١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
107
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ} أي ذلك الغضب. {بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا} أي أختاروها على الآخرة. {وَأَنَّ ٱللَّهَ} «أنّ» في موضع خفض عطفا على «بأنهم». {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} ثم وصفهم فقال: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي عن فهم المواعظ. {وَسَمْعِهِمْ} عن كلام الله تعالى. {وَأَبْصَارِهِمْ} عن النظر في الآيات. {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} عما يراد بهم. {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ} تقدّم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ } الوعيد لهم {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ } اختاروها {عَلَىٰ ٱلاْخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
ابن عطية
تفسير : قوله {ذلك} إشارة إلى الغضب والعذاب الذي توعد به قبل هذه الآية، والضمير في {أنهم} لـ {أية : من شرح بالكفر صدراً} تفسير : [النحل: 106]، ولما فعلوا فعل من استحب ألزموا ذلك وإن كانوا مصدقين بآخرة لكن الأمر في نفسه بين، فمن حيث أعرضوا عن النظر فيه كانوا كمن استحب غيره، وهذه الآية علق فيها العقاب بتكسبهم وذلك أن استحبابهم زينة الدنيا ولذات الكفر هو التكسب، وقوله {وأن الله لا يهدي} إشارة إلى اختراع الله تعالى الكفر في قلوبهم، ولا شك أن كفر الكافر الذي يتعلق به العقاب إنما هو باختراع من الله تعالى وتكسب من الكافر، فجمعت الآية بين الأمرين، وعلى هذا مرت عقيدة أهل السنة، وقوله {لا يهدي القوم الكافرين} عموم على أنه لا يهديهم من حيث إنهم كفار في نفس كفرهم، أو عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي، وقوله {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} الآية، عبارة عن صرف الله لهم عن طريق الهدى، واختراع الكفر المظلم في قلوبهم، وتغليب الإعراض على نظرهم، فكأنه سد بذلك طرق هذه الحواس حتى لا ينتفع بها في اعتبار وتأمل، وقد تقدم القول وذكر الاختلاف في الطبع والختم في سورة البقرة، وهل هو حقيقة أو مجاز؟ و"السمع" اسم جنس وهو مصدر في الأصل، فلذلك وحد، ونبه على تكسبهم الإعراض عن النظر، فوصفهم بـ "الغفلة"، وقد تقدم شرح {لا جرم} في هذه السورة، وقوله {ثم إن ربك للذين هاجروا} الآية، قال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت {أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} تفسير : [النساء: 97] إلى آخر الآية قال: وكتب بها إلى من بقي بمكة من المسلمين وأن لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله} تفسير : [البقرة: 8 العنكبوت: 10] إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: {ثم إن ربك للذين هاجروا} الآية، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل. قال القاضي أبو محمد: جاءت هذه الرواية هكذا أن بعد نزول الآية خرجوا فجيء الجهاد الذي ذكر في الآية جهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروت طائفة أنهم خرجوا وأتبعوا، وجاهدوا متبعيهم، فقتل من قتل، ونجا من نجا فنزلت الآية حينئذ، فعنى بالجهاد المذكور جهادهم لمتبعيهم، وقال ابن إسحاق: ونزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد. قال القاضي أبو محمد: وذكر عمار في هذا عندي غير قويم، فإنه أرفع من طبقة هؤلاء، وإنما هؤلاء من شرح بالكفر صدراً فتح الله لهم باب التوبة في آخر الآية، وقال عكرمة والحسن: نزلت هذه الآية في شأن عبد الله بن أبي سرح وأشباهه، فكأنه يقول من بعد ما فتنهم الشيطان وهذه الآية مدَنية، ولا أعلم في ذلك خلافاً، وإن وجد فهو ضعيف، وقرأ الجمهور "من بعد ما فُتِنوا" بضم الفاء وكسر التاء، وقرأ ابن عامر وحده "فَتَنوا" بفتح الفاء والتاء، فإن كان الضمير للمعذبين فيجيء بمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا للمشركين من القول، كما فعل عمار، وإن كان الضمير للمعذبين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم المشركون، وإن كان الضمير للمشركين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم الشيطان، والضمير في {بعدها} عائد على الفتنة، أو على الفعلة، أو الهجرة، أو التوبة، والكلام يعطيها، وإن لم يجر لها ذكر صريح، وقوله {يوم تأتي كل نفس} المعنى لغفور رحيم يوم، وقوله: {كل نفس} أي كل ذي نفس، ثم أجري الفعل على المضاف إليه المذكور، فأتت العلامة، و {نفس} الأولى هي النفس المعروفة، والثانية هي بمعنى الذات، كما تقول نفس الشيء وعينه أي ذاته، {وتوفى كل نفس} أي يجازى كل من أحسن بإحسانه وكل من أساء بإساءته. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أن كل نفس {تجادل} كانت مؤمنة أو كافرة، فإذا جادل الكفار بكذبهم وجحدهم للكفر شهدت عليهم الجوارح والرسل وغير ذلك بحسب الطوائف، فحينئذ لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فتجتمع آيات القرآن باختلاف المواطن، وقالت فرقة: "الجدال" قول كل أحد من الأنبياء وغيرهم: نفسي نفسي، وهذا ليس بجدال ولا احتجاج إنما هو مجرد رغبة.
