١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
106
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلاً في بيان من يكفر بلسانه لا بقلبه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ } مبتدأ خبره غير مذكور، فلهذا السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن يكون قوله: {مَن كَفَرَ } بدلاً من قوله: {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } والتقدير: إنما يفتري من كفر بالله من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، وعلى هذا التقدير: فقوله: {وَأُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } اعتراض وقع بين البدل والمبدل منه. الثاني: يجوز أيضاً أن يكون بدلاً من الخبر الذي هو الكاذبون، والتقدير: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه، والثالث: يجوز أن ينتصب على الذم، والتقدير: وأولئك هم الكاذبون، أعني من كفر بالله من بعد إيمانه وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها عن التعسف، والرابع: أن يكون قوله: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ } شرطاً مبتدأ ويحذف جوابه، لأن جواب الشرط المذكور بعده يدل على جوابه كأنه قيل: من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله إلا من أكره: ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله. المسألة الثانية: أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر يدل عليه وجوه: أحدها: أنا روينا أن بلالاً صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد. روي ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه، مع أنه كان بقلبه مصراً على الإيمان، منهم: عمار، وأبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم، عذبوا، فأما سمية فقيل: ربطت بين بعيرين ووخزت في قبلها بحربة وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت، وقتل ياسر وهما أول قتيلين قتلاً في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فقيل: يا رسول الله إن عماراً كفر، فقال: كلا إن عماراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول: « حديث : ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت » تفسير : ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر، ثم أسلم مولاه وأسلم وحسن إسلامهما وهاجرا. المسألة الثالثة: قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ } ليس باستثناء، لأن المكره ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر، لكن المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً صح هذا الاستثناء لهذه المشاكلة. المسألة الرابعة: يجب ههنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة الكفر، وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به، مثل التخويف بالقتل، ومثل الضرب الشديد والإيلامات القوية. قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية. أما الرسول عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد، ثم أجلسوا في الشمس فبلغ منهم الجهد بحر الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية، ثم طعن الحربة في فرجها. وقال الآخرون: ما نالوا منهم غير بلال فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول: أحد أحد، حتى ملوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه. قال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال، فهانت عليه نفسه فتركوه. قال خباب: لقد أوقدوا لي ناراً ما أطفأها إلا ودك ظهري. المسألة الخامسة: أجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرىء قلبه من الرضا به وأن يقتصر على التعريضات مثل أن يقول: إن محمداً كذاب، ويعني عند الكفار أو يعني به محمداً آخر أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار وههنا بحثان: البحث الأول: أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع. البحث الثاني: لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئاً منها، وما أراد إلا ذلك المعنى، فههنا يتعين إما التزام الكذب، وإما تعريض النفس للقتل. فمن الناس من قال: يباح له الكذب هنا، ومنهم من يقول: ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي. قال: لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً، فوجب أن يقبح على كل حال، ولو جاز أن يخرج عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله تعالى ولا بوعيده لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى. المسألة السادسة: أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنا روينا أن بلالاً صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما صنعت بل عظمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر، وثانيها: ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما قتلو في محمد؟ فقال رسول الله، فقال: ما تقول في؟ قال أنت أيضاً، فخلاه وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال رسول الله، قال: ما تقول في؟ قال: أنا أصم فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئاً له » تفسير : . وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين: الأول: أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة. والثاني: أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل. وثالثها: أن بذل النفس في تقرير الحق أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً لقوله عليه السلام: « حديث : أفضل العبادات أحمزها » تفسير : أي أشقها. ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر. أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة، فوجب أن يكون حال الأول أفضل، والله أعلم. المسألة السابعة: اعلم أن للإكراه مراتب. المرتبة الأولى: أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل، وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى، فوجب أن يجب لقوله تعالى: { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195]. المرتبة الثانية: أن يصير ذلك الفعل مباحاً ولا يصير واجباً، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه. المرتبة الثالثة: أن لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا؟ قال الشافعي رحمه الله: في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان. الأول: أنه قتله عمداً عدواناً فيجب عليه القصاص لقوله تعالى: { أية : يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : [البقرة: 178]. والثاني: أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدراً كان أولى، والله أعلم. المسألة الثامنة: من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل: وهو الزنا. لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه. المسألة التاسعة: قال الشافعي رحمه الله: طلاق المكره لا يقع، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقع، وحجة الشافعي رحمه الله: قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره، والمعنى: أنه لا أثر له ولا عبرة به، وأيضاً قوله عليه السلام: « حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » تفسير : وأيضاً قوله عليه السلام: « حديث : لا طلاق في إغلاق » تفسير : أي إكراه فإن قالوا: طلقها فتدخل تحت قوله: { أية : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ } تفسير : [البقرة: 230] فالجواب لما تعارضت الدلائل، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا، والله أعلم. المسألة العاشرة: قوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } يدل على أن محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد، وإما كلام النفس، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدراً على أنه مفعول لشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة. ثم قال: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ٱللَّهِ } والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلأَخِرَةِ } أي رجحوا الدنيا على الآخرة، والمعنى: أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر. قال القاضي: المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف، لأن قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } معطوف على قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلأَخِرَةِ } فوجب أن يكون قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } علة وسبباً موجباً لإقدامهم على ذلك الارتداد، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سبباً لذلك الارتداد، ولا علة له بل مسبباً عنه ومعلولاً له فبطل هذا التأويل، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الإيمان فقال: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ } قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه. والثاني: أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمناً فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب. والثالث: وصفهم بالغفلة. ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة. ثم قال تعالى: {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } قال ابن عباس: أي عما يراد بهم في الآخرة. ثم قال: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرونَ } واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة. الصفة الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله. والصفة الثانية: أنهم استحقوا العذاب الأليم. والصفة الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. والصفة الرابعة: أنه تعالى حرمهم من الهداية. والصفة الخامسة: أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. والصفة السادسة: أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها، فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه، فلهذا السبب قال: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرونَ } أي هم الخاسرون لا غيرهم، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ} هذا متصل بقوله تعالى: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} فكان مبالغة في الوصف بالكذب؛ لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم. أي من كفر من بعد إيمانه وٱرتد فعليه غضب الله. قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح ومِقْيَس بن صُبابة وعبد الله بن خَطَل، وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم. ثم قال: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ}. وقال الزجاج: «من كفر باللَّهِ مِن بعد إيمانِهِ» بدل ممن يفتري الكذب؛ أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه؛ لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلّقه بما قبله. وقال الأخفش: «مَن» ابتداء وخبره محذوف، اكتُفِي منه بخبر «من» الثانية؛ كقولك: مَن يأتنا مَن يحسن نكرمه. الثانية ـ قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} هذه الآية نزلت في عَمّار بن ياسر، في قول أهل التفسير؛ لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه. قال ابن عباس: أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمَّه سُمَيّة وصُهَيباً وبلالاً وخَبّاباً وسالما فعذّبوهم، ورُبطت سُمَية بين بعيرين ووُجِىء قُبُلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال؛ فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عَمّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكْرَهاً فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف تجد قلبك»تفسير : ؟ قال: مطمئن بالإيمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإن عادوا فَعُدْ»تفسير : . وروى منصور بن المُعْتَمِر عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام أمّ عمار، قتلها أبو جهل، وأول شهيد من الرجال مِهْجَع مولى عمر. وروى منصور أيضاً عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وبلال، وخَبّاب، وصهيب، وعَمّار، وسُميّة أمّ عمار. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صَهَروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشيّ أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يَسُبُّهم ويوبخهم، وأتى سُمَيّة فجعل يسبّها ويَرْفُث، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها؛ رضي الله عنها. قال: وقال الآخرون ما سُئلوا؛ إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله، فجعلوا يعذبونه ويقولون له: ارجع عن دينك، وهو يقول أَحَدٌ أحد؛ حتى ملّوه، ثم كتّفوه وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أَخْشَبَيْ مكة حتى ملّوه وتركوه، قال فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا ـ لولا أن الله تدارَكنا ـ غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله، فهان على قومه حتى ملّوه وتركوه. والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالاً فأعتقه. وروى ابن أبي نَجيح عن مجاهد أن ناساً من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيلُ بن إسحاق. وروى الترمذيّ عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما خُيِّر عَمّار بين أمرين إلا اختار أرشدهما» تفسير : هذا حديث حسن غريب. وروي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة عليّ وعمّار وسلمان بن ربيعة»تفسير : . قال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح. الثالثة: لما سمح الله عز وجل بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلّها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم؛ وبه جاء الأثر المشهور عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ٱستكرِهوا عليه» تفسير : الحديث. والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ. وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح، قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع. الرابعة: أجمع أهل العلم على أن من أكرِه على الكفر حتى خَشِيَ على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبُه مطمئن بالإيمان، ولا تَبِين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر؛ هذا قول مالك والكوفيين والشافعيّ؛ غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتَبِين منه ٱمرأته ولا يصلَّى عليه إن مات، ولا يَرِث أباه إن مات مسلماً. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، قال الله تعالى: «إلاّ مَن أكرِه» الآية. وقال: {أية : إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} تفسير : [آل عمران: 28] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النساء: 97] الآية. وقال: {أية : إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ} تفسير : [النساء: 98] الآية. فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إلا مستضعفاً غير ممتنع من فعل ما أمر به؛ قاله البخاريّ. الخامسة ـ ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله، أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا؛ يروى هذا عن الحسن البصريّ، رضي الله عنه. وهو قول الأوزاعيّ وسُحْنون من علمائنا. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك. فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته لله تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه. والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ؛ ففي الصحيح عن ٱبن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115] في رواية: ويُوتِر عليها، غير أنه لا يصلّى عليها المكتوبة. فإذا كان هذا مباحاً في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن الدابة للتنفل فكيف بهذا. واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود: ما من كلام يَدرأ عنّي سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلّماً به. فقصَر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل الكلام مثالاً وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسرّ الإيمان. روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أوالإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع. السادسة ـ أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحلّ له أن يَفْدِي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. واختلف في الزنى، فقال مُطَرِّف وأَصْبَغ وابن عبد الحكم وابن الماجِشُون: لا يفعل أحد ذلك، وإن قُتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحَدّ؛ وبه قال أبو ثَوْر والحسن. قال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حَدّ عليه، خلافاً لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خُلقية لا يتصوّر الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب الحَدّ على شهوة بعث عليها سبب اختياري، فقاس الشيء على ضده، فلم يحل بصواب من عنده. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْداد في أحكامه: اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنى؛ فقال بعضهم: عليه الحدّ؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره. وقال بعضهم: لا حدّ عليه. قال ابن خُوَيْزِ منداد: وهو الصحيح، وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حُدّ، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحدّ، ولكن أستحسن ألا يحدّ. وخالفه صاحباه فقالا: لا حدّ عليه في الوجهين، ولم يراعوا الانتشار، وقالوا: متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر. قال ابن المنذر: لا حدّ عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان. السابعة ـ اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه؛ فقال الشافعيّ وأصحابه: لا يلزمه شيء. وذكر ابن وهب عن عمر وعليّ وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئاً. وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وأجازت طائفة طلاقه؛ روي ذلك عن الشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ وأبي قلابة والزهري وقتادة، وهو قول الكوفيين. قال أبو حنيفة: طلاق المكره يلزم؛ لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا قياس باطل؛ فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راضٍ به، والمكره غير راض ولا نية له في الطلاق، وقد قال عليه السلام: «حديث : إنما الأعمال بالنيات»تفسير : . وفي البخاري: وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق: ليس بشيء؛ وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن. وقال الشعبي: إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق. وفسّره ابن عيينة فقال: إن اللّص يقُدِم على قتله والسلطان لا يقتله. الثامنة ـ وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان. الأولى ـ أن يبيع ماله في حق وجب عليه؛ فذلك ماضٍ سائغٌ لا رجوع فيه عند الفقهاء؛ لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع، فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختياراً منه فلزمه. وأما بيع المكره ظلماً أو قهراً فذلك بيع لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم؛ فإن فات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه. قال مُطرِّف: ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه كالغاصب، وكلما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره، وله أخذ متاعه. قال سُحْنون: أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجَوْر لا يجوز. وقال الأَبْهَرِيّ: إنه إجماع. التاسعة ـ وأما نكاح المكره؛ فقال سُحْنون: أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة، وقالوا: لا يجوز المقام عليه، لأنه لم ينعقد. قال محمد بن سُحنون: وأجاز أهل العراق نكاح المكره، وقالوا: لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف درهم، وصداقُ مثلها ألف درهم، أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل الفضل. قال محمد: فكما أبطلوا الزائد على الألف فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه. وقولهم خلاف السنة الثابتة في حديث خَنْساء بنت خِذام الأنصارية، ولأمره صلى الله عليه وسلم بالاستئمار في أبضاعهن، وقد تقدّم، فلا معنى لقولهم. العاشرة ـ فإن وطئها المكره على النكاح غير مكره على الوطء والرضا بالنكاح لزمه النكاح عندنا على المسمَّى من الصداق ودُرىء عنه الحد. وإن قال: وطئتها على غير رضًا مني بالنكاح فعليه الحد والصداق المسمَّى؛ لأنه مدّعٍ لإبطال الصداق المسمى، وتُحَدّ المرأة إن أقدمت وهي عالمة أنه مكره على النكاح. وأما المكرهة على النكاح وعلى الوطء فلا حدّ عليها ولها الصداق، ويحدّ الواطىء؛ فٱعلمه. قاله سحنون. الحادية عشرة ـ إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حدّ عليها؛ لقوله «إلا من أكره» وقوله عليه السلام: «حديث : إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»تفسير : . ولقول الله تعالى: {أية : فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النور: 33] يريد الفتيات. وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدّها. والعلماء متفقون على أنه لا حدّ على امرأة مستكرَهة. وقال مالك: إذا وجدت المرأة حاملاً وليس لها زوج فقالت ٱستكرِهت فلا يقبل ذلك منها وعليها الحَدّ، إلا أن تكون لها بيّنة أو جاءت تَدْمِي على أنها أوتيت، أو ما أشبه ذلك. واحتج بحديث عمر بن الخطاب أنه قال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف. قال ابن المنذر: وبالقول الأوّل أقول. الثانية عشرة ـ واختلفوا في وجوب الصداق للمستكرهة؛ فقال عطاء والزُّهْرِيّ: لها صداق مثلها؛ وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال الثَّوْرِيّ: إذا أقيم الحدّ على الذي زنى بها بطل الصداق. وروي ذلك عن الشعبي، وبه قال أصحاب مالك وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: القول الأوّل صحيح. الثالثة عشرة ـ إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يَحِلّ أسلمها، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذية في تخليصها. والأصل في ذلك ما خَرّجه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هاجر إبراهيمُ عليه السلام بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إليّ فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلّي فقالت اللهم إن كنتُ آمنتُ بك وبرسولك فلا تسلّط عليّ هذا الكافر فغُطّ حتى رَكَض برجله»تفسير : . ودل هذا الحديث أيضاً على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة، ولا حدّ فيما هو أكبر من الخلوة. والله أعلم. الرابعة عشرة ـ وأما يمين المكره فغير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء. قال ابن الماجِشون: وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو معصية إذا أكره على اليمين؛ وقاله أصْبَغ. وقال مطرّف: إن أكره على اليمين فيما هو لله معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة، وإن أكره على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلاً فاسقاً فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب خمراً، أو لا يفسق ولا يَغُشّ في عمله، أو الوالد يحلّف ولده تأديباً له فإن اليمين تلزم؛ وإن كان المكره قد أخطأ فيما يكلّف من ذلك. وقال به ابن حبيب. وقال أبو حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين: إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنِث، قالوا: لأن المكره له أن يورِّيَ في يمينه كلها، فلما لم يورّ ولا ذهبت نيّته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين. احتج الأوّلون بأن قالوا: إذا أكره عليها فنيّته مخالفة لقوله؛ لأنه كاره لما حلف عليه. الخامسة عشرة ـ قال ابن العربيّ: ومن غريب الأمر أن علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع به أم لا؛ وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا! وأيّ فرق يا معشر أصحابنا بين الإكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحِنث في أنه لا يقع! فاتقوا الله وراجعوا بصائركم، ولا تغتروا بهذه الرواية فإنها وصمة في الدراية. السادسة عشرة ـ إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المَكْس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء؛ فقال مالك: لا تَقِيّة له في ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله. وقال ابن الماجشون: لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه. وقال ٱبن القاسم بقول مطرّف، ورواه عن مالك، وقاله ٱبن عبد الحكم وأصْبَغ. قلت: قول ٱبن الماجشون صحيح؛ لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس؛ وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» وقال: «كلُّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»تفسير : . وروى أبو هريرة قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تُعْطِه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» تفسير : خرجه مسلم. وقد مضى الكلام فيه. وقال مطرّف وٱبن الماجشون: وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يُسألها ليَذُبّ بها عما خاف عليه من ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه. وقاله ٱبن عبد الحكم وأصبغ. وقال أيضاً ٱبن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق ألبتّةَ من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب، وإنما حلف خوفاً من ضربه وقتله وأخذ ماله: فإن كان إنما تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث. السابعة عشرة ـ قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض؛ فإن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب. ومتى لم يكن كذلك كان كافراً؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها. مثاله ـ أن يقال له: أكفر بالله فيقول باللاهي؛ فيزيد الياء. وكذلك إذا قيل له: أكفر بالنبيّ فيقول هو كافر بالنبيّ، مشدداً وهو المكان المرتفع من الأرض. ويطلق على ما يعمل من الخوص شبه المائدة، فيقصد أحدَهما بقلبه ويبرأ من الكفر ويبرأ من إثمه. فإن قيل له: أكفر بالنبيء (مهموزاً) فيقول هو كافر بالنبيء يريد بالمخبر، أي مخبر كان كطليحة ومُسَيْلِمة الكذاب. أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر:شعر : فأصبح رَتْماً دُقاق الحَصَى مكان النبيء من الكاثب تفسير : الثامنة عشرة ـ أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن ٱختار الرخصة. وٱختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له؛ فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدّة في ذلك وٱختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب وسُحنون. وذكر ابن سُحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدّد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير؛ فإن لم يفعل حتى قتل خِفنا أن يكون آثماً لأنه كالمضطر. وروى خَبّاب بن الأَرَتّ قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد بُرْدَةً له في ظل الكعبة فقلت: أَلاَ تَسْتَنْصِرْ لنا ألاَ تدعو لنا؟ فقال: «حديث : قد كان مَن قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يَصُدّه ذلك عن دينه والله لَيَتِمَّنّ هذا الأمرُ حتى يسير الرَّكْبُ من صنعاءَ إلى حَضَرَمَوْت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه ولكنكم تستعجلون»تفسير : . فوَصْفُه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطّنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم. وهذه حجة مَن آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الأخدود» إن شاء الله تعالى. وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن الفرج البَغْدادِيّ قال: حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن الحسن. حديث : أن عيونا لمسيلِمَة أخذوا رجلين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فذهبوا بهما إلى مسيلِمة، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال نعم. فخلّى عنه. وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم. قال: وتشهد أني رسول الله؟ قال: أنا أصمّ لا أسمع؛ فقدّمه وضرب عنقه. فجاء هذا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت قال: «وما أهلكك»؟ فذكر الحديث، قال: «أمّا صاحبك فأخذ بالثقة وأما أنت فأخذت بالرخصة. على ما أنت عليه الساعة»؟ قال: أشهد أنك رسول الله. قال: «أنت على ما أنت عليه»تفسير : . الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال رجل؛ فقال الحسن: إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه؛ وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه. وقد تقدّم ما للعلماء في هذا. وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه، ولا يعلم له موضعاً؛ قال: فحلف له ابن أشرس؛ وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه، فحلفه بالطلاق ثلاثاً، فحلف له ابن أشرس، ثم قال لامرأته: اعتزلي فاعتزلته؛ ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان، فأخبره بالخبر؛ فقال له البهلول: قال مالك إنك حانث. فقال ابن أشرس: وأنا سمعت مالكاً يقول ذلك، وإنما أردت الرخصة، أو كلام هذا معناه؛ فقال له البهلول بن راشد: قال الحسن البصري إنه لا حنث عليك. قال: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن. وذكر عبد الملك بن حبيب قال: حدّثني معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى أن يحلف لِيقِيه بيمينه؟ فقال نعم؛ وَلأن أحلف سبعين يميناً وأحنث أحبّ إليّ أن أدَلّ على مسلم. وقال إدريس بن يحيـى كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار، قال: فجلس رجل منهم في حَلْقة رجاء بن حَيْوة فسمع بعضَهم يقع في الوليد، فرفع ذلك إليه فقال: يا رجاء! أُذْكَرُ بالسوء في مجلسك ولم تغيّر! فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين؛ فقال له الوليد: قل: آلله الذي لا إلٰه إلا هو، قال: الله الذي لا إلٰه إلا هو؛ فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطا، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء، بك يستقى المطر، وسبعون سوطاً في ظهري! فيقول رجاء: سبعون سوطاً في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم. التاسعة عشرة ـ واختلف العلماء في حَدّ الإكراه؛ فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته. وقال ابن مسعود: ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنتُ متكلماً به. وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة؛ إلا أن الله تبارك وتعالى ليس يجعل في القتل تقيّة. وقال النَّخَعِيّ: القيد إكراه، والسجن إكراه. وهذا قول مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوّف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي وإنفاذه لما يتوعّد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره. وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه. وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراهاً على شرب الخمر وأكل الميتة؛ لأنه يخاف منهما التلف. وجعلوهما إكراهاً في إقراره لفلان عندي ألف درهم. قال ابن سحنون: وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس. وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه؛ وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثَوْر وأكثر العلماء. الموفية عشرين ـ ومن هذا الباب ما ثبت إن من المعاريض لمندوحةً عن الكذب. وروى الأعمش عن إبراهيم النَّخَعِيّ أنه قال: لا بأس إذا بلغ الرجلَ عنك شيء أن تقول: والله، إن الله يعلم ما قلتُ فيك من ذلك من شيء. قال عبد الملك بن حبيب: معناه أن الله يعلم أن الذي قلت، وهو في ظاهره انتفاء من القول، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه ولا كذب عليه في كلامه. وقال النخعِيّ: كان لهم كلام من ألغاز الأيمان يدرءون به عن أنفسهم، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث. قال عبد الملك: وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام، إذا كان ذلك في غير مكر ولا خديعة في حق. وقال الأعمش: كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه جلس في مسجد بيته وقال لجاريته: قولي له هو والله في المسجد. وروى مغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز للرجل من البَعْث إذا عُرضوا على أميرهم أن يقول: والله ما أهتدي إلا ما سدّد لي غيري، ولا أركب إلا ما حملني غيري؛ ونحو هذا من الكلام. قال عبد الملك: يعني بقوله «غيري» اللَّهَ تعالى، هو مسدّده وهو يحمله؛ فلم يكونوا يرون على الرجل في هذا حنثا في يمينه، ولا كذباً في كلامه، وكانوا يكرهون أن يقال هذا في خديعة وظلم وجُحدان حق فمن اجترأ وفعل أثم في خديعته ولم تجب عليه كفارة في يمينه. الحادية والعشرون ـ قوله تعالى: {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} أي وسّعه لقبول الكفر، ولا يقدر أحد على ذلك إلا الله؛ فهو يرد على القدرية. و «صدرا» نصب على المفعول. {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو عذاب جهنم.
