١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
110
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه وحال من أكره على الكفر، فذكر بسبب الخوف كلمة الكفر وحال من لم يذكرها، ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن فقال: {إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ }. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: {فَتَنُواْ } بفتح الفاء على إسناد الفعل إلى الفاعل، والباقون بضم الفاء على فعل ما لم يسم فاعله. أما وجه القراءة الأولى فأمور. الأول: أن يكون المراد أن أكابر المشركين وهم الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم. والثاني: أن فتن وأفتن بمعنى واحد، كما يقال: مان وأمان بمعنى واحد، والثالث: أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم، وإنما جعل ذلك فتنة، لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك الوقت. وأما وجه القراءة بفعل ما لم يسم فاعله فظاهر، لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان، فبين تعالى أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله تعالى يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر. المسألة الثالثة: قوله: {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } يحتمل أن يكون المراد بالفتنة هو أنهم عذبوا، ويحتمل أن يكون المراد هو أنهم خوفوا بالتعذيب، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك المسلمين ارتدوا. قال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة، فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنهم أسلموا وهاجروا فنزلت هذه الآية فيهم، وقيل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبـي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا هذه السورة مدنية أو جعلنا هذه الآية منها مدنية، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك الضعفاء المعذبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقية، فقوله: {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } يحتمل كل واحد من هذه الوجوه الأربعة، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين. إذا عرفت هذا فنقول: إن كانت هذه الآية نازلة فيمن أظهر الكفر، فالمراد أن ذلك مما لا إثم فيه، وأن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكره، وإن كانت واردة فيمن ارتد فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ذلك العقاب ويحصل له الغفران والرحمة، فالهاء في قوله: {مِن بَعْدِهَا } تعود إلى الأعمال المذكورة فيما قبل، وهي الهجرة والجهاد والصبر. أما قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا } ففيه أبحاث: البحث الأول: قال الزجاج: (يوم) منصوب على وجهين. أحدهما: أن يكون المعنى: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ يَوْمَ تَأْتِي } يعني أنه تعالى يعطي الرحمة والغفران في ذلك اليوم الذي يعظم احتياج الإنسان فيه إلى الرحمة والغفران. والثاني: أن يكون التقدير: وذكرهم أو اذكر يوم كذا وكذا، لأن معنى القرآن العظمة والإنذار والتذكير. البحث الثاني: لقائل أن يقول: النفس لا تكون لها نفس أخرى، فما معنى قوله: {كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا }. والجواب: النفس قد يراد به بدن الحي وقد يراد به ذات الشيء وحقيقته، فالنفس الأولى هي الجثة والبدن. والثانية: عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه شأن غيره. قال تعالى: { أية : لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } تفسير : [عبس: 37] وعن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبـي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول: يا رب نفسي نفسي حتى أن إبراهيم الخليل عليه السلام يفعل ذلك. ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم: { أية : هَـؤُلاء أَضَلُّونَا } تفسير : [الأعراف: 38] وقولهم: { أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]. ثم قال تعالى: {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } فيه محذوف، والمعنى: توفى كل نفس جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان، وقوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } قال الواحدي: معناه لا ينقضون. قال القاضي: هذه الآية من أقوى ما يدل على ما نذهب إليه في الوعيد، لأنها تدل على أنه تعالى يوصل إلى كل أحد حقه من غير نقصان، ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم يصح ذلك. والجواب: لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم، إلا أن مذهبنا أن التمسك بظواهر العمومات لا يفيد القطع، وأيضاً فظواهر الوعيد معارضة بظواهر الوعد، ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله: { أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ } تفسير : [البقرة: 81] أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه كثيرة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} هذا كله في عَمّار. والمعنى وصبروا على الجهاد؛ ذكره النحاس. وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون وعذبوهم، وقد تقدّم ذكرهم في هذه السورة. وقيل: نزلت في ابن أبي سَرْح، وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان فأجاره النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره النسائي عن عكرمة عن ٱبن عباس قال: في سورة النحل «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ـ إلى قوله ـ ولهم عذاب عظيم» فنسخ، واستثنى من ذلك فقال «ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فُتِنُوا ثم جاهدوا وصَبَروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم» وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم الفتح؛ فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن كثير
