعنى أنه تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، وبمقادير ما لهم من الثواب والعقاب، قالوا: ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه، فاطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقاً لاسم السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور، ونقل عن ابن عباس أنه قال: إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى ويعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم. والقول الثاني: أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى: {أية : وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً } تفسير : [الطلاق: 8] ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة. والقول الثالث: أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من الثواب والعقاب فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال إنه صوت قال إنه تعالى يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه تعالى محاسباً لخلقه. المسألة الثالثة: ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوهاً أحدها: أن محاسبته ترجع إما إلى أنه يخلق علوماً ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من الثواب أو إلى أنه يخلق سمعاً في أذن كل مكلف يسمع به الكلام القديم، أو إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتاً دالاً على مقادير الثواب والعقاب وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسباً إلى أنه تعالى يخلق شيئاً، ولما كانت قدرة الله تعالى متعلقة بجميع الممكنات، ولا يتوقف تخليقه وإحداثه على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ولا يشتغله شأن عن شأن لا جرم كان قادراً على أن يخلق جميع الخلق في أقل من لمحة البصر وهذا كلام ظاهر، ولذلك ورد في الخبر أن الله تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة وثانيها: أن معنى كونه تعالى: {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العد واتصل الحساب، فأعلم الله تعالى أنه {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي هو عالم بجملة سؤالات السائلين، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد، ولا إلى فكرة وروية، وهذا معنى الدعاء المأثور «يا من لا يشغله شأن عن شأن» وحاصل الكلام في هذا القول أن معنى كونه تعالى {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } كونه تعالى عالماً بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ووجه المجاز فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب وثالثها: أن محاسبة الله سريعة بمعنى آتية لا محالة.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} قال مجاهد: المناسك الذبائح وهِراقة الدماء. وقيل: هي شعائر الحج؛ لقوله عليه السلام: «حديث : خذوا عني مناسككم»تفسير : . المعنى: فإذا فعلتم منسكاً من مناسك الحج فٱذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم. وأبو عمرو يُدغم الكاف في الكاف، وكذلك {مَّنَاسِكَكُمْ}، لأنهما مثلان. و «قضيتم» هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ}تفسير : [الجمعة: 10] أي أدّيتم الجمعة. وقد يعبّر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها. الثانية: قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} كانت عادة العرب إذا قضت حجّها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك؛ حتى أن الواحد منهم ليقول: اللَّهُمّ إن أبِي كان عَظيمَ القُبّة، عظيمَ الجَفْنَة، كثير المال؛ فأعطني مثل ما أعطيته؛ فلا يذكر غير أبيه؛ فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية. هذا قول جمهور المفسرين. وقال ٱبن عباس وعطاء والضحاك والربيع: معنى الآية وٱذكروا الله كذكر الأطفال آبائهم وأمهاتهم: أَبَه أُمّه؛ أي فٱستغيثوا به وٱلجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم. وقالت طائفة: معنى الآية ٱذكروا الله وعظموه وذُبُّوا عن حُرَمه، وٱدفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره؛ كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غَضّ أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتَذُبُّون عنهم. وقال أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عُصِيَ أشدّ من غضبك لوالديك إذا شُتِما. والكاف من قوله {كَذِكْرِكُمْ} في موضع نصب؛ أي ذكراً كذكركم. {أَوْ أَشَدَّ} قال الزجاج: «أو أشد» في موضع خفض عطفاً على ذكركم، المعنى: أو كأشدّ ذكراً، ولم ينصرف لأنه «أفعل» صفة، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أو ٱذكروه أشدّ. و «ذِكْراً» نصب على البيان. قوله تعالى: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} «مِن» في موضع رفع بالابتداء، وإن شئت بالصفة. «يقول ربنا آتنا في الدنيا» صلة «من»، والمراد المشركون. قال أبو وائل والسدّي وٱبن زيد: كانت العرب في الجاهلية تدعوا في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدوّ، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنُهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم. ويجوز أن يتناول هذا الوعيدُ المؤمنَ أيضاً إذا قَصر دعواته في الدنيا؛ وعلى هذا فـ {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أي كخلاق الذي يسأل الآخرة. والخلاق النصيب. و «من» زائدة وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ} فإذا قضيتم العبادات الحجية وفرغتم منها. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ} فاكثروا ذكره وبالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة. وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم. {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} إما مجرور معطوف على الذكر يجعل الذكر ذاكراً على المجاز والمعنى: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه وأبلغ. أو على ما أضيف إليه على ضعف بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكراً. وإما منصوب بالعطف على آباءكم وذكراً من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشد مذكورية من آبائكم. أم بمضمر دل عليه المعنى تقديره: أو كونوا أشد ذكراً لله منكم آبائكم. {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ} تفصيل للذاكرين إلى مقل لا يطلب بذكر الله تعالى إلا الدنيا ومكثر يطلب به خير الدارين، والمراد الحث على الإكثار والإِرشاد إليه. {رَبَّنَا ءاتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا {وَمَا لَهُ فِي ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} أي نصيب وحظ لأن همه مقصور بالدنيا، أو من طلب خلاق.
ابن كثير
تفسير : يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: {كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ} اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج عن عطاء: هو كقول الصبي: أبه أمه، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم، فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس، وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}، قال ابن أبي حاتم: وروى السدي، عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة. والله أعلم، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل، ولهذا كان انتصاب قوله: أو أشد ذكراً على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً، وأو ـ ههنا ـ لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: {أية : فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}تفسير : [البقرة: 74] وقوله: {أية : يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}تفسير : [النساء: 77] {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونٍَ}تفسير : [الصافات: 147] {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9] فليست ههنا للشك قطعاً، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك، أو أزيد منه، ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلاَْخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم التنفير عن التشبه بمن هو كذلك، قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} فأنزل الله: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار، فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا؛ من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام. وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وجسداً صابراً، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار، ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»تفسير : وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: يقول: «حديث : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»تفسير : وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة، دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء، دعا بها فيه، ورواه مسلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد، يعني أبا طالوت، قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: «حديث : اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» تفسير : وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام، فادع الله لهم، فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور؟ إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله. وقال أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟»تفسير : قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سبحان الله لا تطيقه، أو لا تستطيعه، فهلا قلت: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}»تفسير : قال: فدعاه الله فشفاه، انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي به. وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله ابن السائب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، وفي سنده ضعف، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان عن إبراهيم بن سليمان عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكاً يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}»تفسير : وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ } أديتم {مَّنَٰسِكَكُمْ } عبادات حجكم بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } بالتكبير والثناء {كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } كما كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } من ذكركم إياهم ونُصِبَ( أشدّ) على الحال من( ذكراً) المنصوب (باذكروا) إذ لو تأخر عنه لكان صفة له {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا } نصيبنا {فِى ٱلدُّنْيَا } فيؤتاه فيها {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍ } نصيب.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِكَكُمْ} أما المناسك، فهي المتعبدات، وفيها ها هنا تأويلان: أحدهما: أنها الذبائح، وهذا قول مجاهد. والثاني: ما أمروا بفعله في الحج، وهذا قول الحسن البصري. وفي قوله تعالى: {فَاذْكُرُواْ اللهَ} تأويلان: أحدهما: أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى. والثاني: أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها. وفي قوله تعالى: {كَذِكْرِكُمْ ءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم، فأنزل الله تعالى ذكره {فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}، وهذا قول مجاهد، وقتادة. والثاني: أن معناه، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء، إذا قالوا: أبَهْ أُمَّه، وهذا قول عطاء، والضحاك. والثالث: أنهم كانوا يدعون، فيقول الواحد منهم: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبّة، كثير المال، فاعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فأُمِرُوا بذكر الله، كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً، وهو قول السدي. قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً} فيها أربعة تأويلات: أحدها: أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة، وهو قول قتادة. والثاني: أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة، وهو قول أكثر أهل العلم. والثالث: أن الحسنة في الدنيا العلمُ، والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وهو قول الحسن، والثوري. والرابع: أن الحسنة في الدنيا المال، وفي الآخرة الجنة، وهو قول ابن زيد، والسدي.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّنَاسِكَكُمْ} الذبائح، أو ما أُمرتم به في الحج، والمناسك المتعبدات. {فاذْكُرُواْ اللَّهَ} بالتكبير أيام منى، أو بجميع ما سُّن من الأدعية بمواطن الحج كلها. {كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ} كانوا إذا فرغوا من الحج جلسوا بمنى وافتخروا بمناقب آبائهم فنزلت، أو كذكر: الصغير لأبيه إذا قال: يا بابا، أو كان أحدهم يقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة عظيم القبة كثير المال فاعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {فإذا قضيتم مناسككم} أي فرغتم من حجكم وعبادتكم وذبحتم نسائككم أي ذبائحكم وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى {فاذكروا الله} يعني التحميد والتمجيد والتهليل والتكبير والثناء عليه {كذكركم آباءكم} قال أهل التفسير، كانت العرب في الجاهلية إذا فرغوا من حجهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، وقيل: عند البيت فيذكرون مفاخر آبائهم ومآثرهم وفضائلهم ومحاسنهم ومناقبهم، فيقول أحدهم: كان أبي كبير الجفنة رحب الفناء يقرى للضيف وكان كذا وكذا يعد مفاخره ومناقبه ويتناشدون الأشعار في ذلك ويتكلمون بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح وغرضهم الشهرة والسمعة والرفعة بذكر مناقب سلفهم وآبائهم، فلما من الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لله لا لآبائهم قال: اذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبهم وأحسنت إليكم وإليهم قال ابن عباس: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء وذلك أن الصبي أول ما يفصح بالكلام ويقول: أبه أمه لا يعرف غير ذلك فأمرهم أن يذكروه كذكر الصبيان الصغار الآباء {أو أشد ذكراً} أي بل أشد ذكراً، وقيل: أو بمعنى الواو أي وأشد ذكراً أي وأكثر ذكراً للآباء لأنه هو المنعم عليهم وعلى الآباء، فهو المستحق للذكر والحمد مطلقاً، وسئل ابن عباس عن هذه الآية قيل له قد يأتي على الرجل اليوم لا يذكر فيه أباه فقال: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله عز وجل إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتما {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} يعني أن المشركين كانوا يسألون الله في حجهم للدنيا، ونعيمها كانوا يقولون: اللهم أعطنا إبلاً وغنماً وبقراً وعبيداً وإماء وكان أحدهم بقوم فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الفئة كبيراً الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته. قال قتادة: هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق ولها عمل ونصب (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط تعس، وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" تفسير : قوله: تعس عبد الدينار هذا دعاء عليه بالهلاك وهو الوقوع على الوجه من العثار والخميصة ثوب من خز أو صوف معلم، وقوله وانتكس هذا دعاء عليه أيضاً لأن من انتكس على رأسه أو في أمره فقد خاب، وخسر وقوله وإذا شيك هذا فعل ما لم يسم فاعله، تقول شاكته الشوكة إذا دخلت في جسمه والانتقاش إخراج الشوكة من الجسم وإنما كان سؤال المشركين للدينار ولم يطلبوا التوبة والمغفرة ونعيم الآخرة لأنهم كانوا ينكرون البعث {وما له في الآخرة من خلاق} أي وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ...}. المراد: القضاء المطلق اللّغوي وهو فعل (العبادة) سواء كان في وقتها أو بعد وقتها، أي إذا فرغتم من حجكم. قوله تعالى: {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً...}. الأشدية إما في القدر أو باعتبار حضور النيّة فالمراد إما الإكثار من ذكره أو كمال الحضور والإخلاص في ذكره. وفي إعرابه ستة أوجه. قال الزّمخشري: "أَشَدّ" معطوف على ما أضيف إليه الذكر في قوله {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ}. قال الطيبي: وضعفه بعضهم لأن فيه العطف على (المضمر المخفوض) من غير إعادة الخافض. قال ورد قراءة من قرأ {أية : تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ}تفسير : بالخفض أقبح رد. قال ابن عرفة: وهذا إما كفر أو معصية لأنها قراءة حمزة. قال ابن عرفة: ومنهم من فرق بين العطف على الضمير المجرور بالحرف وبين العطف على المخفوض (بالإضافة) فأجاز العطف على المضاف من غير إعادة الخافض. قال الزّمخشري: كما تقول (كذكر) قريش آباءهم أو قوما أشد منهم ذكرا. قال: ويكون "أشد" في موضع نصب عطفا على "(آبَاءَكُمْ) أَوْ أَشَدّ ذِكْرا" من آبائكم على أن "ذِكْرا" من فعل المذكور. واختلف في تفسيره فقال أبو حيان: معناه أنك إذا عطفت "أشَدّ" على "آبَاءَكُمْ" كان التقدير: أو قوما أشَدّ ذِكْرا من آبائكم فالقوم مذكورون والذكر الذي هو (تمييز) (بعد) أشَدّ هو من فعلهم أي وفعل القوم المذكورين لأنه جاء بعد أفعل الذي هو صفة للقوم أي أو قوما أشَدّ ذِكْرا من ذكركم لآبائكم. قال ابن عرفة: فمعناه عنده أو كذكركم قوما ذاكرين الله بذكر هو أشد ذكرا، أي بذكر هو أشد من الأذكار التي تذكرون بها آباءكم، فجعل القوم المذكورين ذاكرين وهو بعيد. وقال الطيبي: أراد الزمخشري أن معناه كذكركم قوما مذكورين بذكر هو أشد ذكرا، فقوما مفعول وأشدّ صفة، فوصفوا بالأشدية من حيث كونهم مذكورين أي كذكركم قوما ذكرتموهم بذكر هو أشد ذكرا. قال ابن عرفة: واعلم أن "أَفْعَلَ(مِنْ)" إن انتصب تمييزها كانت من صفته وإن انخفض كانت من صفة الاسم الذي (جرت) عليه. تقول: زيد أحسن عبدا بالنصب، أي زيد يملك عبدا أحسن من عبيد غيره. وأن خفضت كان معناه: أن زيدا في نفسه أحسن عبيد الله تعالى. ففي الآية هنا على كلام التفسيرين جعل للذكر ذكر مبالغة مثل جد جده وشعر (شعره) أي ذكرا شبيها بذكر آبائهم أو ذكرا أشد، فالأشدية من صفة ذكر المتأخر وهو غير الأول فيكون الذكر ذكر مبالغة. فالحاصل أن معناه عند أبي حيان: أو كذكركم قوما ذاكرين الله بذكر ذلك الذكر أشد ذكرا، أي ذلك الذكر كلّه ذكر أشدّ من الأذكار التي يذكرون بها آباءهم. (وعند الطيبي: المعنى أو كذكركم قوما ذكرتموهم، فذكر له ذكر أشد من غيره من الأذكار التي تذكرون بها آباءكم). فقول الزمخشري: على أن "ذكرا" من فعل المذكور هو عند أبي حيان (الفعل) وعند الطيبي الفعل الاصطلاحي النّحوي وكلام الطّيبي أصوب لأن (التشبيه) بالقوم إنمّا هو من حيث كونهم مذكورين بأشد الأذكار لا من حيث كونهم ذاكرين بأشد الأذكار. قال ابن عرفة: وهذه مسألة طويلة (عويصة) ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلا الشيخ ابن عبد السلام، والشيخ (ابن الحباب). وهكذا كانا يقررانها وما قصّر الطيبي (فيها) (وهو الذي كشف القناع عنها و (تكلم عليها) هنا وفي قول الله تعالى في النساء {أية : يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً }. تفسير : وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل التونسيين على نسخه لأني كنت عند ابن عبد السلام في السقيقة لما قدم الواصل بكتاب الطيبي فقلت له: ننظر ما قال في "أشَدَّ خَشْيَةً" فنظرناه فوجدنا فيه زيادة على ما قال الناس فحض الشيخ إذاك على نسخه. قلت: ولما (حد) ابن الصائغ (المصدر) في بابه استشكل نصب "ذكرا" في الآية لما تقدم من أن (التمييز) المنتصب بعد افعل سواء بدأ (غير) الموصوف بها مثل: زيد أفضل الناس أبا، فـ "أشدّ" في الآية صفة للذكر ثم أجاب بأنّه كقولك: زيد أفضل الناس رجلا وعبدا، ومعناه عند سيبويه أفضل النّاس إذا وصفوا رجلا رجلا، وليس المراد أن عبده أو (رجله) أفضل النّاس، فمعنى الآية أشد الأذكار إذا (صنفت) "ذكرا" في الآية تمييز أو حال والأكثر في مثل هذا أنْ تضاف إليه افعل لكنه لتقدم الذكر قبله قد يجوز مثل: زيد أفضل النّاس رجلا. قال: ويمكن أن يكون "ذكرا" مصدرا لـ "اذكروا" فقدمت صفته وهو (ذكر) فانتصب على الحال. والمعنى: واذكروا الله ذكرا كذكركم آباءكم، وأطال الكلام بما هذا حاصله. قلت: وعلى هذا لا يحتاج فيه إلى المجاز الذي في: جد جده وشعر شعره. وبالله التوفيق. قال ابن عرفة: هذه الآية نص في (أنّ) الأمر بالشيء نهي عن ضده لأنّهم قالوا: سبب نزولها أنّ قريشا الحمس كانوا يجتمعون بعد الإفاضة من عرفات فيفتخرون بأنسابهم فنزلت الآية ردا عليهم فكان الأصل أن يقال: فإذا قضيتم مناسككم لا تفتخروا بآبائكم. لكنه لو قيل ذلك لاحتمل أن يسكتوا ولا يتكلّموا بشيء ويتحدّثوا في أخبار الأوائل فيما ليس بذكر ولا فخر فأمرهم الله تعالى بذكر حتى يتناول النهي عن الاشتغال بجميع أضداده المنافية له. قال ابن عرفة: و"أَوْ" في قوله "أَوْ أَشَدّ" للتفصيل فمن هو كثير الشغل والشغب فذكره كذكر آبائه ومن هو خالي البال يعني الخاطر فذكره أشدّ ذكرا ويزيد ما استطاع. قوله تعالى: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}. قال ابن عطية: سببها أنهم كانوا في الجاهلية يدعون في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون الآخرة فنهو عن ذلك. قال ابن عرفة: فتقدير (السَّببية) على هذا إما أنهم نهوا عن الاقتصار (في الدعاء) بمصالح الدنيا فقط وأمروا بالشعور بالآخرة واستحضار وجودها. قال: ويحتمل (تقدير) السببية بوجهين آخرين. أحدهما: أن في الآية اللف والنشر مَن "يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا" راجع لقوله "كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ" وقوله تعالى {أية : وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةَ}تفسير : راجع إلى قوله "أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً". قيل لابن عرفة: (يعكر) عليه قوله "وَمَا لَهُ فِي ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ" (يدل على أنه كافر فيكف يذكر الله كذكره أباه؟ فقال: قد تقرر أنّ "وَمَا لَهُ فِي ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ" (معتبر) بأمرين لأنّ الواو فيه واو الحال فيحتمل أن يراد أنه في نفس الأمر ليس له نصيب في الآخرة، ويحتمل (أن) يريد من الناس المؤمنين من يطلب أمور الدنيا، ولم يتعلق له بال بطلب الثواب في الآخرة عليه، فقد يعمل العمل الصالح، ويطلب المعونة عليه، ولم يخطر بباله طلب الثواب عليه في الآخرة بوجه (أو بطلب الرزق الحلال من نعيم الدنيا ومستلذاتها، ويصرفه في وجهه وهو مع ذلك طائع، ولا يتشوق إلى طلب الآخرة بوجه) بل (يغفل) عن ذلك. الوجه الثاني في تقرير السببية: أنه لما تقدم الأمر بذكر الله عقبه بهذا تنبيها على أن من الناس من لا يمتثل هذا الامر ولا يقبله، ومنهم من يمتثله ويعمل بمقتضاه فهو الذي يقول: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً}تفسير : أو يرجع إلى القبول والأجر. وتقرر أن القبول أخص، فمن الناس من يفعل العبادة فلا يجزيه ويخرجه من عهدة التكليف فقط ولا يثاب عليها كمن يصلي رياء ومنهم من يفعلها بالإخلاص ونية فتقبل منه، ويثاب عليها في الدار الآخرة. قال ابن عرفة: وعادتهم يختلفون في الألف واللام في "الناس" فمنهم من كان يقول إنها للعهد والمراد بها الناس الحجاج (ومنهم من جعلها للجنس فعلى أنّها للعهد يكون التقسيم مستوفيا لأن الحجاج) لا بد أنهم يدعون إما بأمر دنيوي أو بأخروي (وعلى أنها للجنس لايكون مستوفيا) لأن بعض الناس قد لا يدعون بشيء أصلا لا دنيوي ولا أخروي. قيل لابن عرفة: وكذلك على أنها للعهد لأن بعض الحجاج يدعو أيضا بأمر الآخرة فقط؟. قال أبو حيان: ومفعول "آتِنَا" الأول محذوف. قال ابن عرفة: هذا أحد القولين فيها، وفيها قول آخر بأن الفعل المتعدي إذا ضمن المجرور الذي بعده معنى آخر تصح نيابته مناب المفعول. و"في" هنا يتضمنه معنى كقولك: أكلت من الرغيف.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ}... الآية. قال مجاهد: المناسكُ: الذبائحُ، وهي إِراقة الدِّماء. * ع *: والمناسكُ عندي العباداتُ في معالمِ الحجِّ، ومواضع النسك فيه. والمعنَىٰ: إِذا فرغتُمْ من حجِّكم الذي هو الوقوفُ بعرفة، فٱذكروا اللَّه بمحامده، وأثْنُوا عليه بآلائه عندكم، وكانت عادَةُ العَرَبِ، إِذا قَضَتْ حجَّها، تقفُ عند الجَمْرة تتفاخَرُ بالآباء، وتذكر أيام أسلافها؛ من بَسَالةٍ، وكَرَم، وغير ذلك، فنزلَتِ الآية، أنْ يُلْزِموا أنفسهم ذكر اللـه تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيامِ الجاهلية، هذا قول جمهور المفسِّرين. وقال ابن عبَّاس، وعطاء: معنى الآيةِ: وٱذكروا اللَّه؛ كذكر الأطفال آباءهم، وأمهاتهمْ، أي: فاستغيثوا به، والْجئوا إِليه. قال النوويُّ في «حليته»: والمرادُ من الذِّكْر حضورُ القَلْب، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبَّر ما يذكر، ويتعقَّل معناه، فالتدبُّر في الذكْر مطلوبٌ؛ كما هو مطلوب في القراءة؛ لاشتراكهما في المعنَى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيحُ المختارُ استحبابَ مَدِّ الذاكرِ قوله: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»، لما فيه من التدبُّر، وأقوالُ السلفِ، وأئمةِ الخَلَف في هذا مشهورةٌ. انتهى. قال الشيخُ العارفُ أبو عبد اللَّه محمَّد بن أحمد الأنصاريُّ الساحليُّ المَالقِيُّ: ومنفعةُ الذكْرِ أبداً إِنما هي تَتْبع معناه بالفكْرِ؛ ليقتبس الذاكِرُ من ذُكْرِهِ أنوار المعرفة، ويحصل على اللُّبِّ المراد، ولا خير في ذِكْرٍ مع قَلْبٍ غافلٍ ساهٍ، ولا مع تضْييعِ شيءٍ من رسوم الشرعِ، وقال في موضعٍ آخر من هذا الكتاب الذي ألَّفه في «السُّلوك»: ولا مَطْمع للذَّاكر في دَرْكِ حقائقِ الذِّكْرِ إِلا بإِعمال الفكْر فيما تحْت ألفاظ الذكْر من المعانِي، وليدفع خَطَرات نفْسه عن باطنه راجِعاً إِلى مقتضى ذكْره؛ حتى يغلب معنى الذكْر علَىٰ قلبه، وقد آن له أنْ يدخل في دائرة أهْل المحاضَرَات. انتهى. وقوله تعالى: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا...} الآية: قال أبو وائلٍ وغيره: كانت عادتهم في الجاهلية الدُّعَاءَ في مصالحِ الدنْيا فقطْ؛ إذ كانوا لا يعرفون الآخرةَ، فَنُهُوا عن ذلك الدعاءِ المخصوصِ بأمر الدنيا، وجاء النهْيُ في صيغة الخبر عنه، والخَلاَقُ: الحظُّ، والنصيبُ. قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: حَسَنَةُ الدنيا: العلْمُ والعبَادة. * ع *: واللفظ أَعمُّ من هذا، وحَسَنةُ الآخِرة الجنَّة؛ بإِجماع، وعن أنس: قال: كان أكثر دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»تفسير : رواه البخاريُّ ومسلم وغيرهما، زاد مسلمٌ: «وكَانَ أَنَسٌ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ». انتهى. {أُوْلَٰـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ } وعْدٌ علَىٰ كسْب الأعمال الصالحة، والربُّ سبحانه سريعُ الحسابِ؛ لأنه لا يحتاجُ إِلى عقْد، ولا إِعمال فكْر، قيل لعليٍّ - رضي اللَّه عنه -: كيف يحاسِبُ اللَّه الخلائِقَ في يَوْمٍ، فقال: كما يَرْزُقُهُمْ فِي يومٍ، وقيل: الحسابُ هنا: المجازاتُ. وقيل: معنى الآية: سريعُ مجيءِ يومِ الحسابِ، فيكون المقصدُ بالآية الإِنذارَ بيَوْم القيامة.
ابن عادل
تفسير : اعلم أن "قَضَى" إذا عُلِّق بفعل النَّفْس، فالمرادُ منه الإِتْمَام والفَرَاغ؛ كقوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 12]{أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ}تفسير : [الجمعة: 10]، وقوله - عليه السلام -: "حديث : وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا"تفسير : ، ويقال للحَاكِم عند فصل الخُصُومَةِ، قَضَى بينهما. وإذا عُلِّق على فِعْل الغَيْر، فالمراد به الإِلْزَام، كقوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ}تفسير : [الإسراء: 23] وإذا اسْتُعْمِل في الإعلامِ، فالمراد أيضاً كذلك؛ كقوله: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الإسراء: 4]، أي: أعْلَمْنَاهُم، وهذه الآية الكريمة من القِسم الأوَّل. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المُرَادُ: اذكُرُوا الله عِنْد المَنَاسِك، ويكون المُرَادُ من هذا الذَّكرِ: ما أُمروا به من الدُّعَاءِ بعَرَفاتٍ والمشعر الحَرَام والطَّواف والسَّعي؛ كقول القائل: إذا حَجَجْتَ فَطُف وقف بعرَفَة، ولا يُريد الفراغ من الحَجِّ، بل الدُّخُول فيه، وحَمَلهُم على التَّأْويل صيغة الأَمْر. والمَنَاسِكُ، جمعُ "مَنْسِكٍ" بفتح السين وكسرِها، وسيأتي تحقيقُها، وقد تقدَّم اشتقاقها قريباً، والقُرَّاء على إظهار هذا، ورُوِي عن أبي عمرو الإِدغامُ، قالوا: شَبَّه حركة الإِعرابِ بحركةٍ البناءِ فَحَذَفَها للإِدغام، وأدغم أيضاً "مَنَاسِككمْ" ولم يُدْغِمْ ما يُشْبِهُهُ من نحو: {أية : جِبَاهُهُمْ}تفسير : [التوبة: 35] و{أية : وُجُوهُهُمْ}تفسير : [آل عمران: 106]. قال بعض المُفسِّرين: إن جعلها جمع "مَنْسَك" الذي هو المَصْدَر بمنزلة النُّسُك، فالمراد: إذا قضيتم عبادتكُم الَّتِي أُمِرْتُمْ بها في الحَجِّ، وإن جَعَلْتَها جمع "مَنْسَك" الذي هو مَوْضع العِبادة، فالتَّقدير: فإذا قَضَيْتُم أعمال مناسِكِكُم، فيكون من باب حَذْفِ المُضَاف. إذا عُرِفَ هذا؛ فنقول: قال بعضهم: المراد بالمَنَاسِكِ ما أَمَر اللهُ - تعالى - به في الحَجِّ من العِبَادَاتِ، وقال مُجاهد: قضاء المَنَاسِكِ: إراقَةُ الدِّمَاء، يقال: أنسَك الرجل يَنْسُك نُسْكاً، إذا ذبح نسِيكته بعد رَمْي جمرة العقبة والاستقرار بمِنًى، والفَاءُ في قوله: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} تدلُّ على أنَّ الذِّكْر يجب عقيب الفراغ من المَنَاسِك؛ فلذلك اخْتَلَفُوا. فمنهم من حمله على التكبير بعد الصَّلاَة يَوْم النَّحْر وأَيَّام التَّشْريق - على حسبِ اختِلاَفهم في وقته - أن بعد الفراغ من الحَجَّ لا ذِكْر مَخْصُوص إلاَّ التكبِير. ومنهم من قال: بل المُراد تحويلُ القَوْم عمّا اعتَادُوهُ بعد الحَجِّ من التَّفَاخُر بالآباء؛ لأنه تعالى لو لم يَنْه عنه بهذه الآية الكريمة، لم يَعْدلُوا عن هذه الطَّرِيقة. ومنهم من قال: بل المُراد منه أنّ الفَراغَ من الحَجِّ يوجِبُ الإِقبَال على الدُّعاء والاستغفار؛ كما أن الإِنْسَان بعد الفَراغ من الصَّلاة يُسَنُّ أن يشتغل بالذِّكر والدُّعاء. قوله: {كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ} الكافُ كالكاف في قوله {أية : كَمَا هَدَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 198] إلاَّ في كونها بمعنى "عَلَى" أو بمعنى اللام، فَلْيُلتفتْ إليه، والجمهورُ على نصب "آبَاءَكُمْ" مفعولاً به، والمصدرُ مضافٌ لفاعِلِه على الأصل، وقرأ محمدُ بنُ كعبٍ: "آبَاؤكُمْ" رفعاً، على أنَّ المصدرّ مضافٌ للمفعولِ، والمعنى: كما يَلْهَجُ الابنُ بذكر أبيه، ورُوِيَ عنه أيضاً: "أَبَاكُمْ" بالإِفراد على إرادة الجنسِ، وهي توافِقُ قراءةَ الجماعة في كونِ المصدر مضافاً لفاعله، ويَبْعُدُ أن يقال: هو مرفوعٌ على