ابن كثير
تفسير : أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به: أنه قد غضب عليه؛ لعلمهم بالإيمان، ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابا عظيماً في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئاً ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم، فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئاً، فهم غافلون عما يراد بهم، {لاَ جَرَمَ} أي: لا بد، ولا عجب أن من هذه صفته {أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرونَ} أي: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وأما قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ} فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه مكرهاً؛ لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية. وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك، وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف تجد قلبك؟» تفسير : قال: مطمئناً بالإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن عادوا فعد» تفسير : ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: «حديث : كيف تجد قلبك؟» تفسير : قال: مطمئناً بالإيمان، فقال: «حديث : إن عادوا فعد»تفسير : ، وفي ذلك أنزل الله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ} ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى؛ كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها، لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عكرمة: أن علياً رضي الله عنه حرق ناساً ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تعذبوا بعذاب الله» تفسير : وكنت أقاتلهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من بدل دينه فاقتلوه» تفسير : فبلغ ذلك علياً فقال: ويح أم ابن عباس، رواه البخاري. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذُ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهودياً، فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ - قال: أحسبه - شهرين، فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه، فضربت عنقه، فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه، أو قال: «حديث : من بدل دينه فاقتلوه» تفسير : وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر. والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله، كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة: أنه أسرته الروم، فجاؤوا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر، وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين، ما فعلت، فقال: إذاً أقتلك، فقال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة، فرموه قريباً من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر، وفي رواية: ببقرة من نحاس، فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين، فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى، فطمع فيه ودعاه، فقال: إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياماً، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك بي، فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَٰنِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ } على التلفظ بالكفر فتلفظ به {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَٰنِ } و «مَنْ» مبتدأ أو شرطية، والخبر أو الجواب: لهم وعيدٌ شديد، دل على هذا {وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } له أي فتحه ووسعه، بمعنى طابت به نفسه {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ } قد اختلف أهل العلم في إعرابه، فذهب الأكثرون على أنه بدل إما من {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} وما بينهما اعتراض، والمعنى: إنما يفتري الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلا يدخل تحت حكم الافتراء. ثم قال: {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي: اعتقده وطابت به نفسه واطمأن إليه {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } وإما من المبتدأ الذي هو {أُوْلَـٰئِكَ } أو من الخبر الذي هو {ٱلْكَـٰذِبُونَ }. وذهب الزجاج إلى الأوّل. وقال الأخفش: إن {من} مبتدأ وخبره محذوف اكتفي منه بخبر {من} الثانية، كقولك: من يأتنا منكنّ نكرمه. وقيل: هو أي: {من} في {من كفر} منصوب على الذمّ؛ وقيل: إن من شرطية والجواب محذوف لأن جواب «من شرح» دالّ عليه، وهو كقول الأخفش، وإنما خالفه في إطلاق لفظ الشرط على من والجواب على خبرها، فكأنه قيل على هذا من كفر بالله فعليهم غضب إلاّ من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب، وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما لا يظهر إلاّ من الكافر لولا الإكراه. قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. وحكي عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر، كان مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله على الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا القول مردود على قائله، مدفوع بالكتاب والسنّة. وذهب الحسن البصري، والأوزاعي، والشافعي، وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية إنما جاءت في القول. وأما في الفعل فلا رخصة، مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية، فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول، وخصوص السبب، لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول. وجملة {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } في محل نصب على الحال من المستثنى، أي: إلا من كفر بإكراه، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته، وليس بعد هذا الوعيد العظيم، وهو الجمع للمرتدين، بين غضب الله وعظيم عذابه. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الكفر بعد الإيمان، أو إلى الوعيد بالغضب والعذاب، والباء في {بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ الدنيا} للسببية، أي: ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا {عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } معطوف على {أَنَّهُمْ ٱسْتَحَبُّواْ} أي: ذلك بأنهم استحبوا، وبأن الله لا يهدي القوم الكافرين إلى الإيمان به. ثم وصفهم بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } أي: الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة {ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ } فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها، ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق. وقد سبق تحقيق الطبع في أوّل البقرة، ثم أثبت لهم صفة نقص غير الصفة المتقدّمة، فقال: {وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } عما يراد بهم، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة، إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه. {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرونَ } أي: الكاملون في الخسران، البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية، وقد تقدّم تحقيق الكلام في معنى {لاَ جَرَمَ } في مواضع، منها ما هو في هذه السورة. {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } من دار الكفر إلى دار الإسلام، وخبر "إن" محذوف، والتقدير: لغفور رحيم، وإنما حذف لدلالة خبر {إن ربك}المتأخرة عليه. وقيل: الخبر هو {للذين هاجروا} أي: إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا عليهم، وفيه بعد. وقيل: إن خبرها هو قوله {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }، و{إن ربك} الثانية تأكيد للأولى. قال في الكشاف: «ثم» ها هنا للدلالة على تباعد حال هؤلاء، يعني: الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، ويدل على ذلك ما روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح، وسيأتي بيان ذلك {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } أي: فتنهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا في الكفر، وقرىء "فتنوا" على البناء للفاعل، أي: الذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام {ثُمَّ جَـٰهَدُواْ } في سبيل الله {وصبروا} على ما أصابهم من الكفار، وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير الغفران والرحمة لهم. ومعنى الآية على قراءة من قرأ "فتنوا" على البناء للفاعل واضح ظاهر، أي: إن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم، ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم. وأما على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة الجمهور، فالمعنى: أن هؤلاء المفتونين الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت أعمالهم وجاهدوا في الله وصبروا على المكاره لغفور لهم، رحيم بهم. وأما إذا كان سبب الآية هذه هو عبد الله بن أبي سرح الذي ارتدّ عن الإسلام ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام، فالمعنى: أن هذا المفتون في دينه بالردّة إذا أسلم وجاهد وصبر، فالله غفور له، رحيم به. والضمير في {بعدها} يرجع إلى الفتنة، أو إلى المهاجرة والجهاد والصبر، أو إلى الجميع. {يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا } قال الزجاج: {يوم تأتي}منتصب بقوله: {رحيم}، أو بإضمار اذكر، أو ذكرهم، أو أنذرهم، وقد استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس، ولا بدّ من التغاير بين المضاف والمضاف إليه. وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى: جملة بدن الإنسان، وبالنفس الثانية: الذات، فكأن قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه غيرها. ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها، فهو مجادل ومخاصم عن نفسه، لا يتفرّغ لغيرها يوم القيامة. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: "حديث : تفرّقوا عني، فمن كانت به قوّة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوّة فليذهب في أوّل الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرّت بي الأرض فألحقوا بي"تفسير : ، فأصبح بلال المؤذن، وخباب، وعمار، وجارية من قريش كانت أسلمت، فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس، ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه، قال: أحد أحد، وأما خباب، فجعلوا يجرّونه في الشوك، وأما عمار، فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربع أوتاد، ثم مدّها فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتدّ على عمار الذي كان تكلم به. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا"تفسير : ؟ قال لا، فأنزل الله {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فتركوه، فلما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما وراءك؟" تفسير : قال: شرّ، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: "حديث : كيف تجد قلبك"تفسير : ؟ قال: مطمئناً بالإيمان. قال: "حديث : إن عادوا فعد"تفسير : . فنزلت {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } قال: ذاك عمار بن ياسر {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } عبد الله بن أبي سرح. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر عن أبي مالك في قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } قال: نزلت في عمار بن ياسر، وفي الباب روايات مصرّحة بأنها نزلت في عمار ابن ياسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } في عياش بن أبي ربيعة. وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: في سورة النحل {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } الآية قال: وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار. فأمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن مثله. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } فيمن كان يفتن من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فنزلت فيهم {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } الآية، فكتبوا إليهم بذلك: إنّ الله قد جعل لكم مخرجاً فأخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن: أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين، فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ فأهوى إلى أذنيه فقال: إنّي أصمّ، فأمر به فقتل. وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فأرسله فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: "أما صاحبك، فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخذت بالرخصة" وهو مرسل.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {مَن كفر بالله من بعد إيمانه} ذكر الكلبي أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم ثم قال تعالى: {إلا من أُكره وقلبُه مطمئن بالإيمان} قال الكلبي: نزل ذلك في عمار بن ياسر وأبويه ياسر وسُمية وبلال وصهيب وخبّاب، أظهروا الكفر بالإكراه وقلوبهم مطمئنة بالإيمان. ثم قال تعالى: {ولكن من شرح بالكُفْر صدراً} وهم من تقدم ذكرهم، فإذا أكره على الكفر فأظهره بلسانه وهو معتقد الإيمان بقلبه ليدفع عن نفسه بما أظهر، ويحفظ دينه بما أضمر فهو على إيمانه، ولو لم يضمره لكان كافراً. وقال بعض المتكلمين: إنما يجوز للمكرَه إظهارُ الكفر عل وجه التعريض دون التصريح الباتّ. لقبح التصريح بالتكذيب وخطره في العرف والشرع، كقوله إن محمداً كاذب في اعتقادكم، أو يشير لغيره ممن يوافق اسمه لاسمه إذا عرف منه الكذب، وهذا لعمري أولى الأمرين، ولم يَصِرِ المكرَه بالتصريح كافر.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ} نزلت في عبد الله بن أبي سرح ومِقْيسَ بن صُبَابة وعبد الله بن خطل وقيس بن الوليد بن المغيرة كفروا بعد إيمانهم {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} نزلت في عمار وأبويه ياسر وسمية، أو في بلال وصهيب وخباب أظهروا الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} نزلت في عمار بن ياسر وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمه سمية, وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم ليرجعوا عن الإسلام, فأما سمية أم عمار فإنها ربطت بين بعيرين ووجىء قلبها بحربة، فقتلت، وقتل زوجها ياسر فهما أول قتيلين قتلا في الإسلام وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه مكرهاً. قال قتادة أخذ بنو المغيرة عمار وغطوه في بئر ميمون وقالوا له: اكفر بمحمد فبايعهم على ذلك وقلبه كاره، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عماراً كفر. فقال "حديث : كلا إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وراءك قال: شر يا رسول الله نلت منك وذكرت. فقال: كيف وجدت قلبك قال: مطمئناً بالإيمان فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه. وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت"تفسير : فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن هاجروا إلينا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم عن دينهم فكفروا كارهين، وهذا القول ضعيف لأن الآية مكية وكان هذا في أول الإسلام قبل أن يؤمروا بالهجرة، وقال مقاتل: نزلت في جبر مولى عامر ابن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر، فكفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان ثم أسلم عامر بن الحضرمي مولى جبر، وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة والأولى أن يقال إن الآية عامة في كل من أكره على الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، وإن كان السبب خاصاً. فإن قلت: المكره على الكفر ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر، فما معنى هذا الاستثناء لهذه المشابهة والمشاكلة والله أعلم. فصل في حكم الآية قال العلماء: يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به، مثل التخويف بالقتل والضرب الشديد والإيلامات القوية، مثل التحريق بالنار ونحوه. قال العلماء: أول من أظهر الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة: أبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وأبوه ياسر وأمه سمية فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله من أذى المشركين بعمه أبي طالب وأما أبو بكر، فمنعه قومه وعشيرته وأخذ الآخرون، وألبسوا أدراع الحديد وأجلسوا في حر الشمس بمكة، فأما بلال فكانوا يعذبونه وهو يقول أحد أحد حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه وقتل ياسر وسمية كما تقدم. وقال خباب: لقد أوقدوا لي ناراً ما أطفأها إلا ودك ظهري. وأجمعوا على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة تصريحاً بل يأتي بالمعاريض، وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان غير معتقد، ما يقوله من كلمة الكفر ولو صبر حتى قتل كان أفضل لأن ياسراً وسمية قتلا ولم يتلفظا بكملة الكفر، ولأن بلالاً صبر على العذاب ولم يلم على ذلك. قال العلماء: من الأفعال ما يتصور الإكراه عليها كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، والميتة ونحوها فمن أكره بالسيف أو القتل على أن يشرب الخمر أو يأكل الميتة أو لحم الخنزير أو نحوها، جاز له ذلك لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقيل: لا يجوز له ذلك ولو صبر كان أفضل، ومن الأفعال ما لا يتصور الإكراه عليه كالزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنع انتشار الآلة فلا يتصور فيه الإكراه واختلف العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه وأكثر العلماء: لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة: يقع. حجة الشافعي ومن وافقه قوله سبحانه وتعالى: {لا إكراه في الدين} ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته، لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره والمعنى أنه لا أثر له ولا عبرة به، وقوله تعالى {وقلبه مطمئن بالإيمان} فيه دليل على أن محل الإيمان هو القلب {ولكن من شرح بالكفر صدراً} يعني فتحه ووسعه لقبول الكفر واختاره ورضي به {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} يعني في الآخرة {ذلك بأنهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة} يعني يكون ذلك الإقدام على الارتداد إلى الكفر، لأجل أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة {وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} يعني لا يرشدهم إلى الإيمان ولا يوفقهم للعمل به {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} تقدم تفسيره {وأولئك هم الغافلون} يعني عما يراد بهم من العذاب في الآخرة وهو قوله سبحانه وتعالى {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} يعني أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا، ليربح في الآخرة فإذا دخل النار بان خسرانه وظهر غبنه لأنه ضيع رأس ماله، وهو الإيمان ومن ضيع رأس ماله فهو خاسر. قوله عز وجل {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} يعني عذبوا ومنعوا من الدخول في الإسلام فتنهم المشركون {ثم جاهدوا وصبروا} على الإيمان والهجرة والجهاد {إن ربك من بعدها} يعني من بعد الفتنة التي فتنوها {لغفور رحيم} نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة, وكان أخا أبي جهل من الرضاعة، وقيل كان أخاه لأمه وفي أبي جندل بن سهيل بن عمرو والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبد الله ابن أسد الثقفي فتنهم المشركون، وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا. وقال الحسن وعكرمة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي سرح كان قد أسلم، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فاستنزله الشيطان، فارتد ولحق بدار الحرب فلما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فاستجاره عثمان، وكان أخاه لأمه فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه وهذا القول إنما يصح إذا قلنا: إن هذه الآية مدنية نزلت بالمدينة فتكون من الآيات المدنيات في السور المكيات، والله أعلم بحقيقة ذلك قوله سبحانه وتعالى {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} يعني تخاصم وتحتج عن نفسها أي بما أسلفت من خير وشر، واشتغلت بالمجادلة لا تتفرغ إلى غيرها. فإن قلت: النفس هي نفس واحدة، وليس لها نفس أخرى فما معنى قوله كل نفس تجادل عن نفسها؟ قلت: إن النفس قد يراد بها بدن الإنسان، وقد يراد بها مجموع ذاته وحقيقته فالنفس الأولى هي مجموع ذات الإنسان وحقيقته والنفس الثانية، هي بدنه فهي عينها وذاتها أيضاً، والمعنى: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، ولا يهمه غيره ومعنى هذه المجادلة الاعتذار بما لا يقبل منه كقولهم والله ربنا ما كنا مشركين، ونحو ذلك من الاعتذارات {وتوفى كل نفس ما عملت} يعني جزاء ما عملت في الدنيا من خير أو شر {وهم لا يظلمون} يعني لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً، بل يوفون ذلك كاملاً من غير زيادة ولا نقصان. روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: خوفنا فقال يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت القيامة بمثل عمل سبعين نبياً، لأتت عليك ساعات وأنت لا يهمك إلا نفسك وإن جهنم لتزفر زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه حتى إبراهيم خليل الرحمن يقول: يا رب لا أسألك إلا نفسي، وإن تصديق ذلك فيما أنزل الله تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. وروىعكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: يا رب لم تكن لي أيدٍ أبطش بها، ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها، ويقول الجسد: يا رب خلقتني كالخشبة، ليست لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها فجاء هذا الروح كشعاع النور فيه نطق لساني، وبه أبصرت عيناي وبه مشت رجلاي فضرب الله لهما مثلاً أعمى ومقعد دخلا حائطاً، يعني بستاناً فيه ثمار فالأعمى لا يبصر الثمار والمقعد لا يناله فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر فعليهما العذاب. قوله عز وجل {وضرب الله مثلاً قرية} المثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولاً من شيء آخر بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوره، وقيل: هو عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، قال الإمام فخر الدين الرازي: المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء، كان ذلك الشيء موجوداً أو لم يكن وقد يضرب بشيء موجود معين، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئاً مفروضاً، ويحتمل أن تكون قرية معينة، وعلى التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها والأكثر من المفسرين على أنها مكة، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلاً لمكة ومثل مكة يكون غير مكة، وقال الزمخشري في كتابه الكشاف: وضرب الله مثلاً قرية أي جعل القرية التي هذه حالها، مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها، فضرب الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها وقال الواحدي: ضرب المثل ببيان المشبه والمشبه به، وهاهنا ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين، والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن، والنعمة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم فتقدير الآية ضرب الله مثلاً لقريتكم أي بين الله لها شبهاً ثم قال: قرية فيجوز أن تكون القرية بدلاً من مثلاً لأنها هي الممثل بها، ويجوز أن يكون المعنى ضرب الله مثلاً، مثل قرية فحذف المضاف هذا قول الزجاج والمفسرون كلهم قالوا: أراد بالقرية مكة يعنون أنه أراد مكة في تمثيلها بقرية صفتها ما ذكر. وقال ابن الجوزي: في هذه القرية قولان: أحدهما أنها مكة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وهو الصحيح، والثاني أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز فبعث الله عليهم الجوع، قاله الحسن. وأقول: هذه الآية نزلت بالمدينة في قول مقاتل وبعض المفسرين، وهو الصحيح لأن الله سبحانه وتعالى وصف هذه القرية بصفات ستة كانت هذه الصفات موجودة في أهل مكة، فضربها الله مثلاً لأهل المدينة يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم، فيصيبهم ما أصابهم من الجوع والخوف، ويشهد لصحة ما قلت إن الخوف المذكور في هذه الآية في قوله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف هو البعوث والسرايا التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثها في قول جميع المفسرين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالقتال، وهو بمكة وإنما أُمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة، فكان يبعث البعوث والسرايا إلى حول مكة يخوّفهم بذلك، وهو بالمدينة والله أعلم بمراده، وأما تفسير قوله تعالى: وضرب الله مثلاً قرية يعني مكة {كانت آمنة} يعني ذات أمن لا يهاج أهلها ولا يغار عليهم {مطمئنة} يعنى قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها للانتجاع كما كان يحتاج إليه سائر العرب {يأتيها رزقها رغداً} يعني واسعاً {من كل مكان} يعني يحمل إليها الرزق والميرة من البر والبحر. نظيره قوله سبحانه وتعالى تجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله {أية : وارزق أهله من الثمرات}تفسير : [البقرة: 126] {فكفرت} يعني هذه القرية والمراد أهلها {بأنعم الله} جمع نعمة والمراد بها سائر النعم التي أنعم الله بها على أهل مكة فلما قابلوا نعم الله التي أنعم بها عليهم بالجحود والكفر، لا جرم أن الله تعالى انتقم منهم فقال تعالى {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} وذلك أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين، فقطع عنهم المطر وقطعت عنهم العرب الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة والجيف الكلاب والميتة والعهن، وهو الوبر يعالج بالدم ويخلط به حتى يؤكل، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وقالوا: ما هذا هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حمل الطعام إليهم, وهم بعد مشركون. والخوف يعني خوف بعوث النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه التي كان يبعثها للإغارة فكانت تطيف بهم وتغير على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم. فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما، والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه، وهو أن اللباس لايذاق بل يلبس، فيقال كساهم الله لباس الجوع أو يقال فأذاقهم الله طعم الجوع قلت: قال صاحب الكشاف: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد، وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر، والألم بما يدرك من طعم المر البشع وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان، والتبليس به من بعض الحوادث وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف، ثم ذكر بعده من علم المعاني والبيان ما يشهد لصحة ما قال. وقال الإمام فخر الدين الرازي: جوابه من وجوه، الأول، أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان: أحدهما أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع. والثاني، أن ذلك الجوع كان شديداً كاملاً فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس، والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقهما الله لباس الجوع والخوف، الوجه الثاني: أن التقدير أن الله عرفها أثر لباس الجوع والخوف, إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فوضع موضع التعرف، وهو الاختبار تقول ناظر فلاناً وذاق ما عنده: شعر : ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها تفسير : ولباس الجوع والخوف ما ظهر عليهم من الضمور، وشحوب اللون ونهكة البدن وتغيير الحال وكسوف البال، كما تقول: تعرفت سوء أثر الجوع والخوف على فلان، كذلك يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان. الوجه الثالث: أن يحمل لفظ الذوق واللبس على المماسة، فصار التقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف ثم قال تعالى {بما كانوا يصنعون} ولم يقل بما صنعت لأنه أراد أهل القرية، والمعنى: فعلنا بهم ما فعلنا بسبب ما كانوا يصعنون, وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عز وجل عليهم بالنعمة العظيمة وهي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وهو منهم فكفروا به وكذبوه وبالغوا في إيذائه، وأرادوا قتله فأخرجه الله من بينهم وأمره بالهجرة إلى المدينة وسلط على أهل مكة البلاء والشدائد والجوع والخوف كل ذلك بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه من بين أظهرهم. قوله سبحانه وتعالى {ولقد جاءهم} يعني أهل مكة {رسول منهم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يعرفون نسبه، ويعرفونه قبل النبوة وبعدها {فكذبوه فأخذهم العذاب} يعني الجوع والخوف وقيل القتل يوم بدر، والقول الأول أولى لما تقدم في الآية {وهم ظالمون} يعني كافرون {فكلوا مما رزقكم الله} في المخاطبين بهذا قولان: أحدهما، أنهم المسلمون، وهو قول جمهور المفسرين، والثاني، أنهم هم المشركون من أهل مكة. قال الكلبي: لما اشتد الجوع بأهل مكة كلم رؤساؤهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنك إنما عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملوا الطعام إليهم حكاه الواحدي وغيره والقول الأول هو الصحيح. قال ابن عباس فكلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله يريد الغنائم {حلالاً طيباً} يعني أن الله سبحانه وتعالى أحل الغنائم لهذه الأمة وطيبها لهم ولم تحل لأحد قبلهم {واشكروا نعمة الله} يعني التي أنعم بها عليكم {إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} تقدم تفسير هذه الآية وأحكامها في سورة البقرة فلم نعده هنا، وقوله تعالى {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} يعني ولا تقولوا لأجل وصفكم الكذب {هذا حلال وهذا حرام} يعني أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره فليس لتحليلكم وتحريمكم معنى وسبب إلا الكذب فقط، فلا تفعلوا ذلك. قال مجاهد: يعني البحيرة والسائبة. وقال ابن عباس: يعني قولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يحلون أشياء ويحرمون أشياء من عند أنفسهم، وينسبون ذلك إلى الله تعالى وهو قوله تعالى {لتفتروا على الله الكذب} يعني لا تقولوا إن الله أمرنا بذلك فتكذبوا على الله لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله ثم توعد المفترين للكذب فقال سبحانه وتعالى {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} يعني: لا ينجون من العذاب، وقيل: لا يفوزون بخير لأن الفلاح هو الفوز بالخير والنجاح ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب فقال تعالى {متاع قليل} يعني متاعهم في الدنيا قليل فإنه لا بقاء له {ولهم عذاب إليم} يعني في الآخرة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: "حديث : لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة، قال لأصحابه: تفرقوا عني، فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض، فالحقوا بي. فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت، فأصبحوا بمكة فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه قال: أحد..أحد.. وأما خباب، فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيةً، وأما الجارية، فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلم به. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت: أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا؟ قال: لا. قال: وأنزل الله {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه قال: حديث : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم. بخير، ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان. قال: إن عادوا فعد. فنزلت {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} . تفسير : وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين: حديث : إن النبي لقي عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه ويقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا... فإن عادوا فقل ذلك لهم ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} قال: ذلك عمار بن ياسر، وفي قوله: {ولكن من شرح بالكفر صدراً} قال: ذاك عبد الله بن أبي سرح. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك في قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} قال: نزلت في عمار. وأخرج ابن جرير عن السدي، أن عبد الله بن أبي سرح أسلم ثم ارتد فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وخباب عند ابن الحضرمي، أو ابن عبد الدار فأخذوهما وعذبوهما حتى كفرا، فنزلت {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}. وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه،عن أبي المتوكل الناجي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر إلى بئر للمشركين يستقي منها، وحولها ثلاث صفوف يحرسونها، فاستقى في قربة ثم أقبل، فأخذوه فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر، فأنزلت هذه الآية فيه {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}. وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر وقالوا: اكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. فاتبعهم على ذلك وقلبه كاره فنزلت ... وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية {إلا من أكره} في عياش بن أبي ربيعة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة: أن هاجروا فإنا لا نرى أنكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. وأخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر وابن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: {من كفر بالله} الآية، قال: أخبر الله سبحانه أن {من كفر بالله من بعد إيمانه} فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره، فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يؤاخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا في سورة النحل {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ...} الآية، قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة فخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم، فأنزل الله {أية : الۤـمۤ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} تفسير : [العنكبوت: 1-2] فكتب بهذا أهل المدينة إلى أهل مكة، فلما جاءهم ذلك تبايعوا على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا. فأنزل الله {ثم إن ربك للذين هاجروا ...} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية فيمن كان يفتن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا}. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فنزلت فيهم {ثم إن ربك للذين هاجروا ...} الآية، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا. فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه، حديث : أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أَصَمّ. فأمر به فقتل. وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. فأرسله... فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "أما صاحبك فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخذْتَ الرخصة ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أحد بني مخزوم، وكان أخا أبي جهل لأمه، وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً. وأخرج ابن جرير عن أبي إسحق في قوله: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} قال: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد رضي الله عنهم.
القشيري
تفسير : إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ عبده بقلبه، وإخلاصَه في عَقْدِه، ولحقته ضرورة في حاله خَفَّفَ عنه حُكْمَه، ودَفَع عنه عناءَه فلا يَلْفِظُ بكلمة الكفر إلا مُكْرَهاً - وهو مُوَحِّدٌ، وهو مستحقٌ العُذْرَ فيما بينه وبين الله تعالى... وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوكِ طريق الله ثم عَرَضَتْ لهم أسبابٌ، واتفقت لهم أعذارٌ، كأن يكون لهم ببعض الأسباب اشتغالٌ أو إلى شيءٍ من العلوم رجوعٌ... لم يكن ذلك قادحاً في صحة إرادتهم، ولا يُعَدُّ ذلك فسخاً لعهودهم، ولا ينفي بذلك عنهم سِمَةَ القَصْدِ إلى الله تعالى. أَمَّا {مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}: فرجع باختياره، ووضع قَدَماً - كان قد رَفَعَه في طريق الله - بِحُكْمِ هواه فقد نَقَضَ عهْدَ إرادته، وفَسَخَ عقده، وهو مستوجب (...) إلى (....) تتداركه الرحمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {من كفر بالله} اى تلفظ بكلمة الكفر {من بعد ايمانه} به تعالى كابن حنطل وطمعة ومقيس وامثالهم ومن موصولة ومحلها الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الخبر الآتى عليه وهو قوله {فعليهم غضب} وقدره الكاشفى بقوله [در معرض غضب ربانى باشد] لكنه جعل من شرطية كما يدل عليه تعبيره بقوله [هركه كافر شود بخداى تعالى ازيس ايمان خويش ومرتد كردد] ويجوز ان يكون الخبر الآتى خبرا لهما معا {الا من} [مكر كسى كه]{اكره} اجبر على ذلك التلفظ بامر يخاف على نفسه او على عضو من اعضائه وهو استثناء متصل من حكم الغضب والعذاب لان الكفر لغة يعم القول والعقد كالايمان اى لا من كفر باكراه وقيل منقطع لان الكفر اعتقاد والاكراه على القول دون الاعتقاد. والمعنى لكن المكره على الكفر باللسان {وقلبه مطمئن بالايمان} [ارميده باشد] بالايمان حال من المستنثى اى والحال ان قلبه مطمئن بالايمان لم تتغير عقيدته وفيه دليل على ان الايمان المنجى المعتبر عند الله هو التصديق بالقلب {ولكن من} لم يكن كذلك بل {شرح بالكفر صدرا} اى اعتقده وطاب به نفسا. وبالفارسية [وليكن هركس كه بكشايد بكفر سينه را]{فعليهم غضب} عظيم {من الله} فى الحديث "حديث : ان غضب الله هو النار"تفسير : {ولهم عذاب عظيم} العذاب والعقاب الايجاع الشديد وتقديم الظرف فيهما للاختصاص والدلالة على انهم احقاء بغضب الله وعذابه العظيم لاختصاصهم بعظم الجرم وهو الارتداد. قال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت الآية فى عمار رضى الله عنه وذلك ان كفار قريش اخذوه وابويه ياسر وسمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ليرتدوا فابى ابواه فربطوا سمية بين بعيرين ووجئ اى ضرب بحربة فى قبلها وقالوا انما اسلمت من أجل الرجال والتعشق بهم فقتلوها وقتلوا ياسرا وهما اول قتيلين فى الاسلام واما عمار فكان ضعيف البدن فلم يطق لعذابهم فاعطاهم بلسانه ما اكرهوه عليه وهو سب النبى صلى الله عليه وسلم وذكر الأصنام بخير حديث : فقالوا يا رسول الله ان عمارا كفر فقال عليه الصلاة والسلام "كلا ان عمارا ملئ ايمانا من قرنه الى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه" فأتى عمار رسول الله وهو يبكى فجعل رسول الله يسمح عينيه وقال "مالك ان عادوا لك فعدلهم بما قلت"تفسير : وهو دليل عى جواز التكلم بكلمة الكفر عند الاكراه الملجئ وان كان الافضل ان يجتنب عنه ويصبر على الاذى والقتل كا فعله ابواه كما روى ان مسيلمة الكذاب اخذ رجلين فقال لاحدهما ما تقول فى محمد قال رسول الله قال فما تقول فىّ قال فانت ايضا فخلاه وقال للآخر ما تقول فى محمد قال رسول الله قال فما تقول فى قال انا اصم فاعاد ثلاثا فاعاد جوابه فقتله فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اما الاول فقد اخذ برخصة الله واما الثانى فقد صدع بالحق فهنيئا له وفى الحديث "حديث : افضل الجهاد كلمة العدل عند سلطان جائر"تفسير : وانما كان افضل الجهاد لان من جاهد العدو وكان مترددا بين خوف ورجاء ولا يدرى هل يغلب او يغلب وصاحب السلطان مقهور فى يده فهو اذا قال الحق وامره بالمعروف فقد تعرض للتلف فصار ذلك افضل انواع الجهاد من اجل غلبة الخوف كذا فى ابكار الافكار فى مشكل الاخبار.