تفسير : هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم، فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها، أي: تلك الفعلة، وهي الإجابة إلى الفتنة، لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم {يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ} أي: تحاج {عَن نَّفْسِهَا} ليس أحد يحاج عنها، لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي: من خير وشر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي: لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر، ولا يظلمون نقيراً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَٰجَرُواْ } إلى المدينة {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } عُذِّبُوا وتلفظوا بالكفر، وفي قراءة بالبناء للفاعل: أي كفروا أو فتنوا الناس عن الإِيمان {ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُواْ } على الطاعة {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي الفتنة {لَغَفُورٌ } لهم {رَّحِيمٌ } بهم وخبر «إنّ» الأولى دل عليه خبر الثانية.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنةً مطمئنةً} يريد بالقرية أهلها {آمنة} يعني من الخوف. {مطمئنة} بالخصب والدعة. {يأتيها رِزقُها} فيه وجهان: أحدهما: أقواتها. الثاني: مرادها.{رغداً} فيه وجهان: أحدهما: طيباً. الثاني: هنيئاً. {من كُلِّ مكانٍ} يعني منها بالزراعة، ومن غيرها بالتجارة، ليكون اجتماع الأمرين لهم أوفر لسكنهم وأعم في النعمة عليها. {فكفرت بأنعم الله} يحتمل وجهين. أحدهما: بترك شكره وطاعته. الثاني: بأن لا يؤدوا حقها من مواساة الفقراء وإسعاف ذوي الحاجات. وفي هذه القرية التي ضربها الله تعالى مثلاً أقاويل: أحدها: أنها مكة، كان أمنها أن أهلها آمنون لا يتفاوزون كالبوادي. {فأذاقها اللهُ لباسَ الجوع والخوْف} وسماه لباساً لأنه قد يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس، وقيل إن القحط بلغ بهم إلى أن أكلوا القد والعلهز وهو الوبر يخلط بالدم، والقِد أديم يؤكل، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني: أنها المدينة آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كفرت بأنعم الله بقتل عثمان بن عفان وما حدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بها من الفتن، وهذا قول عائشة وحفصة رضي الله عنهما. الثالث: أنه مثل مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ...} الآية: قال ابنُ إسحاق: نزلَتْ هذه الآية في عَمَّار بنَ ياسِرٍ، وعَيَّاشِ بنِ أبيَ رَبيَعَةَ، والوليدِ بنِ الوليد. قال * ع *: وذِكْرُ عَمَّارٍ في هذا عنْدي غيْرُ قويمٍ، فإنَهُ أرَفَعُ من طبقة هؤلاءِ، وإِنما هؤلاء مَنْ تَابَ ممَّن شرَحَ بالكُفْرِ صدراً، فتح اللَّه له بابَ التوبة في آخر الآية، وقال عكرمةُ والحَسَن: نزلَتْ هذه الآية في شَأنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي سَرْحٍ وأشباهه فكأنه يقول: مِنْ بَعْدِ ما فَتَنَهم الشَّيطانُ، وهذه الآية مدنية بلا خلافٍ، وإِن وجد، فهو ضعيفٌ، وقرأ الجمهور: «مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا»؛ مبنيًّا للمفعول، وقرأ ابن عامر وحْده: «مَنْ بَعْدِ ما فَتَنُوا» - بفتح الفاء والتاء أي فَتَنُوا أنفسهم، والضمير في {بَعْدِهَا } عائدٌ على الفِتْنَةِ، أو على الفَعْلة، أو الهجْرةُ، أو التوبة، والكلامُ يعطيها، وإن لم يَجْر لها ذكْرٌ صريُحُ. وقوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ }: المعنى لغفورٌ رحيمٌ «ونَفْس» الأولى: هي النفْسُ المعروفةُ، والثانية هي بمعنى الذَّاتِ. * ت *: قال المهدويُّ: يجوز أنْ ينتصب {يَوْمَ}؛ على تقدير لغَفُورٌ رحيمٌ يَوْمَ، فلا يوقَفُ على {رَّحِيمٌ }. وقال * ص *: {يَوْمَ} تأتي ظرفٌ منصوبٌ بـــ {رَّحِيمٌ } أو مفعولٌ به بـــ «ٱذْكُرْ» انتهى، وهذا الأخير أظهر، والله أعلم. وقوله سبحانه: {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ }، أي: يجازى كلُّ منْ أحْسَن بإحسانه، وكلُّ من أساء بإِساءته.
التستري
تفسير : قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ}[110] قال سهل: هاجروا يعني هجروا قرناء السوء بعد أن ظهرت الفتنة منهم في صحبتهم، ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير، ثم صبروا على ذلك، ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه في بدء الأحوال. وقد سأل رجل سهلاً فقال: إن معي مالاً، ولي قوة وأريد الجهاد، فما تأمرني؟ فقال له سهل: المال العلم، والقوة النية، والجهاد مجاهدة النفس، لا يقبل العافية فيما حرم الله تعالى إلا نبي أو صديق، فقيل لأبي عثمان: ما معنى قوله: "إلا نبي أو صديق"؟ فقال: لا يدخل في شيء لا تقوم له.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} [الآية: 110]. قال سهل: هاجروا قرناء السوء بعد أن ظهر لهم منهم الفتنة فى صحبتهم، ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير، ثم صبروا معهم على ذلك ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه من بذئ الأحوال.
القشيري
تفسير : ومَنْ صَبَرَ حين عزم الأمر، ولم يجنح إلى جانب الرُّخَصِ، وأخذ في الأمور بالأشَقِّ أكرم اللَّهُ حَقِّه، وقرَّب مكانَه، ولَقَّاه في كل حالةِ بالزيادة، وربحت صفقتُه حين خسِرَ أشكالُه، وتَقَدَّم على الجملة وإِنْ قَلَّ احتيالُه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} ان الله وصف المريدين الصادقين حين هاجروا من حظوظ انفسهم بعد ذوقهم مطعم معصية الله وبعد وقوعهم فى كل امتحانه فلما خرجوا من تحت مراد النفس والهوى وجعلوهما منكوسين وباشروا عبودية الله وجاهدوا فى محاربة الشيطان حين دعاهم الى منازل الفترة وصبروا على ترك الهوى فى متابعة الله { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ} لما جرى عليهم فى سالف الايام من الذنوب {رَّحِيمٌ} بهم بانه يحفظهم من المراجعة الى حظوظ النفس ومرادها وانه تعالى يذيقهم طعم الانس بحيث لا يطيقون ان يفتروا من طاعته لمحة قا لسهل وهاجروا قرناء السوء بعد ان ظهر لهم منهم الفتنة