لغةِ مَنْ يُجْرِي "أَبَاكَ" ونحوَهُ مُجْرَى المقْصورِ. فصل قال جمهور المُفسِّرين: إن القوم كانوا بعد الفراغ من الحَجِّ يبالِغُون في الثَّنَاءِ على آبَائِهِم وفي ذكر مَناقِبهم، فقال تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ}، أي: فاجهَدُوا في الثَّنَاء على الله وشرح الآية، كما بذلتم جَهْدَكم في الثَّناء على آبَائِكم. وقال الضَّحَّاك والرَّبيع: اذكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم وأمَّهَاتكم، واكتفى بذكر الآباءِ، كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81] قالوا: وهو قول الصَّبيِّ أول ما يُفصح للكلام أَبَه أَبَه أُمَّه أُمَّه، أي: كونوا مُوَاظِبين على ذِكْرِ الله؛ كمواظَبَة الصَّغير على ذِكْر أبيه وأمِّه. وقال أبو مسلم: أجرى ذِكر الآباء مثلاً لدوام الذكْرِ، أي: كما أنّ الرَّجُل لا يَنْسَى ذكر أبيه، فكذلك يَجِبُ ألاّ يَغْفَل عن ذِكْر الله - تعالى -. وقال ابن الأَنْباري: كانت العرب في الجَاهِليَّة تكثِر من القَسَم بالآباءِ والأَجْدَادِ؛ فقال تعالى: حديث : عَظِّمُوا الله كَتَعْظِيم آبَائكُم . تفسير : وقيل: كما أنّ الطِّفْل يرجع إلى أبِيه في طَلَبِ جميع مُهِمَّاتِه، ويكون ذَاكِراً له بالتَّعظِيم فكُونُوا أنتم في ذِكْر الله كذلك. وقيل: يُحْتَمل أنّهم كَانُوا يَذْكُرون آباءَهُم؛ ليتَوسَّلُوا بذكرهم إلى إجابة الدُّعَاء، فعرَّفَهُم الله - تعالى - أنّ آباءَهُمْ لَيْسَوا في هذه الدَّرَجَة؛ إذ أَفْعَالُهم الحَسَنة مُحْبَطة بشِرْكِهِم. وسُئِل ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - عن قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}، فقيل: يأتي على الرَّجُل اليَوْم لا يذكُر فيه أَبَاهُ. قال ابن عبَّاس: ليس كذلك؛ ولكن هو أن تَغْضَب لله إذا عُصِيَ، أَشَدَّ من غَضَبِك لوَالِدَيْك إذا ذُكِرا بِسوءٍ. قوله: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} يجوزُ في "أَشَدَّ" أن يكونَ مجروراً، وأَنْ يكونَ منصوباً: فأمّا جَرُّه، فذكروا فيه وجهين: أحدهما: أن يكونَ مجروراً عطفاً على "ذِكْركم" المجرورِ بكافِ التشبيه، تقديرُهُ: أو كَذِكْر أَشَدَّ ذِكْراً، فتجعلُ للذكر ذِكْراً مجازاً، وإليه ذهب الزَّجَّاج، وتبعه أبو البقاء - رضي الله عنه - وابن عَطيَّة. والثَّاني: أنه مجرورٌ عطفاً على المخْفُوض بإضافة المَصْدر إليه، وهو ضميرُ المخاطبين، قال الزمخشريُّ: أَوْ أَشَدَّ ذكِراً في موضِع جرٍّ عَطْفاً على ما أُضيفَ إليه الذكْرُ في قوله: {كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}؛ كما تقول: "كَذِكْرِ قُرَيْش آباءَهُمْ أو قَوْم أَشَدَّ منْهُمْ ذِكْراً" وهو حَسَنٌ، وليس فيه تَجَوُّزٌ بأَنْ يُجْعَلَ لِلذكرِ ذِكْرٌ؛ لأنه جَعَلَ "أَشَدَّ" من صفات الذَّاكرِينَ، إلا أن فيه العَطْفَ على الضَّميرِ المجْرُورِ من غير إعادة الجارِّ، وهو ممنوعٌ عند البَصْريين، ومَحَلُّ ضرورة. وأمَّا نصبُه فمن أوجهٍ: أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على "آباءَكُمْ" قاله الزمخشريُّ، فإنه قال: "بمعنى أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً مِنْ آبَائِكُم"؛ على أنَّ "ذِكْراً" من فِعْلِ المذكور هو كلامٌ يَحْتاجُ إلى تفسير، فقولُه: "هو معطُوفٌ على آبَاءَكُمْ": معناه أنك إذا عَطَفْتَ "أَشَدَّ" على "آبَاءَكُمْ"، كان التقديرُ: أو قوماً أشدَّ ذِكْراً من آبائِكُمْ، فكان القومُ مذكورِينَ، والذكرُ الذي هو تمييزٌ بعد "أَشَدَّ" هو من فِعْلهم، أي: من فعلِ القوم المذكُرِين؛ لأنه جاء بعد "أَفْعَلَ" الذي هو صفةٌ للقوم، ومعنى "مِنْ آبَائِكُمْ" أي من ذكرِكم لآبائِكُمْ، وهذا أيضاً ليس فيه تجوزٌّ بأنْ جُعِل الذِّكْرُ ذَاكِراً. الثاني: أن يكونَ مَعْطُوفاً على محلِّ الكاف في "كَذِكْرِكُم"؛ لأنها عندهم نعتٌ لمصدر محذوف، تقديرُه: "ذِكْراً كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ" وجَعَلُوا الذِّكْرَ ذاكراً مجازاً؛ كقولهم: شِعْرٌ شَاعِرٌ، وهذا تخريج أبي عَلِيٍّ وابن جنِّي. الثالث: قاله مَكّيٌّ: أن يكونَ منصوباً بإضمار فِعْلٍ، قال: تقديرُه: "فاذْكرُوهُ ذِكْراً أَشَدَّ من ذِكرِكُمْ لآبائكم"؛ فيكونَ نعتاً لمصدر في موضع الحالِ، أي: اذكُرُوهُ بَالِغِينَ في الذِكْرِ. الرابع: أن يكونَ مَنْصُوباً بإضمار فعْلِ الكَوْن، قال أبو البقاء: "وعِنْدِي أنَّ الكلاَمَ محمولٌ على المَعْنى، والتقدير: أو كُونُوا أَشَدَّ لِلَّهِ ذِكْراً منكم لآبائِكُمْ، ودلَّ على هذا المعنى قولُه: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي: كونوا ذَاكِريهِ، وهذا أسهلُ مِنْ حَمْلِه على المَجَاز" يعنى المجازَ الذي تقدَّم ذِكْرُهُ عن الفارسيِّ وتلميذه. الخامس: أن يكون "أَشَدَّ" نَصْباً على الحال مِنْ "ذِكْراً"؛ لأنه لو تأخَّرَ عنه، لكان صفةٌ له؛ كقوله: [مجزوء الوافر] شعر : 1005 - لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ تفسير : "مُوحِشاً" حالٌ من "طَلَل"؛ لأنَّه في الأصل صفةٌ، فلما قُدِّم تعذَّر بقاؤه صفةً، فَجُعِلَ حالاً، قاله أبو حيَّانَ - رحمه الله تعالى -، فإنه قال بعد ذكْره ثلاثةَ أوجه لنصبه، ووجهين لجَرِّه: "فهذه خمسةُ أوجه كلُّها ضعيفةٌ، والذي يتبادر إلى الذِّهْنِ في الآية أنهم أُمِرُوا بأَنْ يَذْكُروا الله ذِكْراً يُمَاثِلُ ذِكْرَ آبائِهِم، أَوْ أَشَدَّ، وقد ساغ لنا حَمْلُ هذه الآية الكريمة عليه بوجهٍ ذُهِلُوا عنه"، فَذَكَر ما تقدَّم، ثم جَوَّز في "ذِكْراً" - والحالةُ هذه - وجْهَين: أحدهما: أن يكونَ معطوفاً على مَحَلِّ الكاف في "كِذِكْرِكُمْ"، ثم اعترضَ على نفسِه في هذا الوجه؛ بأنه يلزم منه الفصلُ بين حرفِ العطف، وهو "أَوْ" وبين المعطوف وهو "ذِكْراً" بالحال، وهو "أَشَدَّ"، وقد نصَّ النحويون على أن الفصْلَ بينهما لا يجوز إلا بشرطَيْن: أحدهما: أن يكون حرفُ العطفِ أكثرَ من حرفٍ واحد. والثاني: أن يكونَ الفاصلُ قَسَماً، أو ظَرْفاً أو جَارّاً، وأحدُ الشرطَيْنِ موجودٌ، وهو الزيادةُ على حرِفٍ، والآخرُ مفقودٌ، وهو كونُ الفاصل ليس أحدَ الثلاثةِ المتقدِّمة، ثم أجابَ بأن الحالَ مقدَّرةٌ بحرفِ الحر وشَبَّهه بالظرفِ، فَأُجْرِيَت مُجْرَاهُمَا. والثاني: من الوجْهَيْن في "ذِكْراً" أن يكونَ مصدراً لقوله: "فَاذْكُرُوا"، ويكون قوله: "كَذِكْرِكُمْ" في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ "ذِكْراً"؛ لأنها في الأصل صفةٌ له، فلما قُدِّمتْ، كانَتْ في محلِّ حالٍ، ويكون "أَشَدَّ" عطفاً على هذه الحال، وتقديرُ الكلاَم: "فاذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَذِكْرِكُمْ، أي: مُشْبِهاً ذِكْرَكُمْ أَو أَشَدَّ"؛ فيصيرُ نظيرَ: "اضْرِبْ مِثْلَ ضَرْبِ فُلاَنٍ أَوْ أَشَدَّ" الأصل: اضْرِبْ ضَرْباً مِثْلَ ضَرْبِ فُلاَنِ أَوْ أَشَدَّ. و"ذِكْراً" تمييزٌ عند غير الشَّيخ كما تقدَّم، واستشْكَلُوا كونَه تمييزاً منصوباً؛ وذلك أن أفعلَ التفضيل يجب أن تُضَاف إلى ما بعدها، إذا كان مِنْ جنسِ ما قبلها؛ نحو: "وَجْهُ زَيْدٍ أَحْسَنُ وَجْهٍ"، "وعِلْمُهُ أَكْثَرُ عِلْم" وإنْ لم يكن مِنْ جنسِ ما قبلها، وجَبَ نصبُه؛ نحو: "زَيْدٌ أَحْسَنُ وَجْهاً، وخَالِدٌ أَكْثَرُ عِلْماً"، إذا تقرَّر ذلك، فقوله: "ذِكْراً" هو من جنس ما قبلها، فعلَى ما قُرِّر، كان يقتضي جَرَّه، فإنه نظيرُ: "اضْرِبْ بَكْراً كَضَرْبِ عَمْرٍو زَيْداً أَوْ أَشَدَّ ضَرْبٍ" بالجرِّ فقط. والجوابُ عن هذا الإِشكالِ مأَخوذٌ من الأوجه المتقدِّمة في النصب والجر المذكورَيْن في "أَشَدَّ"؛ من حيث أن يُجْعَلَ الذِّكْرُ ذاكراً مجازاً؛ كقولهم: "شِعْرٌ شَاعِرٌ"؛ كما قال به الفارسيُّ وصاحبُه، أو يُجْعَلَ "أَشَدَّ" من صفاتِ الأعيان، لا من صفاتِ الإِذكار؛ كما قال به الزمخشريُّ، أو يُجْعَلَ "أَشَدَّ" حالاً من "ذكْراً" أو ننصبَه بفعْلٍ و"أو" هنا قيل للإِباحةِ، وقيل للتخيير، وقيل: بمعنى بَلْ، وهو قول أكثر المفسِّرين. قوله: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} "مَنْ" مبتدأٌ، وخبرُه في الجارِّ قبله، ويجوز أن تكونَ فاعلةً عند الأخفش، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، وفي هذا الكلام التفاتٌ؛ إذ لو جَرَى على النسقِ الأولِ، لقيل: "فَمِنْكُمْ"، وحَمِل على معنى "مَنْ"؛ إذ جاء جَمْعاً في قوله: "رَبِّنَا آتِنَا"، ولو حُمِل على لفظِها، لقال "رَبِّ آتِني". وفي المفعول الثاني لـ"آتِنَا" - لأنه يتعدَّى لاثْنَيْنِ ثانيهما غيرُ الأَوَّل - ثلاثةُ أقوال: أظهرها: أنه محذوفٌ؛ اختصاراً أو اقتصاراً؛ لأنه من باب "أَعْطَى"، أي: آتِنا ما نُريدُ، أو مطلوبَنَا. والثاني: أن "فِي" بمعنى "مِنْ" أي: من الدنيا. والثالث: أنها زائدةٌ، أي: آتِنا الدنيا، ولَيْسَا بشيء. فصل واعلم أنَّه بيَّن أولاً منَاسِكَ الحَجِّ، ثم أمر بَعْدَها بالذِّكْرِ، ثم بيّن بعد الذِّكْرِ كيفيَّة الدُّعَاء، وهذا من أحسن التَّرْتيب؛ فإنّ تقديم العِبَادة يكسر النَّفْسَ، وبعد العِبَادة لا بُدَّ من الاشْتِغال بذكْرِ الله، فإن به يَكْمُل الدُّعَاء؛ كما حُكِيَ عن إبراهيم - عليه السَّلام -؛ أنّه قدَّم الذِّكْر على الدُّعاء، فقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 78] ثم قال: {أية : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [الشعراء: 83] ثم بيَّن - تبارك وتعالى - أنّ الَّذِين يَدْعُون فَريقان: أحدهما يطلب الدُّنْيَا، والثَّاني يطلب الدُّنْيَا والآخِرة، وقد بقي قِسْمٌ ثالثٌ وهو طلب الآخِرَةِ؛ واخْتَلَفُوا في هذا القِسْم: هل هو مَشْرُوعٌ أم لا؟ والأكثرونَ على أنّه غير مشروع؛ لأن الإنسان ضعيف لا طاقة له بآلام الدُّنيا؛ فالأولى أن يستعيذ بربِّه من كل شرٍّ في الدُّنيَا والآخِرة. روى القفَّال في "تَفْسيرِه" عن أنس - رضي الله عنه - حديث : أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ على رَجُلٍ يعُودُ، قد أنهَكُه المَرَضُ حتَّى صَارَ كالفَرْخ، فقال: ما كُنتُ تدعُوا الله به قَبْلَ هذا؟ قال: كُنْتُ أقُولُ: اللَّهُمَّ ما كُنتَ تُعاقِبني به في الآخِرة فَعَجِّل بِهِ في الدُّنْيا، فقال النبيُّ - عليه السلام -:سبحان الله!! إنّك لا تُطِيقُ ذلك؛ هلا قُلْتَ: "ربنا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَة وفي الآخِرَةِ حَسَنَة وقِنَا عَذَابَ النَّارَ" قال: فدَعَا له رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَشُوفِي تفسير : فصل اختلفوا في الَّذِين يَقتَصِرُون في الدُّعاء على طلب الدُّنْيَا على قَوْلَيْن. فقال قوم: هم الكُفَّار؛ رُوِي عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهما -؛ أنّ المُشْركين كانوا إذا وقَفُوا للدُّعاء، يقولون: اللَّهُمَّ أعطِنا غنماً وإبلاً وبقراً، وعبيداً، وإماءً، وكان الرَّجُل يقوم ويقُول: اللَّهُم إنّ أبي كان عظيم القُبَّة، كبير الجَفْنَة، كثير المال؛ فأعطني مثلما أعطيْتَه، ولم يَطْلُبُوا التَّوْبة والمغفِرة؛ لأنهم كانوا مُنْكِرين البعثَ والمَعَاد. وعن أنسٍ؛ كانوا يقولون: اسْقِنا المطر، وأَعْطِنا على عَدُوِّنا الظَّفَر، فأخبر الله - تعالى - أنَّ من كان هكذا، فلا خلاق لهُ في الآخِرَة، أي: لا نَصِيبَ لهُ. قال القرطبي: فنهُوا عن ذلك الدُّعاء المَخْصُوص بأمرِ الدُّنْيَا، وجاء النَّهْي بصيغة الخَبَر عَنْهُم. وقال آخرون: قد يكُونُوا مؤمِنِين، ويسألون الله - تعالى - لِدُنياهُم لا لآخِرَتِهِم، ويكون سُؤَالُهم هذا ذَنباً؛ لأنهم سأَلُوا الله في أعظم المواقف حُطام الدُّنْيَا الفَانِي، وأعْرَضُوا عن سُؤَال نعيم الآخِرة، ويقال لِمَن فَعَل ذَلِك: أنّه لا خَلاَقَ لَهُ في الآخِرةِ، وإن كان مُسْلِماً؛ كما رُوِي في قوله - تعالى - {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ}تفسير : [آل عمران: 77] أنها نزلت فيمن أخذ مالاً بيمينٍ فاجرةٍ. ورُوِي عن النَّبيّ - عليه السَّلام -: إنّ الله يُؤَيِّد هذا الدِّين بأقْوَامٍ لا خَلاَق لَهُم، ومعنى ذلك على وجوهٍ. أحدها: أنّه لا خلاق له في الآخرة إلاّ أن يَتُوب. الثاني: لا خلاق له في الآخرة إلاّ أن يَعْفُوا الله عنهُ. والثالث: لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأَلَ الله - تعالى - لآخرته، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالاً بيمِينٍ فاجرةٍ، كَخلاق من تورَّع عن ذلك؛ ونظير هذه الآيةِ قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]. قوله تعالى: {فِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً}[البقرة: 201] يجوز في الجارِّ وجهان. أحدهما: أن يتعلَّق بـ"آتنا" كالذي قبله. والثاني: أجازه أبو البقاء أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حالٌ من "حَسَنَةٌ"؛ لأنه كان في الأصل صفةً لها، فلما قُدِّم عليها، انتصَبَ حالاً. قوله: {وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} هذه الواوُ عاطفةٌ شيئَيْن على شيئَيْن متقدِّمَيْن فـ"في الآخِرةِ" عطفٌ على "في الدُّنْيَا" بإعادةِ العاملِ، و"حَسَنَةً" عطفٌ على "حَسَنَةً"، والواو تَعْطِفُ شيئين فأكثرَ، على شيئين فأكثرَ؛ تقول: "أَعْلَمَ اللَّهُ زَيْداً عَمْراً فَاضِلاً، وَبَكْراً خَالِداً صَالِحاً"، اللهم إلا أن تنوبَ عن عاملين، ففيها خلافٌ وتفصيلٌ يأتي في موضعِه - إنْ شاء الله -، وليس هذا كما زعم بعضُهُم: أنه من بابِ الفصْلِ بين حرفِ العطفِ وهو على حرفٍ واحد، وبين المعطوفِ بالجارِّ والمجرور، وجعله دليلاً على أبي عليٍّ الفارسيِّ؛ حيثُ منع ذلك إلا في ضَرَورةٍ؛ لأن هذا من باب عَطْفِ شيئين على شيئين؛ كما ذكرتُ لك، لا من باب الفصلِ، ومحلُّ الخلافِ إنما هو نحو: "أَكْرَمْتُ زَيْداً وَعِنْدَك عَمْراً"، وإنما يُرَدُّ على أبي عَليٍّ بقولِه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}تفسير : [النساء: 58] وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق: 12]. فصل ذكر المفسِّرُون في الحُسْنَيين وجوهاً: قال عليٌّ بن أبي طالب: في الدُّنيا امرأة صالحة، وفي الآخِرَة الجنَّة؛ رُوِي عن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أنه قال: الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ. وقال الحسن: في الدُّنيا حَسَنَة العلم والعِبَادةً، وفي الآخِرَة: الجَنَّة والنظر. روى الضحّاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ حديث : أنّ رجلاً دَعَا ربَّه فقال: "رَبِنا آتِنَا في الدُّنْيا حَسَنة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَاَ النَّارِ" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أَعْلَمُ أنّ هذا الرَّجُل سأَلَ الله شَيْئاً من أمر الدُّنْيَا"، فقال بَعْضُ الصحابة: بَلَى يا رسُول الله إنّه قال: "ربَّنّا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّه يَقُول ربَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا عملاً صَالِحاً " تفسير : وقال السُّدِّيُّ وابن حيان: في الدُّنْيَا رِزْقاً حَلاَلاً وعَمَلاً صَالِحاً، وفي الآخرة المَغْفِرة والثَّوَاب. وقال عوف: من آتاهُ الله الإِسْلام والقُرْآن وأَهْلاً ومالاً، فقد أُوتِي في الدُّنْيا حَسَنَة وفي الآخِرة حسَنَة. وقيل: الحَسَنة في الدُّنْيا الصِّحَة والأَمن، والكفاية، والولد الصَّالِح، والزَّوجَة الصَّالحة، والنُّصْرة على الأَعْداء؛ لأن اللَّهَ تعالى سمَّى الخَصْب والسَّعَة في الرِّزق حسَنة؛ فقال: {أية : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ}تفسير : [التوبة: 50]. وقيل في قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ}تفسير : [التوبة: 52] أنهما الظَّفَر والنُّصْرة، وأمّا الحَسَنةُ في الآخِرة فهي الفوز بالثَّواب والخلاص من العِقاب. وقال قتادة: هو طَلَبُ العافية في الدَّارَيْن. وبالجُمْلة فهذا الدُّعاء جامِعٌ لجميع مطالب الدُّنْيَا والآخرة؛ روى ثابتٌ؛ أنَّهم قالوا لأَنس: ادع لنا، فقال: "اللَّهُم آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنة وفي الآخِرَة حَسَنَة وقِنا عَذَاب النَّار" قالوا: زدنا، فأعادها، قالوا: زدنا، قال: ما تُرِيدون؛ قد سأَلتُ لك خير الدُّنيا والآخرة. وعن أنس؛ قال: حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِر أن يَقُول: رَبَّنا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنة وفي الآخرة حَسَنةً وقِنا عذاب النَّارِ تفسير : وعن عبد الله بن السَّائِب؛ أنّه سمع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يقُول فيما بين رُكْن بني جمح والرُّكن الأَسود رَبِنا آتِنَا في الدُّنْيا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " تفسير : فصل قال ابن الخطيب: اعلم أن مَنْشأ البَحث في الآية الكريمة أنّه لو قِيلَ: آتِنا في الدنيا الحَسَنَة وفي الآخِرة الحَسَنة، لكان ذلك مُتَنَاوِلاً لكل الحَسَناتِ، ولكنه قال: "آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَة حَسَنَةً"، وهذا نَكِرَة في محلِّ الإثبَاتِ، فلا يتنَاول إلاّ حَسَنةً واحِدَة؛ فلذلك اخْتَلف المُفَسِّرون، فكل واحد منهم حَمَل اللَّفظ على ما رآه أَحْسَن أَنْوَاع الحَسَنة، وهذا بناء منه على أنّ الفَرْد المُعَرَّف بالأَلف واللاَّم يَعمُّ، وقد اختار في "المَحْصُول" خلافه. ثم قال: فإن قيل: أليس أنّه لو قيل: آتِنَا الحَسَنة في الدُّنيا والحَسَنة في الآخِرَة، لكان مُتَنَاوِلا لكلِّ الأقْسَام، فلم تَرَك ذلك وذكره مُنكَّراً؟ وأجاب بأن قال: إنّ بَيَّنَّا أنّه ليس للدَّاعِي أن يَقُول: اللهم أَعْطِني كَذَا وكَذَا، بل يجب أن يقول: اللَّهُم إن كان كّذَا مَصْلَحَةً لي، وموافِقاً لقَضَائِك وقَدَرِك، فأَعْطِني ذَلِك، فلو قال: اللهم أَعْطِني الحَسَنَة في الدُّنْيَا، لكان ذلك جَزْماً، وقد بَيَّنَّا أنّه غير جَائِز، فلمّا ذكَرَه على سبيل التَّنْكِير، كان المراد منه حَسَنَة واحدة، وهي التي تُوَافِقُ قَضَاءَه وقدَرَه، وكان ذلك أحسن وأقْرَب إلى رعايته الأَدَب. وقوله: "قِنَا": ممَّا حُذِفَ منه فاؤُه ولامُه من وَقَى يقي وِقَايةً، أمَّا حذفُ فائه، فبالحَمْلِ على المضارع؛ لوقوع الواوِ بين ياءٍ وكسرةٍ كما حُذِفَت يقي ويَشي مثل بعد، هذا قول البصريِّين، وقال الكُوفِيُّون: حُذِفت فرقاً بين اللازم والمُتَعدِّي. قال محمَّد بن زيد: وهذا خطأ؛ لأن العرب تقول: وَرِمَ يَرِمُ، فيحذفون الواو وأمَّا حذفُ لامِهِ؛ فلأنَّ الأمر جارٍ مَجْرَى المضارع المجزوم، وجزمِه بحذفِ حرفِ العلةِ؛ فكذلك الأمرُ منه، فوزن "قِنَا" حينئذ: عِنَا، والأصل: اوْقِنَا، فلمَّا حُذِفَت الفاءُ اسْتُغُنِي عن همزةِ الوصل، فَحُذِفَتْ، و"عَذَابَ" مفعولٌ ثانٍ. قوله تعالى: "أُولَئِكَ" مبتدأ و"لَهُمْ" خبرٌ مقدم، و"نَصِيب" مبتدأ، وهذه الجملةُ خَبرُ الأولِ، ويجوز أن يكونَ "لَهُمْ" خبرَ "أولئك"، و"نَصِيب" فاعلٌ به؛ لما تضمَّنه من معنى الفعلِ لاعتمادِه، والمشارُ إليه بـ"أُولئكَ" فيه قولان: أظهرهُما: أنهما الفريقان: طالبُ الدنيا وحدَها وطالبُ الدنيا والآخرة، وقيل: بَلْ لِطَالب الدنيا والآخرة؛ لأنه - تعالى - ذكر حكم الفريق الأَوَّل؛ حيث قال: {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}. قوله: {مِمَّا كَسَبُواْ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه صفةٌ لـ"نَصِيب"، فهو في محلِّ رفعٍ، وفي "مِنْ" ثلاثةُ أقوال: أحدُها: أنها للتبعيض، أي: نصيب من جِنْس ما كسبوا. والثاني: أنها للسببيةِ، أي: مِنْ أَجْلِ ما كَسَبُوا. والثالث: أنها للبيان. فصل قال ابن عَبَّاس في قوله: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ}: هو الرَّجُل يأخُذُ مالاً يَحُجُّ به مِنْ غيره؛ فيكون له ثَوَابٌ. و"ما" يجوزُ فيها وجهان: أن تكونَ مصدريةً، أي: مِنْ كَسْبِهِمْ؛ فلا تحتاجُ إلى عائدٍ. والثاني: أنها بمعنى "الَّذِي"، فالعائدُ محذوفٌ؛ لاستكمال الشروط، أي: مِنَ الذي كَسَبُوه. و"الكَسْبُ": يُطلق على ما يَنَالهُ العَبْد بعمله، بشرط أن يكُونَ لجرِّ مَنْفَعةٍ، أو دفع مضرَّة. قوله: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} السَّرِيع فاعل من السُّرْعة قال ابن السِّكِّيت: سَرُعَ يَسْرُع سَرْعاً وسُرْعَة، فهو سَرِيعٌ؛ مثل عَظُم يَعْظُم. و"الحِسَاب" مصدر كالمُحَاسَبَة، ومَعْنى الحساب في اللُّغةِ: العدُّ؛ قال حَسَبَ يَحْسُبُ حِساباً وحسبَة وحَسْباً إذا عَدّ ذكره الليث وابن السِّكِّيت، والحَسْب ما عُدَّ؛ ومنه حَسَبُ الرَّجُل: وهو ما يُعَدُّ من مآثِرِه ومَفَاخِرِه، والمعنى أنّ الله سريع الحساب، لا يَحْتَاج إلى عَدٍّ ولا إلى عَقدٍ كما يَفْعَلُه الحسَّابُ، والاحْتِسَاب: الاعتِدَاد بالشَّيْء. وقال الزّجَّاج: الحِسَاب في اللُّغة مأخوذٌ من قَوْلهم: "حَسْبُك كذا"، أي: كَفَاك، فسُمِّي الحِسَابُ في المُعَامَلات حِسَاباً؛ لأنّه يُعلم به ما فيه كِفَايَة، وليس فيه زِيَادة على المِقْدَار ولا نُقْصَان. وقيل: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} قال الحَسَن: أسْرَع مِنْ لَمْحِ البَصَر. وقيل: إتْيَان القِيَامة قريبٌ؛ لأن ما هو أتٍ لا مَحَالَة قَرِيب؛ قال - تعالى -{أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}تفسير : [الشورى: 17]. وقيل: سريع الحساب، أي: سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ لأنّه - تعالى - في الوقت الواحد يسأله السَّائلون، كلُّ واحدٍ منهم أشياء مختلفة من أمور الدُّنيا والآخرة، فيعطي كلَّ واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك. فصل في أن الله هو المحاسب اختلف الناس في معنى كونه - تعالى - محاسباً للخلق على وجوه: أحدها: أنّ معنى الحساب: أنّه - تعالى - يعلِّمهم ما لهم و[ما] عليهم، بمعنى أنّه يخلق علوماً ضروريّة في قلوبهم، بمقادير أعمالهم وكمِّيَّتها وكيفيَّاتها، ومقادير ما لهم من الثَّواب والعقاب. قالوا: ووجه المجاز فيه أنّ الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له و [ما] عليه، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون من باب إطلاق اسم السَّبب على المسبِّب، وهو مجاز مشهورٌ. ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّه قال: لا حساب على الخلق، بل يقفون بين يدي الله - تعالى -، يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيِّئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم، ويقال لهم: هذه حسناتكم قد ضاعفتها لكم. الثاني: أنّ المحاسبة عبارة عن المجازاة؛ قال - تبارك وتعالى - {أية : وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً}تفسير : [الطلاق: 8]، ووجه المجاز: أنَّ الحساب سبب للأخذ والعطاء، وإطلاق اسم السَّبب على المسبّب جائزٌ؛ فحسن إطلاق لفظ الحساب على المجازاة. الثالث: أنّه تعالى يكلِّم العباد في أحوال أعمالهم، وكيفيَّة ما لها من الثَّواب والعقاب، فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوتٍ، قال: إنّه تعالى يخلق في أذن المكلَّف سمعاً يسمع به كلامه القديم؛ كما أنّه يخلق في عينيه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال: إنه صوت، قال: إنّه - تعالى - يخلق كلاماً يسمعه كلُّ مكلَّف، إمّا بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كلِّ واحدٍ منهم، أو في جسم يقرب من أذنه، بحيث لا تبلغ قوَّة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلِّف به، والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء {فإذا قضيتم مناسككم} قال: حجكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {فإذا قضيتم مناسككم} قال: حجكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {فإذا قضيتم مناسككم} قال: اهراقه الدماء {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} قال: تفاخر العرب بينها بفعال آبائها يوم النحر حين يفزعون، فامروا بذكر الله مكان ذلك. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان المشركون يجلسون في الحج فيذكرون أيام آبائهم وما يعدون من أنسابهم يومهم أجمع، فأنزل الله على رسوله في الإِسلام {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحملات ويحمل الديات ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: كانوا إذا فزعوا من حجهم تفاخروا بالآباء، فأنزل الله {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة فذكروا آباءهم وذكروا أيامهم في الجاهلية وفعال آبائهم، فنزلت هذه الآية. وأخرج الفاكهي عن أنس قال: كانوا في الجاهلية يذكرون آباءهم فيقول أحدهم، كان أبي يطعم الطعام. ويقول الآخر: كان أبي يضرب بالسيف. ويقول الآخر: كان أبي يجز النواصي. فنزلت {فاذكروا الله كذكركم آباءكم}. وأخرج وكيع وابن جرير عن سعيد بن جبير وعكرمة قالا: كانوا يذكرون فعل آبائهم في الجاهلية إذا وقفوا بعرفة، فنزلت {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} . وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن عطاء قال: كان أهل الجاهلية إذا نزلوا منى تفاخروا بآبائهم ومجالسهم، فقال هذا: فعل أبي كذا وكذا. وقال هذا: فعل أبي كذا وكذا. فذلك قوله {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح في قوله {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} قال: هو قول الصبي أوّل ما يفصح في الكلام أباه وأمه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس. أنه قيل له: قول الله {كذكركم آباءكم} أن الرجل ليأتي عليه اليوم وما يذكر أباه، قال: إنه ليس بذاك ولكن يقول: تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك إذا ذكر والديك بسوء. أما قوله تعالى: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} الآيات. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن ولا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل فيهم {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} ويجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} فأنزل الله فيهم {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب}. وأخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: كان الناس في الجاهلية إذا وقفوا عند المشعر الحرام دعوا فقال أحدهم: اللهم ارزقني ابلاً. وقال الآخر: اللهم ارزقني غنماً، فأنزل الله {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} إلى قوله {سريع الحساب} . وأخرج ابن جرير عن أنس بن مالك في قوله {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون: اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدونا الظفر، وردنا صالحين إلى صالحين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: كانوا يقولون: ربنا آتنا رزقاً ونصراً، ولا يسألون لآخرتهم شيئاً فنزلت. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو يعلى عن أنس قال كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غادر رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله.! إذن لا تطيق ذلك ولا تستطيعه، فهلا قلت ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ ودعا له فشفاه الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن أبي حاتم عن أنس. أن ثابتاً قال له: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. فأعاد عليه فقال: تريدون أن أشقق لكم الأمور إذا أتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله. وأخرج الشافعي وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن السائب. أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والحجر"حديث : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكاً يقول آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس. أن ملكاً موكلاً بالركن اليماني منذ خلق الله السموات والأرض يقول: آمين آمين. فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وأخرج ابن ماجة والجندي في فضائل مكة عن عطاء بن أبي رباح سئل عن الركن اليماني وهو في الطواف فقال: حدثني أبو هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وكل به سبعون ملكاً فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قال: آمين ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن أبي نجيح قال: كان أكثر كلام عمر وعبد الرحمن بن عوف في الطواف: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن حبيب بن صهبان الكاهلي قال: كنت أطوف بالبيت وعمر بن الخطاب يطوف ما له إلا قوله: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ما له هجيري غيرها. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة. أنه كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: ينبغي لكل من نفر أن يقول حين ينفر متوجهاً إلى أهله: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانوا أصنافاً ثلاثة في تلك المواطن يومئذ: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون، وأهل الكفر، وأهل النفاق {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} إنما حجوا للدنيا والمسألة لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} والصنف الثالث {أية : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} تفسير : [البقرة: 204]. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن أنس قال "حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: تسأل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ثم أتاه من الغد فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: تسأل ربك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ثم أتاه من الغد فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: تسأل ربك العفو والعافية، ثم أتاه من اليوم الرابع فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: تسأل ربك العفو والعافية، في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أعطيتهما في الدنيا ثم أعطيتهما في الآخرة فقد أفلحت ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} قال: عافية {وفي الآخرة حسنة} قال: عافية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والذهبي في فضل العلم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن في قوله {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} قال: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: حسنة الدنيا المال، وحسنة الآخرة الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} قال: الرزق الطيب، والعلم النافع. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في الآية قال: المرأة الصالحة من الحسنات. وأخرج ابن المنذر عن سالم بن عبد الله بن عمر {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} قال: الثناء. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} قال: مما عملوا من الخير. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {والله سريع الحساب} قال: سريع الإِحصاء. وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس، إن رجلاً قال له: إني أجرت نفسي من قومي على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزىء ذلك عني؟ قال: أنت من الذين قال الله {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} . وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سفيان قال: أصحاب عبد الله يقرأونها {أولئك لهم نصيب مما اكتسبوا}.