الطوسي
تفسير : نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر (رحمه الله) اكرهه المشركون بمكة بأنواع العذاب، وقيل: إِنهم غطوه في بئر ماء على ان يلفظ بالكفر, وكان قلبه مطمئنا بالايمان، فجاز من ذلك، وجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم جزعاً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان قلبك؟ قال كان مطمئناً بالإِيمان، فأنزل الله فيه الآية. واخبر ان الذين يكفرون بالله بعد ان كانوا مصدقين به بأن يرتدوا عن الاسلام {فعليهم غضب من الله} ثم استثنى من ذلك من كفر بلسانه، وكان مطمئن القلب بالايمان في باطنه، فانه بخلافه. و {من كفر} رفع بما دل عليه خبر الثاني الذي هو قوله {ولكن من شرح بالكفر صدراً} كأنه قيل فعليه غضب من الله، كما تقول من يأتنا فمن يحسن نكرمه، فجواب الاول محذوف كفى فيه الثاني، وقال الزجاج {من كفر} رفع بأنه بدل من قوله {وأولئك هم الكافرون} وقال ابو علي: هذه معاريض يحسن من الله مثلها، ولا يحسن من الخلق إِلا عند التقية، قال: إِلا ان على أهل العقول أن يعلموا ان الله لم يفعل ذلك الاّ على ما يصح ويجوز، وليس ذلك للانسان الا في حال التقية، لانه لا دليل يؤمّن من الخطأ عليه، فعلى هذا يلزمه في النبي ان يحسن منه من غير تقية، لكونه معصوماً لا يكذب في اخباره ولا خلاف بين أهل العدل أنه لا يجوز اظهار كلمة الكفر إِلا مع التعريض بأن ينوي بقلبه ما يخرجه عن كونه كاذباً، فأمّا على وجه الاخبار، فلا يجوز أصلا لانه قادر على التعريض الذي يخرج به عن كونه كاذباً.
الجنابذي
تفسير : {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} اسلامه او ايمانه الخاصّ {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} على الكفر القولىّ اى الاّ من كفر قولاً بالاكراه {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} اذعن بالكفر واعتقد واطمأنّ عليه {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} روى انّ الآية نزلت فى عمّار رحمه الله لانّه اكرهه مشركوا مكّة واكرهوا ابويه على الكفر والبرائة من محمّد (ص) فأبى ابواه فقتلوهما وتبرّأ عمّار بلسانه، وورد فى الاخبار تحسين ابويه فى اختيار القتل وتحسينه فى اختيار البرائة اللّسانيّة على القتل.
الأعقم
تفسير : {من كفر بالله من بعد إيمانه} أي من ارتد عن دين الله بعدما قبله، وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره من كفر بالله {ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله} ثم استثنى فقال: {إلاَّ من أكره} على الكفر بلسانه {وقلبه مطمئن بالإِيمان} يعني ساكن القلب اليه، وروي أنها نزلت الآية في ناس من أهل مكة ثبتوا فارتدوا عن الاسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد الايمان، فيهم عمار بن ياسر وصهيب وبلال وخباب وسالم، فأما عمار وأبواه ياسر وسميه فقتلا وأما صهيب وبلال وخباب وسالم فعذبوا، وقيل: أن سميَّة ربطت بين بعيرين ووجئ في قلبها بحربة وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقيل: ياسر، وهما أوَّل قتيلين في الاسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أراد بلسانه منكرها في قلبه، حديث : فقيل: يا رسول الله إن عماراً كفر؟ فقال: "كلا إن عماراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه" فأتى عمار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يبكي فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه: "وقال مالك ان عادوا لك فعد لهم بمثل ما قلت" تفسير : {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون} قيل: جعلت عليها ملائكة ليعرفوهم فتلعنهم، وقيل: شبههم بالأصم والأعمى وأنهم بالغفلة صاروا كالمطبوع على قلوبهم {لا جرم}، قيل: حقاً أن لهم النار {ثم ان ربك للذين هاجروا} وهم عمار وأصحابه، ومعنى إن ربك لهم لا عليهم بمعنى أنه وليهم وناصرهم {من بعد ما فتنوا} بالعذاب والاكراه على الكفر قيل: نزلت الآية في عباس بن ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة {يوم تأتي كل نفس} يعني يوم القيامة {تجادل} تخاصم {عن نفسها} وتحتج {وتوفَّى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} {وضرب الله مثلاً قرية آمنة}، قيل: مكة حين أخرجوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، وقيل: كانت قرية في الأمم الماضية على هذه الصفة {يأتيها رزقها رغداً} واسعاً {من كل مكان} يعني يحمل اليها من البرّ والبحر {فكفرت} بتكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من النعم، وقيل: كفرت {بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} ذكر اللباس لأنه يظهر عليهم، وروي أنه بلغ بهم القحط إلى أن أكلوا العلهن، وقيل: الجوع منعوا المطر، وروي أنهم أقاموا بالجوع سبع سنين، والخوف من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والسرايا من المسلمين إليهم، روي أنهم كلموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "حديث : هذه الرجال عادت فما بال النساء والصبيان؟" تفسير : فأذن للناس في حمل الميرة اليهم، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعل عليهم كسني يوسف" تفسير : وقيل: ضرب بمكة مثلاً لغيره من البلاد.
اطفيش
تفسير : {مَن} بدل من الذين فى قوله: {أية : إِنما يفترى الكذب الذين}.. تفسير : الخ وما بينهما معترض أى إِنما يفترى الكذب من {كَفَرَ} من قلبه، {بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ} به كقيس بن ضبابة ممن ارتد بقلبه ولسانه وكان قد ارتد كذلك بلا إِكراه وليس من ارتد من قلبه بمعذور ولو أكره أو من يدل من أولئك أى ومن كفر بالله من بعد إِيمانه هم الكاذبون ومن الكاذبون أى وأُولئك هم من كفر بالله من بعد إِيمانه أو مفعول لمحذوف أو خبر لمحذوف. أى أعنى من كفر أو هم من كفر أو مبتدأ شرطية أو موصولة محذوفة الخبر، الجواب أى لهم عذاب شديد أو فلهم عذاب شديد، دل عليه قوله ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} استثناء ممن كفر وهو متصل لأَن الكفر لغة يعم الكفر باللسان والكفر بالقلب والكفر بهما فاستثنى من كفر باللسان فقط لإكراه من لا يطيقه له على الافتراء، وكلمة كفر فإِنه لا بأْس عليه إِذا اطمأَن قلبه إِيماناً وخالف لسانه كما قال. {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} ساكن ثابت. {بِالإِيمانِ} لم تتغير عقيدته زعم بعض أن هذه الآية نسخ منها المستضعفون فأُبيح لهم بقوله تعالى: {أية : إِلاَّ المستضعفين}تفسير : وزعم بعض أن فى الآية من كفر بالله من بعد إِيمانه إِلا من أكره وقلبه مطمئن بالإِيمان فلا جناح عليه ولكن من شرح بالكفر صدراً من غير كره فعليهم غضب، وفى الآية دليل على أن الإِيمان هو التصديق بالقلب لكن لا بد من النطق بكلمة الشهادة مرة عند الجمهور حتى أنه غير خارج عن الشرك إِن لم ينطق بها عند الجمهور وقيل لا يشترط النطق بها وإِنما هو بإِجراء أحكام عليه ويعلم بأَنه مؤمن، وذكر النووى فى شرح مسلم أن أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين اتفقوا على أن من آمن بقلبه ولم ينطق بلسانه مع قدرته كان مشركاً، واعترض بأَن لكل من الأَئمة الأَربعة قولا، إِنه مؤمن عاص بترك التلفظ، بل الذى عليه جمهور الأَشاعرة وبعض محققى الحنفية أن الإِقرار شرك لإِجراء أحكام الدنيا، ومذهبنا اشتراط الإِقرار وعلى اشتراطه يكفى أن يسمع نفسه واتفق القائلون بعدم اشتراطه على اشتراط ترك العناد بأَن يعتقد أنه متى طولب به أتى به، وفى الآية أيضاً تصريح بأَن للمكره على الكفر أن يتلفظ به إِن اطمأَن قلبه بالإِيمان ترخيصاً من الله سبحانه والأَفضل أن يصبر على ما يحل به ولا يتلفظ إِعزازاً للدين، كما روى "حديث : أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأَحدهما: ما تقول فى محمد؟ قال: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ما تقول فىَّ؟ قال: أنا أصم. فأَعاد عليه ثلاثاً، وفى كل ذلك يقول أنا أصم، فقتله، فبلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثانى فقد صدع بأَمر الله بالحق فهنيئاً له وقد أخذ بالأَفضل"تفسير : ، أيضاً أبو عمار بن ياسر وسمية رضى الله عنهم، وذلك أول من أظهر الإِسلام سبعة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وخباب وصهيب وبلال وعمار وأبو ياسر وأُمه سمية ومهاجر، فأَما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمنعه الله من أذى المشركين بعمه أبى طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله عز وجل بقومه وعشيرته وأخذوا الآخرين وألبسوهم أدراع الحديد وأجلسوهم فى حر الشمس بمكة فكانوا يعذبون بلالا وهو يقول أحد.. أحد.. حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه. "حديث : قال خباب: لقد أوقدوا لى ناراً ما اطفأَها إِلا ودك ظهرى، وربطوا سمية بين بعيرين وطعنوها فى قلبها بحربة وقالوا: إِنك أسلمت من أجل الرجال وماتت وقتلوا زوجها ياسراً وهما أول قتيلين فى الإِسلام وأخذ بنو المغيرة عماراً فغطوه فى بئر ميمون، وقالوا له: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأَخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأَن عماراً كفر. فقال: منكر الكفرة أكفرك إِلا أن عماراً ملىء إِيماناً من قرنه إِلى قدمه واختلط بلحمه ودمه فأَتى عمار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبكى، فجعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمسح عينيه، وقال: ما لك إِن عادوا لك فعد لهم بما قلت"تفسير : . وفى رواية "حديث : أنه جاء إِلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشكوه ما صنع به من العذاب وما سامح به من القول، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كيف تجد قلبك. قال: أجده مطمئناً بالإِيمان. فقال له النبى ـ صلى الله عليه وسلم فأجبهم بلسانك فإِنه لا يضرك، وإن عادوا فعد" تفسير : فنزلت الآية، وذكروا أنه قال: "حديث : أخذنى المشركون فلم يتركونى حتى شتمت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكرت آلهتهم بخير، فقال لى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـما وراءك؟ قلت: شراً يا رسول الله، والله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فقال لى: يكف تجد قلبك. قلت: أجده مطمئناً بالإِيمان. قال: فإِن عادوا فعد"تفسير : . والرخصة عامة كما يعطيه عموم اللفظ باقية ولو كان سبب النزول خاصاً وممن كفر بلسانه واطمأَن قلبه بالإِيمان جبر مولى عامر الحضرمى اكرهه عامر على الكفر فكفر بلسانه ثم أسلم عامر فأَحسن إِسلامه وأسلم جبر وهاجر إِلى المدينة، وقد قال مقاتل: إِن الآية نزلت فى جبر وليس كما قيل عن مجاهد أنها نزلت فى ناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين نزل وحب الهجرة أن هاجروا إِلينا فإِنا لأبركم منا حتى تهاجروا فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش فى الطريق ففتنوهم عن دينهم فكفروا بأَلسنتهم كارهين قيل فنزل: الم أحسب الناس ـ الآيات فكتبوها إِليهم أيضاً فتبايعوا أن يخرجوا أيضاً فإِن لحقهم المشركون قاتلوهم حتى يلحقوا بالله أو ينجوا فنزل سبحانه ثم إِن ربك للذين هاجروا.. الخ. وهذا القول ضعيف لأَن الآية مكية فى أول الإِسلام قبل أن يؤمروا بالهجرة، وشرط التقية بالشرك أن يقهر بعذاب لا يطيقه كالتخويف بالقتل والضرب الشديد والإِيلامات القوية كالتخويف بالنار، وقال ابن مسعود ما من كلمة ترفع عنى سوطين إِلا تكلمت بها، وليس الرجل على نفسه بأمين إِن ضرب أو عذب أو حبس أو قيد، ومراده بسوطين ضربتان وهما مثال، فإِن الضربة الواحدة المؤلمة كذلك، وقد روى أنه قال ضربة سوط وكذلك إِن خاف سلب المال المؤدى إلى تلف النفس وقيل وعلى التلفظ بالاشتراك لإِكراه التلفظ بكل ما هو معصية بإِكراه مع إِضمار مع هو الحق إِلا ما يؤدى التلفظ به إِلى ظلم الغير كشهادة الزور والدلالة على مال الغير وحد الإِكراه أن يهدد المكره قادر على الإِكراه بعاجل من أنواع العقوبات يؤثر العاقل لأَجله الإِقدام على ما أكره عليه وغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدده إِن امتنع مما أكره عليه وعجز عن الهرب والمقاومة والاستعانة بغيره ونحوها من أنواع الدفع ويختلف الإِكراه باختلاف الأَشخاص والأَسباب المكره عليها فى فروع وقيل لا يبيح التقية على أصولنا إِلا ضرب يقع عليه فى ذاته أو قتل خاصة ولعل سلب المال المؤدى إِلى الموت داخل فى القتل والتحقيق أن التخليد فى السجن يبيح التقية، وقيل إِذا خاف وظهرت القرائن الدالة على ذلك التهديد وإِحضار السوط وإِشهار السيف وإِشراع الرمح، وقيل إِذا علم منه فى الماضى إِيقاعه وبطشه والايذاء باللسان لا يبيح التقية ولو عظم، وقيل إِذا خاف ضربا فله التقية ولو لم نظهر القرينة ولا حضرت آلة الضرب إِن كان قادراً على الإِكراه ولا يشترط فى التقية المعرضة بل اطمئنان القلب بالحق على الصحيح واشترطها بعضهم وأجمعوا