فى صحبتهم ثم جاهدوا انفسهم على ملازمة اهل الخير ثم صبروا معهم على ذلك ولم يرجعوا الى ما كانوا عليه من بدو الاحوال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم ان ربك} قال قتادة ذكر لنا انه لما انزل الله تعالى ان اهل مكة لا يقبل منهم الاسلام حتى يهاجروا كتب بها اهل المدينة الى اصحابهم من اهل مكة فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزل {أية : ألم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}تفسير : فكتبوا بها اليهم فتبايعوا بينهم على ان يخرجوا فان لحقهم المشركون من اهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله فادركهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا فانزل الله تعالى هذه الآية كذا فى اسباب النزول للواحدى. وثم للدلالة على تباعد رتبة حالهم عن رتبة حالهم التى يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن حكم الغضب والعذاب بطريق الاشارة لا عن رتبة حال الكفرة كذا فى الارشاد {للذين هاجروا} الى دار الاسلام وهم عمار وصهيب وخباب وسالم وبلال ونحوهم. واللام متعلقة بالخبر وهو الفغور على نية التأخير وان الثانية تأكيد للاولى لطول الكلام {من بعد ما فتنوا} اى عذبوا على الارتداد واكرهوا على تلفظ كلمة الكفر فتلفظوا بما يرضيهم اى الكفرة مع اطمئنان قلوبهم {ثم جاهدوا} فى سبيل الله {وصبروا} على مشاق الجهاد {ان ربك من بعدها} من بعد المهاجرة والجهاد والصبر {لغفور} بما فعلوا من قبل اى لستور عليهم محاء لما صدر منهم {رحيم} منعم عليهم من بعد بالجنة جزاء على تلك الافعال الحميدة والخصال المرضية. واعلم ان المهاجرة مفاعلة من الهجرة وهى الانتقال من ارض الى ارض والمجاهدة مفاعلة من الجهد وهو استفراغ الوسع وبذل المجهود وقال فى التعريفات المجاهدة فى اللغة المحاربة وفى الشرع محاربة النفس الامارة بالسوء بتحميلها ما يشق عليها مما هو مطلوب فى الشرع انتهى. وكل من المهاجرة الصورية والمعنوية وكذا المجاهدة مقبولة مرضية اذ من كان فى ارض لا يقيم فيها شعائر دينه واهلها ظالمون فهاجر منها لدينه ولو شبرا وجبت له الجنة ومن فارق موطن النفس والمألوفات وحارب الاعداء الباطنة وجبت له القربة ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهدا. وعن عمر بن الفارض قدس سره انه حضر جنازة رجل من اولياء الله تعالى قال فلما صلينا عليه امتلأ الجو بطيور خضر فجاء طير كبير فابتعله ثم طار فتعجبت فقال لى رجل كان قد نزل من السماء وحضر الصلاة لا تتعجب فان ارواح الشهداء فى حواصل الطيور خضر ترعى فى الجنة اولئك شهداء السيوف واما شهداء المحبة فاجسادهم ارواح اذ آثار الارواح اللطيفة تسرى الى الاجساد فتحصل اللطافة لها ايضا ولذا لا تبلى اجساد الكمل ولا بد لمن اراد ان يصل الى هذه الرتبة ويحيى حياة ابدية من ان يميت نفسه الامارة ويزكيها عن سفساف الاخلاق ورذائل الاوصاف كالكبر والعجب والرياء والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه يقال ان الدركات السبع للنار مقابلة هذه الصفات السبع للنفس فالخلاص من هذه الصفات سبب الخلاص من تلك الدركات: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : ترا شهوت وكبر وحرص وحسد جوخون درركندو جوجان درجسد كر اين دشمنان تقويت يا فتند سراز حكم ورأى تو بر تافتند تو بر كره توسنى در كمر نكر تانييجد ز حكم توسر اكر بالهنك از كفت در كسيخت تن خويشتن كشت وخون توريخت تفسير : ثم ان الله تعالى غفور من حيث الافعال يتجلى لاهل التزكية من مرتبة توحيد الافعال وغفور من حيث الصفات يتجلى لهم من مرتبة التوحيد الصفات وعفور من حيث الذات يتجلى لهم من مرتبة تويحد الذات فيستر افاعلهم وصفاتهم وذواتهم وينعم عليهم بآثار افعاله وانوار صفاته واسرار ذاته فيتخلصون من الفانى ويصلون الى الباقى ويجدون ثمرات المجاهدات وهى المشاهدات ونتائج المفارقات وهى المواصلات وعواقب المعاقبات وهى التنعم فى الجنات العاليات والاستراحة الدائمة فى مقامات القربات اللهم اعنا على سلوك سبيل الهجرة والصبر والجهاد واحفظنا من فتنة اهل البغى والفساد انك انت الاهل للاعانة والامداد.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إن} الثانية: تأكيد، والخبر للأول. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم إِن ربك للذين هاجروا} من دار الكفر إلى المدينة {من بعد ما فُتنوا} أي: عُذبوا على الإسلام؛ كعمار بن ياسر، وأشباهه؛ من المعذبين على الإسلام. هذا على قراءة الضم. وقرأ ابن عامر: "فتنوا"؛ بفتح التاء، أي: فتنوا المسلمين وعذبوهم، فتكون فيمن عذب المسلمين، ثم أسلم وهاجر وجاهد، كعامر بن الحضرمي، أكره مولاه جبرًا حتى ارتد، ثم أسلما وهاجرا ثم جاهدا، وصبرا على الجهاد وما أصابهم من المشاق، {إِن ربك من بعدها}؛ من بعد الهجرة والجهاد والصبر، {لغفور رحيم} أي: لغفور لما مضى قبلُ، رحيم؛ يجازيهم على ما صنعوا بعدُ. الإشارة: من نزلت به قهرية، أو حصلت له فترة، حتى رجع عن طريق القوم، ثم تاب وهاجر من موطن حظوظه وهواه، وجاهد نفسه في ترك شواغل دنياه، واستعمل السير إلى من كان يدله على الله؛ {إن ربك من بعدها لغفور رحيم}؛ يغفر له ما مضى من فترته، ويلحقه بأصحابه وأبناء جنسه. وبالله التوفيق. ثم ذكر يوم الجزاء لمن صبر وهاجر أو الخسران لمن جحد وكفر