النسفي
تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى الوعيد وهو لحوق الغضب والعذاب العظيم {بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ } آثروا {ٱلْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا عَلَىوٰ الآخِرَةِ } أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ما داموا مختارين للكفر {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ } فلا يتدبرون ولا يصغون إلى المواعظ ولا يبصرون طريق الرشاد {وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } أي الكاملون في الغفلة لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرونَ}. {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ } «يدل» على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك {لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } من مكة أي أنه لهم لا عليهم يعني أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم كما يكون الملك للرجل لا عليه فيكون محمياً منفوعاً غير مضرور {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } بالعذاب والإكراه على الكفر {فَتِنوا}: شامي أي بعد ما عذبوا المؤمنين ثم أسلموا {ثُمَّ جَـٰهَدُواْ } المشركين بعد الهجرة {وَصَبَرُوآ } على الجهاد {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد هذه الأفعال وهي الهجرة والجهاد والصبر {لَغَفُورٌ } لهم لما كان منهم من التكلم بكلمة الكفر تقية {رَّحِيمٌ } لا يعذبهم على ما قالوا في حالة الإكراه
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ...} الآية: {ذَٰلِكَ } إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في أنهَمَ لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْراً.
ابو السعود
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الكفر بعد الإيمان أو إلى الوعيد المذكور {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلْدُّنْيَا} آثروها {عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى} إلى الإيمان وإلى ما يوجب الثباتَ عليه هدايةَ قسرٍ وإلجاءٍ {ٱلْقَوْم ٱلْكَـٰفِرِينَ} في علمه المحيطِ فلا يعصمهم عن الزيغ وما يؤدّي إليه من الغضب والعذابِ العظيم، ولولا أحدُ الأمرين: إما إيثارُ الحياة الدنيا على الآخرة وإما عدمُ هدايةِ الله سبحانه للكافرين هدايةَ قسرٍ بأن آثروا الآخرة على الدنيا أو بأن هداهم الله تعالى هدايةَ قسرٍ، لَما كان ذلك لكنّ الثانيَ مخالفٌ للحكمة والأولُ مما لا يدخُل تحت الوقوعِ وإليه أشير بقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} أي أولئك الموصوفين بما ذكر من القبائح {ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ} فأبت عن إدراك الحقِّ والتأمل فيه {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} أي الكاملون في الغفلة إذ لا غفلةَ أعظمُ من الغفلة عن تدبر العواقب.
