١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
105
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} هذا جواب وصفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالافتراء. {وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} هذا مبالغة في وصفهم بالكذب؛ أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم. ويقال: كذب فلان ولا يقال إنه كاذب؛ لأنّ الفعل قد يكون لازماً وقد لا يكون لازماً. فأما النعت فيكون لازماً ولهذا يقال: عصى آدمُ ربَّه فغَوَى، ولا يقال: إنه عاصٍ غاوٍ. فإذا قيل: كذب فلان فهو كاذب، كان مبالغة في الوصف بالكذب؛ قاله القشيري.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن، بقولهم: هذا من قول البشر {وَأُوْلئِكَ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ } والتأكيد بالتكرار والآية: ردٌّ لقولهم: إنما أنت مفتر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ}: بمعنى: إنما يكْذِبُ، وهذه مقاومةٌ للذين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: { أية : إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } تفسير : [النحل:101، ومَنْ في قوله {مَن كَفَرَ } بدلٌ مِنْ قوله: {ٱلْكَـٰذِبُونَ}، فروي: أن قوله سبحانه: {وَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} يراد به مِقْيَسُ بنُ ضَبَابَةَ وأشباهه ممَّن كان آمن، ثم ٱرتدَّ بٱختياره مِنْ غيرِ إِكراه. وقوله سبحانه: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ }، أي: كبلالٍ وَعمَّارِ بنِ يَاسِرٍ وأمِّهِ وخَبَّابٍ وصُهَيْبٍ وأشباههم؛ ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل؛ لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروىٰ: أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك، فٱستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، "حديث : ويروى أن عمَّار بنَ ياسِرٍ شكَا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القولِ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ » قالَ: أَجدُهُ مُطْمِئَناً بالإِيمَانِ، قَالَ: « فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ؛ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ» ». تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } معناه: ٱنبسَطَ إلى الكفر بٱختياره. * ت *: وقد ذكر * ع * هنا نَبَذاً من مسائِلِ الإِكراه، تركْتُ ذلك خشية التطويل، وإن محلُّ بسطها كُتُبُ الفقْهِ.
القشيري
تفسير : هذا من لطائف المعاريض؛ إذ لمَّا وصفوه - عليه السلام - بالافتراء أنار الحقُّ - سبحانه - في الجواب، فقال: لستَ أَنت المفترِي إنما المفترِي مَنْ كذَّبَ معبودَه وجَهِلَ توحيدَه.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما يفترى الكذب} التصريح بالكذب للمبالغة فى بيان قبحه والفرق بين الافتراء والكذب ان الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه وفاعل يفترى هو قوله {الذين لا يؤمنون بآيات الله} رد لقولهم انما انت مفتر يعنى انما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لانه لا يترقب عقابا عليه ليرتدع عنه واما من يؤمن به ويخاف ما نطقت به من العقاب فلا يمكن ان يصدر عنه افتراء البتة. قال فى التأويلات النجمية وجه الاستدلال ان الافتراء من صفات النفس الامارة بالسوء وهى نفس الكافر الذى لا يؤمن بآيات الله فان نفس المؤمن مأمورة لوامة ملهمة من عند الله مطمئنة بذكر الله ناظرة بنور الله مؤمنة بآيات الله لان الآيات لا ترى الا بنور الله كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : المؤمن ينظر بنور الله"تفسير : فاذا كان من شأن المؤمن ان لا يفترى الكذب اذ هو ينظر بنور الله فكيف يكون من شأن رسوله ان يفترى الكذب وهو نور من الله ينظر بالله {واولئك} الموصوفون بما ذكر من عدم الايمان بآيات الله {هم الكاذبون} على الحقيقة لا على الزعم بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فان حاله على العكس او