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحده {فَتنوا} جعل الفعل لهم. الباقون {فُتنوا} على ما لم يسم فاعله، يقال: فتنت زيداً، وهي اللغة الجيدة، وحكي افتنت. وحجة من قرأ على ما لم يسم فاعله أن الآية نزلت في المستضعفين المفتنين بمكة: عمار وبلال، وصهيب، فانهم حملوا على الارتداد عن دينهم، فمنهم من اعطى ذلك تقية منهم: عمار، فانه اظهر ذلك تقية، ثم هاجر. ومعنى قراءة بن عامر: انه فتن نفسه، والمعنى من بعد ما فتن بعضهم نفسه باظهار ما اظهره بالتقية قال الرماني: في الآية دلالة على انهم فتنوا في دينهم بمعصية كانت منهم، لقوله {إن ربك من بعدها لغفور رحيم} لأن المغفرة الصفح عن الخطيئة، ولو كانوا أعطوا التقية على حقها لم تكن هناك خطيئة. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، ولا في الكلام دلالة عليه، وذلك ان الله تعالى إِنما قال {إن ربك من بعدها} يعني بعد الفتنة التي فتنوا بها {لغفور رحيم} أي ساتر عليهم، لان ظاهر ما اظهروه يحتمل القبيح والحسن، فلما كشف الله عن باطن امورهم، واخبر انهم كانوا مطمئنين بالايمان كان في ذلك ستر عليهم، وازالة الظاهر المحتمل إِلى الآمر الجلي، وذلك من نعم الله عليهم. يقول الله تعالى: إِن هؤلاء الذين هاجروا بعد ما فتنوا عن دينهم، وجاهدوا في سبيله وصبروا على الأذى في جنب الله، فان الله اقسم انه ضمن لهم أن يفعل بهم الثواب، وساتر عليهم، ورحيم بهم منعم عليهم. وقوله {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (يوم) منصوب بأحد شيئين: احدهما - على معنى إِن ربك من بعدها لغفور رحيم (يوم). الثاني - على معنى واذكر يوم، لان القرآن عظة وتذكير، ومعنى تجادل عن نفسها تخاصم كلُّ نفس عن نفسها، وتحتج بما ليس فيه حجة عند الحساب، كما قال تعالى حكاية عنهم: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : وقال الأتباع {أية : ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار}تفسير : فهم يجادلون الملك السائل لهم بين يدي الله، وقيل: تحتج عن نفسها بما تقدّر به ازالة العقاب عنها. ثم اخبر الله ان كلّ نفس توّفى جزاء ما عملته على الطاعة الثواب وعلى المعصية العقاب، ولا يظلم احد في ذلك اليوم أحداً.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} مقابل من كفر بالله (الى آخرها) وثمّ للاشارة الى تفاوت القصّتين والتّباعد بينهما والمعنى انّ ربّك للّذين هاجروا بعد الايمان او قبله من بعد ما فتنوا والهجرة اعمّ من الهجرة الصّوريّة، كما ورد انّ الآية فى عمّار رضى الله تعالى عنه، والهجرة الحقيقيّة اى هاجروا من دار الشّرك الى دار الاسلام، ومن دار النّفس الى اعلى مراتبها هو الصّدر، ومن دار الاسلام الى دار القلب وهى دار الايمان { ثُمَّ جَاهَدُواْ} فى سبيل الله بالجهاد الصّورىّ او فى سبيل الولاية وسبيل القلب بالجهاد الباطنّى {وَصَبَرُواْ} على الجهاد ولم يفرّوا من الاعداء فى الظّاهر والباطن {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} بعد المهاجرة وفائدة التّأكيد التّصريح بانّ المغفرة والرّحمة انّما تكونان بعد الهجرة ولو بعد الشّروع فيها وامّا قبلها فليس للانسان الاّ الاستبصار بمعايبه والانزجار من منتناته وهو باعث على الهجرة والهجرة على المغفرة والرّحمة {لَغَفُورٌ} يستر عن نظر النّاظرين الجيف المنتنة الّتى كانت مع المهاجر حين مقامه فى دار نفسه المشركة {رَّحِيمٌ} بعد المغفرة بالتّفضّل عليه واستبدال الجيف بالصّور الطّيّبة من نعيم الجنان وحورها وغلمانها.
الهواري
تفسير : قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا} أي: من بعد ما عذِّبوا { ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال الحسن: إنهم قوم كانوا بمكة، فعرضت لهم فتنة، فارتدّوا عن الإِسلام، وشكوا في نبي الله، ثم إنهم أسلموا وهاجروا إلى رسول الله بالمدينة، ثم جاهدوا معه وصبروا، فنزلت فيهم هذه الآية. وقال بعضهم: ذكر لنا أنه لما أنزل الله إن أهل مكة لا يقبل منهم إِسلام حتى يهاجروا، كتب بذلك المؤمنون إلى أصحاب لهم بمكة، وخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم. فأنزل الله: (أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُّتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ)تفسير : [العنكبوت:2]، والآية الأخرى التي بعدها. فكتب بها أهل المدينة إلى أهل مكة. فلما جاءهم ذلك تبايعوا أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون أن يقاتلوهم، حتى يلحقوا بالله أن ينجوا، فأنزل الله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا...} إلى آخر الآية. قوله: { يَوْمَ تَأتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} قال الحسن: إن كل نفس توقف بين يدي الله للحساب، ليس يسألها عن عملها إلا الله. قال: {وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} من خير أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أما الكافر فليس له من حسناته في الآخرة شيء، قد استوفاها في الدنيا. وأما سيئاته، فيُوفّاها في الآخرة، يجازى بها النار. وأما المؤمن فهو الذي يوفّى الحسنات في الآخرة، وأما سيئاته فإنّ منهم من لم يخرج من الدنيا حتى ذهبت سيئاته بالبلايا والعقوبة؛ كقوله: (أية : وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ)تفسير : [الشورى:30]. ومنهم من تبقى عليه من سيئاته فيفعل الله فيه ما يشاء. وقد بلغنا أن منهم من تبقى عليه عند الموت فيشدّد عليه في خروج نفسه. ومنهم من تبقى عليه فيشدد عليه في القبر، ومنهم من تبقى عليه فيشدد عليه في الموقف. ومنهم من تبقى عليه منها فيشدد عليه عند الصراط حتى يلقى الله وقد غفر له ذنوبه كلها.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ} أى رحمة ربك الدائمة وهى الربح الكامل أو نصره، وثم لتفاوت الرتب علوًّا {لِلَّذِينَ هَاجَرُوا} إِلى المدينة خبر إن على حذف مضاف إِلى اسمها كما رأيت، أو على معنى إن ربك لهم لا عليهم، كما تقول: إن فلانًا لى لا علىَّ، وهذا أولى، والذى قبله أولى من جعل خبرها لغفور رحيم على أن الثانية واسمها تأكيد للأولى لا خبر لها، كما تقول إن زيدًا إن زيدًا قائم، فقائم خبر للأولى، ولا خبر للثانية، فيتعطل قوله: للذين هاجروا، فيقدر له مبتدأ أى للذين هاجروا إِلخ مغفرة ورحمة، وهو ضعيف، وأضعف منه جعل الخبر للثانية ولا خبر للأولى، أو يتعلق بما بعد اللام، وهو غفور كما تعلق به من بعدها أو خبرها لغفور رحيم محذوف دل عليه المذكور. وفيه أنه يحتاج إلى تقدير مبتدأ للذين هاجروا، مع حذف الخبر. والصواب، إن الخير للذين هاجروا، والمعنى أن رحمته أو نصره للذين هاجروا، أو إن ربك لهم لا لغيرهم لهجرتهم ما ألقوه من الوطن والمال والأصحاب. {مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} صرفوا بالقول والتعذيب من المشركين، ولم يؤثر