القشيري
تفسير : السالك إذا آثر الحظوظ على الحقوق بَقِيَ عن الله، ولم يبارِكْ له فيم آثره على حقِّ الله، ولقد قالوا: شعر : قد تركناكَ والذي تريد فعسى أَنْ تَمَلهم فتعود
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} الكفر بعد الايمان {بانهم} اى بسبب انهم {استحبوا} {دوست داشتند وبركزيدند] فتعدية الاستحباب بعلى لتضمنه معنى الايثار {الحيوة الدنيا}[زندكانى دنيارا] {على الآخرة} [بر نعيم آخرت] {وان الله}[وديكر بجهت آنت كه خدى تعالى] {لا يهدى} الى الايمان والى ما يوجب الثبات عليه هداية قسر والجاء {القوم الكافرين} فى علمه المحيط فلا يعصمهم من الزيغ وما يؤدى اليه من الغضب والعذاب العظيم ولولا احد الامرين اما ايثار الحياة الدنيا على الآخرة واما عدم هداية الله سبحانه للكافرين هداية قسر بان آثروا الآخرة على الحياة الدنيا او بان هداهم الله تعالى هداية قسر لما كان ذلك لكن الثانى مخالف للحكمة والاول مما لا يدخل تحت الوقوع واليه اشير بقوله تعالى {اولئك} الموصوفون بما ذكر من القبائح {الذين طبع الله} [مهر نهاد خدى تعالى] {على قلوبهم] {بر دلها ايشان تا قول حق درنيا فتند] {وسمعهم} [وبر كوشهاى ايشان تاسخن حق نشوند] {وابصارهم} [وبر ديدهاى ايشان تا آثار قدرت حق نديدند] {واولئك هم الغافلون} اى الكاملون فى الغفلة اعظم من الغفلة عن تدبر العواقب.
الطوسي
تفسير : قوله {ذلك} اشارة إِلى ما تقدم ذكره من العذاب العظيم. أخبر الله تعالى ان ذلك العذاب العظيم إِنما أعدّه لهم، لأنهم آثروا الحياة الدنيا، والتلذذ فيها، والركون اليها على الآخرة، والمعنى انهم فعلوا ما فعلوه للدنيا طلباً لها دون طلب الآخرة. والعمل يجب أن يكون طلباً للاخرة، أو للدنيا والآخرة. فأما أن يكون لمجرد الدنيا دون الآخرة فلا يجوز، لأنه إِذا طلب الدنيا ترك الواجب من الطاعات لا محالة، وكذلك لا ينبغي أن يختار المباح على النافلة لان النافلة طاعة لله. والمباح ليس بطاعة له. ثم أخبر تعالى {أن الله لا يهدي القوم الكافرين} ومعناه أحد شيئين: احدهما - إِنه لا يهديهم الى طريق الجنة والثواب، لكفرهم. الثاني - إِنه لا يحكم بهدايتهم لكونهم كفاراً. وأما نصب الدلالة، فقد هدى الله جميع المكلفين، كما قال {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}تفسير : وقيل: إِنهم لم يهتدوا بتلك الادلة، فكأنها لم تكن نصبت لهم، ونصبت للمؤمنين الذين اهتدوا بها، فلذلك نفاها عنهم فكأنها لم تكن لهم، ويجوز ان يكون المراد انه لا يهديهم بهدى المؤمنين من فعل الألطاف والمدح بالاهتداء، لكونهم كفاراً. ثم اخبر ان اولئك الكفار هم {الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون} وبينا معنى الطبع على القلوب والسمع والابصار في سورة البقرة وان ذلك سمة من الله جعلها للملائكة ليفرقوا بين الكافر والمؤمن، جزاء وعقوبة على كفرهم، وان ذلك غير محيل بينهم وبين اختيار الايمان لو ارادوه، وانما وصفهم بعوم الغفلة مع الخواطر التي تزعجهم لأمرين: احدهما - انهم بمنزلة الغافلين ذمّاً لهم. الثاني - لجهلهم عما يؤدي اليه حالهم، وان كانت الخواطر الى النظر تزعجهم. وقوله {لا جرم أنهم} معناه حقَّ لهم {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} الذين خسروا صفقتهم لفوات الثواب وحصول العقاب وموضع (انهم) يحتمل أمرين من الاعراب: احدهما - النصب على معنى: لا بد انهم اي لا بد من ذا، ويجوز على جرم فعلهم أن لهم النار اي قطع بذا وتكون (لا) صلة. والثاني - الرفع والمعنى وجب قطعاً أن لهم النار و (لا) صلة أو ردٌّ لكلام من قال: ماذا لهم؟ فقيل وجب لهم النار.
الجنابذي
تفسير : {ذٰلِكَ} الارتداد بعد الاسلام او الايمان {بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} فاختاروا ما زعموا انّه انفع بالحياة الدّنيا وكفروا بالوجهة الاخرويّة {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} الى الثّبات فى الايمان.