ابو السعود
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ} عبادتِكم المتعلّقةَ بالحج وفرَغتم منها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ} أي فاكثِروا ذكرَه تعالى وبالغوا في ذلك كما تفعلون بذكر آبائِكم ومفاخرِهم وأيامِهم، وكانت العربُ إذا قضَوْا مناسكهم وقفوا بمنىً بـين المسجد والجبل فيذكرون مفاخِرَ آبائِهم ومحاسِنَ أيامِهم. {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} إما مجرورٌ معطوفٌ على الذكر بجعله ذاكراً على المجاز والمعنى فاذكروا الله ذكراً كائناً مثلَ ذكرِكم آباءَكم أو كذكرٍ أشدَّ منه وأبلغَ أو على ما أضيف إليه بمعنى أو كذكر قومٍ أشدَّ منكم ذكراً أو منصوبٌ بالعطف على آباءَكم، وذكراً من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشدَّ مذكورٍ من آبائكم أو بمضمر دلَّ عليه المعنى تقديرُه أو كونوا أشدَّ ذكراً لله منكم لآبائكم {فَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفصيلٌ للذاكرين إلى من يطلُب بذكر الله الدنيا وإلى من يطلُب به خيرَ الدارَيْن والمرادُ به الحثُّ على الإكثار والانتظامِ في سلك الآخَرين {مَن يِقُولُ} أي في ذكره {رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا} أي اجعل إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدنيا خاصة {وَمَا لَهُ فِى ٱلأخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} أي من حظَ ونصيبٍ لاقتصار همِّه على الدنيا فهو بـيانٌ لحاله في الآخرة أو من طلبِ خَلاقٍ فهو بـيانٌ لحاله في الدنيا وتأكيدٌ لقصر دعائه على المطالب الدنيوية {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} هي الصِّحةُ والكَفاف والتوفيقُ للخير {وَفِي ٱلأخِرَةِ حَسَنَةً} هي الثوابُ والرحمة {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} بالعفو والمغفرةِ ورُوي عن علي رضي الله عنه أن الحسنةَ في الدنيا المرأةُ الصالحة، وفي الآخرةِ الحورُ، وعذابُ النار امرأةُ السوءِ، وعن الحَسَن أن الحسنةَ في الدنيا العلمُ والعبادة، وفي الآخرة الجنة. وقنا عذابَ النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدِّية إلى النار {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوت الجميلةِ، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من الإشارة إلى علوِّ درجتِهم وبُعْدِ منزلتِهم في الفضل وقيل: إليهما معاً فالتنوينُ في قوله تعالى: {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} على الأول للتفخيم وعلى الثاني للتنويعِ أي لكلِّ نوعٍ منهم نصيبٌ من جنس ما كسَبوا أو من أجله كقوله تعالى: {أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ أُغْرِقُواْ } تفسير : [نوح، الآية 25] أو مما دَعَوْا به نعطيهم منه ما قدّرناه، وتسميةُ الدعاء كسْباً لما أنه من الأعمال {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يحاسبُ العبادَ على كثرتهم وكثرةِ أعمالهم في مقدار لمحة فاحذَروا من الإخلال بطاعةِ مَنْ هذا شأنُ قدرتِه أو يوشك أن يُقيمَ القيامةَ ويحاسِبَ الناسَ فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ}. قيل: معناه إنك تذكر إحسان أبيك إليك فتذكره بذلك أبدًا، وإحسانى إليك أقدم وأكثر فاذكرنى كما تذكر أباك. وقيل هو الذى أوجد أباك وألقى فى قلبه رحمتك، فذكر ولى النعم الأول أولى. وقال بعضهم: اذكرنى بالنعماء يُرى عليك منى روائد الآلاء فاذكرونى بالخوف تجدنى أمانًا لك عند المخاوف، واذكرنى بالعبودية الخالصة أقبلك على شرائط السلامة عاجلاً وآجلاً، واذكرنى بى أوصلك إلىَّ فإن من ذكرنى لرغبة أو رهبة أعطيته مرغوبه وأمنته من مرهوبه، ومن ذكرنى لى كُنت له عوضًا من الكلِّ، ومن كنت له فالأكوان كلها فى أسره. قال الواسطى: ذكر عارضى ودعا عادتى كيف تُرجى بركته أو نموه وزيادته.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}. {قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} إشارة إلى القيام بحق العبودية. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} إشارة إلى القيام بحق المحبة. قضاء المناسك قيامٌ بالنفس. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} قيامٌ له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق العمر. ويقال كما أنَّ الأغيار يفتخرون بآبائهم، ويستبشرون بأسلافهم فَلْيَكُنْ افتخاركم بنا واستبشاركم بنا. ويقال إن كان لآبائكم عليكم حقُّ التربية فحقُّنا عليكم أوجب، وأفضالنا عليكم أتم. ويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما لآبائكم من حسن الحال. ويقال إنك لا تملُّ ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك، فاسْتَدِمْ ذِكرنا، ولا تَعْترِضَنَّكَ ملالة أو سآمة أو نسيان. ويقال إنْ طَعَنَ في نَسَبِكَ طاعِنٌ لم ترضَ فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل الضلال والبِدَعِ فَذُبَّ عنَّا. ويقال الأبُ يُذكَرُ بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف القربة بحسن التربية. وقال {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يُذكَر احتراماً والأم تُذكَر شفقةً عليها، والله يَرْحَم ولا يُرْحَم. {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} لأن الحقَّ أحقُّ، ولأنك قد تستوحش كثيراً عن أبيك، والحقُّ سبحانه مُنَزَّهٌ عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضي الواجب حتى إن كان ذرة. وقوله {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} الأب على ما يستحقه والرب على ما يستحقه. قوله جلّ ذكره: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}. خطاب لو قاله مخلوقٌ لَكَ كان شاكراً، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك لساءت الحالة، ولكن بفضله أَحَلَّكَ محل أن يشكو إليك فقال: مِنَ الناس من لا يجنح قلبه إلينا، ويرضى بدوننا عنَّا، فلا يبصر غير نفسه وحظِّه، ولا يمكن إيمان له بربه وحقِّه.
البقلي
تفسير : {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} اى فاذكرونى ذكر من يعلم فى جميع الاحيان ولده احد لانه ذكر لا يسقط عن الاسنان بادا في حياته فكذا ينبغى ذكر خالق الاباء والامهات وايضا فاكذرونى كذكر الطفل اباه فى جميع ما ارادته ياوى اليه فى جميع مراده وانه يعلم ان ليس له ملجا الا اليه فادب اللله بهذه الاية شرائط المعبودية بنعت الذكر وايضا وبخ الله بذكرهم غير ربهم وهذا المعنى مبهم الى اكثر المفهوم وقيل معناه انك تذكر احسان ابيك اليك فتذكره بذلك ابدا واحسانى اليك اقدم واكثر فاذكرنى كما تذكر اباك وقال بعضها ذكرونى بالنعماء يرد عليك زوايد الالاء وقال الواسطى ذكر عراضى ودعاء عادنى كيف يرجى بركاته او نماؤه او زايدته سئل ابو يعقوب المكى كيف تذكر الحق كذكر الاب فقال اعلم انه اذا ضربك فانه ادبك لحبه لك واذا سلبك فاعلم انه اعطاك بقربه منك وليس يسعك سؤ الظن به لشفقته عليك وقال ابن عاء يوما لاصحابه اذكروا الله بالستنكم حتى لا تتحرك لغيره واذكروه ببقلوبكم حتى لا تتكفروا والغيره واذكروه باسراركم حتى يحيى به واذكروه باواحكم حتى تعلق بوحكم بانواره قال الشبلى بذكر الله طلع الالياس عن بساتين الانس بذكر الله فاذا الاولياء بحوائر الرحمن وبذكره همت قولب العارفين شوقا اليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فإذا قضيتم مناسككم} اى اتممتم عباداتكم الجاهلية التى امرتم بها فى الحج وفرغتم منها {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} يعنى فاتركوا عادة الجاهلية واتبعوا سنن الاسلام واشتغلوا بذكر رب الانام وكانت العرب اذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل ويذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن ايامهم يريد كل واحد منهم بذلك حصول الشهرة والترفع له بمآثر سلفه فناهم الله عن ذلك وامرهم بان يجعلوا بدل ذكرهم آباءهم ذكر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه اذ الخير كله من عنده وآباؤهم عبيده ونالوا ما نالوا بافضاله: قال السعدى قدس سره شعر : كراز حق نه توفيق خيرى رسد كى ازبنده خيرى بغيرى رسد تفسير : {أو أشد ذكرا} مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على المجاز اى اذكروه ذكرا كان مثل ذكرككم المتعلق بآبائكم او كذكر هو اشد منه وابلغ ذكرا او تحقيقه ان فعل انما يضاف الى ما بعده اذا كان من جنس ما قبله كقولك وجهك احسن وجه اى احسن الوجوه فاذا نصب ما بعده كان غير الذى قبله كقولك زيد افره عبدا فالفراهة للعبد لا لزيد والمذكور قبل اشد هنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال اشد ذكرا انما قياسه ان يقال للذكر اشد ذكر جرا اضافة فوجه النصب انه يجعل الذكر ذاكرا مجازا ويجوز نسبة الذكر الى الذكر بان يسمع انسان الذكر فيذكر فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه {فمن الناس} اى من الذين يشهدون الحج {من يقول} فى ذكره مقتصرا على طلب الدنيا {ربنا آتنا فى الدنيا} اى ايتاءنا ومنحتنا فى الدنيا خاصة من الجاه والغنى والنصرة على الاعداء وما هو من الحظوظ العاجلة وهم المشركون لانهم لا يسألون فى حجهم الا الدنيا {وما له فى الآخرة من خلاق} اى نصيب وحظ لان همه مقصور على الدنيا حيث سأل فى اعز المواقف احقر المطالب واعرض عن سؤال النعيم الدائم والملك العظيم.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله تعالى: {فإذا قضيتم} معناه فرغتم منها. وأصل القضاء: فصل الأمر على أحكام. وقد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك وقد يفصل بالعمل له على تمام كقوله {أية : فقضاهن سبع سماوات في يومين}تفسير : وقد يفصل بالاخبار على القطع كقوله تعالى: {أية : وقضينا إلى بني إسرائيل}تفسير : وقد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الالزام بالقهر. والمناسك المأمور بها ها هنا جميع أفعال الحج المتعبد بها في قول الحسن وغيره من أهل العلم - وهو الصحيح - وقال مجاهد: هي الذبائح. وقوله {فاذكروا الله} فالذكر هو العلم وقيل: هو حضور المعنى للنفس بالقول أو غيره مما هو كالعلة، لحضوره بها. وقيل: المراد به ها هنا التكبير أيام منى لأنه الذكر الذي يختصه بالترغيب فيه على غيره من الاوقات. وقيل أيضاً إنه سائر الدعاء لله تعالى في ذلك الموطن، لأنه أفضل من غيره - وهو الأقوى - لأنه أعم. وقوله: {كذكركم آباءكم} معناه ما روي عن أبي جعفر "ع" أنهم كانوا يجتمعون، يتفاخرون بالآباء، وبمآثرهم، ويبالغون فيه. وقوله {أو أشد ذكراً} إنما شبه الأوجب بما هو دونه في الوجوب، لأمرين: أحدهما - أنه خرج على حال لأهل الجاهلية كانت معتادة: أن يذكروا آباءهم بأبلغ الذكر على وجه التفاخر، فقيل: اذكروا الله كالذكر الذي كنتم تذكرون به آباءكم في المبالغة، أو أشد ذكراً بما له عليكم من النعمة. هذا قول أنس، وأبي وائل، والحسن، وقتادة. والثاني - قال عطا: أذكروه بالاستعانة به، كذكركم آباءكم: الصبي لأبيه إذا قال: يا أباه. والأول هو المعتمد. الاعراب: وإنما نصب {ذكراً} ولم يخفض كما يخفض في قولهم هذا الذكر أشد ذكر، لأن فيه ضميراً منهم نظير قولك: هم أشد ذكراً، وفي أشد ضميرهم، ولو قلت مررت به أشد ذكراً لكان منصوباً على الحال فأما الذكر، فعلى التمييز. المعنى: فان قيل: الأمر بالذكر ها هنا بعد قضاء المناسك أو معه؟ قيل: أجاز أبو علي الوجهين، واستشهد بقولهم: إذا وقفت بعرفات فادع الله، وإذا حججت، فطف بالبيت. والخلاق: النصيب من الخير، وأصله التقدير، فهو النصيب من الخير على وجه الاستحقاق.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} جملة افعال الحجّ الى الثّالث عشر من ذى الحجّة {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} حيثما كنتم او مناسككم بعرفات والمزدلفة فاذكروا الله بمنى ومكّة او اذا قضيتم مناسككم فيهما وفى منى بالحلق او التّقصير فاذكروا الله بمكّة او اذا قضيتم فى هذه المواضع وفى مكّة فاذكروا الله فى ايّام منى، ويؤيّده تفسير الذّكر بالتكبيرات فى ايّام منى {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} نسب الى الباقر (ع) انّه قال: كانوا اذا فرغوا من الحجّ يجتمعون هناك ويعدّون مفاخر آبائهم ومآثرهم فأمر الله سبحانه ان يذكروه مكان ذكر آبائهم فى هذا الموضع او اشدّ ذكراً {فَمِنَ ٱلنَّاسِ} عطف نحو عطف التّفصيل على الاجمال باعتبار المعنى كأنّه قيل النّاس فى ذكر الله أصناف او قائم مقام جزاء شرط محذوف كأنّه قال: واذا ذكرتم الله فأخلصوا نيّاتكم عن طلب الدّنيا لأنّ من النّاس {مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} ولم يذكر المسؤل للاشعار بأنّه من جنس الدّنيا فلا حاجة الى ذكره بخلاف المؤمن فانّه لا يطلب فى الدّنيا الاّ ما هو مطلوب للآخرة ولذلك ذكر مطلوبه. اعلم انّ الدّنيا معبر الكلّ لا وقوف لاحد فيها قد وكّل الله على كلّ نفس جنوداً كثيرة يعنفونه السّلوك الى الآخرة لا يدعونه يقف آناً واحداً فى مقام، فالاحمق من يظنّ المقام فيها ويطلب من القادر الغنىّ ما يتركه ويذهب هو عنه فالطّلب للدّنيا من غاية العمى عنها وعن الآخرة، ولمّا كان النّاظر الى الدّنيا اعمى عنها وعن ذهابها عنه وكان لا يطلب فيها للآخرة شيئاً وما يطلب للدّنيا لا يبقى معه فيخرج من الدّنيا صفر اليدين من متاع الدّنيا والآخرة قال تعالى {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} نصيب من الخير فانّه يستعمل فى الخير.