فيهم صرفهم، أى فتنوا، أو ما افتتنوا أو فتنوا صرفوا عن الإسلام فانصرفوا لفظًا لا قلبًا. {ثُمَّ جَاهَدُوا} جاهدوا أنفسهم أو الأعداء بالسيف، ثم هذه لترتيب الحكم على الآخر فى الزمان على الأصل، وأما فى قوله: ثم إن ربك فللتراخى فى الرتبة لعلو شأن من هاجروا بعد ما فتنوا، وجاهدوا عمن ضلوا، وأضلوا. {وَصَبَرُوا} فى الجهاد والجوع والشدائد. {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} بعد الهجرة، أو بعد الأربعة المهاجرة، والفتن والجهاد، والصبر، أو بعد الفتنة، أو بعد التوبة، لأن ما قبل ذلك يدل عليهما. {لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} لهم لا يضيع أجرهم، ولا يعاقبون على ذنب. نزلت الآية فى عياش بن ربيعة أخى أبى حهل من الرضاعة، وقيل: كان أخاه من أمه، وفى جندل بن سهل به عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة ابن هشام، وعبد الله بن أسد الثقفى عذبهم المشركون فكفروا بعض كفر بألسنتهم، وبعد ذلك هاجروا وجاهدو. وقال الحسن وعكرمة: نزلت فى عبد الله بن أبى سرح أسلم، وكان يكتب الوحى للنبى صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد ولحق بدار الحرب، وأمر صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة، فأَجاره عثمان بن عفان، وكان أخاه لأمه، فأتى وأسلم وحسن إِسلامه، وأظنه لم يحسن فى خلافة عثمان، والصحيح القول الأول إ لم يصل عبد الله بن أبى سرح بعد إِسلامه حال الفتح أن يهاجر، إِذ لا هجرة بعد الفتح، نعم استجوابًا، ولم يبلغ أن يجاهد بعد الفتح لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجاهد بعد الفتح إِلا غزوة هوازن فى قفوله إِلى المدينة فكيف يجاهد وينزل جهاده فى القرآن وصبره فلا يتم ذلك. ولو قلنا: إن الآية مدنية جعلت فى سورة مكية، إذ لم يروا أنه جاهد بعد ردته وإسلامه منها، وذكر قتادة أنها مكية إلا "أية : والذين هاجروا" تفسير : [النحل: 41] و: "ثم إن ربك" و: "أية : وإن عاقبتم"تفسير : [النحل: 126] إلى آخر السورة. قال مقاتل: "أية : من كفر بالله من بعد إيمانه" تفسير : [النحل: 106] "أية : وضرب الله مثلاً قرية" تفسير : [النحل: 112] الآيات، وروى أن الآية نزلت فكتب المسلمون بها إلى من أسلم بمكة، فخرجوا واتبعهم أهل مكة فقاتلوا فقتلوا من قتلوا، ونجا من نجا. فالجهاد قتال من اتبعهم من المشركين، وذكر بعض أن الآية فى عمار وأضرابه، ولا يعترض بأن عمارًا لم يشرح بالكفر صدرًا، ثم تاب، بل أعلى طبقة، لأنا لا نسلم أن الآية فى خصوص من شرح بالكفر صدرا ثم تاب.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} إلى دار الإسلام وهم عمار وأضرابه أي لهم بالولاية والنصر لا عليهم كما يقتضيه ظاهر أعمالهم السابقة فالجار والمجرور في موضع الخبر لإن، وجوز أن يكون خبرها محذوفاً لدلالة خبر {إِنَّ} الثانية عليه، والجار والمجرور متعلق بذلك المحذوف، وقال أبو البقاء: الخبر هو الآتي و {إِنَّ} الثانية واسمها تكرير للتأكيد ولا تطلب خبراً من حيث الإعراب، والجار والمجرور متعلق بأحد المرفوعين على الإعمال، وقيل: بمحذوف على جهة البيان كأنه قيل: أعني للذين أي الغفران وليس بشيء، وقيل: لا خبر لإن هذه في اللفظ لأن خبر الثانية أغنى عنه وليس بجيد كما لا يخفى و {ثُمَّ } للدلالة على تباعد رتبة حالهم هذه عن رتبة حالهم التي يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن حكم الغضب والعذاب لا عن رتبة حال الكفرة {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } أي عذبوا على الارتداد، وأصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ثم تجوز به عن البلاء وتعذيب الإنسان. وقرأ ابن عامر {فتنوا} مبنياً للفاعل، وهو ضمير المشركين عند غير واحد أي عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبراً حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا أو وقعوا في الفتنة فإن فتن جاء متعدياً ولازماً وتستعمل الفتنة فيما يحصل عنه العذاب. وقال أبو حيان: الظاهر أن الضمير عائد على {ٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} والمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول كما فعل عمار أو كانوا صابرين على الإسلام وعذبوا بسبب ذلك صاروا كأنهم عذبوا أنفسهم {ثُمَّ جَـٰهَدُواْ} الكفار {وَصَبَرُواْ} على مشاق الجهاد أو على ما أصابهم من المشاق مطلقاً. {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي المذكورات من الفتنة والهجرة/ والجهاد والصبر، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من علية الصلة. وجوز أن يكون الضمير للفتنة المفهومة من الفعل السابق ويكون ما ذكر بياناً لعدم إخلال ذلك بالحكم، وقال ابن عطية: يجوز أن يكون للتوبة والكلام يعطيها وإن لم يجر لها ذكر صريح {لَغَفُورٌ} لما فعلوا من قبل {رَّحِيمٌ} ينعم عليهم مجازاة لما صنعوا من بعد، وفي التعرض لعنوان الربوبية في الموضعين إيماء إلى علة الحكم وما في إضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام مع ظهور الأثر في الطائفة المذكورة إظهار لكمال اللطف به صلى الله عليه وسلم [وإشعاراً] بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة بواسطته عليه الصلاة والسلام ولكونهم أتباعاً له. هذا وكون الآية في عمار وأضرابه رضي الله تعالى عنهم مما ذكره غير واحد، وصرح ابن إسحاق بأنها نزلت فيه وفي عياش بن أبـي ربيعة والوليد بن أبـي ربيعة والوليد بن الوليد، وتعقبه ابن عطية بأن ذكر عمار في ذلك غير قويم فإنه أرفع طبقة هؤلاء، وهؤلاء ممن شرح بالكفر صدراً فتح الله تعالى لهم باب التوبة في آخر الآية، وذكر أن الآية مدنية وأنه لا يعلم في ذلك خلافاً، ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت فكتب بها المسلمون إلى من كان أسلم بمكة إن الله تعالى قد جعل لكم مخرجاً فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل، وأخرج ذلك ابن مردويه، وفي رواية أنهم خرجوا واتبعوا وقاتلوا فنزلت، وأخرج هذا ابن المنذر وغيره عن قتادة، فالمراد بالجهاد قتالهم لمتبعيهم، وأخرج ابن