الهواري
تفسير : قوله: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الأَخِرَةِ} أي: اختاروا الحياة الدنيا على الآخرة { وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} يقول: لا يكونون بالكفر مهتدين عند الله، يعني الذين يلقون الله بكفرهم. {أُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي: بكفرهم { وَأُوْلَئِكَ} أهل هذه الصفة { هُمُ الغَافِلُونَ}. { لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد {أَنَّهُمْ فِي الأَخِرَةِ هُمُ الخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار، وخسروا أهليهم من الحور العين، فهو الخسران المبين. وتفسيره في سورة الزمر.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} الوعيد الذى هو غضب الله وعذابه العظيم أو ذلك الكفر بعد الإِيمان، {بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا} بالغوا فى الحب، {الْحَيَٰوةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} عدى الحب بعلى لتضمنه معنى الاختيار والباء سببية {وَأنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الكَافِرِينَ} أى لا يوفق للإِيمان من سبقت له الشقاوة.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} الكفر بعد الإيمان أو الغضب أو المذكور من العذاب العظيم، والكفر بعد الإيمان. {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {اسْتَحَبُّوا} اختاروا {الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وأَنَّ اللهَ} بسبب أن الله {لاَ يَهْدِى} هداية توفيق {الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} إِلى الإيمان، وما يوجب الثبات عليه، وقيل: لا يهديهم إِلى الجنة، وهو ضعيف، قضى الله أنهم يموتون كفارًا وأول من أظهر الإسلام ثمانية: النبى صلى الله عليه وسلم، فمنعه الله بعمه أبى طالب، ومن قال سبعة أراد بعده صلى الله عليه وسلم، أبو بكر منعه قومه وعشيرته، وخبّاب وصهيب وبلال، ألبسوا أدرع الحديد، وأجلسوا فى حر شمس مكة يعذبون بلالا، وهو يقول: أحد أحد، حتى اشتراه أبو بكر، قال خباب: أوقدوا لى نارًا ما أطفأها إلا ودك ظهورى، وعمار وياسر وسميّة، تقدم ما فعل بهم، وأول من كفر أبو جهل أو أبو لهب.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: {أية : فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [النحل: 106] أو المذكور من الغضب والعذاب {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أن الشارحين صدورهم بالكفر {ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلْدُّنْيَا} أي آثروها وقدموها ولتضمن الاستحباب معنى الإيثار قيل {عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} فعدي بعلى، والمراد على ما في «البحر» أنهم فعلوا فعل المستحبين ذلك وإلا فهم غير مصدقين بالآخرة. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى} إلى الإيمان وإلى ما يوجب الثبات عليه، وقيل: إلى الجنة. ورده الإمام وفسر بعضهم/ الهداية المنفية بهداية القسر أي لا يهدي هداية قسر وإلجاء ونسب إلى المعتزلة {ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي في علمه تعالى المحيط فلا يعصمهم تعالى عن الزيغ وما يؤدي إليه من الغضب والعذاب، ولولا أحد الأمرين إما إيثار الحياة الدنيا على الآخرة وإما عدم هداية الله تعالى إياهم بأن آثروا الآخرة على الدنيا أو بأن هداهم الله سبحانه لما كان ذلك لكن كلاهما لا يكون لأنه خلاف ما في العلم بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر وقال البعض: لكن الثاني مخالف للحكمة والأول مما لا يدخل تحت الوقوع وإليه الإشارة بقوله سبحانه: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ...}.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة واقعة موقع التعليل فلذلك فصلت عن التي قبلها، وإشارة ذلك إلى مضمون قوله {أية : فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} تفسير : [سورة النحل: 106]. وضمير {بأنهم} عائد إلى {أية : من كفر بالله }تفسير : [سورة النحل: 106] سواء كان ما صْدق {مَن} معيّناً أو مفروضاً على أحد الوجهين السابقين. والباء للسببية، فمدخولها سبب. و{استحبّوا} مبالغة في (أحبوا) مثل استأخر واستكان. وضمن (استحبّوا) معنى (فضّلوا) فعدي بحرف (على)، أي لأنهم قدّموا نفع الدنيا على نفع الآخرة، لأنهم قد استقر في قلوبهم أحقّية الإسلام وما رجعوا عنه إلا خوفَ الفتنة أو رغبة في رفاهية العيش، فيكون كفرهم أشدّ من كفر المستصحبين للكفر من قبل البعثة. {وأن الله لا يهدى القوم الكافرين} سبب ثَان للغضب والعذاب، أي وبأن الله حرمهم الهداية فهم موافونه على الكفر. وقد تقدم تفسير ذلك عند قوله تعالى: {أية : إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله }تفسير : [سورة النحل: 104]. وهو تذييل لِما في صيغة {القوم الكافرين} من العموم الشامل للمتحدّث عنهم وغيرهم، فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار ولكنه عموم بعد خصوص. وإقحام لفظ (قوم) للدّلالة على أن من كان هذا شأنهم فقد عرفوا به وتمكّن منهم وصار سجيّة حتى كأنهم يجمعهم هذا الوصفُ. وقد تقدّم أن جريان وصف أو خبر على لفظ (قوم) يؤذن بأنه من مقوّمات قوميتهم كما في قوله تعالى: {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164)، وقوله تعالى: {أية : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}تفسير : في سورة يونس (101).