الكاملون فى الكذب اذ لا كذب اعظم من تكذيب آياته والطعن فيها بامثال هاتيك الاباطيل. فاللام للجنس والحقيقة ويدعى قصر الجنس فى المشار اليهم مبالغة فى كمالهم فى الكذب وعدم الاعتداء بكذب غيرهم. قال فى الارشاد السر فى ذلك ان الكذب الساذج الذى هو عبارة عن الاخبار بعدم وقوع ما هو واقع فى نفس الامر. بخلق الله تعالى او بوقوع ما لم يقع كذلك مدافعة لله تعالى فى فعله فقط والتكذيب مدافعة له سبحانه فى فعله وقوله المنبئ عنه مما انتهى. حديث : قيل للنبى صلى الله عليه وسلم المؤمن يزنى قال "قد يكون ذلك" قيل المؤمن يسرق قال "قد يكون ذلك" قيل المؤمن يكذب قال"لا"تفسير : ويكفى فى قبح الكذب ان الشيطان استثنى العباد المخلصين من اهل الاغواء ولم يكذب فانه يعلم ان وسوسته لا تؤثر فيهم. قال ارستطاليس فضل الناطق على الاخرس بالنطق وزين النطق الصدق والاخرس والصامت خير من الكاذب. شعر : بهائم خموشند وكويا بشر برا كنده كوى از بهائم بتر تفسير : وقد قالوا النجاة فى الصدق كما ان الهلاك فى الكذب - خطب الحجاج - يوما فاطال فقام رجل وقال الصلاة الصلاة الوقت يمضى ولا ينتظرك يا امير الحبشة فقال قومه انه مجنون قال ان اقر بجنته فقيل له فقال معاذ الله ان اقول ابتلانى وقد عافانى فبلغه فعفا عنه لصدقه فصار الصدق سببا للنجاة اللهم اجعلنا من الصادقين.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا يَفْتَرِى} الخ وهذا قلب لقولهم إِنما أنت مفتر أى ليس مفتريا إِنما يفترى {الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ} لأَنهم الذين لا يخافون عقابا يردعهم بخلاف محمد فإِنه مؤمن يخافه فلا يكذب {وَأُوْلَئِكَ} الذين كفروا والقريشيون {هُمُ الْكَاذِبُونَ} على الحقيقة لا أنت أو الكاملون فى الكذب دون غيرهم من مطلق من يكذب لأَن تكذيب آيات الله بمثل قولهم أنه يعلمه بشر أعظم الكذب أو أولئك هم الذين عدتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة كأَنه قيل كذبتم فيما قلتم وأنتم كاذبون فى العادة كقولك لرجل كذبت وأنت كاذب، أى من عادتك الكذب وأُولئك هم الكاذبون فى قولهم: إِنما أنت مفتر إِنما يعلمه بشر وأُولئك هم الذين ظهر كذبهم وعجزهم إِذ طعنوا فى القرآن بمثل قولهم إِنما يعلمه بشر فإِن الطعن بما لا يتم دليل على غاية العجز، راموا الطعن بشىء والتستر به فكان آلة الطعن عليهم وفاضحا لهم كمن حفر لأَخيه جبا فوقع فيه منكبا، وفى الآية دليل على أن الكذب من أفحش الكبائر لأَن الكاذب المفترى هو الذى لا يؤمن بآيات الله. "حديث : قال عبد الله بن جراد يا رسول الله المؤمن يزنى أى يعتاد الزنى. قال قد يكون ذلك، أى قد يعتاده فيزول عنه الإِيمان ثم يتوب فيرجع الإِيمان إِليه قلت المؤمن يسرق أى يعتاد السرقة. قال قد يكون ذلك" تفسير : والمعنى على ما مر، "حديث : قلت المؤمن يكذب أى يعتاد الكذب وينهمك فيه: قال: لا"تفسير : . قال الله: {إِنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأُولئك هم الكاذبون}.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {إنَّمَا يَفْتَري الْكَذبَ الَّذِينَ لا يُؤْمنُونَ بآيَات الله} تمهيد لكونهم هم المفترين وقلب عليهم بعد أن حقق بالبيان البرهاني براءة ساحته صلى الله عليه وسلم عن لوث الافتراء، وقوله تعالى: {وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} إشارة إلى قريش القائلين: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} تفسير : [النحل: 101] وهو تصريح بعد التعريض ليكون كالوسم عليهم، وهذا الأسلوب أبلغ من أن يقال: أنتم معشر قريش مفترون لما أشير إليه، وإقامة الدليل على أنهم كذلك وأن من زنوه به لا يجوز أن يتعلق بذيله نشب منه أي إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقاباً عليه وقريش كذلك فهم الكاذبون أو إشارة إلى {أية : ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [النحل: 104] فيستمر الكلام على وتيرة واحدة، والمعنى أن الكاذب بالحقيقة هذا الكاذب على ما قرروه في قوله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة: 