جرير عن الحسن وعكرمة أنها نزلت في عبد الله ابن أبـي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به النبـي عليه الصلاة والسلام أن يقتل يوم فتح مكة فاستجار له عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فأجاره النبـي صلى الله عليه وسلم، والمراد نزلت فيه وفي أشباهه كما صرح به في بعض الروايات، وفسروا {فُتِنُواْ} على هذا بفتنهم الشيطان وأزلهم حتى ارتدوا باختيارهم، وما ذكره ابن عطية فيمن ذكر مع عمار غير مسلم، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أن عياشاً رضي الله تعالى عنه كان أخا أبـي جهل لأمه وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً ليرتد عن الإسلام. وفي "التفسير الخازني" أن عياشاً وكان أخا أبـي جهل من الرضاعة، وقيل: لأمه وأبا جندل بن سهل بن عمرو وسلمة بن هشام والوليد بن المغيرة وعبد الله بن سلمة الثقفي فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا والآية نزلت فيهم، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : من كفر بالله من بعد إيمانه}تفسير : [سورة النحل: 106] إلى قوله: {أية : هم الخاسرون}تفسير : [سورة النحل: 109]. و{ثمّ} للترتيب الرتبي، كما هو شأنها في عطفها الجمل. وذلك أن مضمون هذه الجملة المعطوفة أعظمُ رُتبة من المعطوف عليها، إذ لا أعظم من رضى الله تعالى كما قال تعالى: {أية : ورضوان من الله أكبر} تفسير : [سورة آل عمران: 15]. والمراد {بالذين هاجروا} المهاجرون إلى الحبشة الذين أذِن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة للتخلّص من أذى المشركين. ولا يستقيم معنى الهجرة هنا إلا لهذه الهجرة إلى أرض الحبشة. قال ابن إسحاق: «حديث : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمّه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملِكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض الحبشة مَخافة الفتنة وفراراً بدينهم»تفسير : اهــــ. فإن الله لما ذكر الذين آمنوا وصبروا على الأذى وعذر الذين اتّقوا عذاب الفتنة بأن قالوا كلام الكفر بأفواههم ولكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان ذكر فريقاً آخر فازوا بفرار من الفتنة، لئلا يتوهّم متوهّم أن بعدهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الشدّة يوهن جامعة المسلمين فاستُوفِيَ ذكر فرق المسلمين كلها. وقد أومَأ إلى حظّهم من الفضل بقوله: {هاجروا من بعد ما فتنوا}، فسمّى عملهم هِجرة. وهذا الاسم في مصطلح القرآن يدل على مفارقة الوطن لأجل المحافظة على الدين، كما حكي عن إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ {أية : وقال إني مهاجر إلى ربي} تفسير : [سورة العنكبوت: 26]. وقال في الأنصار يحبّون من هاجر إليهم، أي المؤمنين الذين فارقوا مكّة. وسمّى ما لقوه من المشركين فتنة. والفتنة: العذاب والأذى الشديد المتكرّر الذي لا يترك لمن يقع به صبراً ولا رأياً، قال تعالى: {أية : يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم} تفسير : [سورة الذاريات: 13 - 14]، وقال: {أية : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} تفسير : [سورة البروج: 10]. وتقدم بيانها عند قوله تعالى: {أية : والفتنة أشدّ من القتل} تفسير : في سورة البقرة (191). أي فقد نالهم الأذى في الله. والمجاهدة: المقاومة بالجُهد، أي الطاقة. والمراد بالمجاهدة هنا دفاعهم المشركين عن أن يردّوهم إلى الكفر. وهاتان الآيتان مكّيتان نازلتان قبل شرع الجهاد الذي هو بمعنى قتال الكفار لنصر الدين. والصبر: الثبات على تحمّل المكروه والمشاق، وتقدم في قوله تعالى: {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : في سورة البقرة (45). وأكّد الخبر بحرف التوكيد وبالتوكيد اللفظي لتحقيق الوعد، والاهتمام يدفع النقيصة عنهم في الفضل. ويدلّ على ذلك ما في صحيح البخاري: حديث : أن أسماء بنت عُميس، وهي ممّن قدم من أرض الحبشة، دخلت على حفصة فدخل عمر عليهما فقال لها: سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله منكم، فغضبت أسماء وقالت: كلا والله، كنتم مع النبي يُطعم جائعَكم ويعظ جاهلكم، وكنّا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة ونحن كنا نؤذى ونُخاف، وذلك في الله ورسوله، وأيم الله لا أطعَم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بيتَ حفصة قالت أسماء: يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا، قال: فما قلتِ له؟ قالت: قلت له كذا وكذا، قال: «ليست بأحقّ بي منكم وله ولأصحابه هِجرة واحدة ولكم أنتم أهلَ السفينة هجرتان»تفسير : . واللام في قوله: {للذين هاجروا} متعلّق بــــ«غفور» مقدّم عليه للاهتمام. وأعيد {إن ربك} ثانياً لطول الفصل بين اسم {إن} وخبرها المقترن بلام الابتداء مع إفادة التأكيد اللّفظي. وتعريف المسند إليه الذي هو اسم {إن} بطريق الإضافة دون العلمية لما يُومىء إليه إضافة لفظ (ربّ) إلى ضمير النبي من كون المغفرة والرحمة لأصحابه كانت لأنهم أوذوا لأجل الله ولأجل النبي صلى الله عليه وسلم فكان إسناد المغفرة إلى الله بعنوان كونه ربّ محمد صلى الله عليه وسلم حاصلاً بأسلوب يدلّ على الذّات العليّة وعلى الذّات المحمدية. وهذا من أدقّ لطائف القرآن في قرن اسم النبي باسم الله بمناسبة هذا الإسناد بخصوصه. وضمير {من بعدها} عائد إلى الهجرة المستفادة من {هاجروا}، أو إلى المذكورات: من هجرة وفتنة وجهاد وصبر، أو إلى الفتنة المأخوذة من {فتنوا}. وكل تلك الاحتمالات تشير إلى أن المغفرة والرحمة لهم جزاء على بعض تلك الأفعال أو كلّها. وقرأ ابن عامر {فَتَنوا} ــــ بفتح الفاء والتاء ــــ على البناء للفاعل، وهي لغة في افتتن، بمعنى وقع في الفتنة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هاجروا: أي إلى المدينة. من بعد ما فتنوا: أي فتنهم المشركون بمكة فعذبوهم حتى قالوا كلمة الكفر مكرهين. إن ربك من بعدها: أي من بعد الهجرة والجهاد والصبر على الإِيمان والجهاد. لغفورٌ رحيم: أي غفورٌ لهم رحيم بهم. يوم تأتي: أي اذكر يا محمد يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها. مثلاً قرية: هي مكة. رزقها رغداً: أي واسعاً. فكفرت بأنعم الله: أي بالرسول والقرآن والأمن ورغد العيش. فأذاقها الله لباس الجوع: أي بسبب قحطٍ أصابهم حتى أكلوا العهن لمدة سبع سنين. والخوف: حيث أصبحت سرايا الإِسلام تغزوهم وتقطع عنهم سبل تجارتهم. معنى الآيات: بعدما ذكر الله تعالى رخصة كلمة الكفر عند الإِكراه وبشرط عدم انشراح الصدر بالكفر ذكر مخبراً عن بعض المؤمنين، تخلفوا عن الهجرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أرادوا الهجرة منعتهم قريش وعذبتهم حتى قالوا كلمة الكفر، ثم تمكنوا من الهجرة فهاجروا وجاهدوا وصبروا فأخبر الله تعالى عنهم بأنه لهم مغفرته ورحمته، فلا يخافون ولا يحزنون فقال تعالى {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ} أيها الرسول {لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} أي عُذِّبوا {ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفورٌ لهم رحيمٌ بهم. وقوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} أي اذكر ذلك واعظاً به المؤمنين أي تخاصم طالبةً النجاة لنفسها {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي من خيرٍ أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لأن الله عدلٌ لا يجوز في الحكم ولا يظلم، وقوله تعالى: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً}، أي مكة {كَانَتْ آمِنَةً} من غارات الأعداء {مُّطْمَئِنَّةً} لا ينتابها فزعٌ ولا خوف، لما جعل الله تعالى في قلوب العرب من تعظيم الحرم وسكانه، {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً} أي واسعاً {مِّن كُلِّ مَكَانٍ} حيث يأتيها من الشام واليمن في رحلتيهما في الصيف والشتاء {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} وهي تكذيبها برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنكارها للتوحيد، وإصرارها على الشرك وحرب الإسلام {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ} فدعا عليهم الرسول اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف السبع الشداد، فأصابهم القحط سبع سنوات فجاعوا حتى أكلوا الجِيفْ والعهن، وأذاقها لباس الخوف إذ أصبحت سرايا الإِسلام تعترض طريق تجارتها بل تغزوها في عقر دارها، وقوله تعالى {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} أي جزاهم الله بالجوع والخوف بسبب صنيعهم الفاسد وهو اضطهاد المؤمنين بعد كفرهم وشركهم وإصرارهم على ذلك. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ} هو محمد صلى الله عليه وسلم {فَكَذَّبُوهُ} أي جحدوا رسالته وأنكروا نبوته وحاربوا دعوته {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} عذاب الجوع والخوف والحال أنهم {ظَالِمُونَ} أي مشركون وظالمون لأنفسهم حيث عرضوها بكفرهم إلى عذاب الجوع والخوف. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل الهجرة والجهاد والصبر، وما تكفر هذه العبادات من الذنوب وما تمحو من خطايا. 2- وجوب التذكير باليوم الآخر وما يتم فيه من ثواب وعقاب للتجافي عن الدنيا والإِقبال على الآخرة. 3- استحسان ضرب الأمثال من أهل العلم. 4- كفر النعم بسبب زوالها والانتقام من أهلها. 5- تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في ما جاء به، ولو بالإِعراض عنه وعدم العمل به يجر البلاء والعذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَاهَدُواْ} (110) - وَهؤُلاءِ صِنْفٌ آخَرُ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مُهَانِينَ فِي قَوْمِهِمْ، فَوَافَقُوهُمْ عَلَى الفِتْنَةِ، ثُمَّ أَمْكَنَهُمُ الخَلاَصُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَتَرَكُوا بِلادَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَغُفْرَانِهِ، وَالتَحَقُوا بِالمُؤْمِنينَ، وَجَاهَدُوا مَعَهُمْ، فَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ مِنْ بَعْدِ أَفْعَالِهِمْ (مِنْ بَعْدِهَا)، وَمِنْ بَعْدِ هَذِهِ الاسْتِجَابَةِ إِلى الفِتْنَةِ، لَغَفُورٌ رَحِيمٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ. فُتِنُوا - عُذِّبُوا وَابْتُلُوا بِسَبَبِ إِسْلاَمِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {فُتِنُواْ ..} [النحل: 110]. أي: ابتلوا وعُذِّبوا عذاباً أليماً؛ لأنهم أسلموا. وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110]. من رحمة الله تعالى أن يفتح باب التوبة لعبادة الذين أسرفوا على أنفسهم، ومن رحمته أيضاً أن يقبل توبة مَنْ يتوب؛ لأنه لو لم يفتح الله باب التوبة للمذنب ليئسَ من رحمة الله، ولتحوَّل - وإن أذنب ولو ذنباً واحداً - إلى مجرم يشقَى به المجتمع، فلم يَرَ أمامه بارقة أمل تدعوه إلى الصلاح، ولا دافعاً يدفعه إلى الإقلاع. أما إذا رأى باب ربه مفتوحاً ليل نهار يقبل توبة التائب، ويغفر ذنب المسيء، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها". تفسير : بل ويزيده ربنا سبحانه وتعالى من فضله إنْ أحسن التوبة، وندم على ما كان منه، بأن يُبدِّل سيئاته حسناتٍ، كما قال سبحانه: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الفرقان: 70]. لو رأى المذنب ذلك كان أَدْعى لإصلاحه، وأجْدَى في انتشاله من الوَهْدة التي تردَّى فيها. إذن: تشريع التوبة من الحق سبحانه رحمة، وقبولها من المذنب رحمة أخرى؛ لذلك قال سبحانه: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..} تفسير : [التوبة: 118]. أي: شرع لهم التوبة ودَلَّهم عليها، ليتوبوا هم. فإنْ اغترَّ مُغْترٌّ برحمة الله وفضله فقال: سأعمل سيئات كثيرة حتى يُبدِّلها الله لي حسنات. نقول له: ومَنْ يدريك لعله لا تنطبق عليك شروط الذين يُبدّل الله سيئاتهم حسنات، وهل تضمن أنْ يُمهِلك الأجل إلى أن تتوب، وأنت تعلم أن الموت يأتي بغتة؟ ثم يقول الحق سبحانه: {يَوْمَ تَأْتِي ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الامتحان بالافتتان، فقال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} [النحل: 110] إشارة إلى طالب صادق هاجر نفسه وأعرض عن متابعة هواها وترك شهواتها واستيفاء حظوظها، وأقبل على الله بصدق الطلب وبذل الجهد من بعد الافتتان بتحصيل شهوات النفس ويتبع هواها في مخالفة أوامر الحق ونواهيه {ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} [النحل: 110] أي: جاهدوا النفس على تزكيتها عن صفاتها الذميمة بموافقة الشريعة ومخالفة الطبيعة وموافقة الطريقة، وصبر على مقاساة شدائد الرياضات والمجاهدات تحت تصرفات المشايخ متمسكاً بذيل إرادتهم ملازماً بصحبتهم من إقبال إشارتهم مشمراً بنجدتهم {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} [النحل: 110] أي: من بعد الخلاص عن الفتنة ومخالفة النفس وهواها والإقبال على الله {لَغَفُورٌ} يغفر لهم ما سلف منهم من السيئات ويبدلها بالحسنات في تزكية النفس وتبديل أخلاقها {رَّحِيمٌ} [النحل: 110] برحمة المشاهدة بعد المجاهدة. وفي قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: 111] إشارة إلى أحوال أرباب النفوس أن كل نفس على قدر بقاء وجودها تجادل عن نفسها إما دفعاً لعنادها أو جذباً لمنافعها حتى الأنبياء - عليهم السلام - يقولون: نفسي نفسي إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ذاته، فانٍ عن نفسه باقٍ بربه يقول: "أمتي أمتي" لأنه المغفور له من ذنب وجوده المتقدم في الدنيا، والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج، إذ المواجهة بخطاب: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" تغني عن وجوده بالسلام، وبقي بجوده بالرحمة بوجوده، وكان رحمة مهداة أرسل بركاته إلى الناس كافة، ولكنه رفع الزلة من تلك الضيافة خاصة بخواص متابعة، كما قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" يعني: الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ونيل الجود فما بقي لهم مجادلة عن نفوسهم مع الخلق والخالق، كما قال بعضهم: كل الناس يقولون إذا: نفسي نفسي وأنا أقول: ربي ربي. وفي قوله: {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [النحل: 111] إشارة إلى أن كل نفس عملت سوء توفى بالعذاب بناء الجحيم ونار القطيعة، وكل نفس عملت خيراً توفى في الثواب من نعيم الجنان ولقاء الرحمن {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [النحل: 111] أي: لا يكذب أهل النعيم ولا يثاب أهل الجحيم. ثم أخبر عن أهل كفران النعمة وما أصابهم من المحبة بقوله: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً} [النحل: 112] إشارة إلى قرية شخص الإنسان كانت آمنة أي: أهل القرية وهو الروح الإنساني والقلب {مُّطْمَئِنَّةً} [النحل: 112] اطمئنان بذكر الله {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا} [النحل: 112] من الطاعات والعبادات {رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ} [النحل: 112] روحاني وجسماني {فَكَفَرَتْ} [النحل: 112] النفس الأمارة {بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} [النحل: 112] بنعم الطاعات والتوفيق واتبعت هواها وتمتعت بشهواتها. {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ} [النحل: 112] بسدل الحجب النفسانية، وسد الطرق الروحانية، وقطع مواد التوفيق، فانقطع عن الروح والقلب والنفس مبرة الحق، فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات، وقوله: {وَٱلْخَوْفِ} [النحل: 112] هو خوف العذاب والانقطاع عن الله {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] من كفران النعمة وتتبع الشهوة والتمتع بالدنيا الدنية. وفي قوله: {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ} [النحل: 113] إشارة إلى رسول الخاطر الروحاني المؤيد بالإلهام الرباني فكذبوه وما قبلوا منه ما أمرهم من الأخلاق الحميدة التي بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها على وفق الشرع {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} [النحل: 113] عذاب الخذلان والهجران {وَهُمْ ظَالِمُونَ} [النحل: 113]. وفي قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً} [النحل: 114] إشارة إلى الطالبين الصادقين التائبين على قدم صدق في الطلب، الصابرين على مقاساة شدائد المجاهدات بتناول ما رزقهم الله من أنوار الشريعة، وأسرار الطريقة، وحقائق الحقيقة التي أعرض عنها وحرمها على أنفسهم أرباب النفوس من البطلة والجهلة. {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} [النحل: 114] وهي الإيمان وتوفيق الطاعات، وصدق الطلب، وظهور شواهد الحق، والترقي في الدرجات، وعبور المقامات ومزيد الأحوال، وأما شكر هذه النعم برؤيتها عن المنعم، واستعمالها في طلب المنعم للوصول إلى المنعم لا بحصول النعم {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] تطلبون إياه لأمته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ثم إن ربك الذي ربى عباده المخلصين بلطفه وإحسانه لغفور رحيم لمن هاجر في سبيله، وخلى دياره وأمواله طلبا لمرضاة الله، وفتن على دينه ليرجع إلى الكفر، فثبت على الإيمان، وتخلص ما معه من اليقين، ثم جاهد أعداء الله ليدخلهم في دين الله بلسانه ويده، وصبر على هذه العبادات الشاقة على أكثر الناس. فهذه أكبر الأسباب التي تنال بها أعظم العطايا وأفضل المواهب، وهي مغفرة الله للذنوب صغارها وكبارها المتضمن ذلك زوال كل أمر مكروه، ورحمته العظيمة التي بها صلحت أحوالهم واستقامت أمور دينهم ودنياهم، فلهم الرحمة من الله في يوم القيامة حين: { تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا } كلٌّ يقول نفسي نفسي لا يهمه سوى نفسه، ففي ذلك اليوم يفتقر العبد إلى حصول مثقال ذرة من الخير. { وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ } من خير وشر { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } فلا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم {أية : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):