على وجوبها على من هو ثابت العقل عارف بها إِن حضرت له فى تلك الحال وهى أن توهم السامع بمعنى فى نفسك خلافه واستدل من قال بوجوبها بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل موته بشهر "حديث : لا تنتفعوا من الميتة بإِهاب ولا عصب ولا تشركوا بالله شيئاً ولو عذبتم أحرقتم بالنار"تفسير : ، والجواب أن المراد لا تشركوا من قلوبكم، كما قال الربيع عن أبى عبيدة عن جابر فى قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : قل الحق ولو كان مراً، ولا تشرك بالله شيئاً وإن عذبت أو حرقت"تفسير : ، وقيل تجوز له التقية إِذا خوف بقتل غيره ممن لا يجوز قتله ولا أن يبقى له وكذا له الوجهان إِذا كان يلقى على إِنسان أو يسحب عليه فيتضرر الإِنسان أو يموت وكان موته مفضياً إِلى موت غيره ولا إِثم عليه ولا عزم فى الفعل ولا فى الترك ولا تجوز التقية بالفعل كشرب الخمر والزنى واختلف فى إِفطار المقيم تقية وأجاز بعض المعتزلة التقية فى الفعل كله قياساً على القول إِلا ما فيه ظالم أحد، وبه قال ابن الحسين من النكار فلو أكره على قتل إِنسان فقتله للزمه الإِثم والقود بإِجماع، إلا ما روى عن بعض المعتزلة وذكر بعض العلماء أن الزنى لا يتصور فيه الإِكراه لأَن الإِكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الذكر، وليس كذلك على الإِطلاق فإِنه قد ينعم لهم بالزنى فيأْمن أو يؤخر عن تلك الحال فينتشر، وأيضاً وقوعه عليها زنى ولو لم يقع إيلاج ومن أكره على طلاق أو إِعتاق أو بيع أو نحوه ففعل لزمه عند أبى حنيفة ولم يلزمه عندنا وعندنا وعند الشافعى وأكثر العلماء لقوله تعالى: {أية : لا إِكراه فى الدين}تفسير : أى لا عبرة ولا أثر لما يفعل من أموره بكره كذا فسره هؤلاء ولا تجوز التقية بقذف المحصنات طلاقاً على الصحيح وأجازها ابن بركة وتجوز بإِنكار الزوجية وإِثباتهما وإِثبات العبودية للنفس أو الغير ونفيها والبهتان عند بعض ولا تجوز فى الفتوى بغير حق وشهادة الزور خلافاً ولا فى إِلقاء سلاح أو لباس، وقيل بجوازها إِن كان له آخر وأجازها بعض بأَكل المحرمات كقذر الآدمى والدم والخنزير وما الغير بشرك نية الضمان وأجاز بعض المعتزلة التقية بكل محرم ولو بزنى أو قتل غيره، وزعمت بعض الصفرية أن هذه الآية المبيحة للتقية منسوخة بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما تنتفعوا من الميتة والصواب أن المراد فيه لا تشركوا بقلوبكم كما مر ومن أكره على مباح فعلا أو قولا أو مسنون فله أن يفعل وله أن لا يفعل ويموت وإِن أكره على واجب كصلاة الظهر أو على تركه وجب عليه فعله ولو يموت لكن له أن يوصى أو يمر عليه فى قلبه فينجو إِذا أكره على تركه ومن أكره على الزنى فزنى لزمه الحد والصداق وقيل لا يحد ولا صداق عليه إِن أكرهته هى ومن أكره على قتل إِنسان فقتله لزمه القود وقيل لزمه ومكرهة، وقال أبو يوسف: لا شىء عليه والقود على من أكرهه وليست تقية الصاحب والجار والرحم ومن خيف منه ضر فلهذا فى مال أو نفس أو عرض ونحو ذلك على حد التقية بالشرك بل معناها أن تتلفظ لمن ذكر بما يوهم أنك راض عنه وأنه فى ولايتك مثل أن تقول لرحم كوالد وأخ وصاحب وجار رحمك الله وتريد رحمة الدنيا ونجاك من النار وتريد نار الدنيا، وأعانك الله وتريد على مباح وآجرك الله أجر المحسنين وتريد أن يعطيه أجراً دنيوياً كأجر من أحسن عملا دنيوياً يستحق به أجرة دنيوية ولم يكونوا بحد من يضرك بقتل أو ضرب إِذا احتجت إِلى ذلك لتسهيل العشرة وإِزالة النفرة ومشقة العداوة والفرقة إِذا كنت إِن لم تقل له ذلك صفت العشرة أو تفر أو شقت عداوته أو فارقك وأجاز بعض أيضاً مثل تلك المعارض لجلب نفع مستغنى عنه {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} أى من فتح صدره ووسعه بمعنى طابت به نفسه واعتمده فى حال إِكراه أو فى غيره {فَعَلَيْهِمْ} فى الآخرة والدنيا {غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ} فى الآخرة {عَذَابٌ عَظِيمٌ} لو فيها وفى الدنيا بالسيف لأَنه لا أعظم من جرمه.
اطفيش
تفسير : {مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} بدل من الكاذبون، كأنه قيل: وأولئك هم مَن كفر بالله، أو من الذين لا يؤمنون كأنه قيل: إِنما يفترى الكذب من كفر بالله، أو من أولئك، كأنه قيل: مَن كفر بالله هم الكاذبون. {إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} حال الإكراه مستمر، حال القتل أو التعذيب، أو ذاهل حالهما غير معتقد الكفر، فإنه ليس بكافر، لأن قلبه مطمئن بالإِيمان، وإن جرى لفظ الكفر على لسانه كرهًا، كذا قيل، وفيه أن قريشًا لم يكونوا أسلموا، فيجاب بأن المراد أنهم تمكنوا من الإسلام، ثم أعرضوا اعناداً، واعترض أبو حيان إبدال من كفر من الذين لا يؤمنون بأنه يقتضى أن لا يفترى الكذب إِلا المرتد. وأجيب: بأن المراد مَن كفر بالله بعد تمكنه من الإيمان، ويأباه قوله: "إِلا من أكره"، أو من مبتدأ موصولة أو شرطية، ويقدر خبر أو جواب، أى فعليهم غضب واستحقوا الغضب، أو مفعول لازم، أو خبر لمحذوف، أى هم من كفروا إذا أبدل من كفر من الكاذبون لزم الحصر، فيمن كفر بالله بعد إيمانه، وكذا إن جعل بدلا من أولئك على حد ما مر فى جعله بدلا من الذين، والاستثناء متصل لأن الكفر لغة يعم القول والعقد، كما يعمهما الإيمان، والاستثناء هو من قوله: مَن كفر بالله، لأنه عم الكفر باللسان، ولو اطمأَن القلب بالإيمان أو من عليهم غضب، أو استحقوا إلخ المقدر. ويضعف أن يكون من قوله بعد فعليهم غضب، ولا تشترط المعرضة مع اطمئنان القلب، بل يكفى الاطمئنان خلافًا لبعض، وأحل الإيمان التصديق بالقلب، والنطق ركن أو شرط قولان عليهما الجمهور، الثالث أنه لا شرط ولا ركن، وهو قول قليل منَّا من الأشعرية. {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} وسع صدره له وقلبه، ولو فى حال الإكراه وصدرًا مفعول به لا تمييز، فلا تهم، ومن شرطه، وأداة الشرط تلى لكن، تقول: أكرم عمراً لكن إن جاء فلا تهم. {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أكره قريش على الردة سميَّة أو عماراً بالتصغير، وربطوها بين بعيرين، وطعن أبو جهل فى قُبُلها بحربة، وقالوا: أسلمت للزنى، وشردوا للبعيرين فانقطعت جزأين وقتلوا أباه ياسراً، وهما أول من قتل فى الإسلام عليه، وكفر عمار، وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدح الأصنام بلسانه واطمأن قلبه بالإسلام، فتركوه، فقيل: يا رسول الله كفر عمار، فقال: "حديث : كلا إن عماراً ملئ إيماناً من قرنه إِلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكى معتذراً فقال له: ما وراءك! قال: شر كفرت بك، قال: ما تجد قلبك؟ قال: مؤمناً، فجعل صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه فقال: مالئ إن عادوا لك بالإكراه فبدلهم بكفر اللسان مع اطمئنان قلبك بالإيمان تفسير : والله اختار الصبر على العذاب أو القتل. روى أن مسيلمة قال لرجل: ما تقول فى محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فىّ قال: أنت أيضًا، فخلاّه. وقال لآخر: ما تقول فى محمد؟ قال: رسول الله، قال: ما تقول فىّ؟ قال: أنا أصم فأعاد ثلاثًا فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أما الأول فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له". تفسير : وذكر الفخر أنه يجب شرب الخمر، وأكل الميتة والخنزير لأن حفظ النفس واجب، ولا ضرر فى ذلك لأحد، وقد قال عز وجل: "أية : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" تفسير : [البقرة: 195] ويحرم قتل أحد أو قطع عضو من نفسه، أو من أحد بإكراه وإن فعل ففى القصاص قولان للشافعى، والمذهب القصاص، وليس ذلك مما يدْرأ فيه الحد بالشبهة، وقاس بعضهم سائر المعاصى عند الإكراه على الإشراك، مما ليس فى بدن أحد، ومنع بعض كشف العورة بالإكراه، وكذا كشف عورة غيره، ويموت ولا يزنى، بل لو زنى بالإدخال علمنا أنه فعل بلا ضرورة، إِذ لو خاف لم ينتشر، وفيه أنه قد يأمن فينتشر، لأنه اطمأَن أنه لا يقتل إن زنى، وعلى كل حال لا يجوز له، ولا يعذر.
الالوسي
تفسير : {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ} أي بكلمة الكفر {مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ} به تعالى. وهذا بحسب الظاهر ابتداء كلام لبيان حال من كفر بآيات الله تعالى بعدما آمن بها بعد بيان حال من لم يؤمن بها رأساً و {مِنْ } موصولة محلها الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} الآتي عليه وحذف مثل ذلك كثير في الكلام، وجوز أيضاً الرفع وكذا النصب على القطع لقصد الذم أي هم أو أذم من كفر والقطع للذم والمدح وإن تعورف في النعت، و {مِنْ} لا يوصف بها لكن لا مانع من اعتباره في غيره كالبدل وقد نص عليه سيبويه. نعم قال أبو حيان: إن النصب على الذم بعيد. وأجاز الحوفي والزمخشري كونها بدلاً من {أية : ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 104] وقوله تعالى: {أية : وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [النحل: 105] اعتراض بينهما. واعترضه أبو حيان/ وغيره بأنه يقتضي أن لا يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه والوجود يقتضي أن من يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن مطلقاً وهم أكثر المفترين. وأيضاً البدل هو المقصود والآية سيقت للرد على قريش وهم كفار أصليون. ووجه ذلك الطيبـي بأن يراد بقوله تعالى: {مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ} من بعد تمكنه منه كقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16] وذكر أن فيه ترشيحاً لطريق الاستدراج وتحسيراً لهم على ما فاتهم من التصديق وما اقترفوه من نسبته عليه الصلاة والسلام إلى الافتراء. وفيه كما في «الكشف» أن قوله سبحانه: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} لا يساعد عليه، وحمل التمكن منه على ما هو أعم من التمكن في إحداثه وبقائه لا يخفى ما فيه. وقال المدقق: الأولى في التوجيه أن يجعل المعنى من وجد الكفر فيما بينهم تعييراً على الارتداد أيضاً وأن من وجد فيهم هذه الخصلة لا يبعد منهم الافتراء ويجعل ذلك ذريعة إلى أن ينعى عليهم ما كانوا يفعلونه مع المؤمنين من المثلة ويدمج فيه الرخصة بإجراء كلمة الكفر على اللسان على سبيل الإكراه وتفاوت ما بين صاحب العزيمة والرخصة، ولا يخفى ما فيه أيضاً وأنه غير ملائم لسبب النزول، وقال الخفاجي: لك أن تقول الأقرب أن يبقى الكلام على ظاهره من غير تكلف وأن هذا تكذيب لهم على أبلغ وجه كما يقال لمن قال: إن الشمس غير طالعة في يوم صاح هذا ليس بكذب لأن الكذب يصدر فيما قد تقبله العقول ويكون هذا على تقدير أن يكون المراد في {لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} لا يهديهم إلى الحق فالله تعالى لما لم يهدهم إلى الحق والصدق وختم على حواسهم نزلوا منزلة من لم يعرفه حتى يساعده لسانه على النطق به فقبح إنكارهم له أجل من أن يسمى كذباً وإنما يكذب من تعمد ذلك ونطق به مرة، فتكون الآية الأولى للرد على قريش صريحاً والأخرى دلالة على أبلغ وجه انتهى، ولعمري إنه نهاية في التكلف، ومثل هذا الإبدال الإبدال من {أية : أُوْلَـٰئِكَ} تفسير : [النحل: 105] والإبدال من {أية : ٱلْكَـٰذِبُونَ} تفسير : [النحل: 105] وقد جوزهما الزمخشري أيضاً؛ وجوز الحوفي الأخير أيضاً ولم يجوز الزجاج غيره. وجوز غير واحد كون {مِنْ} شرطية مرفوعة المحل على الابتداء واستظهره في «البحر» والجواب محذوف لدلالة الآتي عليه كما سمعت في الوجه الأول، والكلام في خبر من الشرطية مشهور، وظاهر صنيع الزمخشري اختيار الإبدال وهو عندي غريب منه. وفي «الكشف» أن كون {مِنْ } شرطية مبتدأ وجه ظاهر السداد إلا أن الذي حمل جار الله على إيثار كون {مِنْ} بدلاً طلب الملاءمة بين أجزاء النظم الكريم لا أن يكون ابتداء بيان حكم، ولا يخفى ما في هذا العذر من الوهن، والظاهر أن استثناء {مَنْ أُكْرِهَ } أي على التلفظ بالكفر بأمر يخاف منه على نفسه أو عضو من أعضائه ـ ممن كفر ـ استثناء متصل لأن الكفر التلفظ بما يدل عليه سواء طابق الاعتقاد أو لا. قال الراغب: ((يقال كفر فلان إذا اعتقد الكفر ويقال إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد))، فيدخل هذا المستثنى في المستثنى منه المذكور، وقيل: مستثنى من الخبر الجواب المقدر، وقيل: مستثنى مقدم من قوله تعالى: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} وليس بذاك، والمراد إخراجه من حكم الغضب والعذاب أو الذم. وقوله سبحانه: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } حال من المستثنى، والعامل ـ كما في "إرشاد العقل السليم" ـ هو الكفر الواقع بالإكراه لا نفس الإكراه لأن مقارنة اطمئنان القلب بالإيمان للإكراه لا تجدي نفعاً وإنما المجدي مقارنته للكفر الواقع به أي إلا من كفر بإكراه أو إلا من أكره فكفر والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته، وأصل معنى الاطمئنان سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على ما كان عليه بعد إزعاج الإكراه، وإنما لم/ يصرح بذلك العامل إيماءً إلى أنه ليس بكفر حقيقة. واستدل بالآية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار ليس ركناً فيه كما قيل. واعترض بأن من جعله ركناً لم يرد أنه ركن حقيقي لا يسقط أصلاً بل أنه دال على الحقيقة التي هي التصديق إذ لا يمكن الاطلاع عليها فلا يضره عند سقوطه لنحو الإكراه والعجز فتأمل. {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي اعتقده وطاب به نفساً و {صَدْرًا } على معنى صدره إذ البشر في عجز عن شرح صدر غيره، ونصبه ـ كما قال الإمام ـ على أنه مفعول به ـ لشرح ـ وجوز بعضهم كونه على التمييز، و {مِنْ } إما شرطية أو موصولة لكن إذا جعلت شرطية ـ قال أبو حيان ـ لا بد من تقدير مبتدأ قبلها لأن لكن لا تليها الجمل الشرطية، والتقدير هنا ولكن هم من شرح بالكفر صدراً أي منهم ومثله قوله:شعر : ولكن متى تسترفد القوم أرفد تفسير : أي ولكن أنا متى تسترفد الخ. وتعقب بأنه تقدير غير لازم. وقوله تعالى: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } جواب الشرط على تقدير شرطية {مِنْ } وهي على التقديرين مبتدأ وهذا خبرها على تقدير الموصولية وكذا على تقدير الشرطية في رأي والخلاف مشهور، وجعله بعضهم خبراً لمن هذه ولمن الأولى للاتحاد في المعنى إذ المراد ـ بمن كفر ـ الصنف الشارح بالكفر صدراً. وتعقبه في «البحر» بأن هٰهنا جملتين شرطيتين وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك فلا بد لكل واحدة منهما من جواب على حدة فتقدير الحذف أحرى في صناعة الإعراب. وقد ضعفوا مذهب أبـي الحسن في إدعائه أن قوله تعالى: {أية : فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [الواقعة: 91] وقوله سبحانه: {أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ } تفسير : [الواقعة: 89] جواب ـ لأما ـ ولأن هذا وهما أداتا شرط تلي إحداهما الأخرى، ويبعد بهذا عندي جعله خبراً لهما على تقدير الموصولية والاستدراك من الإكراه على ما قيل؛ ووجه بأن قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} يوهم أن المكره مطلقاً مستثنى مما تقدم، وقوله سبحانه: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ} لا ينفي ذلك الوهم فاحتيج إلى الاستدراك لدفعه وفيه بحث ظاهر، وقيل: المراد مجرد التأكيد كما في نحو قولك: لو جاء زيد لأكرمتك لكنه لم يجىء. وأنت تعلم ما في ذلك فتأمل جداً، وتنوين {غَضَبٌ} للتعظيم أي غضب عظيم لا يكتنه كنهه كائن {مِنَ ٱللَّهِ} جل جلاله {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} لعظم جرمهم فجوزوا من جنس عملهم، وفي اختيار الاسم الجليل من تربية المهابة وتقوية وتعظيم العذاب ما فيه، والجمع في الضميرين المجرورين لمراعاة جانب المعنى كما أن الإفراد في المستكن في الصلة لرعاية جانب اللفظ. حديث : روي أن قريشاً أكرهوا عماراً وأبويه ياسراً وسمية على الارتداد فأبوا فربطوا سمية بين بعيرين ووجىء بحربة في قبلها وقالوا إنما أسلمت من أجل الرجال فقتلوها وقتلوا ياسراً وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه فقيل يا رسول الله إن عماراً كفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال: مالك إن عادوا فعد لهم بما قلتتفسير : ، وفي رواية أنهم أخذوه فلم يتركوه حتى سب النبـي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: حديث : ما وراءك؟ قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان/ قال صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد تفسير : فنزلت هذه الآية، وكأن الأمر بالعود في الرواية الأولى للترخيص بناءً على ما قال النسفي أنه أدنى مراتبه وكذا الأمر في الرواية الثانية إن اعتبر مقيداً بما قيد به في الرواية الأولى، وأما إن اعتبر مقيداً بطمأنينة القلب كما في "الهداية" أي عد إلى جعلها نصب عينيك وأثبت عليها فالأمر للوجوب. والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازاً للدين ولو تيقن القتل كما فعل ياسر وسمية وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة بل هو كالقتل في الغزو كما صرحوا به. وقد أخرج ابن أبـي شيبة عن الحسن وعبد الرازق في "تفسيره" عن معمر حديث : أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله قال: فما تقول في؟ فقال: أنت أيضاً فخلاه وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله قال: فما تقول في؟ فقال أنا أصم فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد ذلك في جوابه فقتله فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً لهتفسير : . وفي "أحكام الجصاص" أنه يجب على المكره على الكفر إخطار أنه لا يريده فإن لم يخطر بباله ذلك كفر. وفي «شرح المنهاج» لابن حجر ((لا توجد ردة مكره على مكفر قلبه مطمئن بالإيمان للآية، وكذا إن تجرد قلبه عنهما فيما يتجه ترجيحه لإطلاقهم أن المكره لا يلزمه التورية)) فافهم، وقال القاضي: يجب على المكره تعريض النفس للقتل ولا يباح له التلفظ بالكفر لأنه كذب وهو قبيح لذاته فيقبح على كل حال ولو جاز أن يخرج عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله سبحانه الكذب لها وحينئذٍ لا يبقى وثوق بوعده تعالى ووعيده لاحتمال أنه سبحانه فعل الكذب لرعاية المصلحة التي لا يعلمها إلا هو، ورده ظاهر، وهذا الخلاف فيما إذا تعين على المكره إما التزام الكذب وإما تعريض النفس للتلف وإلا فمتى أمكنه نحو التعريض أو إخراج الكلام على نية الاستفهام الإنكاري لم يجب عليه تعريض النفس لذلك إجماعاً. واستدل بإباحة التلفظ بالكفر عند الإكراه على إباحة سائر المعاصي عنده أيضاً وفيه بحث، فقد ذكر الإمام أن من المعاصي ما يجب فعله عند الإكراه كشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير فإن حفظ النفس عن الفوات واجب فحيث تعين الأكل سبيلاً ولا ضرر فيه لحيوان ولا إهانة لحق الله تعالى وجب لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] ومنها ما يحرم كقتل إنسان محترم أو قطع عضو من أعضائه وفي وجوب القصاص على المكره قولان للشافعي عليه الرحمة، وذكر أن من الأفعال ما لا يقبل الإكراه ومثل بالزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة فحيث دل الزنا في الوجود علمنا أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله.
ابن عاشور
تفسير : لما سبق التّحذير من نقض عهد الله الذي عاهدوه، وأن لا يغرّهم ما لأمّة المشركين من السّعة والرُبُو، والتحذير من زَلل القدم بعد ثبوتها، وبشروا بالوعد بحياة طيبة، وجزاء أعمالهم الصالحة من الإشارة إلى التّمسك بالقرآن والاهتداء به، وأن لا تغرّهم شُبه المشركين وفتونهم في تكذيب القرآن، عقب ذلك بالوعيد على الكفر بعد الإيمان، فالكلام استئناف ابتدائي. ومناسبة الانتقال أن المشركين كانوا يحاولون فتنة الراغبين في الإسلام والذين أسلموا، فلذلك ردّ عليهم بقوله: {أية : قل نزّله روح القدس} تفسير : [سورة النحل: 102] إلى قوله: {أية : ليثبّت الذين آمنوا} تفسير : [سورة النحل: 102]، وكانوا يقولون: {أية : إنما يعلمه بشر} تفسير : [سورة النحل: 103] فردّ عليهم بقوله: {أية : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} تفسير : [سورة النحل: 103]. وكان الغلام الذي عنوه بقولهم {إنما يعلمه بشر} قد أسلم ثم فتنهُ المشركون فكفر، وهو جَبر مولى عامر بن الحَضرمي. وكانوا راودوا نفراً من المسلمين على الارتداد، منهم: بلال، وخَبّاب بن الأرتّ، وياسر، وسُميّةُ أبَوَا عمار بن ياسر، وعمّارٌ ابنهما، فثبتوا على الإسلام. وفتنوا عماراً فأظهر لهم الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وفتنوا نفراً آخرين فكفروا، وذُكر منهم الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبّه بن الحجّاج، وأحسب أن هؤلاء هم الذين نزل فيهم قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} تفسير : في سورة العنكبوت (10)، فكان مِن هذه المناسبة ردّ لعجز الكلام على صدره. على أن مضمون {من كفر بالله من بعد إيمانه} مقابل لمضمون {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} تفسير : [سورة النحل: 97]، فحصل الترهيب بعد الترغيب، كما ابتدىء بالتحذير تحفّظاً على الصالح من الفساد، ثم أعيد الكلام بإصلاح الذين اعتراهم الفساد، وفُتح باب الرخصة للمحَافظين على صلاحهم بقدر الإمكان. واعلم أن الآية إن كانت تشير إلى نفَر كفروا بعد إسلامهم كانت {مَن} موصولة وهي مبتدأ والخبر {فعليهم غضب من الله}. وقرن الخبر بالفاء لأن في المبتدإ شبهاً بأداة الشرط. وقد يعامل الموصول معاملة الشرط، ووقع في القرآن في غير موضع. ومنه قوله تعالى: {أية : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم} تفسير : [سورة البروج: 10]، وقوله تعالى: {أية : والذين يكنزون الذهب والفضة} تفسير : [براءة: 34] إلى قوله {أية : فبشّرهم بعذاب أليم} تفسير : في سورة براءة (34). وقيل إن فريقاً كفروا بعد إسلامهم، كما رُوي في شأن جبر غلام ابن الحَضرمي. وهذا الوجه أليق بقوله تعالى: {أية : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم}تفسير : [سورة النحل: 108] الآية. وإن كان ذلك لم يقع فالآية مجرّد تحذير للمسلمين من العود إلى الكفر، ولذلك تكون {مَن} شرطية، والشرط غير مراد به معيّن بل هو تحذير، أي مَن يَكْفروا بالله، لأن الماضي في الشرط ينقلب إلى معنى المضارع، ويكون قوله: {فعليهم غضب من الله} جواباً. والتّحذير حاصل على كلا المعنيين. وأما قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فهو ترخيص ومعذرة لِمَا صدر من عمار بن ياسر وأمثالِه إذا اشتدّ عليهم عذاب من فتنوهم. وقوله: {إلا من أكره} استثناء من عموم {من كفر} لئلا يقع حكم الشرط عليه، أي إلا مَن أكرهه المشركون على الكفر، أي على إظهاره فأظهره بالقول لكنه لم يتغير اعتقاده. وهذا فريق رخّص الله لهم ذلك كما سيأتي. ومصحّح الاستثناء هو أن الذي قال قول الكفّار قد كفر بلفظه. والاستدراك بقوله: {ولكن من شرح بالكفر صدراً} استدراك على الاستثناء، وهو احتراس من أن يفهم من الاستثناء أن المكره مرخّص له أن ينسلخ عن الإيمان من قلبه. و{من شرح} معطوف بــــ{لكن} على {من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، لأنه في معنى المنفي لوقوعه عقب الاستثناء من المثبت، فحرف {لكن} عاطف ولا عبرة بوجود الواو على التحقيق. واختير {فعليهم غضب} دون نحو: فقد غضب الله عليهم، لما تدلّ عليه الجملة الاسمية من الدوام والثبات، أي غضب لا مغفرة معه. وتقديم الخبر المجرور على المبتدإ للاهتمام بأمرهم، فقدّم ما يدلّ عليهم، ولتصحيح الإتيان بالمبتدإ نكرة حين قصد بالتّنكير التعظيم، أي غضب عظيم، فاكتفي بالتنكير عن الصفة. وأما تقديم {لهم} على {عذاب عظيم} فللاهتمام. والإكراه: الإلجاء إلى فعل ما يُكْرَه فِعلُه. وإنما يكون ذلك بفعل شيء تضيق عن تحمّله طاقة الإنسان من إيلام بالغ أو سجن أو قيد أو نحوه. وقد رخّصت هذه الآية للمكره على إظهار الكفر أن يظهره بشيء من مظاهره التي يطلق عليها أنها كفر في عرف الناس من قول أو فعل. وقد أجمع علماء الإسلام على الأخذ بذلك في أقوال الكفر، فقالوا: فمن أكره على الكفر غير جارية عليه أحكام الكفر، لأن الإكراه قرينة على أن كفره تقية ومصانعة بعد أن كان مسلماً. وقد رخّص الله ذلك رفقاً بعباده واعتباراً للأشياء بغاياتها ومقاصدها. وفي الحديث: أن ذلك وقع لعمار بن ياسر، وأنه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فصوّبه وقال له: «حديث : وإن عادوا لك فعُد»تفسير : . وأجمع على ذلك العلماء. وشذّ محمد بن الحسن فأجرى على هذا التظاهر بالكفر حكمَ الكفّار في الظاهر كالمرتدّ فيستتاب عن المِكنة منه. وسوّى جمهور العلماء بين أقوال الكفر وأفعاله كالسجود للصنم. وقالت طائفة: إن الإكراه على أفعال الكفر لا يبيحها. ونُسب إلى الأوزاعي وسحنون والحسن البصري، وهي تفرقة غير واضحة. وقد ناط الله الرخصة باطمئنان القلب بالإيمان وغفر ما سوّل القلب. وإذا كان الإكراه موجب الرخصة في إظهار الكفر فهو في غير الكفر من المعاصي أولى كشرب الخمر والزنا، وفي رفع أسباب المؤاخذة في غير الاعتداء على الغير كالإكراه على الطلاق أو البيع. وأما في الاعتداء على الناس من ترتّب الغُرْم فبين مراتب الإكراه ومراتب الاعتداء المكره عليه تفاوت، وأعلاها الإكراه على قتل نفس. وهذا يظهر أنه لا يبيح الإقدام على القتل لأن التوعّد قد لا يتحقق وتفوت نفس القتيل. على أن أنواعاً من الاعتداء قد يُجعل الإكراه ذريعة إلى ارتكابها بتواطوء بين المكرِه والمكرَه. ولهذا كان للمكره ــــ بالكسر ــــ جانب من النظر في حمل التبعة عليه. وهذه الآية لم تتعرّض لغير مؤاخذة الله تعالى في حقّه المحض وما دون ذلك فهو مجال الاجتهاد. والخلاف في طلاق المكره معلوم، والتفاصيل والتفاريع مذكورة في كتب الفروع وبعض التفاسير.