اطفيش
تفسير : {فَإذا قَضَيْتُم}: أديتم. {مَنَاسِكَكُم فاذكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُم آبَاءَكُم}. المناسك: أفعال الحج، وقال مجاهد: إراقة الدماء، والأول أوضح كانت العرب إذا فرغوا من الحج خطب كل فريق بمحاسن آبائه وحدث بها، ويشتغِلون بذلك، ولا يكادون يذكرون سوى ذلك، يقفون بمنى بين المسجد والجبل، ويذكرون ذلك نثراً ونظما: يذكرون جودهم وشجاعتهم وغير ذلك، يقول أحدهم: كان أبى كبير الجفنة، رحب الفناء، يَقْرى الضيف، وكان كذا وكذا. وقيل: يفعلون ذلك عند البيت، ويجمع بينهما بأنهم يفعلون ذلك فى الموضعين وذلك رياء وشهرة، وتسمع وترفع، فلما منَّ الله سبحانه عليهم بالإسلام أمرهم أن يذكروا الله ذكراً شبيها بذكرهم آباءهم فى الكثرة، هذا قول الجمهور، أى أكثروا ذكرى فأنا الذى أنعم عليكم وعلى آبائكم بذلك، وأنعم عليكم بالإسلام الذى هو أعظم من ذلك. وروى عطاء عن ابن عباس المعنى فاذكروا الله كذكركم آباءكم حين كنتم صغاراً، لأن الصبى حين يفصح بالكلام ينطق بأبيه وأمه، ولا يعرف غير الإكثار من ذكرهما، ويلتجئ إليهما ويستغيث بهما فليلتج المكلف إلى الله كذلك، ويستغيث به ويذكره. {أو أشدَّ ذِكراً}: فتحة أشد نائبة عن الكسرة فهى جر، والعطف على ذكركم، أى أو كأشد ذكرا، فيقدر موصوف، أى وكذكرم أشد ذكرا فحينئذ يكون الذكر المقدر، قد أسند إليه أنه ذاكر، كما أن الإنسان ذاكر، وذلك أن تمييز اسم التفضيل فعل لموصوف اسم التفضيل، وذلك من إسناد صفة إلى شئ هو صاحب من هى له حقيقة، فهو مجاز عقلى، أو العطف على كاف ذكركم، ويقدر موصوف، والإسناد حقيقة، أى أو قوم أشد ذكراً منكم للآباء، فكأنهُ قيل، كذكركم آباءكم أو كذكر قوم أشد ذكرا، وفيه العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، والأكثر الإعادة، وقيل: يكفى عن الإعادة الفصل كما فى العطف على الضمير المرفوع، ويجوز أن تكون فتحة أشد نصبا، والعطف على آبائكم أى: أو كذكركم رجلا أسد ذكراً، أى رجلا من آبائكم ذكره يكون أكثر من ذكر غيره، على أن ذكراً مصدر من المبنى للمفعول، ويغلط كثير فى كون المصدر من المبنى للمفعول، وكونه من المبنى للفاعل، فيعد المصدر المضاف للمفعول بلا ذكر فاعل من المصادر المبنية من المبنى للمفعول، وليس كذلك، لأن الفاعل ملحوظ اللفظ حينئذ كما لحظ معناه، ويجوز أن يكون أشد حالا من ذكْرا بعّده، إذ لو تأخر لكان نعته وَذِكْرا معطوف على الكاف الأولى فى قوله: {كذكركم} على أنها اسم، أى فاذكروا الله مثل ذكركم آباءكم، أو ذكراً أشد أى اذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم، أو ذكراً أشد أو معطوف على المنعوت المحذوف، على أن الكاف حرف، أى اذكروا الله ذكراً ثابتاً كذكركم آباءكم، أو ذكراً أشد، ويجوز كون أشد خبراً لكون محذوف، أى كونوا أشدّ ذكراً لله منكم لآبائكم، وذلك لأن الله هو المنعم عليهم وعلى آبائهم، وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقيل له: قد يأتى على الرجل اليوم ولا يذكر أباه فقال: ليس كذلك، ولكن إن تغضب الله عز وجل إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتم، وأو للشك باعتبار المخلوق، أى: ذكرا يظن الإنسان أهو أكثر من ذكر الآباء أو ذكر الآباء أكثر، إذا اعتبر ما بينهما، ويجوز أن تكون بمعنى بل، وقيل بمعنى الواو، والمراد من الذكر حضور القلب، فينبغى أن يكون مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه فالتدبر فى الذكر مطلوب كما هو مطلوب فى القراءة لاشتراكهما المقصود، ولهذا أكان المذهب الصحيح المختار مد الذاكر لا إله إلا الله لما فيه من التدبر، قاله النووى، تلميذ ابن مالك الذى أشار إليه فى خلاصته بقوله: شعر : ورجل من الكرام عندنا تفسير : وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى الساحلى المالقى المنسوب إلى الأنصار، أنصار النبى صلى الله عليه وسلم، وإلى ساحل بحر بالأندلس، وإلى مدينة بالأندلس تسمى مالقة من أعمالها المدينة المسماة بسهيل اسم الكوكب، لأنهُ لا يرى فى الأندلس إلا من جبل مطل هناك فى كتاب الذى ألفه فى السلوك، ومنفعة الذاكر أبداً إنما هى تتبع معناه بالفكر ليقتبس الذاكر من ذكره أنوار المعرفة، ويحصل على اللب المراد ولا خير فى ذكر مع قلب غافل ساه ولا مع تضييع شئ من رسوم الشرع، قال: ولا مطمع للذاكر فى درك حقائق الذكر إلا بأعمال الفكر فيما تحت ألفاظ الذكر من المعانى، وليدفع خطرات نفسه عن باطنه راجعاً إلى مقتضى ذكره حتى يغلب معنى الذكر على قلبه، وقد آن له أن يدخل فى دائرة أهل المحاضرات انتهى. {فَمِن النَّاسِ مَن يَقُولُ ربَّنا آتنا فى الدُّنْيا}: الفاء للتعليل، أى اذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً، لأن من الناس من يقتصر على طلب الدنيا، أى اذكروا الله ذكرا حقيقاً لئلا تكونوا منهم، ولتكونوا من الذين يطلبون الدنيا والآخرة، أو الفاء للتفريغ فإنهم إذ كانوا قبل الإسلام يذكرون آباءهم وحى بعضهم فذكر الله مع غيره من الناس كان فريقان: فريق يطلب الدنيا وفريق يطلبها والآخرة فيجوز أن تكون للاستئناف وأن تكون فى جواب شرط محذوف، أى إذا ذكرتم الله ذكراً حقيقاً فمن الناس من يقول، ويتحصل الفريق الثانى رضى الله عنهم بكم إذا ذكرتم الله ذكراً حقيقاً، ومفعول آت الثانى محذوف، والأول هونا، أى ربنا آتنا فى الدنيا حسنة للدلالة ما بعد ذلك عليه أو حذف للتعميم فإنهم لا يقتصرون على نوع واحد من أنواع الدنيا، ولا يَنَّفِقَون على دعاء واحد، ولا يطلبون منها الكفاية مختصرة، بل يفصلون لرغبتهم فيها ففيه حذفه اختصار، ويجوز ألا يكون له مفعول ثان على طريق العرب فى عدم تعلق أغراضهم ببعض المفاعيل، والحسنة التى يطلبون فى الدنيا ما يشتهونه منها فيعطيهم منها ما قضاه فى الأزل لهم، وذلك أنهم كانوا لا يعرفون الآخرة ولا يؤمنون بالبعث، ولو آمن به بعضهم لكنه غلب عليه حب الدنيا ولم تثبت الآخرة فى قلبه، قال أبو وائل وغيره: كانت عادتهم فى الجاهلية الدعاء بمصالح الدنيا فقط إذا كانوا لا يعرفون الآخرة، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا بصيغة الخبر، وذلك حال المشركين مطلقاً. وقيل المراد فى الآية: بيان حالهم فى الحج أنهم يسألون فيه الدنيا وحدها، وكان بعضهم يقول: اللهم اعطنا إبلا وبقراً وعبيداً وإماءً، ويقوم أحدهم فيقول: اللهم إن أبى كان عظيم الفيئة كبير الجفنة كثير المال فأعطنى مثل ما أعطيته، ومعنى كبير الجفنة أنه كثير الصدقة جواد، قال قتادة: هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق ولها عمل ولها نصب. وروى البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تعس عبد الدنيا وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطى رضى وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"تفسير : والتعس الهلاك، والخميصة ثوب من خز أو صوف فيه أعلام، والانتكاس الانقلاب على الرأس، وهو دعاء بالهلاك بالخيبة والخسران، وشيك أصابه الله بشوكة والانتقاش إخراجها. {وما لَه فى الآخرة مِنْ خَلاقِ}: من نصيب.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَٰسِكَكُمْ} عباداتكم الحجية، من وقوف بعرفات، والمزدلفة، والذكر فيهما، ورمى العتبة، والحلق، وطواف الزيارة، والسعى، وإستقررتم بمنى، ويجوز تأخير الطواف والسعى عن أيام منى {فَاذْكُرُوا اللهَ} بالتكبير والثناء، وبالغوا فى الذكر بالكيفية ولو أمروا بالإكثار أيضاً، {كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ} كما تبالغون فى كيفية ذكر آبائكم عند المفاخرة فى منى، بين الجبل والمسجد، كانوا يعتادون ذلك فى جميع يومهم، ويذكرون محاسن حروبهم، رواه ابن جرير وغيره، والآية تلويح إلى جعل ذكر الله مكان ذكر الآباء والحروب وإلى ترك ذكرها {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} أو كونوا أشد ذكراً لله منكم لآبائكم، أو عطف على الكاف، أو على ثابتاً، أى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكر آبائكم، أو ذكراً كذكر آبائكم، فيكون ذكرهم ذاكراً، كقولهم شعر شاعر بتنوين شعر، وصومه صائم من المجاز العقلى، والفتح نصب، ويجوز عطفه على ذكر، فالفتح جر، وإذا جعلنا ذكراً مصدراً من المبنى للمفعول لم يكن من المجاز العقلى، أو معطوف، وأشد حال منه بخلاف أشد، فإنه على كل حال من فعل مبنى للفاعل ولا تهم، ويجوز تقدير أو كذكر قوم أشد ذكراً منكم، واختار أبو حيان، أن أشد حال من ذكرا بعده، ووجهه أن قوله اذكروا الله كذكركم آباءكم، أو ذكرا أشد منه أبلغ من قوله اذكروا الله ذكرا كذكركم آباءكم أو أشد وليس فى إعراب أبى حيان طلب حالية الذكر، بل فيه طلب الذكر بقيد أن يكون أشد {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ} تفريع على قوله، فاذكروا الله، وهذا تفصيل بالجملة بعد الفاء لا بالفاء، فقد تكون الفاء تعليلا، لقوله، فاذكرو الله، أى لأن الناس بين مقل ومكثير، ومصيب فى ذكره ومخطىء فى منى، فكونوا من المكثرين المصيبين فيها، لأن من الذاكرين من يقلل ويخطىء، وهو من يقتصر على الدنيا فى دعائه {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا} مالا وولداً وجاها ونحو ذلك أو بعض ذلك، ومتاع الدنيا كله قليل ولا يدعو لآخرته فقد يؤتى ما يدعو به وقد لا يؤتاه {وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ} بعد الموت من الجنة {مِنْ خَلَقٍ} نصيب لأنه لم يتعرض له فى الدنيا، ولا يطلق خلاق إلا على نصيب الخير، وسمى خلاقا لأنه خلق له، كما سمى نصيبا لأنه نصب له، أو ما له فى ذكره ودعائه نصيب يدعو به لآخرته، أى وما له فى شأن آخرته نصيب من دعائه.