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةَ} {ٱلآخِرَةِ} {ٱلْكَافِرِينَ} (107) - وَذَلِكَ الغَضَبُ مِنَ اللهِ، وَذَلِكَ العَذَابُ العَظِيمُ، إِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ هؤُلاَءِ لأَِنَّهُمْ آثَرُوا الحَيَاةَ الدُّنْيا وَزِينَتَهَا عَلَى نَعيمِ الآخِرَةِ، وَإِنَّ اللهَ لاَ يُوَفِّقُ مَنْ يَجْحَدُ آيَاتِهِ، وَيُصِرُّ عَلَى إِنْكَارِها، لأَِنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَقَدَ الاسْتِعْدَادَ لِسُبُلِ الخَيْرِ بِمَا زَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنَ الكُفْرِ. اسْتَحَبُّوا - اخْتَارُوا أَوْ آثَرُوا.
الثعلبي
تفسير : {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا} إلى قوله {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} أي [طردوا] ومنعوا من الاسلام [ففتنهم] المشركون {ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} على الايمان والهجرة والجهاد {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي من بعد تلك الفتنة [والفعلة] {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخو أبي جهل من الرضاعة، وأبي جندل بن سهل بن عمرو والوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام وعبد الله بن أسيد الثقفي، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثمّ إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وقال الحسن وعكرمة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي سرخ، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فاستزّله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان وكان أخاه لأُمه فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ أسلم وحسن إسلامه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وأما قوله (فتنوا) فقرأ عبد الله بن عامر: (فتنوا) بفتح الفاء والتاء، ردّه إلى من أسلم من المشركين الذين فتنوا المسلمين واعتبر بقوله جاهدوا وصبروا فأخبر بالفعل عنهم. وقرأ الباقون: بضم الفاء وكسر التاء، اعتباراً بما قبله إلا من أُكره.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ذٰلِكَ} أي: ما استحقوه من العذاب السابق. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ ..} [النحل: 107]. استحب: أي آثر وتكلَّف الحب؛ لأن العاقل لو نظر إلى الدنيا بالنسبة لعمره فيها لوجدها قصيرة أحقر من أَنْ تُحبَّ لذاتها، ولَوجدَ الأغيار بها كثيرة تتقلَّب بأهلها فلا يدوم لها حال، ينظر فإذا الأحوال تتبدّل من الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى السَّقَم، ومن القوة إلى الضعف، فكيف إذن تستحب الدنيا على الآخرة؟! والحق تبارك وتعالى يريد منّا أنْ نعطي كلاً من الدنيا والآخرة ما يستحقه من الحب، فنحب الدنيا دون مبالغة في حبها، نحبها على أنها مزرعة للآخرة، وإلاَّ، فكيف نطلب الجزاء والثواب من الله؟ لذلك نقول: إن الدنيا أهمّ من أنْ تُنسى، وأتفه من أن تكون غاية، وقد قال الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [القصص: 77]. ففهم البعض الآية على أنها دعوة للعمل للدنيا وأَخْذ الحظوظ منها، ولكن المتأمل لمعنى الآية يجد أن الحق سبحانه يجعل الدنيا شيئاً هيّناً مُعرَّضاً للنسيان والإهمال، فيُذكِّرنا بها، ويحثُّنا على أن نأخذ منها بنصيب، فأنا لا أقول لك: لا تنسَ الشيء الفلاني إلا إذا كنتُ أعلم أنه عُرْضَة للنسيان، وهذا جانب من جوانب الوسطية والاعتدال في الإسلام. ويكفينا وَصْف هذه الحياة بالدنيا، فليس هناك وَصْفٌ أقلّ من هذا الوصف، والمقابل لها يقتضي أن نقول: العُلْيا وهي الآخرة، نعم نحن لا ننكر قَدْر الحياة الدنيا ولا نبخسها حقها، ففيها الحياة والحسّ والحركة، وفيها العمل الصالح والذكْرى الطيبة .. الخ. ولكنها مع ذلك إلى زوال وفناء، في حين أن الآخرة هي الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا يعتريها زوال، ولا يهددها موت، كما قال الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. أي: الحياة الحقيقية التي يجب أن نحرص عليها ونحبها. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. ما معنى (لِمَا يُحْييكُمْ) والقرآن يخاطبهم وهم أحياء يُرزَقُون؟ قالوا: يُحييكم أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا تزول. وقوله: {عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ ..} [النحل: 107]. لقائل أن يقول: إن الآية تتحدث عن غير المؤمنين بالآخرة، فكيف يُقَال عنهم: {ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ ..} [النحل: 107]. نقول: من غير المؤمنين بالآخرة مَنْ قال الله فيهم: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38]. وأيضاً منهم مَنْ قال: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36]. إذن: من هؤلاء مَنْ يؤمن بالآخرة، ولكنه يُفضّل عليها الدنيا. قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [النحل: 107]. أي: لا يهديهم هداية معونة وتوفيق. وسبق أنْ قُلْنا: إن الهداية نوعان: هداية دلالة، ويستوي فيها المؤمن والكافر، وهداية معونة خاصة بالمؤمن. إذن: إذا نفيتَ الهداية، فالمراد هداية المعونة، فعدم هداية الله انصبتْ على الكافر لكونه كافراً، فكأن كُفْره سبق عدم هدايته، أو نقول: لكونه كافراً لم يَهْده الله. ولذلك يحكم الله على هؤلاء بقوله سبحانه: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ...}.
الجيلاني
تفسير : وما {ذٰلِكَ} أي: تحسينهم الكفر، واستطابتهم به إلاَّ {بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ} واستطابوا {ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا} أي: الحياة الصورية المستعارة الزائلة {عَلَىٰ} حياة {ٱلآخِرَةِ} التي هي الحياة المعنوية الحقيقية السرمدية التي لا زوال لها أصلاً {وَ} أيضاً بسبب {أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع على استعدادات عباده {لاَ يَهْدِي} إلى الإيمان والتحيد {ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [النحل: 107] المجبولين على الكفر والعناد بحسب أصل فطرتهم واستعداداتهم. {أُولَـٰئِكَ} المجبولون على الكفر هم {ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ} وختم {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} إلى حيث لا يفهمون، ولا يتفطنون بسرائر الإيمان والتوحيد أصلاً، ولا يتلذذون بلذاتها؛ لغلظ حجبهم وكثافتها {وَ} على {سَمْعِهِمْ} إلى حيث لا يسمعون، ولا يبلون دلائل التوحيد وأماراتها من أرباب الكشف واليقين {وَ} على {أَبْصَارِهِمْ} إلى حيث لا ينظرون نظر عبرة وبصارة إلى المظاهر والآثار المترتبة على الأوصاف الذاتية الإلهية {وَ} بالجملة: {أُولَـٰئِكَ} البعداء المطرودون عن عزِّ الحضور {هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} [النحل: 108] المقصورون على الغفلة والنسيان، التائهون في تيه الضلال والطغيان. {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ} بسبب طردهم وخذلانهم {فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ} [النحل: 109] المقصورون على الخسران والنقصانز {ثُمَّ} بعدما سمعت أحوال أولئك المقهورين المطرودين {إِنَّ رَبَّكَ} الذي ربَّاك بأنواع الكرامات، وأوصلك إلى أعلى المقامات يجزي خير الجزاء تفضلاً وإحساناً {لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ} عن بقعة الإمكان حين كوشفوا بما فيها من الخذلان والخسران، وأنواع الرذائل والنقصان، وذلك {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} بأنواع الفتن والمحن باستيلاء جنود الأمارة بالسوء عليهم {ثُمَّ جَاهَدُواْ} معها بترك مألوفاتها، وقطع تعلقاتها، وصرفها عن مشتهياتها ومستلذاتها {وَصَبَرُواْ} على متاعب الرياضات، ومشاق المجاهدات إلى أن صارت أماراتهم مطمئنةً راضيةً مرضيةً، ثمَّ بعدما قطعوا مسالك السلوك، ومنازل التلوين والتزلزل {إِنَّ رَبَّكَ} المفضل المحسن إليك يا أكمل الرسل، وإلى من تبعك من خيار المؤمنين {مِن بَعْدِهَا} أي: بعد المجاهدات والرياضيات {لَغَفُورٌ} يسترُ أنانيتهم، ويغنيهم عن هوياتهم مطلقاً {رَّحِيمٌ} [النحل: 110] لهم، يمكنّهم في مقام الرضا والتسليم مطمئنين مرضيين. هب لنا من لدنك رحمةً با ذا القوة المتين. واذكر يا أكمل الرسل المبعوث إلى كافة الأنام {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ} عاصيةٍ أو مطيعةٍ {تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} أي: ذاتها، وتهتم لشأنها بلا التفاتٍ منها إلى شفاعةٍ غيرها؛ إذ هي رهينة ما كسبت من خيرِ وشرٍ {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ} جزاء {مَّا عَمِلَتْ} طاعة ومعصية {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [النحل: 111] في جزائهم وأجورهم لا زيادةً ولا نقصاناً على مقتضى العدل الإلهي. {وَ} بعدما أراد سبحانه أن ينبه على أهل النعمة، وأرباب الرخاء والرفاهية، ألاَّ يبطروا، ولا يباهوا بما في أيديهم من النعم، ويداموا على شكرها، وأداء حقها خوفاً من زوالها وفنائها، وانقلابها شدةً ونقمةً {ضَرَبَ ٱللَّهُ} المدبِّر لأمورهم {مَثَلاً} تعتبرون منها وتتعظون {قَرْيَةً} هي مكة أو أيلة {كَانَتْ} نفوس أهلها {آمِنَةً} عن الخوف من العدو والجوع من نقصان الغلات والأثمار {مُّطْمَئِنَّةً} بما عندهم من الحوائج بلا تردد ومشقة؛ إذ {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا} على الترادف والتوالي {رَغَداً} واسعاً وافراً {مِّن كُلِّ مَكَانٍ} من البلاد التي في حواليها ونواحيها. وصاروا مترفهين متنعمين إلى أن باهوا وبطروا {فَكَفَرَتْ} أهلها {بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} الواصلة إليهم، وأسندوها إلى غير الله عناداً ومكابرةً، وخرجوا على رسول الله، وطعنوا في كتاب الله {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ} بعد خَلْعِ خِلَعِ الأمن والاطمئنان؛ أي: مسار الجوع والخوف في سائر أعضائهم وجوارحهم سريانَ أثر العذوقات، ونفورها إلى حيث لا ينجو عن أثرهما جزء من أجزاء البدن، كل ذلك {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] من الكفران والتكذيب والطعن، والعناد والاستكبار. {وَ} كيف لا يأخذهم، ولا يذيقهم {لَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ} أفضل وأكمل من جميع الرسل مع كتابٍ أكمل وأشمل من سائر الكتب {فَكَذَّبُوهُ} أشد تكذيبٍ، وأنكروه أقبح إنكارٍ {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} العاجل، وهو الجدب الواقع بينهم، أو وقعة بدر {وَ} الحال أنهم في تلك الحالة {هُمْ ظَالِمُونَ} [النحل: 113] خارجون على الله، وعلى رسوله، والعذابُ الآجل سيأخذهم في النشأة الأخرى بأضعاف ما في النشأة الأولى. وإذا سمعتم أيها المؤمنون المعتبرون من أحوال أولئك الأشقياء، المغمورين في بحر الغفلة والغرور، البَطِرين بما عندهم من اللذة والسرور، وسمعتم أيضاً أحوالهم وأهوالهم {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً} مباحاً بحسب الشرع {طَيِّباً} مما كسبتم بيمينكم على مقتضى سنة الله من خلق الأيدي والأرجل للمكاسب، أو مما اتجرتم وربحتم، وهو من الكسب أيضاً {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} الذي أقدركم ومكَّنكم على الكسب {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] أي: تطيعون وتقصدون عبادته برفع الوسائل والأسباب العادية عن البَيْن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):