القطان
تفسير : اكره: غصب بالضغط. من شرح بالكفر صدرا: اعتقد الكفر عن طيب نفس. لا جرم: حقا، لاشك. {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ}. ان الذين يكفرون بعد ان دخلوا الاسلام وآمنوا عليهم غضبُ الله، ويستثنى من ذلك من أُكره على الكفر بالضغط والتعذيب ونطق بالكفر ولكنه مؤمن ايماناً صادقاً، فلا لوم عليه. وقد كان كفار قريش يعذّبون الضعفاء من المسلمين الذين ليسوا من قريش مثل عمار بن ياسر وابويه وبلال وغيرهم، ويجبرونهم على النطق بكلمة الكفر، فاذا لم يفعلوا قتلوهم، فنزلت الآية تجيز لهم النطقَ بكلمة الكفر ظاهرا ليتخلصوا من عذاب المشركين، ولا تثريبَ عليهم. {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. أما الذين كفروا طائعين مختارين، فغضب الله عليهم ولهم عذاب عظيم في الآخرة. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. هؤلاء الذين كفروا طوعا واصروا على الشرك إنّما آثروا الحياة الدنيا وزينتها على نعيم الآخرة، والله لا يوفق من يشرك به ويجحد آياته. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ}. إنّ الذين اتصفوا بما تقدم هم الّذين طبع اللهُ على قلوبهم وسمعهم وابصارهم فأغلقَها عن الحق، فلا يؤمنون ولا يهتدون. {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ}. لا شك بأنهم هم الخاسرون لكل خير في الدنيا والآخرة، ولا خسرانَ أعظمُ من غضب الله. {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ثم اعلمْ ايها النبي ان ربك ناصرٌ الذين هاجروا من مكة فراراً بدينهم، وبأنفسهم من عذاب المشركين، ثم جاهدوا وصبروا على مشاق التكاليف، ان ربك من بعد ما تحمّلوا ذلك لغفورٌ لما حصل منهم، رحيم بهم فلا يؤاخذُهم على ما أُكرهوا عليه.. الآية كما يظهر من لفظها تعم جميع الذين اضطهِدوا وعذَّبوا من ضعفاء المسلمين. {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. ويوم القيامة يأتي كل انسان لا يهمه الا نفسه والدفاع عنها، وينسى كل شيء من مال ووالد وولد، والله تعالى يومئذ يوفّي كل نفس جزاءَ ما كسبت من اعمال، ولا يظلم ربك احدا.
د. أسعد حومد
تفسير : {إيمَانِهِ} {بِٱلإِيمَانِ} (106) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الذِي كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالكُفْرِ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَضِبَ عَلَيهِ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباًَ أَلِيماً فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، لأَِنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإيمَانِ لأَِجْلِ الدُّنْيا، وَلأَِنَّهُ عَلِمَ بِالإِيمَانِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ. وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ المَصِيرِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلاَمِ بِلِسَانِهِ، وَوَافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهاً، لِمَا نَالَهُ مِنْ أَذًى، وَبَقِيَ مُؤْمِناً بِقَلْبِهِ مُطْمَئِناً بِالإِيمَانِ. فَمِثْلُ هَذا المُكْرَهِ يُمْكِنُ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ، إِذا عَلِمَ صِدْقَ نِيَّتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى سبق وأنْ تحدث عن حكم المؤمنين وحكم الكافرين، ثم تحدّث عن الذين يخلفون العهد ولا يُوفون به، ثم تحدث عن الذين افترَوْا على رسول الله والذين كذَّبوا بآيات الله، وهذه كلها قضايا إيمانية كان لا بُدَّ أنْ تُثار. وفي هذه الآية الكريمة يوضح لنا الحق سبحانه وتعالى أن الإيمان ليس مجرد أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فالقول وحده لا يكفي ولا بُدَّ وأنْ تشهدَ بذلك، ومعنى تشهد أنْ يُواطِىء القلب واللسان كل منهما الآخر في هذه المقولة. والمتأمل لهذه القضية يجد أن القسمة المنطقية تقتضي أن يكون لدينا أربع حالات: الأولى: أنْ يُواطىء القلب اللسان إيجاباً بالإيمان؛ ولذلك نقول: إن المؤمن منطقيّ في إيمانه؛ لأنه يقول ما يُضمره قلبه. الثانية: أنْ يُواطِىءَ القلب اللسان سلباً أي: بالكفر، وكذلك الكافر منطقي في كفره بالمعنى السابق. الثالثة: أنْ يؤمن بلسانه ويُضمِرَ الكفر في قلبه، وهذه حالة المنافق، وهو غير منطقي في إيمانه حيث أظهر خلاف ما يبطن ليستفيد من مزايا الإيمان. الرابعة: أن يؤمن بقلبه، وينطق كلمة الكفر بلسانه. وهذه الحالة الرابعة هي المرادة في هذه الآية. فالحق تبارك وتعالى يعطينا هنا تفصيلاً لمن كفر بعد إيمان، وما سبب هذا الكفر؟ وما جزاؤه؟ قوله: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ ..} [النحل: 106]. هذه جملة الشرط تأخَّر جوابها إلى آخر الآية الكريمة، لنقف أولاً على تفصيل هذا الكفر، فإما أن يكون عن إكراه لا دَخْلَ للإنسان فيه، فيُجبر على كلمة الكفر، في حين قلبه مطمئن بالإيمان. {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ..} [النحل: 106]. ثم سكت عنه القرآن الكريم ليدلّنا على أنه لا شيءَ عليه، ولا بأسَ أن يأخذ المؤمن بالتقية، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال. وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقتْ كلمة الكفر وهي مطمئنة بالإيمان. وفي الحديث الشريف: "حديث : رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : ويذكر التاريخ أن ياسر أبا عمار وزوجه سُمية أول شهيدين في الإسلام، فكيف استشهدا؟ كانا من المسلمين الأوائل، وتعرّضوا لكثير من التعذيب حتى عرض عليهم الكفار النطق بكلمة الكفر مقابل العفو عنهما، فماذا حدث من هذين الشهيدين؟ صَدَعا بالحق وأصرَّا على الإيمان حتى نالا الشهادة في سبيل الله، ولم يأخذا برخصة التقية. وكان ولدهما عمار أول مَنْ أخذ بها، حينما تعرّض لتعذيب المشركين. حديث : وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمار بن ياسر كفر، فأنكر صلى الله عليه وسلم هذا، وقال: "إن إيمان عمار من مفرق رأسه إلى قدمه، وإن الإيمان في عمار قد اختلط بلحمه ودمه". فلما جاء عمار أقبل على رسول الله وهو يبكي، ثم قص عليه ما تعرَّض له من أذى المشركين، وقال: والله يا رسول الله ما خلَّصني من أيديهم إلا أنِّي تناولتك وذكرت آلهتهم بخير، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن مسح دموع عمار بيده الشريفة وقال له "إنْ عادوا إليك فَقُلْ لهم ما قلت". وقد أثارت هذه الرخصة غضب بعض الصحابة، فراجعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: فما بال بلال؟ فقال: "عمار استعمل رخصة، وبلال صدع بالحق" ". تفسير : ولا شكَّ أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله، وأن الصَّدْعَ بالحق والصبر على البلاء أعْلَى منزلةً، وأَسْمَى درجة من الأَخْذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر. لذلك، حديث : ففي حركة الردة حاول مسيلمة الكذاب أن يطوف بالقبائل لينتزع منهم شهادة بصدق نُبوّته، فقال لرجل: ما تقول في محمد؟ قال: رسُول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ فقال الرجل في لباقة: وأنت كذلك، يعني أخرج نفسه من هذا المأزق دون أن يعترف صراحة بنبوة هذا الكذاب. فقابل آخر وسأله: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: وما تقول فيَّ؟ فقال الرجل متهكماً: اجهر لأني أصبحت أصمَّ الآن، وأنكر على مسيلمة ما يدعيه فكان جزاؤه القتل. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما قال: "أحدهما استعمل الرخصة، والآخر صدع بالحق" ". تفسير : وقد تحدَّث العلماء عن الإكراه في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ..} [النحل: 106]. وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها، على النحو التالي: - إذا أكره الإنسان على أمر ذاتيٍّ فيه. كأن قيل له: اشرب الخمر وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك قالوا: يجب عليه في هذه الحالة أنْ يشربها وينجو بنفسه؛ لأنه أمر يتعلق به، ومن الناس مَنْ يعصون الله بشربها. فإنْ قيل له: اكفر بالله وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك، قالوا: هو مُخيّر بين أن يأخذ بالتقيّة هنا، ويستخدم الرخصة التي شرعها الله له، أو يصدع بالحق ويصمد. - أما إذا تعلّق الإكراه بحقٍّ من حقوق الغير، كأنْ قيل لك: اقتل فلاناً وإلا قتلتك، ففي هذه الحالة لا يجوز لك قَتْله؛ لأنك لو قتلتهُ لقُتِلْت قِصَاصاً، فما الفائدة إذن؟ وبعد أن تحدّث الحق تبارك وتعالى عن حكم مَنْ أكرهَ وقلبه مطمئن بالإيمان، يتحدث عن النوع الآخر: {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ..} [النحل: 106]. أي: نطق كلمة الكفر راضياً بها، بل سعيدة بها نفسه، مُنْشرِحاً بها صدره، وهذا النوع هو المقصود في جواب الشرط. {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106]. فإنْ كانت الآيات قد سكتت عَمَّنْ أُكرهَ، ولم تجعل له عقوبة لأنه مكره، فقد بيَّنت أن من شرح بالكفر صدراً عليه غضب من الله أي: في الدنيا. ولهم عذاب عظيم أي: في الآخرة. وكما رأينا في تاريخ الإسلام نماذج للنوع الأول الذي أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان، كذلك رأينا نماذج لمن شرح بالكفر صَدْراً، وهم المنافقون، ومنهم مَنْ أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه، ومنهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح من عامر بن لؤي. ثم يقول الحق سبحانه: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: أَن ناساً من أَهل مكة آمنوا، فكتب إِليهم بعض أَصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، أَن هاجروا إِلينا فإِنا لا نرى أَنكم منا حتى تهاجروا. فخرجوا يريدون المدينة، فأَدركهم كفار قريش ففتنوهم، فكفروا مكرهين. ونزل فيهم: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ / 38و / بِٱلإِيمَانِ } [الآية: 106]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} [الآية: 112] يعني: مكة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} [الآية: 116]. يعني: في البحيرة والسائبة ونحو هذا. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أُمَّةً قَانِتاً} [الآية: 120]. يعني قال: الأُمة: الذين هم على حدة. و "القانت": المطيع. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} [الآية: 122]. يعني: لسان صدق.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} معناه انْبَسَطَ إِلى ذَلكَ وطابتْ بهِ نَفسُهُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن شناعة حال { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ } فعمى بعد ما أبصر ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر راضيا به مطمئنا أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وغضب عليهم كل شيء، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي: في غاية الشدة مع أنه دائم أبدا. و { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ } حيث ارتدوا على أدبارهم طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان منعهم الله الهداية فلم يهدهم لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ينفذ منها ما ينفعهم ويصل إلى قلوبهم. فشملتهم الغفلة وأحاط بهم الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، وعرضت عليهم فلم يقبلوها. { لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة وفاتهم النعيم المقيم وحصلوا على العذاب الأليم. وهذا بخلاف من أكره على الكفر وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان؛ راغب فيه فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها. ودل ذلك على أن كلام المكره على الطلاق أو العتاق أو البيع أو الشراء أو سائر العقود أنه لا عبرة به، ولا يترتب عليه حكم شرعي، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر إذا أكره عليها فغيرها من باب أولى وأحرى.
همام الصنعاني
تفسير : 1509- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن عَمَّار بن ياسِر في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ}: [الآية: 106]، قال: حديث : أخذ المشركونَ عمَّار بنَ ياسر فَعَذَبُوه حتَّى قارَبَهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلِك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "كيفَ تجد قلبك؟" قال: [مطمئناً] بالإيمان، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن عادُوا فَعُدْ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):