الالوسي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ} أي أديتم عباداتكم الحجية وفرغتم منها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ} أي كما كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخر، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أهل الجاهلية يجلسون بعد الحج فيذكرون أيام آبائهم وما يعدون من أنسابهم يومهم أجمع فأنزل الله تعالى ذلك {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} إما مجرور معطوف/ على الذكر بجعل الذكر ذاكراً على المجاز والمعنى ـ واذكروا الله ذكراً كذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه وأبلغ ـ أو على ما أضيف إليه بناءاً على مذهب الكوفيين المجوزين للعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض في السعة بمعنى ـ أو كذكر قوم أشد منكم ذكراً ـ وإما منصوب بالعطف على {ءابَاءكُمْ} و {ذِكْراً} من فعل المبني للمفعول بمعنى أو كذكركم أشد مذكورية من آبائكم، أو بمضمر دل عليه المعنى أي ليكن ذكركم الله تعالى أشد من ذكركم آباءكم أو كونوا أشد ذكراً لله تعالى منكم لآبائكم كذا قيل، واختار في «البحر» أن يكون (أشد) نصب على الحال من {ذِكْراً} المنصوب ـ باذكروا ـ إذ لو تأخر عنه لكان صفة له وحسن تأخر {ذِكْراً} لأنه كالفاصلة ولزوال قلق التكرار إذ لو قدم لكان التركيب فاذكروا الله كذكركم آباءكم، أو اذكروا ذكراً أشد، وفيه أن الظاهر على هذا الوجه أن يقال أو أشد بدون (ذكراً) بأن يكون معطوف على {كَذِكْرِكُمْ} صفة للذكر المقدر وأن المطلوب الذكر الموصوف بالأشدية لا طلبه حال الأشدية. {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ} جملة معترضة بين الأمرين المتعاطفين للحث والاكثار من ذكر الله تعالى وطلب ما عنده، وفيها تفصيل للذاكرين مطلقاً حجاجاً أو غيرهم كما هو الظاهر إلى مقل لا يطلب بذكر الله تعالى إلا الدنيا ومكثر يطلب خير الدارين، وما نقل عن بعض المتصوفة من قولهم إن عبادتنا لذاته تعالى فارغة من الأغراض والاعراض جهل عظيم ربما يجر إلى الكفر كما قاله حجة الإسلام قدس سره لأن عدم التعليل في الأفعال مختص بذاته تعالى على أن البعض قائل بأن أفعاله سبحانه أيضاً معللة بما تقتضيه الحكمة، نعم إن عبادته تعالى قد تكون لطلب الرضا لا لخوف مكروه أو لنيل محبوب لكن ذا من أجل حسنات الأخرى يطلبه خلص عباده قال تعالى: {أية : وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [التوبة: 72] وقرن سبحانه الذكر بالدعاء للإشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة لا مجرد التفوه والنطق به، وذهب الإمام وأبو حيان إلى أن التفصيل للداعين المأمورين بالذكر بعد الفراغ من المناسك، وبدأ سبحانه وتعالى بالذكر لكونه مفتاحاً للإجابة ثم بين جل شأنه أنهم ينقسمون في سؤال الله تعالى إلى من يغلب عليه حب الدنيا فلا يدعو إلا بها ومن يدعو بصلاح حاله في الدنيا والآخرة، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة حطاً لطالب الدنيا عن ساحة عز الحضور، ولا يخفى أن الأول هو المناسب لإبقاء (الناس) على عمومه والمطابق لما سيأتي من قوله سبحانه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ }تفسير : [البقرة: 204] الخ {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى }تفسير : [البقرة: 207] نعم سبب النزول ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ طائفة من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيطلبون الدنيا، وطائفة من المؤمنين يجيئونه فيطلبون الدنيا والآخرة وهذا لا يقتضي التخصيص. {رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا} أي اجعل كل إيتائنا ومنحتنا فيها فالمفعول الثاني متروك ونزل الفعل بالقياس منزلة اللازم ذهاباً إلى عموم الفعل للإشارة إلى أن همته مقصورة على مطالب الدنيا {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} إخبار منه تعالى ببيان حال هذا الصنف في الآخرة يعني أنه لا نصيب له فيها ولا حظ؛ و ـ الخلاق ـ من خلق به إذا لاق، أو من الخلق كأنه الأمر الذي خلق له وقدر، وقيل: الجملة بيان لحال ذلك في الدنيا فهي تصريح بما علم ضمناً من سابقه تقريراً له وتأكيداً أي ليس له في الدنيا طلب خلاق في الآخرة، وليس المراد أنه ليس له طلب في الآخرة للخلاق ليقال: إن هذا حكم كل أحد إذ لا طلب في الآخرة وإنما فيها الحظ والحرمان، ويجاب بمنع عدم الطلب إذ المؤمنون يطلبون زيادة الدرجات والكافرون الخلاص من شدة العذاب، و {مِنْ} صلة، و ـ له ـ خبر مقدم والجار والمجرور بعده متعلق/ بما تعلق به أو حال مما بعده.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: { أية : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } تفسير : [البقرة: 199] لأن تلك الإفاضة هي الدفع من مزدلفة إلى منى أو لأنها تستلزم ذلك ومنى هي محل رمي الجمار، وأشارت الآية إلى رمي جمرة العقبة يوم عاشر ذي الحجة فأمرت بأن يذكروا الله عند الرمي ثم الهدي بعد ذلك وقد تم الحج عند ذلك، وقضيت مناسكه. وقد أجمعوا على أن الحاج لا يرمي يوم النحر إلاّ جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس إلى الزوال ثم ينحر بعد ذلك، ثم يأتي الكعبة فيطوف طواف الإفاضة وقد تم الحج وحل للحاج كل شيء إلاّ قربان النساء. والمناسك جمع مَنْسَك مشتق من نسك نَسْكاً من باب نصر إذا تعبد وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : وأرنا مناسكنا } تفسير : [البقرة: 128] فهو هنا مصدر ميمي أو هو اسم مكان والأول هو المناسب لقوله: {قضيتم}؛ لئلا نحتاج إلى تقدير مضاف أي عبادات مناسككم. وقرأ الجميع {مناسككم} بفك الكافين وقرأه السوسي عن أبي عمرو بإدغامهما وهو الإدغام الكبير. وقوله: {فاذكروا الله} أعاد الأمر بالذكر بعد أن أمر به وبالاستغفار تحضيضاً عليه وإبطالاً لما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال بفضول القول والتفاخر، فإنه يجر إلى المراء والجدال، والمقصد أن يكون الحاج منغمساً في العبادة فعلاً وقولاً واعتقاداً. وقوله: {كذكركم أباءكم} بيان لصفة الذكر، فالجار والمجرور نعت لمصدر محذوف أي ذكراً كذكركم الخ إشارة إلى ما كانوا عليه من الاشتغال في أيام منى بالتفاخر بالأنساب ومفاخر أيامهم، فكانوا يقفون بين مسجد منى أي موضعه وهو مسجد الخيف وبين الجبل (أي جبل منى الذي مبدؤه العقبة التي ترمى بها الجمرة) فيفعلون ذلك. وفي «تفسير ابن جرير» عن السدي: كان الرجل يقوم فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه وذكر أقوالاً نحواً من ذلك. والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به وليس فيه ما يؤذن بالجمع بين ذكر الله وذكر الآباء. وقوله: {أو أشد ذكرا} أضل أو أنها للتخيير ولما كان المعطوف بها في مثل ما هنا أولى بمضمون الفعل العامل في المعطوف عليه أفادت (أو) معنى من التدرج إلى أعلى، فالمقصود أن يذكروا الله كثيراً، وشبه أولاً بذكر آبائهم تعريضاً بأنهم يشتغلون في ذلك المناسك بذكر لا ينفع وأن الأجدر بهم أن يعوضوه بذكر الله فهذا تعريض بإبطال ذكر الآباء بالتفاخر. ولهذا قال أبو علي الفارسي وابن جنى: إن (أو) في مثل هذا للإضراب الانتقالي ونفَيَا اشتراط تقدم نفي أو شبهه واشتراط إعادة العامل. وعليه خُرج قوله تعالى: { أية : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } تفسير : [الصافات: 147]، وعلى هذا فالمراد من التشبيه أولاً إظهار أن الله حقيق بالذكر هنالك مثل آبائِهم ثم بين بأن ذكر الله يكون أشد لأنه أحق بالذكر. و(أشد) لا يخلو عن أن يكون معطوفاً على مصدر مقدر منصوب على أنه مفعول مطلق بعد قوله {كذكركم آباءكم} تقديره: {فاذكروا الله ذكراً كذكركم آباءكم} فتكون فتحة {أشد} التي في آخره فتحة نصب، فنصبه بالعطف على المصدر المحذوف الذي دل عليه قوله {كذكركم} والتقدير: ذكراً كذكركم آباءكم، وعلى هذا الوجه فنصب {ذكراً} يظهر أنه تمييز لأشد، وإذ قد كان (أشد) وصفاً لذكر المقدر صار مآل التمييز إلى أنه تمييز الشيء بمرادفه وذلك ينافي القصد من التمييز الذي هو لإزالة الإبهام، إلاّ أن مثل ذلك يقع في الكلام الفصيح وإن كان قليلاً قلة لا تنافي الفصاحة اكتفاء باختلاف صورة اللفظين المترادفين، مع إفادة التمييز حينئذٍ توكيد المميز كما حكى سيبويه أنهم يقولون: هو أشح الناس رجلاً، وهما خير الناس اثنين، وهذا ما درج عليه الزجاج في «تفسيره»، قلت: وقريب منه استعمال تمييز (نعم) توكيداً في قوله جرير: شعر : تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك فينا فنِعْم الزاد زادُ أبيك زَادا تفسير : ويجوز أن يكون نصب {أشد} على الحال من (ذكر) الموالي له وأن أصل أشد نعت له وكان نظم الكلام: أو ذكراً أشد، فقدم النعت فصار حالاً، والداعي إلى تقديم النعت حينئذٍ هو الاهتمام بوصف كونه أشد، وليتأتى إشباع حرف الفاصلة عند الوقف عليه، وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات بقدر الإمكان. أو أن يكون (أشد) معطوفاً على (ذكر) المجرور بالكاف من قوله: {كذكركم} ولا يمنع من ذلك ما قيل من امتناع العطف على المجرور بدون إعادة الجار لأن ذلك غير متفق عليه بين أئمة النحو، فالكوفيون لا يمنعونه ووافقهم بعض المتأخرين مثل ابن مالك وعليه قراءة حمزة { أية : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } تفسير : [النساء: 1] بجر الأرحام وقد أجاز الزمخشري هنا وفي قوله تعالى: { أية : كخشية الله أو أشد خشية } تفسير : في [سورة النساء: 77] أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار، وبعض النحويين جوزه فيما إذا كان الجر بالإضافة لا بالحرف كما قاله ابن الحاجب في إيضاح المفصل، وعليه ففتحة {أشد} نائبة عن الكسرة، لأن أشد ممنوع من الصرف وعلى هذا الوجه فانتصاب {ذكرا} على التمييز على نحو ما تقدم في الوجه الأول عن سيبويه والزجاج. ولصاحب «الكشاف» تخريجان آخران لإعراب {أو أشد ذكراً} فيهما تعسف دعاه إليهما الفرار من ترادف التمييز والمميز، ولابن جني تبعاً لشيخه أبي علي تخريج آخر، دعاه إليه مثل الذي دعا الزمخشري وكان تخريجه أشد تعسفاً ذكره عنه ابن المنير في «الانتصاف»، وسلكه الزمخشري في تفسير آية سورة النساء. وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي، ونظيرتها آية سورة النساء، قال الشيخ ابن عرفة في «تفسيره» «وهذه مسألة طويلة عويصة ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلاّ ابن عبد السلام وابن الحباب وما قصر الطيبي فيها وهو الذي كشف القناع عنها هنا وفي قوله تعالى في [سورة النساء: 77] { أية : يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } تفسير : وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل التونسيين على نسخه؛ لأني كنت عند ابن عبد السلام لما قدم الواصل بكتاب الطيبي فقلت له: ننظر ما قال: في أشد خشية فنظرناه فوجدنا فيه زيادة على ما قال الناس فحض الشيخ إذ ذاك على نسخها اهــــ». وقوله: {فمن الناس من يقول} الخ، الفاء للتفصيل؛ لأن ما بعدها تقسيم لفريقين من الناس المخاطبين بقوله: {فاذكروا الله} الخ فقد علم السامعون أن الذكر يشمل الدعاء؛ لأنه من ذكر الله وخاصة في مظان الإجابة من الزمان والمكان، لأن القاصدين لتلك البقاع على اختلاف أحوالهم ما يقصدون إلاّ تيمناً ورجاء فكان في الكلام تقدير كأنه قيل: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً وادْعوه، ثم أريد تفصيل الداعين للتنبيه على تفاوت الذين تجمعهم تلك المناسك، وإنما لم يفعل الذكر الأعم من الدعاء، لأن الذكر الذي ليس بدعاء لا يقع إلاّ على وجه واحد وهو تمجيد الله والثناء عليه فلا حاجة إلى تفصيله تفصيلاً ينبه إلى ما ليس بمحمود، والمقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين والمشركين؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على المشركين بآية براءة، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون؛ لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين، فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة. وقوله: {آتنا} ترك المفعول الثاني لتنزيل الفعل منزلة ما لا يتعدى إلى المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض ببيانه أي أعطنا عطاء في الدنيا، أو يقدر المفعول بأنه الإنعام أو الجائزة أو محذوف لقرينة قوله {حسنة} فيما بعد، أي {آتنا في الدنيا حسنة}. و«الخلاق» بفتح الخاء الحظ من الخير والنفيس مشتق من الخلاقة وهي الجدارة، يقال خلق بالشيء بضم اللام إذا كان جديراً به، ولما كان معنى الجدارة مستلزماً نفاسة ما به الجدارة دل ما اشتق من مرادفها على النفاسة سواء قيد بالمجرور كما هنا أم أطلق كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - « حديث : إنما يلبس هذه من خلاق له » تفسير : أي من الخير وقول البعيث بن حريث: شعر : ولَسْتُ وإن قُرِّبْتُ يَوْماً ببائعٍ خَلاَقي ولا دِيني ابِتغاءَ التَّحَبُّبِ تفسير : وجملة {وما له في الآخرة من خَلَقِ} معطوفة على جملة {من يقول} فهي ابتدائية مثلها، والمقصود: إخبار الله تعالى عن هذا الفريق من الناس أنه لا حظ له في الآخرة، لأن المراد من هذا الفريق الكفار، فقد قال ابن عطية: كانت عادتهم في الجاهلية ألا يدعوا إلاّ بمصالح الدنيا إذ كانوا لا يعرفون الآخرة. ويجوز أن تكون الواو للحال، والمعنى من يقول ذلك في حال كونه لا حظ له في الآخرة ولعل الحال للتعجيب. و {حسنة} أصلها صفة لفعلة أو خصلة، فحذف الموصوف ونزل الوصف منزلة الاسم مثل تنزيلهم الخير منزلة الاسم مع أن أصله شيء موصوف بالخيرية، ومثل تنزيل صالحة منزلة الاسم في قول الحطيئة: شعر : كيفَ الهجاءُ وما تنفك صالحة من آل لأْمٍ بظهر الغَيْب تَأتِينِي تفسير : ووقعت حسنة في سياق الدعاء فيفيد العموم، لأن الدعاء يقصد به العموم كقول الحريري: شعر : يا أَهْل ذا المَغْنَى وُقِيتُمْ ضُرَّا تفسير : وهو عموم عرفي بحسب ما يصلح له كل سائل من الحسنتين. وإنما زاد في الدعاء {وقنا عذاب النار} لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب ما فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار. وقوله: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} إشارة إلى الفريق الثاني، والنصيب: الحظ المعطى لأحد في خير أو شر قليلاً كان أو كثيراً ووزنه على صيغة فَعيل، ولم أدر أصل اشتقاقه فلعلهم كانوا إذا عينوا الحظ لأحد ينصب له ويظهر ويشخص، وهذا ظاهر كلام الزمخشري في «الأساس» والراغب في «مفردات القرآن» أو هو اسم جاء على هذه الصيغة ولم يقصد منه معنى فاعل ولا معنى مفعول، وإطلاق النصيب على الشقص المشاع في قولهم نصيب الشفيع مجاز بالأول. واعلم أنه وقع في «لسان العرب» في مادة (كفل) أنه لا يقال هذا نصيب فلان حتى يكون قد أعِد لغيره فإذا كان مفرداً فلا يقال نصيب وهذا غريب لم أره لغيره سوى أن الفخر نقل مثله عن ابن المظفر عند قوله تعالى: { أية : يكن له كفل منها } تفسير : في [سورة النساء: 85]. ووقع في كلام الزجاج وابن عطية في تفسير قوله تعالى: { أية : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرب والأنعام نصيباً } تفسير : [الأنعام: 136] قال الزجاج تقدير الكلام جعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً، وقال ابن عطية قولهم جعل من كذا وكذا نصيباً يتضمن بقاء نصيب آخر ليس بداخل في حكم الأول اهــــ. وهذا وعد من الله تعالى بإجابة دعاء المسلمين الداعين في تلك المواقف المباركة إلاّ أنه وعد بإجابة شيء مما دَعوا به بحسب ما تقتضيه أحوالهم وحكمة الله تعالى، وبألا يجر إلى فساد عام لا يرضاه الله تعالى فلذلك نكر (نصيب) ليصدق بالقليل والكثير وأما إجابة الجميع إذا حصلت فهي أقوى وأحسن. وكسبوا بمعنى طلبوا، لأن كسب بمعنى طلب ما يرغب فيه. ويجوز أن يراد بالكسب هنا العمل وبالنصيبِ نصيبُ الثواب فتكون (من) ابتدائية. واسم الإشارة مشير إلى الناس الذين يقولون: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} للتنبيه باسم الإشارة على أن اتصافهم بما بعد اسم الإشارة شيء استحقوه بسبب الإخبار عنهم بما قبل اسم الإشارة، أي إن الله استجاب لهم لأجل إيمانهم بالآخرة فيفهم منه أن دُعاء الكافرين في ضلال. وقوله: {والله سريع الحساب} تذييل قصد به تحقيق الوعد بحصول الإجابة، وزيادة تبشير لأهل ذلك الموقف، لأن إجابة الدعاء فيه سريعة الحصول، فعلم أن الحساب هنا أطلق على مراعاة العمل والجزاء عليه. والحساب في الأصل العد، ثم أطلق على عد الأشياء التي يراد الجزاء عليها أو قضاؤها، فصار الحساب يطلق على الوفاء بالحق يقال حاسبه أي كافأه أو دفع إليه حقه، ومنه سمي يوم القيامة يوم الحساب وقال تعالى: { أية : إن حسابهم إلا على ربي } تفسير : [الشعراء: 113] وقال { أية : جزاء من ربك عطاء حساباً } تفسير : [النبأ: 36] أي وفاقاً لأعمالهم، وههنا أيضاً أريد به الوفاء بالوعد وإيصال الموعود به، فاستفادة التبشير بسرعة حصول مطلوبهم بطريق العموم؛ لأن إجابتهم من جملة حساب الله تعالى عباده على ما وَعدهم فيدخل في ذلك العموم. والمعنى فإذا أتممتم أيها المسلمون مناسك حجكم فلا تنقطعوا عن أن تذكروا الله بتعظيمه وحمده، وبالالتجاء إليه بالدعاء لتحصيل خير الدنيا وخير الآخرة، ولا تشتغلوا بالتفاخر، فإن ذكر الله خير من ذكركم آباءكم كما كنتم تذكرونهم بعد قضاء المناسك قبل الإسلام وكما يذكرهم المشركون الآن. ولا تكونوا كالذين لا يدعون إلاّ بطلب خير الدنيا ولا يتفكرون في الحياة الآخرة، لأنهم ينكرون الحياة بعد الموت فإنكم إن سألتموه أعطاكم نصيباً مما سألتم في الدنيا وفي الآخرة إن الله يعجل باستجابة دعائكم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قضيتم: أديتم وفرغتم منها. المناسك: جمع منسك وهي عبادات الحج المختلفة. الخلاق: الحظ والنصيب. حسنة: حسنة الدنيا كل ما يسر ولا يضر من زوجة صالحة وولد صالح ورزق حلال وحسنة الآخرة النجاة من النار ودخول الجنان. قنا: احفظنا ونجنا من عذاب النار. نصيب: حظ وقسط من أعمالهم الصالحة ودعائهم الصالح. الأيام المعدودات: أيام التشريق الثلاثة بعد يوم العيد. تعجل في يومين: رمى يوم الأول والثاني وسافر. ومن تأخر: رمى الأيام الثلاثة كلها. فلا إثم: أي لا ذنب في التعجل ولا في التأخر. لمن اتقى: للذي اتقى ربّه بعدم ترك واجب أوجبه أو فعل حرام حرمه. تحشرون: تجمعون للحساب والجزاء يوم القيامة. معنى الآيات: بهذه الآيات الأربع انتهى الكلام على أحكام الحج ففي الآية الأولى: [200] يرشد تعالى المؤمنين إذا فرغوا من مناسكهم بأن رموا جمرة العقبة ونحروا وطافوا طواف الإفاضة واستقروا بمنى للراحة والإستجمام أن يكثروا من ذكر الله تعالى عند رمي الجمرات، وعند الخروج من الصلوات ذكراً مبالغاً في الكثرة منه على النحو الذي كانوا في الجاهلية يذكرون فيه مفاخر آبائهم وأحساب أجدادهم. وبين تعالى حالهم وهي أن منهم من همه الدنيا فهو لا يسأل الله تعالى إلا ما يهمه منها، وهذا كان عليه أكثر الحجاج في الجاهلية، وأن منهم من يسأل الله تعالى خير الدنيا والآخرة وهم المؤمنون الموحدون فيقولون: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}، وهذا متضمن تعليم المؤمنين وإرشادهم إلى هذا الدعاء الجامع والقصد الصالح النافع فلله الحمد والمنة وفي الآية [202] يخبر تعالى أن لأهل الدعاء الصالح وهم المؤمنون الموحدون نصيباً من الأجر على أعمالهم التي كسبوها في الدنيا، وهو تعالى سريع الحساب فيعجل لهم تقديم الثواب وهو الجنة وفي الآية [203] يأمر تعالى عباده الحجاج المؤمنين بذكره تعالى في أيام التشريق عند رمي الجمار وبعد الصلوات الخمس قائلين الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد ثلاث مرات إلى عصر اليوم الثالث في أيام التشريق ثم أخبرهم الله تعالى بأنه لا حرج على من تعجل السفر إلى أهله بعد رمي اليوم الثاني، كما لا حرج على من تأخر فرمى اليوم الثالث فقال تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} فالأمر على التخيير وقيد نفي الإثم بتقواه عز وجل فمن ترك واجباً أو فعل محرماً فإن عليه إثم معصيته ولا يطهره منها إلا التوبة فنفي الإِثم مقيد بالتعجل وعدمه فقط. فكان قوله تعالى لمن اتقى قيداً جميلاً، ولذا فليستعدوا لذلك بذكره وشكره والحرص على طاعته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الذكر بمنى عند رمي الجمرات إذ يكبر مع كل حصاة قائلاً الله أكبر. 2- فضيلة الذكر والرغبة فيه لأنه من محاب الله تعالى. 3- فضيلة سؤال الله تعالى الخيرين وعدم الاقتصار على أحدهما، وشره الاقتصار على طلب الدنيا وحطامها. 4- فضيلة دعاء {رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}. فهي جامعة للخيرين معاً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت يختم بها كل شوط. 5- وجوب المبيت ثلاث ليالي بمنى ووجوب رمي الجمرات إذ بها يتأتى ذكر الله في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق. 6- الرخصة في التعجل لمن رمى اليوم الثاني. 7- الأمر بتقوى الله وذكر الحشر والحساب والجزاء إذ هذا الذكر يساعد على تقوى الله عز وجل.