5] واللام للجنس وهو شهادة عليهم بالكمال في الافتراء، فالكذب في الحقيقة مقيد بالكذب بآيات الله تعالى، وأطلق إشعاراً بأن لا كذب فوقه ليكون كالحجة على كمال الافتراء أو الكذب غير مقيد على هذا الوجه على معنى أنهم الذين عادتهم الكذب فلذلك اجترؤا على تكذيب آيات الله تعالى دلالة على أن ذلك لا يصدر إلا ممن لهج بالكذب قيله، ويدل على اعتبار هذا المعنى التعبير بالجملة الاسمية ولذا عطفت على الفعلية، وفيه قلب حسن وإشارة إلى أن قريشاً لما كان من عادتهم الكذب أخذوا يكذبون بآيات الله تعالى ومن أتى بها، ثم لم يرضوا بذلك حتى نسبوا من شهدوا له بالأمانة والصدق إلى الافتراء. وموضع الحسن الإيماء إلى سبق حالتي النبـي صلى الله عليه وسلم وقريش أو الكذب مقيد على هذا الوجه أيضاً بما نسبوا إليه عليه الصلاة والسلام من الافتراء، و {أية : ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [النحل: 104] على هذا المراد به قريش من إقامة الظاهر مقام المضمر، وإيثار المضارع على الماضي دلالة على استمرار عدم إيمانهم وتجدده عقب نزول كل آية واستحضاراً لذلك وهذا الوجه مرجوح بالنسبة إلى السوابق، وقد ذكر هذه الأوجه صاحب "الكشاف" وقد حررها بما ذكر المولى المدقق في "كشفه"، والحصر في سائرها غير حقيقي، ولا استدراك في الآية لا سيما على الأول منها، وهي من الكلام المنصف في بعضها. وتعلقها بقوله سبحانه حكاية عنهم: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } تفسير : [النحل: 101] لأنها كما سمعت لرده، وتوسيط ما وسط لما لا يخفى من شدة اتصاله بالرد الأول.
ابن عاشور
تفسير : هذا ردّ لقولهم: {أية : إنما أنت مفتر} تفسير : [سورة النحل: 101] بقلب ما زَعموه عليهم، كما كان قوله تعالى: {أية : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} تفسير : [سورة النحل: 103] جواباً عن قولهم: {أية : إنما يعلمه بشر} تفسير : [سورة النحل: 103]. فبعد أن نزّه القرآن عن أن يكون مفترى والمنزّل عليه عن أن يكون مفترياً ثني العنان لبيان من هو المفتري. وهذا من طريقة القلب في الحال. ووجه مناسبة ذكره هنا أن قولهم: إنما يعلمه بشر يستلزم تكذيب النبي في أن ما جاء به منزّل إليه من عند الله، فصاروا بهذا الاعتبار يؤكّدون بمضمونه قولَهم: {إنّما أنت مفتر} يؤكّد أحد القولين القولَ الآخر، فلما رُدّ قولهم: {إنما أنت مفتر} بقوله: {أية : بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق} تفسير : [سورة النحل: 101 - 102]. ورُدّت مقالتهم الأخرى في صريحها بقوله {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي}، ورُدّ مضمونها هنا بقوله {إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون} الآية، حاصلاً به ردّ نظيرها أعني قولهم {إنما أنت مفتر} بكلام أبلغ من كلامهم، لأنهم أتوا في قولهم {إنما أنت مفتر} بصيغة قصر هي أبلغ مما قالوه، لأن قولهم: {إنما أنت مفتر} قصر للمخاطب على صفة الافتراء الدائمة، إذ الجملة الاسمية تقتضي الثبات والدّوام، فردّ عليهم بصيغة تقصرهم على الافتراء المتكرّر المتجدّد، إذ المضارع يدلّ على التجدّد. وأكّد فعل الافتراء بمفعوله الذي هو بمعنى المفعول المطلق لكونه آيلاً إليه المعنى. وعُرّف {الكذب} بأداة تعريف الجنس الدّالة على تميّز ماهية الجنس واستحضارها، فإن تعريف اسم الجنس أقوى من تنكيره، كما تقدّم في قوله تعالى {أية : الحمد لله رب العالمين} تفسير : [سورة الفاتحة: 2]. وعبّر عن المقصور عليهم باسم الموصول دون أن يذكر ضميرهم، فيقال: إنما يفتري الكذب أنتم، ليفيد اشتهارهم بمضمون الصّلة، ولأن للصّلة أثراً في افترائهم، لما تفيده الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر. وعليه فإن من لا يؤمن بالدلائل الواضحة التي هي آيات صدق لا يسعه إلا الافتراء لترويج تكذيبه بالدلائل الواضحة. وفي هذا كناية عن كون تكذيبهم بآيات الله عن مكابرة لا عن شبهة. ثم أردفت جملة القصر بجملة قصرٍ أخرى بطريق ضمير الفصل وطريق تعريف المسند وهي جملة {وأولئك هم الكاذبون}. وافتتحت باسم الإشارة، بعد إجراء وصف انتفاء الإيمان بآيات الله عنهم، لينبه على أن المشار إليهم جديرون بما يرد من الخبر بعد اسم الإشارة، وهو قصرهم على الكذب، لأن من لا يؤمن بآيات الله يتّخذ الكذب ديدناً له متجدّداً. وجعل المسند في هذه الجملة معرّفاً باللام ليفيد أن جنس الكاذبين اتّحد بهم وصار منحصراً فيهم، أي الذين تَعرف أنهم طائفة الكاذبين هم هؤلاء. وهذا يؤول إلى معنى قصر جنس المسند على المسند إليه، فيحصل قصران في هذه الجملة: قصر موصوف على صفة، وقصر تلك الصفة على ذلك الموصوف. والقصران الأوّلان الحاصلان من قوله: {إنما يفتري} وقوله: {وأولئك هم} إضافيان، أي لا غيرهم الذي رموه بالافتراء وهو محاشًى منه، والثالث {أولئك هم الكاذبون} قصر حقيقي ادّعائي للمبالغة، إذ نزل بلوغ الجنس فيهم مبلغاً قوياً منزلة انحصاره فيهم. واختير في الصّلة صيغة {لا يؤمنون} دون: لم يؤمنوا، لتكون على وزان ما عُرفوا به سابقاً في قوله: {الذين لا يؤمنون بآيات الله}، ولما في المضارع من الدلالة على أنهم مستمرّون على انتفاء الإيمان لا يثبت لهم ضدّ ذلك.
الواحدي
تفسير : {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} لأنَّهم يقولون لما لا يقدر عليه إلاَّ الله هذا من قول البشر، ثمَّ سمَّاهم كاذبين بقوله: {وأولئك هم الكاذبون}. {مَنْ كفر بالله من بعد إيمانه} هذا ابتداء كلام، وخبره في قوله: {فعليهم غضب من الله} ثمَّ استثنى المُكره على الكفر، فقال: {إلاَّ مَنْ أكره} أَيْ: على التَّلفظ بكلمة الكفر {وقلبه مطمئن بالإِيمان ولكن من شَرَحَ بالكفر صدراً} أَيْ: فتحه ووسَّعه لقبوله. {ذلك} الكفر {بأنهم استحبوا الحياة الدنيا} اختاروها {على الآخرة وأنَّ الله} لا يهديهم ولا يريد هدايتهم، ثمَّ وصفهم بأنَّهم مطبوعٌ على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأنَّهم غافلون عمَّا يُراد بهم، ثمَّ حكم عليهم بالخسار.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِ} {ٱلْكَاذِبُونَ} {أُوْلـٰئِكَ} (105) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ رَسُولَهُ مٌحَمَّداً صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بِمُفْتَرٍ، وَلاَ كَذَّابٍ، لأَِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ هُمْ شِرَارُ الخَلْقِ، الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَآيَاتِهِ مِنَ الكُفْرِ المُلْحِدِينَ المَعْرُوفِينَ بِالكَذِبِ عِنْدَ النَّاسِ، وَمُحَمَّدٌ كَانَ أَصْدَقَ النَّاسِ، وَأَبَرَّهُمْ وَأَكْمَلَهُمْ عِلْماً وَأَخْلاَقاً، وَكَانَ يُعْرَفُ بِالأَمِينِ عِنْدَ قَوْمِهِ، فَهُوَ لاَ يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلَى اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: وإن افتريتم على رسول الله واتهمتموه بالكذب فإن الكذب الحقيقي أنْ تُكذِّبوا بآيات الله، ولا تؤمنوا بها. ونلاحظ في تذييل هذه الآية أن الحق سبحانه لم يَقُلْ: وأولئك هم الكافرون. بل قال: الكاذبون. ليدل على شناعة الكذب، وأنه صفة لا تليق بمؤمن. ولذلك حينما سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسرق المؤمن؟ قال: "نعم". لأن الله قال: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ ..} تفسير : [المائدة: 38]. فما دام قد شرَّع حُكْماً، وجعل عليه عقوبة فقد أصبح الأمر وارداً ومحتمل الحدوث. وسُئِل: أيزني المؤمن؟ قال: "نعم"، لأن الله قال: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ..} تفسير : [النور: 2]. وسُئِل: أيكذب المؤمن؟ قال: "لا". والحديث يُوضّح لنا فظاعة الكذب وشناعته، وكيف أنه أعظم من كل هذه المنكرات، فقد جعل الله لكل منها عقوبة معلومة في حين ترك عقوبة الكذب ليدل على أنها جريمة أعلى من العقوبة وأعظم. إذن: الكذب صفة لا تليق بالمؤمن، ولا تُتصوّر في حَقِّه؛ ذلك لأنه إذا اشتُهِر عن واحد أنه كذاب لما اعتاده الناس من كذبه، فنخشى أن يقول مرة: أشهد ألاَّ إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فيقول قائل: إنه كذاب وهذه كذبة من أكاذيبه. ثم يقول الحق سبحانه: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : فلما نفى الافتراء عن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بقوله: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [النحل: 105] ووجه الاستدلالات الافتراء، فإن نفس المؤمن مأمورة، لوامة، مستلهمة من الله، مطمئنة بذكر الله، ناظرة بنور الله، موفقة بآيات الله؛ لأن الآيات لا تُرى إلا بنور الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن ينظر بنور الله" تفسير : فإذا كان من شأن المؤمن ألا يفتري الكذب إذ هو ينظر بنور الله، فكيف يكون من شأن رسول الله أن يفتري الكذب وهو نور من الله ينظر بالله. ثم اختص الكذب لمن لا يؤمن بآيات الله، فقال: {وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} [النحل: 105] أي: هم المنتسبون إلى الكذب الحقيقي الذي صار اسم العلم لهم بأنهم كذبوا على الله وكذبوا بآياته، وكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاء به، وكذبوا بالقرآن والمعجزات، وفيه إشارة إلى أن الكذبات التي تقع في أثناء كلام من يؤمن بالله ورسله وكتبه ولا يكذب عليهم ولا يكذب بهم، فإنها ليست من الكذب الذي يفتري من لا يؤمن بآيات الله وإنه مخصوص بمن يفتري على الله الكذب، وإن الكذبات التي تقع للمؤمن وهي من جملة المعاصي لا تخرجه من الإيمان، وإن ينقص بها الإيمان ثم بالتوبة يرجع الإيمان إلى أصله كسائر المعاصي والذنوب، يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" تفسير : فثبت أن المؤمن يبغض الكذب في بعض الأوقات إذا لم يكن مصراً عليه ويتوب. ثم أخبر عن صاحب الإيمان أنه لا يكفر بإظهار الكفر مكرها مع الاطمئنان بالإيمان بقوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} [النحل: 106] إشارة إلى مريد يتنسم روائح نفحات الحق بمشاق القلب عند هبوبها واحتكاك أهوية عالم الباطن وانخراق سحب حجب البشرية، فلمع كبرق أضأت به آفاق سماء القلب وإشراق أرض البشرية، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب والنصب، فاستوقد نار الشوق والمحبة، فلما أضأت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات، وبهذا صدأت المرآة، ذهب الله بنوره وانخمدت نار الشوق، فآل المشئوم إلى طبعه، فانطبقت السحب، وأسدلت الحجب فكفر بالنعمة بعد أن أسر بالمحبة. ثم استند الطالب الصدى من جملتهم والمريد العاشق من زمرتهم، فقال: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} [النحل: 106] أي: أكره على مباشرة فعل يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة، فيوافقهم فيها بالظاهر، ويخالفهم بالباطن حتى يتخلص من شؤم صحبتهم، ثم أكد بالوعيد حال من صار بعدما كان فقال: {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} [النحل: 106] أي: نكص على عقبيه راضياً وكفران النعمة على شكرها، وأعرض عن الله بالإقبال على الهوى {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [النحل: 106] أي: قهر وخذلان منه {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] بالانقطاع عن الله العلي العظيم. ثم أخبر عن سبب الخذلان فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} [النحل: 107] أي: اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله والشوق إلى لقائه. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي} [النحل: 107] إلى حضرته {ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [النحل: 107] بنعمته {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } [النحل: 108] بكفران النعمة؛ لئلا يفقهوا بها ألطاف الحق {وَسَمْعِهِمْ} [النحل: 108] لئلا يسمعوا بها كلام الحق {وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108] عما أعد الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ} [النحل: 109] يعني: أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسارة في الآخرة، وفيه إشارة أخرى وهي التغافل بالأعضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):