القطان
تفسير : الخلاق: النصب والحظ. المناسك: العبادات، وغلبت على مناسك الحج. في هذه الآيات يعلمنا سبحانه ان نترك عمل أهل الجاهلية، حيث كانوا اذا فرغوا من الحج ذهبوا الى أسواق تقام في أماكن مختلفة، وشغلوا أنفسهم بالتفاخر بذكر الآباء ومآثرهم. هناك كانوا يتناشدون الاشعار والخطب ويعاقرون الخمر، وربما قامت من جراء ذلك منازعات تجر الى الحروب والخصام. وهنا يرشدنا الله فيقول: فاذا فرغتم من أعمال الحج فدعوا ما كنتم عليه وما كان عليه آباؤكم في الجاهلية واشغلوا أنفسكم بذكر الله كما كنتم تذكرون آباءكم، بل اذكروه أكثر من ذكركم لهم، لأن الله أَولى بالذكر منهم. ثم يعرض علينا صورتين من أخلاق البشر احداهما ذميمة والأخرى خيرة. فيقول: ان بعض الناس همّه الدنيا فقط فهو يقصُر دعاءه على عرض الدنيا وخيراتها الزائلة، هؤلاء لا حظ لهم في الآخرة ولا نصيب. ومنهم من وفقه الله فاتجه بقلبه الى طلب الخير في الدنيا والآخرة، هؤلاء يطلبون سعادة الدارين، فلهم نصيب كبير مما كسبوا، والله يعطيهم ما طلبوا. وهو يرغّبنا ان ننهج منهجهم ونسير على سيرهم. {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} هي ايام مِنى الثلاثة وتسمى ايام التشريق. وفي هذه الأيام ترمى الجمار، والجمار حصيّات ترمى في أماكن معينة في منى، فيجوز للحاج ان يمكث يومين ثم يذهب الى الحرم لينهي حجه، ويجوز له ان يمكث ثلاثة ايام كما قال الله تعالى. واتقوا الله تعالى حين أدائكم الحج، واعلموا انكم ستحشرون اليه يوم القيامة، والعاقبة يومئذ للمتقين. بهذه الآيات تم الكلام على الحج ومناسكه وآدابه وبعض الآداب العامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَّنَاسِكَكُمْ} {آبَآءَكُمْ} {آتِنَا} {خَلاَقٍ} (200) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنِينَ بِالإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ بَعْدَ قَضَاءِ المَنَاسِكِ وَالفَرَاغِ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ العَرَبَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ فِي المَوْسِمِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ وَيَحْمِلُ الدِّيَاتِ ... إِلخ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ غَيْرُ ذِكْرِ فِعَالِ آبَائِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ، وَأَرْشَدَ المُسْلِمِينَ إِلَى دُعَائِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَثِيراً، لِمَا فِي ذلِكَ مِنْ مَظنَّةٍ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ, وَذَمَّ اللهُ الذِينَ لا يَسْأَلُونَ إِلاَّ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِِهِمْ، غَيْر مُهْتَمِّينَ بِهِ. الخَلاَقُ - النَّصِيبُ أَوِ الحَظُّ. المَنَاسِكُ - مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الحَاجِّ القِيَامُ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعرف أن "قضى" تأتي بمعان متعددة، والعمدة في هذه المعاني فصل الأمر بالحكمة، قد يُفصل الأمر بحكمة لأنه فرغ منه أداء "فإذا قضيتم" أي إذا فرغتم من مناسككم، هذه واحدة. وقد يكون لأنك فصلت الأمر بخبر يقين مثل قوله الحق: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ..}تفسير : [الإسراء: 23]. وقد يكون "قضى" بمعنى حكم حكماً لازماً كما تقول: قضى القاضي. إذن فكلها تدور حول معنى: فصل بحكمة. {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 200]. أي إذا فرغتم من مناسككم، والمناسك هي الأماكن لعبادة ما، فعرفات مكان للموقف، و"مزدلفة" مكان للمشعر الحرام يبيت فيه الحجاج. و"منى" منسك للمبيت أيضاً، إذن كل مكان فيه عبادة يُسمى "منسكاً". وقوله سبحانه: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 200] أي فلا يزال ذكر الله دائماً وارداً في الآيات، كأنك حين تُوفق إلى أداء شيء إياك أن تغتر، بل اذكر ربك الذي شرع لك ثم وفقك وأعانك. وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب في ذلك الزمان، فقديماً كانوا يحجون، فإذا ما اجتمعت القبائل في منى، كانت كل قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثره ومآثر آبائه، وما كان لهم من مفاخر في الجاهلية، ويحملون الديات، ويحملون الحمالات، ويطعمون الطعام، ويفعلون غير ذلك من العادات، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهي فيهم هذه العادة التي هي التفاخر بالآباء وبأعمالهم فقال: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} والذكر معناه توجيه الفكر إلى شيء غير موجود ساعة تأتي به، ولا يمكن أن يذكر الإنسان من أحداث الماضي إلا الحدث الذي له الأثر النافع فيه، وعلى مقدار الأثر النافع يكون الذكر. وكانوا قديماً يطعمون الطعام، والذي يطعم الطعام يؤدي مهمة في مثل هذه البلاد البُدائية - أي البدوية - وكان من المبالغة في الجفنات أن بعضهم كالمطعم بن عدي مثلاً كانت له جفنة يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يستظل بها ساعة الهجير. والجفنة هي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام، فتأمل الجفنة كيف تكون؟! ويحملون الحمالات، بمعنى أن إذا قامت قبيلة على قبيلة وقتلت منها خلفاً كثيراً يتطوع منهم ذو الحسب وذو المروءة وذو الشهامة وذو النجدة فيحمل كل هذه الآثار في ماله. والديات هي التي يتطوع بدفعها أهل الشهامة منهم إذا ما قتل قاتل قتيلاً، ولا يقدر على أن يعطي ديته، وكانت كل تلك الأعمال هي المفاخر. أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم في كل شيء إلى ذاته، فقال لهم: أنتم تذكرون آباءكم؛ لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، وآباؤكم يفتخرون بآبائهم، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل البشر، فكل ما يجري من خير على يد الآباء مرده إلى الله، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير. وهو يريد منهم أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم؛ أو أشد ذكراً؛ لأن كل كائن إنما يستحق من الذكر على مقدار ما قدم من الخير، ولن تجد كل الخير إلا لله، إذن لابد أن نذكر الله. وأيضاً فإن الإسلام أراد أن ينهي التفاخر بالآباء ليجعل الفخر ذاتياً في نفس المؤمن، أي فخراً من عمل جليل نابع وحاصل من الشخص نفسه؛ ولذلك يقولون في أمثال هؤلاء الذين يفخرون بأسلافهم إنهم: "عظاميون" أي منسوبون إلى مجد صنعه من صاروا عظماً تضمها القبور، والله يريدنا أن نكون ذاتيين في مفاخرنا، أي أن نفخر بما نفعل نحن، لا بما فعل آباؤنا، فالآباء أفضوا إلى ما قدموه، ويريد الله أن يأخذ الإنسان ذاتية إيمانية تكليفية. ومن يريد أن يفتخر فليفتخر بنفسه ولذلك يقول الشاعر: شعر : ولا تـكـونـوا عظـامـيـين مـفـخـرة مـاضـيـهـم عـامـر فـي حـاضر خـرب لا يـنـفع الحسـب المـوروث مـن قـدم إلا ذوي هـمــة غـاروا عـلـى الحـسـب والعـود مـن مـثمـر إن لـم يلـد ثمـراً عَـدّوه مـهـمـا سَـمَـا أصـلاً مـن الحطب تفسير : فالنبات الذي ليس له ثمرة، يعتبره الناس مجرد حطب، ويريد الحق أن ينبه في المؤمن ذاتية تفعل، وليس ذاتية تفتخر بأنه كان وكان، بل على كل إنسان أن يقدم ما يفتخر به: شعر : لـيـس الفـتـى مـن يـقـول كان أبي إن الفـتــى مــن يـقــول هـأنــذا تفسير : وعندما كان العرب يتفاخر بعضهم على بعض يقول أحدهم للآخر: يا أخي أنت تفتخر عليّ بماذا؟ فيرد عليه الثاني: أفتخر عليك بآبائي وأجدادي. فيرد الأول: اذكر جيداً أن مجد آبائك انتهى بك، ومجد آبائي بدأ بي، ولماذا لا أجعل لآبائي الفخر بأنهم أنجبوني؟ وفي ذلك يقول أحدهم: شعر : قـالـوا أبـو الصقر من شيبان قلت لهم كـلا لعـمـري ولـكـن مـنه شـيـبانُ وكَـمْ أبٍ قـد عـلا بـابـن ذُرَا شَرَفٍ كـمـا عَـلـتْ بـرسـول الله عـدنـانُ تفسير : وما دام القوم يفتخرون بحي منهم، فهم يلتحمون بمن يعطيهم المدد ليكونوا شيئاً باقياً ومؤثراً في الوجود، وليس بذلك الشيء المحدود المتمثل في أنه يطعم الطعام، ويحمل الحمالات ويؤدي الديات، وإنما يكون بحمل رسالة الإنسانية العالمية. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200]. لأن ذكركم الله سيصلكم بالمدد منه، ويعطيكم المعونة لتكونوا أهلاً لقيادة حركة الحياة في الأرض، فتوطدوا فيها الأمن والسلام والرحمة والعدل، وهذا هو ما يجب أن يكون مجالاً للفخر. وبعد ذلك يلفتنا الحق فيما يأتي إلى أن الإنسان إذا ما قضى المناسك كان أهلاً لأن يضرع إلى الله، ويسأل الله بما يحب أن يسأله، والسؤال لله يختلف باختلاف همة السائلين، وكانوا لا يسألون الله إلا قائلين: يا رب أعطني إبلاً، يا رب أعطني غنماً، يا رب أعطني بقراً، ويا رب أعطني حائطاً - أي بستاناً - يا رب كما أعطيت أبي أعطني. ولم يكن في بالهم إلاّ الأمور المادية، وأراد الله أن يجعلهم يرتفعون بالمسألة لله، وأن يُصَعِّدُوها إلى شيء أخلد وأبقى وأنفع، ومن هنا تأتي المزية الإيمانية، فإذا كنتم ستسألون الله متاعاً من متاع الدنيا فما الفارق بينكم وبين أهل الجاهلية؟ ذلك ما نفهمه من قول الله عز وجل في ختام هذه الآية: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 200]. فالعبد حين يؤدي مناسكه لله يجد نفسه أهلاً لأن يسأل الله، وما دمت قد وجدت نفسك أهلاً لأن تسأل الله فاسأل الله. بخير باق؛ لأن الإنسان إنما يُصَعدُ حاجته إلى المسئول على مقدار مكانة المسئول ومنزلته؛ فقد تذهب لشخص تطلب منه عشرة قروش، وقد تذهب لآخر أغنى من الأول فتقول له: أعطني جنيهاً، ولثالث: تطلب منه عشر جنيهات، إنك تطلب على قدر همة كل منهم في الإجابة على سؤالك. إذن ما دام العباد بعد أداء المناسك في موقف سؤال لله فليُصَعِّدُوا مسألتهم لله وليطلبوا منه النافع أبداً، ولا ينحطوا بالسؤال إلى الأمور الدنيوية الفانية البحتة. {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 200] إن العبد قد لا يريد من دعائه لله إلا الدنيا، ولا حظ ولا نصيب له في الآخرة، ومثل هذا الإنسان يكون ساقط الهمة؛ لأنه طلب شيئاً في الدنيا الفانية، ويريد الله أن نُصَعِّد همتنا الإيمانية. ولذلك يتبعها بقوله الحق: {وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 233- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ}: [الآية: 200]، قال: كانوا إذا قَضَوا مناسِكهُمْ اجتمعوا فافتخروا وذركوا آباءهم وأيَّامها، فأُمِرُوا أن يجعلوا مكان ذلِك ذكر الله تعالى، فيذكرونه كذكرهم آباءَهم أو أشد ذكراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):